← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ص: وقد روي عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ في ذلك ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا هُشَيم بن بشير، قال: أنا خالد الحذاء، قال: أنا عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ﵂ عن تطوع رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كان إذا صلى بالناس العشاء يدخل فيصلي ركعتين، قالت: وكان يصلي من الليل تِسْع ركعات فيهن الوتر، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين في بَيْتي ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر". ففي هذا الحديث أنه كان يُصلّي إذا دخل بَيْته بعد العشاء ركعتين، ومن الليل تسعًا فيهن الوتر، فذلك عندنا على تسعٍ غير الركعتين اللتين كان يخففهما على ما قال سعد عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يفتتح صلاته من الليل بركعتين خفيفتين"، وإنما حملنا معنى حديث عبد الله بن شقيق على هذا المعنى ليتفق هو وحديث سَعْد بن هشام ولا يتضادان. ش: لما كان حديث عبد الله بن شقيق يخالف ظاهر حديث سَعْد بن هشام، وكلاهما يَرْويان عن عائشة ﵂؛ ذكره عقيب حديث سعد ليوفِّق بينهما دفعًا للتضاد، أما بيان التضاد: فإن الذي ذكره سعد في حديثه: أن جميع ما كان يصليه ﵇ ثلاث عشرة ركعة؛ لأنه كان يصلي ركعتين بعد العشاء ويتجوز بهما، ثم يصلي ركعتين أخراوين بعد قيامه من النوم، ثم يصلي ثمان ركعات ويوتر بالتاسعة، فالجملة ثلاث عشرة ركعة منها الوتر ثلاث ركعات. والذي ذكره عبد الله بن شقيق: أنه كان إذا صلى بالناس العشاء يدخل فيصلي ركعتين، ثم كان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، فالجملة إحدى عشرة. وأما بيان وجه التوفيق بينهما: أن حديث عبد الله بن شقيق محمول على معنى حديث سَعْد وهو أن المراد من الركعتين اللتين كان يصليهما إذا دخل، والتسع التي كان يصليها بعدهما التي فيهن الوتر غير الركعتين الخفيفتين اللتن قد ذكرتا في حديث سعد بن هشام عن عائشة المذكور فيما مضى، فحينئذٍ يكون الجميع هنا أيضًا ثلاث عشرة ركعة؛ فتتفق الروايتان ولا تختلفان.

стр. 2277

ثم إسنادُ حديث عبد الله بن شقيق صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات قد فذكروا غير مرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا هُشَيم، ثنا خالد، عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵇ من التطوع، فقالت: كان يصلي قبل الظهر أربعًا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بهم العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا, وليلًا طويلًا جالسًا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين، ثم يخرج ليصلي بالناس صلاة الفجر" انتهى. من فوائده: أن الوتر ثلاث ركعات؛ لأن قوها: "فيهن الوتر" أي في التسع الوتر وهو ثلاث، وأن صلاة السنن في المنازل أفضل، وفيه ترغيب لقيام الليل ولو جزءًا يسيرًا. ص: وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ في ذلك: [ما قد] (٢) حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: حدثني أبان بن يزيد، قال: حدثني ابن أبي كثير، قال: ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة: "أن نبي الله ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، وصلى بين أذان الفجر والإقامة ركعتين". فيحتمل أن تكون الثمان ركعات التي أوتر بتاسعتهن في هذا الحديث هي الثمان التي ذكر سعد بن هشام عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﵇ كان يصلي قبلهن أربع

стр. 2278

ركعات" ليتفق هذا الحديث وحديث سعد، ويكون هذا الحديث قد زاد على حديث سعد وحديث عبد الله بن شقيق تطوع رسول الله ﵇ بعد الوتر. ويحتمل أيضًا أن تكون هذه التسع هي التسع التي ذكرها سعد بن هشام في حديثه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﵇ كان يصليهما لما بدّن؛ فيكون ذلك تسع ركعات مع الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاته، ثم كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا بدلًا مما كان يصليه قبل أن يُبدّن قائمًا وهو ركعتان، فقد عاد ذلك أيضًا إلى ثلاث عشرة ركعة. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يُصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع قائمًا ثم سجد، وكان يصلي ركعتين بين الأذان والإقامة من صلاة الصبح". فهذا الحديث معناه معنى حديث أحمد بن داود، عن سهل بن بكار غير أنه ترك ذلك الوتر. وحدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة منها ركعتان وهو جالس، ويصلي ركعتين قبل الصبح". فتلك ثلاث عشرة ركعة، فقد وافق هذا الحديث أيضًا حديث أحمد بن داود. وقولها: "يصلى ركعتين قبل الصبح" يعني قبل صلاة الصبح، وهما الركعتان اللتان ذكرهما أحمد بن داود في حديثه أنه كان يصليهما بين الأذان والإقامة. وحدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا القواريري (ح). وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قالا: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبي لبيد، قال: سمعت أبا سلمة يقول: "دخلت على عائشة ﵂، فسألتها عن

стр. 2279

صلاة رسول الله ﵇ بالليل، فقالت: كانت صلاته في رمضان وغيره سواء؛ ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتا الفجر". فقد وافق هذا الحديث أيضًا ما رويناه قبله من حديث أبي سلمة. وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره: "أنه سأل عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله ﵇ في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي ﵇ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة ﵂: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيناي تنامان ولا ينام قلبى". فيحتمل هذا الحديث أن يكون قولها "ثلاثا" تريد [يوتر] (١) بإحداهن مع اثنتين من الثمان، ثم يصلي الركعتين الباقيتين، وهما الركعتان اللتان ذكرهما أبو سلمة فيما تقدم مما روينا عنه أنه كان يصليهما وهو جالس؛ حتى يتفق هذا الحديث وما تقدمه من أحاديثه، ويحتمل أن تكون الثلاث كلها وترًا، وهو أغلب المعنيين؛ لأخها قد فَصَّلت صلاته فقالت: فكان يصلي أربعًا، ثم أربعًا، ووصفت ذلك كله بالحسن والطول، ثم قالت: "ثم يصلي ثلاثًا" ولم تصف ذلك بطول، وجمعت الثلاث بالذكر، فذلك عندنا على الوتر، فيكون جميع ما كان يصليه إحدى عشرة ركعة مع الركعتين الخفيفتين اللتين في حديث سعد بن هشام، أو مع الركعتين اللتين كان يصليهما وهو جالس بعد الوتر وهذا أشبه بروايات أبي سلمة؛ لأن جميعها تُخبرُ عن صلاته بعد ما بدّن، وحديث سعد بن هشام يخبز عن صلاته بعد ما بدَّن وعن صلاته قبل ذلك. ش: لما ذكر فيما مضى أنه قد روي عن عائشة أحاديث في الوتر إذا كشفت رجعت إلى معنى حديث سعد بن هشام الذي رواه عنه زرارة بن أوفى وهو: "أنه ﵇ كان

стр. 2280

لا يُسلّم في ركعتي الوتر"، ثم وفق بين ما وقع في روايات سعد بن هشام من التخالف ظاهرًا، وكذا ما وقع بين روايته وبين رواية عبد الله بن شقيق؛ شرع ها هنا بذكر ما رواه أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة؛ ليوفق بينه وبين ما روي من غيره عن عائشة في هذا الباب، فأخرج حديثه من ستة طرق: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار بن بشر الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار البصري، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى، قال: نا ابن أبي عدي، نا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﵇، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، قالا: نا أبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة: "أن نبي الله ﵇ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة؛ كان يصلي ثمان ركعات، ويوتر بركعة ثم يصلي -قال مسلم: بعد الوتر- ركعتين وهو قاعد، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ويصلي بين أذان الفجر والإقامة ركعتين". وأخرجه النسائي (٣): أنا عبد الله بن فضالة بن إبراهيم، قال: ثنا محمَّد -يعني ابن المبارك- الصوري، قال: ثنا معاوية -يعني ابن سلام- عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: "أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله ﵇

