فاستوى على فراشه، فرفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) ثم قام ثم استن بسواكه وتوضأ, ثم دخل في مصلاه فصلى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين، ثم عاد إلى فراشه فنام حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه ففعل كما فعل في المرة الأولى، ثم استن بسواكه، ثم توضأ, ثم في خل مصلاه فصلى ركعتين ليستا بطويلتن ولا قصيرتين، ثم عاد إلى فراشه فنام حترل سمعت غطيطه، ثم استو ى على فراشه ففعل كما فعل، ثم صلي ثم أوتر، فلما قضى صلاته سمعته يقول: اللهم اجعل في بصري نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في لساني نورًا، واجعل في قلبي نورًا، واجعل عن يميني نورًا، واجعل عن شمالي نورًا، واجعل لي من أمامي نورًا، واجعل من خلفي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، واجعل من أسفلي نورًا، واجعل لي يوم القيامة نورًا، وأعظم لي نورا".
قوله: "أن أبيت بآل النبي ﵇" أي بأهله، أراد به أن يبيت في بيت النبي ﵇؛ ليحفظ صلاته، كيف يصلي؟
قوله: "غطيطه" وهو صوت يخرجه النائم مع نفسه، والخطيط -بالخاء المعجمة- قريب من الغطيط، والغين والخاء المعجمتان متقاربتان في المخرج، يقال: خط في نومه يخط: بمنزلة غط، وقال بعضهم: الخطيط -بالخاء- لا يعرف.
فإن قيل: كيف يتفق هذا الحديث مع حديث عائشة في كون صلاته ﵇ ثلاث عشرة ركعة؟
قلت: يتفق معه لأن فيه ركعتين أولًا، ثم ست ركعات، ثم الوتر ثلاث ركعات، فالجملة إحدى عشرة ركعة، ويضاف إليها ركعتا الفجر فصارت الجملة ثلاث عشرة ركعة.
стр. 2312
الطريق الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن حصين بن عبد الرحمن السُّلَمي، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه علي بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس.
ورجاله كلهم ثقات.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا هشام بن عبد الملك، نا أبو عوانة، عن حصين، عن حبيب بن أبي ثابت، أنه حدثه محمَّد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: حدثني ابن عباس: "أنه بات عند النبي ﵇ , فاستيقظ من الليل فأخذ سواكه فاستاك به، ثم توضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) حتى قرأ هذه الآيات، وانتهى عند آخر السورة، ثم صلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف حتى سمعت نفخة النوم، حتى استيقظ فاستاك وتوضأ, حتى فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوتر بثلاث، فأتى بلال المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل في قلبي نورًا، واجعل أمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل عن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، اللهم عظِّم لي نورًا".
الطريق الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السُّلَمِي، عن حبيب بن أبي ثابت ... إلى آخره. فذكر الحديث مثل المذكور غير أنه لم يقل: "ثم أوتر بثلاث"، بل قال: "ثم أوتر" فقط، فأخبر علي بن عبد الله بن عباس بوتر النبي ﵇ كيف كان في صلاته وعيّن أنه ثلاث، والرواية التي ليس فيها ذكر الثلاث محمولة على الرواية التي فيها ذكر الثلاث، فافهم.
стр. 2313
قوله: "وخالف أبا جمرة" أي خالف علي بن عبد الله في روايته عن أبيه؛ أبا جمرة نصر بن عمران وعكرمة بن خالد وكريبًا مولى ابن عباس، في عدد تطوعه ﵇ بالليل، وذلك لأن في رواية هؤلاء: "كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة"، وفي رواية علي بن عبد الله: "إحدى عشرة ركعة"، وقد ذكرنا أنَّا إذا أضفنا إلى هذه ركعتي الفجر تكون الجملة ثلاث عشرة ركعة، والله أعلم.
ص: وأما سعيد بن جبير فروى عن ابن عباس ﵄ في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: عن ابن عباس (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "بتّ في بيت خالتي ميمونة ﵂، فصلى رسول الله ﵇ العشاء ثم جاء فصلى أربعًا، ثم قام قصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعمت غَطِيطَه -أو خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة".
ففي هذا الحديث أنه صلى إحدى عشرة ركعة، منها ركعتان بعد الوتر، فقد وافق علي بن عبد الله في التسع التي منها الوتر، وزاد عليه ركعتين بعد الوتر.
ش: لمَّا روى أحاديث عن ابن عباس يرجع معناها إلى معنى أحاديث عائشة المذكورة في هذا الباب، وكان الرواة فيها عن ابن عباس أبا جمرة، وعكرمة بن خالد، وكريبًا أخرج أيضًا أحاديث عن ابن عباس من رواية سعيد بن جبير ﵁ موافقة لرواية علي بن عبد الله في أنه صلى التسع منها وتره، ولكنه زاد عليه في روايته ركعتين بعد الوتر.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح.
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
стр. 2314
وأخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بتّ في بيت خالتي ميمونة، فصلّى رسول الله ﵇ العشاء، ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فجئت فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه، فصل خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه -أو قال: خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عَمرو العقدي، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، فصلى رسول الله ﵇ العشاء، ثم جاء فصل أربعًا، ثم نام، ثم قام يصلي، فقمت عن يساره فأدارني فأقامني عن يمينه، فصلى خمسًا ثم نام حتى سمعت غطيطه -أو خطيطه- ثم قام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الغداة".
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن الحكم ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في الكبير (٣): ثنا يوسف القاضي، ثنا سليمان بن حرب (ح).
وثنا أبو خليفة، ثنا أبو الوليد الطيالسي، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بتُّ عند خالتي ميمونة، فصلى النبي ﵇ العشاء، ثم جاء فصل أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فقال: أستيقظ الغلام؟ أقام الغليّم؟ فجئت فقمت عن يساره فحولني عن يمينه، فصلى خمس ركعات، ثم صلي ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه -أو قال: خطيطه- ثم خرج إلى الصلاة".
стр. 2315
ص: وقد روي عن سعيد بن جبير، ويحيى بن الجزار، عن ابن عباس ﵄ في وتر النبي ﵇ مفردًا ما يدل على أنه ثلاث؛ فمن ذلك: ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى الجزار، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا لوين، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﵇ فذكر مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا لُوَيْن، قال: ثنا شريك، عن مخوَّل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ ثم ذكر مثله.
فهذا فيه تحقيق ما رواه علي بن عبد الله عن أبيه من وتر رسول الله ﵇ أنه كان ثلاثًا.
ش: لمَّا أخرج فيما مضى من حديث علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه من وتر رسول الله ﵇ أنه كان ثلاثًا حيث قال في روايته: "حتى صلَّى ستّ ركعات وأوتر بثلاث" أكد ذلك برواية سعيد بن جبير ويحيى بن الجزار عن ابن عباس في وتر النبي ﵇ مفردًا من دون ذكر تطوعه أنه ثلاث ركعات، فروايتهما عن ابن عباس أنه ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات بدون أن يُذكر معه نفل من صلاة الليل تدل على أنه ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات أيضًا -في رواية علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه- مع نفله وتطوعه من صلاة الليل.
فأخرج ذلك من أربع طرق صحاح:
الأول: على شرط مسلم، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي شيخ أحمد، عن أبي بكر النهشلي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن
стр. 2316
قطاف، وقيل: عبد الله بن معاوية، وقيل: وهب بن قطاف، وقيل: معاوية بن قطاف، عن حبيب بن أبي ثابت قيس الكوفي، عن يحيى بن الجزار العرني الكوفي، عن ابن عباس.
وأخرجه النسائي (١): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن الجزار، عن ابن عباس قال: "كان رسول ﵇ يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الفجر".
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن محمَّد بن سليمان بن حبيب المصيصي الملقب بلُوَيْن -بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- عن شريك النخعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله.
