قوله: "الكِبَر" بكسر الكاف وفتح الباء، أراد إنك لم تقنت في الصبح؛ لأجل كونك شيخًا كبيرًا؟
قوله: "ما أحفظه" أي القنوت في صلاة الصبح.
"عن أحد من أصحابي" أراد بهم أصحاب النبي ﵇، وعني بذلك أنهم لم يكونوا يفعلونه بعد ترك النبي ﵇ إياه فكيف أفعله أنا؟
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير البصري، ومؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي.
وهذا أيضًا إسناد صحيح في غاية الصحة.
وأخرجه ابن جرير الطبري في "التهذيب" (١) نحوه.
الثالث: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه أبي الشعثاء سليم.
وهذا أيضا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن سليم أبي الشعثاء المحاربي قال: "سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر، فقال: فأي شيء القنوت؟ قلت: يقوم الرجل ساعة بعد القراءة، قال ابن عمر: ما شعرت".
الرابع: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان أيضا، عن زائدة أيضا، عن تميم بن سلمة السلمي الكوفي، وثقه يحيى والنسائي، واستشهد به البخاري، وروى له الباقون سوى الترمذي.
وهذا أيضا إسناد صحيح.
стр. 2032
وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قال ابن عمر ﵄ في قنوت الصبح: "ما شهدت، وما علمت".
ص: وكان أحد من روي عنه القنوت عن النبي ﵇: عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، فأخبر في حديثه الذي روينا عنه بأن رسول الله ﵇ دعا على من كان يدعو عليه، وأن الله تعالى نسخ ذلك بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) الآية، ففي ذلك أيضًا وجوب ترك القنوت في الفجر.
ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح عن النبي ﵇: عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فإنه روى "أنه ﵇ كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج الوليد ... " الحديث، ثم أخبر في آخر حديثه: "فما دعا رسول الله ﵇ بدعاء على أحد بعد ذلك بعد نزول قوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية".
فهذا أيضًا يدل على أن ما كان منه ﵇ قد انتسخ.
فإن قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: "فما دعا رسول الله ﵇ بدعاء على أحد بعد" يعني ترك اللعن على أحد، كما أخرجه البيهقي (٣): عن عبد الرحمن بن مهدي في قول أنس ﵁: "قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه" قال: إنما ترك اللعن.
قلت: جاء عن الزهري مصرحًا: أن الراد منه ترك القنوت مطلقًا.
كما روى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤): عن معمر، عن الزهري كان يقول: "من أين أخذ الناس القنوت؟! " وتعجب. ويقول: "إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا ثم ترك ذلك".
стр. 2033
ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله ﷺ ذلك أيضًا: خفاف بن إيماء، فذكر عن رسول الله ﵇: "أنه لما رفع رأسه من الركوع قال: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ومن ذكر معهم.
ففي هذا الحديث لعن من لعن رسول الله ﵇ في حديثي ابن عمر وعبد الرحمن بن أي بكر ﵃، وقد أخبرا هما في حديثهما أن رسول الله ﵇ ترك ذلك حين أُنزل عليه الآية التي ذكرنا، ففي حديثيهما النسخ لما في حديث خفاف بن إيماء وفي ذلك وجوب ترك القنوت أيضًا.
ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي ﵇ خفاف بن إيماء، هذا جواب عن حديثه.
بيان ذلك أن حديثه أيضا منسوخ؛ وذلك لأن الذين لعنهم رسول الله ﵇ في حديثه هم الذين لعنهم في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، فالقضية واحدة، وقد أخبر عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر كلاهما في حديثيهما أن رسول الله ﵇ ترك ذلك حين نزلت عليه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) الآية، فيكون هذا الترك أيضًا في حديث خفاف بن إيماء لاتحاد القضية، فيكون حديثه منسوخًا بانتساخ حديثي ابن عمر، وابن أبي بكر ﵃.
قوله: "وقد أخبرا هما" أي قد أخبر ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر.
وقوله: "هما" ضمير مرفوع وقع تأكيدا للضمير المستكن في قوله، "أخبرا". فافهم.
ص: وكان أحد من روى ذلك عنه أيضا البراء بن عازب، فروى عنه: "أن النبي ﵇ كان يقنت في الفجر والمغرب، ولم يخبر بقنوته ذلك ما هو، فقد يجوز أن
стр. 2034
يكون ذلك هو القنوت الذي رواه ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵁، ومن روى ذلك معهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية أيضًا، وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب والفجر، فذكر أن رسول الله ﵇ كان يقنت فيهما، ففي إجماع مخالفنا لنا على أن ما كان يفعله في المغرب من ذلك منسوخا ليس لأحد بعده أن يفعله دليل على أن ما كان يفعله في الفجر أيضا كذلك.
ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي ﵇: البراء بن عازب، هذا جواب عن حديثه.
بيان ذلك أنه منسوخ أيضا؛ لأن البراء أخبر في حديثه أنه ﵇ كان يقنت في صلاة الفجر وصلاة المغرب، ولكن لم يبين ما كان قنوته، ولماذا كان؟ فيحتمل أن يكون ذلك هو القنوت الذي رواه عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ ومن روى ذلك معهما -أي مع عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر- مثل أبي هريرة وأنس بن مالك ﵄؛ فيكون منسوخًا بما نسخ به حديثهما وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) الآية.
قوله: "وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب و [الفجر] (٢) ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا ما ذكرتم من النسخ إذا كان المراد من القنوت في حديث البراء هو القنوت في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، وأما إذا كان المراد غير ذلك القنوت، فلا نسلم نسخه في صلاة الصبح.
وتقرير الجواب: أن الخصم أجمع معنا على أن قنوته ﵇ في صلاة المغرب انتسخ، حتى لا يجوز لأحد أن يفعله بعد النبي ﵇، فهذا دليل على أن قنوته ﵇ في صلاة الصبح أيضا منسوخ، وإلا فيلزم التحكم والترجيح بلا مرجع وهو باطل.
стр. 2035
وأيضًا فإنه قد روي عن البراء: "أن النبي ﵇ كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها".
رواه ابن حزم (١) وقال: ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب ﵁.
فهذا منسوخ بإجماع الخصم حترل لا يجوز أن يقنت أحد في الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، فيكون حكم الصبح كذلك وإلا يلزم التحكم كما ذكرنا.
قوله: "دليل" مبتدأ وخبره قوله: "ففي إجماع مخالفنا لنا"، وأراد من هذا المخالف: من يرى بالقنوت في الصبح.
قوله: "منسوخا" نصب على أنه خبر كان.
وقوله: "ليس لأحد بعده أن يفعله" صفة لقوله: "منسوخا" أي بعد النبي ﵇.
ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله ﵇ أيضا القنوت في الفجر: أنس بن مالك، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". فأثبت في هذا الحديث القنوت في صلاة الغداة وأن ذلك لم ينسخ.
وقد روي عنه من وجوه خلاف ذلك، فروى أيوب، عن محمَّد بن سيرين قال: "سئل أنس: أقنت النبي ﵇ في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقيل: قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعد الركوع يسيرًا".
وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أنه قال: "قنت النبي ﵇ ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان".