стр. 2281

من الليل، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة؛ تسع ركعات قائمًا يوتر فيها، وركعتين جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فركع، وسجد، ويفعل ذلك بعد الوتر، فإذا سمع نداء الصبح، قام فركع ركعتين خفيفتين". قوله: "فيحتمل أن يكون ... " إلى آخره، بيان وجه التوفيق بين هذا الحديث الذي رواه أبو سلمة عن عائشة، وبين الحديث الذي رواه سعد بن هشام وعبد الله بن شقيق عنها، ملخصه أن يقال: يحتمل أن يكون المراد من قولها: "يصلي ثمان ركعات ثم يوتر بركعة" في حديث أبي سلمة هو الثمان ركعات التي ذكرت في حديث سعد بن هشام عن عائشة، وهو قولها: "فيتسوَّك ويتوضأ, ثم يصلي ركعتي، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات ... " الحديث، فحينئذٍ يتفق الحديثان. ولكن يكون في حديث أبي سلمة زيادة على حديث سعد بن هشام، وعبد الله بن شقيق، وهي تطوع رسول الله ﵇ بعد الوتر؛ لأن هذا التطوع -وهو الركعتان بعد الوتر- لم يذكر في حديثهما، والمذكور في حديث عبد الله بن شقيق من الركعتين بعد الوتر هو ركعتا الفجر، وهما سنة غير تطوع، ويحتمل أيضًا أن يكون المراد من هذه التسع أعني تسع ركعات التي ذكرها أبو سلمة في حديثه -وهو قول عائشة: "يصلي ثمان ركعات ثم يوتر بركعة" وهي تسع ركعات- هي التسع الركعات التي ذكرها سَعْد بن هشام في حديثه عن عائشة أن رسول الله ﵇ كان يصليها لما بدّن؛ وذلك لأنه لما بدَّن كان يصلي ست ركعات، ثم يوتر بالسابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فهذه تسع ركعات، فتكون ثلاث عشرة ركعة مع الركعتين الخفيفتن اللتين كان ﵇ يفتتح بهما صلاته، فحينئذٍ يتفق الحديثان أيضًا. وقد قيل: وجه هذا الاختلاف عن عائشة في أعداد الركعات في صلاته ﵇ في الليل؛ إما من الرُواة عنها، وإما منها باعتبار أنها أخبرت عن حالات منها ما هو الأغلب عن فعله ﵇، ومنها ما هو نادر، ومنها ما هو بحسب اتساع الوقت وضيقه.

стр. 2282

الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز -المعجمات- البصري، روى له الجماعة سوى أبي داود، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (١): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، قال: ثنا هشام، قال: ثنا يحيى، عن أبي سلمة: "أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله ﵇ بالليل، قالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة؛ يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ويصلي ركعتين بين الأذان والإقامة في صلاة الصبح". قوله: "فهذا الحديث" أي الحديث [الذي] (٢) رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، معناه معنى حديث أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار، عن أبان بن يزيد، عن ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، وهو الحديث الأول، غير أن إبراهيم بن مرزوق في روايته عن هارون بن إسماعيل، عن علي بن المبارك، عن يحيى، عن أبي سلمة ترك ذكر الوتر، حيث لم يقل بعد قوله: "يصلي ثمان ركعات": "ثم يوتر" كما ذكره أحمد بن داود، عن سهل، عن أبان، عن يحيى، عن أبي سلمة: "يصلي ثمان ركعات ثم يوتر بركعة"، وكما وقع ذكره في رواية النسائي كما ذكرنا, ولكنه مراد ها هنا أيضًا, ولا يلزم أن يكون جميع ما صلى اثنتي عشرة ركعة، وليس كذلك، بل الروايات على أنها كانت ثلاث عشرة ركعة. الطريق الثالث: عن فهد بن سليمان، عن علي بن مَعْبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل المدينة، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة ... إلى آخره.

стр. 2283

وأخرجه أبو داود (١) من حديث محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة ... إلى آخره نحوه. قوله: "فقد وافق هذا الحديث أيضًا حديث أحمد بن داود" أراد به الحديث الأول الذي رواه عن أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار، عن أبان، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة؛ لأن في كل منهما: ثلاث عشرة ركعة، والموافقة بينهما في هذا، وفي قولهما: "يصلي ركعتين قبل الصبح"؛ لأن المراد من هذا هو ما ذكره أحمد بن داود في حديثه أنه كان يصليهما بين الأذان والإقامة، أي بين أذان الصبح وإقامته، فافهم. الطريق الرابع: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد الثقفي المدني، عن أبي سلمة. وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد، قال: نا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد، أنه سمع أبا سلمة قال: "أتيت عائشة ﵂، فقلت: أيْ أُمَّه أخبريني عن صلاة رسول الله ﵇، فقالت: كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة ركعة بالليل، منها ركعتا الفجر". الطريق الخامس: عن روح بن الفرج القطان، عن حامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس شيخ أبي داود، عن سفيان ... إلي آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (٣): من حديث سفيان، عن ابن لبيد نحوه. قوله: "فقد وافق هذا الحديث أيضًا ما رويناه قبله من حديث أبي سلمة" يعني من التنصيص على ثلاث عشرة ركعة.

стр. 2284

وقال البيهقي: ثم إن عائشة ﵂ أخبرت ها هنا أنه ﵇ ما كان يزيد على إحدى عشرة في رمضان وغيره، وهذا هو الأغلب في رواياته، وما روي عنها من خمس عشرة فذاك في الكثير، وما روي عنها من السبع فذاك في القليل. الطريق السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة، والكل رجال مسلم. والحديث أخرجه الجماعة غير ابن ماجه: فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلي آخره نحوه سواء. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (٤): عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك. والنسائي (٥): عن محمَّد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك ... إلى آخره. قوله: "فلا تسأل عن حسنهن" معناه أنهن في غاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال عنه والوصف. قوله: "أتنام" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي" هذا من خصائص الأنبياء ﵈، وقد تأوله بعضهم على أن ذلك كان غالب أمره وقد ينام نادرًا؛ لحديث الوادي "فلم يعلم بفوات الصبح حتى طلعت الشمس"، ومنهم من قال: لا يستغرقه النوم حتى

