الفاتحة آية كررها سبعًا، قال القاضي: لا يجزئه غير ذلك؛ لأن الآية منها أقرب إليها من غيرها، وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك كرره بقدره، وإن عوف بعض آية لم يلزمه تكرارها وعدل إلي غيرها، ويجب أن يقرأ بعدد آياتها، وهل يعتبر أن يكون في عدد حروفها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتبر، والثاني: يلزمه ذلك، فإن لم يحسن شيئًا من القرآن ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا تلزمه الزيادة على هذه، وعن بعض الشافعية: يزيد عليها كلمتين حتى يكون مقام سبع آيات ولا يصح ذلك. انتهى.
قلت: هذا كله على أصلهم أن قراءة الفاتحة فرض عندهم، وأما على أصل الحنفية: أنه يقرأ ما تيسر له من القرآن، فإن عجز عن ذلك بالكلية يدعو بما شَابَهَ ألفاظ القرآن فإن فرضنا أنه لا يقدر على إتيان شيء من الأدعية يصلي هكذا ولا يلزمه غير ذلك، وفيه بيان مقدار الركوع الذي لا بد منه، وهو أن يطمئن راكعًا.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (١): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن من سمع محمَّد بن علي يقول: "يجزئه من الركوع إذا وضع يديه على ركبتيه، ومن السجود إذا وضع جبهته على الأرض".
ثنا (٢) ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "يجزئ من الركوع إذا أمكن يديه من ركبتيه، ومن السجود إذا أمكن جبهته من الأرض".
وفيه بيان مقدار السجود الذي لا بد منه، وهو أن يطمئن جالسًا.
فإن قيل: لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات كالنية، والقعدة الأخيرة، وترتيب الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير، والصلاة على النبي ﵇، وإصابة لفظة السلام.
стр. 1927
قلت: لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا الرجل فلذلك لم يبينها؛ فافهم.
ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه.
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه الجماعة غير النسائي:
فالبخاري (١): عن مسدد، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: ثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﵇ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﵇، فرد النبي ﵇ ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصل ثم جاء فسلم على النب ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل -ثلاثًا- فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها".
ومسلم (٢): عن محمَّد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله ... إلي آخره نحوه.
وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن أنس، يعني: ابن عياض.
قال: ونا ابن المثني، قال: حدثني ابن سعيد، عن عبيد الله -وهذا لفظ ابن المثني- قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد ... " الحديث نحوه.
стр. 1928
والترمذي (١): عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: أنا عبيد الله بن عمر، قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ دخل المسجد ... " الحديث نحوه.
وابن ماجه (٢): عن ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: "أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله ﵇ في ناحية المسجد، فجاء فسلم، فقال: وعليك فأرجع فصل فإنك لم تصل ... " الحديث.
قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ينافي فرضية قراءة فاتحة الكتاب؛ إذ لو كانت فرضًا لأمره النبي ﵇ بذلك، بل هو صريح في الدلالة على أن الفرض مطلق القراءة كما هو مذهب أبي حنيفة، وقال الخطابي: قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزئه غيرها، بدليل قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهذا في الإطلاق كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) ثم كان أقل ما يجزئ من الهدي معينًا معلوم المقدار ببيان السنة، وهو الشاة.
قلت: يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلًا على حسب اختياره بكلام ينقض آخره أوله حيث اعترف أولًا أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه الاحتمال.
وقوله: "وهذا في الإطلاق كقوله تعالى ... " إلى آخره فاسد؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم، وأقل ما يجزئ شاة، فيكون مرادًا بالسنة بخلاف قوله: "ما تيسر معك من القرآن" فإنه ليس كذلك، فإنه يتناول كل
стр. 1929
ما يطلق عليه اسم القرآن، فيتناول الفاتحة وغيرها، ثم تخصيصه بالفاتحة من غير مخصص ترجيح بلا مرجح، وهو باطل، ولا يجوز أن يكون قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" مخصصًا؛ لأنه ينافي معنى اليسر فينقلب الى عسر، وهو باطل.
قوله: "ثم افعل ذلك" أي ما ذكرنا من الهيئات في صلاتك كلها.
وقال الخطابي: وفيه دلالة على أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة. وقال أصحاب الرأي: إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ، وإن شاء أن يسبح سبح وإن لم يقرأ فيهما شيئًا أجزأه، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال: "يقرأ الأولين ويسبح في الأخريين" (١) من طريق الحارث عنه، وقد تكلم الناس في الحديث قديمًا، وممن طعن فيه الشعبي ورماه بالكذب، وتركه أصحاب الصحيح، ولو صح عن عليّ ﵁ لم يكن حجة؛ لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم: أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة ﵃ وغيرهم، وسنة رسول الله ﵇ أولى ما اتبع، بل قد ثبت عن عليّ ﵁ من طريق عبيد الله بن أبي رافع: "أنه كان يأمر أن يقرأ في الأولين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب" (٢).
قلت: وإن دل قوله ذلك على أن يقرأ في كل ركعة، فقد دل غيره أن القراءة في الأولين قراءة في الأخريين، بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال: "شكى أهل الكوفة سعدًا ... " الحديث (٣)، وفيه: "واحذف في الأخريين" أي احذف القراءة في الأخريين، وتفسيره بقولهم: أقصر الصلاة ولا أحذفها؛ كلها خلاف الظاهر، وقوله: "لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه" غير مسلَّم؛ لأنه روي عن ابن مسعود مثله.
стр. 1930
على ما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله: "أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين".
وكذا روي عن عائشة، وكذا روي عن إبراهيم (٢) والأسود (٣).
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: "كان عليًّا ﵁ يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين".
وهذا إسناد صحيح، وينافي قول الخطابي: "بل قد ثبت عن عليّ ﵁ من طريق عبيد الله ... " إلى آخره.
وفي "التهذيب" لابن جرير الطبري: وقال حماد: عن إبراهيم، عن ابن مسعود: "أنه كان لا يقرأ في الركعتين الآخريين من الظهر والعصر شيئًا".
وقال هلال بن سنان: "صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد، فسمعته يسبح".
وروى منصور، عن جرير، عن إبراهيم قال: "ليس في الركعتين الآخريين من المكتوبة قراءة، سبح الله واذكر الله".
وقال سفيان الثوري: اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخرين بفاتحة الكتاب -أو سبح فيهما بقدر الفاتحة-أيُّ ذلك فعلت أجزاك، وإن سبح في الآخرين أحب إليّ". والله أعلم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فأخبر رسول الله ﷺ في هذين الحديثين بالفرض الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به ما هو، فعلمنا أن ما سوى ذلك إنما أريد به أدنى ما يبتغى به الفضل، وإن كان ذلك الحديث -الذي ذلك فيه منقطعًا- غير
стр. 1931
مكافئ لهذين الحديثين في إسنادهما، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد- ﵏.