وروى قتادة عنه نحوا من ذلك.
стр. 2036
وقد روى عنه حميد: "أن النبي ﵇ إنما قنت عشرين يومًا" فهؤلاء كلهم قد أخبروا عنه بخلاف ما روى عمرو، عن الحسن.
وروى عنه عاصم إنكار القنوت بعد الركوع أصلًا، وأن النبي ﵇ إنما فعل ذلك شهرًا, ولكن القنوت قبل الركوع، يضاد ذلك أيضًا ما روى عَمرو بن عبيد وخالفه، فلم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين مما روي عن أنس؛ لأن لخصمه أن يحتج عليه بما روي عن أنس مما يخالف ذلك.
وأما قوله: ولكن القنوت قبل الركوع فلم يذكر ذلك عن النبي ﵇، فقد يجوز أن يكون ذلك أخذه عمن بعده أو رأيا رآه، فقد رأى غيره من أصحاب النبي ﵇ خلاف ذلك، فلا يكون قوله أولى من قول من خالفه إلا بحجة تبين لنا.
ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي ﵇: أنس بن مالك ﵁، هذا جواب ما روي عن أنس ﵁، بيانه: أنه لا يصلح حجة لأحد من الخصوم؛ لأن الرواية عنه في ذلك مضطربة، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". وروى عنه محمَّد بن سيرين: "أنه ﵇ كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع يسيرًا" ولم يذكر فيه حتى فارقه، وروى عنه إسحاق بن عبد الله: "أنه قنت النبي ﵇ ثلاثين صباحًا"، فهذا مقيد بالمدة المذكورة، وكذلك روى قتادة عنه، وروى عنه حميد الطويل: "أن النبي ﵇ إنما قنت عشرين يوما" فهذا أيضا مقيد بمدة أقل من تلك المدة.
وروى البزار عن حميد عن أنس: "خمسة عشر يومًا" وقد ذكرناه، وفي رواية لابن مندة: "تسعة وعشرين ليلة" وقد ذكرناها أيضا، وروى عنه عاصم الأحول إنكار القنوت بعد الركوع أصلًا، وأن النبي ﵇، إنما فعل ذلك شهرًا، ولكن القنوت قبل الركوع.
فهذه روايات كما ترى مضطربة مختلفة، وفي بعضها تضاد؛ لأن رواية عاصم الأحول تضاد رواية عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: "لم يزل يقنت بعد الركوع
стр. 2037
في صلاة الغداة" فحينئذ لم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين -بالنفي أو الإثبات- لأن لأحد الخصمين أن يحتج على الآخر بما يحتج به من خلاف ما يحتج به.
على أنه قد روى عن أنس أيضا ما يدل على أن القنوت في الصبح منسوخ.
وهو ما رواه أبو داود (١): ثنا أبو الوليد، نا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ قنت شهرًا ثم تركه".
فقوله: "ثم تركه" يدل على أن القنوت في الفرائض ثم نسخ.
فإن قيل: قد قال الخطابي: معنى قوله: "ثم تركه" أي ترك الدعاء على هؤلاء القبائل المذكورة في الأحاديث في هذا الباب، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع، ولم يتركه في صلاة الفجر.
قلت: لا ينبغي أن يصدر مثل هذا الكلام عن مثل الخطابي، فإنه كلام متحكم متعصب، فإن الضمير في تركه يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه قوله: "قنت" لما وهو عام يتناول جميع القنوت في جميع الصلوات، وتخصيص الفجر من بينها -بلا دليل يدل عليه- باطل.
وقوله: "أي ترك الدعاء" لا يصح أيضا؛ لأن الدعاء لم يمض ذكره في هذا الحديث، ولئن سلمنا؛ فالدعاء ها هنا هو عين القنوت، وما ثم شيء غيره، فيكون قد ترك القنوت، والترك بعد العمل نسخ. فافهم.
وقوله: "وأما قوله: ولكن القنوت قبل الر كوع ... " إلى آخره إشارة إلى أن أنسًا ﵁ لم يثبت عنده شيءٌ من القنوت قبل الركوع؛ لأن قوله: ولكن القنوت قبل الركوع ليس عن النبي ﵇ , لأنه لم يذكر ذلك عنه ﵇، فيجوز أن يكون قد أخذ ذلك عن أحد من الصحابة، أو يكون ذلك رأيًا رآه باجتهاده، فإن كان ذلك رأيا ة فقد رأى غيره من الصحابة خلاف ذلك، وهو أن يكون بعد الركوع "فلا
стр. 2038
يكون قول أنس أولى وأرجح من قول غيره إلا بحجة تبين جهة الرجحان والأولوية، وإن كان عن أحد من الصحابة، فقد روي عن غيره خلافه فلا تقوم به حجة. فافهم.
ص: فإن قال قائل: قد روى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: "كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت النبي ﵇ شهرًا، فقال: ما زال رسول الله ﵇ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".
قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك القنوت هو القنوت الذي رواه عمرو، عن الحسن، عن أنس، فإن كان ذلك كذلك فقد ضاده ما قد ذكرناه، ويجوز أن يكون ذلك القنوت قبل الركوع الذي ذكره أنس في حديث عاصم، فلم يثبت لنا عن أنس عن النبي ﵇ في القنوت قبل الركوع شيء، وقد ثبت عنه النسخ للقنوت بعد الركوع.
ش: أخرج الطحاوي حديث أبي جعفر الرازي فيما مضى عن قريب، عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: "كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله ﵇ شهرًا، فقال: مازال رسول الله ﵇ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا".
تقرير السؤال: أن هذا الحديث صريح على أن القنوت في الصبح لم ينسخ، وأنه باق حكمه، وهو ظاهر.
وتقرير الجواب أن يقال: إن قوله: ما زال رسول الله ﵇ يقنت في صلاة الغداة، يحتمل أن يكون أريد به القنوت الذي رواه عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ لم يزل يقنت بعد الركوع حتى فارقه"، فحينئذ يعارضه ويضاددُهُ ما رواه غيره كإسحاق بن عبد الله: "أنه قنت ثلاثين صباحًا"، وحميد: "أنه إنما قنت عشرين يومًا"، فإذا كان كذلك لا تقوم به حجة لما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد من القنوت هو القنوت قبل الركوع الذي ذكره أنس في حديث عاصم الأحول.
стр. 2039
وقد قلنا إنه لم يثبت عن أنس عن النبي ﵇ في القنوت قبل الركوع شيء، وأما القنوت الذي بعد الركوع فقد ثبت عنه النسخ فيه. والله أعلم.
على أنَّا نقول: إن بعضهم قد ضعف هذا الحديث وعلله بأبي جعفر هذا؛ فإن فيه مقالا كما قد ذكرناه فيما مضى عن قريب.
فإن قيل: قال النووي في "الخلاصة": صححه الحاكم في كتابه "المستدرك" وقال حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات.
وعن الحاكم أخرجه البيهقي في "المعرفة" بسنده ومتنه وسكت عنه.
قلت: قال صاحب "التنقيح على التحقيق": "هذا الحديث أجود أحاديثهم"، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي، وله طريق في كتاب "القنوت" لأبي موسى المديني، قال: "وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل، أو على أنه ما زال يطول في الصلاة، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ (١) وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَآءَ اللَّيْلِ﴾ (٢)، قال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقال: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ (٤)، وقال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥). وقال: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٦).