стр. 2285

يكون منه الحدث، ومنهم من قال: يوم الوادي إنما نامت عيناه فلم يرَ طلوع الشمس، وطلوعها إنما يدرك بالعين لا بالقلب، وقيل: لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه. والصواب الأول. قوله: "فيحتمل هذا الحديث ... " إلى آخره، إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين حديث أبي سلمة عن عائشة هذا، وبين أحاديثه التي تقدمت؛ لأن بينها تضادًّا ظاهرًا؛ لأنه في الأحاديث المذكورة: "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة". وفي هذا الحديث: "ما كان النبي ﵇ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة". بيان ذلك من وجهين: أحدهما: أن قولها: "يصلي ثلاثًا" يحتمل أن يكون ﵇ كان يوتر بإحدى ركعتين من الثمان ركعات، ثم يصلي الركعتين الباقيتين من الثلاث وهما الركعتان اللتان ذكرهما أبو سلمة في حديثه السابق أنه كان يصليهما وهو جالس وفي ذلك أن الركعة الواحدة من الثلاث التي في قولها: "ثم يصلي ثلاثًا" تضاف إلى الركعتين من الثمان ركعات التي صلاها ﵇ أربعًا أربعًا، فتصير هذه الركعة مع الثنتين منها وترًا، ثم تُجعل الركعتان اللتان بقيتا من الثلاث عوض الركعتين اللتين ذكرهما أبو سلمة في حديثه الآخر أنه ﵇ كان يصليهما وهو جالس، فالجملة إحدى عشرة ركعةً، وتضاف إليها ركعتا الفجر فصارت ثلاث عشرة ركعةً، فاتفق هذا الحديث والأحاديث التي قبله. قوله: "اثنتين" مفعول لقوله: "يوتر بإحداهن". قوله: "من الثمان" في محل النصب؛ لأنه صفة لقوله: "اثنتين" والتقدير: يجعل إحداهن وترًا مع الاثنتين الكائنتن من الثمان، فافهم. والوجه الثاني: وهو الأوجه والأصوب: أن قولها: "ثم يصلي ثلاثًا" تكون كلها وترًا؛ وذلك لأنها قد فصَّلت بكلامها صلاته ﵇ حيث قالت: "فكان يصلي أربعًا ثم يصلي أربعًا" ثم وصفت كل ذلك بالحسن والطول، ثم قالت: "ثم يصلي ثلاثا"

стр. 2286

ولم تصف هذه الثلاث بشيء من ذلك وإنما جمعتها بالذكر، فدلَّ ذلك على أنهما الوتر، فيكون جميع ما صلاه: إحدى عشرة ركعةً وتضاف إليها الركعتان الخفيفتان اللتان ذكرهما سعد بن هشام في حديثه عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم صلى ... "، فحينئذٍ تكون الجملة ثلاث عشرة ركعة، فتتفق الأحاديث كلها ويرتفع الخلاف، وتضاف إليها الركعتان اللتان كان ﵇ يصليهما وهو جالس بعد ما بدَّن، فحينئذٍ أيضًا تكون الجملة ثلاث عشرة ركعة، وهذا أشبه بروايات أبي سلمة؛ لأن جميع رواياته تُخبر عن صلاة النبي ﵇ بعد ما بدَّن وأسنَّ فحينئذٍ إضافة هاتين الركعتين اللتين كان يصليهما وهو جالس إلى تلك الإحدى عشرة يكون أنسب وأشبه من إضافة تلكما الركعتين الخفيفتين اللتين كان يصليهما إذا قام من الليل. وهذا الذي ذكره الطحاوي أجود وأحسن من الذي ذكره بعض المحدثين والفقهاء أن هذا الاضطراب عن عائشة باعتبار الغالب والنادر، وباعتبار اتساع الوقت وضيقه، ومن قول بعضهم أيضًا: إن هذا الاختلاف من الرواة، وكل ذلك ليس بشيء، بل القول ما قاله: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام وفي هذا الحديث من الأحكام: أن فيه دليلًا للجمهور في أن تطويل القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، ويؤيده أيضًا ما رواه عبد الله الحُبْشي الخثعمي: "أن رسول الله ﵇ سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام". أخرجه أبو داود (١). وروى جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ أنه قال: "أفضل الصلاة طول القنوت".

стр. 2287

وأخرجه مسلم (١). أراد به طول القيام. وفيه حجة لأبي حنيفة أن التنفل بالليل أربع ركعات بتسليمة واحدة. وفيه دليل على أن الوتر ثلاث ركعات، وهو حجة لأصحابه. ص: وقد روي عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵃ ما قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يُصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين". فهذا يحتمل أن يكون على صلاته قبل أن يبدِّن فيكون ذلك هو جميع ما كان يصليه مع الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاته، ويحتمل أن يكون على صلاته بعد ما بدَّن فيكون ذلك على إحدى عشرة ركعة منها تسع فيها الوتر وركعتان بعدهما وهو جالس على ما في حديث أبي سلمة، وعلى ما في حديث سعد بن هشام وعبد الله بن شقيق، غير أن مالكًا ﵀ روى هذا الحديث فزاد فيه شيئًا. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو بن الحارث وابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، أخبرهم عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، ويسجد بسجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج معه". بعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث.

стр. 2288

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث أن جميع ما كان يصليه بعد العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، فقد عاد ذلك إلى حديث أبي سلمة، وعلمنا به أن تلك الصلاة هي صلاته بعد ما بدّن، وأما قولها ﵄: "يُسلّم بين كل ركعتين" فإن ذلك يحتمل أن يكون كان يسلم بين كل ركعتين في الوتر وغيره، فثبت بذلك ما يَذهَبُ إليه أهل المدينة من التسليم بين الشفع والوتر، ويَحْتملُ أن يكون كان يُسَلم بين كل ركعتين من ذلك غير الوتر ليتفق ذلك وحديث سعد بن هشام ولا يتضادّان، مع أنه قد روي عن عروة في هذا خلاف ما رواه الزهري عنه، فمن ذلك: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يُصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين". فهذا خلاف ما في حديث ابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث ويونس، عن الزهري، عن عروة، فذلك يحتمل أن تكون الركعتان الزائدتان في هذا الحديث هما الركعتان الخفيفتان اللتان ذكرهما سعد بن هشام في حديثه، وليس في ذلك دليل على وتره كيف كان. فنظرنا في ذلك؛ فإذا ابن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يوتر بخمس وبسبع". حدثنا روحُ بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن هشام بن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بخمس سجدات، ولا يجلس بينها حتى يجلس في الخامسة، ثم يسلم".

стр. 2289

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ يوتر بخمسٍ لا يجلس إلا في آخرهن". فقد خالف ما رواه هشام ومحمد بن جعفر، عن عروة؛ ما روى الزهريّ من قوله: "كان يصلي إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة ويسلم في كل ركعتين". شَ: ذكر ما رواه عروة أيضًا عن عائشة في هذا الباب على اختلاف أحكامه، ويوفق بينه وبين ما روى غيره عن عائشة ﵄. فأخرج حديث عروة عن عائشة ﵂ من سبع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد ابن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة ﵂. وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، وأخرجه الجماعة (٢) أيضًا. قوله: "فهذا يحتمل أن يكون ... " إلى آخره، إشارة إلى بيان وجه التوفيق بينه وبين الروايات السابقة. بيان ذلك: أن حديث عروة هذا يحتمل وجهين: الأول: أن يكون هذا محمولًا على صلاته ﵇ قبل أن يبدِّن ويُسِنَّ، فيكون ذلك مع الركعتين اللتين كان يفتتح بهما صلاته إذا قام من الليل ثلاث عشرة ركعة. الثاني: أن يكون محمولًا على صلاته بعد ما بدَّن وأسنّ، فيكون ذلك على إحدى عشرة ركعة منها تسع ركعات، فيها الوتر ثلاث ركعات، وركعتان

стр. 2290

بعدهما، وهما اللتان كان يصليهما وهو جالس، فتكون الجملة إحدى عشرة ركعةً، ويُضاف إليها الركعتان اللتان كان يفتتح بهما صلاته إذا قام من الليل، فتكون الجملة ثلاث عشرة ركعة. قوله: "غير أن مالكًا روى هلما الحديث فزاد فيه شيئًا" وهو قوله: "فإذا فرغ منها ... " إلى آخره. وفيه من الفوائد: أن فيه دليلًا على استحباب الاضطجاع والنوم على الشق الأيمن، قالت الحكماء: وحكمته أنه لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب في جهة اليسار فيعلق حينئذٍ فلا يستغرق، وإذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة فيستغرق. وفيه استحباب صلاة ركعتي الفجر في بيته، وكذا سائر السنن والنوافل. الطريق الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن يونس بن يزيد الأيلي، وعمرو بن الحارث بن يعقوب المصري، ومحمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني، ثلاثتهم عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة أخبرته: "أن رسول الله ﵇ كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته -تعني بالليل- يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة". وأخرجه مسلم (٢): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن فيه زيادة وهي قوله: "من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العتمة- إلى الفجر".