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أنا الحسين بن عيسى، قال: ثنا أبو أسامة، قال: حدثني زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
الثالث: مثل الثاني، غير أنه ذكر فيه في موضع أبي إسحاق: مخوَّل بن راشد النهدي الكوفي من رجال الجماعة، وزاد فيه: مسلمًا البطين وهو مسلم بن عمران أبو عبد الله الكوفي، روى له الجماعة إلا النسائي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا شريك عن مخوَّل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﵇ مثله.
стр. 2317
الرابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله، عن سعيد بن جبير.
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (١): ثنا شبابة، ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يوتر بثلاث، يقرأ فيهن بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
ص: وأما كريبٌ فروى عن ابن عباس في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوحاظي، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا شريك بن أبي نمر، أن كريبًا أخبره، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: "بتُّ ليلةً عند رسول الله ﵇ فلما انصرف من العشاء الآخرة انصرفت معه، فلما دخل البيت ركع ركعتين خفيفتين ركوعهما مثل سجودهما وسجودهما مثل قيامهما، ثم اضطجع مكانه في مصلاه حتى سمعت غطيطه، ثم تعارّ ثم توضأ فصلى ركعتين كذلك، ثم اضطجع مكانه فرقد حتى سمعتُ غطيطه، ثم فعل ذلك خمس مرات، فصلى عشر ركعات، ثم أوتر بواحدة، وأتاه بلال ﵁ فآذنه بالصبح، فصلى ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة".
فقد أخبر في هذا الحديث أنه صلى عشر ركعات ثم أوتر بواحدة، فقد يحتمل أن يكون أوتر بواحدةٍ مع اثنتين قد تقدمتاها فتكونان مع هذه الواحدة ثلاثًا ليستوى معنى هذا الحديث ومعنى حديث على بن عبد الله، وسعيد بن جبير، يحيى بن الجزار.
ثم نظرنا هل روي عنه ما يُبيّن ذلك؟ فإذا إبراهيم بن منقد العصفري قد حدثنا، قال: ثنا المقرى، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: ثنا عبد ربه بن سعيد، عن قيس بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس ﵄، أن عبد الله بن عباس حدّثه قال: "فصلى رسول الله ﷺ ركعتين بعد العشاء، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر بثلاث".
стр. 2318
فاتفق هذا الحديث وحديث ابن أبي داود على أن جميع ما صلى إحدى عشرة ركعةً، وبيّن هذا أن الوتر فيها ثلاث.
فثبت بذلك أن معنى حديث ابن أبي داود: "ثم أوتر بواحدة" أي مع الثنتين قد تقدمتاها، هما معها وتر.
وقد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، أن عبد الله بن عباس حدثه: "أنه بات عند ميمونة -وهي خالته- فصلّى رسول الله ﵇ ركعتين، ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاء المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح".
فقد زاد في هذا الحديث ركعتين، ولم يخالفه في الوتر، وكان ما روينا عن ابن عباس -لما جُمعَتْ معانيه- يَدُل على أن النبي ﵇ كان يوتر بثلاث.
ش: "كان بَيْن رواية سعيد بن جبير يحيى بن الجزار عن ابن عباس، وبين رواية كريب عن ابن عباس أيضًا تضادٌّ ظاهرًا؛ لأن حديثهما عن ابن عباس يصرّح بأنه كان يوتر بثلاث، وحديث كريب عنه يصرِّح بأنه كان يوتر بواحدة، فبينهما تضاد وخلاف، أراد أن يوفق بينهما؛ فذكر وجه التوفيق: أن معنى حديث كريب: "ثم أوتر بواحدة" أي مع اثنتين، أي ركعتين قد تقدمتا تلك الركعة الواحدة التي أوتر بها، فتكون هذه مع تلكما الركعتين ثلاث ركعات؛ فحينئذٍ يتفق الحديثان (١).
ثم أخرج بإسناد صحيح ما يبيِّن صحة هذا التوفيق: عن إبراهيم بن منقذ بن إبراهيم العصفري وثقه ابن يونس، عن عبد الله بن يزيد القرشي أبي عبد الرحمن المقرئ روى له الجماعة، عن سعيد بن أبي أيوب مقلاص المصري روى له الجماعة، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري أخي يحيى بن سعيد روى له
стр. 2319
الجماعة، عن قيس بن سليمان العنبري التميمي وثقه ابن حبان، عن كريب، أن ابن عباس حدثه: "أنه ﵇ أوتر بثلاث".
فهذه الرواية عن كريب تدل على أن معنى روايته الأول هو المعنى الذي ذكره الطحاوي؛ إذ التوفيق بين الروايتين المتعارضتين هو الأصل؛ لأن فيه الإعمال بالدليلين وإن لم يوفّق فأقل المرتبة يَسقط العمل بإحدى الروايتين، وهو خلاف الأصل.
وأما إسناد حديث كريب في روايته الأولى فصحيح أيضًا؛ لأن رجاله ثقات، فيحيى بن صالح الوُحاظي أبو صالح الشامي شيخ البخاري وقد تكرر ذكره، وسليمان بن بلال القرشي أبو محمَّد المدني روى له الجماعة، وشريك بن أبي نمر هو شريك بن عبد الله ابن أبي نمر القرشي أبو عبد الله المدني روى له الجماعة الترمذي في "الشمائل".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يحيى بن أيوب العلاف، ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمَّد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس قال: "رقدتُ في بيت خالتي ميمونة زوج النبي ﵇ وكان النبي ﵇ عندها؛ لأنظر كيف صلاة النبي ﵇ من الليل؟ فتحدث النبي ﵇ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو نصفه قام فنظر إلى السماء فقرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) هذه الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذَّن بلال بالصلاة، فصل ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح".
وأخرج أبو داود (٣) مثل هذا: عن الفضل بن عباس، قال: حدثنا محمَّد بن بشار، نا أبو عاصم، نا زهير بن محمَّد، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن
стр. 2320
الفضل بن عباس قال: "بتُّ ليلة عند النبي ﵇ لأنظر كيف يصلي؟ فقام فتوضأ وصلى ركعتين؛ قيامه مثل ركوعه، وركوعه مثل سجوده، ثم نام، ثم استيقظ فتوضأ واستنثر، ثم قرأ الخمس آيات من آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، فلم يزل يفعل هذا حتى صلى عشر ركعات، ثم قام فصلى سجدة واحدةً فأوتر بها، ونادى المنادي عند ذلك، فقام رسول الله ﵇ بعدما سكت المؤذن فصلى سجدتين خفيفتين، ثم جلس حتى صلى الصبح".
قوله: "ثم تعارّ" بتشديد الراء، أي استيقظ، ولا يكون إلا يقظةً مع كلام، وقيل: معناه تمطى، وقال الجوهري: تعارّ الرجل إذا هبّ من نومه مع صوت.
قوله: "فآذنه" أي أعلمه بصلاة الصبح.
وأما حديث يونس بن عبد الأعلى فقد أخرجه أيضًا بإسناد صحيح؛ إيذانًا بأن معنى هذه الرواية معنى الرواية السابقة وليس بينهما اختلاف، ولكنه زافى في هذه الرواية ركعتين، وهما ركعتا الصبح.
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ومسلم (٢): عن يحيى، عن مالك.
وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٤): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك.
وابن ماجه (٥): عن أبي بكر بن خلاّد الباهلي، عن معن بن عيسى، عن مالك.
وأحمد (٦): عن عبد الرحمن، عن مالك.
стр. 2321
ولفظ البخاري: عن كريب مولى ابن عباس، أنه أخبره عن عبد الله بن عباس: "أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين ﵂ وهي خالته، قال: فاضطجعت على عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﵇ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﵇ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله ﵇ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات خواتيم سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال عبد الله بن عباس: فقمتُ فصندت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﵇ يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمين يفتلها بيده، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصُبح".
ويستفاد من هذا الحديث أربعة عشر حكمًا:
- جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعه بحضور بعض محارمها وإن كان مميزًا.
- واستحباب قيام الليل.
- وجواز القراءة للمحدث.
- واستحباب قراءة الآيات المذكورة عند القيام من النوم.
- وجواز قول: "سورة آل عمران" و"سورة البقرة" ونحوهما.
