← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وتميمًا الداريَّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعةً. قال: فكان القارئ يقرأ بالمئين حتى يَعتمد على العصا من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر". وهذا يدل على أنهم كانوا يوترون بثلاث؛ لأنه لا يجوز أن يكونوا كانوا يصلون شفعًا واحدًا ثم ينصرفون عليه حتى يَصلوه بشفع آخر. ش: أي قد روي في الإيتار بالثلاث عن الصحابة ﵃ آثار أخرج عن جماعة منهم في ذلك، منها: ما أخرجه عن عمر بن الخطاب ﵁ من طريقين صحيحين: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن يوسف ابن بنت السائب بن يزيد، عن السائب بن يزيد بن سعيد الكندي، له ولأبيه صحبة. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). والآخر: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة بن العلاء البصري، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث مالك. قوله: "يقرأ بالمئين" وهو جمع مائة، وأراد إما بالآيات المئين، أو سور طويلة التي تشتمل على أكثر من مائة آية. قوله: "في فروع الفجر" أراد به أعاليها، وفرع كل شيء أعلاه. قوله: "وهذا يدل ... " إلى آخره، بيان ذلك: أن هذه كانت صلاة التروايح في ليالي رمضان، وما كانت إلا شفعًا شفعًا، وكانوا إذا صلّوا شفعًا لا ينصرفون عنه حتى يَصِلُوه بشفع آخر؛ فحينئذٍ يكون تطوعهم ثمان ركعات -ووترهم ثلاث ركعات- فالجملة إحدى عشرة ركعةً.

стр. 2347

والدليل على ذلك: ما رواه مالك في "الموطأ" (١) عن زيد بن رومان قال: "كان الناس يقومون في زمن عمر ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة". فهذه العشرون كانت تراويحهم شفعًا شفعًا، والثلاث كان وترهم، وبهذا استدل أصحابنا على أن التراويح عشرون بعشر تسليمات. فإن قيل: كيف التوفيق بين روايتي مالك هاتين؟ قلت: يمكن الجمع بأنهم قاموا بإحدى عشرة، ثم قاموا بعشرين، ويوترون بثلاث. ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما رواه البيهقي في "سننه" (٢) بإسناده: عن شُتَيْر بن شكل؛ وكان من أصحاب علي ﵁: "أنه كان يؤمهم في رمضان بعشرين ركعة ويوتر بثلاث". ومما يستفاد من الأثر المذكور: استحباب تطويل القراءة في التراويح، والدليل عليه أيضًا: ما رواه مالك في "الموطأ" (٣)، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه قال: سمعت أبي يقول: "كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام؛ مخافة الفجر" أي مخافة طلوع الفجر، ولكن هذا كان في ذلك الزمان، وكانت لأهله رغبة في كثرة العبادات وإحياء الليالي، وفي زماننا هذا ظهر الكسل والفتور للناس في العبادات، فللإمام أن يقرأ في التراويح بحيث لا يثقل عليهم ولا يؤدي إلى تنفيرهم. وقال أصحابنا: روى الحسن، عن أبي حنيفة: أن الإِمام يقرأ في كل ركعة عشر آيات أو نحوها؛ لأن السنة في التراويح الختم مرة، وعدد ركعات التراويح في جميع

стр. 2348

الشهر ستمائة، وعدد آي القرآن ستة آلاف وشيء، فإذا قرأ عشر آيات في كل ركعة يحصل الختم فيها. وقال صاحب "الهداية": ولم يذكر قدر القراءة، وكثر المشاع على أن السنة فيها الختم مرة؛ فلا يترك لكسل القوم. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن سليمان الجعْفي، قال: أنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن ابن السبّاق، عن المسوَر بن مخرمة قال: "دفنّا أبا بكر ﵁ ليلًا، فقال عمر ﵁: إني لم أوُتِرْ. وَصفَّنا وراءه، فصلَّى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن". ش: إسناده صحيح في غاية الصحة، ورجاله رجال الصحيح. يحيى بن سليمان الجعفي أبو سعيد المقرئ الكوفي نزيل مصر شيخ البخاري. وابن أبي هلال هو سعيد بن أبي هلال أبو العلاء المصري. وابن السبّاق هو عبيد بن السباق الثقفي المدني. والمِسْور بن مخرمة بن نوفل القرشي له ولأبيه صحبة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن ابن جرير، عن إسماعيل بن محمَّد بن سَعْد، عن ابن السبّاق: "أن عمر ﵁ دفن أبا بكر ليلًا، ثم دخل المسجد فأوتر بثلاثٍ". ويستفاد منه أحكام: جواز دفن الميت بالليل، وكافت وفاة أبي بكر ﵁ بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، والأول أصح. وكان رسول الله ﵇ أسنّ من أبي بكر ﵁ بمقدار سنيّ خلافته، وكان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أيامًا، وغسَّلته زوجته أسماء بنت عميس بوصية أبي بكر بذلك

стр. 2349

إياها، وصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁، ودُفِن في الحجرة إلي جانب النبي ﵇, وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال. وأن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في آخره، وهذه حجة قوية لأصحابنا، ولما روى الحاكم في "مستدركه" (١)، عن عائشة: "كان رسول الله ﵇ يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن" وفي رواية: "لا يسلِّم في الركعتين الأوليين من الوتر". قال: وهذا وتر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعنه أخذ أهل المدينة عطاء وغيره. وجواز الوتر بالجماعة في غير رمضان، وقال بعض المشايخ من أصحابنا: وهو الصحيح، وقال صاحب "الهداية": يصلى الوتر جماعة في غير شهر رمضان وعليه إجماع المسلمين. وذكر في "النوازل والواقعات" و"الصدر الشهيد": [....] (٢) يصلى الوتر خارج رمضان يجوز. قلت: كأنهم أخذوا هذا من فعل عمر ﵁ المذكور. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: أنا أبو خلدة قال: "سألت أبا العالية عن الوتر فقال: علّمنا أصحاب محمَّد ﵇ -أو علمونا- أن الوتر مثل صلاة المغرب غير أنك تقرأ في الثالثة، هذا وتر الليل، وهذا وتر النهار". ش: أبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو خَلْدة -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام- اسمه خالد بن دينار البصري الخياط، روى له الجماعة سوى مسلم وابن ماجه. وأبو العالية اسمه رُفيع بن مهران الرياحي البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﵇ بسنتين، ودخل على أبي بكر الصديق، وصلى خلف عمر بن الخطاب، وروى له الجماعة.

стр. 2350

قوله: "مثل صلاة المغرب" يعني بتسليمة واحدة في آخرها، وبيّن أنهما وتر الليل كما أن صلاة المغرب وتر النهار. قوله: "غير أنك تقرأ في الثالثة" أي في الركعة الثالثة من الوتر بخلاف المغرب فإنه لا يقرأ في الثالثة منها إلا على سبيل الاستحباب، حتى لو تركها لاشيء عليه، بخلاف الوتر فإن القراءة فرض في جميع ركعاته. ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "الوتر ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث ... فذكر مثله بإسناده. ش: أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقّي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السَّكُوني أي بدر روى له الجماعة، عن سليمان بن مهران الأعمش روى له الجماعة، عن مالك بن الحارث السُّلَمي الرِّقّي روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث ... إلى، آخره نحوه. قوله: "ثلاث" أي ثلاث ركعات. قوله: "صلاة المغرب" بالجر على أنه بدل من قوله: "كوتر النهار" أو عطف بيان. والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن مالك بن الحارث ... إلى آخره.

