﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١) فيكون القائل في ركوعه: سبحان ربي العظيم معظمًا لربه في ركوعه، وكان الدعاء في السجود مباحًا لهم بأي شيء دعوا وبأي دعاء شاءوا قبل نزول قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ بقتضى ما ورد عنه ﵇ في ذلك، فلما نزل عليه ﷺ قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) أمرهم بأن يقولوا ذلك في سجودهم، ويقتصرون عليه ولا يزيدون شيئًا؛ لما في حديث عقبة بن عامر الجهني، فيصير هذا ناسخًا لما كان منه قبل ذلك مما كان يقوله ويدعو به في سجوده، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ناسخًا لما كان منه قبل ذلك، وجه النسخ في هذا قد بيناه عن قريب.
ص: فإن قال قائل: إنما كان ذلك من النبي ﵇ بقرب وفاته لأن في حديث ابن عباس ﵄: كشف النبي ﵇ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁.
قيل له: فهل في الحديث أن تلك الصلاة هي الصلاة التي توفي رسول الله ﵇ بعقبها، أو أن تلك المرضة هي مرضته التيم توفي فيها، ليس في الحديث منها شيء، فقد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها، ويجوز أن تكون صلاة غيرها وقد صح بعدها، فإن كانت هيم الصلاة التي توفي بعدها فقد يجوز أن تكون ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة لذلك فهو أحرى يجوز أن يكون بعدها.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله ﵇: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم". كان بقرب موته ﵇ بدليل قول ابن عباس ﵄: "كشف النبي ﵇ الستارة ... " الحديث، فإذا كان الأمر كذلك؛ يكون هذا متأخرًا، فكيف يكون منسوخًا؟.
стр. 1962
وتقرير الجواب أن يقال: ليس في الحديث ما يدل على أن تلك الصلاة التي خرج إليها رسول الله ﵇ بعد كشف الستارة هي الصلاة التي توفي رسول الله ﵇ عقيبها، وليس فيه أيضًا أن مرضته الستلا تلك هي المرضة التي توفي فيها رسول الله ﵇، ولكن يحتمل أن تكون هي الصلاة التي توفي عقبها، ويحتمل أن لا يكون ذلك، بل قد صح بعدها ﵇، فإن كانت هي الصلاة التي توفي عقبها، فقد يحتمل أن يكون قوله ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ نزل عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة فبالطريق الأولى أن يكون ذلك. فعلى كلا التقديرين يثبت النسخ، والله أعلم.
وقد شنع البيهقي في كتابه "المعرفة" (١) في هذا المقام على الطحاوي، وقال: روى الطحاوي ما روينا ها هنا، وفي كتاب "السنن" من الأحاديث فيما يقال في الركوع والسجود، ثم ادعي نسخها بحديث عقبة بن عامر الجهني؛ فكأنه عرض بقلبه حديث سليمان بن سحيم بإسناده عن ابن عباس، في الأمر بالدعاء في السجود، وأن ذلك كان من النبي ﵇ مرض موته حين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ فقال: "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له" ثم ذكر ما روينا في إسناد الشافعي، فتحير في الجواب عنه، فأتى بكلام بارد، فقال: يجوز أن تكون ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي ﵇ غداة يوم الاثنين، والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁ في صلاة الصبح، كما دل عليه حديث أنس بن مالك ﵁ (٣)، وهو اليوم الذي توفي فيه، وقد روينا في الحديث الثابت (٤): عن النعمان بن بشير: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك
стр. 1963
حديث الغاشية، وإذا اجتمعا في يوم واحد يقرأ بهما". وقد روينا (١) عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في العيدين ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢) " وفي رواية أخرى (٣): "في صلاة الجمعة" وفي هذا دلالة على أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ كان قد نزل قبل ذلك بزمان كثير، وروينا عن البراء بن عازب في الحديث الطويل (٤) في هجرة النبي ﵇ قال: "فما قدم يعني رسول الله ﵇ المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل.
وروينا في حديث معاذ بن جبل ﵁ (٥) - في قصة من خرج في صلاته حين افتتح سورة البقرة أن النبي ﵇ أمره أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحو ذلك، وكان هذا أيضًا قبل مرضه بكثير، وقد تحير صاحب هذه المقالة في خبر معاذ، وصار أمره إلى أن حمله في مسألة "الفريضة خلف التطوع" على أن ذلك كان في وقت تصلى فيه الفريضة الواحدة في يوم واحد مرتين وذلك في زعمه في أول الإسلام، فنزول ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ عنده إذن في تلك المسألة في أول الإسلام، وفي هذه المسألة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﵇، ليستقيم قوله في الموضعين، وهذا شأن من يسوي الأخبار على مذهبه، ويجعل مذهبه أصلًا، وأحاديث رسول الله ﵇ تبعًا، والله المستعان، ومشهور فيما بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ نزلن بمكة وهو فيما رويناه عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما فكيف استجاز هذا الشيخ ادعاء نسخ ما ورد في
стр. 1964
حديث ابن عباس من قول النبي ﵇ وأمره بالدعاء في السجود في مرض موته بما نزل قبله بدهر طويل بالتوهم والله أعلم.
قلت: قول البيهقي: "فأتى بكلام بارد ... " إلى آخره تشنيع بارد صادر عن أريحية تعصب؛ لأن الطحاوي إنما قال: قد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها إلى آخره في حديث ابن عباس؛ لأن حديث ابن عباس ساكت عن بيان وفاته ﵇ في مرضه ذلك أو في يومه الذي قال فيه ذلك، وإنما بيانه ذلك جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ وهو ما رواه مسلم وغيره.
فقال مسلم (١): حدثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد -قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال: فحدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن أبا بكر ﵁ كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﵇ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﵇ ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله ﵇ ضاحكًا، فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﵇ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﵇ خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﵇ بيده: أن أتموا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله ﵇ فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله ﵇ من يومه ذلك". انتهى.
فهذا ليس فيه ما قال ابن عباس ﵄ في حديثه من قوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب ... " إلى آخره، ولا فيه ما في حديث أنس من بيان وفاته ﵇ في ذلك اليوم؛ فعلمنا أن الحديثين متغايران فمن أين يورد البيهقي عليه ويقول: ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي ﵇ غداة يوم الاثنين والناس صفوف خلف أبي بكر في صلاة الصبح كما دل عليه حديث أنس ﵁ فلا نسلم دلالة حديث أنس على أن
стр. 1965
قضية حديث ابن عباس بعينها هي ابن حديث أنس، فلم لا يجوز أن يكون حديث ابن عباس قبل ذلك بزمان، فما المانع من ذلك وكلام الطحاوي مبني على هذا الاحتمال، ثم روايته عن النعمان بن بشير وغيره مما يدل على أن سبح اسم ربك الأعلى، وسبح اسم ربك العظيم، قد نزلتا قبل ذلك بزمان لا يضر الطحاوي، ولا ينافي كلامه؛ لأن حديث ابن عباس إذا كان محتملًا أن يكون قبل حديث أنس، يكون محتملًا أيضًا أن يكون قبله بزمان طويل، فحينئذ يكون نزول الآيتين بعد حديثه قبل وفاته ﵇ بمدة طويلة.
