← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وأما بيان عدم تمام الاستدلال به فهو قوله: "فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت ثم تركه بعد" أي: ثم ترك الجمع بين التسميع والتحميد بعد ذلك لما ترك القنوت، فحينئذ لا يتم به الاستدلال لأجل هذا الاحتمال. والذي يتم به الاستدلال هو الحديث الثاني لأبي هريرة، وهو الذي خرّجه عن ربيع بن سليمان المؤذن المصري صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن المغيرة بن أبي ذئب المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: "كان النبي ﵇ إذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... " الحديث. فهذا صريح على أنه ﵇ كان يجمع بين التسميع والتحميد، لا لعلة قنوت ولا لغيره. ولقائل أن يقول: يمكن أن يكون هذا من النبي ﵇ وهو منفرد، على أن أبا حنيفة قد حمله على حالة الانفراد. قلت: يمكن أن يقال: محاكاة أبي هريرة هي الصلاة المطلقة، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الصلاة مع الجماعة. وأما حديث عائشة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح على شرط مسلم جميع رجاله، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وأخرجه مسلم (٢): عن حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس. وحدثني أبو الطاهر ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: ثنا ابن وهب، عن

стр. 1997

يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "خسفت الشمس في حياة رسول الله ﵇، فخرج رسول الله ﵇ إلى المسجد، فقام وكبّر وصفّ الناس وراءه، فاقترأ رسول الله ﵇ قراءة طويلة، ثم كبّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ... " الحديث. وأخرجه أبو داود (١) وقال: نا ابن السَرْح، نا ابن وهب. ونا محمَّد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب ... إلى آخره نحو رواية مسلم. وأخرجه بقية الجماعة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى (٢). وهذا أيضًا فيه الجمع بين التحميد والتسميع، ولكن لأبي حنيفة أن يقول هذا أيضًا يجوز أن يكون كالقنوت، فعله ثم تركه. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن إبراهيم بن أبي الوزير -وهو إبراهيم بن عمر بن مَطرف الهاشمي المكي- أبي إسحاق ابن أبي الوزير. عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عبد الله: "أن رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (٣) ولفظه: "إن رسول الله ﵇ كان إذا افتتح الصلاة يَرفع يدَيْه حَذْو منكبَيْه، فإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود". وأما معنى الأحاديث:

стр. 1998

فقوله: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" وفي رواية أبي داود "نجَّ" والوليد هو أخو خالد بن الوليد، أُسِرَ يوم بدر كافرًا ففُدِيَ بأربعة آلاف درهم ولما افتُدِيَ أسلم فحبَسوه بمكة فكان رسول الله ﵇ يدعو له. وسلمة بن هشام هو أخو أبي جهل بن هشام، وكان من خيار الصحابة ﵃، واحتُبِس بمكة وعُذِّب في الله، وكان رسول الله ﵇ يدعو له. وعياش بن أبي ربيعة -واسم أبي ربيعة عمرو- بن المغيرة وهو أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة، كان إسلامه قديما قبل أن يدخل رسول الله ﵇ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وولد بها ابنه عبد الله، ثم عادإ لى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب ﵄، ولما هاجر إلى المدينة قدم عليه أخواه لأمه: أبو جهل، والحارث، ابنا هشام، فذكرا له أن أمه قد حلفت أن لا تدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، وكان رسول الله ﵇ يدعو له، وقتل عياش يوم اليرموك. وقيل: مات بمكة. قاله الطبري. قوله: "وطأتك" الوطأة -بفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة- هي: البأس، والمعنى ها هنا: الإيقاع بهم والعقوبة لهم، وتكون الوطأة بالقدم وبالقوائم وبالخيل. قوله: "كسني يوسف" أصله سنين، سقطت النون للإضافة، ومعنى سنين يوسف: الجدب والقحط، وهي السبع الشداد التي أصابتهم. و"لحيان": أبو قبيلة، وهو لحيان بن هذيل بن مُدْركة، ذكره الجوهري في باب لحا، فيدل هذا أن النون فيه زائدة. و"رعل": و"رعْلة" جميعًا قبيلة باليمن، وقيل: هم من سليم، قاله ابن سيده، وفي الصحاح: رِعل -بالكسر- وذكران قبيلتان من سُليم.

стр. 1999

وقال ابن دُريد: رِعل من الرِعْلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع رِعال. وهو رد لما قاله ابن التين: ضُبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بفتحها. وقال الرُشاطي: هو رعل بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر. وقال ابن دحية في "المولد": ولا أعلم في رِعل وعُصَيّة صاحبًا له رواية صحيحة عن النبي ﵇. و"عُصَيّة" هو ابن خفاف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيم، ذكره أبو علي الهجري في "نوادره" والله أعلم.

стр. 2000

ص: باب: القنوت في صلاة الفجر ش: أي هذا باب في بيان أحكام القنوت في صلاة الفجر وغيرها من الصلوات، والقنوت ها هنا: الدعاء، وهو يرد بمعاني متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت والدعاء، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. ولما كان الباب السابق في حكم التسميع والتحميد وكان من جملة أحاديثه حديث أبي هريرة الذي فيه القنوت بعد قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وكان ذلك في صلاة الفجر؛ ناسب أن يذكر عقيبه حكم القنوت في الفجر؛ فافهم. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانًا ورعلًا وبهوان، وعصيَّة عصت الله ورسوله". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان إذا صلى العشاء الآخرة فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم أنج الوليد ... " ثم ذكر مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: قال أبو هريرة: "لأريَنَّكم صلاة رسول الله ﵇ أو كلمة نحوها- فكان إذا رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده. دعا للمؤمنين ولعن الكافرين".