стр. 2351

وأخرجه الطبراني (١) أيضًا: ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال ابن مسعود: "وتر الليل كوتر النهار -صلاة المغرب- ثلاثًا". ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أنا هُشَيم، عن حُمَيد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "الوتر ثلاث ركعات. وكان يوتر بثلاث ركعات". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت قال: "صلى بنا أنس بن مالك الوتر -أنا عن يمينه وأم ولده خلفنا- ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن، ظننت أنه يريد أن يعلمنى". ش: أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن صالح ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن هشيم، عن حميد، عن أنس: "أنه كان يوتر بثلاث ركعات". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: "أنه أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن". ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن نافع والمَقْبري: "سَمِعَا مُعَاذًا القارِئ يُسلِم في الركعتين من الوتر". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن عياش بن عباس القتباني عن عامر بن يحيى، عن حنش الصنعاني قال: "كان

стр. 2352

معاذ ﵁ يقرأ للناس في رمضان، فكان يوتر بواحدة يفصل بينها وبين الثنتين بالسلام حتى يَسْمع مَنْ خلفه تَسْليمَه، فلما تُوفي قام للناس زيد بن ثابت ﵁ فأوتر للناس بثلاث لم يُسَلّم بَيْنهن حتى فرغ منهن، فقال له الناس: أرغبت عن سنة صاحبك؟ فقال: لا, ولكن إن سلمت انفضّ الناسُ". ش: هذان إسنادان صحيحان: أحدهما: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن محمَّد بن عجلان، عن نافع مولى ابن عمر، وسعيد ابن أبي سعيد كيسان المقبري -ونسبته إلى مقبرة لسكناه فيها- أنهما سمعا معاذ بن الحارث الأنصاري، يعرف بالقارئ، وهو ممن أقامهم عمر بن الخطاب ﵁ يصلون بالناس التروايح، شهد غزوة الخندق، وقيل: إنه لم يدرك من حياة النبي ﵇ إلا ست سنين. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن سعيد ونافع قالا: "رأينا معاذًا القارئ يُسلِّم في ركعتي الوتر". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وفي آخره شين معجمة- ابن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- ونِسْبته إلى قِتْبان -بكسر القاف وسكون التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة- وهو بطن من رعين. وهو يروي عن عامر بن يحيى بن جَشِيب الشرعبي المصري، روى له مسلم والترمذي وابن ماجه- عن حَنَش الصنْعاني -بفتح الحاء المهملة والنون وبالشين المعجمة- روى له الجماعة إلا البخاري قال: "كان معاذ ﵁ ... " وأراد به معاذ بن جبل.

стр. 2353

وإنما أَوْرد هذين الحديثين عن معاذين المذكورين وإن كانا لا يَصْلحان للاحتجاج لأصحابنا من حيث أن فيهما تسليمتين، ولكنهما يصلحان من حيث أن فيهما أن الوتر ثلاث ركعات، وأما أمر التسليمتن فإنه يُجيب عنه عن قريب إن شاء الله. ص: فهؤلاء جميعًا من أصحاب النبي ﵇ كانوا يوترون بثلاث فمنهم من كان يسلم في الاثنتين منهن، ومنهم من كان لا يسلم. فلما ثبت عنهم أن الوتر ثلاث؛ نظرنا في حكم التسليم بين الاثنتين منهن كيف هو؟ فرأينا التسليم يقطع الصلاة ويَخرُج المُسَلِّمُ به منها حتى يكون في غير صلاة، وقد رأينا ما قد أجمعوا عليه من أن الفرض لا ينبغي أن يفصل بعضه من بعضٍ بسلامٍ، فكان النظر على ذلك أن يكون الوتر كذلك لا ينبغي أن يفصل بعضه من بعض بسلامٍ. ش: أشار بهؤلاء إلى الجماعة من الصحابة الذين أخرج عنهم أنهم كانوا يقولون: الوتر ثلاث ركعات ويوترون بثلاث، وهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك ومعاذ القارئ ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وناس آخرون من الصحابة. فهؤلاء كانوا يوترون بثلاث ركعات، غير أن منهم من كان يسلم في الركعتين وهم: معاذ القارئ، ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر على ما روى البخاري (١): من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "كان يسلم من الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته". ومنهم من كان لا يسلِّم وهم: عمر بن الخطاب وابن مسعود وأنس وآخرون، وعلى كل حال ثبت عنهم أن الوتر ثلاث ركعات، وباقي الكلام ظاهر. ص: فإن قال قائل: فقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﵇ أنه كان يوتر بواحدة؛ فذكر ما حدثنا أبو بكرة بكار، عن أبي داود، قال: ثنا

стр. 2354

فليح بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن المنكدر، عن عبد الرحمن التيمي قال: قلت: "لا يغلبني الليلة على المقام أحدٌ، فقمت أصلي فوجدتُ حسّ رجل من خلفي في ظهري، فنظرت فإذا عثمان بن عفان ﵁، فتنحيت له فتقدم فاستفتح القرآن حتى ختم، ثم ركع وسجد، فقلت: أوهم الشيخ؟ فلما صلى قلت: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة واحدة: قال: أجل، وهي وتري". قيل له: قد يجوز أن يكون عثمان ﵁ يفصل بين شفعه ووتره فيكون قد صلى شفعه قبل ذلك ثم أوتر فيما رواه عبد الرحمن، وفي إنكار عبد الرحمن فعل عثمان ﵁ دليل على أن العادة التي كان جرى عليها قبل ذلك وعرفها إلى غير ما فعل عثمان، وعبد الرحمن فله صحبة. فقد دخل بذلك المعنى في المعنى الأول. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد ادعيتم أن الوتر ثلاث ركعات، وذكرتم فيها آثارًا عن بعض الصحابة ما يدل على أن الوتر ثلاث، وعندنا أيضًا آثار عن بعض الصحابة تعارض ما ذكرتم وتنافيه، منها الأثر الذي روي عن عثمان. أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة أبي يحيى المدني روى له الجماعة، عن محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي أبو بكر المدني روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن عثمان القرشيء التيمي له صحبة، أسلم يوم الحديبية وقيل: يوم الفتح. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث فليح، عن محمَّد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن عثمان قال: قلت: "لأغلبن علي المقام الليلة، فسبقت إليه، فبينما أنا قائم أصلي إذا رجل وضع يده على ظهري فنظرت فإذا عثمان -وهو يومئذٍ أمير- فتنحيت عنه، فقام فافتتح القرآن حتى فرغ منه، ثم ركع وجلس وتشهد وسلَّم في ركعة واحدة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة! قال: هي وتري".