стр. 2291

وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ونصر بن عاصم -وهذا لفظه- قالا: نا الوليد، ثنا الأوزاعي -وقال نصر: عن ابن أبي ذئب والأوزاعي- عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن يتصدع الفجر إحدى عشرة ركعةً، يُسلِّم من كل ثِنتين، ويوتر بواحدة، ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن بالأصلى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن". حدثنا (٢) سليمان بن داود المهْري، نا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب وعمرو ابن الحارث ويونس بن يزيد، أن ابن شهاب أخبرهم -بإسناده ومعناه- قال: "ويوتر بواحدة ويسجد سجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبيَّن له الفجر -وساق معناه وقال-: بعضهم يزيد على بعض". انتهي. أي بعض الرواة في هذا الحديث يزيد في قصة الحديث على بعض، وهو معنى قول الطحاوي أيضًا: بعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث. الطريق الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.

стр. 2292

ونا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -وهذا حديث أبي بكر- قالت: "كان النبي ﵇ يصلّي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلّم في كل اثنتين ويوتر بواحدة، ويسجد فيهن سجدةً بقدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن بين الأذان الأول من صلاة الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين". وأخرجه البزار في "مسنده": عن محمَّد بن المثنى، عن أبي عامر العقدي ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سندًا، ومتنه: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يسلم في كل سجدتين، ويوتر بواحدة". قوله: "ففي هذا الحديث ... " إلى آخره، [شارة] (١) إلى بيان التوفيق بين حديث عروة عن عائشة، وحديث أبي سلمة عن عائشة، وهو ظاهر. قوله: "وأما قولها: يُسلّم بين كل ركعتين ... " آخره، جوابٌ عما يقال: إن هذا الحديث صريح أنه كان يوتر بركعة واحدة؛ لأنه كان يسلم بين كل ركعتين، فيكون حجة على من يقول: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة. تقرير الجواب: أن قولها: "يُسلّم بين كل ركعتين" يحتمل مَعْنَييْن: الأول: مثل ما نقول لهم، وهو أن يكون كان يُسلّم بين كل ركعتين في الوتر وغيره من النفل الذي هو قبل الوتر، فيكون هذا دليلًا لما يذهب إليه أهل المدينة من التسليم بين الشفع والوتر وهم مثل مالك، وسعيد بن المسيب، والزهري، وغيرهم؛ فإن عندهم الوتر ثلاث ركعات ولكن بتسليمين كما بيّنا ذلك فيما مضى. الثاني: يحتمل أن يكون المراد من قولها: "يُسلّم بين كل ركعتين" غير الوتر وهذا الوجه أرجح؛ لأنا لو لم نحمله على هذا المعنى يقع بينه وبين حديث سَعْد بن هشام المذكور فيما مضى تضادٌّ؛ لأنه روي عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان

стр. 2293

لا يُسلّم في ركعتي الوتر"، والحمل على معنىً يوجب الاتفاق بين الأحاديث أولى وأجدر من الحمل على معنى يوجب التضاد والتناقض، فافهم. وقوله: "مع أنه روي عن عروة في هذا ... " إلى آخره جواب آخر عما قيل؛ تقريره: أن الزهري وإن كان قد روى عن عروة، عن عائشة: "أنه كان يُسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة"، فقد روى غيرُ الزهري، عن عروة، عن عائشة خلاف ما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ فإن هشام بن عروة روى عن أبيه عروة، عن عائشة: "أنه ﵇ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين". أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأخرجه أبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وهذا هو الطريق الرابع. قوله: "فهذا خلاف ما في حديث ابن أبي ذئب" أي هذا الحديث الذي رواه مالك، عن هشام، عن عروة، عن عائشة خلاف ما في حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وعمرو بن الحارث المصري، ويونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة. ووجه الخلاف: أن حديث عروة عن عائشة هذا يدل على أن جميع صلاته كانت خمس عشرة ركعة على ما لا يخفى، وأحاديث هؤلاء تدل على أن جميعها ثلاث عشرة ركعة. ثم أشار إلى وجه التوفيق بقوله: فذلك يحتمل أن تكون الركعتان الزائدتان في هذا الحديث -يعني حديث عروة عن عائشة- هما الركعتان الخفيفتان اللتان ذكرهما سعد بن هشام في حديثه، فحينئذٍ تكون هاتان الركعتان داخلتين في جملة ثلاث

стр. 2294

عشرة ركعة، ولكن ليس في حديث عروة، عن عائشة هذا دليل على كيفية وتره ﵇ لأنه لم يبيِّن فيه شيئًا. فنظرنا في ذلك فوجدنا هشام بن عروة قد روى عن أبيه عروة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يوتر بخمس، وبسبع". أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن هشام. وأخرجه مسلم (١) أيضًا: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة نحوه. وهذا هو الطريق الخامس. والطريق السادس: عن روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يونس، ثنا ليث، عن هشام، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بخمس سجدات لا يجلس بينهن حتى يجلس في الخامسة، ثم يسلِّم". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا موسى بن إسماعيل، نا وُهَيب، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يُوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيُسلِّم". الطريق السابع: إسناده صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن يونس بن بكير الكوفي الجمال عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير بن العوام، عن عروة، عن عائشة.

стр. 2295

وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، حدثني محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يُصلِّي ثلاث عشرة ركعةَ بركعتَيْه قبل الصبح، يصلي ستًّا مثنى مثنى، ويوتر بخمسٍ لا يقعد بينهن إلا في آخرهن". وأخرجه النسائي (٢): عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن". قوله: "فقد خالف ما رواه هشام ومحمد بن جعفر، عن عروة ما روى الزهري"، أي خالف ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وما رواه محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة؛ ما رواه محمَّد بن مسلم الزهري؛ لأن في رواية الزهري: "كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ويُسلّم بين كل ركعتين" وفي رواية هؤلاء: "لا يجلس إلا في الخامسة"، و"أنه يوتر بخمس وبسبع"، وهذه مخالفة ظاهرة؛ فحينئذٍ حصل الاضطراب فيما روي عن عروة، عن عائشة في صفة وتر النبي ﵇، فإذا كان كذلك يرجع في ذلك إلى ما روى غير عروة عن عائشة، أشار إلى ذلك بقوله: ص: فلما اضطرب ما روي عن عروة في هذا عن عائشة من صفة وتر النبي- ﵇ لم يكن فيما رَوَى عنها في ذلك حجة، فرجعنا إلى ما رَوَى عنها غيرُه، فنظرنا في ذلك فإذا علي بن عبد الرحمن قد حدثنا، قال: ثنا عبد الغفار بن داود، قال: ثنا موسى ابن أعين، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي ﵇