وفي الحديث: "أفضل الصلاة طول القنوت".
وضعفه ابن الجوزي في كتاب "التحقيق"، وفي "العلل المتناهية" قال: "هذا حديث لا يصح؛ فإن أبا جعفر الرازي اسمه عيسى بن ماهان، قال ابن المديني: كان يخلط. وقال يحيى: كان يخطئ. وقال أحمد: ليس بالقوي في الحديث". وقال
стр. 2040
ابن الجوزي: وقد أورد الخطيب في كتابه الذي صنفه في القنوت أحاديث أظهر فيها تعصبه فمنها: ما أخرجه عن دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك، عن أنس قال: "ما زال رسول الله ﵇ يقنت في صلاة الصبح حتى مات"، قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيها. فواعجبا للخطيب؛ أما سمع في الصحيح: "من حدث عني حديثا، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". وهل مثله إلا كمثل من أنفق بهرجًا ودلسه، فإن أكثر الناس لا يعرفون الصحيح من السقيم، وإنما يظهر ذلك للنقاد، فإذا أورد الحديث محدث واحتج به حافظ لم يقع في النفوس إلا أنه صحيح.
ومن نظر في كتابه الذي صنفه في القنوت، وكتابه الذي صنفه في الجهر بالبسملة، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها؛ اطلع على عصبيته وقلة دينه، ثم ذكر له أحاديث أخرى كلها عن أنس أن النبي ﵇ لم يزل يقنت في الصبح حتى مات، وطعن في أسانيدها.
فإن قيل: ذكره البيهقي في "سننه" أيضا ثم قال: قال الحاكم صحيح، وقال في "المعرفة": وله شواهد عن أنس ذكرناها في "السنن".
قلت: قد تحقق بينهم مجازفة الحاكم في التصحيح، والعجب من البيهقي أيضا سكوته عن ذلك وإقراره عليه، وليس ذلك إلا من آثار العصبية الفاسدة.
وأما الشواهد التي ذكرها فهي ما أخرجه في "سننه" (١): من حديث الغضائري، ثنا عثمان بن السماك، نا أبوقلابة، نا قريش بن أنس، نا إسماعيل المكي، وعَمرو بن عبيد، عن الحسن عن أنس قال: "قنت رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان -وأحسبه ذكر رابعًا- حتى فارقتهم" رواه عبد الوارث عن عمرو بن عبيد فقال: "في صلاة الغداة".
стр. 2041
ومن حديث خليد بن دعلج (١)، عن قتادة، عن أنس: "صليت خلف النبي ﵇ فقنت، وخلف عمر فقنت، وخلف عثمان فقنت".
ومن حديث يحيى القطان (٢): ثنا العوام بن حمزة قال: "سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح، قال: بعد الركوع، قلت: عمن؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان".
ومن حديث ابن عيينة (٣)، عن مخارق، عن طارق قال: "صليت خلف عمر الصبح فقنت"، وعن عبيد بن عمير قال: "سمعت عمر ﵁ يقنت بمكة في الفجر" رواه ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عنه.
ومن حديث شعبة (٤)، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود: "صليت خلف عمر في السفر والحضر، فما كان يقنت إلا في صلاة الفجردا رواه غندر وابن الجعد هكذا، وقال آدم، عن شعبة: "فكان يقنت في الركعة الثانية من الفجر، ولا يقنت في سائر صلاته". انتهى.
قلت: أما حديث الغضائري ففيه إسماعيل المكي، وعمرو بن عبيد، فهو صرح في "سننه": فإنا لا نحتج بهما.
وأما حديث خليد بن دعلج فإن [خليدًا] (٥) لا يصلح للاستشهاد به؛ لأن أحمد وابن معين والدارقطني ضعفوه، وقال ابن معين مرة: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. ولم يخرج له أحد من الستة، وفي "الميزان": عده الدارقطني من المتروكين.
стр. 2042
ثم إن المستغرب من حديث أنس المتقدم قوله: "ما زال يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا" وليس هذا في حديث خليد بن دعلج، وإنما فيه أنه ﵇ قنت، وذلك معروف، وإنما المستغرب دوامه حتى فارق الدنيا، فعك تقدير صلاحية خليد للاستشهاد به، كيف يشهد حديثه لحديث أنس؟!.
وأما حديث يحيى القطان فإنه قال: إسناده حسن، وكيف يكون إسناده حسنًا، وفيه العوام بن حمزة، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: له أحاديث مناكير؟!.
فإن قيل: رواية يحيى بن سعيد عنه دلت على ثقته عنده.
قلت: ما ذكرناه يدل على ضعفه، والجرح مقدم على التعديل.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص بن غياث، عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: "يا أبت، صليت خلف النبي ﵇ وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فما رأيت أحذا منهم يقنت؟ فقال: يا بني هي محدثة".
ورواه أيضًا عن ابن إدريس، عن أبي مالك بمعناه.
والسندان صحيحان، فالأخذ بذلك أولى مما رواه العوام.
وحديث أبي مالك أخرجه البيهقي أيضًا في باب: من لم ير القنوت في الصبح.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢)، ولفظه: "صليت خلف النبي ﵇ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف عليّ فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة".
وأما حديث طارق وحديث عبيد بن عمير فإن البيهقي قال: فإنها روايات صحيحة موصولة، وكيف تكون صحيحة؟! فإن في أسانيدها محمَّد بن
стр. 2043
الحسن البربهاري: قال ابن الجوزي في كتابه: قال البرقاني: كان كذابا. وقال الدارقطني: خلط الجيد بالرديء فأفسده. وفيها يحيى بن سليم الطائفي: قال البيهقي في باب من كره أكل: الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الرازي: لا يحتج به.
فظهر من هذا أنها ليست بروايات صحيحة، بل المروي عن عمر ﵁ بالأسانيد الصحيحة أنه لم يقنت فيها كما ذكرنا الآن في رواية أبي مالك الأشجعي.
وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون: "أنهما صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت".
وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا في باب: من لم ير السجود في ترك القنوت، من حديث سفيان بسنده المذكور.
وقال ابن أبي شيبة (٣) أيضًا: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: "أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت".
وقال أيضًا (٤): نا وكيع، ثنا ابن أبي خالد، عن أبي الضحى، عن سعيد بن جبير: "أن عمر ﵁ كان لا يقنت في الفجر".
ورواه عبد الرزاق (٥): عن ابن عيينة، عن ابن أبي خالد.
وهذه أسانيد صحيحة.
стр. 2044
وأما حديث شعبة (١)، عن حماد، عن إبراهيم، فقد قال البيهقي: فيه دليل على اختصار وقع في الحديث الذي أتى فساق سنده: عن منصور، عن إبراهيم، أن الأسود وعمرو بن ميمون قالا: "صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت"، ثم قال: منصور وإن كان أوثق وأحفظ من حماد بن أبي سليمان، فرواية حماد في هذا توافق المذهب المشهور عن عمر في القنوت.
