ابن الجوزي: هو من الحفاظ الثقات، وكان يصلي كل يوم مائتي ركعة، وهو من أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة ﵃.
ص: فلما كان هذا حكم التطوع، وقد جعلت ركعتا الفجر من أشرف التطوع وأكد أمرهما ما لم يؤكد أمر غيرهما من التطوع، وروي فيهما عن النبي ﵇ ما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن محمَّد بن يزيد بن قنفذ، عن ابن سِيلان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إلا تزكوا ركعتيم الفجر ولو طردتكم الخيل".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﵇ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الفجر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا حفص، عن ابن جريج، عن عطاء ... فذكر مثله بإسناده.
حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
فلما كانتا أشرف التطوع كان أولى بهما أن يفعل فيهما أشرف ما يفعل في التطوع.
وقد حدثني ابن أبي عمران، قال: حدثني محمَّد بن شجاع، عن الحسن بن زياد، قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: "ربما قرأت في ركعتي الفجر جزءين من القرآن".
فبهذا نأخذ، لا بأس أن تطال فيهما القراءة، وهي عندنا أفضل من التقصير؛ لأن ذلك من طول القنوت الذي فضَّله رسول الله ﵇ في التطوع على غيره.
وقد روي ذلك أيضًا عن إبراهيم:
стр. 2382
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قالا: ثنا هشام الدستوائي، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم قال: "إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا الركعتين اللتين قبل الفجر. قلت لإبراهيم: أطيل القراءة فيهما؟ قال: نعم إن شئت".
ش: جواب "لما" هذه و"لما" الأخرى المعطوفة عليها هو قوله: "كان أصلى بهما أن يفعل فيهما أشرف ما يفعل في التطوع"، و"الواو" في "وقد" جعلت للحال.
قوله: "وروي فيهما" أبي في ركعتي الفجر، وأخرج في فضلهما عن اثنين من الصحابة، وهما: أبو هريرة وعائشة ﵂.
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الضبي أبي عثمان الواسطي المعروف بسعدويه، شيخ البخاري وأبي داود.
عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن إسحاق -ويقال: عبد الله بن إسحاق- المدني، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا.
عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ بن جدعان التيمي المدني روى له الجماعة سوى البخاري، عن ابن سِيلان -بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف- عبد ربه بن سيلان، وقيل: هو جابر بن سيلان، وذكر ابن حبان عبد ربه بن سيلان في "الثقات" وقال: عبد ربه بن سيلان، وهو الذي يقال له عبد ربه الدوسي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، نا خالد، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن إسحاق المدني- عن ابن زيد، عن ابن سيلان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل" انتهى.
стр. 2383
وقد اختلف في هذا الحديث، فقال عبد الحق في "أحكامه" بعد أن ذكره من جهة أبي داود: ليس إسناده بالقوي. وقال ابن القطان في "الوهم والإيهام": علته الجهل بحال ابن سيلان، ولا ندري أهو عبد الله بن سيلان أو جابر بن سيلان، فجابر بن سيلان يروي عن ابن مسعود، روى عنه محمَّد بن زيد بن مهاجر كما ذكره ابن أبي حاتم، وذكره الدارقطني فقال: يروي عن أبي هريرة، روى عنه محمَّد بن زيد بن مهاجر وأيًّا كان فهو مجهول لا يعرف، وأيضًا فعبد الرحمن بن إسحاق هو الذي يقال له عباد المقرئ، قال يحيى القطان: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال أحمد: روى أحاديث منكرة.
قلت: أما عبد الله بن سيلان فقد وثقه ابن حبان كما ذكرنا، وأما عبد الرحمن بن إسحاق فقد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين واستشهد به البخاري، وإنما لم يعتمده في مذهبه لأنه كان قدريًّا فنفوه من المدينة، فأما رواياته فلا بأس بها.
قوله: "ولو طردتكم الخيل" أي الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي بفرسانك ورجَّالتك، والخيل الخيول أيضًا، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ﴾.
فإن قيل: ما جواب لو؟
قلت: محذوف، والتقدير: ولو طردتكم الخيل لا تتركوها، وحُذِفَ لدلالة القرينة عليه.
فإن قيل: على ماذا عطف ولو؟
قلت: على المحذوف، والتقدير: لا تتركوا ركعتي الفجر إن لم تطردكم الخيل وإن طردتكم الخيل، وهذا كلام خارج مخرج المبالغة والمعنى لا تتركونهما ولو فرض أنكم في حالة طرد الخيل.
واستدل به أصحابنا أن الرجل إذا انتهى إلى المسجد، والإمام في صلاة الفجر وهو لم يصلِّ ركعتي الفجر إن خشي أن تفوته ركعة ويدرك الأخرى؛ يصلي ركعتي
стр. 2384
الفجر عند باب المسجد ثم يدخل ولا يتركهما، وأما إذا خشي فوت الفرض فحينئذٍ يدخل مع الإِمام ولا يصلي؛ لأن ذوات الجماعة أعظم والوعيد بالترك ألزم بخلاف سنة الظهر حيث يتركها في الحالتين؛ لأنه يمكن أداؤها في الوقت بعد الفرض في القول الصحيح.
وأما حديث عائشة ﵂ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن عبيد بن عمير بن قتادة.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ... إلى آخره، غير أن في روايته: "قبل الصبح".
وأخرجه البخاري (٢): ثنا بيان بن عمرو، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: "لم يكن النبي ﵇ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر".
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه "قبل الصبح".
قوله:"تَعَاهُدًا" أي حفظًا ورعاية وملازمة، وبظاهره أخذ الحسن البصري، وقال: إن سنة الصبح واجبة. وعن أشعث: كان الحسن يرى الركعتين قبل الفجر واجبتين.
وقال القرطبي: هذا قول شاذّ لا أصل له، والذي عليه جماعة العلماء أنهما سنة.
وقال ابن رشد في "القواعد": اتفقوا على أنهما سنة.
стр. 2385
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير الخارفي شيخ البخاري ومسلم، عن حفص بن غياث النخعي الكوفي، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن رباح، عن عبيد بن عمير، عن عائشة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﵇ يسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر ولا إلى عتمة".
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن عبيد الغبري، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبي ﵇ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
وأخرجه الترمذي (٣): ثنا صالح بن عبد الله الترمذي، قال: ثنا أبو عوانة ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٤): أنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى ... إلى آخره نحوه.
قوله: "خير من الدنيا" أراد به من شهوات الدنيا وزخارفها وملاذِّها.