стр. 2296

كان يوتر بتسع ركعات" (١). حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يوتر بتسْع، فلما بلغ سنًّا وثقل؛ أوتر بسبع". حدثنا أبو أيوب عبد الله بن عبيد بن عمران بن خلف الطبراني، قال: ثنا محمَّد ابن عبد الله بن نمير، قال: ثنا ابن فُضَيل، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة ﵂، مثله. ففي هذا الحديث كان وتره تسعًا؛ إلا أن فهدًا قد حدثنا، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يُصلي من الليل تسع ركعات". ففي هذا الحديث أن تلك التسع هي صلاته التي كان يصليها في الليل، فخالف هذا ما قبله من حديث الأسود، واحتمل أن يكون جميع ما قد سمّاه وترًا هو جميع صلاته التي فيها الوتر؛ والدليل على ذلك ما في حديث يحيى بن الجزار: "أنه كان يُصلي قبل أن يضعف تسعًا؛ فلما بلغ سنًّا صلى سبعًا". فوافق ذلك ما رواه سعد بن هشام في حديثه من الثمان التي كان يصليهن أولًا، ويوتر بواحدة، فلما بدّن جعل تلك الثمان ستًّا وأوتر بالسابعة، فدلّ هذا على أنه سمّى جميع صلاته في الليل -التي كان فيها الوتر- وترًا؛ حتى تتفق هذه الآثار ولا تتضادّ. ش: أي لما وقع الاضطراب في رواية عروة عن عائشة في صفة وتر النبي ﵇ لم يكن فيما روى عروة عنها حجة لأحد، فوجب الرجوع في ذلك إلى ما رواه غير عروة

стр. 2297

عن عائشة، فنظرنا في ذلك؛ فوجدنا الأسود بن يزيد النخعى قد روى عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يوتر بتسع ركعات". أخرجه بإسناد صحيح: عن علي بن عبد الرحمن بن المغيرة الكوفي المصري، المشهور بعلان، قال ابن أبي حاتم: صدوق. عن عبد الغفار بن داود بن مَهران الحراني شيخ البخاري، عن موسى بن أعين الجزري أبي سعيد الحراني، روى له الجماعة سوى الترمذي، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة. وأخرجه النسائي نحوه (١). ووجدنا مسروق بن الأجدع ويحيى بن الجزار كلاهما قد رويا عن عائشة نحوه. أخرج حديث مسروق بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سهل بن بكار بن بشر الدارمي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح -بضم الصاد- الهمداني الكوفي، عن مسروق، عن عائشة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن معمر، نا يحيى بن حماد، نا أبو عوانة، عن سُلَيمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بتسع". وأخرج حديث يحيى أيضًا بإسناد صحيح: عن عبد الله بن عبيد الطبراني، عن محمد بن عبد الله بن نمير الكوفي الحافظ شيخ البخاري وغيره، عن محمد بن فصل بن غزوان الضبي شيخ أحمد، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي، عن يحيى بن الجزار -بالجيم بعدها الزاي المعجمة وفي آخرها راء مهملة- العُرني الكوفي، عن عائشة.

стр. 2298

وأخرجه النسائي (١): أنا أحمد بن سليمان، قال: نا حسين، عن زائدة، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن يحيى بن الجزار، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل تسعًا، فلما أسنّ وثقل صلى سبعًا". قوله: "ففي هذا الحديث وتره كان تسعًا" أشار به إلى حديث عائشة الذي رواه عنها الأسود ومسروق ويحيى بن الجزار، وهذا يخالف ما رواه عروة عن عائشة: "أنه كان يوتر بخمس، وبسبع"، ويخالف أيضًا حديث الأسود الذي رواه علي بن عبد الرحمن عن عبد الغفار، عن موسىل بن أعين، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، وحديث الأسود أيضًا الذي رواه فهد، عن الحسن بن الربيع بن سليمان القسري الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي روى له الجماعة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود. وأخرجه النسائي أيضًا (٢): أنا هناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن الأعمش أراه عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل تسع ركعات". بيان الخلاف: أن في رواية علي بن عبد الرحمن: "كان يوتر بسبع ركعات"، وفي رواية فهد: "كان يصلي من الليل تسع ركعات"، ثم وفق الطحاوي بينهما بقوله: واحتمل أن يكون جميع ما قد سماه وترًا هو جميع صلاته التي فيها الوتر؛ من باب إطلاق اسم الجزء على الكل؛ لأن الوتر هو ثلاث ركعات من التسع، والباقي وهو الست نفلٌ، ثم قال: والدليل على ذلك: أن على هذا الإطلاق ما في حديث يحيى بن الجزار، والباقي ظاهر.

стр. 2299

وقال النووي: دلَّت الروايات على أن الوتر ليس مخصوصًا بركعة واحدة ولا بإحدى عشرة، ولا بثلاث عشرة، بل يجوز ذلك وما بينه، وأنه يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة، وهذا لبيان الجواز وإلا فالأفضل التسليم من كل ركعتين. قلت: قد مرَّ أن بين بعض الروايات مخالفة، وفي بعضها اضطراب، ورواية العامة: "كان يوتر بثلاث"، والأخذ بها أولى؛ على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. ص: غير أنَّا لم نقف بَعدُ على حقيقة الوتر إلا في حديث زرارة بن أوفى، عن سَعْد بن هشام خاصةً، فنظرنا هل في غير ذلك دليل على كيفية الوتر أيضًا كيف هي؟ فإذا حُسَيْن بن نصر قد حدثنا، قال: ثنا سعيدُبن عُفَيْر، قال: أنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في الركعتين اللتين كان يوتر بعدهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ويقرأ في التي في الوتر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (٤) و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (٥) ". وحدثنا بكر بن سهل الدمياطي، قال: ثنا شعيب بن يحيى، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يوتر بثلاث؛ يقرأ في أول ركعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) والمعوذتين (٦) ".

стр. 2300

فأخبرت عمرة عن عائشة في هذا الحديث بكيفية الوتر كيف كانت، ووافقت على ذلك سعد بن هشام، وزاد عليها سَعدٌ: "أنه كان لا يسلم إلا في آخرهن". حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا صفوان بن صالح، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن إسماعيل بن عياش، عن محمَّد بن يزيد الرحبي، عن أبي إدريس، عن أبي موسى، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في وتره في ثلاث ركعات ﴿قُل هُوَ اللهُ أحَد﴾ والمعوذتين". فقد وافق هذا الحديث أيضًا ما روى سعد وعمرة. ش: أراد بذلك أن الأحاديث التي رُويت عن عائشة فيما مضى في باب الوتر ليس فيها ما يوقف به على حقيقة الوتر إلا في حديث زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ لا يُسلِّم في ركعتي الوتر"؛ فإنه صريح على أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة وقعدتين، فوجدنا أيضًا قد روي عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وأبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس، كلاهما رويا عن عائشة ما يوافق حديث زرارة عن سعد، عن عائشة. أما حديث عمرة فقد أخرجه من طريقين: الأول: إسناده صحيح، عن حسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال ابن يونس: كان ثقة ثبتًا. عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري روى له الجماعة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني روى له المجاعة، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية روى لها الجماعة، عن عائشة ﵂. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو حاتم الرازي، نا سعيد بن عفير، ثنا يحيى بن أبيوب، عن يحيى بن سعد، عن عمرة ... إلى آخره نحوه.

стр. 2301

أخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (١)، وأخرجه الترمذي (٢) معلقًا. الثاني: عن بكر بن سهل بن إسماعيل بن نافع الدمياطي شيخ الطبراني، وفي "الميزان" (٣): حمل الناس عنه وهو مقارب الحال. عن شعيب بن يحيى بن السائب التجيبي العبادي -والعباد بطن من السكون- أبي يحيى المصري، قال أبو حاتم: شيخ ليس بالمعروف. وروى له النسائي. عن يحيى بن أيوب الغافقي ... إلى آخره وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الله بن أحمد بن شبُّوية المروزي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في الوتر في الركعة الأول بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤) وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٥) , وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٦) ". وأما حديث أبي موسى فأخرجه عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ شيخ الشام في وقته وشيخ أبي داود والطبراني أيضًا، عن صفوان بن صالح بن صفوان الثقفي مؤذن المسجد الجامع بدمشق شيخ أبي داود، وقال: هو حجة. وروى له بقية الأربعة ابن ماجه في "التفسير". عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، قال الفسوي: تكلم فيه قوم، وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث أهل الشام. وقال دُحَيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن الحجازيين. وروى له الأربعة.