стр. 2001

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇: "أنه كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قال: اللهم أنج الوليد ... ثم ذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود. حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة مثله. قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم ولم يدعُ لهم، فذكرت ذلك فقالوا: أوما تراهم قد قدموا؟ ". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، قال: ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد ... " ثم كر مثله، غير أنه لم يذكر قول أبي هريرة ﵁: "فأصبح ذات يوم فلم يدع لهم ... إلى أخر الحديث. وزاد: "قال: يجهر به، وكان يقول في بعض صلاته: اللهم العن فلانًا وفلانًا -أحياء من العرب- فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١) ". ش: هذه ستة طرق صحاح: الأول: قد أخرجه بعينه في آخر الباب الذي قبله، ولكن اقتصر هناك وذكر إلى قوله: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" وذكرنا هناك أن مسلمًا (٢) أخرجه بهذا الإسناد، وأن البخاري (٢) أبي أخرجه.

стр. 2002

الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من صلاة العشاء الآخرة قنت وقال: اللهم نجِّ الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ سلمة بن هشام، اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف". الثالث: هو عين الإسناد الثاني غير أن المتن مختلف. وأخرجه البخاري (٢): ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "لأقربن صلاة النبي ﵇، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده؛ فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين". وأخرجه مسلم (٣): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه، وليس في لفظه: "بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده". وأخرجه أبو داود (٤): ثنا داود بن أمية، نا معاذ -يعني ابن هشام- حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحو رواية مسلم.

стр. 2003

قوله: "لأرينكم" اللام فيه مفتوحة لأنها للتأكيد، وأرينكم بنون التأكيد من الإراءة، و"صلاة رسول الله ﵇" بالنصب مفعوله الثاني. قوله: "أو كلمة نحوها" شك من الراوي، أي نحو لفظة: "لأرينكم" وهي نحو قوله: "لأقربن بكم" كما في رواية البخاري (١) وغيره (٢)، من التقريب ومعناه: لآتينكم بما يُشْبهها وما يقرب منها. وفي رواية للنسائي (٣): "إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﵇". الرابع: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي شيخ أحمد، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٤): حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حسين بن محمَّد، قال: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة أخبره: "أن رسول الله ﷺ بينما هو يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده. ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نجّ عياش بن أبي ربيعة .... " الحديث. الخامس: عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مثله إلى أخره. وأخرجه مسلم (٥): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة ﵁ حدثهم: "أن

стр. 2004

النبي ﵇ قنت بعد الركعة في صلاة شهرًا إذا قال: سمع الله لمن حمده. يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم نجّ سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله ﷺ ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسولَ الله ﵇ قد ترك الدعاء لهم. قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ ". وأخرجه أبو داود (١) نحوه. قوله: "أوَما تراهم" الهمزة فيه للاستفهام، والضمير يرجع إلى الذين كان ﵇ يدعو لهم، وهم الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة قوله: "قد قدموا" أي خلصوا من أسر الكفار بمكة وقدموا إلى رسول الله ﵇، وإنما كان ﵇ يقنت لأجلهم، فلما خلصوا وقدموا ترك الدعاء. السادس: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أبي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال -إذا قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد-: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك

стр. 2005

على مضر واجعلها سنين كسني يوسف -يجهر بذلك- وكان يقول في بعض صلاته -في صلاة الفجر-: اللهم العن فلانًا وفلانًا -لأحياء من العرب- حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " (١). قوله: "اللهم أنج الوليد" مقول لقوله: "وربما قال". وقوله: "سمع الله لمن حمده" مقول لقوله: "إذا قال". قوله: "أحياءَ" بالنصب عطف بيان لقوله: "فلانًا وفلانًا". قوله: "ليس لك من الأمر شيء" يعني أن الله تعالى هو مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهداتهم. وقال الزمخشري: وقيل: انتصاب "يتوب" بإضمار "أن" و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأوْ على "الأمر" أو على قوله: "شيء" أي: ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم. أو: ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذبهم. وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي. على معنى: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفّى منهم. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهديّ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله ﷺ في صلاة الصبح حين رفع رأسه من الركوع، قال: ربنا ولك الحمد -في الركعة الأخيرة- ثم قال: اللهم العن فلانا وفلانا، على ناس من المنافقين فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١).

стр. 2006

ش: إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أنا عبد الله، أنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه "أنه سمع رسول الله ﵇ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ". وأخرجه النسائي (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا سلمة بن رجاء، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الله بن كعب، عن عبدالرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: "كان النبي ﵇ إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج ... " ثم ذكر مثل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول هذا الباب، وزاد: "أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قال: فما دعا رسول الله ﵇ بدعاء على أحد بعد". ش: إسناده حسن، ورجاله ثقات، والمقدمي هو محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، شيخ البخاري ومسلم. وأخرجه (٤):

стр. 2007

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب ﵁ حدثه: "أن رسول الله ﵇ كان يقنت في الصبح والمغرب". ش: إسناده صحيح. وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٢): عن أبي الوليد ومسلم بن إبراهيم وحفص بن عمر، وعن أبي معاذ، عن أبيه، كلهم، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. والترمذي (٣): عن قتيبة ومحمد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر ... إلى، آخره، نحو رواية مسلم. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: "أن رسول الله ﵇ كان يقنت في الصبح والمغرب". ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح. وأبو نعيم الفضل بن دكين. وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان ... إلى آخره نحوه.

стр. 2008

وأخرجه النسائي (١): أنا عبيد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن داود، قال: نا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن نُصَير، عن أي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "قنت رسول الله ﷺ ثلاثين يومًا". ش: رجاله ثقات. وابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي. وأحمد بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. وأبو بكر بن عياش المقرئ روى له الجماعة. ونُصَير -بضم النون وفتح الصاد المهملة- ابن أبي الأشعث الأسدي الكوفي، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم. وأبو حمزة -بالحاء والزاي المعجمة- اسمه محمَّد بن ميمون المروزي السكري، روي له الجماعة (٢). وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا داود بن رشيد، ثنا حسان بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "ما قنت رسول الله ﵇ قط في صلاة الغداة إلا ثلاثين يومًا يدعو على نجد من بني سليم، ثم تركه". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمد بن بشر العبدي، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خفاف، عن خفاف بن إيماء قال: "ركع رسول الله ﵇ ثم رفع رأسه