فإن قيل: سلمنا ما ذكرت هذا, ولكن ما تقول في قوله: "ومشهور بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ نزلن بمكة، فإذا كان كذلك يكون نزول هاتين الآيتين قديمًا، ولا شك أن حديث ابن عباس مدني، فكيف يكون منسوخًا بنص متقدم قبله بدهر طويل؟
قلت: يجوز أن تكون السور المذكورة مكية والآيتين مدنيتين، أو يكون الناسخ لذلك هو قوله ﵇: اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم, لا نفس الآيتين المتقدمتين في النزول.
فإن قيل: قوله ﵇: "اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم" إنما كان عند نزول الآيتين فيكون هذا أيضًا متقدمًا.
قلت: يمكن أن يكون قوله ﵇ ذلك بعد نزول الآيتين بزمان، بل الظاهر هذا أنه بعد نزولهما بمدة، والدليل عليه أن عقبة بن عامر الجهني راوي هذا الحديث أسلم بالمدينة، والآيتان على ما قال البيهقي: مكيتان، فكيف يكون قوله ﵇ ذلك حين نزول الآيتين؟ وكيف تصح أخبار عقبة بذلك والحال أنه لم يكن حاضرًا وقت نزول الآيتين، ولا كان مسلمًا حينئذٍ؟! فعلمنا أن قوله ﵇ بذلك كان متأخرًا حتى أخبر به عقبة، فإذا كان متأخرًا يكون ناسخًا لما كان من فعله ﵇ مما كان يدعو به في
стр. 1966
الركوع والسجود، على ما ذكرنا، ثم الدليل على أن عقبة أسلم بالمدينة ما قاله ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (١) روى عنه أبو عُشانة أنه قال: "قدم رسول الله ﵇ المدينة وأنا في غنم لي أرعاها، فتركتها ثم ذهبت إليه، فقلت: تبايعني يا رسول الله، قال: فمن أنت؟ فأخبرته فقال: أيهما أحب إليك؛ تبايعني بيعة أعرابية أو بيعة هجرة؟ قلت: بيعة هجرة، فبايعني" (٢).
فإن قيل: يجوز أن يكون عقبة ﵁ حاكيًا للحديث المذكور عمن سمعه من الصحابة من غير حضور منه على ذلك.
قلت: صرح في حديثه بقوله: "لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٣) قال لنا رسول الله ﵇: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤) قال لنا رسول الله ﵇: اجعلوها في سجودكم" (٥) فهذا يرد هذا الاحتمال على ما لا يخفى، ولما طرق سمعي ما نقلته من البيهقي وحطه على الطحاوي صَعُب ذلك شديدًا لا لأجل أنه من أكابر أئمة أصحابنا ولا لأجل أني متعصب له، وإنما ذلك لأجل تعصبه عليه بغير طريق وحطه عليه بغير وجه في غير موضع من كتابه، ولم أجد أحدًا أجاب عنه، ففكرت فيه ساعة مديدة، فلم يفتح لي شيء، ثم صليت على سيد الخلق نبينا محمَّد ﷺ عشر مرات، فكأن ما ذكرته قد صُبَّ في خلدي دفعة واحدة فجرى ذلك على جناني ثم جرى ببناني على البيان، ولله الحمد والمنة، على هذا الفضل والإحسان.
стр. 1967
ص: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأينا مواضع في الصلاة فيها ذكر، فمن ذلك التكبير للدخول في الصلاة، ومن ذلك التكبر للركوع والسجود والقيام من القعود، فكان ذلك التكبير تكبيرًا قد وقف العباد عليه وعلموه، ولم يجعل لهم أن يجاوزوه بلى غيره، ومن ذلك ما يشهدون به في القعود، فقد علموه ووقفوا عليه ولم يجعل لهم أن يأتوا مكانه بذكر غيره؛ لأن رجلًا لو قال مكان قوله: الله أكبر: الله أعظم أو الله أجل. كان في ذلك مسيئًا، ولو تشهد رجل بلفظ مخالف للفظ التشهد الذي جاءت به الآثار عن رسول الله ﵇ وأصحابه كان في ذلك مسيئًا، وكان بعد فراغه من التشهد الأخير قد أبيح له من الدعاء ما أحب، فقيل له فيما روى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب"، فكان قد وقف في كل ذكر على ذكر بعينه ولم يجعل له مجاوزته بلى ما أحب، إلا ما وقف عليه من ذلك، وإن استوى ذلك في المعنى، فلما كان في الركوع والسجود قد أجمع على أن فيهما ذكرًا، ولم يجمع أنه أبيح له فيهما كل الذكر، كان النظر على ذلك أن يكون ذلك الذكر كسائر الذكر في صلاته من تكبيره، وتشهده، وقوله: سمع الله لمن حمده، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد، ويكون ذلك قولًا خاصًّا لا ينبغي لأحد مجاوزته إلى غيره، كما لا ينبغي له في سائر الذكر الذي في الصلاة، ولا يكون له مجاوزة ذلك إلى غيره إلا بتوقيف من الرسول ﵇، له على ذلك؛ فثبت بذلك قول الذين وقتوا في ذلك ذكرًا خاصًّا وهم الذين ذهبوا بلى حديث عقبة ﵁ ما فصل فيه من القول في الركوع والسجود، وهذا قول أبي حنيفة وأي يوسف ومحمد ﵏.
ش: خلاص هذا أن الصلاة فيها أذكار متعينة لم يُجعل للمصلي أن يتعداها إلى غيرها، كتكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع والسجود، والتشهد؛ فإن هذه أذكار متعينة، حترل لو أقول بذكر يشابه واحدًا من ذلك في معناه، يكون مسيئًا وإن كان لا تفسد به صلاته، وفيها ذكر غير متعين كالأدعية بعد الفراغ من التشهد الأخير، بتخيير له من الشارع بقوله: "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب". ولما كان الإجماع على
стр. 1968
أن في الركوع والسجود ذكرًا, ولكن لم يجمع على أنه يأتي فيهما بكل الذكر، لعدم التوقيف فيه؛ فكان النظر والقياس على ذلك أن يكون ذكرهما كسائر الأذكار المتعينة، نحو التكبير والتشهد والتسميع والتحميد، ويكون ذلك قولًا خاصًّا لا ينبغي لأحد مجاوزته إلى غيره، كما ليس له ذلك فيما ذكرنا من الأذكار إلا ما فيه توقيف من الرسول ﵇.
قوله: "قد وقف العباد عليه" جملة وقعت صفة لقوله: "تكبيرًا".