стр. 2302

عن محمَّد بن يزيد الرحبي الدمشقي، قال الذهبي: لم أر لهم فيه كلامًا. عن أبي إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني العَوْذي روى له الجماعة، عن أبي موسى الأشعري، عن عائشة ﵂ وأخرجه (١). ص: وحدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، قال: "قلت لعائشة ﵂: بكم كان النبي ﵇ يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة". ففي هذا الحديث ذكرُها لما كان يصليه في الليل من التطوع وتسميتها إياه وترًا، إلا أنها قد فصَّلت بين الثلاث وبين ما ذكرت معها, وليس ذلك إلا لأن الثلاث كان لها معنى بائن من معنى ما كان قبلها، فدل ذلك على معنى حديث الأسود ومسروق يحيى بن الجزار، عن عائشة ﵂ أنه كذلك. والدليل على ذلك أيضًا ما روي عنها من قولها: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن عبد الحميد ابن جبير بن شيبه، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ قالت: "الوتر سبع أو خمس، والثلاث بتراء". فكرهت أن يجعل الوتر ثلاثًا لم يتقدمهن شيء حتى يكون قبلهن غيرهن، فلما كان الوتر عندها أحسن ما يكون هو أن يتقدمه تطوع إما أربع واما اثنتان، جمعت بذلك تطوع النبي ﵇ في الليل الذي صلح به الوتر الذي بعدها أوْتر فسمت ذلك وترًا، إلا أنه قد ثبت في جملة ذلك عندنا أن الوتر ثلاث، فثبت من روايتها عن النبي ﵇ ما رواه عنها سعد بن هشام لموافقة قولها من رأيها إياه، فثبت بذلك أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن، غير أن ما رواه هشام بن عروة، عن

стр. 2303

أبيه في ذلك: "أن النبي ﵇ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن" لم نجد له معنى، وقد نقلت العامة عن أبيه، وعن غيره، عن عائشة بخلاف ذلك؛ فما روته العامة أولى مما رواه هو وحده وانفرد به. ش: ذكر هذا الحديث أيضًا لبيان حقيقة الوتر، وأنه ثلاث ركعات، بيان ذلك: أن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ يوتر بأربع وثلاث، ثمان وثلاث، وعشر وثلاث" فقد ذكرت فيه ما كان يصليه ﵇ في الليل من التطوع، وسمَّت الجميع وترًا على إطلاق اسم الجزء على الكل؛ لأن الكل ليس بوتر وإنما الوتر منه ثلاث ركعات؛ ولهذا فصلت بين الثلاث والأربع، والثلاث والثمان، والثلاث والعشر، ولو لم يكن معنى الثلاث مباينًا لمعنى ما كان قبله لما فصلت بهذا التفصيل، فثبت بذلك أن الوتر هو الثلاث. ودلَّ ذلك أيضًا على أن معنى حديث الأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، يحيى بن الجزار كذلك، وقد مرَّ فيما مضى أحاديثهم أن النبي ﵇ كان يوتر بتسع، فيكون معناه على معنى الحديث المذكور: "كان يوتر بستٍّ وثلاث" فتكون الثلاث وترًا، وما قبله من الستّ نفلًا. ثم الذي يفهم من حديث عائشة ﵂ شيئان: الأول: أن الثلاث الذي هو وتر يمتاز عما ذكر قبله من الأربع والثمان والعشر. والثاثى: أنها أطلقت على الكل وترًا؛ لأنها كانت تكره أن تجعل الوتر ثلاثًا من غير أن يتقدمهن شيء، فلهذا قالت من قولها: "الوتر سبع أو خمس، والثلاث بتراء" أي الوتر سبع ركعات، أو خمس ركعات، ولكن المراد أن الثلاث منه هو الوتر وما قبله -من الأربع في السبع، ومن الركعتين في الخمس- نفل وتطوع، وكان الأحسن عندها في الوتر أن يكون قد تقدمه شيء من التطوع، فلذلك قالت: "الثلاث بتراء" أي الثلاث ركعات التي لا يتقدمهن شيء من التطوع بتراء وإن كانت هي وترًا, ولذلك المعنى أيضًا جمعت تطوع النبي ﵇ مع وتره وأطلقت على الكل وترًا حيث قالت:

стр. 2304

"كان يوتر بأربع وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث"، ولكن ثبت في ضمن هذا الكلام أن الوتر ثلاث ركعات؛ فحينئذٍ ثبت ما رواه سعد بن هشام عنها عن النبي ﵇ "أنه كان لا يسلم في ركعتي الوتر"؛ وذلك لأن قولها من رأيها: "والثلاث بتراء" يدل على أنه يوافق ما رواه سعد عنها عن النبي ﵇. فثبت بمجموع ذلك أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في آخرها. فإن قيل: يعارض ما ذكرتم ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه في ذلك: "أن النبي ﵇ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن". قلت: أجاب عنه الطحاوي بقوله: غير أن مما رواه ابن عروة، عن أبيه ... إلى آخره، وهو ظاهره. ثم إسناد حديث بحر بن نصر صحيح، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني أبو عبد الله المصري شيخ أبي عوانة الإسفراييني، وثقه يونس بن عبد الأعلى. وعبد الله بن وهب المصري روى له الجماعة، ومعاوية بن صالح بن حدير المزني الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله بن أبي قيس -ويقال: ابن قيس، والأول أصح- أبو الأسود النصري -بالنون- الشامي الحمصي روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن بن معاوية، عن عبد الله ابن أبي قيس، قال: "سألت عائشة ﵂: بكم كان رسول الله ﵇ يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ولا أنقص من سبع، وكان لا يدع ركعتين". قوله: "كان يوتر بأربع وثلاث" أي بأربع ركعات وثلاث ركعات، والمعنى كان يتطوع بأربع ركعات ثم يوتر بثلاث ركعات، ولكنها أطلقت على الكل وترًا لما

стр. 2305

ذكرنا من المعنى، وكذا معنى قولها: "وثمان وثلاث" أي ثمان ركعات تطوع وثلاث ركعات وتر، فالجملة إحدى عشرة، وقولها: "وعشر وثلاث" أي وعشر ركعات تطوع وثلاث ركعات وتر. فإن قيل: إذا كان المراد من هذا تطوعه ﵇ مع الوتر، وقد كان تطوعه ﵇ في الليل -فيما ذكر في الأحاديث السابقة- ثلاث عشرة ركعةً، فكيف يكون التوفيق بينه وبين تلك الأحاديث؛ لأن المذكور في هذا الحديث سبع ركعات وإحدى عشرة ركعة؟ قلت: يمكن أن يقال في قولها: "بأربع وثلاث" أن يكون هذا خلاف ما كان ﵇ يصليه من ركعتن خفيفتين إذا افتتح صلاته حين يقوم من الليل، وخلاف الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس، فيصير الجملة إحدى عشرة ركعة، ويضاف إليها ركعتا الفجر فتصير ثلاث عشرة ركعة، وقد جاء إضافة ركعتي الفجر إلى تطوعه ووتره بالليل كما في حديث أبي سلمة، عن عائشة: "كانت صلاته في رمضان وغيره سواء ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر"، وقد مر في هذا الباب، وكما في حديث القاسم بن محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة ويسجد سجدتي الفجر؛ فذلك ثلاث عشرة ركعة". أخرجه أبو داود (١). وفي رواية له (٢): "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر". وأما في قولها: "وثمان وثلاث" أن يكون هذا خلاف الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الوتر، فتكون الجملة ثلاث عشرة ركعةً. وأما في قولها: "وعشر وثلاثٍ" أي عشر ركعات تطوع وثلاث وتر، فالجملة ثلاث عشرة ركعة.