وقوله: "وما فيها" أي خير مما في الدنيا، أراد به كل نوع من الأعمال التي ليست بعبادة ولا فيها أجر، أو خير من الأعمال التي من جنسها مما يتقرب به إلى الله تعالى، ولهذا صارت ركعتا الفجر من أشرف التطوعات واستدلت به طائفة في تأكيد منزلة ركعتي الفجر والترغيب في فعلها، ومن ذلك ذهب الحسن البصري إلى وجوبها.
стр. 2386
واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، وهو قول الشافعي في القديم، وفي قوله الجديد الوتر أفضل.
وحكى الرافعي قولًا لبعض الشافعية أنهما سواء في الأفضلية.
وحكى الرافعي أيضًا عن أبي إسحاق المروزي أن صلاة الليل أفضل من سنة الفجر.
قلت: لا شك أن الوتر أفضل؛ لأنه ملحق بالفرائض، وسنة الفجر ملحقة بالنوافل وباب النوافل أقصر من باب الفرائض، فافهم.
قوله: "ولقد حدثني ابن أبي عمران ... " إلى آخره، أشار بهذا الكلام إلى أن مذهب أبي حنيفة استحباب طول القراءة في ركعتي الفجر، وأنه أيضًا مختاره، وأنه أيضًا مختار إبراهيم النخعي، وهو أيضًا مختار سعيد بن جبير والحسن البصري ومجاهد.
أما أنه مختار أبي حنيفة فلما رواه عن أحمد بن أبي عمران الفقيه البغدادي، عن محمَّد بن شجاع البغدادي ابن الثلجي- بالثاء المثلثة، من أصحاب الحسن بن زياد، كان موصوفًا بالزهد والعبادة والتلاوة، مات وهو ساجد في صلاة العصر، وأصحاب الحديث حملوا عليه كثيرًا، وأمره إلى الله تعالى، فلا يخلو عن نوع تحامل.
والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب الإِمام أبي حنيفة كان فقيهًا كبيرًا عائد بالروايات وأقوال الناس، ولكن المحدثين تكلموا فيه كثيرًا، والله أعلم بحاله، والظاهر أنه تحامل وكيف وقد قال يحيى بن آدم: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد الهروي، ولي القضاء ثم استعفى منه، وكان محبًا للسنة واتباعها حتى كان يكسو مماليكه كما يكسو نفسه اتباعًا لقوله ﵇: "ألبسوهم مما تلبسون".
و"الحزب": ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد، والحزب في اللغة: النوبة في ورود الماء.
وأما أنه مختار نفسه فلقد أشار إليه بقوله: "فبهذا نأخذ".
стр. 2387
وأما أنه مختار إبراهيم النخعي فلما رواه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي.
والثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي أبي عمر البصري، شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره.
ص: وقد رويت آثار عمن بعد رسول الله ﷺ في القراءة فيهما أردت بذكرها الحجة على من قال: لا قراءة فيهما، فمن ذلك:
ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم النخعي قال: "كان ابن مسعود ﵁ يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الصبح بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن أصحابه "أنهم كانوا يفعلون ذلك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبوداود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني الأعمش، عن إبراهيم: "أن أصحاب ابن مسعود كانوا يفعلون ذلك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن العلاء بن المسيب: "أن أبا وائل قرأ في ركعتي الفجر بفاتحة الكتاب وبآية".
حدثنا يونس وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن يوسف، عن أبي بكر بن مضر، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عقبة بن سلمة، عن عبد الرحمن بن جبير: "أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقرأ في ركعتي الفجر بأم القرآن لا يزيد معها شيئًا".
ش: أي قد رويت أخبار عن الصحابة والتابعين في القراءة في ركعتي الفجر، أخرج ذلك عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي وائل وعبد الله بن عمرو ﵃.
أما أثر ابن مسعود: فأخرجه عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود بن سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم النخعي.
стр. 2388
وهؤلاء كلهم ثقات غير أن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن علية وغندر، عن شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي قال: "كان ابن مسعود يقرأ في الركعتين قبل صلاة الصبح -أو قال: صلاة الغداة- بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ زاد غندر-: وفي الركعتين بعد المغرب".
وأما أثر إبراهيم: فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن سعيد بن عامر الضبعي البصري عن شعبة بن الحجاج، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم، عن أصحابه أي عن أصحاب إبراهيم كأبي وائل والأسود والشعبي وأبي الضحى وآخرين.
والثاني: أيضًا عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم.
وأما أثر أبي وائل: فأخرجه من طريق صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن المسيب، عن أبي وائل شقيق بن سلمة.
وأما أثر عبد الله بن عَمرو ﵄: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى وفهد بن سليمان كلاهما، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري روى له الجماعة، عن عقبة بن مسلم التجيبي المصري، وثقه العجلي وابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي.
عن عبد الرحمن بن جبير المصري المؤذن مولى، نافع بن عمرو، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 2389
ص: باب: الركعتين بعد العصر
ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة الركعتين بعد العصر. وجه المناسبة بين البابين: من حيث أن كلًا منهما مشتمل على حكم ركعتين في حكمهما خلاف، فافهم.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "ما كان اليوم الذي يكون عندي فيه رسول الله ﷺ إلا صلى ركعتين بعد العصر".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الشيباني، قال: ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "ركعتان لم يكن النبي ﵇ يدعهما سرًّا ولا علانية ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا حفص، عن الشيباني ثم ذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى، قال: ثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ لا يدع الركعتين بعد العصر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "والله ما ترك رسول الله ﵇ عندي الركعتين بعد العصر قط".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمَّد بن يحيى بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما دخل عليّ النبي ﵇ قط بعد العصر إلا صلى ركعتين".
стр. 2390
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة نحوه.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحوضي، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: "أتيت عائشة ﵂ فسألتها عن الركعتين بعد العصر ... " فذكرت عنها مثل ذلك أيضًا.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يصلي صلاة العصر ثم يصلي بعدها ركعتين".
ش: أخرج الحديث من تسع طرق:
الأول: على شرط الشيخين، عن ابن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي وعن مسروق بن الأجدع، كلاهما عن عائشة ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا محمَّد بن عرعرة، قال: ثنا شعبة، عن أبي البحتري، قال: رأيت الأسود ومسروقًا شهدا على عائشة قالت: "ما كان النبي ﵇ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلَّى ركعتين".
وأخرجه مسلم (٢): حدثنا ابن المثني وابن بشار، -قال ابن المثنى-: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق قالا: نشهد على عائشة ﵂ أنها قالت: "ما كان يومه الذي كان يكون عندي إلا صلاهما رسول الله ﵇ في بيتي- تعنى الركعتين بعد العصر".
стр. 2391
وأخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود ومسروق قالا: "نشهد على عائشة أنها قالت: ما من يوم يأتي على النبي ﵇ إلا صلى بعد العصر ركعتين".