стр. 2009

فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصَيَّة عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان اللهم العن رعلًا وذكوان، الله أكبر ثم خر ساجدًا". ش: إسناده صحيح. و"خُفَاف" -بضم الخاء وتخفيف الفاء الأولى- ابن إيماء -بفتح الهمزة وبكسرها وسكون الياء آخر الحروف، وبالمد، وقيل: هو بالفتح مقصور- ابن رحضة -بفتح الراء والحاء المهملتين، وفتح الضاد المعجمة- الغفاري الصحابي. وأخرجه مسلم (١): من حديث يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، على ما يأتي عن قريب. وأحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد بن إسحاق، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن أيماء: "ركع رسول الله ﵇ ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله؛ اللهم العن بني لحيان، والعن رعلًا وذكوان، ثم كبر ووقع ساجدًا، قال خُفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". قوله: "فقال: غفار" هو غفار بن مُليل -بضم الميم، وفتح اللام- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة من إلياس بن مضر. وأسلم هو ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن مضر، وتفسير البواقي قد مرَّ عن قريب. ص: حدثنا محمَّد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيري المديني، قال: ثنا إسماعيل ابن أبي أويس، قال: حدثني عبد العزيز بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المُدْلجي، عن الحارث بن خفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، عن خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه

стр. 2010

لم يذكر أنه لما خر ساجدًا قال: الله أكبر وزاد: "قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد بن عمرو ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان آخران وهما صحيحان أيضًا: الأول: عن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن كثير ابن الصلت أبي عبد الرحمن الكثيري المديني، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بالمدينة ومحله الصدق. عن إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي المدني شيخ البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه. عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن محمَّد بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر- قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني محمَّد -وهو ابن عمرو- عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء: "ركع رسول الله ﷺ ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رعلًا وذكوان ثم وقع ساجدًا، قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث إسماعيل بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء:

стр. 2011

"ركع رسول الله ﵇ ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ورعلًا وذكوان، ثم خَرَّ ساجدًا، قال خالد: فجعلت لعنة الكفرة لأجل ذلك". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد قال: "سئل أنس ﵁: أقنت رسول الله ﷺ في صلاة الفجر؟ فقال: نعم، فقيل له -أو فقلت له-: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع يسيرًا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمرو ابن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وصليت خلف عمر بن الخطاب ﵁، فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس ﵁: "أن النبي ﵇ قنت شهرًا، يدعو على عصية وذكوان ورعلًا ولحيان". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أنس قال: إنما قنت رسول الله ﵇ بعد الركوع شهرًا، قال: قلت: فكيف القنوت؟ قال: قبل الركوع". حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم قال: "سألت أنس بن مالك عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: لا، بل قبل الركوع، فقلت: إن ناسا يزعمون أن رسول الله ﵇ قنت بعد الركوع، قال: إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم: القراء". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا شاذ بن فياض، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس أنه قال: "كان القنوت في الفجر والمغرب". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن

стр. 2012

سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: "قنت النبي ﵇ شهرًا يدعو على رعل وذكوان". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا الحارث بن عبيد، قال: ثنا حنظلة السدوسي، عن أنس بن مالك قال: "كان من قنوت النبي ﵇: واجعل قلوبهم على قلوب نساء كوافر". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: "كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا؟ فقال: ما زال رسول الله ﵇ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن مروان الأصفر قال: "سألت أنسًا أقنت عمر ﵁؟ فقال: قد قنت من هو خير من عمر". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر، عن حميد، عن أنس قال: "قنت رسول الله ﵇ عشرين يومًا". حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، قال: ثنا الهيثم بن جَمِيل، قال: ثنا أبو هلال الراسبي، عن حنظلة السدوسي، عن أنس بن مالك قال: "رأيت النبي ﵇ في صلاة الصبح يكبر حتى إذا فرغ كبرّ فركع، ثم رفع رأسه فسجد، ثم قام في الثانية فقرأ حتى إذا فرغ كبر فركع، ثم رفع رأسه فدعا". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا همام، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "دعا رسول الله ﵇ ثلاثين صباحًا على رعل وذكوان وعصية الدين عصوا الله ورسوله". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: "قنت النبي ﵇ شهرًا بعد الركوع يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه". ش: هذه أربعة عشر طريقًا عن أنس بن مالك ﵁.

стр. 2013

الأول: على شرط البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين. وأخرجه البخاري (١): عن مسدد ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "في الصبح" موضع: "في صلاة الغداة"، وليس فيه: "أو فقلت له". وأخرجه مسلم (٢): عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل، عن أيوب، عن محمَّد قال: "قلت لأنس: هل قنت رسول الله ﵇ في صلاة الصبح؟ قال: نعم بعد الركوع يسيًرا". الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المِنْقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد أبي عبيدة البصري من رجال الجماعة، عن عمرو بن عبيد بن ناب -ويقال: ابن كيسان- البصري شيخ القدرية والمعتزلة، فعن يحيى: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث صاحب بدعة. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. روي له أبو داود في "القدر"، وابن ماجه في "التفسير". عن الحسن البصري، عن أنس. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٣): ثنا الحسن بن إسماعيل، نا أحمد بن محمَّد بن عيسى، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم أيضًا، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، ونسبته إلى وُحاظة -بضم الواو، وبالحاء المهملة، والظاء المعجمة- ابن سعد بن عوف بن عدي، عن سعيد بن بشير -بفتح الباء- الأزدي النصري -بالنون: ضعفه يحيى بن معين، وعنه: ليس بشيء. وعن النسائي: ضعيف. وقال ابن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي في الحديث، روى عن قتادة المنكرات.