ش: أراد بهذين الحديثين: الحديث رواه رفاعة بن رافع، والحديث الذي رواه أبو هريرة؛ فإن فيهما أخبر بمقدار الفرض في الركوع والسجود الذين لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به، فعلمنا من ذلك أن ما سوى ذلك من الأحاديث نحو حديث ابن مسعود الذي احتج به أهل المقالة الأولى وأمثاله إنما يراد بها طلب الفضيلة والكمال.
قوله: "وإن كان ذلك الحديث" أراد به حديث ابن مسعود الذي ذكر في أول الباب، و"الواو" في "وإن" للحال، و"إنْ" مخففة من المثقلة، والتقدير: والحال أنه أي أن الشأن "كان ذلك الحديث" أي حديث ابن مسعود "الذي ذلك فيه" أي في الحديث، وذلك إشارة إلى قوله: "أدنى ما يبتغى به الفضل" أي أدنى ما يطلب به الفضيلة والكمال.
قوله: "منقطعًا" حال من الحديث.
وقوله: "غير مكافئ" بنصب "غير"؛ لأنه خبر "كان" أي غير مماثل ولا نظير لهذين الحديثين، أعني حديثي رفاعة وأبي هريرة في قوة إسنادهما.
الحاصل: أنه أجاب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة.
أشار إلى الجواب الأول بقوله: "إنما أريد به أدنى ما يبتغى الفضل".
وإلى الثاني: بقوله "منقطعًا" لأن حديث ابن مسعود منقطع كما ذكرنا هناك؛ لأن راويه هو عون بن عبد الله عن ابن مسعود، وعون لم يلق ابن مسعود؛ فإذا كان منقطعًا فلا تقوم به الحجة.
وإلى الثالث: بقوله: "غير مكافئ لهذين الحديثين في إسنادهما" حاصله: ولئن سلمنا عدم الانقطاع؛ فإنه لا يماثل حديثي رفاعة وأبي هريرة لقوة إسنادهما واستقامة مخرجهما؛ وذلك لأنا قد ذكرنا أن حديث أبي هريرة أخرجه الشيخان
стр. 1932
وغيرهما، وحديث رفاعة مخرج على شرط البخاري، وحديث ابن مسعود ليس كذلك، فلا يعارضهما، وتعين الحكم لحديثي رفاعة وأبي هريرة. فافهم.
قوله: "وهذا قول أبي حنيفة ... " إلى آخره أي ما ذكرنا من أن مقدار الركوع: أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود: أن يسجد حتى يطمئن ساجدا. هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقد ذكرنا أن الطحاوي لم ينصب بينهم خلافًا كما قد نصبه غيره من المتأخرين والله تعالى أعلم.
стр. 1933
ص: باب: ما ينبغي أن يقال في الركوع والسجود
ش: أي هذا باب في بيان ما ينبغي أن يدعى به من الأدعية في حالة الركوع وحالة السجود.
ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت وبك أمنت ولك أسلمت وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي لله رب العالمين ، ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء (ح)
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي وعبد الله بن صالح، قالوا: أخبرنا عبد العزيز بن الماجشون، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل، عن الأعرج ... فذكروا بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح: قد ذكرها الطحاوي بعينها في باب: ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام ولكنه اقتصر هناك في المتن على: "وجهت وجهي" لأجل التبويب.
وقد ذكرنا أنه أخرجه الجماعة -غير البخاري- مختصرًا ومطولًا (١).
والوهبي هو أحمد بن خالد بن محمَّد الكندي، واستوفينا الكلام هناك في الماجشون، والمراد من الماجشون الثاني هو يعقوب بن أبي سلمة عم عبد العزيز المذكور، وهم أهل بيت يلقبون بالماجشون.
стр. 1934
قوله: "وهو راكع" جملة اسمية حالية.
قوله: "اللهم لك ركعت" يعني يا الله ركعت لأجلك، وتأخير الفعل للاختصاص، والركوع: الميلان والخرور، يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وقد يذكر ويراد به الصلاة، من إطلاق اسم الجزء على الكل.
قوله: "وبك أمنت" أي صدقت.
قوله: "وبك أسلمت" أي انقدت وأطعت.
قوله: "خشع لك سمعي" أي خشي وخضع، وخشوع السمع والبصر والمخ والعظم والعصب كالخضوع في البدن.
فإن قيل: كيف يتصور الخشوع من هذه الأشياء؟
قلت: ذكر الخشوع وأراد به الانقياد والطاعة، فيكون هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم.
فإن قيل: ما وجه تخصيص السمع والبصر من بين الحواس، وتخصيص المخ والعظم والعصب من بين سائر أجزاء البدن.
قلت: أما تخصيص السمع والبصر فلأنهما أعظم الحواس وأكثرها فعلًا وأقواها عملًا وأمسها حاجة؛ ولأن أكثر الآفات للمصلي بهما؛ فإذا خشعتا قلَّت الوساوس الشيطانية.
وأما تخصيص المخ والعظم والعصب؛ فلأن ما في أقصى قعر البدن المخ، ثم العظم ثم العصب؛ لأن المخ يمسكه العظم، والعظم يمسكه العصب، وسائر أجزاء البدن مركبة عليها، فهذه عمدُ بِنْية الحيوان وأطنابها، وأيضًا العصب خزانة الأرواح النفسانية، واللحم والشحم غادٍ ورائح، فإذا حصل الانقياد والطاعة عن هذه فالذي يتركب عليها بالطريق الأولى.
فإن قيل: ما معنى انقياد هذه الأشياء؟
стр. 1935
قلت: أما انقياد السمع فالمراد به: قبول سماع الحق والإعراض عن سماع الباطل.
وأما انقياد البصر فالمراد به: صرف نظره إلي كل ما ليس فيه حرمة والاعتبار به في المشاهدات العلوية والسفلية.
وأما انقياد المخ والعظم والعصب فالراد به: انقياد باطنه كانقياد ظاهره؛ لأن الباطن إذا لم يوافق الظاهر لا يكون انقياد الظاهر مفيدًا معتبرًا، وانقياد الباطن عبارة عن تصفيته عن دنس الشرك والنفاق وتزيينه بالإخلاص والعلم والحكمة، وترك الغل والغش والحقد والحسد والظنون والأوهام الفاسدة ونحو ذلك من الأشياء التي تخبث الباطن.
وانقياد الظاهر عبارة عن استعمال الجوارح بالعبادات كل جارحة بما تخصها من العبادة التي وضعت لها.
فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله: "خشع لك سمعي" بما قبله، وما وجه ترك العاطف بين الجملتين.