- وإحسان الوضوء، وهو إسباغه وتكميله.
- واستحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه.
- واستحباب الاضطجاع بعد الوتر.
- واستحباب اتخاذ المؤذن لإعلام مواقيت الصلوات.
- وجواز إتيان المؤذن إلى الإِمام ليخرج إلى الصلاة.
стр. 2322
- وصلاة ركعتي الفجر.
- والتخفيف فيهما.
- والتنفل بالليل ركعتين ركعتين.
- والرابع عشر: أن الوتر ثلاث ركعات، أشار إليه بقوله: "وكان ما روينا عن ابن عباس لما جُمِعت معانيه يدل على أن وتره ﵇ كان ثلاث ركعات، فافهم".
ص: وقد رُوي عن ابن عباس ﵄ من قوله في ذلك شيء.
حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا يزيد بن عطاء، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "إني لأكره تكون بتراء ثلاثًا, ولكن سبعًا أو خمسًا".
وحدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش، فذكر بإسناد مثله.
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شعبة، عن الأعمش، فذكر بإسناده مثله.
فهذا عندنا على أنه كره أن يوتر وترًا لم يتقدمه تطوع، وأحب أن يكون قبله تطوع إما ركعتان وإما أربع.
ش: أي قد رُوِي عن عبد الله بن عباس من قول نفسه ورأيه في أن الوتر ثلاث، ولكنه كره أن يوتر أحد وترًا لم يتقدمه تطوع، لا أنه قال من رأيه أن الإيتار بثلاث ركعات بتراء وإنما أحب ذلك لأنه لما نظر في أفعال النبي ﵇ في صلاة الليل فوجد وتره فيها مسبوقًا بتطوع، فلذلك أحب أن يكون قبل الوتر تطوع إما ركعتان وإما أربع.
ثم إنه أخرج ذلك عن ابن عباس من ثلاث طرق:
الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي الرجل الصالح، عن الخصيب بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، عن يزيد بن عطاء بن يزيد الواسطي البزاز،
стр. 2323
فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشىء. وعنه: ساقط. وعن ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.
وهو يروي عن سليمان الأعمش، عن سعيد بن جبير.
الثاني: وهو طريق صحيح، عن عيسى بن إبراهيم بن عيسى الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي، عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش ... إلى آخره.
الثالث: وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله رجاء، عن سفيان، عن الأعمش ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "قلت لسعيد بن جبير: قول عبد الله: الوتر بسبعٍ أو بخمسٍ ولا أقل من ثلاث؟ فقال سعيد: قال ابن عباس ﵄: إِني لأكره أن يكون ثلاثًا بتراء ولكن سبعًا أو خمسًا".
ص: فإن قال قائل: فقد رُوي عن ابن عباس خلاف هذا، فذكر ما حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء قال: قال رجل لابن عباس: هل لك في معاوية أوتر بواحدة -وهو يُريد أن يَعيبَ معاوية- فقال ابن عباس: أصاب معاوية".
قيل له: فقد رُوي عن ابن عباس في فعل مُعاوية هذا ما يدل على إنكاره عليه إياه؛ وذلك أن أبا غسان مالك بن يحيى الهمداني حدثنا، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا عمران بن حدير، عن عكرمة قال: "كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هَزِيعٌ من الليل، فقام معاوية فركع ركعةً واحدةً. فقال ابن عباس: من أين تُرَى أخذها الحمارٌ؟! ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا عمران فذكر بإسناده مثله، إلا أنه لم يقل: "الحمار"، ولا يجوز عليه أن يكون ما خالف فعل رسول الله ﵇
стр. 2324
الذي قد علمه عنده صوابًا، وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس ﵄: "أصاب معاوية" على التقية منه له يعني أصاب في شيء آخر؛ لأنه كان في زمنه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم إن الوتر عند ابن عباس ثلاث؛ لأن أحاديثه إذا جمعت تدل على أنه ﵇ كان يوتر بثلاث ركعات، ولكن ابن عباس كان يكره أن يوتر أحد وترًا لم يتقدمه تطوع، فهذا ابن عباس قد روى عنه أنه اسْتَصْوبَ فعل معاوية حين أوتر بركعة واحدة لم يتقدمها شيء حيث قال: "أصاب معاوية".
أخرج ذلك عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عطاء ابن أبي رباح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١): ثنا هشيم، قال: أنا الحجاج، عن عطاء: "أن معاوية أوتر بركعة فأنكر ذلك عليه، فسئل ابن عباس فقال: أصاب السنة".
وأخرجه البخاري في كتاب مناقب الصحابة في باب "ذكر معاوية" (٢): ثنا ابن أبي مريم، ثنا نافع بن عمر، حدثني ابن أبي مليكة: "قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ قال: فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: أصاب؛ إنه فقيه".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) في باب "الوتر بركعة" من هذا الطريق.
وتقرير الجواب أن يقال: إنه قد روي أيضًا عن ابن عباس ما يدل على أنه أنكر على معاوية في إيتاره بركعة واحدة.
أخرج ذلك من طريقين صحيحين على شرط مسلم:
أحدهما: عن أبي غسان مالك بن يحيى الهمداني، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن عمران بن حُدَير السَّدوسيّ أبي عبيدة البصري، عن عكرمة.
стр. 2325
والآخر: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري، عن عمران بن حُدَير ... إلى آخره.
ولقد أنكر ابن عباس ﵄ على معاوية في إيتاره بركعة من غير أن يسبقه تطوع، ولو لم يكن ذلك مخالفًا للسنة لما ساغ له الإنكار عليه، ولا يجوز على ابن عباس أن يكون ما خالف فعل الرسول ﵇ الذي قد تحقق عنده صوابًا.
قوله: "هَزيع من الليل" بفتح الهاء وكسر الزاي المعجمة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره عين مهملة، ومعناه: طائفة من الليل، ربعه أو ثلثه.
قوله: "من أين تُرَى أخذها الحمار" فقوله "تُرَى" جملة معترضة بين كلمة الاستفهام والذي دخلت عليه.
وقوله: "الحمار" إشارة إلى شدة إنكاره عليه في إيتاره بركعة واحدة.
قوله: "وقد يجوز ... " إلى آخره، إشارة إلى جواب آخر، تقريره أن يقال: يجوز أن يكون معنى قول ابن عباس ﵄: "أصاب معاوية" على التقية منه له أي على منه لأجل معاوية، يعني دفعًا عنه ما يعيب به ذلك الرجل عليه حتى يمتنع من أن يعيب عليه، فقال: "أصاب" يعني أصاب في شيء آخر غير إيتاره بركعة واحدة، وهذا من باب الإيهام والتورية، وهو باب شائع ذائع.
وجواب آخر عندي وهو أن قوله: "أوتر بواحدة" لا يستلزم نفي كون ركعتين قد تقدمنا عليها، فيجوز أن يكون معاوية قد صلَّى ركعتين ثم أوتر بركعة أخرى ولم يقف المنكر عليه إلا على ما قد شاهد من إيتاره بالركعة الواحدة، ولم يحط علمه بما قد صلى قبلها، فيكون قول ابن عباس: "أصاب السنة" في كونه أوتر بركعة مع ركعتين قبلها، فافهم.
ص: وقد روي عن ابن عباس في الوتر أنه ثلاث.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد الفهمي، قال: أنا ابن لهيعة، عن عبد العزيز بن صالح، عن أبي منصور قال: "سألت عبد الله بن عباس عن الوتر، فقال: ثلاث".
стр. 2326
وقال ابن لهيعة: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبَدة، عن أبي منصور بذلك.
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن أبي يحيى قال: "سمر المسور بن مخرمة وابن عباس حتى طلعت الحمراء، ثم نام ابن عباس فلم يستيقظ إلا لأصوات أهل الزوراء، فقال لأصحابه: أتروني أدرك أُصلي ثلاثًا -يريد الوتر- وركعتي الفجر وصلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؟ فقالوا: نعم، فصلَّى".