قوله: "كان في ذلك مسيئًا" لعدم إتيانه بما أتى به الشرع، ولكن لا تفسد صلاته لما ذكرنا.
قوله: "فقيل له" أي قيل للمصلى فيما روي عن عبد الله بن مسعود، ويأتي ذلك عن قريب إن شاء الله تعالى.
قوله: "فثبت بذلك" نتيجة ما قبله من الكلام.
قوله: "الذين وقتوا" أي عينوا.
قوله: "على ما فصل فيه" أي ميز وبين، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: وأين جعل للمصلي أن يقول بعد التشهد ما أحب؟
قيل له: في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حدثنا بذلك أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن شقيق، عن عبد الله قال: "كنا نقول خلف رسول الله ﵇ إذا جلسنا في الصلاة: السلام على الله وعلى عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال رسول الله ﵇: إن الله هو السلام، فلا تقولوا هكذا، ولكن قولوا ... " فذكر التشهد على ما ذكرناه في غير هذا الموضع عن ابن مسعود، قال: "ثم ليتخير أحدكم بعد ذلك أطيب الكلام أو ما أحب من الكلام".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا لا ندري ما نقول بين كل ركعتين غير أن
стр. 1969
نسبح ونكبر ونحمد ربنا ، وإن محمدًا ﵇ أوتي فواتح الكلم وجوامعه -أو قال: وخواتمه- فقال: إذا قعدتم في الركعتين فقولوا -فذكر التشهد- ثم يتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به ربه ".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الفضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن شقيق، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ مثله، غير أنه قال: "ثم ليختر من الكلام بعدُ ما شاء" فابيح له ها هنا أن يختار من الدعاء ما أحب؛ لأن ما سواه من الصلاة بخلافه من ذلك ما ذكرنا من التكبر في مواضعه ومن التشهد في موضعه ومن الاستفتاح في موضعه، ومن التسليم في موضعه؛ فجعل ذلك ذكرا خاصًّا غير متعدٍّ إلى غيره، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الذكر في الركوع والسجود ذكرًا خاصًّا لا يتعدى إلى غيره، والله أعلم.
ش: لما قال: فيما قبل هذا عن قريب؛ فقيل له: فيما روى ابن مسعود عن النبي ﵇: "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب" بين ذلك ها هنا بتخريجه الحديث.
فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أدرك النبي ﵇ ولم يره.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين ما خلا أبا بكرة.
وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله قال: "كنا إذا كنا مع النبي ﵇ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﵇: لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين-
стр. 1970
فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخهير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به".
وقال مسلم (١): ثنا زهير به بن حرب وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم- قال إسحاق: أنا، وقال الآخران:- ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله ﵇: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء".
وفي لفظ (١): "أو أحب".
وقال أبو داود (٢): نا مسدد، ثنا يحيى ... إلى آخره نحو رواية البخاري، غير أن فيه: "كنا إذا جلسنا مع رسول الله ﵇ في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده".
وزيادة لفظ: "صالح" بعد قوله: "كل عبد". والباقي مثله سواء.
وقال الترمذي (٣): ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: "علَّمنا رسول الله ﵇ إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: التحيات لله والصلوات ... " إلى آخره، وليس في روايته: "ثم ليتخير أحدكم".
وقال النسائي (٤): أنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن الأشجعي ... إلى آخره نحو رواية الترمذي.
стр. 1971
وقال أيضًا (١): أنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا، وإن محمدًا ﵇ عُلِّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله ... " إلى آخره "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع الله ".
وقال ابن ماجه (٢): نا محمَّد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود. (ح)
وثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا يحيى بن سعيد، نا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنا إذا صلينا مع النبي ﵇ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل وميكائيل، وعلى فلان وفلان -يعنون الملائكة- فسمعنا رسول الله ﵇ نقول ذلك، فقال: إن الله هو السلام، فإذا جلستم فقولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- فإنه إذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الكوفي، عن عبد الله ... إلى آخره.
وأخرج النسائي (٣) نحوه كما ذكرناه آنفًا.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أسد بن موسى، عن الفضيل بن عياض الزاهد المشهور، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود.
стр. 1972
وأخرجه الطبراني (١): ثنا عبدان بن أحمد، نا إسماعيل بن زكرياء الكوفي، ثنا فضيل بن عياض، عن الأعمش ومنصور، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله ... الحديث.
وأخرجه من وجوه كثيرة.
قوله: "السلام على الله " مقول القول، والألف والسلام فيه لاستغراق الجنس، أي كل واحدٍ واحدٍ من أفراد السلام على الله وقد بين ﵇ أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ومعناه: السالم من النقائض وسمات الحدث، ومن الشريك والند، وقيل: بمعنى المسلم لأوليائه، وقيل: المسلم عليهم.
قوله: "السلام على فلان وفلان" يعنون بهم الملائكة كما صرح به في رواية ابن ماجه.
قوله: "على ما ذكرناه في غير هذا الموضع" أراد به: باب التشهد في الصلاة كيف هو على ما يجيء.
قوله: "أو ما أحب من الكلام" شك من الراوي فلأجل هذا اللفظ أخرج هذا الحديث ها هنا، وإلا فموضعه باب التشهد على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وهذا فيه دليل صريح على أن الدعاء بعد التشهد غير مؤقت، وذلك لأن الشارع خيره في ذلك، حتى ذهب الشافعي إلى أنه يجوز له أن يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا، وقال أصحابنا: لا يجوز إلا الدعوات المأثورة الواردة في القرآن أو السنة؛ لأن الدعاء من أمور الدنيا مثل قوله: اللهم زوجني فلانة، أو ارزقني ألف دينار من كلام الناس، وقد صح في الحديث أن أهذه، (٢) الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، وسيجيء تحقيق الكلام في هذا الحديث في بابه إن شاء الله تعالى.
стр. 1973
قوله: "أوتي فواتح الكلم" الفواتح جمع فاتحة، وأراد بها ما يسّر الله له من البلاغة والفصاحة والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ التي لم تفتح على غيره وتعذرت، وهذا كما في قوله في الحديث الآخر: "أتيت مفاتيح -وفي رواية: مفاتح- الكلم" (١).
قوله: "وجوامعه" جمع جامعة أي كلمة جامعة، وأراد بها القرآن الذي جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة.
قوله: "وخواتمة" جمع خاتمة، وأراد بها ما يختم به الكلام على حسن الاختتام بعد انتهاء المقاصد، بأبلغ العبارات، وأكمل الإشارات، وأوضح الدلالات.
قوله: "فأبيح له ها هنا" أي في التشهد في آخر الصلاة، والباقي ظاهر.