وأخرجه النسائي (٢): أنا إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت مسروقًا والأسود قالا: "نشهد على عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﵇ إذا كان عندي بعد العصر صلاهما".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن موسي بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد العبدي أبي عبيدة البصري روى له الجماعة، عن سليمان بن أبي سليمان فيروز أبي إسحاق الشيباني الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن الأسود النخعي روى له الجماعة، عن أبيه الأسود بن يزيد بن قيس النخعي روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا موسى بن إسماعيل ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر.
ونا علي بن حجر -واللفظ له- قال: أنا علي بن مسهر، قال: أنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "صلاتان ما تركهما رسول الله ﵇ في بيتي قط سرًّا ولا علانية، ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر".
قوله: "ركعتان" أبي صلاتان كما هو مصرح في رواية مسلم، وهذا من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل، ذكرت الركعة وأرادت بها الصلاة التي هي ركعتان.
стр. 2392
قوله: "يدعهما" أي يتركهما.
قوله: "سرًّا" أي في حالة السر.
قوله: "ركعتين قبل الصبح" هكذا هو بالياء علامة النصب في بعض النسخ، وكذا وقع في رواية مسلم، وفي بعض النصح: "ركعتان" بالألف علامة الرفع، وكذا وقع في رواية البخاري، أما وجه الرفع فظاهر تقديره إحداهما ركعتان قبل الصبح والأخرى ركعتان بعد العصر، وأما وجه النصب فعلى أنه بيان من الضمير المنصوب في "يدعهما".
الثالث: إسناده صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد ابن عبد الله بن نمير الخارفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن حفص بن غياث النخعي، عن سليمان الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده": نا علي بن مسهر، قال: أخبرنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "صلاتان ما تركهما رسول الله ﵇ في بيتي قط سرًّا ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر".
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري أحد أصحاب أبي يوسف، ذكره ابن الجوزي وأثنى عليه، وضعفه ابن حبان، ولكن تضعيفه ساقط؛ لأنه متحمل عليه، وهو أجلّ من ذلك لجلالة قدره وسعة علمه؛ ولذلك لقب بالرأي كما لقب به ربيعة الرأي شيخ مالك.
وهو يروي عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري روى له الجماعة، عن إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر الكوفي وثقه ابن حبان، عن أبيه محمَّد بن المنتشر بن الأجدع ابن أخي مسروق بن الأجدع روى له الجماعة، عن مسروق، عن عائشة.
стр. 2393
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر، عن أبيه: "أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين، فقيل له، فقال: لو لم أصلهما إلا أني رأيت مسروقًا يصليهما لكان ثقة، ولكني سألت عائشة، فقالت: كان رسول الله ﵇ لا يدع ركعتين قبل الفجر وركعتين بعد العصر".
الخامس: إسناده صحيح أيضًا: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عمر بن علي بن مقدم المقدمي أبي عبد الله البصري شيخ الأربعة، عن عباد بن عباد بن المهلب بن أبي صفرة أبي معاوية البصري روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا زهير بن حرب، قال: نا جرير.
وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي، جميعًا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما ترك رسول الله ﵇ ركعتين بعد العصر عندي قط".
السادس: إسناده على شرط مسلم، عن أحمد بن داود المكي، عن محمَّد بن يحيى ابن أبي عمر العدني أبي عبد الله نزيل مكة، شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وأخرجه العدني في "مسنده": عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
السابع: إسناده صحيح أيضًا على شرط البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال الأنصاري المدني، وثقه يحيى القطان وأحمد، وروى له النسائي، عن أبيه أبي الرجال -بالجيم جمع رجل- اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة، روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية، روى لها الجماعة، عن عائشة.
стр. 2394
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا إبراهيم، ثنا عبد الله بن يوسف، نا ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتين بعد العصر".
الثامن: إسناده صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، ونسبته إلى حوض داود محلة ببغداد، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه روى له الجماعة، عن أم موسى سرية علي بن أبي طالب ﵁، قيل اسمها حبيبة، وقال أبو داود: اسمها فاختة. قال الدارقطني: حديثها مستقيم، وروى لها أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أسود، نا إسرائيل، عن المغيرة، عن أم موسى قالت: "سألت عائشة عن الركعتين بعد العصر فقالت: ما أتاني النبي ﵇ في يوم إلا صلى بعد العصر ركعتين".
التاسع: على شرط مسلم، عن أبي بكرة بكار، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس السبيعي، عن المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي روى له الجماعة إلا البخاري، عن أبيه شريح بن هانئ ابن يزيد أبو المقدام الكوفي روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
وأخرجه السراج [....] (٢).
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: سمعت أبا سعيد الأعمى يحدث، عن رجل يقال له: السائب مولى القارئين، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ "أنه رآه ركع ركعتين بعد العصر وقال: لا أدعهما بعد ما رأيت النبي ﵇ يصليهما".
стр. 2395
ش: أبو بكرة بكار القاضي، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وأبو سعد الأعمى المكي ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، روى له ابن ماجه قاله في "التكميل"، عن السائب بن يزيد مولى القارئين وثقه ابن حبان.
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن أبي سعد الأعمى، عن السائب بن يزيد، عن زيد بن خالد: "أنه قال لعمر بن الخطاب ﵄ في الركعتين بعد العصر: لا أدعهما بعد ما رأيت رسول الله ﵇ يصليهما".
ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا بأس أن يصلي الرجل بعد العصر ركعتين، وهما من السنة عندهم، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأسود ومسروقًا وشريحًا وعمرو بن ميمون وعبد الله بن أبي الهذيل وعبد الرحمن بن الأسود والأحنف بن قيس؛ فإنهم ذهبوا إلى الحديث المذكور وقالوا: لا بأس أن يصلي الرجل بعد العصر ركعتين، وحكي ذلك عن علي والزبير وابنه عبد الله وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن خالد الجهني وأبي جحيفة وعائشة ﵃، وإليه ذهب الشافعي وأحمد [....] (٢) كانت هاتان الركعتان عما فاته من الركعتين اللتين بعد الظهر.
وفي "المغني" لابن قدامة: وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر فالصحيح جوازه؛ لأن النبي ﵇ فعله، فإنه قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر في حديث أم سلمة، وقضى الركعتين اللتين قبل العصر بعدها في حديث عائشة، وهذا مذهب الشافعي.
وقال النووي: الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي، وإنما تكره ما لا سبب لها، وأن السنن الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها، وهو الصحيح.
стр. 2396
وسيجيء الكلام عن ذلك.