стр. 2306

ثم إسناد حديث أحمد بن داود المكي صحيح أيضًا على شرط مسلم. وابن أبي عمر هو محمَّد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه. وسفيان هو الثوري. وعبد الحميد بن جبير بن شيبة بن عثمان المكي روى له الجماعة. قوله: "بتراء" فعلاء تأنيث أبتر من البتر، وهو القطع، وإنما قالت: "والثلاث بتراء" لما ذكرنا أن أحسن ما يكون من الوتر عندها أن يكون قد تقدمه شيء من النفل إما أربع أو ركعتان. وقال ابن أبي شيبة في مصنفه (١): حدثنا عباد بن العوام، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن عائشة قالت: "لا توتر بثلاث بتراء، صلِّ قبلها ركعتين أو أربعًا". فعلم من هذا أن معنى قولها: "والثلاث بتراء" أي مقطوعة، وهو إنما يكون إذا لم يتقدمها شيء، لا لكون أن الإيتار بالثلاث مكروه لكونه بتراء، فافهم فإنه موضع خفيّ معناه، قد صَعُب على كثير من الأغبياء الذين تسلقوا به إلى القول بكراهة الإيتار بثلاث ركعات، وآفة سُقْم الأذهان تلجئ الأغبياء إلى أكثر من ذلك. ص: وقد رويت عن عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في ذلك آثار يعود معناها أيضًا إلى المعنى الذي عاد إليه معنى حديث عائشة ﵂، فمن ذلك: ما حدثنا ابن مرزوق وأبو بكرة، قالا: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس قال: "كان النبي ﵇ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعةً". حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس: "أنه بات عند خالته

стр. 2307

ميمونة ﵄، فقام النبي ﵇ يصلي من الليل، فقمتُ، فتوضأت، ثم قمتُ عن يساره، فجذبني فأدارني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة؛ قيامه فيهن سواء". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كُهَيل، قال: سمعت كُرَيبًا يحدث عن ابن عباس فذكر مثله، وقال: "فتكاملت صلاة النبي ﵇ ثلاث عشرة ركعة". فقد اتفق هذا الحديث وحديث عائشة في جملة صلاته أنها كانت ثلاث عشرة ركعةً، إلا أنه لا تفصيل في حديث ابن عباس، فأردنا أن ننظر؛ هل رُوي عن ابن عباس في تفصيل ذلك شيء؟ فنظرنا في ذلك، فإذا علي بن معبد قد حدثنا، قال: (١) ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: "أمرني العباس أن أبيت بآل النبي ﵇ وتقدم إليّ: أن لا تنام حتى تحفظ لي صلاة رسول الله ﵇ قال: فصليت مع النبي ﵇ العشاء، ثم نام، ثم قام فبال، ثم توضأ، ثم صلى ركعتين ليستا بطويلتين ولا بقصيرتين، ثم عاد إلى فراشه، ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه، ثم استوى، وفعل مثل ذلك حتى صلَّى ستّ ركعات، وأوتر بثلاث". حدثنا أحمدُ بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: ثنا أبي، عن ابن عباس مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني حُصَين، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه قال: "ثم أوتر"، ولم يقل: "بثلاثٍ".

стр. 2308

فأخبر علي بن عبد الله بن عباس بوتر النبي ﵇ كيف كان في صلاته تلك وأنه ثلاثٌ، وخالف أبا جمرة وعكرمة بن خالد وكريبًا في عدد التطوع. ش: أشار بهذا إلى أنه رويت أحاديث عن عبد الله بن عباس في صلاته ﵇ من الليل، إذا كشفت يكون معناها كمعنى أحاديث عائشة المذكورة فيما مضى. ثم أخرج عن أبي جمرة، وعكرمة بن خالد، وكريب، عن ابن عباس: "أنه ﵇ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة". أما حديث أبي جمرة فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، وأبي بكرة بكار القاضي، كلاهما عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- اسمه نصر بن عمران الضُّبَعي البصري، عن ابن عباس. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة، قال: حدثني أبو جمرة، عن ابن عباس قال: "كان صلاة النبي ﵇ ثلاث عشرة ركعة، يعني بالليل". وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. وأما حديث عكرمة: فأخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن معلى بن أسد العمّي البصري شيخ البخاري، عن وُهَيب بن خالد البصري روى له الجماعة، عن عبد الله بن طاوس روى له الجماعة، عن عكرمة بن خالد بن العاص المكي، روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عبد الله بن عباس. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا عبد الله ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ قام من الليل يصلي، فقمت فتوضأت، فقمت عن يساره فجرني فأقامني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة قيامه فيهن سواء".

стр. 2309

وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) أيضًا. ويستفاد منه أحكام: فضيلة قيام الليل، والإمام إذا كان معه واحد يقيمه عن يمينه، والمستحب تسوية القراءة في ركعات النفل، وجواز إقامة النفل مع الجماعة، واستحباب ذلك في البيوت والمنازل. وأما حديث كريب فأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن كريب ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٣): ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت كريبًا بن أبي مسلم يحدث، عن ابن عباس قال: "بتُّ في بيت خالتي ميمونة، فرقَبتُ رسول الله ﵇، قال: فنام ثم استيقظ فغسل وجهه وكفيه ثم نام، ثم استيقظ فقام إلى قربة فحل شناقها -يعني رباطها- ثم صب في جفنة -أو قصعة- فغسل كفيه ووجهه وتوضأ وضوءًا حسنًا بين الوضوءين، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره فأقامني عن يمينه، "فتكاملت صلاة رسول الله ﵇ ثلاث عشرة ركعة، وكان يقول في سجوده -أو قال في صلاته، شك شعبة-: اللهم اجعل في سمعي نورًا، وفي قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، واجعلني نورًا- أو اجعل لي نورًا، شك شعبة- ثم نام حتى نفخ، وكنا نعرف نومه بنفخه، ثم خرج إلى الصلاة".

стр. 2310

وحديث ابن عباس أخرجه الجماعة (١) مطولًا ومختصرًا. قوله: "فقد اتفق هذا الحديث" أي حديث ابن عباس الذي رواه عنه أولئك الثلاثة، وحديث عائشة ﵂ المذكور فيما مضى؛ في جملة صلاته أنها كانت ثلاث عشرة ركعة، غير أنه لا تفصيل في حديث ابن عباس هذا كما جاء التفصيل في حديث عائشة، فنظرنا فيه هل نجد عنه حديثًا فيه تفصيل كما في حديث عائشة؟ فوجدنا علي بن عبد الله بن عباس قد روى عن أبيه عبد الله بن عباس حديثًا فيه تفصيل كما في حديث عائشة. أخرج ذلك من ثلاث طرق صحاح. الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري شيخ النسائي أيضًا، عن شبابة بن سوار الفزاري أبي عمرو المدائني، عن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي، عن علي بن عبد الله بن عباس روى له الجماعة، البخاري في غير الصحيح. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا يونس بن أبي إسحاق، ثنا المنهال بن عمرو، ثنا علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: "أمرني العباس بن عبد الملطلب قال: بِتْ إلى رسول الله ﵇، فانطلقت إلى المسجد، فصلى رسول الله ﵇ بالناس صلاة العشاء الآخرة، ثم صلى بعدها حتى لم يبق في المسجد أحدٌ غيري، قال: ثم مرَّ بي فقال: من هذا؟ قلت: عبد الله. قال: فمَهْ؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة، قال: فالْحَقْ. قال: فلما انصرف دخل فقال: أفرشوا عبد الله، فأُتيتُ بوسادة من منسوج، قال: وتقدم إليّ العباس: لا تنام حتى تحفظ صلاته. قال: فتقدم رسول الله ﵇ فنام حتى سمعت غطيطه،