قلت: لما انتفع البيهقي برواية حماد ها هنا ذكر ما يدل على حفظه وثقته؛ لأنه إذا كان منصور أحفظ وأوثق منه كان هو في نفسه حافظًا ثقة، وخالف ذلك في باب: الزنا لا يحرم الحلال، وضعفه، وليست رواية منصور مختصرة من رواية حماد، بل معارضة لها، ومع جلالة منصور تابعه على روايته الأعمش.
فرواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن منصور والأعمش ... فذكره كذلك، وتابعه أيضًا الحسن بن عبيد الله كما تقدم عن قريب.
وقد روي عن حماد ما هو موافق لرواية منصور.
فذكر عبد الرزاق (٣): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا: "صلى عمر زمانا لم يقنت".
وفي "التهذيب" (٤) لابن جرير الطبري: روى شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر في السفر والحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت".
وروى أبو حنيفة في "مسنده" (٥): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال: "ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت".
стр. 2045
وفي "مسنده" (١) أيضًا: عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صحبت عمر بن الخطاب ﵁ سنين، فلم أره قانتا في صلاة الفجر".
واعلم أن عندي جوابا آخر عن حديث أبي جعفر الرازي.
وهو أنه معارض بما رواه الطبراني في "معجمه" (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا شيبان بن فروخ، نا غالب بن فرقد الطحان قال: "كنت عند أنس بن مالك شهرين، فلم يقنت في صلاة الغداة".
وروى محمَّد بن الحسن في كتابه "الآثار" (٣): أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال: "لم يرالنبي ﵇ قانتا في الفجر حتى فارق الدنيا".
ص: وكان أبوهريرة أحد من روى عن النبي ﵇ أيضًا القنوت في الفجر، فذلك القنوت هو دعاء لقوم ودعاء على آخرين، وفي حديثه أن النبي ﵇ ترك ذلك حين أنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤) الآية.
ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة المذكور فيما مضى في معرض استدلال أهل المقالة الأولى، بيانه أن أبا هريرة روى عن النبي ﵇ القنوت في الفجر، وذلك القنوت هو الدعاء لقوم والدعاء على آخرين.
فالأول: هو قوله ﵇: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة".
والثاني: هو قوله: "اللهم العن فلانا وفلانا، أحياء من العرب"، ثم روى أن النبي ﵇ ترك ذلك حيث قال في حديثه: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم،
стр. 2046
فذكرت ذلك، فقال: أو ما تراهم قد قدموا؟ " فهذا يدل على أن ما كان منه قد انتسخ حكمه وزال.
ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون هذا هكذا وقد كان أبو هريرة بعد النبي ﵇ يقنت في الصبح؟ فذكر ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف (ح).
وما قد حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: ثنا بكر بن مضر , عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال: "كان أبو هريرة يقنت في صلاة الصبح". قال: فدل ذلك على أن المنسوخ عند أبي هريرة إنما هو الدعاء على من دعا عليه النبي ﵇ فأما القنوت الذي كان مع ذلك فلا.
قيل له: إن يونس بن يزيد قد روى عن الزهري في حديث القنوت الذي ذكرناه في أول هذا الباب ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب ... فذكر ذلك الحديث بطوله، ثم قال فيه: "قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية، فصار ذكر نزول هذه الآية الذي كان به النسخ من كلام الزهري، لا مما رواه عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، فقد يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يكن أبو هريرة علمه، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله ﵇ وقنوته إلى أن مات؛ لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، وعلم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ أن نزول هذه الآية كان ناسخا لما كان النبي ﵇ يفعل، فانتهيا إلى ذلك، وتركا به المنسوخ المتقدم".
ش: هذا سؤال من جهة الخصم، تقريره أن يقال: لا نسلم أن المنسوخ على الكيفية التي ذكرتم؛ لأن أبا هريرة قد قنت في صلاة الصبح بعد النبي ﵇, ولو كان النسخ على نحو ما ذكرتم لما ساغ لأبي هريرة أن يقنت بعده ﵇ مع علمه بالمنسوخ، بل إنما كان المنسوخ عند أبي هريرة هو الدعاء على من كان ﵇ يدعو
стр. 2047
عليه، فأما القنوت الذي كان مع ذلك فلم ينسخ ولم يرتفع حكمه، فلهذا قنت أبو هريرة بعده.
ثم إنه أخرج أثر أبي هريرة الذي فيه أمر قنوته من وجهين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد المصري مولى ربيعة بن شرحبيل ابن حسنة الكندي، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل المصري، عن عبد الرحمن الأعرج.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أنه كان يقنت في صلاة الصبح".
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضا، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي أبي زكرياء المصري، عن بكر بن مضر ... إلى آخره.
وتقرير الجواب: أن يقال: إن يونس بن يزيد الأيلي قد روى عن محمَّد بن مسلم الزهري في حديث القنوت الذي ذكر في أول الباب، وفيه: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) الآية، فدل ذلك على النسخ، ولكن ذكر نزول هذه الآية الذي حصل به النسخ، من كلام الزهري لا مما رواه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فإذا كان كذلك، فقد يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يقف عليه أبو هريرة ولا أحاط به علمه، فلذلك عمل بما كان علمه من فعل النبي ﵇ وقنوته إلى أن مات؛ وذلك لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، فإذا لم تثبت فكيف يترك ما قد علمه من النبي ﵇؟.
стр. 2048
ألا ترى أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، لما علما بنزول الآية، وعلما أنه ناسخ للذي كان النبي ﵇ يفعله انتهيا إلى ذلك، وتركا ما قد علماه من فعل النبي ﵇ المتقدم المنسوخ.
واعلم أن الطحاوي أخرج حديث الزهري هذا فيما سبق في موضعين.
الأول: في أواخر باب: الإِمام يقول: سمع الله لمن حمده، فقال: ثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أنهما سمعاه يقول: "كان رسول الله ﵇ حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه من الركوع، يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد ... " الحديث.
الثاني: في أول هذا الباب بهذا الإسناد بعينه، وزاد فيه: "وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين ... " الحديث، ولم يذكر في الموضعين قول الزهري: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) الآية".
وإنما ذكره ها هنا ,ولكن الجميع بإسناد واحد، وقطعه للتبويب.
وأخرجه مسلم (٢) وقال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أخهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله ﵇ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك
стр. 2049
لما أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١).
ص: وحجة أخرى أن في حديث ابن إيماء: "أن رسول الله ﷺ قال حين رفع رأسه من الركوع: غفار غفر الله لها -حتى ذكر ما ذكر في حديثه- ثم قال: الله أكبر وخر ساجدًا".
فثبت بذلك أن جميع ما كان يقوله هو ما ترك بنزول تلك الآية، وما كان يدعو به مع ذلك من دعائه للأسرى الذين كانوا بمكة، ثم ترك ذلك عندما قدموا، وقد روى أبو هريرة أيضًا في حديث يحيى بن أبي كثير الذي قد رويناه فيما تقدم منا في هذا الباب عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يذكر القنوت، وفيه: قال أبو هريرة: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، فذكرت ذلك، فقال: أوما تراهم قد قدموا؟ " ففي ذلك أن رسول الله ﵇ كان يقول ذلك الحديث في العشاء الآخرة كما كان يقول في الصبح، وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ في صلاة العشاء بكماله لا إلى قنوت غيره، فالفجر أيضًا في النسخ كذلك.