стр. 2355

وتقرير الجواب: أنه قد يجوز أن يكون عثمان يفصل بين الركعة والركعتين بسلام فيكون في هذه الصورة قد صلى الركعتين قبل أن يراه عبد الرحمن التيمي ثم أوتر بعد ذلك بركعة واحدة، فيما رآه عبد الرحمن؛ فحينئذٍ لم يكن فيه دليل على أن الوتر ركعة واحدة، والمقصود نفي الإيتار بركعة واحدة فقط، وأما الفصل بين الركعتين والركعة بسلام فلا يضر كون الوتر ثلاثًا، غاية ما في الباب أنه يكون بتسليمتين، وأيضًا إنكار عبد الرحمن فعل عثمان هذا دليل على أن العادة في الوتر التي كان يعهدها عبد الرحمن غير ما فعله عثمان وإلا فلا مجال لإنكاره عليه بذلك، وعبد الرحمن أيضًا صحابي كما ذكرنا ولإنكاره تأثير، فبهذا التأويل دخل معنى هذا الأثر في المعنى الأول وهو الذي ذكره بقوله: "فهؤلاء جميعًا من أصحاب النبي ﵇ كانوا يوترون بثلاث، منهم من كان يسلم في الاثنتين منهن ومنهم من كان لا يسلم" فكان عثمان - رضى الله عنه - ممن يسلم، وعبد الرحمن التيمي ممن لا يسلم، فافهم. قوله: "في المقام" أي القيام وهو مصدر ميمي، وأراد به قيام الليل. قوله: "فإذا عثمان" أي فإذا هو عثمان، وكلمة "إذا" للمفاجأة. قوله: "أَوَهِمَ الشيخ" أراد به عثمان ﵁، والمعنى أسقط من صلاته شيئًا، يقال: أوهمت الشيء إذا تركته، وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئًا ووهم إذا غلط. قوله: "أجل" أبي نعم. ص:"وإن احتج في ذلك محتج بما روي عن سعدة فإنه قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة حدثهم، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن سعيد بن المسيب قال: "شهد عندي من شئت من آل سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص كان يوتر بواحدة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن مصعب بن سعد، عن أبيه "أنه كان يوتر بواحدة".

стр. 2356

وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "أَمّنا سَعْد بن أبي وقاص في صلاة العشاء الآخرة، فلما انصرف تنحى في ناحية المسجد فصلى ركعة، فتبعْتُه فأحدث سجدة، فقلت: يا أبا إسحاق، ما هذه الركعة؟ قال: وتر أنام عليه. قال عمرو: فذكرت ذلك لمصعب بن سَعْد فقال: كان يوتر بركعة -يعني سعدًا". قيل: قد يجوز أن يكون سَعْد فعل في ذلك ما يحتمله ما فعل عثمان ﵁ فيما ذكرنا قبله. ش: أي وإن احتج في الإيتار بركعة واحدة محتج بما روي عن سعد بن أبي وقاص في إيتاره بركعة؛ فالجواب عنه ما ذكرناه فيما فعله عثمان ﵁. وأخرج ذلك من ثلاث طرق رجالها ثقات غير أن في الطريق الأول مجهولًا، وهو ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد المصري، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة أبي شرحبيل المصري، عن يعقوب بن عبد الله، عن ابن المسيب ... إلى آخره. وأخرج عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، عن عطاء، عن سعيد: "بلغني أن سعد بن أبي وقاص كان يوتر بركعة". الثاني: عن صالح، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هُشَيم بن بَشِير، عن حُصين بن عبد الرحمن السُّلَمي، عن مصعب بن سَعْد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن مصعب ابن سعد، عن أبيه: "أنه كان يوتر بركعة، فقيل له، فقال: إنما استقصرتها". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمَة -بكسر اللام- المرادي الكوفي ... إلى آخره.

стр. 2357

وأخرج عبد الرزاق (١): عن ابن عيينة، عن يزيد بن خُصيفة، قال: سمعت محمد بن شرحبيل يقول: "رأيت سعد بن مالك صلى العشاء، ثم صلى بعدها ركعة أوتر بها". ص: فإن قال قائلٌ: ففي حديث عمرو بن مرة ما يدل على خلاف ذلك؛ لأنه قال: "صلى بنا، فلما انصرف جاء فصلى ركعة". قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك الانصراف إلى منزله، وقد كان صلى قبل ذلك بعد انصرافه من صلاته. وقد حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامرٍ قال: "كان آل سعد، وآل عبد الله بن عمر ﵃ يُسلّمون في الركعتين من الوتر ويوترون بركعة". فقد بيَّن الشَّعبِيُّ في هذا الحديث مذهب آل سَعْد في الوتر وهم الْمقتدُون بسَعْد المتبعون لفعله، وأن وترهم الذي كان ركعةً ركعةً إنما هو وتر بعد صلاة قد فصلوا بينه وبينها بتسليم، فقد عاد ذلك إلى قول الذين ذهبوا إلى أن الوتر ثلاث. وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد، عن حماد، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود ﵁ عاب ذلك على سَعْدٍ". ومحالٌ عندنا أن يكون عبد الله عاب ذلك على سعد -مع نبل سعد وعلمه- إلا لمعنى قد ثبت عنده هو أولى من فعله، ولو كان ابن مسعود إنما خالفه برأيه لما كان رأيه أولى من رأي سَعْدٍ، ولما عاب ذلك على سعد إذ كان مأخذ ذلك هو الرأي، ولكن الذي علمه ابن مسعود مما خالفه فعل سعد في ذلك هو غير الرأي. ش: هذا اعتراض على الجواب المذكور، تقريره أن يقال: إنكم قلتم: يجوز أن يكون سعد بن أبي وقاص كان يفصل بين شفعه ووتره، فيكون قد صلى شفعه قبل

стр. 2358

وتره ثم أوتر بركعة، فيكون المجموع ثلاث ركعات كما هو كذلك في فعل عثمان ﵁، ولكن حديث عمرو بن مرة ينافي ما ذكرتم من هذا الكلام؛ لأنه قال: "صلى بنا، فلما انصرف جاء فصلى ركعة"، وليس ها هنا شيء قبل صلاته بركعة. وتقرير الجواب أن يقال: قد يجوز أن يكون ذلك الانصراف انصرافًا إلى منزله فلما انصرف إلى منزله صلى هناك شفعه ثم لما جاء صلى ركعة، وقد صحح هذا التأويل بما أخرجه عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبي نصر العجلي روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن داود بن أبي هند دينار البصري روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عامر بن شراحيل الشعبي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الأعلى، عن داود، عن الشعبي قال: "كان آل سعد وآل عبد الله بن عمر ﵃ يسلِّمون في ركعتي الوتر، ويوترون بركعة" انتهى. فهذا الشعبي قد بين في هذا الحديث أن مذهب آل سعد إنما هو وتر بعد شفع، قد فصلوا بينهما وبينه بتسليم، وآل سعد إنما أخذوا هذا من سعد؛ فإنهم مقتدون به ومتبعون لفعله، وأن وترهم الذي كان ركعة ركعة إنما هو وتر صادر بعد صلاة قد فصلوا بينه وبينها بتسليم، فإذا كان كذلك عاد معناه إلى قول من يقول: إن الوتر ثلاث ركعات. قوله: "وقد حدثنا أبو بكرة ... " إلى آخره، جواب آخر، تقريره: أن عبد الله ابن مسعود ﵁ عاب على سعد ﵁ إيتاره بركعة واحدة، ولم يكن ذلك إلا لمعنى قد ثبت عند عبد الله أنه هو الأولى من فعل سعدث إذ لو لم يكن كذلك لاستحال على عبد الله أن يعيب على سعد فعله ذلك مع نبالة سعد وعلمه وجلالة قدره؛ فدل ذلك أن سعدًا إنما فعل ذلك برأيه واجتهاده، ألا تروى إلى ما قال سعد لما قيل له:

стр. 2359

إنك توتر بركعة: "إنما استقصرتها" على ما ذكرناه في رواية ابن أبي شيبة عن قريب. قوله: "ولو كان ابن مسعود إنما خالفه ... " إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: لم لا يجوز أن يكون عيب ابن مسعود وإنكاره على سعد برأيه واجتهاده دون أمر ثبت عنده في ذلك؟ وتقرير الجواب: أنه لو كان ذلك برأيه لما كان رأيه أولى من رأي سعد، ولما عاب به أيضًا على سعد؛ لأن مأخذ ذلك منه الرأي، فالذي يفعل شيئًا برأي لا ينكر على من يفعل خلافه برأي أيضًا؛ لأن الإنكار لا مجال له في ذلك، وإنما ينكر على من يفعل برأي إذا كان عنده شيء قد ثبت بنصٍّ يخالف ذلك الرأي؛ فحينئذٍ يكون للإنكار مجال وتوجّه. قوله: "مع نُبْل سَعْد" بضم النون وسكون الباء الموحدة، أي مع فضله، قال الجوهري: النبل والنبالة: الفضل، وقد نَبُل -بالضم- فهو نبيل. ثم إسناد ما أخرجه عن للراهيم بن أبي داود البرلسي صحيح. لأن رجاله ثقات. وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، وحماد الأول هو ابن سلمة، وحماد الثاني هو ابن أبي سليمان أحد مشايخ أبي حنيفة، وإبراهيم هو النخعي ﵀. ص: وإن احتج في ذلك بما قد حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي عبيد الله قال: "رأيت أبا الدرداء وفضالة بن عبيد ومعاذ بن جبل ﵃ يدخلون في المسجد والناس في صلاة الغداة، فيتنحون إلى بعض السواري -فيوتر كل واحد منهم بركعة- ثم يدخلون مع الناس في الصلاة". قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك كان منهم بعد ما كانوا صلوا في بيوتهم أشفاعًا كثيرة، فيكون ذلك الذي صلوا في بيوتهم هو الشفع، وما صلوا في المسجد هو الوتر، فيعود ذلك أيضًا إلى أن الوتر ثلاث. ش: أي: وإن احتج محتج في الإيتار بركعة بما رواه فهد بن سليمان، عن

стр. 2360

محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني نزيل مصيصة الثقة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يزيد -بفتح الياء آخر الحروف وكسر الزاي المعجمة وسكون الياء آخر الحروف- ابن أبي مريم بن أبي عطاء الشامي روي له البخاري والأربعة، عن أبي عبيد الله مسلم بن مسلم الخزاعي الدمشقي- كاتب أبي الدرداء، قال العجلي: شامي ثقة من خيار التابعين. وأبو الدرداء اسمه عُويمر بن مالك الأنصاري الخزرجي، مات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين. وفضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي وهو ممن بايع تحت الشجرة، ولاه معاوية قضاء دمشق وكان خليفته أيضًا إذا غاب عنها، ومات بها سنة ثلاث وخمسين. ومعاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني، مات سنة ثماني عشرة بناحية الأردن وقبره بغور بيسان في شرقيه. قوله: "قيل له: قد يجوز ... " إلى آخره، جواب عن الأثر المذكور، وهو ظاهر. ص: وقد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: "أتيت عمر بن عبد العزيز والوتر بالمدينة -يقول الفقهاء-: ثلاثًا لا يُسَلَّم إلا في آخرهن". حدثنا أبو العَوّام محمَّد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا خالد بن نزار الأيلي، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن السبعة: سعيد ابن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمَّد، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله، وسليمان بن يسار -في مشيخة سواهم أهل فقه وصلاح وفضل- وربما اختلفوا في الشيء فَأُخِذَ بقول أكبرهم وأفضلهم رأيًا، فكان مما وعيت عنهم على هذه الصفة أن الوتر ثلاث لا يُسَلَّم إلا في آخرهن. فهذا من ذكرنا من فقهاء المدينة وعلمائهم قد أجمعوا أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا

стр. 2361

في آخرهن، وتابعهم على ذلك عمر بن عبد العزيز ﵁، ولم ينكر ذلك منكر سواهم، وقد علم سعيد بن المسيب ما كان من وتر سعد فأفتى بغيره ورآه أولى منه، وقد أفتى عروة بن الزبير كذلك أيضًا، وقد روى عنه الزهري وابنه هشام في الوتر ما قد تقدمت روايتنا له في هذا الباب. فهذا عندنا مما لا يبغي خلافه؛ لِمَا قد شهد له من حديث رسول الله ﵇ ومن فعل أصحابه ومن أقوال أكثرهم من بعده ثم لِمَا اتفق عليه تابعوهم. ش: أشار بهذا إلى بيان إجماع فقهاء المدينة الذين هم أهل فقه وصلاح وفضل ولا سيما الفقهاء السبعة المشهورون بالفضل التام، والعلم الغزير والدين المتين على أن الوتر ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، ثم إن مثل عمر بن عبد العزيز الذي هو من الخلفاء الراشدين الذين كانوا بالحق يعدلون قد تابعهم في ذلك وكفي به حجة في الدين، فإن قوله وفعله حجة بلا خلاف، وقد قال أحمد بن حنبل: لا أرى قول أحد من التابعين حجة [....] (١) عمر بن عبد العزيز، ولم ينكر ذلك منهم منكر ولا مِن سواهم، فصار إجماعًا على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. وعن هذا قال الحسن البصري: "أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن". أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن حفص، عن عمرو، عنه. فإذا كان الأمر كذلك لا ينبغي لأحد خلاف هذا، وقد شهد له من حديث رسول الله ﵇ ثم من فعل الصحابة من بعده كأبي بكر وعمر وعلي وأنس وعبد الله ابن مسعود وآخرين، ثم من اتفاق التابعين عليه، ثم من أتباع التابعين.

стр. 2362

وقد قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: "كان أصحاب علي وأصحاب عبد الله لا يسلِّمون في ركعتي الوتر". ثم إسناد ما رواه الربيع صحيح. وهو الربيع بن سليمان المؤذن يروي عن عبد الله ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، وعبد الرحمن وإن تكلم فيه قوم فهو ثقة عند آخرين، وبيَّن الفقهاء السبعة بما رواه عن أبي العوام، عن خالد بن نزار الأيلي المنسوب إلى، مدينة أيلا، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن السبعة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، وسليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﵇. قوله: "عن السبعة" أي الفقهاء السبعة. قوله: "سعيدِ بن المسيب" بالجر بدل عن قوله: "عن السبعة"، أو عطف بيان وما بعده عطف عليه، ويجوز بالرفع على تقدير: وَهُمْ سعيدُ بن المسيب وعروة ... إلى آخره. قوله: "في مشيخة سواهم" أي سوى هؤلاء السبعة، وهم مثل علقمة، وجابر ابن زيد، وسعيد بن جبير، ومكحول، وحماد وإبراهيم النخعي. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو بكر بن عياش، عن طلق، عن معاوية، عن علقمة قال: "الوتر ثلاث". ثنا أبو أسامة (٣)، عن عثمان بن غياث، قال: سمعت جابر بن زيد يقول: "الوتر ثلاث".