стр. 1974
ص: باب: الإمام يقول سمع الله لمن حمده هل ينبغي له أنا يقول بعدها: ربنا لك الحمد أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان أن الإِمام هل يجمع بين سمع الله لمن حمده وبين ربنا لك الحمد، أم يكتفي على قوله: سمع الله لمن حمده؟ ومعنى سمع الله: أجاب، وهذا مجاز عن الإجابة، والهاء فيه للسكتة والاستراحة، لا للكناية حتى لا يجوز فيه إلا الوقف، ونصّ في "فتاوى المناقبي": أنه إذا حرك الهاء تفسد صلاته و"ربنا" منصوب على أنه منادى حذف حرف النداء منه، والواو في "ربنا ولك الحمد" قيل: إنها زائدة، وقيل: عاطفة، تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن هذه "الواو" فقال: هي زائدة، ومذهب أبي حنيفة حذف الواو، كما وقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى الذي أخرجه مسلم وغيره كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقال صاحب "المحيط": اللهم ربنا لك الحمد أفضل؛ لزيادة الثناء، وعن أبي حفص: لا فرق بين قوله: "لك، وبين قوله: "ولك" وعند الشافعي يأتي "الواو" ولو أسقطها جاز.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام وأبو عوانة وأبان، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حطان بن عبد الله، عن أي موسى الأشعري ﵁ قال: "علمنا رسول الله ﷺ الصلاة فقال: إذا بر الإمام فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده".
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق جميعًا، قالا: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 1975
ش: هذان إسنادان صحيحان، ذكرهما الطحاوي بعينهما في باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟ غير أنه اقتصر هناك في متن الإسناد الأول على قوله: "إذا كبر الإِمام وسجد فكبروا واسجدوا" وزاد هنا البقية، مع زيادته في نفس الإسناد: أبا عوانة الوضاح اليشكري وأبان بن يزيد العطار، وكذا زاد ها هنا في نفس الإسناد الثاني: أبا بكرة بكّار القاضي، وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه مطولًا ومختصرًا (١).
قوله: "يسمع الله لكم" أي يستجيب لكم، كما يقال: السلطان سمع كلام فلان، أي أجاب إلى كلامه.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: استدل به أبو حنيفة على أن المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإمام لا يتقدم ولا يتأخر؛ لقوله إذا كبر الإِمام فكبروا؛ لأن "الفاء" للحال، وقال أبو يوسف ومحمد: والأفضل أن يكبر بعد فراغ الإِمام من التكبير؛ لأن "الفاء" للتعقيب، وإن كبر مع الإِمام أجزأه عند محمد -رواية واحدة- وقد أساء، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية: لا يصير شارعًا، ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع، والبعدية على قولهما أن يوصل "ألف" الله بـ"راء" أكبر.
وقال شيخ الإسلام جواهر زاده: قول أبي حنيفة أدق وأجود وقولهما أرفق وأحوط.
ثم قيل: الخلاف في الجواز، والفتوى أنه في الأفضلية، وقول الشافعي كقولهما، وقال الماوردي: إن شرع في تكبير الإحرام قبل فراغ الإِمام منها لم تنعقد صلاته،
стр. 1976
ويركع بعد شروع الإِمام في الركوع، فإن قارنه أو سابقه فقد أساء، ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور.
الثاني: أن "الفاء" في قوله: "فاركعوا" وفي قوله: "فاسجدوا" تدل على التعقيب وتدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإِمام بالركوع والسجود، حتى إذا سبقه فيهما ولم يلحقه الإِمام فسدت صلاته.
الثالث: فيه فرضية التكبير -أعني تكبيرة الافتتاح- وفرضية الركوع والسجود بقوله: "فكبروا"، "فاركعوا"، "فاسجدوا" لأنها أوامر تدل على الوجوب.
فإن قيل: هلَّا توجب التحميد لقوله: "فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد" وهو أيضًا أمر، وما الفرق بين الأمرين؟
قلت: قامت قرينة على عدم الوجوب ها هنا، وهي أن النبي ﵇ لما علَّم الأعرابي أركان الصلاة لم يأمره أن يقول: ربنا لك الحمد، ولا سمع الله لمن حمده، فدل ذلك على أنهما من سنن الصلاة.
الرابع: فيه أن الإِمام يكتفي بالتسميع، وبه قال أبو حنيفة على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه، غير أنه لم يذكر قوله: "سمع الله لكم ... " إلى آخر الحديث.
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن مصعب بن محمَّد القرشي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 1977
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء العامري الطائفي، عن أبي علقمة المصري مولى بني هاشم، ويقال مولى عبد الله بن عباس، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة (ح)
ونا عبيد الله بن معاذ -واللفظ له- قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن يعلى وهو ابن عطاء، سمع أبا علقمة، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇: "إنما جعل الإِمام جُنَّة فإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه".
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن سعيد بن عامر الضبعي، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه الدارمي في "سُننه" (٢): أنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن
стр. 1978
حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح البصري نزيل مصر، عن وهيب بن خالد البصري، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل المكي، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة نحوه.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم -المعنى- عن وهيب، عن مصعب بن محمَّد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد -قال مسلم: ولك الحمد- وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة.
وهؤلاء كلهم رجال "الصحيح".
وأخرجه الجماعة غير ابن ماجه:
فالبخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأبو داود (٤): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك.
стр. 1979
والترمذي (١): عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك، وليس في روايته "اللهم".
والنسائي (٢): عن قتيبة، عن مالك نحو رواية الترمذي.
قوله: "فإنه" أي فإن الشأن.
قوله: "من وافق قوله قول الملائكة" يعني في قوله "آمين" في زمن واحد، وقيل: الموافقة بالصفة من الإخلاص والخشوع، وقيل: موافقته إياهم: دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم، وقيل: الموافقة: الإجابة، أي فمن استجيب له كما يستجاب لهم، وهو بعيد. وقيل: هي إشارة إلى الحفظة وشهودها الصلاة مع المؤمنين، فنُؤمِّن إذا أمن الإمام، فمن فعل فعلهم وحضر حضورهم الصلاة، وقال قولهم؛ غفر له.
والقول الأول أولى.
وقال الخطابي: وفيه دلالة على أن الملائكة يقولون مع المصلي هذا القول، ويستغفرون ويحضرون بالدعاء والذكر.
ص: فذهب قوم إلى أن هذه الآثار قد دلتهم على ما يقول الإمام والمأموم جميعًا، وأن قول النبي ﵇: "سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" دليل على أن سمع الله لمن حمده يقولها الإمام دون المأموم، وأن "ربنا لك الحمد" يقولها المأموم دون الإمام، وممن ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة ﵁.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سعد ومالكًا وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: إن الإمام يكتفي بالتسميع، والمأموم بالتحميد فقط، وممن ذهب إلى، هذا القول: الإمام أبو حنيفة، وذلك لأن الآثار المذكورة دلت على ذلك، كذلك لأنه ﵇ قسم، والقسمة تنافي الشركة.
стр. 1980
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصة، وقالوا: ليس في قول النبي ﵇: "وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" دليل على أن ذلك يقوله الإمام دون غيره، ولو كان ذلك كذلك؛ لاستحال أن يقولها من ليس بمأموم.