ش: هذا جواب آخر عن السؤال المذكور، تقريره أن يقال: إن في حديث خُفاف بن إيماء الذي مر ذكره في هذا الباب أن رسول الله ﵇ دعا لقوم ودعا على آخرين، ثم قال: الله أكبر وخر ساجدًا وأن جميع ذلك ترك بنزول الآية المذكورة، حتى الدعاء الذي كان يدعو به للأسرى الذين كانوا بمكة، فحين ما قدموا ترك ذلك، وقد صرح بذلك في الحديث الذي رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، فذكرت ذلك، فقال: أوَما تراهم قد قدموا" وفي هذا الحديث أيضًا كان يقول ذلك القنوت في صلاة العشاء الآخرة، كما كان يقوله في الصبح، وقد أجمع الخصم معنا أن ذلك منسوخ في صلاة العشاء بكماله لا إلى قنوت غيره، فإذا كان هذا منسوخًا، فكذلك يكون القنوت الذي في الفجر منسوخًا بكماله لا إلى قنوت غيره.
стр. 2050
وقولهم: المنسوخ ليس القنوت كله بل إنما كان الدعاء على من دعا عليه أو له، وأما القنوت الذي كان معه باق في الصبح؛ تحكم وتخصيص بلا مخصص وهو باطل، ولئن سلمنا بقاء القنوت وانتساخ الدعاء فلم يختص بذلك الصبح؟ فهلا يقنت في العشاء أيضًا؟ فتخصيص الصبح وترك العشاء تحكم بلا دليل، وأما قنوت أبي هريرة بعد النبي ﵇ فلما ذكرناه عن قريب، على أن جماعة من الصحابة ﵃ لم يكونوا يقنتون في الصبح على ما يجيء، وليس فعل أبي هريرة بأولى وأحق من فعلهم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما كشفنا وجوه هذه الآثار المروية عن النبي ﷺ في القنوت، فلم نجد ما يدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر، لم نُأْمر به فيها؟ وأمرنا بتركه مع أن بعض أصحاب النبي ﵇ قد أنكره أصلًا، كما حدثنا علي بن معبد وحسين بن نصر وعلي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق، قال: قلت لأبي: "يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وخلف عثمان، وخلف علي ها هنا بالكوفة قريبا من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني، محدث".
قال أبو جعفر ﵀: فلسنا نقول: إنه محدث على أنه لم يكن، وقد كان، ولكنه قد كان بعده ما قد رويناه في هذا الباب قبله.
ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها في هذا الباب.
قوله: "لم نُأْمر" جواب قوله "فلما" وهو على صيغة لمجهول، وكذلك قوله: "وأُمِرْنا" على صيغة المجهول، أي لم نؤمر بالقنوت في صلاة الصبح، وأمرنا بترك القنوت.
قوله: "مع أن بعض أصحاب النبي ﵇ قد أنكره أصلًا" تأكيد لقوله: "فلم نجد ما يدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر" أي قد أنكر القنوت في الصبح أصلًا، وأراد بهذا البعض الذي أنكر القنوت أصلًا: هو طارق بن أشيم الصحابي، فإن ابنه سعد بن طارق لما سأله عنه، قال: "أي بني" أي يا بني "محدث" أي إن القنوت في
стр. 2051
صلاة الصبح محدث، وليس معناه أنه لم يكن ثم كان، ولكن معناه أنه كان في زمن النبي ﵇ مدة، ثم انتسخ، ثم أحدثوه بعده ﵇، فلذلك قال: يا بني محدث، وكذا فسره ابن حبان في روايته: "بدعة" أي ابتدع به بعد النبي ﵇ بعد أن كان قد ارتفع حكمه وانتسخ.
وأخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن علي بن معبدبن نوح المصري، وحسين ابن نصر بن المعارك البغدادي، وعلي بن شيبة بن الصلت السدوسي، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن أبيه طارق.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي قال: "قلت لأبي: يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله ﵇، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب ﵃ ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، كانوا يقنتون؟ قال: أي بني، محدث".
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢)، ولفظه: "صليت خلف النبي ﵇ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر ﵁ فلم يقنت، وصليت خلف عمر ﵁ فلم يقنت، وصليت خلف عثمان ﵁ فلم يقنت، وصليت خلف علي ﵁ فلم يقنت، ثم قال: يا بني، إنها بدعة".
وكذا أخرجه النسائي في "سننه" (٣): عن قتيبة، عن خلف، عن أبي مالك الأشجعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤)، وقد ذكرناه.
стр. 2052
وممن أنكر القنوت من الصحابة: عبد الله بن عمر ﵄ حيث قال: "ما القنوت؟ وما رأيت أحدًا يفعله" حين سأله أبو الشعثاء عنه، وقد مر ذكره مستوفى عن قريب.
وروى ابن عبد البر عن ابن عمر وطاوس: أن القنوت في الفجر بدعة، وكان ممن ينكره من التابعين أيضًا: الزهري، ويحيى الأنصاري، وإبراهيم النخعي- ﵏.
ص: فلما لم يثبت لنا القنوت عن النبي ﵇ رجعنا إلى ما روي عن أصحابه في ذلك، فإذا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: "صليت خلف عمر ﵁ صلاة الغداة، فقنت فيها بعد الركوع، وقال في قنوته: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم الثالث نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق".
وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، عن أبيه: "أنه صلى خلف عمر ﵁ ففعل مثل ذلك إلا أنه قال: ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخشى عذابك الجد".
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبدة بن أتيت لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أن عمر ﵁ قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين".
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن عمر ﵁: "أنه كان يقنت في صلاة الصبح بسورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد".
стр. 2053
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي رافع، قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بالأحزاب، فسمعت قنوته وأنا في آخر الصفوف".
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، كلاهما عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب ﵁ صلاة الصبح، فلما فرغ من القراءة في الركعة الثانية، كبر ثم قنت، ثم كبر فركع".
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن مخارق ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين: "أن سعيد بن المسيب ذكر له قول ابن عمر ﵄ في القنوت، فقال: أما إنه قد قنت مع أبيه، ولكنه نسي".
ش: لما لم يثبت القنوت في صلاة الصبح عن النبي ﵇ بعد كشف وجوه الأحاديث المروية فيه، وجب الرجوع فيه إلى ما روي عن الصحابة ﵃، لنعلم هل القنوت في الصبح ثابت أم لا؟ وهل يجب فعله أم لا؟
فرجعنا في ذلك، فوجدنا قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قد قنت في صلاة الصبح بعد الركوع، ووجدنا أيضًا قد روي عنه أنه كان لا يقنت فيها، فبين الأمرين مخالفة وتضاد، ولكن يحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين في وقت وحاله.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا أنه قد كان يقنت إذا حارب، وإذا لم يحارب لم يقنت.