قلت: كأن هذا وقع بيانًا لقوله: "ولك أسلمت" فلذلك ترك العاطف؛ لأن معنى لك أسلمت: انقدت وأطعت، ومعنرل خشع سمعي ... إلى آخره: الانقياد والإطاعة كما قررناه، فكأنه ﵇ بين نوعي الانقياد والإطاعة بقوله: "خشع سمعي ... " إلى آخره بعد الإجمال، فقوله: "خشع سمعي وبصري" بيان الانقياد الظاهر، وقوله: "مخي وعظمي وعصبي" بيان الانقياد الباطن، فهذه الأسئلة والأجوبة لاحت لي في هذا الموضع من الفيض الإلهي والسر الرحماني، فلله المنة والحمد.
قوله: "وشق سمعه وبصره" من الشَّق بفتح الشين أي فلق وفتح، والشِّق بكسر الشين نصف الشيء، واستدل الزهري بهذا على أن الأذنين من الوجه، والجواب
стр. 1936
عنه: أن المراد بالوجه جملة الذات كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١) ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه، وأيضًا: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره كما يقال: بساتين البلد.
قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (٢) أي المقدرين والمصورين، ومعنى "تبارك": تعالى وتعاظم، من البركة.
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الئه بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين".
ش: هذا طريق آخر فيه، وهو أيضًا صحيح، وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي وابن جريج هو عبد الملك.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن روح، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "وما استقلت به" من قولهم: استقل بالشيء إذا استبد به، ويقال: استقله يستقله إذا رفعه وحمله، وكذلك أقل الشيء يقله.
ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليَّ كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيت أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد،
стр. 1937
فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم".
ش: عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي المعروف بابن عائشة شيخ أحمد وأبي داود، وثقه ابن حبان، وقال: أبو داود صدوق. روى له الترمذي والنسائي.
وعبد الواحد بن زياد العبدي أبو عبيدة البصري روى له الجماعة، وعبد الرحمن ابن إسحاق بن الحارث أبو شيبة الواسطي ابن أخت النعمان بن سعد الأنصاري، فيه مقال، قال أبو داود والنسائي وابن حبان: ضعيف. وعن أحمد: ليس بشيء. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه. روى له أبو داود والترمذي.
والنعمان بن سعد بن حبتة، ويقال: ابن حبتر الأنصاري، قال أبو حاتم: لم يرو عنه غير ابن أخته عبد الرحمن بن إسحاق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى له الترمذي.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١): حدثني سويد بن سعيد سنة ستة وعشرين ومائتين، أنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: "سأله رجل أقرأ في الركوع والسجود؟ فقال: قال رسول الله ﵇: إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في المسألة؛ فقمن أن يستجاب لكم".
وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (٢): ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد بن زياد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وأخرج مسلم (٣): عن أبي الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين أن أباه حدثه، أنه سمع
стр. 1938
علي بن أبي طالب ﵁ قال: "نهاني رسول الله ﵇ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا"، وفي لفظ له: "نهاني رسول الله ﵇ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد"، وفي لفظ: عن ابن عباس، عن عليّ ﵁ قال: "نهاني حِبي أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا". وفي لفظ: عن ابن عباس، عن علي ﵁ عن النبي ﵇ كلهم قالوا: "نهاني عن قرأءة القرآن وأنا راكع" ولم يذكروا في روايتهم النهي عنها في السجود، كما ذكر الزهري وزيد بن أسلم والوليد بن كثير وداود بن قيس.
وفي لفظ: عن ابن عباس أنه قال: "نهيت أن أقرأ وأنا راكع" لا يذكر في الإسناد علي ﵁.
وأخرجه أبو داود، (١) والنسائي (٢) أيضًا.
قوله: "نهيت" على صيغة المجهول.
قوله: "أن أقرأ "أن مصدرية، أي نهيت عن قراءة القرآن.
قوله: "وأنا راكع" جملة اسمية حالية.
قوله: "أو ساجد" أي أو أنا ساجد وهي أيضًا حال.
قوله: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب" أراد به تعظيم الله تعالى بذكر الأدعية التي فيها تعظيم الله وتمجيده.
قوله: "فقمن" بفتح القاف، وكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف شيء يثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة: "قمين" لما بزيادة الياء وكسر الميم، ومعناه حقيق وجدير.
فإن قيل: ما إعراب هذه الجملة؟
قلت: "أن" في قوله "أن يستجاب لكم" مصدرية، والتقدير الاستجابة لكم، وهي في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "قمن" أي الاستجابة لكم في هذه
стр. 1939
الحالة حقيق وجدير، ويجوز أن يكون ارتفاع "أن يستجابُ" على الفاعلية لكونه مستندًا إلى الصفة وهو "قمن" بكسر الميم، فافهم.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه دلالة صريحة على النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
فإن قيل: ما الحكمة في ذلك؟
قلت: الذي يلوح لنا في هذا المقام هو أن النبي ﵇ أخبر الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته، ونبههم على جلالة قدر ما هو تارك فيهم من الوحي المنزل، وهو الكتاب العزيز الذي لم يؤت نبي مثله بقرينة مستكنة في صيغة النهي؛ وذلك أن الركوع والسجود من باب الخضوع وأمارات التذلل من العباد لجلالة وجه الله الكريم فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه وارتفع محلّه عند هيئة موضوعة للخضوع والتذلل ليتبين لأصلي العلم معنى الكتاب العزيز، وتتكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم.
فإن قيل: إذا قرأ المصلي القرآن في ركوعه وسجوده هل تبطل صلاته أم لا؟
قلت: لا تبطل عند أبي حنيفة مطلقًا سواء قرأ عامدًا أو ناسيًا، ولكن في الناسي تجب سجدتا السهو وقال النووي: فلو قرأ في الركوع أو السعير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته، والثاني: يحرم وتبطل صلاته، هذا إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يكره، وسواء قرأ عمدًا أو سهوًا يسجد للسهو عند الشافعي.
وفي "المغني" لابن قدامة: ويكره أن يقرأ القرآن في الركوع والسجود، ثم ذكر الحديث المذكور.
الثاني: استدل مالك به وبأمثاله على كراهة القراءة في الركوع والسجود، وكراهة الدعاء أيضًا في الركوع، ولكن أباحه في السجود، وذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى
стр. 1940
وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه؛ لأنه إنما أخلى موضعهما من القراءة ليكون محلًا للذكر والدعاء، وفيه نظر على ما لا يخفى
الثالث: فيه دلالة على أن الركوع والسجود محل للأدعية وتعظيم الله تعالى، وأن السجود محل للمسألة، وعن هذا قال أصحابنا: يستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويقتصر على هذا عندنا في الفرائض سواء كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا فإن ضم إليه ما جاء من الأدعية المأثورة فلا بأس به إذا كان في التطوع.