ص: وخالفهم أكثر العلماء في ذلك وكرهوهما.
ش: أي خالف القوم المذكورين أكثر العلماء فيما ذهبوا إليه، وكرهوا هاتين الركعتين بعد العصر، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومالك وابن سيرين والثوري.
وهو قول الشافعي وأحمد إذا كانتا تطوعًا غير ذات سبب.
وهو مذهب عمر ﵁، ويحكى ذلك عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عباس ومعاوية وعبد الله بن عمرو ﵁.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن موسى العبسي، قال: ثنا طلحة بن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن معاوية أرسل إلى أم سلمة يسألها عن الركعتين اللتين ركعهما رسول الله ﵇ بعد العصر، فقالت: نعم، صلى رسول الله ﵇ عندي ركعتين بعد العصر، فقلتُ: أُمِرْتَ بهما؟ قال: لا ولكني كنت أصليهما بعد الظهر فشغلت عنهما فصليتهما الآن".
ش: أي احتج أكثر العلماء فيما ذهبوا إليه من كراهة الركعتين بعد العصر بحديث أم سلمة ﵂.
أخرجه بإسناد صحيح عن علي بن معبد بن شداد العبدي المصري، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العَبْسي -بالباء الموحدة - روى له الجماعة، عن طلحة بن يحيى بن طلحة المدني نزيل الكوفة روى له الجماعة سوى البخاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده" (١): ثنا ابن نمير، قال: ثنا طلحة بن يحيى،
стр. 2397
قال: زعم لي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن معاوية أرسل إلى عائشة يسألها هل صلى النبي ﵇ بعد العصر شيئًا؟ قالت: أما عندي فلا، ولكن أم سلمة أخبرتني أنه فعل ذلك، فأَرْسِلْ إليها فَاسْألهَا، فأرسل إلى أم سلمة، فقالت: نعم، دخل عليّ بعد العصر فصلى سجدتين، قلت: يا نبي الله أنزل عليك في هاتين السجدتين؟ قال: لا، ولكني صليت الظهر فشُغِلْتُ فاستدركتهما بعد العصر".
وجه استدلال الجمهور بذلك أنه ﵇ قال: "ما أمرت بهما" لما قالت أم سلمة: أُمِرتَ بهما؟ "ولكنني كنت أصليهما ... " إلى آخره.
فدل ذلك أنه من خصائصه ﵇، والدليل على ذلك ما جاء في رواية أخرج عن أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا" على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
وبهذا يبطل ما قال بعض الشافعية: إن الأصل الاقتداء به ﵇ وعدم التخصيص حتى يقوم دليل به، ولا دليل أعظم من هذا، وهنا شيء آخر يلزمهم وهو أنه ﵇ كان يداوم عليهما، وهم لا يقولون به في الصحيح الأشهر، فإن عورضوا يقولون: هذا من خصائص النبي ﵇؟
ثم في الاستدلال بالحديث يقولون: الأصل عدم التخصيص وهذا كما يقال: فلان مثل الظليم (١) يستحمل عند الاستطارة ويستطير عند الاستحمال، وقد قال بعضهم: إنه صلى بعد العصر تبيينًا لأمته أن نهيه ﵇ عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر على وجه الكراهة لا على التحريم.
وقال بعضهم: الأصل فيه أنه صلاهما يومًا قضاءً لفائت ركعتي الظهر، وكان ﵇ فعل فعلًا واظب عليه ولم يقطعه فيما بعد.
وقال أكثرهم: إنه مخصوص بذلك، وهذا هو الأشهر كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
стр. 2398
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن معاوية بن أبي سفيان قال وهو على المنبر لكثير بن الصلت: اذهب إلى عائشة ﵂ فاسألها عن ركعتي النبي ﵇ بعد العصر، قال أبو سلمة: فقمت معه، وقال ابن عباس ﵁ لعبد الله ابن الحارث: اذهب معه. فجئناها فسألناها، فقالت: لا أدري، سلوا أم سلمة، فسألناها، فقالت: دخل علي النبي ﵇ فإنه يوم بعد العصر، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، ما كنت تصلي هاتين الركعتين؟! فقال: قدم علي وقد من بني تميم -أو جاءتني صدقة- فشغلوني عن ركعتين كنت أصليهما بعد الظهر، وهما هاتان".
حدثنا الحجاج بن عمران بن الفضل البصري، قال: ثنا يوسف بن موسى القطان، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا الوليد بن كثير، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن عبد الرحمن بن أبي سفيان: "أن معاوية أرسل إلى عائشة يسألها عن السجدتين بعد العصر، فقالت: ليس عندي صلاهما، ولكن أم سلمة حدثتني أنه صلاهما عندها، فأرسل إلي أم سلمة، فقالت: صلاهما رسول الله ﵇ عندي، لم أره صلاهما قبل ولا بعد، فقلت: يا رسول الله، ما سجدتان رأيتك صليتهما بعد العصر ما صليتهما قبل ولا بعد؟! فقال: هما سجدتان كنت أصليهما بعد الظهر، فقدم عليَّ قلائص من الصدقة، فنسيتهما حتى صليت العصر ثم ذكرتهما، فكرهت أن أصليهما في المسجد والناس يروني، فصليتهما عندك".
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة ﵄: "أن النبي ﵇ صلى في بيتها ركعتين بعد العصر، فقلت: يا رسول الله، ما هاتان الركعتان؟! فقال: كنت أصليهما بعد الظهر، فجاءني مالٌ فشغلني، فصليتهما الآن".
стр. 2399
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير، أن كريبًا مولى ابن عباس ﵄ حدثه: "أن ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة فقالوا: أقرئها السلام منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد العصر، وقل إنّا أُخْبِرنَا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن رسول الله ﵇ نهى عنهما؟ قال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر ﵁ عليهما. قال كريبٌ: فدخلت عليها فبلغتها ما أرسلوني به، فقالت: سَلْ أم سلمة. فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة ﵂ قالت أم سلمة: سمعتُ النبي ﵇ ينهى عنهما ثم رأيته صلاهما، أما حين صلاهما فإنه صلى العصر، ثم دخل علي وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلاهما، فأرسلت إليه الجارية فقلت: قومي إلى جنبه فقولي: تقول لك أم سلمة: يا رسول الله، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما؟! فإن أشار بيده فاستأخرى عنه، ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: يا بنت أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس بالإِسلام من قوم فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر فهما هاتان".