فعلمنا أن معنى الذي كان يقنت أنه إذا كان يحارب كان يدعو على أعدائه، ويستعين بالله عليهم ويستنصره، كما كان رسول الله ﵇ فعل لما قتلوا القراء من
стр. 2054
أصحابه، وقد روي أيضًا عن علي ﵁ ما روي عن عمر ﵁، فإذا كان الأمر كذلك يكون كل ما روي عن الصحابة من القنوت في صلاة الصبح يكون محمولا على حالة المحاربة.
ألا ترى أتى روي عن علي ﵁ أنه كان يقنت في صلاة المغرب أيضًا، والخصم لا يقول بالقنوت فيها، فعلمنا أنه كان يفعل ذلك حالة المحاربة، وسيجىء تحقيق الكلام في هذا إن شاء الله تعالى.
ثم انه أخرج ما روي من قنوت عمر في الصبح من تسع طرق:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وعن أحمد: كان سيء الحفظ مضطرب الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وروى له الأربعة.
عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي أبي عاصم المكي قاضي أهل مكة، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب الغداة فقال في القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونزك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار مُلْحِق".
الثاني: عن صالح أيضًا، عن سعيد بن منصور أيضًا، عن هشيم أيضًا، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى الصحابي.
стр. 2055
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه صل خلف عمر ﵁ فصنع مثل ذلك".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغاضري، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البيهقي (٢) مفسرًا: من حديث الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: "صليت خلف عمر ﵁ صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع من يكفرك".
ثم قال البيهقي: كذا قال: قبل الركوع، وهو وإن كان إسنادا صحيحًا فرواة قنوت عمر بعد الركوع أكثر، وهم: أبو رافع، وعبيد بن عمير، وأبو عثمان النهدي، وزيد بن وهب، والعدد أولى بالحفظ من الواحد.
قلت: لم يذكر لرواية هؤلاء سندًا إلا لرواية عبيد بن عمير خاصة، وقد روي عنه وعن زيد بن وهب خلاف ذلك.
стр. 2056
قال ابن أبي شيبة (١): أنا هشيم، ثنا يزيد بن أبي زياد، ثنا زيد بن وهب: "أن عمر ﵁ قنت في الصبح قبل الركوع".
وأخرج أيضًا (٢): عن أبي عثمان، عنه: "أنه قنت قبل الركوع".
وأخرج أيضًا (٣): من طريقين عن عبيد بن عمير عنه.
وأخرج أيضًا (٤): عن أبي معقل: "أن عمر وعليا وأبا موسى قنتوا في الفجر قبل الركوع".
فليس الراوي عن عمر أنه قنت قبل الركوع واحدًا كما زعم، بل هم خمسة، الواحد ذكره البيهقي، والأربعة ذكرهم ابن أبي شيبة، وهؤلاء أكثر مما ذكرهم البيهقي، فهم أولى بالحفظ.
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بَجَرَة -بباء موحدة وجيم وراء مفتوحات- وقيل: نجدة -بالنون والجيم- مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقيل له: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن رجل، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن عمر ﵁ كان يقنت في الفجر بسورتين".
الخامس: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي رافع مولى النبي ﵇ واسمه أسلم أو إبراهيم، وقد تكرر ذكره.
стр. 2057
وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (١): من حديث قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع: "أن عمر ﵁ كان يقنت في صلاة الصبح".
السادس: عن أبي بكرة أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، عن سفيان الثوري، عن مخارق بن خليفة بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الله بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الرحمن الأحمسي الكوفي، عن طارق بن شهاب الأحمسي الصحابي ﵁.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث سفيان بن عيينة، عن مخارق، عن طارق قال: "صليت خلف عمر الصبح، فقنت".
السابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مخارق، عن طارق.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
الثامن: عن أبي بكرة بكار، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن مخارق بن خليفة، عن طارق بن شهاب.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن الثوري، عن مخارق، عن طارق بن شهاب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى الصبح، فلما فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين ركع".
التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن محمد بن سيرين.
стр. 2058
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
قوله: "اللهم" يعني يا الله، والسين في "نستعينك" و"نستغفرك" للطلب.
قوله: "ونخلع" مِنْ خلع ثوبه ونعله.
قوله: "ونترك" كالتفسير له، والفعلان تنازعا في قوله: "من يفجرك" أي من يعصيك ويخالفك.
قوله: "ونحفد" بالحاء والدال المهملتين ومعناه نسرع في العمل والخدمة، وهو من باب حَفَدَ يَحْفدُ كضَرَبَ يَضْرِبُ، قال الجوهري: الحفد: السرعة تقول: حفد البعير والظليم حَفْدا وحَفْدَانًا وهو تدارك السير، وبعير حَفَّاد، ومنه الدعاء: "وإليك نسعى ونحفد" واحفدته: حملته على الحَفْدِ والإسراع.
قوله: "ملحق" بالرفع خبر إن، روي بكسر [الحاء] (١) وفتحها.
قوله: "بالسورتين" أراد بها قوله: "اللهم إنا نستعينك" إلى قوله: "وفترك من يفجرك"، وقوله: "اللهم إياك نعبد" إلى قوله: "إن عذابك بالكفار ملحق"، وكانتا سورتين من القرآن فنسختا، والله أعلم.
وبه استحسن أصحابنا أن يقول المصلي في وتره هذا الذي روي عن عمر ﵁.
وقال في "المبسوط": ليس في الوتر دعاء موقت سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك ... " إلى آخره، والصحابة اتفقوا على هذا في القنوت.
وعن إبراهيم بسند صحيح: "ليس في قنوت الوتر شيء موقت، إنما هو دعاء واستغفار".
وفي "البدائع": وأما دعاء القنوت فليس في القنوت دعاء موقت، كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة؛ لأنه روي عن الصحابة أدعية مختلفة في حال القنوت، ولأن الموقت من الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه،
стр. 2059
وصدق الرغبة منه إلى الله تعالى، فيبعد عن الإجابة، ولأنه لا يوقت في القراءة بشيء من الصلوات ففي دعاء القنوت أصلى وقد روي عن محمَّد أنه قال: التوقيت في الدعاء يُذهب رقة القلب، وقال بعض مشايخنا: المراد في قوله: "ليس في القنوت دعاء موقت ما سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك"؛ لأن الصحابة اتفقوا على هذا في القنوت، فالأولى، أن يقرأه، ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره كان حسنًا، والأصلى أن يقرأ معه ما علَّم رسول الله ﵇ الحسن بن علي في قنوته: اللهم اهدني فيمن هديت ... إلى آخره".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فقد روي عن عمر ﵁ ما ذكرنا، وروي عنه خلاف ذلك.
فحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: "أن عمر ﵁ كان لا يقنت في صلاة الصبح".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا: "صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا: "كنا نصلي خلف عمر ﵁ الفجر فلم يقنت".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا: "كنا نصلي خلف عمر ﵁، نحفظ ركوعه وسجوده، ولا نحفظ قيام ساعة، يعنون القنوت".
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا: "صلينا خلف عمر ﵁، فلم يقنت في الفجر".
стр. 2060
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت إبراهيم، يحدث عن عمرو بن ميمون، نحوه.
قال أبو جعفر ﵀: فهذا خلاف ما روي عنه في الآثار الأول، فاحتمل أن يكون قد كان فعل كل واحد من الأمرين في وقت.