فقد رأيناكم تجمعون على أن المصلي وحده يقولها مع قوله: "سمع الله لمن حمده"؛ فكما كان من يصلي وحده يقولها وليس بمأموم، ولم ينف ذلك ما ذكرنا من قول رسول الله ﵇؛ كان الإمام أيضًا يقولها كذلك، ولا ينف ذلك ما ذكرنا من قول رسول الله ﵇.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وابن سيرين وأبا بردة والشافعي وإسحاق وابن المنذر وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد في المشهور؛ فإنهم قالوا: بل يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. وإليه ذهبت الظاهرية أيضًا.
وفي "المغني" لابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة ﵃.
قوله: "ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصةً" يعني لا يجمع بينه وبين "سمع الله لمن حمده"؛ وفيه خلاف الشافعي.
وقال الترمذي في "جامعه": وقال ابن سيرين وغيره: يقول من خلف الإمام: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" مثل ما يقول الإمام؛ وبه يقول الشافعي وإسحاق.
قلت: وهو قول ابن نافع وعيسى من أصحاب مالك، ويروى عن مالك أيضًا، وإليه ذهبت الظاهرية أيضًا.
стр. 1981
وقال صاحب "المغني" (١): قال ابن سيرين وأبو بردة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وإسحاق: يقول المأموم ذلك كالإمام. انتهى.
قلت: عَدُّهُ أبايوسف ومحمدًا منهم ليس بصحيح؛ فإن مذهبهما كمذهب الجمهور: أن المأموم يقتصر على التحميد ولا يجمع بينهما.
قوله: "وقالوا" أي قال الآخرون؛ هذا جواب عما استدل به أهل المقالة الأولى بالآثار المذكورة على أن التسميع لا يقوله الإمام دون المأموم وهو ظاهر.
قوله: فقد رأينكم تجمعون على أن المصلي وحده يقولها مع قوله: "سمع الله لمن حمده" أي يقول: "ربنا لك الحمد" مع "سمع الله من حمده" وفيه كلام؛ فقال صاحب "البدائع": وإن كان منفردًا يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية, وكذا بالتحميد عندهم، وعن أبي حنيفة روايتان:
روى المعلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنه قال: يأتي بالتسميع دون التحميد.
وإليه ذهب الشيخ أبو القاسم الصفار والشيخ أبو بكر الأعمش، وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه يجمع بينهما. وذكر في بعض النوادر عنه: أنه يأتي بالتحميد لا غير. وفي "الجامع الصغير" ما يدل عليه؛ فإن أبا يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة يقول: اللهم اغفر لي؟ قال: يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت.
وما أراد به الإمام لأنه لا يأتي بالتحميد عنده؛ فكان المراد به المنفرد.
وجه هذه الرواية: أن التسميع ترغيب في التحميد، وليس معه من يرغبه، والإنسان لا يرغِّب نفسه؛ فكانت حاجته إلى التحميد لا غير.
وجه رواية المعلى: أن التحميد يقع في حالة القومة وهي مسنونة، وسنة الذكر تختص بالفرائض والواجبات كالتشهد في القعدة الأولى؛ ولهذا لم يشرع في القعدة بين السجدتين.
стр. 1982
وجه رواية الحسن: أن رسول الله ﷺ جمع بينهما في حديث عائشة ﵂ ولا محمل له سوى حالة الانفراد؛ ولهذا كان عمل الأمة على هذا؛ وما كان الله ليجمع أمة محمد ﵇ على ضلالة.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبدالله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﵇: "كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
ش: أي احتج الآخرون في قولهم: إن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد؛ بحديث علي بن أبي طالب هذا.
ولكن الاحتجاج به غير تام؛ لأنه ليس فيه دلالة على أنه ﵇ كان يقول ذلك وهو إمام، والدعوى لا تقوم إلا بحجة تامة على ما يذكره الطحاوي عن قريب.
وهذا الإسناد بعينه مذكور في أول باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة، ولكن متن الحديث هناك: "كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة ورفع يديه حذو منكبيه".
ثم أعاد هذا الإسناد بعينه في أول باب "التكبير للركوع " وزاد في المتن على ما ذكرنا: "ويصنع مثل ذلك -إذا قضى قراءته- إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا فرغ ورفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر".
ثم أعاد هذا الإسناد بعينه في أول باب "ما ينبغي أن يقال في الركوع والسجود" ومتن الحديث هناك: "كان رسول الله ﵇ يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت -إلى قوله-: فتبارك الله أحسن الخالقين".
فكل ذلك حديث واحد، وتقطيعه إياه بحسب التبويب.
стр. 1983
وقد ذكرنا في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة" أن أبا داود أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد.
وأخرج الترمذي (١): عن محمود بن غيلان، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، قال: حدثني عمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد".
قال أبو عيسى: حديث علي حديث حسن صحيح.
قوله: "ملء السماوات" بنصب الهمزة ورفعها، والنصب أشهر، وهو الذي اختاره ابن خالويه ورجحه، وأطنب في الاستدلال له، وجوز الرفع على أنه مرجوح. وحكي عن الزجاج: أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب.
قلت: أما انتصابه: فعلى أنه صفة لمصدر محذوف، أي: حمدًا ملء السماوات والأرض، وأما الرفع: فعك أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ملء السموات والأرض، ثم المِلء -بكسر الميم-: ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، والمَلْء -بالفتح- مصدر ملأت الإناء فهو مملوء، ودلو مَلأَى على فَعْلى، وكوز ملآن ماءً، والعامة تقول: مَلِيء ماءً. وها هنا بكسر الميم.
وفيه: إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود؛ فإنه ﵇ حمده ملء السماوات والأرض وهذه نهاية أقدام السابقين، وهذا تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو خمدر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السماوات والأرض.
стр. 1984
قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد" إشارة إلى أن حمد الله أعز من أن يحترزه الحسبان أو يكتنفه الزمان والمكان، فأحال الأمر على المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهىً، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه؛ وبهذه الرتبة استحق أن يسمى أحمد؛ لأنه كان أحمد من سواه.
وقوله: "بعدُ" مبني على الضم؛ لأنه قطع عن الإضافة فبني على الضم.
واحتج الشافعي به على أن المصلي يقول هذا سواء كان في المكتوبة أو التطوع.
وقال الترمذي عقيب ذكره هذا الحديث: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي، قال: يقول هذا في المكتوبة والتطوع، وقال بعض أهل الكوفة: يقول هذا في صلاة التطوع ولا يقولها في صلاة المكتوبة.
قلت: وبه قال أحمد.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا هشيم بن بشير، قال: أنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وأخرجه أيضًا (١) مقتصرًا على قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد" كرواية الطحاوي.