الرابع: فيه حجة لمن ذهب من أهل الأصول إلى أن خطاب النبي ﵇ خصوصًا يتناول أمته وإن اقتضى من طريق اللغة تخصيصه، وذلك للأمر بالاقتداء به إلا ما دل دليل على تخصيصه به.
ص: حدثنا أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، قال: سمعت ابن عيينة يقول: حدثني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: "كشف رسول الله ﵇ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁" ثم ذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا أحمد بن الحسن.
وأخرجه مسلم (١): ثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: أنا سفيان بن عيينة، قال: أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كشف رسول الله ﵇ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: يأيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو
стр. 1941
ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم".
وأخرجه أبو داود (١): عن مسدد، عن سفيان، عن سليمان ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٢): أنا علي بن حجر المروزي، قال: أبنا إسماعيل هو ابن جعفر، قال: ثنا سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس قال: "كشف رسول الله ﵇ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: اللهم بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فإذا ركعتم فعظموا ربكم وإذا سجدتم فاجتهدوا [في الدعاء] (٣)، فإنه قمن أن يستجاب لكم.
قوله: "الستارة" بكسر السين، وهو: الستر الذي يكون على باب البيت والدار.
قوله: "والناس صفوف" جملة حالية، وكذا قوله: "خلف أبي بكر".
قوله: "إنه" أي إن الشأن.
قوله: "من مبشرات النبوة" جمع مبشرة، وهي الأمور المبشرة بالنبوة كصدق الرؤيا، ورؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ثم صار بغلبة الاستعمال كالاسم، واشتقاقها من البشارة، والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، من بَشَّرتُ الرجلَ أبشره -بالضم- بَشْرًا وبشُورًا من البشرى، وكذلك الإبشار والتبشير، ثلاث لغات، والاسم: البشارة، والبشارة بالكسر والضم، والنبوة من النبأ وهو الخبر تقول: نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأَنْبَأَ، أي: أخبر، ومنه أخذ النبي؛ لأنه أنْبأ عن الله تعالى، وهو فعيل بمنى فاعل.
стр. 1942
قوله: "إلا الرؤيا" وهي مقصورة مهموزة، ويجوز ترك همزها كنظائرها، من رأى في منامه رؤيا على وزن فُعْلى، والمراد "بالصالحة" صحتها أو حسن ظاهرها.
قوله: "راكعًا أو ساجدًا" حالان من الضمير الذي في: "أن اقرأ".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك، فاغفر لي فإنك أنت التواب".
ش: إسناده صحيح، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر وأبو الضحى مسلم بن صُبيح -بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة- الهمداني الكوفي العطاردي روى له الجماعة.
ومسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي روى له الجماعة.
وأخرجه الجماعة غير الترمذي بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة:
فقال البخاري (١): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
وقال مسلم (٢): ثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم. قال زهير: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن".
وفي لفظ له: "كان رسول الله ﵇ يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك، قالت: قلت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات
стр. 1943
التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... إلى آخر السورة".
وفي لفظ آخر له قالت: "ما رأيت النبي ﵇ منذ نزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ (١) يصلي صلاة إلا دعا أو قال فيها: سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي".
وفي لفظ آخر قالت: "كان رسول الله ﵇ يكثر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟! قال: أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١) فتح مكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ انتهى.
وفي تفسير مقاتل (٢): عاش رسول الله ﵇ بعد نزولها ستين يومًا.
وذكر القرطبي (٣) وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق في حجة الوداع.
وقال أبو داود (٤): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى ... إلى آخره نحو رواية البخاري، وفي آخره: "يتأول القرآن".
وقال النسائي (٥): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى ... إلى آخره نحو رواية أبي داود.
стр. 1944
وقال ابن ماجه (١): ثنا محمَّد بن الصباح، أنا جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه.
قوله: "يتأول القرآن" يعني يعمل ما أمر به في قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢).
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير وبشر بن عمر الزهراني (حَ)
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالوا: ثنا شعبة، عن منصور ... فذكروا بإسناده مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الكناسي، قال: ثنا سفيان، عن منصور ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى في الحديث المذكور وهي أيضًا صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن وهب بن جرير وبشر بن عمر الزهراني البصري، كلاهما عن شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى عن مسروق، عن عائشة.
وقد ذكرنا أن البخاري أخرجه من طريق شعبة عن منصور.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور ... إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
والضمير في "قالوا" يرجع إلى وهب وبشر وأبي داود وكذلك في قوله "فذكروا".
الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن محمَّد بن عبد الله بن كناسة الكوفي المعروف بالكناسي وبابن كناسة، وهو لقب أبيه عبد الله بن عبد الأعلى، وثقه يحيى وأبو داود والعجلي، روى له النسائي.
стр. 1945
وهو يروي عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂.
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ مما يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن منصور ... إلى آخره نحوه، وفي آخره بعد قول: "يتأول القرآن: يعني ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ".
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يقول في ركوعه وسجوده، سبوح قدوس رب الملائكة والروح".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة ... فذكر مثله بإسناده.
ش: هذان طريقان صحيحان ويحيى بن سعيد هو القطان، ومطرف بن عبد الله بن الشخير والكل رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي.
فكالأول أخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نبأته: "أن رسول الله ﵇ ... " إلى آخره نحوه.
وكالثاني أخرجه النسائي (٣): أنا بندار محمَّد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي، قالا: ثنا شعبة، عن قتادة ... إلى آخره نحوه.
стр. 1946
وقال أبو داود (١): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة ... إلى آخره نحوه.
قوله: "سبوح قدوس" يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالًا، وقال الخطابي: لم يأت من الأسماء على فُعَّول -بضم الفاء- إلا سبوح وقدوس وقد يفتحان كسَفُّود، وكَلُّوب، وقال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الروح، وقال أبو الحسن الهنائي: ومعنى سبوح قدوس: تسبيح وتقديس وتعظيم، ويقال: القدوس: الطاهر من العيب. وقال ابن فارس وغيره: معنى السبوح: المسبح أي المبرأ من النقائض والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، ومعنى القدوس: المقدس أي المطهَّر من كل ما لا يليق بالخالق. وقال الهروي: قيل: القدوس: المبارك.
قوله: "رب الملائكة والروح" قيل: الروح: ملك عظيم، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل ﵇، وقيل: الروح صنف من الملائكة، وقيل: يحتمل أن يراد الروح الذي به قوام كل حيّ، أي ربّ الملائكة ورب الروح.
فإن قيل: ما موقع قوله: "سبوح قدوس" من الإعراب؟
قلت: هما خبرا مبتدأ محذوف تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس، وقال القاضي عياض: وقيل فيه: سبوحًا قدوسًا على تقدير أسبح سبوحًا أو أذكر أو أعظم أو أعبد أو نحو ذلك.
ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "فقدت النبي ﵇ ذات ليلة، فظننت أنه أتى جارية فالتمسته بيدي فوقعت يدي على صدور قدميه وهو
стр. 1947
ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت ك ما أثنيت على نفسك".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عائشة ﵂ قالت ... ثم ذكر مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عمارة بن غزية، قال: سمعت أبا النضر يقول: سمعت عروة يقول: قالت عائشة ... ثم ذكر مثله إلا أنه لم يذكر قوله: "لا أحصي ثناء عليك" وزاد "أثني عليك لا أبلغ كل ما فيك".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي، عن أسد بن موسى وثقه أبو حاتم، عن الفرج بن فضالة بن النعمان أبي فضالة الشامي الحمصي، فيه مقال، فعن يحيى والنسائي: ضعيف. وعن أحمد: ثقة. وعن يحيى: ليس به بأس. وعنه: صالح. وعن البخاري ومسلم: فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد منكر الحديث. وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا، وروايته عن ثابت لا تصح. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة ﵂.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره، وهو مرسل؛ لأن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي لم يسمع عائشة.
قال أبو عمر في "التمهيد": وهذا الحديث مرسل في "الموطأ" عند جماعة الرواة، لم يختلفوا عن مالك في ذلك.
стр. 1948
وهو يُسند من حديث الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة من طرق صحاح ثابتة.
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن مريم بن غزية بن الحارث المدني، عن أبي النضر -بالضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة ﵂.
وهذا إسناد صحيح وهذا الحديث روي عن عائشة من غير وجه.
فأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله ﵇ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
وأخرجه أبو داود (٢): عن محمَّد بن سليمان الأنباري، عن عبدة، عن عبيد الله، عن محمَّد بن يحيى بن حبان ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله ﵇ ذات ليلة، فوجدته وهو ساجد، وصدور قدميه نحو القبلة، وهو يقول ... " إلى آخره نحوه.
وهو مرسل كما ذكرنا.
وكذا أخرجه مالك في "موطئه" (٤): عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عائشة.
стр. 1949
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: "طلبت رسول الله ﵇ ليلة فلم أجده، قالت: فظننت أنه أتى بعض جواريه -أو نسائه- قالت: فرأيته وهو ساجد وهو يقول: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت".
وهذا أيضًا مرسل؛ لأن إبراهيم النخعي لم يسمع عائشة.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن عمران: "أن عائشة قامت ذات ليلة تلتمس النبي ﵇ في جوف الليل، قالت: فوقعت يدها على بطن قدم النبي ﵇ وهو ساجد وهو يقول: سبحان ربي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
قوله: "فقدت" ويروى: "افتقدت" وهما لغتان بمعنًى.
قوله: "وهو ساجد" جملة حالية، وكذا قوله: "يقول".
قوله: "اللهم ... " إلى آخره قال الخطابي: فيه معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو الله استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في حق عبادته والثناء عليه.
قوله: "لا أحصى ثناء عليك أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقيل معناه: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك بها وإن اجتهدت في الثناء عليك.
стр. 1950
قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته وردَّ ثنائه إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، وكما أنه لا نهاية لصفاف لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل ثناء أثني به عليه وإن كثر وإن طال وبولغ فيه فقدر الله أعظم وسلطانه أيُّ وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ.
وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله: أعوذ من سخطك، ومن عقوبتك.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سُمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وأخره، وعلانيته وسره".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال مسلم وغيره، وأبو صالح ذكوان الزيات.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى، قالا: أنا ابن وهب ... إلى آخره نحوه.
وهذا الحديث قد شارك فيه الطحاوي مسلمًا في رجاله ومتنه جميعًا، وشيخ كل منهما فيه يونس بن عبد الأعلى المصري.
وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا: عن أحمد بن صالح وابن السرح، كلاهما عن ابن وهب ... إلى آخره.
стр. 1951
قوله: "دقه" بكسر الدال: أي قليله، وهو مصدر في الأصل، من دق الشيء إذا لطف.
و"جله" بكسر الجيم ... أي كثيره، وهو أيضًا في الأصل مصدر، من جلَّ الشيء إذا عظم.
قوله: "دقه وجله ... " إلى آخره: تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: "اغفر لي ذنبي كله" فقد تناول جميع ذنوبه مجملًا ثم فصَّله بقوله: كذا وكذا وفائدته: أن التفصيل بعد الإجمال أوقع وآكد وانتصاب "دقه" على أنه بدل من قوله: "ذنبي" و"جله ... " إلى آخره عطف عليه.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سُمي موك أبي بكر، عن أبي صالح، عن أتيت هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء".
ش: هذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (١): ثنا هارون بن معروف وعمرو بن سواد، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة، قالوا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو ... إلى آخره نحوه.
قوله: "أقرب ما يكون" معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله.
стр. 1952
وقوله: "أقرب ما يكون" مبتدأ حُذف خبره لسدِّ الحال وهو قوله: "وهو ساجد" مسدَّه، مثل قولهم: أحب ما يكون الأمير وهو قائم، وعلم من ذلك خطأ من زعم أن الواو في قوله: "وهو ساجد" زائدة؛ لأنه خبر لقوله: "أقرب" وتحقيق الكلام ها هنا أن "ما" في "ما يكون" مصدرية، والفعل الذي بعدها بمعنى المصدر، وهو بمعنى الجمع هنا لأن أفعل التفضيل يجب أن تكون بعض ما أضيف هو إليه، فتقديره أقرب أكوان العبد من أنه حاصل إذا كان وهو ساجد، ثم حذف الخبر أعني "حاصل"؛ لأن حذف متعلقات الظروف شائع كثير، ثم حذف الظرف أعني إذا كان لدلالة الحال عليه؛ لأن الحال يدل على الوقت والزمان، فالحال يدل على الظرف والظرف على الخبر، فالحال على الخبر لأن الدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء.
فإن قيل: ما معنى كون العبد أقرب إلى الله حالة السجود من بين سائر أحواله؟
قلت: لأنه في حالة تدل على غاية تذلل واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكانت مظنة الإجابة فلذلك أمر ﵇ بإكثار الدعاء في السجود، بقوله "فأكثروا الدعاء" أي في حالة السجود، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أن السجود أفضل من القيام، ومذهب أبي حنيفة أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وبه قال الشافعي؛ لقوله ﵇: "أفضل الصلاة: طول القنوت".
رواه مسلم (١). ومعناه: القيام.
وقال محيي الدين النووي: وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفصيل تطويل السجود: ابن عمر ﵄.
والمذهب الثاني: مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل؛ لما ذكرنا.
стр. 1953
والمذهب الثالث: أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ولم يتعرض فيها بشيء، وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما بالليل فتطويل القيام إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه فتكثير الركوع والسجود أفضل.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا بأس أن يدعو الرجل في ركوعه وسجوده بما أحب، وليس في ذلك عندهم شيء مؤقت، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق وداود، فإنهم قالوا: يدعوا المصلي بما شاء من الأدعية المذكورة في الأحاديث السابقة في صلاته، سواء كانت فرضًا أو نفلًا.
وقال ابن قدامة في "المغني": ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وإن زاد دعاء مأثورًا أو ذكرًا، ثم ذكر مثل الأدعية في هذا الباب فحسن؛ لأن النبي ﵇ قاله.
وقال البيهقي: وقال الشافعي: يسبح كما أمر النبي ﵇ في حديث عقبة، ويقول كما قال في حديث علي ﵁.
قلت: حديث عقبة يأتي عن قريب، وحديث عليّ مرَّ في أول الباب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا ينبغي له أن يزيد في ركوعه على "سبحان ربي العظيم" يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات، ولا ينبغي له أن يزيد في سجوده على "سبحان ربي الأعلى" يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصريّ وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: السنة للمصلي أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وذلك أدناه، وفي
стр. 1954
سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه، ولا ينبغي له أن يزيد على ذلك شيئًا" وهو المنقول أيضًا عن عليّ وابن مسعود وحذيفة وعقبة بن عامر ﵃ وذكر الطحاوي في شرحه "للمختصر" يسبح الإِمام ثلاثًا، وقيل: أربعًا ليتمكن المقتدي من الثلاث، وقال الماوردي: أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس. وفي بعض شروح "الهداية": إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى أثنى عشرة فهو أفضل عند الإِمام وعندهما إلى سبع.
وقوله: "يرددها" أي يردد كلمة "سبحان ربي العظيم"، أراد أنه يكررها ما شاء فوق الثلاث، غير أنه إذا كان إمامًا لا يزيد على الثلاث إلا مقدار مالًا تحصل المشقة على القوم.
قوله: "ولا ينبغي له أن يزيد" هذا في الفرائض، وأما في النوافل فلا بأس به؛ لأن باب النفل أوسع.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: "نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) قال النبي ﵇: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) قال النبي ﵇: اجعلوها في سجودكم".
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني موسى بن أيوب الغافقي ... فذكر بإسناده مثله
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن عبد الرحمن بن الجارود البغدادي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ القصير، شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر الغافقي ثم المناري -ومنار بطن من غافق- وثقه ابن حبان وغيره.
стр. 1955
عن عقبة بن عامر الجهني الصحابي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا الربيع بن نافع أبو توبة، وموسى بن إسماعيل -المعنى- قالا: ثنا ابن المبارك، عن موسى -قال أبو سلمة: موسى بن أيوب- عن عمه، عن عقبة بن عامر ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه (٢)، والحكم في "مستدركه" (٣).
الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن المعروف ببحشل المصري، عن عمه عبد الله بن وهب، عن موسى بن أيوب ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٤): ثنا عمرو بن رافع البجلي، نا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب الغافقي، قال: سمعت عمي إياس بن عامر يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول ... إلى آخره نحوه.
واستدلت به الظاهرية على أن قول سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى في الركوع والسجود فرض؛ للأمر بذلك.
قلئا: الأمر ليس للوجوب؛ بقرينة أنه ﵇ لما عَلَّم الأعرابي أركان الصلاة لم يأمره بذلك.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب ﵁ ... فذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي ثقة، وثقه ابن يونس، ويحيى بن أيوب المصري الغافقي روى له الجماعة.
стр. 1956
ص: قال أبو جعفر ﵀: وكان من الحجة لهم أيضًا: أنه قد يجوز أن يكون ما كان من النبي ﵇ في الآثار الأول إنما كان قبل نزول الآيتين اللتين ذكرتا في حديث عقبة ﵁ فلما نزلتا أمرهم النبي ﵇ بما أمر به من ذلك، وكان أمره ناسخًا لما قد تقدم من فعله.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: "أنه قد يجوز ... " إلى آخره، وهذا ظاهر، وهذا في الحقيقة جواب عن الآثار المتقدمة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى.
فإن قيل: ما وجه هذا النسخ، والنسخ لا يكون إلا فيما يعلم بالتاريخ فيما بين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، وأيضًا قوله: "قد يجوز أن يكون ... " إلي آخره احتمال، وقد نص أهل الأصول، أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟
قلت: قد تكون دلالة التاريخ تقوم مقام التاريخ عينه، كما إذا كان أحد النصين موجبًا للحظر والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يثبت النسخ بدلالة التاريخ, وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة، من ضرورة ذلك يعلم أن الموجب للحظر طارئ عليه متأخر عنه، فيكون ناسخًا له بدلالة التاريخ، وكذلك فيما نحن فيه؛ لأن أمره ﵇ بقوله: "اجعلوها في ركوعكم، اجعلوها في سجودكم" تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم، فيكون ذلك رفعًا لما كان من فعله، وهذا هو النسخ، وهذا الذي لاح لي في هذا المقام من الأنوار الربانية والأسرار الرحمانية.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا أنه كان يقول في ركوعه وسجوده ما أمر به في حديث عقبة كما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر وبشر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن سليمان، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة: "أنه صلى مع رسول الله ﵇ ذات ليلة، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى".
стр. 1957
حدثنا فهد، قال: ثنا سحيم الحراني، قال: ثنا حفص بن غياث، عن مجالد، عن الشعبي، عن صلة، عن حذيفة قال: "كان رسول الله ﵇ يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا".
ش: لما بين احتجاج أهل المقالة الثانية بما أمر به في حديث عقبة بن عامر وعلي بن أبي طالب ﵂، بين أيضًا ما فعله ﵇ بنفسه مما أمر به، فيكون ما احتج به هؤلاء أقوى لما فيه من قول الرسول ﵇ وفعله، وما احتج به أهل المقالة الأولى هو فعله فقط، ولا شك أن فعله إذا اجتمع مع قوله يكون أقوى وآكد، وهذا في نفس الأمر جواب أخر عن احتجاج أهل المقالة الأولى.
وأخرج حديث حذيفة من طريقين:
الأول: صحيح على شرط مسلم، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، وبشر بن عمر الزهراني، كلاهما عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن سعد بن عبيدة السلمي أبي حمزة الكوفي، عن المستورد بن الأحنف الكوفي، عن صلة بن زفر العبسي الكوفي، عن حذيفة بن اليمان ﵁.
وأخرجه الأربعة؛ فأبو داود (١): عن حفص بن عمر، عن شعبة، قال: قلت لسليمان: أدعو في الصلاة إذا مررت بآية تخوف؟ فحدثني عن سعد بن عبيدة، عن مستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة: "أنه صلى مع رسول الله ﵇، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوذ".