قال أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار أو في بعضها: أن عائشة ﵂ لما سُئلت عما حكي عنها مما ذكرناه في الفصل الأول أن النبي ﵇ لم يكن يأتيها في بيتها بعد العصر إلا صلى ركعتين، أضافت ذلك إلى أم سلمة ﵂ فانتفت بذلك الآثار الأُوَل كلها المروية عن عائشة ﵂ فلما سئلت عن ذلك أم سلمة ﵂ أخبرت أنها قد كانت سمعت النبي ﵇ ينهى عنهما، ووافقها في ذلك ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، إلا أنهم ذكروا ذلك بلاغًا (١) يحيى بن أبي زياد أبي محمَّد البصري، ختن أبي عوانة، شيخ البخاري.
стр. 2400
عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن قتادة، عن أبي العالية الرياحي رُفَيع بن مهران البصري، أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت النبي ﵇ بسنتين روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا هشام، عن قتادة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "حتى تشرق الشمس" موضع "حتى تطلع".
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري البصري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان، عن قتادة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا داود بن رشيد وإسماعيل بن سالم، جميعًا عن هشيم -قال داود: ثنا هشيم- قال: أنا منصور، عن قتادة، قال: نا أبو العالية، عن ابن عباس قال: "سمعت غير واحد من أصحاب رسول الله ﵇ منهم عمر بن الخطاب ﵁ وكان أحبَّهم إليّ - أن رسول الله ﵇ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس".
وأخرجه الترمذي (٣): عن أحمد بن منيع، عن هشيم ... إلى آخره نحوه، وقال: حديث حسن صحيح.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم شيخ أبي داود، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي العالية.
وأخرجه أبو داود (٤): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا أبان، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس قال: "شهد عندي رجال مرضيون فيهم عمر بن الخطاب -
стр. 2401
وأرضاهم عندي عمر ﵁ أن نبي الله ﵇ قال: لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس".
قوله: "شهد عندي رجال" معناه بيَّنوا لي وأعلموني به، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (١) قال الزجاج: معناه: بيّن.
قوله: "مرضيون" صفة للرجال، وأراد بها أنهم عدول مقبول قولهم.
قوله: "وأرضاهم" أفعل من الرضى، وأراد به المبالغة في الثناء على عمر ﵁ وكيف وهو أعدل الناس وأزكاهم بعد النبي ﵇ وأبي بكر ﵁.
وقد اختلف العلماء في تأويل نهيه ﵇ عن الصلاة بعد الصبح والعصر، قال أبو طلحة: "المراد بذلك كل صلاة". ولا يثبت ذلك عنه.
وقال ابن حزم: إن قومًا لم يروا الصلاة أصلًا في هذين الوقتين.
وقال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها.
وقال أصحابنا (٢): لا بأس بأن تُصلَّى في هذين الوقتين الفوائت وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة؛ لأن الكراهة كانت لحق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت فلم يظهر في حق الفرائض وفيما وجب بعينه كسجدة التلاوة، وكذا صلاة الجنازة؛ لأنها ليست بموقوفة على فعل للعبد، ولكن يظهر في حق المنذور؛ لأنه تعلق وجوبه بسبب من جهته، وفي حق ركعتي الطواف، وفي الذي شرع فيه ثم أفسده؛ لأن الوجوب لغيره وهو ختم الطواف وصيانة المؤدى.
فإن قيل: شغل الوقت كله تقديري وأداء النفل تحقيقي.
قلت: الفرض التقديري أقوى من النفل الحقيقي، ولا يظهر النهي في حق مثله من الفرض.
стр. 2402
وقال ابن بطال: تواترت الأخبار والأحاديث عن النبي ﵇ أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وكان عمر ﵁ يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، فدلّ أن صلاته ﵇ الركعتين بعد العصر مخصوصة به دون أمته. هكذا قال الماوردي وغيره: إنه من خصوصياته ﵇، وقد مرَّ الكلام فيه.
ص: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: ثنا أبو نعيم (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قالا: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي في دبر كل صلاة ركعتين إلا الفجر والعصر".
ش: هذان إسنادان صحيحان:
أحدهما: عن إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الكوفي -المعروف بتُرُنْجة، نزيل مصر- عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عاصم بن ضمرة السكوني الكوفي، عن علي ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاص بن ضمرة، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي في إثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر".
والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي- وفي بعض النسخ: عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن مرزوق يروي عنهما جميعًا.
عن سفيان ... إلى آخره.
стр. 2403
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان ... إلى آخره نحو رواية أبي داود.
وهذا نص صريح قطعي على أنه لا صلاة بعد صلاتي الفجر والعصر سواء كان لها سبب أو لم يكن.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدميُّ، قال: ثنا محمَّد بن دينار، قال: ثنا سعد بن أوس، قال: ثنا مِصْدع أبو يحيى، قال: حدثتني عائشة ﵂ -وبيني وبينهما ستر-: "أن رسول الله ﵇ لم يكن يصلي صلاةً إلا أتبعها ركعتين غير العصر والغداة فإنه كان يجعل الركعتين قبلهما".
ش: هذان إسنادان حسنان جيّدان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العَبْدي -صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، وثقه أبو حاتم- عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، روى له الجماعة، عن سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري -أخي يحيى وعبد ربه، روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه- عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية روى لها الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو أسامة وابن نمير، عن سعد بن سعيد، قال: أخبرتني عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: "نهى رسول الله ﵇ عن صلاتين: عن صلاة بعد طلوع الفجر حتلى تطلع الشمس وترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان وتغيب بين قرني شيطان.
стр. 2404
وعن صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".
والثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي أبي عبد الله البصري شيخ الأربعة، عن محمَّد بن دينار الأزدي ثم الطاحي أبي بكر البصري، فعن يحيى بن معين: ليس به بأس. وعنه: ضعيف. وقال أبو زرعة: ضعيف. وعنه: لا بأس به. روى له أبو داود والترمذي، عن سعد بن أوس العبسي -ويقال: العدوي- أبي محمَّد الكاتب الكوفي -ويقال: البصري- قال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: صالح. وقال العجلي: ثقة. روى له الأربعة، عن مِصْدع -بكسر الميم- أبي يحيى المعرقب، روى له الجماعة إلا البخاري.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سعد -وهو ابن إبراهيم- عن نصر بن عبد الرحمن، عن معاذ بن عفراء: "أنه طاف بعد العصر أو بعد صلاة الصبح ولم يُصَلِّ، فسئل عن ذلك فقال: نهى رسول الله ﵇ عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس".
ش: إسناده صحيح.
ونصر بن عبد الرحمن القرشي الحجازي وثقه ابن حبان، ومعاذ بن عفراء هو معاذ بن الحارث بن رفاعة الأنصاري المعروف بابن عفراء، وهي أمه، وهي عفراء بنت عبيد بن ثعلبة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نصر بن عبد الرحمن، عن جده معاذ القرشي: "أنه طاف بالبيت مع معاذ ابن عفراء بعد العصر وبعد الصبح فلم يُصلِّ، فسأله، فقال: قال النبي ﵇: لا صلاة بعد صلاتين: بعد الغداة حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس".