وهذا في آخر وقت الفجر، فمحال أن يكون الوتر عنده يجزئ فيه أقل من ثلاث ثم يصليه حينئدٍ ثلاثًا مع ما يخاف من فوات الفجر، فدل ذلك على صحة ما صَرفْنا إليه معاني أحاديثه في الوتر أنه ثلاث.
ش: أي قد روي عن ابن عباس من قوله ورأيه أن الوتر ثلاث ركعات، وذكر هذا تأكيدًا لما قاله، وكان ما روينا عن ابن عباس -لما جمعت معانيه- يدل على أن النبي ﵇ كان يوتر بثلاث؛ لأن قول ابن عباس: "الوتر ثلاث" يدل على أن كل ما روِي عنه عن النبي ﵇ من وتره ثلاث؛ لأنه لم يقل هو: إنه ثلاث. إلا وقد ثبت عنده أن وتره ﵇ ثلاث.
وأخرج ما روي عن ابن عباس من قوله: "إن الوتر ثلاث" من طريقين:
الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضًا، عن عبد الله بن محمَّد الفهمي- يُعرف بالبيطاري، وثقه أحمد بن صالح. قاله ابن أبي حاتم.
وهو يروي عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن عبد العزيز بن صالح مولى بني أمية، ذكره ابن يونس في علماء مصر في باب "الكنى" وقال: ومن أهل المغرب: أبو منصور مولى ابن عباس، كان بأفريقية. وذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه.
وقوله: "قال ابن لهيعة: وحدثنيم يزيد بن أبي حبيب ... " إلى آخره، إشارة إلى أن عبد الله بن لهيعة رَوَى هذا الأثر عن يزيد بن أبي حبيب المصري أيضًا، عن عمرو بن الوليد بن عبدة مولى بني سهم، عن أبي منصور بذلك.
стр. 2327
وعمرو بن الوليد هذا ذكره ابن يونس في علماء مصر وقال: يروي عن عبد الله بن عمرو، وقيس بن سعد، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، وذكره ابن ماكولا في باب "عَبْدة وعَبَدة"، فقال: وأما عَبَدة -بفتح العين والباء- في الآباء عمرو بن الوليد بن عَبَدَة مولى عمرو بن العاص، يَرْوي عن أبي عمرو، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، حديثه في المصريين، وحضر أبوه الوليد فتح مصر. قاله ابن عفير. تُوفي عمرو سنة ثلاث ومائة وكان فقيها فاضلًا، وتُوفي أبوه الوليد بن عَبَدَة سنة مائة.
فإن قيل: أعلّ البيهقي طريق الطحاوي بابن لهيعة، وهو ضعيف.
قلت: قد تقرر عند أهل الجرح والتعديل أن ابن لهيعة وثقه قوم منهم أحمد بن حنبل وكفى به مُعَدِّلًا، والطحاوي أيضًا يعدله على أنه يمكن (١) لا احتجاج، فافهم.
الطريق الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن أبي يحيى الأعرج المعرقب واسمه مصدع مولى معاذ بن عفراء الأنصاري، ويقال: مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، عن المسور بن مخرمة ابن نوفل الزهري الصحابي، له ولأبيه صحبة.
و"السمر": هو الحديث بالليل.
و"الحمراء": هي النجمة الحمراء التي تطلع قبل الفجر وهي نجمة مضيئة.
و"الزوراء": بفتح الزاي المعجمة وسكون الواو وبالمد؛ موضع عند سوق المدينة قرب المسجد النبوي مرتفع كالمنارة.
قوله: "وهذا في آخر وقت الفجر" أي قول ابن عباس ﵄: "أتروني أدرك أصلي ... " إلى آخره، إنما كان في آخر وقت الفجر، والباقي ظاهر.
ومما يدل لهذا: أن الوتر لا يسقط بخروج وقته كسائر السنن المؤكدة، وهذا آية وجوبه؛ ولهذا قال أبو حنيفة: الوتر فرض. أي عملًا، واجب علمًا، سنة سببًا إنه إذا ذكره في الفجر يفسد، وإذا أعاد صلاة العشاء لفسادها لا يُعيد وتره.
стр. 2328
ص: وقد روي عن علي ﵁ عن النبي ﵇ في الوتر أيضًا أنه ثلاث.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﵇ يوتر بتسع سور من المفصل، في الركعة الأولى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، وفي الثانية ﴿وَالْعَصْرِ﴾ و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ وفي الثالثة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿تَبَّتْ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
ش: ذكر هذا أيضًا تأكيدًا لما ذكره من أن الوتر ثلاث.
أخرج ذلك بإسناد صحيح عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الحارث بن عبد الله الأعور الكوفي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﵇ يوتر بثلاث يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ في كل ركعة ثلاث سور، آخرهن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
ص: وقد رُوي عن عمران بن حصين، عن النبي ﵇ مثل ذلك.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بـ ﴿سبح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
ش: أي قد روي عن عمران بن حصين، عن النبي ﵇: "أنه أوتر بثلاث" كما روي عن علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 2329
أخرجه بإسناد حسن عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني الكوفي وثقه يحيى بن معين، عن عبّاد بن العوّام بن عمر الواسطي، روى له الجماعة، عن الحجاج بن أرطاة النخعي الكوفي، روى له الأربعة ومسلم مقرونًا بغيره، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى أبي حاجب البصري، عن عمران بن حصين ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا بشر بن خالد، ثنا شبابة، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﵇ كان يوتر بـ ﴿سبح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
ص: وقد روي عن زبد بن خالد الجهني ﵁ عن النبي ﵇ في ذلك ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن عبد الله بن قيس بن مخرمة أخبره، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "لأرمقن صلاة رسول الله ﵇ قال: فتوسدت عتبته أو فسطاطه، فصلى رسول الله ﵇ ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين هما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين هما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة".
فالكلام في هذا مثل الكلام فيما تقدمه.
ش: روي مسند إلى قوله: ما حدثنا، وإسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك.
وابن ماجه (٣): عن عبد السلام بن عاصم، عن عبد الله بن نافع، عن ثابت الزبيري، عن مالك.
стр. 2330
وأخرجه مسلم (١): وليس في لفظه: "فتوسدت عتبته أو فسطاطه".
قوله: "لأرمقن" بفتح اللام؛ لأنها للتأكيد أي: لأنظرن، مِن رمَق يرمُق.
و"العتبة": أسكفة الباب.
و"الفسطاط": بضم الفاء قال الزمخشري: ما ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة، ويقال لمصر وبصرة: الفسطاط.
قوله: "طويلتين" ثلاث مرات في رواية الطحاوي وابن ماجه، ومرتين في رواية مسلم وأبي داود (٢) الركعتين والتكرار للتأكيد والمبالغة.
قوله: "ثم أوتر" أي بعد أن صلى عشر ركعات ركعتين ركعتين أنه أوتر بثلاث ركعات؛ لأنه قال: "فذلك ثلاث عشرة ركعة"، والإشارة إلى ما صلى، فلو لم يكن المجموع ثلاثًا لم يكن المجموع ثلاث عشرة ركعة؛ لأن المذكور قبل الوتر ركعتين ركعتين خمس مرات فالمجموع عشر ركعات.
قوله: "فالكلام في هذا" أي في حديث زيد بن خالد مثل الكلام فيما تقدمه من أحاديث ابن عباس وغيره ﵃.
ص: وقد رُوي عن أبي أمامة، عن النبي ﵇ في ذلك ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا عُمارة بن زاذان، عن أبي غالب، عن أبي أُمامَة: "أن النبي ﵇ كان يُوتِرُ بتِسْعٍ، فلما بَدّنَ وكثر لحمه أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالسٌ يقرأ فيهما بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ".
فقد يجوز أن يكون ذكر شفعه -وهو التطوع- ووتره فجعل ذلك كله وترًا كما ذكرنا في بعض ما تقدم ذِكْرنا له، فقد روينا عن أبي أمامة من فعله ما يدل على هذا.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن سليمان بن حيان، عن أبي غالب: "أن أبا أمامة كان يوتر بثلاث".