стр. 2363

ثنا زيد بن الحبُاب (١)، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير: "أنه كان يوتر بثلاث، ويقنت في الوتر قبل الركوع". ثنا وكيع (٢)، عن هشام بن الغاز، عن مكحول: "أنه كان يوتر بثلاث ويقنت في الوتر قبل الركوع". ثنا وكيع (٣)، عن مسعر، عن حماد قال: "نهاني إبراهيم أن أسلِّم في الركعتين من الوتر". و"المشيخة": بفتح الميم جمع شيخ، قال الجوهري: جمع الشيخ: أشياخ وشيوخ وشِيَخَة وشِيخَان ومَشْيَخَة ومَشَايخ ومَشْيُوخَاء. والشيخ في اللغة يطلق على من استبانت فيه السنّ، ويقال: من عدى خمسين سنةً يسمى شيخًا إلى ثمانين سنة، ثم يصير رهمًّا، ولكن المراد ها هنا من الشيخ: مَنْ تقدم في العلم وإن لم يبلغ حد الشيخوخة في السنن، ويقال: الشيخ مَنْ يصلح أن يُتلمذُ له. قوله: "أهلِ فقة" بالجر صفة للجماعة المذكورين. قوله: "مما وعيت عنهم" أي مما حفظت وفهمت عن هؤلاء الفقهاء. قوله: "وتابعهم على ذلك" أي تابع الفقهاء المذكورين على أن الوتر ثلاث: عمر ابن عبد العزيز - رضى الله عنه - وهو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين، بويع له بالخلافة بعد ابن عمه (٤) وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وقيل: سنتان ونصف.

стр. 2364

وقوله: "وقد علم سعيد بن المسيب ... " إلى آخره إشارة إلى ما كان يفعله سعد ابن أبي وقاص من إيتاره بركعة من رأيه واجتهاده؛ فلأجل ذلك أفتى سعيد بن المسيب بخلافه ورأى أن ما ذهب إليه غيره من أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في آخره أولى مما ذهب إليه هو. وكذلك أفتى عروة بن الزبير بن العوام بخلاف ما ذهب إليه سعد بن أبي وقاص، والحال أنهما كانا يعلمان ما ذهب إليه سعد، ولو لم يكن ما عندهما مما أفتيا به أولى مما ذهب إليه سعد لما تركاه ولما اختارا غير ما ذهب إليه سعد، ولو كان ما فعله سعد عن أصل يرجع إليه لما جاز لسعيد بن المسيب ولا لعروة أن يخالفانه؛ على ما لا يخفى.

стр. 2365

ص: باب: القراءة في ركعتي الفجر ش: أي هذا باب في بيان حكم القراءة في ركعتي الفجر وهما السُنَّه التي قبلها، وجه المناسبة بين البابين من حيث وقوع الاختلاف في كل واحد من الوتر والقراءة في ركعتي الفجر. ص: قال قوم: لا يقرأ في ركعتي الفجر، وقال آخرون: يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب خاصة. واحتج الفريقان في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، أن حفصه أم المؤمنين ﵁ أخبرته: "أن رسول الله ﵇ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح -أو النداء بالصبح- صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة". حدثنا محمَّد بن إدريس المكي، قال: ثنا الحُمَيديّ، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع ... فذكر بإسناده نحوه. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا بكر بن الأصم وابن علية وبعض الظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا قراءة في ركعتي الفجر. قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: مالكًا وعبد الله بن وهب وبعض الشافعية؛ فإنهم قالوا: يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب لا غير. واحتج كلا الفريقين بحديث حفصة - رضى الله عنها -. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄.

стр. 2366

وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، أنا مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى, عن مالك. والنسائي (٣): عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، عن رسول الله ﵇: "أنه كان إذا نودي لصلاة الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن يقوم إلى إلصلاة". والآخر: عن محمَّد بن إدريس المكي، قال: ثنا الحميدي، قال ابن أبي حاتم: صدوق. والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد الحميدي المكي شيخ البخاري. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤): ثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة بن أبي حازم، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة: "أن النبي ﵇ كان إذا نودي بصلاة الصبح سجد سجدتين قبل صلاة الصبح يخففهما". ص: فذهب قوم إلى أن السنة فيهما هي التخفف. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير وآخرين؛ فإنهم ذهبوا إلى أن السنة في ركعتي الفجر التخفيف، وهو قول كافة العلماء، وذهب بعضهم [....] (٥) وظاهر حديث عائشة الاقتصار فيهما على أم القرآن وهو استحباب مالك، وفعله هو وأصحابه، وقد روي عنه استحسان قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيهما على ما جاء في حديث أبي هريرة، وهو قول الشافعي وأحمد، وذهب الثوري والحسن

стр. 2367

وأبو حنيفة إلى أنه يجوز لمن فاته [...] (١) من الليل أن يقرأه فيهما وإن طوّل، وذهب قوم إلى لا أنه لا يقرأ فيهما جملة، حكاه الطحاوي. وذهب النخعي إلى جواز إطالة القراءة فيهما واختاره الطحاوي. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبد الله بن حمران، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي قبل الفجر ركعتين خفيفتين حتى أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ ". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا علي بن مُسْهِر، عن يحيى بن سعيد ... فذكر بإسناده نحوه. حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح أن يحيى بن سعيد حدثه أن محمَّد بن عبد الرحمن حدثه عن أمه عمرة، أن عائشة ﵂ قالت: ... ثم ذكر نحوه. ش: حديث عائشة هذا أيضًا مما يحتج به من يقول بعدم القراءة في ركعتي الفجر. وأخرجه من ثلاثة طرق صحاح: ففي الطريقين الأولين: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة. وفي الطريق الثالث: بينهما محمَّد بن عبد الرحمن وهو ابن عمرة على ما نذكره. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم كالطريق الثالث على ما نبينه إن شاء الله تعالى. الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن عبد الله بن حمران بن عبد الله بن حمران بن أبان القرشي الأموي البصري، روى له مسلم وأبو داود والنسائي. عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري أبي حفص المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا.