стр. 1985
وكذا أخرجه النسائي (١): عن أبي داود سليمان بن سيف الحراني، عن سعيد بن عامر، عن هشام بن حسان ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني عبيد -هو ابن الحسن- قال: سمعت ابن أبي أوفى يحدث، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هو أيضًا صحيح، وأبو بكرة بكار، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، وابن أبي أودنئ هو عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي، له ولأبيه صحبة.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن عبيد بن الحسن قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله ﵇ يدعو بهذا الدعاء: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا محمَّد بن عيسى، ثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية ووكيع ومحمد بن عبيد، كلهم عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: "كان النبي ﵇ إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
وأخرجه ابن ماجه (٤): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن وكيع، عن الأعمش ... إلى آخره نحو رواية أبي داود.
ص: حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف، قال: ثنا عبد الله بن يوسف الدمشقي، قال: أنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن عطية بن قيس الكلاعي، عن قزعة بن
стр. 1986
يحيى، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﵇ مثله، وزاد: "أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا نازع لما أعطيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
ش: إسناده صحيح، وعبد الله بن يوسف شيخ البخاري، وسعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبو عبد العزيز الدمشقي فقيه أهل الشام ومفتيهم بعد الأوزاعي، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
وعطية بن قيس الكلاعي أبو يحيى الحمصي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا بحديث واحد.
وقزعة بن يحيى أبو الغادية البصري، روى له الجماعة، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا مروان بن محمَّد الدمشقي، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﵇ إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا ما نع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا الوليد.
وثنا محمود بن خالد، ثنا أبو مسهر، وثنا ابن السرح، نا بشر بن بكر.
ونا محمد بن محمد بن مصعب، نا عبد الله بن يوسف، كلهم عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ كان يقول -حين يقول سمع الله لمن حمده-: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء -قال مؤمل: ملء السموات- وملء الأرض وملء ما شئت من شيء
стр. 1987
بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت -زاد محمود: ولا معطي لما منعت، ثم اتفقا- ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
قال بشر: "ربنا لك الحمد". لم يقل محمود: "اللهم" قال: "ربنا ولك الحمد".
وأخرجه النسائي (١): أنا عمرو بن هشام أبو أمية الحراني، قال: ثنا مخلد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﵇ كان يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا نازع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
قوله: "أهل الثناء والمجد" وهو منصوب على النداء، والمعنى: يا أهل الثناء والمجد. وهو المشهور، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت أهل الثناء، و"الثناء" الوصف الجميل والمدح، و"المجد" العظمة ونهاية الشرف.
قال القاضي عياض: ووقع في رواية ابن ماهان: "أهل الثناء والحمد" وله وجه، ولكن المشهور الصحيح هو الأول.
قوله: "أحق ما قال العبد، وكلنا" هكذا هو الراوية المشهورة "أحق" بالألف، "وكلنا" بالواو ولكن وقع في رواية النسائي: "حق" بدون الألف، ووقع في بعض روايات النسائي: "خير ما قال العبد".
وقال بعض الأفاضل: هو الصحيح.
ووقع في كتب الفقه: "حق ما قال العبد كلنا" (٢) بحذف "الألف" و"الواو"،
стр. 1988
فهذا غير معروف من حيث الرواية، وإن كان معناه صحيحًا، والرواية المعروفة المشهورة: "أحق ما قال العبد وكلنا" ومعناه: أحق قول العبد "لا نازع لما أعطيت" فيكون ارتفاع "أحق" على الابتداء وخبره قوله: "لا نازع".
قوله: "وكلنا لك عبد" جملة معترضة بينهما، وتقدير الكلام: أحق قول العبد: لا نازع لما أعطيت، أو"لا مانع لما أعطيت" وكلنا لك عبد فيجب أن نقوله.
وفائدة الاعتراض: الاهتمام به وارتباطه بالكلام السابق، ونظيره في القرآن: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ (١) الآية فإن قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ اعتراض بين قوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ و ﴿وَعَشِيًّا﴾ والجملة المعترضة لا محل لها من الأعراب وقد عرف ذلك في موضعه.
فإن قيل: ما وجه كون هذا أحق ما يقوله العبد؟
قلت: لأن فيه التفويض إلى الله تعالى والإذعان له والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الخير والشر منه.
قوله: "لا نازع لما أعطيت" كذا في رواية النسائي أيضًا كما ذكرناها، وفي رواية غيرهما: "لا مانع لما أعطيت" وكلاهما معنى واحد.
قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أي لا ينفع ذا الغنى، منك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، أو معناه: لا يُسْلِمه من عذابك غناه.
و"الجد" في اللغة: الحظ والسعادة والغنى، ومنه: "تعالى جدُّك". أي: علا جلالك وعظمتك. والمشهور فيه فتح الجيم، هكذا ضبطه العلماء المتقدمون والمتأخرون.
وقال ابن عبد البّر: ومنهم من رواه بالكسر، وقال أبو جعفر الطبري: هو بالفتح. قال: وقاله الشيباني بالكسر. قال: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل. قال: ولا نعلم من قاله غيره، وضَعّف الطبريّ ومن بعده الكسر.
стр. 1989
قالوا: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك.
وقيل: المراد: ذا الجد والسعي التام في الحرص على الدنيا.
وقيل: معناه: الإسراع في الهرب، أي: لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هروبه فإنه في قبضتك وسلطانك.
فإن قيل: بيَّن لي إعراب هذا الكلام؟
قلت: "ذا الجد" منصوب على أنه مفعول "لا ينفع"، وكلمة "من" في قوله: "منك" للبدل كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (١) أي: بدل طاعة الله، أو بدل رحمة الله. وكما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ (٢) أي بدل الآخرة.
وقوله: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٣) أي: بدلكم؛ لأن الملائكة لا تكون من الإنس.
وقال أبو حيان: إثبات البدلية لـ "مِنْ" فيه خلاف، وأصحابنا ينكرونه، وغيرهم قد أثبته، وزعم أنها تأتي لمعنى البدل، واستدل بالآيات التي تَلَوْنَا وبقول الشاعر:
[أخذوا] (٤) المخاضَ من الفصيل غُلُبَّة ... ظلما ويكتبُ للأميرِ أفِيلا
أي: بدل الفصيل -وهو ولد الناقة إذا فُصل عن أمّه- والجمع فصلان، والمخاض ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، وغُلُبَّةَّ -بضم الغين المعجمة واللام وتشديد الباء الموحدة المفتوحة -وهو مصدر من غلب يغلب وكذلك غُلُبّى وغَلاَبِية وغَلْبا وغَلَبَا بتسكين اللام وتحريكها، وغلَبةً ومَغْلبةً، والأفيل -بفتح الهمزة وكسر
стр. 1990
الفاء- ابن المخاض وابن اللبون، ويجوز أن تكون "من" في الحديث بمعنى "عند" والمعنى: لا ينفع ذا الغنئ عندك غناه.