والترمذي (٢): عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 1958
والنسائي (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صلة، عن حذيفة قال: "صليت مع رسول الله ﵇ ذات ليلة، فاستفتح سورة البقرة فقرأ بمائة آية، قلت: يركع، فمضى، قلت: يختمها في الركعتين، فمضى، فقلت: يختمها ثم يركع، فمضى حتى قرأ سورة النساء، ثم آل عمران، ثم ركع نحوًا من قيامه، يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وأطال القيام، ثم سجد فأطال السجود، يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكره".
وابن ماجه (٢): عن محمَّد بن رمح المصري، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأزهر، عن حذيفة بن اليمان: "أنه سمع رسول الله ﵇ يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن القاسم الحراني المعروف بسحيم، عن حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد الكوفي، فيه مقال؛ فعن يحيى بن سعيد القطان: في نفسي منه شيء. وعن أحمد: ليس بشيء؛ يرفع حديثا كثيرًا لا يعرفه الناس. وعن يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه. وعن أبي حاتم: ليس بقوي الحديث.
عن عامر الشعبي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان ﵁.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٣): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن
стр. 1959
صلة، عن حذيفة: "أن النبي ﵇ كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا". انتهى.
قلت: قوله: "وبحمده" زيادة في رواية الدارقطني، قال أبو داود: أخاف أن لا تكون محفوظة.
وفي "المغني": روى أحمد بن نصر، عن أحمد بن حنبل، أنه سئل عن تسبيح الركوع والسجود، سبحان ربي العظيم أعجب إليك أو سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: قد جاء هذا وجاء هذا، وما أدفع منه شيئًا. وروي عن أحمد أنه قال: أما أنا فلا أقول: "وبحمده".
وقيل: يحتمل أن أحمد قال ذلك؛ لأن هذه الزيادة من رواية ابن أبي ليلى وهو ضعيف عنده، وحكى ابن المنذر هذا عن الشافعي أيضًا وعن أصحاب الرأي.
ص: فهذا أيضًا قد دلّ على ما ذكرنا من وقوفه على دعاء بعينه في الركوع والسجود.
ش: أشار بهذا إلى حديث حذيفة ﵁ أي هذا أيضًا قد دل على أن النبي ﵇ قد وقف في الركوع والسجود على دعاء معين، وهو قوله: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، فحينئذٍ فلا يتعدى عليه، ولا ينقص من ثلاث مرات، وأن كل ما ورد في غيره من الأدعية فمحمول على النوافل.
ص: وقال آخرون: أما الركوع فلا يزاد فيه على تعظيم الرب، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء، واحتجوا في ذلك بحديثي علي وابن عباس ﵃ اللذين ذكرناهما في الفصل الأول.
ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن المبارك ومالكًا ومن تبعهما من الفقهاء؛ فإنهم ذهبوا إلى حديثي علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس المذكورين في أول الباب، وقالوا: أما الركوع فلا يزاد فيه على تعظيم الرب على معنى لا يدعى فيه، ولكن يذكر الله تعالى بأنواع التعظيم، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء.
стр. 1960
قال القاضي عياض: ذهب مالك إلى قوله ﵇: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ... ". الحديث، وكره القراءة في الركوع وكره الدعاء في الركوع، وأباحه في السجود اتباعًا للحديث.
وفي "الأحكام" لابن بزيزة: وروينا عن ابن المبارك أنه قال: "إنه لَيُعْوِزني الملح للقدر، فأدعو الله به في سجودي في الصلاة".
ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أنهم قد جعلوا قول النبي ﵇: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" ناسخًا لما قد تقدم من أفعاله قبل ذلك في الأحاديث الأُول، فيحتمل أن يكون أمره بالتعظيم في الركوع لما نزلت عليه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) وأباح الدعاء في السجود بما أحبوا قبل أن تنزل عليهم: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) فلما نزل عليه ذلك أمرهم بأن ينتهوا إليه في سجودهم -على ما في حديث عقبة- ولا يزيدون عليه، فصار ذلك ناسخًا لما قد تقدم منه قبل ذلك، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ناسخًا لما كان منه قبل ذلك.
ش: أي فكان من الحجة على الآخرين الذين قالوا: "لا يزاد في الركوع على تعظيم الرب ... " إلى، آخره، وأراد بهذا: الجواب عما قالوا والرد عليهم.
بيانه: أن هؤلاء قد جعلوا قوله ﵇: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" ناسخًا لما كان النبي ﵇ يفعله قبل ذلك مما ذكر في الأحاديث التي مضى ذكرها في أول الباب، وذلك نحو قوله: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ... " إلى آخره، هذا وجه استدلالهم فيما ذهبوا إليه، ومنع ذلك الطحاوي وبين وجهه حيث قال: "فيحتمل أن يكون أمره بالتعظيم في الركوع ... " إلى آخره بيانه: أن أمره ﵇ بالتعظيم في الركوع بقوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" يحتمل أن يكون حين نزلت عليه
стр. 1961
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) فيكون القائل في ركوعه: سبحان ربي العظيم معظمًا لربه في ركوعه، وكان الدعاء في السجود مباحًا لهم بأي شيء دعوا وبأي دعاء شاءوا قبل نزول قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ بقتضى ما ورد عنه ﵇ في ذلك، فلما نزل عليه ﷺ قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) أمرهم بأن يقولوا ذلك في سجودهم، ويقتصرون عليه ولا يزيدون شيئًا؛ لما في حديث عقبة بن عامر الجهني، فيصير هذا ناسخًا لما كان منه قبل ذلك مما كان يقوله ويدعو به في سجوده، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ناسخًا لما كان منه قبل ذلك، وجه النسخ في هذا قد بيناه عن قريب.
ص: فإن قال قائل: إنما كان ذلك من النبي ﵇ بقرب وفاته لأن في حديث ابن عباس ﵄: كشف النبي ﵇ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁.
قيل له: فهل في الحديث أن تلك الصلاة هي الصلاة التي توفي رسول الله ﵇ بعقبها، أو أن تلك المرضة هي مرضته التيم توفي فيها، ليس في الحديث منها شيء، فقد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها، ويجوز أن تكون صلاة غيرها وقد صح بعدها، فإن كانت هيم الصلاة التي توفي بعدها فقد يجوز أن تكون ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة لذلك فهو أحرى يجوز أن يكون بعدها.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله ﵇: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم". كان بقرب موته ﵇ بدليل قول ابن عباس ﵄: "كشف النبي ﵇ الستارة ... " الحديث، فإذا كان الأمر كذلك؛ يكون هذا متأخرًا، فكيف يكون منسوخًا؟.