стр. 2368

عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني روى له الجماعة. عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية روى لها الجماعة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂. وأخرجه البخاري (١): ثنا أحمد بن يونس، ثنا وهب، ثنا يحيى -هو ابن سعيد- عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﵇ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟ ". وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمَّد بن عبد الرحمن، أنه سمع عمرة تحدث عن عائشة أنها كانت تقول: "كان رسول الله ﵇ يصلي ركعتي الفجر فيخفف، حتى إني لأقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ ". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن أبي شعيب الحراني، نا زهير بن معاوية، نا يحيى بن سعيد ... إلى آخره نحو رواية البخاري. الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن علي بن مسهر القرشي الكوفي قاضي الموصل روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين فأقول: قرأ فيهما بفاتحة الكتاب؟! ". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية

стр. 2369

ابن صالح بن حدير الحمصي، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة وفي الرواية الأخرى عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عمته عمرة. قلت: عمرة هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدينة كانت في حجر عائشة ﵂, روت عنها وعن رافع بن خديج وعبيد بن رفاعة ومروان بن الحكم وحبيبة بنت سهل وحمنة بنت جحش وأم سلمة. وأم هشام بنت حارثة بن النعمان هي أختها، روى عنها جماعة كثيرون، منهم: ابنها أبو الرجال -بالجيم- محمَّد بن عبد الرحمن بن حارثة، ومنهم ابن أخيها محمَّد بن عبد الرحمن وهي عمته، وفي كتاب "الكمال في أسماء الرجال": روى عنها ابنها أبو الرجال محمَّد بن عبد الرحمن وأخوها -ويقال: ابن أخيها- محمَّد بن عبد الرحمن، وابن أخيها محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن وابن أختها أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم. ص: وقد روي عنها منقطعًا ما فيه أنه قد كان يقرأ فيها غير فاتحة الكتاب. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا هشام، عن محمَّد، أن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يخفي ما يقرأ فيهما، وذكرت ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". فقد ثبت عنه بحديث عائشة ﵂ الذي رواه شعبة في قراءة فاتحة الكتاب بحديث أبي بكرة هذا قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ , فثبت بذلك أنه كان يفعل فيهما ما يفعل في سائر الصلوات من القراءة. ش: ذكر هذا شاهدًا لما ذكره من التأويل في أحاديث عائشة السابقة حيث ذكرت عائشة ﵂ فيه أنه ﵇ كان يخفي القراءة في ركعتي الفجر، وذكرت سورتين وهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ فثبت بحديث شعبة المذكور أنه ﵇ كان يقرأ الفاتحة في ركعتي الفجر، وبحديث أبي بكرة هذا أنه كان يقرأ في الركعتين السورتين من القرآن وهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾

стр. 2370

﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفحينئذٍ لم تبق حجة لمن ينفي وجوب القراءة فيهما، وأن الأحاديث المذكورة حجة عليهم. وقوله: "وقد روي عنها" أبي عن عائشة ﵂. قوله: "منقطعًا" حال تقدمت على صاحبها وهو قوله: "ما فيه أنه قد كان يقرأ". أبي: قد روي عن عائشة الذي فيه أنه ﵇ قد كان يقرأ فيهما حال كونه منقطعًا. ورجال هذا الحديث رجال الصحيحين ما خلا أبا بكرة. وهشام هو ابن حسان، ومحمد هو ابن سيرين. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن محمَّد بن سيرين، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يُسرّ فيهما القراءة". ص: ثم نظرنا، هل روى غير عائشة عنه في ذلك شيئًا؟ فإذا إبراهيم بن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "ما أُحْصِي ما سمعت رسول الله ﵇ يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". حدثنا محمَّد بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: "رمقت النبي ﵇ أربعًا وعشرين مرةً أو خمسًا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل صلاة الغداة وفي الركعتين بعد المغرب بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".

стр. 2371

حدثنا لبيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سويد بن سعيد، قالا: ثنا مروان بن معاوية، قال: أنا عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: أنا سعيد بن يسار، أنه سمع عبد الله ابن عباس ﵄ يقول: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (١) الآية، وفي الثانية ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، قال: ثنا عثمان بن عمر بن موسى قال: سمعت أبا الغيث يقول: سمعت أبا هريرة يقول: "سمعت رسول الله ﵇ يقرأ في السجدتين قبل الفجر في السجدة الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١)، وفي السجدة الثانية ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣) ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عثمان بن موسى بن خلف العمّي، قال: ثنا أخي خلف بن موسى، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في ركعتي (٤) يقرءون بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. حدثنا محمَّد بن إبراهيم بن يحيى بن جناد البغدادي، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري، قال: سمعت طلحة بن خراش يحدث، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلًا قام فركع ركعتي الفجر فقرأ في الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى انقضت السورة، فقال النبي ﵇: هذا عبد آمن بربه، ثم قام فقرأ في الآخرة في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى انقضت السورة،

стр. 2372

فقال رسول الله ﵇: هذا عبد قد عرف ربه. فقال طلحة: فإنا أستحب أن أقرأ هاتين السورتين في هاتين الركعتين". ففي هذه الآثار في بعضها أنه قرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وفي بعضها أنه قرأ بغير ذلك، وليس في ذلك نفي أن يكون قد قرأ بفاتحة الكتاب مع ما قد قرأ به من ذلك، فقد ثبت بما وصفنا أن تخفيفه ذلك كان تخفيفًا معه قراءة، وثبت بما ذكرنا من قراءته غير فاتحة الكتاب نفي قول من كره أن يُقرأ فيهما غير فاتحة الكتاب، فثبت أنهما كسائر التطوع، وأنه يقرأ فيهما كما يقرأ في التطوع، ولم نجد شيئًا من الصلوات التطوع لا يقرأ فيه بشيء ويقرأ فيه بفاتحة الكتاب خاصةً. ش: أشار بهذا إلى أن القراءة في ركعتي الفجر رويت عن جماعة من الصحابة كما رويت عن عائشة ﵃. وقد أخرج ذلك عن ستة منهم، وهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله. أما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن عبد الملك بن الوليد بن مَعْدان البصري الضبعي قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال ابن عدي: يروي أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن معين: صالح. وهو يروي عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود. وأخرجه الترمذي (١): ثنا أبو موسى محمَّد بن المثنى، قال: ثنا بدل بن المُحَبَّر، قال: ثنا عبد الملك بن معدان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ... إلى آخره نحوه.

стр. 2373

وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن معدان، عن عاصم. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١) نحوه، ولكن ذكر موضع أبي وائل زر بن حبيش. وأما حديث عبد الله بن عمر: فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن مجاهد بن جبر المكي، عن ابن عمر. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا محمود بن غيلان وأبو عمار، قالا: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: "رمقت النبي ﵇ شهرًا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن الإسناد. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا الفضل بن سهل، قال: حدثني أبو الجواب، قال: حدثنا عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: "رمقت النبي ﵇ عشرين مرةً يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". وأخرجه ابن ماجه (٤): عن أحمد بن سنان ومحمد بن عبادة الواسطيين، عن أبي أحمد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر ... فذكر مثله.

стр. 2374

وأما حديث عبد الله بن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين أيضًا: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي شيخ أحمد بن حنبل، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، عن سعيد بن يسار -بالياء آخر الحروف- المدني مولى، ميمونة ﵂. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٢) والتي في آل عمران ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٣) الآية". وأخرجه أبو داود (٤): عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن عثمان بن حكيم ... إلى آخره. وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سويد بن سعيد بن سهل الأنباري شيخ مسلم وابن ماجه، عن مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٥): أخبرني عمران بن يزيد، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، قال: ثنا عثمان بن حكيم ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي غير أن في لفظه: "في الأولى، منهما الآية التي في البقرة ... ". وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد ابن منصور شيخ مسلم، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عثمان بن عمر بن موسى

стр. 2375

ابن عبيد الله القرشي التيمي، وثقه ابن حبان -واستشهد به البخاري- واحتج به أبو داود. عن أبي الغيث سالم مولى ابن مطيع- مشهور باسمه وكنيته، روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن الصباح، نا عبد العزيز بن محمَّد، عن عثمان بن عمر -يعني ابن موسى- عن أبي الغيث، عن أبي هريرة: "أنه سمع النبي ﵇ يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ (٢) وفي الركعة الآخرة بهذه الآية ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣) أو ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (٤) شك الدراوردي". وأما حديث أنس فأخرجه: عن إبراهيم بن أبي داود، عن عثمان بن موسى بن خلف العمي -لم أقف على ترجمته وحاله- عن أخيه خلف بن موسى العمّي البصري روى له النسائي، عن أبيه موسى بن خلف العمِّي البصري، قال ابن معين: ليس به بأس. وروى له أبو داود. الثاني: عن قتادة، عن أنس. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن المثنى وعمرو بن علي، قالا: نا خلف ابن موسى بن خلف، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه: عن محمَّد بن إبراهيم بن يحيى بن جنّاد البغدادي البزاز يكنى أبا بكر، قال ابن عقدة: أبو بكر بن جناد عدل ثقة مأمون،

стр. 2376

مات بطريق مكة سنة ست وسبعن ومائتين. وفي "التكميل": روى عنه أبو داود في "المراسيل". وهو يروي عن يحيى بن معين الإمام المشهور، عن يحيى بن عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن أنيس الأنصاري الأنيْسي أبي زكرياء المدني، قال أحمد: لم يكن به بأس. ووثقه ابن حبان. عن طلحة بن خراش -بالخاء المعجمة- الأنصاري المدني، قال النسائي: صالح. وروى له الترمذي وابن ماجه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١) من حديث طلحة بن خراش، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلًا قام فركع ركعتي الفجر ... " إلى آخره نحوه. قوله: "ركع ركعتي الفجر" أي صلى ركعتي الفجر، أطلق الركوع وأراد به الصلاة، من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل. قوله: "هذا عبد آمن بربه" إنما قال ذلك عند قراءة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؛ لأنها تشتمل على نفي العبادة لغير الله تعالى، ونفي التوحيد عن غيره، فهذا هو عين الإيمان؛ ولذلك قال عند قراءة سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: هذا عبد عرف ربه؛ لأنها تشتمل على صفات الله تعالى، فمن قرأها فقد عرف ربه بالوحدانية والصمدية، وبأن لا والد ولا ولد له، ولا كفء له ولا نظير وأنه فردٌ صمد أحد واحد، تعالى الله وتقدس. وقوله: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث المذكورة عن هؤلاء الصحابة الستة ﵃. قوله: "في بعضِها" بالجر بدل من قوله: "ففي هذه الآثار" في محل الرفع على الابتداء. وقوله: "ففي هذه الآثار" مقدمًا خبره.

стр. 2377

قوله: "فثبت أنهما كسائر التطوع" أبي الصلوات التي يتطوع بها. ص: ولم نجد شيئًا من التطوع كله كُرِه أن تمد فيه القراءة، بل استحب طول القنوت، رُوي ذلك عن رسول الله ﷺ . فمن ذلك: ما حدثنا به علي بن مَعْبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: ثنا سليمان بن مهران (ح). وثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفرياى، قال: ثنا مالك بن مغول، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "أتى رجل رسول الله ﵇ فقال: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﵇ قال: "أفضل الصلاة طول القنوت". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الحجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، قال: حدثني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: "أن النبي ﵇ سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القيام". حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت أبا الزبير يحدث، عن جابر، أن النبي ﵇ قال: "أفضل الصلاة طول القيام". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا سويد أبو حاتم، قال: حدثني عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده "أن رجلًا سأل النبي ﵇: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". قال أبو جعفر ﵀: سمعت ابن أبي عمران يقول: سمعت ابن سماعة يقول: سمعت محمَّد بن الحسن يقول: بذلك نأخذ، هو أفضل عندنا من كثرة الركوع والسجود مع قلة طول القيام. ش: لما ذكر أن ركعتي الفجر كسائر التطوعات، وأن القراءة لا بد فيهما كما في غيرهما من التطوعات؛ ذكر أنه لا يوجد قط تطوع يكره فيه مد القراءة أبي تطويلها،

стр. 2378

بل يستحب طول القنوت؛ وهو القراءة أو القيام، فالقيام إذا طال لا يخلو عن القراءة الطويلة، والدليل على ذلك أنه قد روي عنه ﵇: أن أفضل الصلاة طول القنوت، أي القيام أو القراءة. وأخرج ذلك عن ثلاثة من الصحابة ﵃. أما حديث جابر بن عبد الله ﵁ فأخرج عنه من أربع طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع القرشي الواسطي -ويقال المكي- الإسكاف، عن جابر ﵁. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "سُئل رسول الله ﵇: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمَّد بن يوسف الفريابي -شيخ البخاري- عن مالك بن مِغْوَل -بكسر الميم وسكون الغين المعجمة- البجلي الكوفي، عن سليمان الأعمش ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أبو معاوية ويعلى ووكيع، قالوا: ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "سئل رسول الله ﵇ أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر.

стр. 2379

وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد بن حميد، ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "أفضل الصلاة طول القنوت". الرابع: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد الحميدي أبي بكر المكي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر. وأخرجه الحديث في "مسنده": ثنا سفيان -هو ابن عيينة- عن أبي الزبير، عن جابر قال: "قيل للنبي ﵇: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". وأما حديث عبد الله بن حُبْشي -بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف. وأخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن معبد بن نوح، عن الحجاج بن محمَّد الأعور المصيصي، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم المكي روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن علي بن عبد الله البارقي الأزدي روى له الجماعة سوى البخاري، عن عبيد بن عمير بن قتادة أبي عاصم المكي روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا ابن حنبل -يعني أحمد- نا حجاج ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "سئل: أبي الأعمال أفضل؟ ". وأما حديث عمير بن قتادة الصحابي: فأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضًا، عن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن هلال البصري روى له الجماعة، عن سويد بن إبراهيم أبي حاتم الجحدري الخياط، ضعفه يحيى والنسائي، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي.

стр. 2380

عن عبد الله بن عبيد بن عمير أبي هاشم المكي روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبيه عبيد بن عمير روى له الجماعة، عن جده عمير بن قتادة بن سعيد الليثي ثم الجندعي، لم يرو عنه غير ابنه عبيد. وأخرجه الطبراني في الكبير (١): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل وجعفر بن محمَّد الفريابي والحسين بن إسحاق التستري، قالوا: ثنا حوثرة بن أشرس، ثنا سويد أبو حاتم صاحب الطعام، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا قال: يا رسول الله ﵇، أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، قال: أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: أحسنهم خلقًا" انتهى. والمراد من القنوت: القيام وإن كان يأتي بمعاني كثيرة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والسكوت والقيام وطول السجود والقراءة، فينصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى لي ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. قوله: "أي الصلاة" أو "أي الأعمال" وارد على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا ولا يراد أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه وفي جميع الأحوال والأشخاص، بل في حال دون حال، والمراد: من أفضل الصلاة أو من أفضل الأعمال: طول القيام، كما يقال: فلان أعقل الأشخاص وأفضلهم، ويراد أنه من أعقلهم ومن أفضلهم. قوله: "قال أبو جعفر: سمعت ابن أبي عمران ... " إلى آخره، أشار به إلى أن مذهب أصحابنا أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وهو مذهب الجمهور، وقد مرَّ الكلام فيه مستقصى. وابن أبي عمران هو أحمد بن موسى بن عيسى الفقيه البغدادي نزيل مصر، وثقه ابن يونس، وتفقه على محمَّد بن سماعة بن عبيد الله، أحد الثقات الأثبات، وقال