قلت: يجوز أن تكون "من" على حالها للابتداء، ويكون المعنى: لا ينفع ذا الغنى من ابتداء نقمتك أو من ابتداء عذابك غناه.
ويقال: ضمّن "ينفع" معنى "يمنع" ومتى علقت "من" بالجد انعكس المعنى.
وأما ارتفاع قوله: "الجدُّ" فعلى أنه فاعل قوله: "لا ينفع"
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن أبي عمر، عن أبي جُحَيفة قال: "ذُكِرت الجدود عند النبي ﵇، فقال بعض القوم: جد فلان في الإبل. وقال بعضهم: في الخيل. فسكت النبي ﵇، فلما قام يصلي فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ".
ش: سعيد بن سليمان الضبّي أبو عثمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي ثقة، وأبو عمر المنبهّي النخعي الكوفي، ذكره ابن أبي حاتم في الكنى ولم يُسمّه، وسكت عنه.
وأبو جُحَيفة السوائي الصحابي اسمه وهب بن عبد الله.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا إسماعيل بن موسى السُدي، ثنا شريك، عن أبي عمر، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: "ذكرت الجدود عند رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فقال رجل: جد فلان في الخيل. وقال آخر: جد فلان في الإبل. وقال آخر: جد فلان في الغنم. وقال آخر: جد فلان في الرقيق. فلما قضى رسول الله ﵇
стр. 1991
صلاته، ورفع رأسه من آخر ركعة قال: اللهم ربنا لك الحمد ... " إلى آخره نحوه، وفي آخره: "وطوّل رسول الله ﵇ صوته بالجدّ ليعلموا أنه ليس كما يقولون".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن يحيى بن أبي بكير، عن شريك ... إلى آخره نحوه.
وهذا الحديث كما قد رأيته أخرجه الطحاوي عن خمسة من الصحابة وهم: علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدري، وأبي جحيفة السوائي.
ولما أخرج الترمذي (٢) حديث علي ﵁ قال: وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وأبي سعيد (٣).انتهى.
وحديث ابن عمر ﵄ (٤).
ص: فليس في هذه الآثار أنه كان يقول ذلك وهو إمامٌ، ولا فيها ما يدل على شيء من ذاك، غير أنه قد ثبتَ بها أن مَنْ صلى وحده يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.
فاردنا أن ننظر هل روي عن النبي ﵇ ما يدل على حكم الإمام في ذلك كيف هو؟ وهل يقول في ذلك ما يقول مَنْ يصلي وحده أم لا؟
فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابنُ وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أنهما سمعاه يقولُ: "كان
стр. 1992
رسول الله ﷺ حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمدُ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ... " ثم ذكر الحديث.
فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت، ثم تركه بعدُ لمّا ترك القنوت، فرجعنا إلى غير هذا الحديث هل فيه دلالة على شيء مما ذكرنا؟
فإذا ربيعٌ المؤذنُ قد حدّثنا قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابنُ أبي ذئب، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه قال: "أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﵇؛ كان إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: ربنا لك الحمد".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كُسفت الشمس في حياة رسول الله ﵇، فصلى بالناس، فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمدُ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان إذا قام من الركوع قال: ذلك".
ففي هذه الآثار ما يدلُّ على أن الإمام يقول من ذلك مثل ما يقول مَنْ صلى وحده؛ لأن في حديث عائشة ﵂ رسول الله ﵇ قال ذلك وهو يصلي بالناس، وفي حديث أبي هريرة: "أنا أشبَهكُم صلاة برسول الله ﵇ .... " ثم ذكر ذلك، فأخبر أن ما فعل من ذلك هو ما كان رسول الله ﵇ يفعله في صلاته لا يَفْعل غيرهَ.
وفي حديث ابن عمر ما ذكرنا عنه من ذلك، وهو أيضًا إخبار عن صفة صلاته كيف كانت فلما ثبت عنه أنه كان يقول -وهو إمام- إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثبت أن هكذا ينبغي للإمام أن يفعل ذلك، اتباعًا لما قد ثبت عن رسول الله ﵇ في ذلك، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.
стр. 1993
وأما من طريق النظر فإنهم قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك.
فأردنا أن ننظر في الأمام هل حكمه في ذلك حكم من يصلي وحده أم لا؟
فوجدنا الإمام يفعل في كل صلاته من التكبر والقراءة والقيام والقعود والتشهد مثل ما يفعل مَنْ يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكام من يصلي وحده فيما يطرأ عليه في صلاته في الأشياء التي توجب فسادها وما يُوجب سجود السهو فيها وغير ذلك؛ فكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواء بخلاف المأموم، فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قول سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد. ثبت أيضًا أن الإمام يقولها بعد قوله: سمع الله لمن حمده.
فهذا هو وجه النظر أيضًا في هله الباب، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وأما أبو حنيفة فكان يذهب في ذلك إلى القول الأول والله أعلم.
ش: قد ذكرنا أن الاستدلال بهذه الأحاديث المذكورة لا يتم؛ لأنه ليس فيها أنه ﵇ كان يقول ذلك -أي: ربنا لك الحمد- مع قوله: سمع الله لمن حمده. والحال أنه إمام، ولا فيها ما يدل على شيء من ذلك، أي من الجمع بين التسميع والتحميد، غير أن هذه الآثار تُبَيّن أن من صلى وحده منفردًا يجمع بينهما، فإذا كان كذلك يجب الرجوع إلى حديث يتم به الاستدلال، فنظرنا في ذلك فوجدنا أحاديث أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر ﵃ تدل على أن الإمام يقول من ذلك -أي من الجمع بين التحميد والتسميع- مثل ما يقول المنفرد، وهو معنى قوله: "ففي هذه الآثار ما يدل على أن الإمام يقول من ذلك ... " إلى آخره. وذلك أن في حديث عائشة يصرّحُ بأن رسول الله ﵇ قال ذلك وهو يصلّي بالناس، وفي حديث ابن عمر كذلك، وفي حديث أبي هريرة أَخْبَر أن ما كان يفعله من الجمع بين التحميد والتسميع هو ما كان يفعله رسول الله ﵇، فثبت بهذا أَنْ ما يفعله الإِمام كذلك؛ اتباعًا لما ثبت في الأحاديث المذكورة، وهو معنى قوله: "ثبتَ أَنْ هكذا ينبغي للإمام" و"أنْ" هذه مخففة من المثقلة، وهي في محل الرفع على أنه فاعل "ثبت".
стр. 1994
قوله: "فهذا حكم هلما الباب" أي هذا الذي ذكرنا حكم هذا الباب من طريق الأحاديث، "وأما من طريق النظر" والقياس "فإنهم قد أجمعوا ... " إلى آخره. وهو ظاهر، ولكن في قوله: "قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك" بحثٌ؛ فإن صاحب "المغني" نقل عن أحمد: أنه لا يجمع المنفرد بين التحميد والتسميع.