стр. 2331
فثبت بذلك أن الوتر عند أبي أمامة هو ما ذكرنا، ومحال أن يكون ذلك عنده كذلك وقد علم من فعل النبي ﵇ خلافه ولكن ما علمه من فعل النبي ﵇ معناه ما صرفنا إليه.
ش: إنما ذكر حديث أبي أمامة هذا ليجيب عنه؛ لأن ظاهره كالحجة على أصحابنا في قولهم: إن الوتر ثلاث، وكالاعتراض أيضًا على ما قرره من أن معنى الأحاديث التي رُوِيَت في هذا الباب إذا كشف؛ يَرْجع حاصله إلى أن الوتر ثلاث.
وتقرير الجواب: أن أبا أمامة ﵁ أطلق في حديثه على تطوع النبي ﵇ مع وتره وترًا من قبيل (إطلاق) (١) اسم الجزء على الكل، وهذا سائغ شائع في الكلام، فيكون مراده من قوله: "كان يوتر بتسع" أنه كان يتطوع بست ركعات ثم يوتر بثلاث، وكذا قوله: "أوتر بسبع" أنه تطوع بأربع ركعات ثم أوتر بثلاث، كما قد أول بهذا التأويل فيما مضى من أحاديث عائشة ﵂، ثم ذكرنا ما يؤيد صحة هذا التأويل بقوله: "وقد روينا عن أبي أمامة من قوله ما يدل على هذا" أي على ما ذكرنا من التأويل.
وأخرجه بطريق صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن سليمان بن حيان -بالياء آخر الحروف المشددة- أبي خالد الأحمر الكوفي الجعفري روى له الجماعة، عن أبي غالب البصري -ويقال: الأصبهاني- صاحب أبي أمامة واختلف في اسمه فقيل: حزور، وقيل سعيد بن الحزور، وقيل: نافع. واختلف فيه أيضًا؛ فقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ثقة. وقال الترمذي في بعض أحاديثه: هذا حديث حسن. وفي بعضها: هذا حديث صحيح.
وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
стр. 2332
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سليمان بن حيان، عن أبي غالب قال: "كان أبو أمامة يوتر بثلاث ركعات".
وإنما قلنا: إنه يؤيد صحة هذا التأويل؛ لأنه لو لم يكن معنى ما رواه عن النبي ﵇ نحو ما ذكرنا لما جاز له أن يوتر بثلاث؛ لأنه يستحيل في حقه أن يعمل شيئًا وقد علم من رسول الله ﵇ أنه فعل خلافه، ولكن الذي فعله هو الذي علمه من رسول الله ﷺ .
ثم الحديث المرفوع أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر وثقه ابن حبان، عن عُمارة -بضم العين- بن زاذان -بالمعجمتين- الصيدلاني البصري، مختلف فيه، فقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو زرعة: ثقة لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وهو يَرْوي عن أبي غالب، وقد ذكرناه آنفا.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، نا خالد بن خداش (ح).
وثنا عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم بن علي (ح).
وثنا أبو خليفة الفضل بن حباب الجمحي، نا أبو الوليد الطيالسي، قالوا: ثنا عمارة بن زاذان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بتسع ركعات، فلما بدّن وكثر عليه اللحم أوتر بسبع ركعات، وصلى ركعتين وسجدتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ ".
стр. 2333
ص: وقد روي في ذلك عن أم الدرداء، عن النبي ﵇ ما قد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن أم الدرداء قالت: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كَبُر وضَعُف أوتر بسبع".
فالكلام في هذا مثل الكلام في حديث أبي أمامة أيضًا.
ش: الكلام في حديث أم الدرداء كالكلام في حديث أبي أمامة في الإيراد والجواب.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن نعيم بن حماد المروزي الفارض الأعور شيخ البخاري، عن أبي [معاوية] (١) محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش الكوفي، عن عمرو بن مرة أي عبد الله الكوفي الأعمى، عن يحيى بن الجزار، عن أم الدرداء واسمها خيرة بنت حدرد وقيل اسمها هُجَيْمَة.
وأخرجه الترمذي (٢): بعين هذا المتن وبهذا الإسناد، ولكن في روايته: عن أم سلمة موضع أم الدرداء، وقال: ثنا هنّاد، ثنا أبو معاوية ... إلى آخره نحوه.
ص: وقد روي في ذلك عن أم سلمة، عن النبي ﵇: ما حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا جرير بن الحميد، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا بكلام".
فقد يجوز أن يكون هذا قبل أن يحكم الوتر فكان من شاء أوتر بخمس ومَنْ شاء أوتر بسبع، وكان إنما يراد منهم أن يصلوا وترًا لا عدد له معلومًا.
ش: لما كان هذا الحديث واردًا على ما قرره من أن المعنى من الأحاديث المذكورة يرجع إلى أنه ﵇ كان يوتر بثلاث، وإن كان قد أطلق فيها الوتر على تطوعه مع وتره جميعًا ذكره هنا ليجيب عنه.
стр. 2334
وتقرير الجواب: أنه قد يجوز أن يكون حديث أم سلمة هذا قبل إحكام أمر الوتر؛ وذلك لأنهم كانوا أولًا مخيرين في أن يوتروا إن شاءوا بسبع وإن شاءوا بخمس وإن شاءوا بثلاث، وإن شاءوا بواحدة وكأن المراد منهم أن يوتروا وترًا بلا عدد معين، ألا ترى إلى ما قال في حديث أبي أيوب الأنصاري (١): "أوتر بخمس، فإن لم تستطع فبثلاث، فإن لم تستطع فبواحدة، فإن لم تستطع فأوْمِ إيماءً".
ثم إن الأمة قد أجمعوا بعد النبي ﵇ على وتر لا يجوز لكل مَن أوتر به أن يتجاوزه إلى غيره، فصار إجماعهم ناسخًا لما قد تقدمه من التخيير الذي كان في عدد الوتر، هذا ما ذكره الطحاوي.
فإن قيل: كيف يجوز النسخ بالإجماع وأوان النسخ حال حياة النبي ﵇؛ للاتفاق على أنه لا نسخ بعده، وفي حال حياته ما كان ينعقد الإجماع بدون رأيه؟
قلت: ليس المراد من قولنا: صار إجماعهم ناسخًا لما قد تقدمه من التخيير، أن النسخ وقع بعد النبي ﵇ بالإجماع، وإنما المراد أن النسخ كان في حياة النبي ﵇، وأن الإجماع وقع على كون هذا النسخ في حياته، فصار استناد الإجماع إلى زمن الرسول ﵇.
فإن قيل: كيف حقيقة النسخ بالإجماع؟
قلت: حقيقة ذلك أن النسخ بدليل الإجماع لا يجوز؛ لأن أوان النسخ حال حياته ﵇ كما ذكرنا ولا نسخ بعده، وإنما يكون الإجماع موجبًا للعلم بعده ولا نسخ بعده، ولكن جوزه بعض المشايخ بطريق أن الإجماع يوجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النسخ به، وقالوا: الإجماع في كونه حجة أقوى الخبر المشهور، فإذا كان يجوز النسخ بالخبر المشهور فبالإجماع أولى, والجواب عنه ما ذكرناه.
ثم إسناد حديث أم سلمة صحيح، أخرجه عن فهد بن سليمان، عن علي بن مَعْبد بن شدّاد صاحب محمَّد بن الحسن، وثقه أبو حاتم.
стр. 2335
عن جرير بن عبد الحميد الضبي الرازي القاضي أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة.
عن منصور بن المعتمر روى له الجماعة، عن الحكم بن عتيبة روى له الجماعة، عن مُقْسِم بن بَجَرَة -بباء موحدة وجيم وراء مفتوحات- روى له الجماعة سوى مسلم، عن أم المؤمنين أم سلمة واسمها: هند بنت أبي أمية.
وأخرجه النسائي (١) أنا القاسم بن زكرياء بن دينار، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﵇ يوتر بسَبعٍ أو بخمسٍ لا يفصل بينهن بسلام".
وأخرجه ابن ماجه (٢) نحو رواية الطحاوي.