стр. 2381

ابن الجوزي: هو من الحفاظ الثقات، وكان يصلي كل يوم مائتي ركعة، وهو من أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة ﵃. ص: فلما كان هذا حكم التطوع، وقد جعلت ركعتا الفجر من أشرف التطوع وأكد أمرهما ما لم يؤكد أمر غيرهما من التطوع، وروي فيهما عن النبي ﵇ ما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محمَّد بن يزيد بن قنفذ، عن ابن سِيلان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إلا تزكوا ركعتيم الفجر ولو طردتكم الخيل". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﵇ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا حفص، عن ابن جريج، عن عطاء ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". فلما كانتا أشرف التطوع كان أولى بهما أن يفعل فيهما أشرف ما يفعل في التطوع. وقد حدثني ابن أبي عمران، قال: حدثني محمَّد بن شجاع، عن الحسن بن زياد، قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: "ربما قرأت في ركعتي الفجر جزءين من القرآن". فبهذا نأخذ، لا بأس أن تطال فيهما القراءة، وهي عندنا أفضل من التقصير؛ لأن ذلك من طول القنوت الذي فضَّله رسول الله ﵇ في التطوع على غيره. وقد روي ذلك أيضًا عن إبراهيم:

стр. 2382

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر (ح). وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قالا: ثنا هشام الدستوائي، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم قال: "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا الركعتين اللتين قبل الفجر. قلت لإبراهيم: أطيل القراءة فيهما؟ قال: نعم إن شئت". ش: جواب "لما" هذه و"لما" الأخرى المعطوفة عليها هو قوله: "كان أصلى بهما أن يفعل فيهما أشرف ما يفعل في التطوع"، و"الواو" في "وقد" جعلت للحال. قوله: "وروي فيهما" أبي في ركعتي الفجر، وأخرج في فضلهما عن اثنين من الصحابة، وهما: أبو هريرة وعائشة ﵂. أما حديث أبي هريرة: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الضبي أبي عثمان الواسطي المعروف بسعدويه، شيخ البخاري وأبي داود. عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن إسحاق -ويقال: عبد الله بن إسحاق- المدني، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ بن جدعان التيمي المدني روى له الجماعة سوى البخاري، عن ابن سِيلان -بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف- عبد ربه بن سيلان، وقيل: هو جابر بن سيلان، وذكر ابن حبان عبد ربه بن سيلان في "الثقات" وقال: عبد ربه بن سيلان، وهو الذي يقال له عبد ربه الدوسي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، نا خالد، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن إسحاق المدني- عن ابن زيد، عن ابن سيلان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل" انتهى.

стр. 2383

وقد اختلف في هذا الحديث، فقال عبد الحق في "أحكامه" بعد أن ذكره من جهة أبي داود: ليس إسناده بالقوي. وقال ابن القطان في "الوهم والإيهام": علته الجهل بحال ابن سيلان، ولا ندري أهو عبد الله بن سيلان أو جابر بن سيلان، فجابر بن سيلان يروي عن ابن مسعود، روى عنه محمَّد بن زيد بن مهاجر كما ذكره ابن أبي حاتم، وذكره الدارقطني فقال: يروي عن أبي هريرة، روى عنه محمَّد بن زيد بن مهاجر وأيًّا كان فهو مجهول لا يعرف، وأيضًا فعبد الرحمن بن إسحاق هو الذي يقال له عباد المقرئ، قال يحيى القطان: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال أحمد: روى أحاديث منكرة. قلت: أما عبد الله بن سيلان فقد وثقه ابن حبان كما ذكرنا، وأما عبد الرحمن بن إسحاق فقد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين واستشهد به البخاري، وإنما لم يعتمده في مذهبه لأنه كان قدريًّا فنفوه من المدينة، فأما رواياته فلا بأس بها. قوله: "ولو طردتكم الخيل" أي الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي بفرسانك ورجَّالتك، والخيل الخيول أيضًا، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾. فإن قيل: ما جواب لو؟ قلت: محذوف، والتقدير: ولو طردتكم الخيل لا تتركوها، وحُذِفَ لدلالة القرينة عليه. فإن قيل: على ماذا عطف ولو؟ قلت: على المحذوف، والتقدير: لا تتركوا ركعتي الفجر إن لم تطردكم الخيل وإن طردتكم الخيل، وهذا كلام خارج مخرج المبالغة والمعنى لا تتركونهما ولو فرض أنكم في حالة طرد الخيل. واستدل به أصحابنا أن الرجل إذا انتهى إلى المسجد، والإمام في صلاة الفجر وهو لم يصلِّ ركعتي الفجر إن خشي أن تفوته ركعة ويدرك الأخرى؛ يصلي ركعتي

стр. 2384

الفجر عند باب المسجد ثم يدخل ولا يتركهما، وأما إذا خشي فوت الفرض فحينئذٍ يدخل مع الإِمام ولا يصلي؛ لأن ذوات الجماعة أعظم والوعيد بالترك ألزم بخلاف سنة الظهر حيث يتركها في الحالتين؛ لأنه يمكن أداؤها في الوقت بعد الفرض في القول الصحيح. وأما حديث عائشة ﵂ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن عبيد بن عمير بن قتادة. وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ... إلى آخره، غير أن في روايته: "قبل الصبح". وأخرجه البخاري (٢): ثنا بيان بن عمرو، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: "لم يكن النبي ﵇ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه "قبل الصبح". قوله:"تَعَاهُدًا" أي حفظًا ورعاية وملازمة، وبظاهره أخذ الحسن البصري، وقال: إن سنة الصبح واجبة. وعن أشعث: كان الحسن يرى الركعتين قبل الفجر واجبتين. وقال القرطبي: هذا قول شاذّ لا أصل له، والذي عليه جماعة العلماء أنهما سنة. وقال ابن رشد في "القواعد": اتفقوا على أنهما سنة.

стр. 2385

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير الخارفي شيخ البخاري ومسلم، عن حفص بن غياث النخعي الكوفي، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن رباح، عن عبيد بن عمير، عن عائشة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﵇ يسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر ولا إلى عتمة". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن عبيد الغبري، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". وأخرجه الترمذي (٣): ثنا صالح بن عبد الله الترمذي، قال: ثنا أبو عوانة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٤): أنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى ... إلى آخره نحوه. قوله: "خير من الدنيا" أراد به من شهوات الدنيا وزخارفها وملاذِّها. وقوله: "وما فيها" أي خير مما في الدنيا، أراد به كل نوع من الأعمال التي ليست بعبادة ولا فيها أجر، أو خير من الأعمال التي من جنسها مما يتقرب به إلى الله تعالى، ولهذا صارت ركعتا الفجر من أشرف التطوعات واستدلت به طائفة في تأكيد منزلة ركعتي الفجر والترغيب في فعلها، ومن ذلك ذهب الحسن البصري إلى وجوبها.
следующие страницы →