стр. 2014

وأخرجه النسائي (١) من حديث قتادة بإسناد صحيح: أخبرنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة. وهشام، عن قتادة، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ قنت شهرًا، قال شعبة: لعن رجالا، وقال هشام يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع" هذا قول هشام. وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ قنت شهرًا يلعن رعلًا وذكوان ولحيان". وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ قنت شهرا يلعن رعلًا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله". الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي أبي عامر الكوفي شيخ البخاري وأحمد، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أنس. وأخرجه البيهقي (٣): من حديث سفيان، عن عاصم، عن أنس قال: "إنما قنت النبي ﵇ شهرًا، فقلت: كيف القنوت؟ قال: بعد الركوع". انتهى. وقوله: "بعد الركوع"، مخالف لما رواه الطحاوي من قوله: "قال: قبل الركوع" ورواية الطحاوي أصح. ويشهد لذلك ما رواه مسلم (٤): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس قال: "سألته عن القنوت، قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع، قال: قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول الله ﵇ قنت

стр. 2015

بعد الركوع، فقال: إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم القراء". وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى. الخامس: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي السنوسي، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن عاصم الأحول ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) كما ذكرنا. وأخرجه البخاري (٢) أيضًا: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عاصم قال: "سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت، [قلت] (٣): قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله ﵇ بعد الركوع شهرًا، أرُاه كان بعث قومًا يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلًا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ﵇ عهد، فقنت رسول الله ﵇ شهرًا يدعو عليهم". قوله: "يدعو على أناس ... إلى آخره" وقصته: أنه كان في سرية بئر معونة، وقد كانت في صفر في سنة أربع من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق. وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﵇، يعني بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أُحد، وقال موسى بن عقبة: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال: مرثد بن أبي مرثد. وعن أنس بن مالك قال: "بعث النبي ﵇ سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر

стр. 2016

معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي ﵇، فقتلوهم، فدعا النبي ﵇ شهرًا عليهم في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت، وما كان يقنت". رواه البخاري (١) ومسلم (٢). وروى البخاري (٣) عن أنس بن مالك ﵁: "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله ﵇ على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي ﵇ فقنت شهرًا يدعون في الصبح على أحياء من العرب؛ على رعل وعصية وبني لحيان". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن شاذ بن فياض اليشكري أبي عبيدة البصري واسمه هلال، وشاذ لقب عليه، ومعناه بالفارسية فرح، قال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى عنه أبو داود. وأخرجه البخاري (٤): ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "كان القنوت في المغرب والفجر". السابع: عن إبراهيم أيضًا، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زائدة ابن قدامة، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، عن أنس. وهذا صحيح على شرط الشيخين.

стр. 2017

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا معاذ بن معاذ أبو المثنى، نا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: "قنت رسول الله ﵇ شهرًا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان". الثامن: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن الحارث بن عبيد الإيادي أبي قدامة البصري مؤذن مسجد البرتي، من رجال مسلم والأربعة، عن حنظلة بن عبد الله السدوسي أبي عبد الرحيم البصري، فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعنه: منكر الحديث. وعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الترمذي وابن ماجه حديثا واحدًا. قوله: "قلوبهم" أي قلوب الكفار. و"الكوافر" جمع كافرة، وإنما خص قلب الكافرة؛ لأنه أبعد من قبول الحق، وأقرب إلى الضلال والطغيان. التاسع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن أبي جعفر الرازي قيل: اسمه عيسى بن أبي عيسى، وأبو عيسى اسمه ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان، وعن أحمد: ليس بقوي في الحديث. وعنه: صالح الحديث. وعن يحيى: كان ثقة. وعنه: يكتب حديثه، ولكنه يخطئ. وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرًا. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن خراش: صدوق سيء الحفظ. وروى له الأربعة. عن الربيع بن أنس البكري، قال العجلي: بصري صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له الأربعة.

стр. 2018

وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أحمد بن منصور وأحمد بن محمَّد بن عيسى، قالا: ثنا أبو نعيم، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: كنت جالسا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا، فقال: ما زال رسول الله ﵇ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) وقال: قال الحكم: إسناده صحيح ثقة رواته. قلت: كيف يكون صحيحًا وفيه أبو جعفر الرازي؟ وفيه مقال كما ذكرنا, ولكن عند الحاكم أمر الصحيح هين، وهو في هذا الباب مجازف جدًّا، وأمر البيهقي أعجب منه حيث سكت عن هذا لكونه موافقا مذهبه. العاشر: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سليمان بن حرب بن بُجَيد الأزدي الواشحي البصري شيخ البخاري، عن شعبة، عن مروان الأصفر أبي خلف البصري من رجال الشيخين وأبي داود والترمذي. وأخرج الحازمي في "الناسخ والمنسوخ" (٣) من حديث محمَّد قال: سألت أنسًا: "أقنت عمر في صلاة الصبح؟ فقال: قنت من هو خير منه، النبي ﷺ ". الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش المقرئ، عن حميد الطويل، عن أنس. وقد اختلف في عدد الأيام التي قنت فيها رسول الله ﵇ ففي رواية النسائي والبخاري ومسلم: "إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا يدعو على أناس وفي رواية البزار من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حميد الطويل قال: "قتل من الأنصار يوم بئر معونة سبعون رجلًا، فكان رسول الله ﵇ يدعو على من قتلهم خمسة عشر يومًا في الصلاة بعد الركوع".

стр. 2019

وكذا في رواية السراج: من حديث المعتمر، عن حميد، يحدث عن أنس: "فدعا النبي ﵇ على قتلة القراء خمسة عشر يومًا" وقال: هذا لفظ حديث المعتمر. ورواه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن حميد: "فدعا عليهم أيامًا". وفي كتاب "القنوت" لأبي القاسم بن مندة من حديث أنس: "دعا على قتلة القراء تسعة وعشرين ليلة". وفي رواية عن أنس: "ثلاثين صباحًا" على ما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني عشر: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي بن حبيب بن إبراهيم أبي علي الأنطاكي المعروف بالبالسي نسبة إلى بالس مدينة على شط الفرات الغربي، وهي أول مدن الشام من الفرات، ومن شرقيها الرقة. عن الهيثم بن جميل البغدادي أبي سهل الحافظ، نزيل أنطاكية، قال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ. روى له ابن ماجه. عن أبي هلال محمَّد بن سليم الرازي، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة، وعن يحيى: صدوق. وعنه: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي. عن حنظلة بن عبد الله السدوسي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١) مختصرًا: عن عثمان، عن مطر، عن حنظلة، أنه سمع أنسًا ﵁ يقول: "قنت رسول الله ﵇ في الفجر بعد الركوع". قوله: "فدعا" أراد به القنوت؛ لأن القنوت هو الدعاء. الثالث عشر: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء أبي عمرو البصري شيخ البخاري، عن همام بن يحيى بن دينار أبي بكر البصري، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.