ص: وقد روي عن أبي أيوب ما يدل على أن ذلك قد كان كذلك:
حدثنا أبو غسّان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أوتر بَخْمسٍ، فإن لم تَسْتَطِعْ فبثلاث، فإن لم تَسْتَطِعْ فبواحدة، فإن لم تَسْتَطِعْ فأَوْمِ إيماء".
أخبرنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا وُهَيب بن خالد، قال: ثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، عن النبي ﵇ قال: "الوتر حق، فمن أوتر بخَمْسٍ فهو حسن، ومن أوتر بثلاث فقد أحسن، ومن أوتر بواحدة فهو حسن، ومن لم يَستَطِعْ فليومِ إيماء".
حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك، قال: أنا الأوزاعي، قال: ثنا الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، أن النبي ﵇ قال: "الوتر حق، فمن شاء أوتر بخَمْسٍ، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة".
стр. 2336
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب -قال: ولم يذكر النبي ﵇ قال: "الوتر حق -أو واجب- فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء بواحدةٍ، ومَنْ غُلب إلى أن يُوم فليومِ".
فأخبر في هذا الحديث أنهم كانوا مخيرين في أن يوتروا بما أحبوا لا وقت في ذلك ولا عدد بعد أن يكون ما صلّوا وترًا، وقد أجمعت الأمة بعد رسول الله ﵇ على خلاف ذلك وأَوْتروا وترًا لا يجوز لكل مَنْ أوتر عنده ترك شيء منه، فدلَّ إجماعهم على نسخ ما قد تقدمه من قول رسول الله؛ لأن الله تعالى لم يكن ليجْمَعَهُم على ضلال.
ش: لما أجاب عن حديث أم سلمة المذكور آنفا بأنه يجوز أن يكون هذا قبل أن يحكم بالوتر ... إلى آخره شرع يبُين ذلك، أي: قد روي عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ما يَدُلّ على أن الوتر كان بلا عدد معلوم قبل إحكام أمره، وأنهم كانوا مخيرّين في عدده كما ذكرناه، أشار إليه بقوله: "فأخبر في هذا الحديث" أي حديث أبي أيوب الأنصاري "أنهم" أي الصحابة ﵃ "كانوا مخيرين في أن يوتروا بما أحبوا" من سبع أو خمس أو ثلاث "لا وقت في ذلك" أي لا تعيين فيه "ولا عدد" معلومًا غير أن لا بد أن يكون وترًا، "وقد أجمعت الأمة بعد النبي ﵇ على خلاف ذلك" أي على خلاف الخيار المذكور، وإنما عَيّن كل منهم وترًا لا يجوز العدول عنه إلى وتر غيره، مثلًا من اختار الوتر بثلاث لم يجوزه بواحدة، ومن اختار الوتر بواحدة لم يجوز الثلاث بتسليمة وقعدتين، ومن اختار الخمس لم يجوز السبع، ومن اختار السبع لم يجوز الخمس، وعلى هذا، غير أنهم كلهم اتفقوا على ترك الخيار وأجمعوا على انتساخ ما كان من قوله ﵇: "من شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة"، وإجماع الأمة من أقوى الحجج؛ لأن أمته لا تجتمع على الضلالة، وقد ذكرنا ما فيه من السؤال والجواب عن قريب؛ فليعاود إليه.
стр. 2337
ثم إنه أخرج حديث أبي أيوب من أربع طرق، أحدها موقوف كما نذكره.
الأول: عن أبي غسان مالك بن يحيى بن مالك الهمداني المعروف بالسوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد روى له الجماعة، عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، ومسلم في مقدمة كتابه.
عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: قال: "قال لي رسول الله ﵇".
وأخرجه النسائي (٢) ولفظه: "من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أومى إيماءً".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن سَهْل بن بكار ... إلى آخره.
وكلهم ثقات.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الرحمن بن المبارك، نا قريش بن حيان العجلي، نا بكر بن وائل، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﵇: "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل".
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بابلت البابلتي، قال يحيى معين: يحيى بن عبد الله بن الضحاك لم يَسْمَع والله من الأوزاعي شيئًا. وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء معضلات يَهِم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به، وهو يروي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.
стр. 2338
وأخرجه ابن ماجه (١) بسند جيد، وقال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "الوتر حق؛ فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة".
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا بسند جيد، وقال: أنا العباس بن الوليد بن مزيد، قال: أخبرني أبي، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: ثنا عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، أن رسول الله ﵇ قال: "الوتر حق؛ فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة".
الرابع: وهو موقوف، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عطاء، عن أبي أيوب، ولم يذكر النبي ﵇ ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): أنا الربيع بن سليمان بن داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: نا الهيثم بن حُمَيد، قال: حدثني أبو مُعَيْد، عن الزهري، قال: حدثني عطاء بن يزيد، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: "الوتر حق؛ فمن أحبّ أن يوتر بخمس ركعات فليفعل، ومن أحبّ أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل".
قال الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع (٢): عن سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب قال: "من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أومى إيماءً".
стр. 2339
ورواه عبد الرزاق أيضًا (١) عن معمر موقوفًا.
قوله: "الوتر حق" صريح في إيجاب الوتر؛ لأن الحق ها هنا بمعنى الثابت ولا سيما وقد ذكر في رواية أبي داود بلفظ: "على" التي للإيجاب كما قد ذكرناه آنفًا.
ص: وقد روي عن عبد الرحمن بن أبزى، عن النبي ﵇ في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو المطرف بن أبي الوزير، قال: ثنا محمَّد بن طلحة، عن زُبَيْد، عن ذرٍّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه صلى مع النبي ﵇ الوتر، فقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ , فلما فرغ قال: سبحان الملك القدوس ثلاثًا يمد صوته بالثالثة".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن زُبَيْد ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا محمَّد بن طلحة، عن زُبَيْد ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "وفي الثانية ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وفي الثالثة الله الواحد الصمد".
فهذا يدل على أنه كان يوتر بثلاث.
ش: ذكر حديث عبد الرحمن بن أبزى الصحابي ﵁ تأكيدًا لما بيَّنه في الأحاديث السابقة أن الوتر ثلاث ركعات؛ لأن حديثه يدل على ذلك على ما لا يخفى.
وأخرجه من ثلاث طرق حسان جياد:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي المطرف بن أبي الوزير- واسمه محمَّد بن عمر بن مطرف القرشي الهاشمي البصري، قال أبو حاتم: ليس به بأس.
وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 2340
عن محمَّد بن طلحة بن مصرف اليامي روى له الجماعة، عن زُبَيد -بضم الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- بن الحارث بن عبد الكريم اليامي -ويقال: الأيامي أيضًا- أبي عبد الله الكوفي روى له الجماعة.
عن ذرّ -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء- بن عبد الله الهمداني أبي عمر الكوفي روى له الجماعة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي روى له إلجماعة، عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى الصحابي عند الجمهور.
وأخرجه النسائي (١): أنا عمرو بن يزيد، قال: ثنا بهز، قال: ثنا شعبة، عن سلمة وزبيد، عن ذر، عن أبي عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ , وكان يقول إذا سلَّم: سبحان الملك القدوس ثلاثًا ويرفع صوته بالثالثة".
الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن زبيد ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا يوسف القاضي، ثنا حفص بن عمر الحوضي.
وثنا محمَّد بن عبدوس ومحمد بن عبد الله الحضرمي، قالا: ثنا علي بن الجعد، قالا: ثنا شعبة، عن زبيد وسلمة بن كهيل، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن النبي ﵇: "أنه كان يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ , ويقول إذا سلَّم: سبحان الملك القدوس ثلاثًا يرفع صوته في الثالثة".
стр. 2341
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن محمَّد بن طلحة بن مصرف اليامي، عن زبيد ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): بطرق متعددة بعضها مرسلة.
وأخرجه أيضًا (٢): عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي كعب ﵄.
قوله: " ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " أراد به ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ , وأراد بقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ إلى آخره.
ص: وقد روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇ في ذلك: ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب".
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، حدثه عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة -ولم يرفعه- قال: "لا توتروا بثلاث ركعات فتشبِّهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع أو بإحدى عشرة".
فقد يحتمل أن يكون كره إفراد الوتر حتى يكون معه شفع على ما قد روينا قبل هذا عن ابن عباس وعائشة ﵃ فيكون ذلك تطوعًا قبل الوتر، وفي ذلك نفي الواحدة أن تكون وترًا، ويحتمل أيضًا أن يكون على ما ذكرنا في حديث أبي أيوب في التخيير، إلا أنه ليس فيه إباحة الوتر بالواحدة؛ فقد ثبت بهذه الآثار التي رويناها عن النبي ﵇ أن الوتر أكثر من ركعة واحدة، ولم يُرو في الركعة شيء إلا وتأويله يحتمل ما شرحناه وبيَّناه في موضعه من هذا الباب.
стр. 2342
ش: لما كان الخصم احتجوا على أصحابنا بحديث أبي هريرة هذا؛ ذكره ليجيب عنه، وتقرير الجواب عنه من وجهين:
الأول: أن قوله: "لا توتروا بثلاث" يحتمل كراهة الوتر من غير تطوع قبله من الشفع، ويكون المعنى: لا توتروا بثلاث ركعات وحدها من غير أن يتقدمها شيء من التطوع الشفع، بل أوتروا هذه الثلاث مع شفع قبلها ليكون خمسًا، وإليه أشار بقوله: "وأوتروا بخمس" أو أوتروا هذه الثلاث مع شفعين قبلها لتكون سبعًا، وإليه أشار بقوله: "أو بسبع" أي: أو أوتروا بسبع ركعات أربع تطوع وثلاث، وتر ولا تفردوا هذه الثلاث كصلاة المغرب ليس قبلها شيء، وإليه أشار بقوله: "ولا تشبهوا بصلاة المغرب" ومعناه: ولا تشبهوه بالمغرب في كونها منفردة عن تطوع قبلها ,وليس معناه لا تشبهوا بصلاة المغرب في كونها ثلاث ركعات والنهي ليس بوارد على تشبيه الذات بالذات، وإنما هو واردٌ على تشبيه الصفة بالصفة، فافهم.
ومع هذا فما ذكره نفي أن تكون الركعة الواحدة وترًا؛ لأنه أمر بالإيتار بخمس أو بسبع، ليس إلا.
الوجه الثاني: أن يكون معناه ما ذكره في حديث أبي أيوب في التخيير، وما ذكره هناك من الجواب فهو جواب ها هنا، هذا حاصل ما ذكره الطحاوي ﵀.
وجواب آخر: أن هذا مُعَارَض بما رواه الطحاوي والترمذي أيضًا من حديث الحارث، عن علي ﵁: "كان النبي ﵇ يوتر بثلاث".
وبما أخرجه الحاكم في "مستدركه" (١) بإسناده إلى عائشة، قالت: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث لا يسلِّم إلا في آخرهن". وقال: إنه صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.
стр. 2343
وبما أخرجه الدارقطني (١) ثم البيهقي (٢): عن يحيى بن زكرياء، ثنا الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﵇: "وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب" قال الدارقطني: لم يَرْوِه عن الأعمش مرفوعًا غير يحيى بن زكرياء وهو ضعيف، ورواه الثوري وعبد الله بن نمير وغيرهما عن الأعمش فوقفوه انتهى.
قلت: أخرجه النسائي (٣): من حديث ابن عمر، قال: ثنا قتيبة، عن الفضيل ابن عياض، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة المغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل".
وهذا السند على شرط الشيخين.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين:
الأول: مرفوع، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب المصري بَحْشل، ابن أخي عبد الله بن وهب شيخ مسلم.
عن عمه عبد الله بن وهب، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، عن صالح بن كيسان المدني، عن عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
والكل رجال الصحيح.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث عبد الله بن وهب، عن سليمان بن بلال ... إلى آخره نحوه.
стр. 2344
الثاني: موقوف، عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد أبي عبد الملك المصري، عن جعفر بن ربيعة ابن شرحبيل بن حسَنَة الكِنْدي المصري، عن عراك بن مالك الغفاري الكناني، عن أبي هريرة.
وهؤلاء أيضًا رجال الصحيح غير فهد.
وأخرجه البيهقي (١) أيضًا موقوفًا، وأخرجه مرفوعًا أيضًا كما قلناه (٢).
قوله: "فتشبَّهوا بالمغرب" جواب النهي؛ فلذلك جاء بالفاء منصوبًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (٣) والمعنى: لا يكن إيتار بثلاث وتشبيه بالمغرب، ثم استدرك بقوله: "ولكن أوتروا ... " إلى آخره، وليس فيه أيضًا ما يدل على اعتداد الوتر بركعة واحدة، فافهم.
ص: ثم أردنا أن نلتمس ذلك من طريق النظر، فوجدنا الوتر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون فرضًا، وإما أن يكون سنةً، فإن كان فرضًا فإنَّا لم نر شيئًا من الفرض إلا على ثلاثة أوجه؛ فمنه ما هو ركعتان، ومنه ما هو أربع، ومنه ما هو ثلاث، وكلٌّ قد أجمع أن الوتر لا يكون اثنتين ولا أربعًا، فثبت بذلك أنه ثلاث، هذا إن كان فرضًا.
وأما إن كان سنةً فإنا لم نجد شيئًا من السنن إلا وله مثل في الفرض من ذلك الصلاة منها تطوع ومنها فرض، ومن ذلك الصدقات فإن لها أصلًا في الفرض وهو الزكاة، ومن ذلك الصيام وله أصل في الفرض وهو صيام شهر رمضان، وما أوجب الله في الكفارات، ومن ذلك الحج يتطوع به وله أصل في الفرض وهو حجة الإسلام، ومن ذلك العمرة يتطوع بها ووجوبها فيه اختلاف وسنبينه في
стр. 2345
موضعه إن شاء الله تعالى. ومن ذلك العتاق له أصل في الفرض وهو ما فرض الله في الكتاب من الكفارات والقضاء، فكانت هذه الأشياء متطوَّع بها ولها أصل في الفرض، فلم نر شيئًا يُتطوع به، إلا وله أصل في الفرض، فقد رأينا أشياء هي فرض ولا يجوز أن يتطوَّع بها، مثل الصلاة على الجنازة هي فرض ولا يجوز أن يتطوع بها، ولا يجوز لأحد أن يصلي على ميِّت مرتين يتطوع بالآخرة منهما، فكأن الفرض قد يكون في شيء ولا يجوز أن يتطوع بمثله، ولم نر شيئًا يُتطوع به إلا وله مثل في الفرض منه أُخذ، وكان الوتر مُتطوَّع به فلم يجز أن يكون كذلك إلا وله مثل في الفرض، والفرض لم نجد فيه وترًا إلا ثلاثًا؛ فثبت بذلك أن الوتر ثلاث. هذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: ملخصه أنه بنى ذلك على مقدمة مانعة الخلوّ، وهي: أن الوتر إما فرض وإما سنة، فإن كان فرضًا فلابد أن يكون مثل فرض من الصلوات، وهي إما ركعتان كالصبح أو أربع كالظهر والعصر والعشاء، أو ثلاث كالمغرب، وكلهم أجمعوا على أن الوتر لا يكون ركعتين ولا أربعًا؛ فثبت بذلك أن يكون ثلاثًا كالمغرب، وإن كان سنة فليس شيء في السنن إلا وله مثل في الفرض، والفرض قد يكون في شيء لا يجوز أن يتطوع بمثله، وليس شيء يتطوع به إلا وله مثل في الفرض، فالوتر يُتطوع به فلا يجوز أن يكون إلا وله مثل في الفرض، والفرض ليس فيه وتر إلا ثلاث؛ فيجب أن يكون الوتر ثلاثًا. فافهم، والباقي غني عن الشرح.