فنظرنا في ذلك، فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا مسعر بن كدام، قال: حدثني عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب قال: "ربما قنت عمر".
فأخبر زيد بما ذكرنا، أنه كان ربما قنت وربما لم يقنت، فأردنا أن ننظر في المعنى الذي له كان يقنت ما هو؟
فإذا ابن أبي عمران قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن أبي شهاب الحناط، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كان عمر ﵁ إذا حارب يدعو على أعدائه ويستعين الله عليهم ويستنصره كما كان رسول الله ﵇ فعل لما قتل من قتل من أصحابه، حتى أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١)، قال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: فما دعا رسول الله ﵇ على أحد بعد".
فكانت هذه الآية -عند عبد الرحمن وعند عبد الله بن عمر، ومن وافقهما على ما كانا يقولانه في ذلك- نسخ للدعاء بعد ذلك في الصلاة على أحد، ولم تكن عند عمر ﵁ بناسخة ما كان قبل القتال، وإنما نسخت عنده الدعاء في حال عدم القتال، إلا أنه قد ثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر.
فهذا وجه ما روي عن عمر في هذا الباب.
стр. 2061
ش: لما روى ما روى عن عمر من القنوت في صلاة الصبح؛ شرع يروي ما روي عنه خلافه ليوفق بينهما.
وأخرج أثر الخلاف من ستة طرق:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود نحوه.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة ... إلى آخره.
وهو أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث الفضيل، عن منصور، عن إبراهيم، أن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا: "صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح، عن أبي شهاب واسمه عبد ربه بن نافع الكناني الحفاظ الكوفي وهو الأصغر، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود ومسروق بن الأجدع.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي الكوفي؛ قال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن حبان: ثقة.
عن أبي شهاب المذكور ... إلى آخره نحوه.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
стр. 2062
قوله: "ولا نحفظ قيام ساعة" المراد من هذا الكلام إنكار هؤلاء قنوت عمر ﵁ في الفجر؛ لأنه لو قنت لما خفي عليهم، ولكانوا يحفظونه كما كانوا يحفظون ركوعه وسجوده.
الخامس: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن علي بن معبد ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون: "أنهما صليا خلف عمر ﵁ الفجر فلم يقنت".
السادس: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: "أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر فلم يقنت".
وأخرج ابن جرير الطبري في "التهذيب" (٣): من حديث شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر ﵁ في السفر والحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت في الصبح".
فهذه الآثار كلها تخالف الآثار الأُول، فاحتمل أن يكون قد فعل كل واحد من القنوت وتركه في وقت، يعني ربما كان قنت، وربما كان ترك، وأخرج ما يدل على ذلك عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مسعر بن كدام بن ظهير الكوفي، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي الزراد، عن زيد بن وهب الجهني الكوفي، رحل إلى النبي ﵇ فقبض وهو في الطريق.
стр. 2063
وهذا إسناد صحيح، والكل من رجال الجماعة ما خلا يزيد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب قال: "ربما قنت عمر في صلاة الفجر".انتهى.
فهذا يدل على أنه كان يقنت مرة ويترك مرة، ولكن ينبغي أن ننظر في المعنى الذي كان يقنت حين يقنت لأجله، ولماذا كان؟ فنظرنا فإذا أسود بن يزيد قد روى عنه: إذا حارب قنت وإذا لم يحارب لم يقنت، فعلمنا أن المعنى الذي كان يقنت لأجله هو وقت المحاربة، كان يدعو على أعدائه ويستعين بالله عليهم ويستنصره، كما كان رسول الله ﵇ فعل ذلك لما بلغه أن القراء الذين أرسلهم إلى بئر معونة قد قتلوا، وكانوا سبعين رجلًا -وفي "مسند السراج": كانوا أربعين، وفي "المعجم": ثلاثون: ستة وعشرون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين- وكان رسول الله ﵇ أمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي الذي يقال له: المعتق ليموت، فخرج عليهم عامر بن الطفيل فقتلوا جميعًا غير عمرو بن أمية الضمري وكعب بن زيد.
وكانت هذه السرية في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، وكان السبب في ذلك: أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنة قدم فأهدى للنبي ﵇ فلم يقبل منه، وعرض عليه الإِسلام فلم يسلم، وقال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، قال: أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد، فبعث معه القراء، فجرى ما ذكرناه.
"وبئر معونة": ماء لبني عامر بن صعصعة على أربع مراحل من المدينة.
ثم إنه ﵇ لم يزل يدعو عليهم في صلاته حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢) الآية حتى كف عنه وتركه كما ذكرناه مستقصى.
стр. 2064
وقال عبد الرحمن بن أبي بكر "فما دعا رسول الله ﵇ على أحد بعد ذلك".
فكانت هذه الآية عند عبد الرحمن بن أبي بكر وعند عبد الله بن عمر ﵃ ناسخة للدعاء على أحد في الصلاة مطلقا، وكذا عند من يذهب إلى قولهما في ذلك، ولم يكن عند عمر بن الخطاب ﵁ نسخها إلا مقيدًا بغير حالة المحاربة، فكان النسخ عنده في حال عدم القتال، وعلى كل التقدير يثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر، أما عند عبد الرحمن وابن عمر فَلِكَوْن النسخ عاما عندهم.
وأما عند عمر ﵁ فلكونه مخصوصا بغير حالة الحرب، وكلا المذهبين يدل على بطلان رؤية الدوام على القنوت في الفجر.
ثم إنه أخرج ما روي عن الأسود بإسناد صحيح، عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى البغدادي الفقيه؛ وثقه ابن يونس.
عن سعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي شهاب الحناظ -بالنون- بياع الحنطة، واسمه موسى بن نافع الأسدي، وهو أبو شهاب الكبير روى له البخاري ومسلم والنسائي، وأبو شهاب الأصغر الحفاظ أيضًا مر عن قريب، وأبو شهاب الكبير يروي عن الإمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي.
عن حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري الكوفي الفقيه الثقة، مشهور احتج به الأربعة، وروى له مسلم مقرونا بغيره، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي.
وأخرجه أبو حنيفة في "مسنده".
وأخرج أيضًا (١): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال: "ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي حتى حارب أهل الشام فكان يقنت".
стр. 2065
وأخرج أيضًا: عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صحبت عمر بن الخطاب سنين، فلم أره قانتا في صلاة الفجر".
وأخرجه محمَّد بن الحسن في "آثاره" (١): عن أبي حنيفة نحوه.
ص: وأما علي بن أبي طالب ﵁ فروي عنه في ذلك ما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁: "أنه كان يقنت في صلاة الصبح قبل الركوع".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وأبو داود، قالا: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبونعيم، قال: ثنا سفيان، كلاهما عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل -في حديث سفيان- قال: "كان عليّ وأبو موسى ﵄ يقنتان في صلاة الغداة -وفي حديث شعبة- فقنت بنا عليٌّ وأبو موسى".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عبيد بن حسن، قال: سمعت ابن معقل يقول: "صليت خلف علي ﵁ الصبح فقنت".