стр. 2020

وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "دعا رسول الله ﵇ على الذين قَتَلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس ﵁: أنزل الله في الذين قتُلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا رضي عنا ورضينا عنه". الرابع عشر: عن فهد، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسلم، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن أنس قال: "قنت رسول الله ﵇ شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن يحيى، عن هشام ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى إثبات القنوت في صلاة الفجر، ثم افترقوا فرقتين فقالت فرقة منهم: هو بعد الركوع، وقالت فرقة منهم: هو قبل الركوع، وممن قال ذلك منهم: ابن أبي ليلى، ومالك بن أنس. كما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت مالكا يقول: الذي آخذ به في خاصة نفسي: القنوت في الفجر قبل الركوع. ش: أراد بالقوم هؤلاء: ابن سيرين، وابن أبي ليلى ومالكا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم ذهبوا إلى إثبات القنوت في صلاة الفجر، وإليه ذهب الظاهرية، ثم افترقوا أي هؤلاء القوم فرقتين، فقالت فرقة منهم، وهم: الشافعي وأحمد وإسحاق

стр. 2021

والظاهرية: هو -أي القنوت- بعد الركوع، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي في قول. وقالت فرقة منهم- وهم مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأحمد في رواية: هو -أي القنوت- قبل الركوع وكذلك مذهب أبي حنيفة أنه قبل الركوع ولكن في الوتر خاصة، وهو مذهب عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وعَبِيدة السلماني، وحميد الطويل، وعبد الله بن المبارك، حكى ذلك ابن المنذر. وحكي أيضًا التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس، وأيوب بن أبي تميمة، وأحمد بن حنبل، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أختار القنوت بعد الركوع؛ لأن كل شيء ثبت عن النبي ﵇ في القنوت إنما هو في الفجر لما يرفع رأسه من الركوع، وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع، ولم يصح عن النبي ﵇ في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء. وقال أبو داود: قال أحمد: كل ما روى البصريون عن عمر في القنوت، فهو بعد الركوع، وروى الكوفيون قبل الركوع. وقال الترمذي: وقال أحمد وإسحاق لا يقنت في الفجر إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين. وقال سفيان الثوري: إن قنت في الفجر فحسن، وإن لم يقنت فحسن، وأختار أن لا يقنت، ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر. وقال ابن حزم في "المحلى": والقنوت فعل حسن، وهو بعد الركوع في آخر ركعة من كل صلاة فرض الصبح وغير الصبح، وفي الوتر، فمن تركه فلا شيء عليه، ويدعو لمن شاء ويسميهم بأسمائهم إن أحب، وإن قال ذلك قبل الركوع لم تبطل صلاته بذلك.

стр. 2022

ص: وكان مِن حجة مَن ذهب منهم إلى أنه بعد الركوع: ما ذكرناه عن أبي هريرة وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃. وكانت الحجة عليهم للفريق الآخر: ما ذكرناه في حديث سفيان، عن عاصم، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ إنما قنت بعد الركوع شهرًا، وإنما القنوت قبل الركوع". ش: أشار بذلك إلى استدلال كل واحدة من الفرقتين من القوم المذكورين. وهو أن استدلال الفرقة الأولى: ما رواه سعيد بن المسيب وأبو سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع". وما رواه سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵃ وقد مَرَّ. وما رواه عبد الله بن كعب، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃. واستدلال الفرقة الثانية هو ما رواه عاصم الأحول، عن أنس ﵁: "إنما قنت رسول الله ﵇ بعد الركوع شهرًا قال: قلت: فكيف -أي الوقت-؟ قال: قبل الركوع". أشار إلى هذا بقوله: "وكانت الحجة عليهم" أي على أهل المقالة الأولى- وهم الفرقة الأولى للفريق الآخر وهم أهل المقالة الثانية. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى القنوت في صلاة الفجر أصلا قبل الركوع ولا بعده. ش: أي خالف القوم المذكورين -وهم الفرقتان المذكورتان- جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والشعبي وطاوسًا وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهدًا وأبا حنيفة والليث بن سعد وأبا يوسف ومحمدًا وأشهب من المالكية؛ فإنهم قالوا: لا قنوت في الفجر أصلًا لا قبل الركوع ولا بعده.

стр. 2023

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذه الآثار المروية في القنوت قد رويت على ما ذكرنا، فكان أحد من روي ذلك عنه عبد الله بن مسعود، قد روينا عنه فيها: "أن النبي ﵇ قنت ثلاثين يوما" فكان قد ثبت عنده قنوت رسول الله ﵇ وعلمه. ثم وجدنا عنه ما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لم يقنت النبي ﵇ إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو معشر -يعني البراء- قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: "قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت"، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاة الغداة. قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن مسعود يخبر أن قنوت النبي ﵇ الذي كان، إنما كان من أجل مَن كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك فصار القنوت عنده منسوخًا، فلم يكن هو من بعد رسول الله ﵇ يقنت. ش: أي وكان من الحجة والبرهان للجماعة الأخرى فيما ذهبوا إليه من ترك القنوت في صلاة الفجر أصلًا، لا قبل الركوع ولا بعده، أن هذه الأحاديث المروية وهي أحاديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وخُفاف بن أَيْماء والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة ﵃، قد رويت على ما ذكرنا من القنوت في الفجر. وتقرير الكلام أن يقال: إنا لا ننازع أن هذه الأحاديث قد رويت على نحو ما ذكرنا, ولكن كل واحد له معنى، ومعاني الكل ترجع إلى معنى واحد، وهو انتساخ القنوت في الفجر، بيان ذلك: أن أحد الرواة في ذلك عبد الله بن مسعود؛ لأنه قد روى عنه علقمة أنه قال: "قنت رسول الله ﷺ ثلاثين [يوما] (١) ". ثم روى عنه علقمة أيضا أنه قال: "لم يقنت النبي ﵇ إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده".

стр. 2024

وأخرجه الطحاوي عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل الكوفي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة، والزاي المعجمة- محمَّد بن ميمون السكري، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عنه. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البزار في (١) "مسنده": ثنا يوسف بن موسى، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا شريك ... إلى آخره نحوه. وروى علقمة عنه أيضًا أنه قال: "قنت رسول الله ﵇ شهرًا يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاة الغداة". أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ الأربعة، عن أبي معشر يوسف بن يزيد العطار البصري البَرَّاء -بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة- سمي به لأنه كان يري النبل، وقيل: كان يبري العود، عن أبي حمزة محمَّد بن ميمون (٢) ... إلى آخره. وهذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا داود بن رشيد، نا حسان بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "ما قنت النبي ﵇ قط في صلاة الغداة إلا ثلاثين ليلة، يدعو على نجد من بني سليم، ثم تركه بعد". فهذا عبد الله ﵁ يخبر أن قنوت النبي ﵇ الذي كان يقنت إنما كان لأجل من كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك، يدل عليه قوله: "فلما ظهر عليهم" أي فلما غلب عليهم وانتصر ترك القنوت، فدل ذلك على انتساخ ما كان منه من القنوت؛

стр. 2025

لأن الحكم ينتهي بانتهاء علته، ولذلك كان ابن مسعود ﵁ لم يقنت من بعد رسول الله ﵇ في صلاة الفجر. وقال الطبراني في "الكبير" (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود: "أن ابن مسعود كان لا يقنت في صلاة الغداة". وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة. وقال أيضا (٢): ثنا فضيل بن محمَّد الملطي، ثنا أبو نعيم، نا أبو العميس، حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، وإذا قنت في الوتر قبل الركعة". ثنا (٣) محمَّد بن النضر الأزدي، نا معاوية بن عمرو، نا زائدة، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم قال: "لم يكن عبد الله بن مسعود يقنت في صلاة الغداة". ثنا (٤) علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع، ولا يقنت في صلاة الفجر". انتهى. فهذا كله دليل على ثبوت نسخ القنوت في الفجر عنده، إذْ لو لم يثبت لما وسعه تركه على ما لا يخفى. فإن قيل: يمكن أن يكون القنوت خفي عليه كما خفي عليه وضع الأيدي على الركب في الركوع، حتى ثبت على القول بالتطبيق إلى أن مات. قلت: كيف يخفى عليه ذلك؟ والحال أنه قد روى أنه ﵇ قنت، ولو لم يكن يرو شيئًا فيه لأمكن ذلك كما في مسألة التطبيق، فإنه ما روى عنه ﵇ غير التطبيق، وما

стр. 2026

روى غيره من غير التطبيق لم يبلغه، بخلاف مسألة القنوت، بل علم ذلك من الرسول ﵇ وروى عنه، ثم علم انتساخه. وقد روى أبو حنيفة أيضًا في "مسنده" (١): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "لم يقنت رسول الله ﵇ إلا شهرًا، حارب حيًّا من المشركين، فقنت يدعو عليهم". وفي "المحلى" (٢): وروينا عن ابن عباس أنه لم يقنت. وعن عبد الرزاق، عن معمر أن الزهري كان يقول: "من أين أخذ الناس القنوت؟! وتعجب، إنما قنت رسول الله ﵇ أيامًا ثم ترك ذلك" قال أبو محمَّد: فهذا الزهري جهل القنوت ورآه منسوخًا. وقال ابن أبي نجيح: "سألت سالمًا هل كان عمر يقنت في صلاة الصبح؟ قال: لا إنما هو شيء أحدثه الناس". وفي "المنتقى" لابن عبد البر: عن ابن عمر وطاوس: "القنوت في الفجر بدعة". ص: وكان أحد من روى ذلك أيضًا عن النبي ﷺ عبد الله بن عمر ﵄، ثم قد أخبر هو أن الله تعالى نسخ ذلك حين أنزل على النبي ﵇ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٣) فصار ذلك عند ابن عمر منسوخًا أيضا، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله ﵇، وكان ينكر على من يقنت. كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن أبي مجلز قال: "صليت خلف ابن عمر الصبح فلم يقنت، فقلت الكِبَر يمنعك؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحاب".

стр. 2027

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب ومؤمل بن إسماعيل، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي الشعثاء قال: "سألت ابن عمر ﵂ عن القنوت، فقال: ما شهدت وما رأيت" في حديث وهب، وفي حديث مؤمل: "ولا رأيت أحدًا يفعله". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن الأشعث، عن أبيه قال: "سئل ابن عمر عن القنوت، فقال: وما القنوت؟! قال: إذا فرغ الإِمام من القراءة في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح قام يدعو، قال: ما رأيت أحدًا يفعله، وإني لأظنكم معاشر أهل العراق تفعلونه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن منصور، عن تميم بن سلمة قال: "سئل ابن عمر عن القنوت ... " فذكر مثله، إلا أنه قال: "ما رأيت ولا علمت". قال أبو جعفر ﵀: فوجه ما روي عن ابن عمر في هذا الباب: أنه رأى النبي ﵇ إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة قنت، حتى أنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فترك لذلك القنوت الذي كان يقنته، وسأله أبو مجلز فقال: الكِبَر يمنعك من القنوت؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحابي -يعني عن أحد من أصحاب النبي ﵇- أي أنهم لم يفعلوه بعد ترك رسول الله ﵇ إياه، وسأله أبو الشعثاء عن القنوت، وسأله ابن عمر عن ذلك ما هو؟ فأخبره أن الإِمام إذا فرغ من القراءة في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح قام يدعو، فقال: ما رأيت أحدًا يفعله؛ لأن ما كان هو علمه من قنوت النبي ﵇ إنما كان الدعاء بعد الركوع، وأما قبل الركوع فلم يره منه ولا من غيره، فأنكر ذلك من أجله، فقد ثبت بما روينا عنه نسخ قنوت رسول الله ﵇ بعد الركوع، ونفي القنوت قبل الركوع أصلا، وأن النبي ﵇ لم يكن يفعله، ولا خلفاؤه ﵃ من بعده.

стр. 2028

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي ﵇ عبد الله بن عمر، يعني روى أنه قنت في الصبح، ثم أخبر أن ذلك انتسخ حين أُنزل عليه ﵇ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) الآية، بيان ذلك على وجهين: الأول: أنه روى عن النبي ﵇ أنه كان يقنت بعد الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر، وشاهد ذلك عن النبي ﵇ ورآه، ثم رأى بعده أنه ﵇ ترك ذلك القنوت الذي كان يقنته حين أنزل الله تعالى عليه ﵇: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، وليس ذلك إلا نسخ ذلك الحكم. فإن قيل: لعل ذلك خفي على ابن عمر كما خفي عليه المسح على الخفين؛ حيث لم ير ذلك. قلت: كيف يخفى ذلك عليه، والحال أنه روى عن النبي ﵇ أنه قنت؟! بخلاف المسح على الخفين فإنه لم يرو فيه شيئًا، ولعل رواية غيره فيه لم تبلغه، وهذا الكلام قد قاله البيهقي أيضًا حيث قال في "سننه": وهذه سنة خفيت على ابن عمر، وهذا بعيد بل مستحيل في حق ابن عمر ﵄؛ لأنه مع كثرة مجالسته مع النبي ﵇ وشدة ملازمته كيف ينسى ذلك أو يغفل عنه؟! ولئن سلمنا أنه خفي عليه ما كان من النبي ﵇ ولكن لا نسلم أنه خفي عليه ما كان من أبيه عمر ﵁، فإنه لما سأله أبو مجلز عن قنوت عمر ﵁، فقال: "ما رأيته ولا شهدته". وقال الشعبي: "كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر ﵁ لقنت عبد الله، وعبد الله يقول: لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكت وادي عمر وشعبه". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن إدريس، عن أبي مالك، عن أبيه قال: "قلت له: صليت خلف رسول الله ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان، أفكانوا يقنتون؟

стр. 2029

فقال: لا يا بني، هي محدثة. ثنا وكيع (١)، قال: ثنا محمد بن قيس، عن عامر الجهني "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يقنت في الفجر، وقال عامر: ما كان القنوت حتى جاء أهل الشام". ثنا وكيع (٢)، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: "لم يقنت أبو بكر ولا عمر في الفجر". فإن قيل: قال ابن حزم (٣): قال بعض الناس: الدليل على نسخ القنوت ما رويتموه من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله ﵇ حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال: اللهم العن فلانا وفلانا -دعا على ناس من المنافقين- فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤) الآية. قال علي: هذا حجة في إثبات القنوت؛ لأنه ليس فيه نهي عنه، وهذا حجة في بطلان قول من قال: إن ابن عمر جهل القنوت، ولعل ابن عمر إنما أنكر القنوت في الفجر قبل الركوع، فهو موضع إنكار. قلت: ابن حزم حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء؛ لأن قوله: "هذا حجة في إثبات القنوت" ليس على الإطلاق في معناه أنه حجة في إثبات ما كان من القنوت أولًا، وحجة أيضا على انتساخ ذلك، فأول النص حجة في إثباته، وآخره وهو نزول الآية حجة في انتساخه، فابن حزم أخذ الجانب الواحد وجعله حجة مطلقا، وترك الجانب الذي عليه وعلى أمثاله ممن يرى بالقنوت في صلاة الفجر، وقوله: "وهذا

стр. 2030

حجة في بطلان قول من قال ... إلى آخره" ليس كذلك؛ لأن مراد من يقول: "إن ابن عمر جهل القنوت" القنوت الذي كان يفعله بعض الناس من بعد النبي ﵇ حيث قال لما سئل عنه: "ما شعرت" وليس مراده أنه جهل القنوت المنسوخ الذي فعله ﵇ شهرًا ثم تركه، فإنه هو الذي رواه كما روى غيره، فكيف يجهل بشيء قد رواه وعلمه؟!. الوجه الثاني في بيان النسخ: أن ترك ابن عمر ﵄ القنوت في الصبح بعد روايته دليل على أنه قد انتسخ ذلك إذ لو كان حكمه باقيا لا تركه؛ لأن عمل الراوي بخلاف روايته يدل على أن ما رواه منسوخ؛ إذ إقدامه على ذلك بالترك يدل على ذلك كما علم ذلك في موضعه، وأيضًا فإنه ﵁ أنكر على من كان يقنت، ولو كان حكمه باقيا غير منسوخ لا وسعه الإنكار. ثم الآثار التي أخرجها عن ابن عمر أربعة: الأول: عن ابن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة بن دعامة، عن أبي مجلز لاحق بن حميد. وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة؛ لأن رجاله رجال الجماعة ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عثمان بن عمر الضبي، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز قال: "صليت خلف ابن عمر فلم يقنت، فقلت: ما منعك من القنوت؟ فقال: إني لا أحفظ عن أحد من أصحابي". وأخرجه ابن جرير الطبري "في تهذيب الآثار" (٢) نحوه، من حديث شعبة، عن قتادة.

стр. 2031

قوله: "الكِبَر" بكسر الكاف وفتح الباء، أراد إنك لم تقنت في الصبح؛ لأجل كونك شيخًا كبيرًا؟ قوله: "ما أحفظه" أي القنوت في صلاة الصبح. "عن أحد من أصحابي" أراد بهم أصحاب النبي ﵇، وعني بذلك أنهم لم يكونوا يفعلونه بعد ترك النبي ﵇ إياه فكيف أفعله أنا؟ الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير البصري، ومؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي. وهذا أيضًا إسناد صحيح في غاية الصحة. وأخرجه ابن جرير الطبري في "التهذيب" (١) نحوه. الثالث: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه أبي الشعثاء سليم. وهذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن سليم أبي الشعثاء المحاربي قال: "سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر، فقال: فأي شيء القنوت؟ قلت: يقوم الرجل ساعة بعد القراءة، قال ابن عمر: ما شعرت". الرابع: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان أيضا، عن زائدة أيضا، عن تميم بن سلمة السلمي الكوفي، وثقه يحيى والنسائي، واستشهد به البخاري، وروى له الباقون سوى الترمذي. وهذا أيضا إسناد صحيح.