قوله: "ولا يجوز لأحد أن يصلي على ميِّت مرتين ... " إلى آخره، أراد به إذا تطوع بالصلاة الثانية، أما إذا صلى ثانية على أنها فرض كما هو عند قوم، فإن ذلك يجوز؛ لأن تكرار الصلاة على الجنازة مشروع عندهم.
ص: وقد روي في ذلك عن أصحاب النبي ﵇ ما قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْحُ بن عُبَادة، قال: ثنا مالك، عن محمَّد بن يوسف، عن السائب بن يزيد قال: "أمر عمر بن الخطاب ﵁ أبي بن كعب
стр. 2346
وتميمًا الداريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعةً. قال: فكان القارئ يقرأ بالمئين حتى يَعتمد على العصا من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر".
وهذا يدل على أنهم كانوا يوترون بثلاث؛ لأنه لا يجوز أن يكونوا كانوا يصلون شفعًا واحدًا ثم ينصرفون عليه حتى يَصلوه بشفع آخر.
ش: أي قد روي في الإيتار بالثلاث عن الصحابة ﵃ آثار أخرج عن جماعة منهم في ذلك، منها:
ما أخرجه عن عمر بن الخطاب ﵁ من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن يوسف ابن بنت السائب بن يزيد، عن السائب بن يزيد بن سعيد الكندي، له ولأبيه صحبة.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
والآخر: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة بن العلاء البصري، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث مالك.
قوله: "يقرأ بالمئين" وهو جمع مائة، وأراد إما بالآيات المئين، أو سور طويلة التي تشتمل على أكثر من مائة آية.
قوله: "في فروع الفجر" أراد به أعاليها، وفرع كل شيء أعلاه.
قوله: "وهذا يدل ... " إلى آخره، بيان ذلك: أن هذه كانت صلاة التروايح في ليالي رمضان، وما كانت إلا شفعًا شفعًا، وكانوا إذا صلّوا شفعًا لا ينصرفون عنه حتى يَصِلُوه بشفع آخر؛ فحينئذٍ يكون تطوعهم ثمان ركعات -ووترهم ثلاث ركعات- فالجملة إحدى عشرة ركعةً.
стр. 2347
والدليل على ذلك:
ما رواه مالك في "الموطأ" (١) عن زيد بن رومان قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة".
فهذه العشرون كانت تراويحهم شفعًا شفعًا، والثلاث كان وترهم، وبهذا استدل أصحابنا على أن التراويح عشرون بعشر تسليمات.
فإن قيل: كيف التوفيق بين روايتي مالك هاتين؟
قلت: يمكن الجمع بأنهم قاموا بإحدى عشرة، ثم قاموا بعشرين، ويوترون بثلاث.
ومن الدليل على ذلك أيضًا:
ما رواه البيهقي في "سننه" (٢) بإسناده: عن شُتَيْر بن شكل؛ وكان من أصحاب علي ﵁: "أنه كان يؤمهم في رمضان بعشرين ركعة ويوتر بثلاث".
ومما يستفاد من الأثر المذكور: استحباب تطويل القراءة في التراويح، والدليل عليه أيضًا:
ما رواه مالك في "الموطأ" (٣)، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه قال: سمعت أبي يقول: "كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام؛ مخافة الفجر" أي مخافة طلوع الفجر، ولكن هذا كان في ذلك الزمان، وكانت لأهله رغبة في كثرة العبادات وإحياء الليالي، وفي زماننا هذا ظهر الكسل والفتور للناس في العبادات، فللإمام أن يقرأ في التراويح بحيث لا يثقل عليهم ولا يؤدي إلى تنفيرهم.
وقال أصحابنا: روى الحسن، عن أبي حنيفة: أن الإِمام يقرأ في كل ركعة عشر آيات أو نحوها؛ لأن السنة في التراويح الختم مرة، وعدد ركعات التراويح في جميع
стр. 2348
الشهر ستمائة، وعدد آي القرآن ستة آلاف وشيء، فإذا قرأ عشر آيات في كل ركعة يحصل الختم فيها.
وقال صاحب "الهداية": ولم يذكر قدر القراءة، وكثر المشاع على أن السنة فيها الختم مرة؛ فلا يترك لكسل القوم.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن سليمان الجعْفي، قال: أنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن ابن السبّاق، عن المسوَر بن مخرمة قال: "دفنّا أبا بكر ﵁ ليلًا، فقال عمر ﵁: إني لم أوُتِرْ. وَصفَّنا وراءه، فصلَّى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن".
ش: إسناده صحيح في غاية الصحة، ورجاله رجال الصحيح.
يحيى بن سليمان الجعفي أبو سعيد المقرئ الكوفي نزيل مصر شيخ البخاري.
وابن أبي هلال هو سعيد بن أبي هلال أبو العلاء المصري.
وابن السبّاق هو عبيد بن السباق الثقفي المدني.
والمِسْور بن مخرمة بن نوفل القرشي له ولأبيه صحبة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن ابن جرير، عن إسماعيل بن محمَّد بن سَعْد، عن ابن السبّاق: "أن عمر ﵁ دفن أبا بكر ليلًا، ثم دخل المسجد فأوتر بثلاثٍ".
ويستفاد منه أحكام:
جواز دفن الميت بالليل، وكافت وفاة أبي بكر ﵁ بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، والأول أصح. وكان رسول الله ﵇ أسنّ من أبي بكر ﵁ بمقدار سنيّ خلافته، وكان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أيامًا، وغسَّلته زوجته أسماء بنت عميس بوصية أبي بكر بذلك
стр. 2349
إياها، وصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁، ودُفِن في الحجرة إلي جانب النبي ﵇, وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال.
وأن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في آخره، وهذه حجة قوية لأصحابنا، ولما روى الحاكم في "مستدركه" (١)، عن عائشة: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن" وفي رواية: "لا يسلِّم في الركعتين الأوليين من الوتر". قال: وهذا وتر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعنه أخذ أهل المدينة عطاء وغيره.
وجواز الوتر بالجماعة في غير رمضان، وقال بعض المشايخ من أصحابنا: وهو الصحيح، وقال صاحب "الهداية": يصلى الوتر جماعة في غير شهر رمضان وعليه إجماع المسلمين.
وذكر في "النوازل والواقعات" و"الصدر الشهيد": [....] (٢) يصلى الوتر خارج رمضان يجوز.
قلت: كأنهم أخذوا هذا من فعل عمر ﵁ المذكور.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: أنا أبو خلدة قال: "سألت أبا العالية عن الوتر فقال: علّمنا أصحاب محمَّد ﵇ -أو علمونا- أن الوتر مثل صلاة المغرب غير أنك تقرأ في الثالثة، هذا وتر الليل، وهذا وتر النهار".
ش: أبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو خَلْدة -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام- اسمه خالد بن دينار البصري الخياط، روى له الجماعة سوى مسلم وابن ماجه.
وأبو العالية اسمه رُفيع بن مهران الرياحي البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﵇ بسنتين، ودخل على أبي بكر الصديق، وصلى خلف عمر بن الخطاب، وروى له الجماعة.
стр. 2350
قوله: "مثل صلاة المغرب" يعني بتسليمة واحدة في آخرها، وبيّن أنهما وتر الليل كما أن صلاة المغرب وتر النهار.
قوله: "غير أنك تقرأ في الثالثة" أي في الركعة الثالثة من الوتر بخلاف المغرب فإنه لا يقرأ في الثالثة منها إلا على سبيل الاستحباب، حتى لو تركها لاشيء عليه، بخلاف الوتر فإن القراءة فرض في جميع ركعاته.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "الوتر ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث ... فذكر مثله بإسناده.
ش: أخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقّي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السَّكُوني أي بدر روى له الجماعة، عن سليمان بن مهران الأعمش روى له الجماعة، عن مالك بن الحارث السُّلَمي الرِّقّي روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث ... إلى، آخره نحوه.
قوله: "ثلاث" أي ثلاث ركعات.
قوله: "صلاة المغرب" بالجر على أنه بدل من قوله: "كوتر النهار" أو عطف بيان.
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن مالك بن الحارث ... إلى آخره.