قال: فإنه قال في رواية إسحاق في الرجل يصلي وحده، فإذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: ربنا ولك الحمد.
فقال: إنما هذا للإمام جمعهما وليس هذا لأحد سوى الإمام.
ووجهه أن الخبر لم يرد به في حقه، فلم يشرع له كقول سمع الله لمن حمده في حق المأموم
قوله: "وأما أبو حنيفة فكان يذهب" وفي بعض النسخ: "وأما أبو حنيفة ومالك فكانا يذهبان في ذلك إلى القول الأول" والله أعلم.
ثم إنه أخرج عن أبي هريرة حديثين صحيحين:
أحدهما: لا يتم به الاستدلال أيضًا على ما نقوله عن قريب، وهو الذي أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١) بهذا الإسناد بعينه: عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله ﵇ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم يقول وهو قائم:
стр. 1995
اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وَطأتُك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكران، وعُصَيّة عَصت الله ورسوله".
ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وأخرجه البخاري (١) بأطول منه: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة ابن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده. ثم يقول: ربنا ولك الحمد. قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر. حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر [حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر، (٢) حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﵇ إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا".
قالا: وقال أبو هريرة: "وكان رسول الله ﵇ حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له".
стр. 1996
وأما بيان عدم تمام الاستدلال به فهو قوله: "فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت ثم تركه بعد" أي: ثم ترك الجمع بين التسميع والتحميد بعد ذلك لما ترك القنوت، فحينئذ لا يتم به الاستدلال لأجل هذا الاحتمال.
والذي يتم به الاستدلال هو الحديث الثاني لأبي هريرة، وهو الذي خرّجه عن ربيع بن سليمان المؤذن المصري صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن المغيرة بن أبي ذئب المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﵇ إذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... " الحديث.
فهذا صريح على أنه ﵇ كان يجمع بين التسميع والتحميد، لا لعلة قنوت ولا لغيره.
ولقائل أن يقول: يمكن أن يكون هذا من النبي ﵇ وهو منفرد، على أن أبا حنيفة قد حمله على حالة الانفراد.
قلت: يمكن أن يقال: محاكاة أبي هريرة هي الصلاة المطلقة، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الصلاة مع الجماعة.
وأما حديث عائشة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح على شرط مسلم جميع رجاله، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (٢): عن حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس. وحدثني أبو الطاهر ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: ثنا ابن وهب، عن
стр. 1997
يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "خسفت الشمس في حياة رسول الله ﵇، فخرج رسول الله ﵇ إلى المسجد، فقام وكبّر وصفّ الناس وراءه، فاقترأ رسول الله ﵇ قراءة طويلة، ثم كبّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ... " الحديث.
وأخرجه أبو داود (١) وقال: نا ابن السَرْح، نا ابن وهب.
ونا محمَّد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب ... إلى آخره نحو رواية مسلم.
وأخرجه بقية الجماعة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى (٢).
وهذا أيضًا فيه الجمع بين التحميد والتسميع، ولكن لأبي حنيفة أن يقول هذا أيضًا يجوز أن يكون كالقنوت، فعله ثم تركه.
وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن إبراهيم بن أبي الوزير -وهو إبراهيم بن عمر بن مَطرف الهاشمي المكي- أبي إسحاق ابن أبي الوزير.
عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عبد الله: "أن رسول الله ﵇ ... " إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (٣) ولفظه: "إن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة يَرفع يدَيْه حَذْو منكبَيْه، فإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود".
وأما معنى الأحاديث:
стр. 1998
فقوله: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" وفي رواية أبي داود "نجَّ" والوليد هو أخو خالد بن الوليد، أُسِرَ يوم بدر كافرًا ففُدِيَ بأربعة آلاف درهم ولما افتُدِيَ أسلم فحبَسوه بمكة فكان رسول الله ﵇ يدعو له.
وسلمة بن هشام هو أخو أبي جهل بن هشام، وكان من خيار الصحابة ﵃، واحتُبِس بمكة وعُذِّب في الله، وكان رسول الله ﵇ يدعو له.
وعياش بن أبي ربيعة -واسم أبي ربيعة عمرو- بن المغيرة وهو أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة، كان إسلامه قديما قبل أن يدخل رسول الله ﵇ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وولد بها ابنه عبد الله، ثم عادإ لى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب ﵄، ولما هاجر إلى المدينة قدم عليه أخواه لأمه: أبو جهل، والحارث، ابنا هشام، فذكرا له أن أمه قد حلفت أن لا تدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، وكان رسول الله ﵇ يدعو له، وقتل عياش يوم اليرموك. وقيل: مات بمكة. قاله الطبري.
قوله: "وطأتك" الوطأة -بفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة- هي: البأس، والمعنى ها هنا: الإيقاع بهم والعقوبة لهم، وتكون الوطأة بالقدم وبالقوائم وبالخيل.
قوله: "كسني يوسف" أصله سنين، سقطت النون للإضافة، ومعنى سنين يوسف: الجدب والقحط، وهي السبع الشداد التي أصابتهم.
و"لحيان": أبو قبيلة، وهو لحيان بن هذيل بن مُدْركة، ذكره الجوهري في باب لحا، فيدل هذا أن النون فيه زائدة.
و"رعل": و"رعْلة" جميعًا قبيلة باليمن، وقيل: هم من سليم، قاله ابن سيده، وفي الصحاح: رِعل -بالكسر- وذكران قبيلتان من سُليم.
стр. 1999
وقال ابن دُريد: رِعل من الرِعْلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع رِعال. وهو رد لما قاله ابن التين: ضُبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بفتحها.
وقال الرُشاطي: هو رعل بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر.
وقال ابن دحية في "المولد": ولا أعلم في رِعل وعُصَيّة صاحبًا له رواية صحيحة عن النبي ﵇.
و"عُصَيّة" هو ابن خفاف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيم، ذكره أبو علي الهجري في "نوادره" والله أعلم.
стр. 2000
ص: باب: القنوت في صلاة الفجر
ش: أي هذا باب في بيان أحكام القنوت في صلاة الفجر وغيرها من الصلوات، والقنوت ها هنا: الدعاء، وهو يرد بمعاني متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت والدعاء، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه.
ولما كان الباب السابق في حكم التسميع والتحميد وكان من جملة أحاديثه حديث أبي هريرة الذي فيه القنوت بعد قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وكان ذلك في صلاة الفجر؛ ناسب أن يذكر عقيبه حكم القنوت في الفجر؛ فافهم.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانًا ورعلًا وبهوان، وعصيَّة عصت الله ورسوله".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان إذا صلى العشاء الآخرة فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم أنج الوليد ... " ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: قال أبو هريرة: "لأريَنَّكم صلاة رسول الله ﵇ أو كلمة نحوها- فكان إذا رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده. دعا للمؤمنين ولعن الكافرين".