стр. 2032

وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قال ابن عمر ﵄ في قنوت الصبح: "ما شهدت، وما علمت". ص: وكان أحد من روي عنه القنوت عن النبي ﵇: عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، فأخبر في حديثه الذي روينا عنه بأن رسول الله ﵇ دعا على من كان يدعو عليه، وأن الله تعالى نسخ ذلك بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) الآية، ففي ذلك أيضًا وجوب ترك القنوت في الفجر. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح عن النبي ﵇: عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فإنه روى "أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج الوليد ... " الحديث، ثم أخبر في آخر حديثه: "فما دعا رسول الله ﵇ بدعاء على أحد بعد ذلك بعد نزول قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية". فهذا أيضًا يدل على أن ما كان منه ﵇ قد انتسخ. فإن قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: "فما دعا رسول الله ﵇ بدعاء على أحد بعد" يعني ترك اللعن على أحد، كما أخرجه البيهقي (٣): عن عبد الرحمن بن مهدي في قول أنس ﵁: "قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه" قال: إنما ترك اللعن. قلت: جاء عن الزهري مصرحًا: أن الراد منه ترك القنوت مطلقًا. كما روى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): عن معمر، عن الزهري كان يقول: "من أين أخذ الناس القنوت؟! " وتعجب. ويقول: "إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا ثم ترك ذلك".

стр. 2033

ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله ﷺ ذلك أيضًا: خفاف بن إيماء، فذكر عن رسول الله ﵇: "أنه لما رفع رأسه من الركوع قال: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ومن ذكر معهم. ففي هذا الحديث لعن من لعن رسول الله ﵇ في حديثي ابن عمر وعبد الرحمن بن أي بكر ﵃، وقد أخبرا هما في حديثهما أن رسول الله ﵇ ترك ذلك حين أُنزل عليه الآية التي ذكرنا، ففي حديثيهما النسخ لما في حديث خفاف بن إيماء وفي ذلك وجوب ترك القنوت أيضًا. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي ﵇ خفاف بن إيماء، هذا جواب عن حديثه. بيان ذلك أن حديثه أيضا منسوخ؛ وذلك لأن الذين لعنهم رسول الله ﵇ في حديثه هم الذين لعنهم في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، فالقضية واحدة، وقد أخبر عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر كلاهما في حديثيهما أن رسول الله ﵇ ترك ذلك حين نزلت عليه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) الآية، فيكون هذا الترك أيضًا في حديث خفاف بن إيماء لاتحاد القضية، فيكون حديثه منسوخًا بانتساخ حديثي ابن عمر، وابن أبي بكر ﵃. قوله: "وقد أخبرا هما" أي قد أخبر ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر. وقوله: "هما" ضمير مرفوع وقع تأكيدا للضمير المستكن في قوله، "أخبرا". فافهم. ص: وكان أحد من روى ذلك عنه أيضا البراء بن عازب، فروى عنه: "أن النبي ﵇ كان يقنت في الفجر والمغرب، ولم يخبر بقنوته ذلك ما هو، فقد يجوز أن

стр. 2034

يكون ذلك هو القنوت الذي رواه ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵁، ومن روى ذلك معهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية أيضًا، وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب والفجر، فذكر أن رسول الله ﵇ كان يقنت فيهما، ففي إجماع مخالفنا لنا على أن ما كان يفعله في المغرب من ذلك منسوخا ليس لأحد بعده أن يفعله دليل على أن ما كان يفعله في الفجر أيضا كذلك. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي ﵇: البراء بن عازب، هذا جواب عن حديثه. بيان ذلك أنه منسوخ أيضا؛ لأن البراء أخبر في حديثه أنه ﵇ كان يقنت في صلاة الفجر وصلاة المغرب، ولكن لم يبين ما كان قنوته، ولماذا كان؟ فيحتمل أن يكون ذلك هو القنوت الذي رواه عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ ومن روى ذلك معهما -أي مع عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر- مثل أبي هريرة وأنس بن مالك ﵄؛ فيكون منسوخًا بما نسخ به حديثهما وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) الآية. قوله: "وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب و [الفجر] (٢) ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا ما ذكرتم من النسخ إذا كان المراد من القنوت في حديث البراء هو القنوت في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، وأما إذا كان المراد غير ذلك القنوت، فلا نسلم نسخه في صلاة الصبح. وتقرير الجواب: أن الخصم أجمع معنا على أن قنوته ﵇ في صلاة المغرب انتسخ، حتى لا يجوز لأحد أن يفعله بعد النبي ﵇، فهذا دليل على أن قنوته ﵇ في صلاة الصبح أيضا منسوخ، وإلا فيلزم التحكم والترجيح بلا مرجع وهو باطل.

стр. 2035

وأيضًا فإنه قد روي عن البراء: "أن النبي ﵇ كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها". رواه ابن حزم (١) وقال: ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب ﵁. فهذا منسوخ بإجماع الخصم حترل لا يجوز أن يقنت أحد في الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، فيكون حكم الصبح كذلك وإلا يلزم التحكم كما ذكرنا. قوله: "دليل" مبتدأ وخبره قوله: "ففي إجماع مخالفنا لنا"، وأراد من هذا المخالف: من يرى بالقنوت في الصبح. قوله: "منسوخا" نصب على أنه خبر كان. وقوله: "ليس لأحد بعده أن يفعله" صفة لقوله: "منسوخا" أي بعد النبي ﵇. ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله ﵇ أيضا القنوت في الفجر: أنس بن مالك، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". فأثبت في هذا الحديث القنوت في صلاة الغداة وأن ذلك لم ينسخ. وقد روي عنه من وجوه خلاف ذلك، فروى أيوب، عن محمَّد بن سيرين قال: "سئل أنس: أقنت النبي ﵇ في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقيل: قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعد الركوع يسيرًا". وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أنه قال: "قنت النبي ﵇ ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان". وروى قتادة عنه نحوا من ذلك.
следующие страницы →