стр. 1962
وتقرير الجواب أن يقال: ليس في الحديث ما يدل على أن تلك الصلاة التي خرج إليها رسول الله ﵇ بعد كشف الستارة هي الصلاة التي توفي رسول الله ﵇ عقيبها، وليس فيه أيضًا أن مرضته الستلا تلك هي المرضة التي توفي فيها رسول الله ﵇، ولكن يحتمل أن تكون هي الصلاة التي توفي عقبها، ويحتمل أن لا يكون ذلك، بل قد صح بعدها ﵇، فإن كانت هي الصلاة التي توفي عقبها، فقد يحتمل أن يكون قوله ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ نزل عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة فبالطريق الأولى أن يكون ذلك. فعلى كلا التقديرين يثبت النسخ، والله أعلم.
وقد شنع البيهقي في كتابه "المعرفة" (١) في هذا المقام على الطحاوي، وقال: روى الطحاوي ما روينا ها هنا، وفي كتاب "السنن" من الأحاديث فيما يقال في الركوع والسجود، ثم ادعي نسخها بحديث عقبة بن عامر الجهني؛ فكأنه عرض بقلبه حديث سليمان بن سحيم بإسناده عن ابن عباس، في الأمر بالدعاء في السجود، وأن ذلك كان من النبي ﵇ مرض موته حين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ فقال: "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له" ثم ذكر ما روينا في إسناد الشافعي، فتحير في الجواب عنه، فأتى بكلام بارد، فقال: يجوز أن تكون ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي ﵇ غداة يوم الاثنين، والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ في صلاة الصبح، كما دل عليه حديث أنس بن مالك ﵁ (٣)، وهو اليوم الذي توفي فيه، وقد روينا في الحديث الثابت (٤): عن النعمان بن بشير: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك
стр. 1963
حديث الغاشية، وإذا اجتمعا في يوم واحد يقرأ بهما". وقد روينا (١) عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في العيدين ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢) " وفي رواية أخرى (٣): "في صلاة الجمعة" وفي هذا دلالة على أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ كان قد نزل قبل ذلك بزمان كثير، وروينا عن البراء بن عازب في الحديث الطويل (٤) في هجرة النبي ﵇ قال: "فما قدم يعني رسول الله ﵇ المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل.
وروينا في حديث معاذ بن جبل ﵁ (٥) - في قصة من خرج في صلاته حين افتتح سورة البقرة أن النبي ﵇ أمره أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحو ذلك، وكان هذا أيضًا قبل مرضه بكثير، وقد تحير صاحب هذه المقالة في خبر معاذ، وصار أمره إلى أن حمله في مسألة "الفريضة خلف التطوع" على أن ذلك كان في وقت تصلى فيه الفريضة الواحدة في يوم واحد مرتين وذلك في زعمه في أول الإسلام، فنزول ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ عنده إذن في تلك المسألة في أول الإسلام، وفي هذه المسألة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﵇، ليستقيم قوله في الموضعين، وهذا شأن من يسوي الأخبار على مذهبه، ويجعل مذهبه أصلًا، وأحاديث رسول الله ﵇ تبعًا، والله المستعان، ومشهور فيما بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ نزلن بمكة وهو فيما رويناه عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما فكيف استجاز هذا الشيخ ادعاء نسخ ما ورد في
стр. 1964
حديث ابن عباس من قول النبي ﵇ وأمره بالدعاء في السجود في مرض موته بما نزل قبله بدهر طويل بالتوهم والله أعلم.
قلت: قول البيهقي: "فأتى بكلام بارد ... " إلى آخره تشنيع بارد صادر عن أريحية تعصب؛ لأن الطحاوي إنما قال: قد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها إلى آخره في حديث ابن عباس؛ لأن حديث ابن عباس ساكت عن بيان وفاته ﵇ في مرضه ذلك أو في يومه الذي قال فيه ذلك، وإنما بيانه ذلك جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ وهو ما رواه مسلم وغيره.
فقال مسلم (١): حدثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد -قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال: فحدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن أبا بكر ﵁ كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﵇ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﵇ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله ﵇ ضاحكًا، فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﵇ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﵇ خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﵇ بيده: أن أتموا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله ﵇ فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله ﵇ من يومه ذلك". انتهى.
فهذا ليس فيه ما قال ابن عباس ﵄ في حديثه من قوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب ... " إلى آخره، ولا فيه ما في حديث أنس من بيان وفاته ﵇ في ذلك اليوم؛ فعلمنا أن الحديثين متغايران فمن أين يورد البيهقي عليه ويقول: ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي ﵇ غداة يوم الاثنين والناس صفوف خلف أبي بكر في صلاة الصبح كما دل عليه حديث أنس ﵁ فلا نسلم دلالة حديث أنس على أن
стр. 1965
قضية حديث ابن عباس بعينها هي ابن حديث أنس، فلم لا يجوز أن يكون حديث ابن عباس قبل ذلك بزمان، فما المانع من ذلك وكلام الطحاوي مبني على هذا الاحتمال، ثم روايته عن النعمان بن بشير وغيره مما يدل على أن سبح اسم ربك الأعلى، وسبح اسم ربك العظيم، قد نزلتا قبل ذلك بزمان لا يضر الطحاوي، ولا ينافي كلامه؛ لأن حديث ابن عباس إذا كان محتملًا أن يكون قبل حديث أنس، يكون محتملًا أيضًا أن يكون قبله بزمان طويل، فحينئذ يكون نزول الآيتين بعد حديثه قبل وفاته ﵇ بمدة طويلة.
فإن قيل: سلمنا ما ذكرت هذا, ولكن ما تقول في قوله: "ومشهور بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ نزلن بمكة، فإذا كان كذلك يكون نزول هاتين الآيتين قديمًا، ولا شك أن حديث ابن عباس مدني، فكيف يكون منسوخًا بنص متقدم قبله بدهر طويل؟
قلت: يجوز أن تكون السور المذكورة مكية والآيتين مدنيتين، أو يكون الناسخ لذلك هو قوله ﵇: اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم, لا نفس الآيتين المتقدمتين في النزول.
فإن قيل: قوله ﵇: "اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم" إنما كان عند نزول الآيتين فيكون هذا أيضًا متقدمًا.
قلت: يمكن أن يكون قوله ﵇ ذلك بعد نزول الآيتين بزمان، بل الظاهر هذا أنه بعد نزولهما بمدة، والدليل عليه أن عقبة بن عامر الجهني راوي هذا الحديث أسلم بالمدينة، والآيتان على ما قال البيهقي: مكيتان، فكيف يكون قوله ﵇ ذلك حين نزول الآيتين؟ وكيف تصح أخبار عقبة بذلك والحال أنه لم يكن حاضرًا وقت نزول الآيتين، ولا كان مسلمًا حينئذٍ؟! فعلمنا أن قوله ﵇ بذلك كان متأخرًا حتى أخبر به عقبة، فإذا كان متأخرًا يكون ناسخًا لما كان من فعله ﵇ مما كان يدعو به في