стр. 2311

فاستوى على فراشه، فرفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) ثم قام ثم استن بسواكه وتوضأ, ثم دخل في مصلاه فصلى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين، ثم عاد إلى فراشه فنام حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه ففعل كما فعل في المرة الأولى، ثم استن بسواكه، ثم توضأ, ثم في خل مصلاه فصلى ركعتين ليستا بطويلتن ولا قصيرتين، ثم عاد إلى فراشه فنام حترل سمعت غطيطه، ثم استو ى على فراشه ففعل كما فعل، ثم صلي ثم أوتر، فلما قضى صلاته سمعته يقول: اللهم اجعل في بصري نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في لساني نورًا، واجعل في قلبي نورًا، واجعل عن يميني نورًا، واجعل عن شمالي نورًا، واجعل لي من أمامي نورًا، واجعل من خلفي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، واجعل من أسفلي نورًا، واجعل لي يوم القيامة نورًا، وأعظم لي نورا". قوله: "أن أبيت بآل النبي ﵇" أي بأهله، أراد به أن يبيت في بيت النبي ﵇؛ ليحفظ صلاته، كيف يصلي؟ قوله: "غطيطه" وهو صوت يخرجه النائم مع نفسه، والخطيط -بالخاء المعجمة- قريب من الغطيط، والغين والخاء المعجمتان متقاربتان في المخرج، يقال: خط في نومه يخط: بمنزلة غط، وقال بعضهم: الخطيط -بالخاء- لا يعرف. فإن قيل: كيف يتفق هذا الحديث مع حديث عائشة في كون صلاته ﵇ ثلاث عشرة ركعة؟ قلت: يتفق معه لأن فيه ركعتين أولًا، ثم ست ركعات، ثم الوتر ثلاث ركعات، فالجملة إحدى عشرة ركعة، ويضاف إليها ركعتا الفجر فصارت الجملة ثلاث عشرة ركعة.

стр. 2312

الطريق الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن حصين بن عبد الرحمن السُّلَمي، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه علي بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس. ورجاله كلهم ثقات. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا هشام بن عبد الملك، نا أبو عوانة، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، أنه حدثه محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: حدثني ابن عباس: "أنه بات عند النبي ﵇ , فاستيقظ من الليل فأخذ سواكه فاستاك به، ثم توضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) حتى قرأ هذه الآيات، وانتهى عند آخر السورة، ثم صلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف حتى سمعت نفخة النوم، حتى استيقظ فاستاك وتوضأ, حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوتر بثلاث، فأتى بلال المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل في قلبي نورًا، واجعل أمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل عن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، اللهم عظِّم لي نورًا". الطريق الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السُّلَمِي، عن حبيب بن أبي ثابت ... إلى آخره. فذكر الحديث مثل المذكور غير أنه لم يقل: "ثم أوتر بثلاث"، بل قال: "ثم أوتر" فقط، فأخبر علي بن عبد الله بن عباس بوتر النبي ﵇ كيف كان في صلاته وعيّن أنه ثلاث، والرواية التي ليس فيها ذكر الثلاث محمولة على الرواية التي فيها ذكر الثلاث، فافهم.

стр. 2313

قوله: "وخالف أبا جمرة" أي خالف علي بن عبد الله في روايته عن أبيه؛ أبا جمرة نصر بن عمران وعكرمة بن خالد وكريبًا مولى ابن عباس، في عدد تطوعه ﵇ بالليل، وذلك لأن في رواية هؤلاء: "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة"، وفي رواية علي بن عبد الله: "إحدى عشرة ركعة"، وقد ذكرنا أنَّا إذا أضفنا إلى هذه ركعتي الفجر تكون الجملة ثلاث عشرة ركعة، والله أعلم. ص: وأما سعيد بن جبير فروى عن ابن عباس ﵄ في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: عن ابن عباس (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "بتّ في بيت خالتي ميمونة ﵂، فصلى رسول الله ﵇ العشاء ثم جاء فصلى أربعًا، ثم قام قصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعمت غَطِيطَه -أو خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة". ففي هذا الحديث أنه صلى إحدى عشرة ركعة، منها ركعتان بعد الوتر، فقد وافق علي بن عبد الله في التسع التي منها الوتر، وزاد عليه ركعتين بعد الوتر. ش: لمَّا روى أحاديث عن ابن عباس يرجع معناها إلى معنى أحاديث عائشة المذكورة في هذا الباب، وكان الرواة فيها عن ابن عباس أبا جمرة، وعكرمة بن خالد، وكريبًا أخرج أيضًا أحاديث عن ابن عباس من رواية سعيد بن جبير ﵁ موافقة لرواية علي بن عبد الله في أنه صلى التسع منها وتره، ولكنه زاد عليه في روايته ركعتين بعد الوتر. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح. الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

стр. 2314

وأخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بتّ في بيت خالتي ميمونة، فصلّى رسول الله ﵇ العشاء، ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فجئت فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصل خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه -أو قال: خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عَمرو العقدي، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، فصلى رسول الله ﵇ العشاء، ثم جاء فصل أربعًا، ثم نام، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره فأدارني فأقامني عن يمينه، فصلى خمسًا ثم نام حتى سمعت غطيطه -أو خطيطه- ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الغداة". الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن الحكم ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في الكبير (٣): ثنا يوسف القاضي، ثنا سليمان بن حرب (ح). وثنا أبو خليفة، ثنا أبو الوليد الطيالسي، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بتُّ عند خالتي ميمونة، فصلى النبي ﵇ العشاء، ثم جاء فصل أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فقال: أستيقظ الغلام؟ أقام الغليّم؟ فجئت فقمت عن يساره فحولني عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه -أو قال: خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة".

стр. 2315

ص: وقد روي عن سعيد بن جبير، ويحيى بن الجزار، عن ابن عباس ﵄ في وتر النبي ﵇ مفردًا ما يدل على أنه ثلاث؛ فمن ذلك: ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى الجزار، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا لوين، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﵇ فذكر مثله. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا لُوَيْن، قال: ثنا شريك، عن مخوَّل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ ثم ذكر مثله. فهذا فيه تحقيق ما رواه علي بن عبد الله عن أبيه من وتر رسول الله ﵇ أنه كان ثلاثًا. ش: لمَّا أخرج فيما مضى من حديث علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه من وتر رسول الله ﵇ أنه كان ثلاثًا حيث قال في روايته: "حتى صلَّى ستّ ركعات وأوتر بثلاث" أكد ذلك برواية سعيد بن جبير ويحيى بن الجزار عن ابن عباس في وتر النبي ﵇ مفردًا من دون ذكر تطوعه أنه ثلاث ركعات، فروايتهما عن ابن عباس أنه ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات بدون أن يُذكر معه نفل من صلاة الليل تدل على أنه ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات أيضًا -في رواية علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه- مع نفله وتطوعه من صلاة الليل. فأخرج ذلك من أربع طرق صحاح: الأول: على شرط مسلم، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي شيخ أحمد، عن أبي بكر النهشلي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن
следующие страницы →