стр. 2405
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: نا أبو بكر النهشلي، عن عطية العَوفي، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ أنه نهى عن ذلك، كما ذكر معاذ بن عفراء عن النبي ﵇.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا فهد، قال: نا يحيى بن صالح، قال: نا سليمان بن بلال، قال: نا عمرو ابن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه أربع طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي بكر النهشلي الكوفي،- قيل اسمه عبد الله بن قطاف، وقيل: عبد الله بن معاوية، وقيل: وهب بن قطاف، وقيل: معاوية بن قطاف، روى له مسلم ومن الأربعة غير أبي داود.
عن عطية بن سعد العوفي -بالعين المهملة وبالفاء- الجدلى القيسي أبي الحسن الكوفي، قال أحمد: ضعيف الحديث. وكذا عن النسائي، وعن يحيى: صالح. روى له أبو داود والترمذي والنسائي.
عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١).
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أبي نضرة -بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة- المنذر بن مالك العبدي العَوَقي -بالقاف- عن أبي سعيد الخدري.
стр. 2406
وهو إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا عبد الواحد بن غياث، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس، ونهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد.
وهو أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البخاري (١): نا عبد العزيز بن عبد الله، قال: نا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أنا عطاء بن يزيد الجندعي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس".
وأخرجه مسلم أيضًا.
الرابع: أيضًا صحيح: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي، عن عمرو بن يحيى بن سعيد القرشي الأموي المكي، عن أبيه يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص المدني، عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عفان، نا وهيب، نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: "نهى رسول الله ﵇، عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وعن لبستين: الصماء، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن صلاتن في ساعتين: بعد الصبح، وبعد العصر".
стр. 2407
ص: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرَقْي، قال: نا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمَّد، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح، قال ابن يونس: أحمد بن عبد الله ثقة ثبت. وعمرو بن أبي سلمة التنيسي أبو حفص الدمشقي روى له الجماعة، وزهير بن محمَّد التميمي العنبري روى له الجماعة، وموسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي المدني روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ نهى عن صلاة: عن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا عبد الله بن حُمران، قال: أنا شعبة، عن أبي التيّاح الضُّبَعي، قال: أنا حُمران بن أبان قال: "خطبنا معاوية بن أبي سفيان قال: يا أيها الناس، إنكم لتصلون صلاة قد صحبنا رسول الله ﵇ ما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنها، يعني الركعتين بعد العصر".
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وعبد الله بن حمران بن عبد الله القرشي الأموي البصري روى له مسلم وأبو داود والنسائي، وأبو التياح يزيد بن حميد الضُّبَعي البصري روى له الجماعة، وحمران بن أبان المدني مولى عثمان بن عفان روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (٢): نا محمَّد بن أبان، قال: نا غُنْدر، قال: نا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت حمران بن أبان يحدثُ عن معاوية قال: "إنكم لتصلون صلاةً لقد صَحِبْنا رسول الله ﵇ فما رأيناه ... " إلى آخره نحوه.
стр. 2408
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وحَبَّان -بفتح الحاء والباء الموحدة المشددة- والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٢): عن محمَّد بن سلام، عن عبدة، عن عبيد الله، عن خُبَيب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة نحوه.
فهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي حديث هذا الباب عن ثمانية أنفس من الصحابة ﵃ وهم: عبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب وعائشة الصديقة ومعاذ بن عفراء وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وأبو هريرة.
ولما أخرج الترمذي (٣) حديث ابن عباس ﵄ في هذا الباب قال: وفي الباب عن علي وابن مسعود وأبي سعيد وعقبة بن عامر وأبي هريرة وابن عمر وسمرة بن جندب وسلمة بن الأكوع وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو، ومعاذ بن عفراء، والصنابحي -ولم يسمع من النبي ﵇- ويعلى بن أمية ومعاوية وعائشة وكعب بن مرة وأبي أمامة وعمرو بن عبسَة.
قلت: وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص وصفوان ابن المعطل وبلال وأبي اليسر وعبد الرحمن بن عوف ورجل من أصحاب
стр. 2409
النبي ﵇ وأبي أسيد وقبيصة بن هلب عن أبيه، والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن ابن أزهر ﵃.
فحديث ابن مسعود عند البزار (١): عن العباس بن جعفر، عن الوليد بن صالح، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبد الله قال: "نُهِي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر -أو بعد صلاة الصبح- حتى تطلع الشمس بنصف النهار- أحسبه قال: في شدة الحر".
وحديث عقبة بن عامر عند مسلم (٢): من حديث موسى بن عَلَيّ، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﵇ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا ... " الحديث.
وأخرجه الطحاوي أيضًا في باب المواقيت.
وحديث سمرة بن جندب عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا أبو داود، عن شعبة، عن سماك، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة، يحدث عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تصلوا -أو قال: نهى رسول الله ﵇ أن يُصلى- بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع على قرن أو بين قرني شيطان".
وحديث سلمة بن الأكوع عند أحمد في "مسنده" (٤): عن عبد الرحمن بن مهدي، عن زهير، عن يزيد بن خُصَيْفة، عن سلمة بن الأكوع قال: "كنت أسافر مع النبي ﵇ فما رأيته يصلي بعد العصر ولا بعد الصبح [قط] (٥) ".
стр. 2410
وحديث زيد بن ثابت عند الطبراني في "الكبير" (١): من حديث قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الصلاة بعد العصر".
وحديث عبد الله بن عمرو عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا يزيد بن هارون، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن النبي ﵇ نهى عن صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس".
وحديث الصنابحي عند مالك في "موطإه" (٣): عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﵇ قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول الله ﵇ عن الصلاة في تلك الساعات".
هذه رواية يحيى عن مالك، وتابعه في قوله "عبد الله الصنابحي" جمهور الرواة، منهم القعنبي وغيره، قاله أبو عمر. قال: وقال فيه مطرف: عن مالك بسنده عن أبي عبد الله الصنابحي، وتابعه إسحاق بن عيسى الطباع وجماعة، وهو الصواب، واسمه عبد الرحمن بن عُسَيْلة، من كبار التابعين ولا صحبة له، قصد النبي ﵇ فتوفي وهو في الطريق قبل لقائه إياه بأيام يسيرة.
وحديث يعلى بن أمية عند أحمد (٤): عن حَيّ بن يعلى بن أمية قال: "رأيت يعلى يصلي قبل أن تطلع الشمس فقال له رجل -أو قيل له-: أنت رجل من أصحاب رسول الله ﵇ تصلي قبل طلوع الشمس؟! قال يعلى: سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن الشمس تطلع بين قرني شيطان ... ".
стр. 2411
وحديث كعب بن مرة عند عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل، عن كعب بن مرة البهزي، قال: "قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر. قال: ثم الصلاة مقبولة حتى يطلع الفجر، ثم لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين، ثم الصلاة حتى تغرب الشمس".
وحديث أبي أمامة عند الطبراني في "الكبير" (٢) من رواية القاسم عنه: "أن رسول الله ﵇ نهى عن صلاتين ... " الحديث، وأراد بهما الصلاة بعد العصر وبعد الصبح.
وحديث عمرو بن عَبَسة عند أبي داود (٣): "قال: قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ ... " الحديث، وفيه: "ثم أقصر حتى تطلع الشمس وترتفع رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان".
وحديث أنس عند أبي يعلى (٤) بإسناده الصحيح: قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها؛ فإنها تطلع وتغرب على قرن شيطان وصلُّوا بين ذلك ما شئتم".
وحديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (٥): قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "صلاتان لا يصل بعدهما: الصبح حتى تطلع الشمس، والعصر حتى تغرب الشمس".
وحديث صفوان بن المعطل عند ابن ماجه (٦): أنه قال: "يا رسول الله ... "
стр. 2412
الحديث، وفيه "إذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس ... " الحديث.
وحديث بلال عند أحمد (١): قال: "لم نكن نُنْهَى عن الصلاة إلا عند طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان".
وحديث أبي اليسر عند أحمد (٢) والطبراني (٣): عن سعيد بن نافع قال: "رآني أبو اليسر الأنصاري صاحب رسول الله ﵇ وأنا أصلي صلاة الضحى حين طلعت الشمس فعاب عليّ ونهاني وقال: إن رسول الله ﵇ قال: لا تصلوا حتى ترتفع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان".
وحديث عبد الرحمن بن عوف عند الطبراني في "الكبير" (٤): قال: "سئل رسول الله ﵇: أي الليل أسمع؟ ... " الحديث وفيه: "لا صلاة حتى تكون الشمس قيد رمح أو رمحين، ثم لا صلاة حتى تغيب الشمس".
وحديث رجل من أصحاب النبي ﵇ عند أحمد (٥) وأبي يعلى (٦): عن عبد الله ابن رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﵇: "أن رسول الله ﵇ صلى العصر،
стр. 2413
فقام رجل فصلى، فرآه عمر ﵁ فقال له: اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل ... ".
وحديث أبي أسيد عند الطبراني (١): أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "لا صلاة بعد العصر".
وحديث قبيصة بن هلب، عن أبيه عند الطبراني (٢) أيضًا: عن النبي ﵇: "أنه سئل: هل من ساعة من الدهر تحبسنا عن الصلاة؟ فقال: لا، إلا عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وتغيب بين قرني شيطان".
وحديث المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر عنده أيضًا، وابن عباس (٣) معهما: قالوا: "نهى رسول الله ﵇ عن الصلاة بعد العصر".
ص: فقد جاءت الآثار عن النبي ﵇ متواترةً بالنهي عن الصلاة بعد العصر، ثم عمل بذلك أصحابه من بعده، ولا ينبغي لأحد خلاف ذلك فمما روي عن أصحابه في ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد: "أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر".
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، قال: نا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "كان عمر يكره الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر ﵁".
стр. 2414
حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: نا أبو عوانة، عن سليمان ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، قال: نا شعبة، عن جبلة بن سحيم، قال: سمعت ابن عمر يقول: "رأيت عمر ﵁ يضرب الرجل إذا رآه يصلي بعد العصر حين ينصرف من صلاته".
حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة قال: "سألت ابن عمر عن الصلاة بعد العصر، فقال: رأيت عمر ﵁ يضرب الرجل إذا رأه يصلي بعد العصر".
حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن إياد، عن البراء بن عازب قال: "بعثني سلمان بن ربيعة بريدًا إلى عمر بن الخطاب في حاجة له، فقدمت عليه فقال لي: لا تصلوا بعد العصر؛ فإني أخاف عليكم أن تتركوها إلى غيرها".
حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، قال: أنبأني سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج يحدث عن أبيه قال: "فاتتني ركعتان من العصر فقمت أصليهما فجاء عمر ﵁ ومعه الدرة فلما سلمت قال: ما هذه الصلاة؟ فقلت: فاتتني ركعتان فقمت أقضيهما. فقال: ظننتك تصلي بعد العصر، ولو فعلت ذلك لفعلت بك وفعلت".
حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، قال: نا شعبة، عن سعد، عن عبيد الله بن رافع، عن أبيه ... فذكر مثله.
حدثنا فهد، قال: نا علي بن معبد، قال: نا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد بن عمرو، عن عمرو بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "أمرني عمر بن الخطاب ﵁ أن أضرب مَنْ كان يصلي بعد العصر الركعتين بالدرة".
стр. 2415
ش: أي: قد جاءت الأحاديث عن النبي ﵇ متكاثرة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وأراد بالتواتر معناه اللغوي.
قوله: "ثم عمل بذلك" أي بالنهي عن الصلاة بعد العصر أصحاب النبي ﵇ وقد ذكر ها هنا جماعة منهم في ضمن الآثار التي رواها عن عمر بن الخطاب ﵁ وهم: السائب بن يزيد الكناني المدني ابن أخت النمر، حجَّ مع النبي ﵇ وهو ابن سبع سنين، وذهبت به خالته إلى النبي ﵇ وهو مريض فمسح برأسه ودعا له بالبركة، وتوضأ النبي ﵇ فشرب من وضوئه ونظر إلى خاتم بين كتفيه.
وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري ﵁ فإن هؤلاء الصحابة الأجلَّاء كلهم رووا عن عمر ﵁ منع الصلاة بعد العصر، وعملوا به أيضًا، فصار كالإِجماع منهم على ذلك، فحينئذٍ لا يبقى مجال للخلاف فيه، ولو لم يكن النهي فيه مؤكدًا لما ضرب عمر بن الخطاب المنكدر وغيره بالدرة على فعل ذلك، فلا يجوز حينئذٍ التقرب إلى الله بالفعل المنهي عنه.
ثم إنه أخرج الأثر في ذلك عن عمر بن الخطاب من عشر طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال مسلم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن السائب بن يزيد الكناني الذي مرَّ ذكره الآن.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
والمنكدر هو أبي عبد الله والد محمَّد بن المنكدر القرشي التيمي المدني، ولد على عهد النبي ﵇ ولا تثبت له صحبة.
الثاني: على شرط الشيخين، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح
стр. 2416
عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خلاد بن عَقيل -بالفتح- عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن السائب بن يزيد ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب قال: "رأيت عمر بن الخطاب يضرب المنكدر على السجدتين بعد العصر- يعني الركعتين".
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: "ضرب عمر ﵁ المنكدر إذ رآه سبَّح بعد العصر".
الثالث: على شرطهما أيضًا، عن يزيد بن سنان، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله: "أن عمر ﵁ كره الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر ﵁".
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل ... إلى آخره.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن جبلة ابن سحيم التيمي أبي سُرَيرة الكوفي روى له الجماعة، عن ابن عمر ﵁، عن عمر ابن الخطاب ﵁.
стр. 2417
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن فضيل، عن المختار، عن أنس قال: "كان عمر ﵁ يضرب الأيدي على الصلاة بعد العصر".
السادس: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير أيضًا، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- نصر بن عمران بن عاصم الضُبَعي البصري روى له الجماعة.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن هشيم أو غيره، قال: أخبرني أبو جمرة قال: "سألت ابن عباس عن الصلاة بعد العصر فقال: صلِّ ما شئت إلى الليل، ولقد رأيت عمر ﵁ يضرب الرجل يراه يصلي بعد العصر".
السابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط السدوسي أبي السليل الكوفي، روول له البخاري في "الأدب" والباقون سوى ابن ماجه -عن إياد بن لقيط- وهو أبو عبيد الله المذكور، روى له البخاري في "الأدب" والباقون سوى ابن ماجه.
عن البراء بن عازب قال: "بعثني سلمان بن ربيعة" وهو سلمان بن ربيعة بن عمرو بن سهم السهمي أبو عبد الله الباهلي وهو سلمان الخيل ويقال أن له صحبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين.
قوله: "بَرِيدًا" بفتح الباء الموحدة وهو في الأصل: البغل، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدًا، والمسافة التي بريدًا السكتين بريدًا، والسكة: الموضع الذي كان يسكنه الفيوج المرتَّبون من رباط أو قُبَّة أو بيت أو نحو ذلك، وبُعْد ما بين السكتين فرسخان، وكان يرتب في كل سكة بغال من البريد للرسول.
وفي "العباب": البريد كلمة فارسية أصلها بُريده دُمْ أي محذوف الذنب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فأعربت الكلمة وخففت.
стр. 2418
قوله: "بعد العصر" أي صلاة العصر.
قوله "فإني أخاف أن تتركوها" أي أخاف أن تتركوا صلاة العصر التي هي الفرض إلى غيرها الذي ليس بفرض.
الثامن: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن رافع بن خديج، وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني: ليس بالقوي.
عن أبيه رافع بن خديج الصحابي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج، يحدث عن أبيه قال: "رآني عمر ﵁ يومًا وأنا أصلي بعد العصر، فانتظرني حتى صليت، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقلت: سبقتني بشيء من الصلاة، فقال عمر ﵁: لو علمت أنك تصلي بعد العصر لفعلت وفعلت".
التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن رافع -وهو بالتصغير- أخو عبد الله بن رافع -بالتكبير- المذكور في السند الماضي، ذكره ابن حبان في الثقات، فالذي بالتكبير كنيته أبو محمَّد، والذي بالتصغير كنيته أبو الفضل.
العاشر: عن فهد بن سليمان، عن علي بن مَعْبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات.
عن عمر بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، وثقه ابن حبان.
стр. 2419
وأخرجه ابن حبان في ترجمة عمر بن عبد الملك المذكور (١).
ص: حدثنا الحسن بن الحكم الحِبَريُّ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا مسعود بن سَعْد، عن الحسن بن عبيد الله، عن محمد بن شداد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأشتر قال: "كان خالد بن الوليد ﵁ يضرب الناس على الصلاة بعد العصر".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عامر بن مصعب، عن طاوس: "أنه سأل ابن عباس ﵄ عن الركعتين بعد العصر، فنهاه عنهما وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) الآية".
فهؤلاء أصحاب النبي ﵇ يَنْهَوْن عنهما، ويَضْرب عمر ﵁ عليهما بحضرة سائر أصحابه على قرب عهدهم من رسول الله ﵇ لا ينكر ذلك منهم منكر.
ش: هذان إسنادان صحيحان للأثرين.
أحدهما: عن خالد بن الوليد ﵁، أخرجه عن الحسين بن الحكم بن مسلم الحِبري -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره راء مهملة- نسبته إلى بيع الحبرات عن أبي غسان مالك بن إسماعيل بن درهم شيخ البخاري، عن مسعود بن سعد الجُعْفي وثقه النسائي وغيره، عن الحسن بن عبيد الله بن عروة أبي عروة النخعي الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري، عن محمَّد بن شداد الكوفي وثقه ابن حبان، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي روى له الجماعة، عن الأشتر وهو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي شاعر فارس، صحب علي بن أبي طالب كثيرًا وروى عنه وعن خالد بن الوليد، واستعمله على مصر، فتوجه إليها ومات في الطريق عند بحر قلزم وقبل الوصول إليها سنة ثمان وثلاثين، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وروى له النسائي.
стр. 2420
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن محمَّد بن شداد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأشتر قال: "كان خالد بن الوليد يضرب الناس على الصلاة بعد العصر".
والآخر: عن عبد الله بن عباس ﵄، أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عامر بن مصعب، عن طاوس، عن ابن عباس.
وأخرجه البيهقي (٢) من حديث ابن عيينة، عن هشام بن حجير قال: "كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما. قال: إنما نهى رسول الله ﵇ عنهما أن تُتَّخذ سلمًا، قال ابن عباس: إنه قد نهى عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) ".
قوله: "فهؤلاء أصحاب النبي ﵇" أشار به إلى ما ذكر من الصحابة في أثر عمر بن الخطاب، وما ذكره من خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس مشتملًا غير ما ذكره في ضمن أثر عمر بن الخطاب.
ص: فإن قال قائل: فقد أخبرت أم سلمة أن النبي ﵇ قد كان نهى عنهما ثم صلاهما بعد ذلك لما تركهما بعد الظهر، فهكذا أقول يصليهما بعد العصر مَنْ تركها بعد الظهر، ولا يصلي أحد بعد العصر شيئًا من التطوع غيرهما.
قيل له: إن رسول الله ﵇ لما صلاهما حينئذٍ قد نهى أن يقضيهما أحدٌ، وذلك أن علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة ﵂ قالت: "صلى رسول الله ﵇