فقد يجوز أن يكون علي ﵁ كان يرى القنوت في صلاة الصبح في سائر الدهر، ويجوز أن يكون فعل ذلك في وقت خاص للمعنى الذي كان عمر ﵁ فعله من أجله، فنظرنا في ذلك فإذا روح بن الفرج قد حدثنا، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله لا يقنت في الفجر، وأول من قنت فيها عليّ ﵁، وكانوا يرون أنه إنما فعل ذلك؛ لأنه كان محاربا".
حدثنا فهد، قال: ثنا مُحرز بن هشام، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "إنما كان علي يقنت ها هنا؛ لأنه كان محاربًا، فكان يدعو على أعدائه في القنوت
стр. 2066
في الفجر والمغرب. فثبت بما ذكرنا أن مذهب علي ﵁ في القنوت هو مذهب عمر ﵁ الذي وصفنا، ولم يكن عليٌّ ﵁ يقصد بذلك إلى الفجر خاصة؛ لأنه قد كان يفعل ذلك في المغرب، فيما ذكر إبراهيم ﵁.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: حدثني حصين بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن بن معقل يقول: "صليت خلف علي ﵁ المغرب فقنت ودعا".
فكل قد أجمع أن المغرب لا يقنت فيها إذا لم تكن حرب، وأن عليًّا ﵁ إنما قنت فيها من أجل الحرب، فقنوته في الفجر أيضًا عندنا كذلك.
ش: لما كان الخصم استدل أيضًا -فيما ذهب إليه من القنوت في الفجر- بما روي عن علي ﵁ أنه كان يقنت في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ذكره، وهو ظاهر.
وأخرج ما روي عنه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة -بالتصغير- السلمي الكوفي، ولأبيه صحبة، وأبو عبد الرحمن روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم ... إلى آخره.
وفيه حجة لأصحابنا: أن القنوت فيما يقنت قبل الركوع.
فإن قيل: روى البيهقي في "سننه" (٢): من حديث يزيد بن أبي زياد، سمعت أشياخنا يحدثون: "أن عليا ﵁ كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع".
قلت: يزيد بن أبي زياد ضعيف، وحكى البيهقي نفسه تضعيفه عن ابن معين في باب "رفع اليدين عنوإلافتتاح خاصة"، ثم إنه روى عن الأشياخ وهم مجهولون، والذي رواه الطحاوي وابن أبي شيبة أولى.
стр. 2067
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عثمان بن عاصم بن حُصَير -بالتصغير- الأسدي الكوفي.
عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني قال: "قنت بنا ... " إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده": عن شعبة ... إلى آخره.
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن أبي حصين ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل قال: "قنت في الفجر رجلان من أصحاب النبي ﵇: علي وأبو موسي".
وقال البيهقي: هذا عن علي صحيح مشهور.
قلت: الجواب عنه ما ذكره الطحاوي، وأيضًا هذا الأثر مضطرب.
فإن ابن حبان أخرج في "صحيحه" (٢): عن أبي مالك، [عن أبيه] (٣): "أنه صلى خلف علي ﵁ فلم يقنت".
قوله: "كلاهما عن أبي حصين" أي شعبة وسفيان كلاهما رويا عن أبي حصين.
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبيد بن حسن المزني الكوفي، عن عبد الله بن معقل بن مقرن.
وأخرج ما رواه إبراهيم النخعي الذي يدل على أن قنوت علي إنما كان للمحاربة عن طريقين رجالهما ثقات:
стр. 2068
الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه الأعمى، عن إبراهيم النخعي.
وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره" (١): عن أبي حنيفة عن حماد، عن إبراهيم: "أن أهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه".
وأخرج ابن حزم في "المحلى" (٢): من طريق ابن المجالد عن أبيه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود، قالا: "ما قنت رسول الله ﵇ في شيء من الصلوات إلا إذا حارب، فإنه كان يقنت في الصلوات كلهن، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا قنت علي ﵁ حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن مُحرز بن هشام، عن جرير بن حازم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي.
وأخرج ما رواه عبد الرحمن بن معقل الذي يدل على أن عليًّا كان يقنت في المغرب أيضًا عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن معقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- ابن مقرِّن المزني الكوفي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا شريك، عن حصين، عن عبد الرحمن بن معقل، قال: "صليت خلف علي ﵁ المغرب فقنت".
стр. 2069
ص: وأما عبد الله بن عباس ﵄ فروي عنه ما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس قال: "صليت معه الفجر فقنت قبل الركوع".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عوف ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "وقال: هذه الصلاة الوسطى".
قال أبو جعفر ﵀: فقد يجوز أيضًا في أمر ابن عباس في ذلك ما جاز في أمر علي ﵁، فنظرنا هل روي عنه خلاف هذا؟ فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: "صليت خلف ابن عمر وابن عباس ﵃ فكانا لا يقنتان في صلاة الصبح".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، قال: أنا مجاهد، أو سعيد بن جبير: "أن ابن عباس ﵄ كان لا يقنت في صلاة الفجر".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث، قال: "صليت خلف ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: أخبرني عمران بن الحارث السلمي قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح، فلم يقنت".
فكان الذي يروي عنه القنوت هو أبو رجاء إنما كان ذلك وهو بالبصرة واليا عليها لعلي ﵁، وكان أحد من يروي عنه بخلاف ذلك سعيد بن جبير، وإنما كانت صلاته بعد ذلك بمكة، وكانت صلاته في ذلك مذهب عمر وعلي ﵄، فكان الذين قد روينا عنهم القنوت في الفجر إنما كان ذلك منهم للعارض الذي ذكرنا، فقنتوا فيها وفي غيرها من الصلوات، وتركوا ذلك في حال عدم ذلك العارض.
стр. 2070
ش: لما استدل الخصم أيضًا بما روي عن ابن عباس من قنوته في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ملخصه: أن قنوت ابن عباس ﵄ يجوز أن يكون كقنوت علي -يعني لأجل الحراب- كان يدعو على الأعداء، على أنه قد روى عنه سعيد بن جبير وعمران بن الحارث عدم القنوت أصلًا، والذي روى عنه القنوت هو أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وكان ذلك لما كان ابن عباس بالبصرة واليا عليها من جهة علي بن أبي طالب ﵁، والذي روى عنه سعيد بن جبير كان بمكة بعد ذلك، فدل أن ما كان منه من القنوت في الصبح إنما كان لأجل العارض وهو الحرب، فكل من روي عنه من الصحابة من القنوت في الصبح فمحمول على هذا العارض، والدليل على صحة هذا: أن بعضهم كان يقنت أيضًا في غير الصبح، وقد ذكرنا عن قريب أن ابن حزم روى أن عليًّا ﵁ كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان ذلك حين كان يحارب أهل الشام، فهذا كله يدل على بطلان قول من يرى القنوت في الصبح دائمًا.
وقد أخرج ما روي عن قنوته من طريقين صحيحين:
الأول: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان، أدرك زمان النبي ﵇ ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنف" (١): ثنا هشيم، عن عوف، عن أبي رجاء، قال: "رأيت ابن عباس يمد ضَبعيه في قنوت صلاة الغداة إذ كان بالبصرة".
الثاني: أخرجه الطحاوي بعينه في باب: الصلاة الوسطى.
وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد.