← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خلاد بن عَقيل -بالفتح- عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن السائب بن يزيد ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب قال: "رأيت عمر بن الخطاب يضرب المنكدر على السجدتين بعد العصر- يعني الركعتين". وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن معمر، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: "ضرب عمر ﵁ المنكدر إذ رآه سبَّح بعد العصر". الثالث: على شرطهما أيضًا، عن يزيد بن سنان، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله: "أن عمر ﵁ كره الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر ﵁". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل ... إلى آخره. الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن جبلة ابن سحيم التيمي أبي سُرَيرة الكوفي روى له الجماعة، عن ابن عمر ﵁، عن عمر ابن الخطاب ﵁.

стр. 2417

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن فضيل، عن المختار، عن أنس قال: "كان عمر ﵁ يضرب الأيدي على الصلاة بعد العصر". السادس: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير أيضًا، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- نصر بن عمران بن عاصم الضُبَعي البصري روى له الجماعة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن هشيم أو غيره، قال: أخبرني أبو جمرة قال: "سألت ابن عباس عن الصلاة بعد العصر فقال: صلِّ ما شئت إلى الليل، ولقد رأيت عمر ﵁ يضرب الرجل يراه يصلي بعد العصر". السابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط السدوسي أبي السليل الكوفي، روول له البخاري في "الأدب" والباقون سوى ابن ماجه -عن إياد بن لقيط- وهو أبو عبيد الله المذكور، روى له البخاري في "الأدب" والباقون سوى ابن ماجه. عن البراء بن عازب قال: "بعثني سلمان بن ربيعة" وهو سلمان بن ربيعة بن عمرو بن سهم السهمي أبو عبد الله الباهلي وهو سلمان الخيل ويقال أن له صحبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين. قوله: "بَرِيدًا" بفتح الباء الموحدة وهو في الأصل: البغل، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدًا، والمسافة التي بريدًا السكتين بريدًا، والسكة: الموضع الذي كان يسكنه الفيوج المرتَّبون من رباط أو قُبَّة أو بيت أو نحو ذلك، وبُعْد ما بين السكتين فرسخان، وكان يرتب في كل سكة بغال من البريد للرسول. وفي "العباب": البريد كلمة فارسية أصلها بُريده دُمْ أي محذوف الذنب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فأعربت الكلمة وخففت.

стр. 2418

قوله: "بعد العصر" أي صلاة العصر. قوله "فإني أخاف أن تتركوها" أي أخاف أن تتركوا صلاة العصر التي هي الفرض إلى غيرها الذي ليس بفرض. الثامن: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن رافع بن خديج، وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني: ليس بالقوي. عن أبيه رافع بن خديج الصحابي ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج، يحدث عن أبيه قال: "رآني عمر ﵁ يومًا وأنا أصلي بعد العصر، فانتظرني حتى صليت، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقلت: سبقتني بشيء من الصلاة، فقال عمر ﵁: لو علمت أنك تصلي بعد العصر لفعلت وفعلت". التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله بن رافع -وهو بالتصغير- أخو عبد الله بن رافع -بالتكبير- المذكور في السند الماضي، ذكره ابن حبان في الثقات، فالذي بالتكبير كنيته أبو محمَّد، والذي بالتصغير كنيته أبو الفضل. العاشر: عن فهد بن سليمان، عن علي بن مَعْبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات. عن عمر بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، وثقه ابن حبان.

стр. 2419

وأخرجه ابن حبان في ترجمة عمر بن عبد الملك المذكور (١). ص: حدثنا الحسن بن الحكم الحِبَريُّ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا مسعود بن سَعْد، عن الحسن بن عبيد الله، عن محمد بن شداد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأشتر قال: "كان خالد بن الوليد ﵁ يضرب الناس على الصلاة بعد العصر". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عامر بن مصعب، عن طاوس: "أنه سأل ابن عباس ﵄ عن الركعتين بعد العصر، فنهاه عنهما وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢) الآية". فهؤلاء أصحاب النبي ﵇ يَنْهَوْن عنهما، ويَضْرب عمر ﵁ عليهما بحضرة سائر أصحابه على قرب عهدهم من رسول الله ﵇ لا ينكر ذلك منهم منكر. ش: هذان إسنادان صحيحان للأثرين. أحدهما: عن خالد بن الوليد ﵁، أخرجه عن الحسين بن الحكم بن مسلم الحِبري -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره راء مهملة- نسبته إلى بيع الحبرات عن أبي غسان مالك بن إسماعيل بن درهم شيخ البخاري، عن مسعود بن سعد الجُعْفي وثقه النسائي وغيره، عن الحسن بن عبيد الله بن عروة أبي عروة النخعي الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري، عن محمَّد بن شداد الكوفي وثقه ابن حبان، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي روى له الجماعة، عن الأشتر وهو مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي شاعر فارس، صحب علي بن أبي طالب كثيرًا وروى عنه وعن خالد بن الوليد، واستعمله على مصر، فتوجه إليها ومات في الطريق عند بحر قلزم وقبل الوصول إليها سنة ثمان وثلاثين، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وروى له النسائي.

стр. 2420

والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله، عن محمَّد بن شداد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأشتر قال: "كان خالد بن الوليد يضرب الناس على الصلاة بعد العصر". والآخر: عن عبد الله بن عباس ﵄، أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عامر بن مصعب، عن طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه البيهقي (٢) من حديث ابن عيينة، عن هشام بن حجير قال: "كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: اتركهما. قال: إنما نهى رسول الله ﵇ عنهما أن تُتَّخذ سلمًا، قال ابن عباس: إنه قد نهى عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتعذب عليهما أم تؤجر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣) ". قوله: "فهؤلاء أصحاب النبي ﵇" أشار به إلى ما ذكر من الصحابة في أثر عمر بن الخطاب، وما ذكره من خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس مشتملًا غير ما ذكره في ضمن أثر عمر بن الخطاب. ص: فإن قال قائل: فقد أخبرت أم سلمة أن النبي ﵇ قد كان نهى عنهما ثم صلاهما بعد ذلك لما تركهما بعد الظهر، فهكذا أقول يصليهما بعد العصر مَنْ تركها بعد الظهر، ولا يصلي أحد بعد العصر شيئًا من التطوع غيرهما. قيل له: إن رسول الله ﵇ لما صلاهما حينئذٍ قد نهى أن يقضيهما أحدٌ، وذلك أن علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة ﵂ قالت: "صلى رسول الله ﵇

стр. 2421

العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله ﵇، صليتَ صلاةً لم تكن تُصلِيها؟ قال: قدم مالٌ فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتها الآن. قلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتانا؟ قال: لا". فنهى رسول الله ﵇ في هذا الحديث أحدًا أن يصليهما بعد العصر قضاءً عما كان يصليه بعد الظهر. فدل ذلك على أن حكم غيره فيهما إذا فاتتاه خلاف حكمه، فليس لأحد أن يصليهما بعد العصر ولا أن يتطوع بعد العصر أصلًا. وهذا هو النظر أيضًا؛ وذلك أن الركعتين بعد الظهر أيضًا ليستا فرضًا، فإذا تُركتا حتى تُصلَّى صلاة العصر، فإن صُلِّيتا بعد ذلك فإنما تطوع بهما مُصلِّيهما في غير وقت تطوع؛ فلذلك نَهَيْنا أحدًا أن يصلي بعد العصر تطوعًا، وجَعلْنا هاتين الركعتين وغيرهما من سائر التطوع في ذلك سواء. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: تقرير السؤال أن يقال: سلمنا ما ذكرتم من أن الصحابة كانوا ينهون عن هاتين الركعتين بعد العصر، وأن عمر ﵁ كان يضرب الناس على ذلك، ولكن لا نسلِّم مع ذلك إذا كان يُصلّيهما قضاءً عما فاته من ركعتي الظهر، وهو مذهب الشافعي، فإن عنده إذا صلاهما قضاءً عنهما بعد العصر فلا بأس بذلك، وقد ذكرناه فيما مضى. وتقرير الجواب أن يقال: إن ما ذكرتم إنما يصح إذا لم يكن فيه نهي أيضًا، وقد ورد النهي عن النبي ﵇ عن قضائهما أيضًا إذا فاتتاه من الظهر، ألا ترى أن أم سلمة ﵂ لما قالت: "قلت: يا رسول الله ﵇، أفنقضيهما إذا فاتتانا؟ قال: لا"، فنهى النبي ﵇ أن يصليهما أحد بعد العصر قضاءً عما كان يصليه بعد الظهر، فعلم من ذلك أن الصلاة التطوع منهي عنها بعد العصر مطلقًا، فإذا صلاهما بعد العصر يكون متطوعًا قضاءً عن تطوع، والتطوع في غير وقت التطوع لا يجوز؛ فيدخل تحت النهي، وهو وجه النظر والقياس أيضًا.

стр. 2422

وإسناد حديث أم سلمة هذا صحيح، ورجاله ثقات. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس ... إلى آخره نحوه. قوله: "أفنقضيهما" الهمزة للاستفهام، والضمير يرجع إلى الركعتين اللتين بعد الظهر. قوله: "إذا فاتتانا" الضمير المرفوع في "فاتتا" يرجع إلى الركعتين و"نا" ضمير منصوب. قوله "قال: لا" أي: لا تقضيهما إذا فاتتا، وهذا دليل صريح على أن السنن إذا فاتت عن وقتها لا تُقضى، وأن ما كان ﵇ يفعله كان مخصوصًا به، والله أعلم.

стр. 2423

ص: باب: الرّجلَ يُصلِّي بالرجلين أين يُقيمُهما ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي بالرجلين، في أين يقيمهما الإِمام في الصلاة؟ والمناسبة بين البابين: من حيث اشتمال كل منهما على حكم الاثنين، أما في الأول، فالكلام كان في كراهة الركعتين بعد العصر، وأما في هذا فالكلام في حكم الرجلن إذا صليا مع الإِمام. ص: قد ذكرنا في باب "التطبيق في الركوع" عن عبد الله بن مسعود ﵁ "أنه صلى بعلقمة والأسود، فجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على رُكَبنا، فضرب أيدينا بيده وطبَّق، فلما فرغ قال: هكذا فعل رسول الله ﵇". فاحتمل ذلك عندنا أن يكون ما ذكره عن النبي ﵇ أنه فعله هو التطبيق، ويحتمل أن يكون هو التطبيق وإقامة أحد المأمومين عن يمينه والآخر عن شماله، فأردنا أن ننظر، هل في شيء من الروايات ما يدل على شيء من ذلك؟ فإذا حُسين بن نصر قد حدثنا، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: ثنا محمَّد ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "دخلتُ أنا وعمي على عبد الله بالهاجرة، فأقام الصلاة، فتأخرنا خلفه، فأخذ أحدنا بيمينه، والآخر بشماله، فجعلنا عن يمينه وعن يساره، فلما فرغ قال: هكذا كان رسول الله ﵇ يصنع إذا كانوا ثلاثة". قال أبو جعفر ﵀: فهذا الحديث يخبر أن قول ابن مسعود: "هكذا فعل رسول الله ﵇" هو علي قيام الرجلين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وعلى التطبيق جميعًا. وقد حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون قال: "كنتُ أنا وشعيب بن الحبحاب عند إبراهيم، فحضرت العصر، فصلى بنا إبراهيم، فقمنا

стр. 2424

خلفه، فجرّنا، فجعلنا عن يمينه وعن شماله، قال: فلما صلينا وخرجنا إلى الدار قال إبراهيم: قال ابن مسعود: هكذا فَصَلّوا، ولا تُصلُّوا كما يُصلِّي فلان. قال: فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين ولم أُسمِّ له إبراهيم، فقال: هذا إبراهيم قد قال ذاك عن علقمة، ولا أرى ابن مسعود فعله إلا لضيقٍ كان في المسجد، أو لعذر رآه فيه، ولا أعلم ذلك من السنة. قال: فذكرته للشعبي فقال: قد زعم ذلك علقمة- ابن عون القائل". ففي هذا الحديث إضافة الفعل إلى ابن مسعود ولم يذكره الشعبي ولا ابن سيرين أن ابن مسعود ﵁ ذكره عن النبي ﵇، ثم ذكره الأسود لابنه عن النبي ﵇. وكيف كان المعنى في هذا؟ فقد عورض ذلك بما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا مَهديّ بن جعفر قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي حَزْرَة المدني يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أتينا جابر بن عبد الله فقال جابر: "جئتُ رسول الله ﵇ وهو يصلي حتى قمتُ عن يساره، فأخذني بيده فأدارني حتى أقامني عن يمينه، وجاء جبار بن صخر فقام عن يساره، فَدَفَعَنا بيده جميعًا حتى أقامنا خلفه". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أن جَدَّته مُلَيكة دعت النبي ﵇ لطعامٍ صَنَعتْه، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبِس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﵇ وصفَفتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين ثم انصرف". ش: ذكر الطحاوي في باب "التطبيق في الركوع" -وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع- عن ابن مسعود شيئين: الأول: أنه صلى بعلقمة والأسود، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. والثاني: أنه طبق ثم قال بعد فراغه من صلاته: "هكذا فعل رسول الله ﵇".

стр. 2425

فقوله هذا يحتمل معنيين: الأول: أن يكون فعله هذا هو التطبيق وحده، يعني يكون قوله: "هكذا فعل رسول الله ﵇" راجعًا إلى التطبيق وحده. الثاني: يحتمل أن يكون قوله: "هكذا فعل رسول الله ﵇" راجعًا إلى التطبيق وإلى إقامة أحد المأمومين عن يمينه والآخر عن شماله. فإذا كان الأمر كذلك نحتاج أن ننظر هل جاء شيء من الروايات ما يدل على شيء من ذلك؟ فنظرنا في ذلك، فوجدنا عبد الرحمن بن الأسود روى عن أبيه الأسود أنه قال: "دخلت أنا وعمي ... " الحديث، فدل هذا الحديث على أن قول ابن مسعود: "هكذا فعل رسول الله ﵇" يرجع إلى الاحتمال الثاني وهو أنه يدل على قيام أحد المأمومين عن يمينه والآخر عن شماله، وعلى التطبيق جميعًا، وهذا هو مذهب ابن مسعود وأصحابه، وروي أيضًا عن أبي يوسف، ومذهب الجمهور أن الإِمام يتقدم عليهما، وهو قول عمر وعلي وجابر بن زيد، وعطاء، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد. ثم إسناد هذا الحديث صحيح، ورجاله ثقات. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "دخلت على ابن مسعود أنا وعمي بالهاجرة، قال: فأقام الصلاة، فقمنا خلفه، قال: فأخذني بيدٍ وأخذ عمي بيدٍ، قال: ثم قدمنا حتى جعل كل رجل منا على ناحية، ثم قال: هكذا كان رسول الله ﵇ يفعل إذا [كانوا] (٢) ثلاثةً". قوله: "دخلت أنا وعمي" إنما ذكر "أنا" ليصح عطف قوله: "وعمي" على قوله: "دخلت"؛ لأن الضمير المرفوع المتصل لا يعطف عليه إلا بإعادة الضمير المتصل ليصير عطف الاسم على الاسم، وفي تركه يتوهم عطف الاسم على الفعل.

стр. 2426

وعم الأسود هو علقمة بن قيس بن عبد الله، والأسود بن يزيد بن قيس، فعلقمة ويزيد أخوان ابنا قيس بن عبد الله. والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النهار، وأراد به وقت الظهر. قوله: "فجعلَنا" بفتح اللام، أي جعلنا ابن مسعود عن يمينه، وعن شماله. قوله: "وقد حدثنا أبو بشر الرقي ... " إلى آخره، جواب عما ذكر، بيانه: أن الحديث المذكور وإن كان مرفوعًا في رواية الأسود، فهو موقوف في رواية إبراهيم النخعي، والصحيح وقفه، وكذا قال أبو عمر: إن هذا الحديث لا يصح رفعه، والصحيح فيه عندهم التوقيف على ابن مسعود أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود. انتهى. والدليل على صحة الوقف دون الرفع: أن محمَّد بن سيرين أنكر أن يكون ذلك من السنة حيث قال: ولا أعلم ذلك من السنَّة، وإنما فعل ابن مسعود ذلك لضيق كان في المسجد، أو لعلةٍ أخرى رآه فيها، وكذا عامر بن شراحيل الشعبي قال: هذا زعم علقمة. وعبد الله بن عون هو القائل بذلك. ففي هذا الحديث أضافوا الفعل إلى ابن مسعود دون النبي ﵇، أعني به الحديث الذي أخرجه عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري أبي المثني البصري قاضيها روى له الجماعة، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني أبي عون البصري روى له الجماعة، قال: كنت أنا وشعيب بن الحبحاب الأزدي أبو صالح البصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه. عن إبراهيم هو النخعي، وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود. قوله: "وقد يجوز أيضًا أن يكون علقمة ... " إلي آخره، جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: قد يجوز أن يكون علقمة بن قيس لم يذكر لعامر الشعبي ولا لمحمد ابن سيرين أن ابن مسعود ذكر فعله المذكور عن النبي ﵇، وذكره الأسود بن يزيد لابنه عبد الرحمن أنه عن النبي ﵇، فيكون الحديث مرفوعًا.

стр. 2427

وتقرير الجواب هو ما أشار إليه بقوله: "وكيف كان المعنى في هذا، فقد عُورِض ذلك ... " إلى آخره، بيانه: أن هذا الحديث وإن سلَّمنا صحة رفعه أو صحة وقفه؛ فأيًّا ما كان فهو مُعَارَض بحديث جابر بن عبد الله وحديث أنس بن مالك ﵃. أما حديث جابر فأخرجه وإسناد صحيح، عن حسين بن نصر بن المعارك، عن مهدي بن جعفر الرملي الزاهد وعن يحيى: لا بأس به. عن حاتم بن إسماعيل المدني روى له الجماعة، عن أبي حَزْرة -بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة وبالراء المهملة- المدني القاضي واسمه يعقوب بن مجاهد، روى له البخاري في "الأدب" ومسلم وأبو داود. عن عبادة بن الوليد أبي الصامت المدني روى له الجماعة سوى الترمذي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حاتم بن إسماعيل، ثنا أبو حَزْرة يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد قال: "أتينا جابرًا قال: سرت مع رسول الله ﵇ في غزوة فقام يصلي ... " الحديث، وفيه: "فقمت عن يسار رسول الله ﵇ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء ابن صخر حتى قام عن يساره، فأخَذَنا بيديه جميعًا فدَفَعنا حتى أقامنا خلفه". وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) أيضًا مطولًا. وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء الأنصاري الخزرجي ثم السلمي، يكنى أبا عبد الله، من أصحاب العقبة. قوله: "فَدَفَعَنَا" بفتح العين أبي فدفعنا رسول الله ﵇. وأما حديث أنس فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره.

стр. 2428

وأخرجه الجماعة غير ابن ماجه. فالبخاري (١): عن عبد الله، عن مالك. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (٤): عن إسحاق الأنصاري، عن مالك. والنسائي (٥): عن قتيبة، عن مالك. غير أن في رواية البخاري ومسلم: "فصلى لنا رسول الله ﵇ ركعتين" وفي رواية أبي داود: "فصلى لنا ركعتين"، وفي رواية النسائي: "قوموا فأصلي لكم، وصلى ركعتين ثم انصرف". قوله: "أن جدته مليكة" الضمير في "جدته" يرجع إلى إسحاق المذكور، وهي جدة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة، وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري، وهي أم أنس بن مالك، ويقال: الضمير يرجع إلى أنس، وهو القائل: "أن جدته" وهي جدة أنس بن مالك أم أمه، واسمها مليكة بنت مالك بن عدي، ويؤيد الوجه الأول أن في بعض طرق الحديث: "أن أم سليم سألت رسول الله ﵇ أن يأتيها". أخرجه النسائي (٦): عن يحيى بن سعيد، عن إسحاق بن عبد الله ... فذكره.

стр. 2429

وأم سليم هي أم أنس، جاء ذلك مصرحًا في البخاري، وقال النووي في "الخلاصة": الضمير في "جدته" لإسحاق -على الصحيح- وهي أم أم إسحاق، وقيل جدّة أنس. وهو باطل، وهي أم سليم، صرَّح به في رواية البخاري، ومُليكة بضم الميم وفتح اللام، وبعض الرواة رواه بفتح الميم وكسر اللام، والأول أصح، وفي بعض شروح البخاري: اختلف في الضمير من "جدته" هل يعود على إسحاق أو على أنس؟ فزعم أبو عمر أنه يعود على إسحاق وأنها جدته وأم أنس، ولم يتردد في ذلك، وتبعه على ذلك غير واحد، يؤيده ما جاء في رواية أبي داود "أن رسول الله ﵇ كان يزورها وجاءت الصلاة فصلى على بساط"، وما جاء في رواية النسائي: "أن أم سُليم سألت رسول الله ﵇ أن يأتيها فيصلي في بيتها" ومنهم من قال: الضمير يعود على أنس؛ لأن أم أم سليم اسمها مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة. قال ذلك محمَّد بن سعد في كتاب "الطبقات"، وهشام بن محمَّد الكلبي في "الجمهرة"، وأبو عبيد بن سلام، وأحمد بن جابر البلاذري وذكرها في الصحابة ﵃، وزعم الأصيليُّ أن أم سليم اسمها مَلِيكة بفتح الميم وكسر اللام، وكأنه غير جيد لغرابته. قوله: "دعت النبي ﵇" أي طلبته. قوله: "لطعام" أي لأجل طعام. قوله: "صنعته" جملة وقعت صفة لطعام. قوله: "فأكل منه" فيه حذف، أي فأجاب دعوتها، فجاء فأكل منه. قوله "فلأصلي بكم" قال أبو العباس القرطبي: رويناه بكسر لام "فلأصلي" وفتح الياء على أنها لام كي، والياء زائدة، وروي بكسر اللام وجزم الياء على خطاب نفسه، وروي بفتح اللام واثبات الياء ساكنة، وهي أضعفها؛ لأن اللام تكون جواب قسم محذوف، وحينئذٍ تلزمها النون في المشهور.

стр. 2430

قوله: "فقمت إلى حصير" قال ابن سيده في "المحكم" و"المحيط الأعظم": إنها سفيفة تصنع من بَرْديّ وأسَلٍ ثم تفترش؛ سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض يسمى حصيرًا. وفي "الجمهرة": الحصير عربي؛ سمي حصيرًا لانضمام بعضه إلى بعض. قوله: "من طول ما لبس" أبي من كثرة ما استعمل، وقال الشيخ تقي الدين: دلَّ ذلك أن الافتراش يُطلق عليه لبس. ويرتب على ذلك مسألتان: إحداهما: لو حلف لا يلبس ثوبًا ولم تكن له نية فافترشه؛ أنه يحنث. والثانية: أن افتراش الحرير حرام؛ لأنه كاللبس. قلت: أما الأول فينبغي أن لا يحنث فيها؛ لأن مبنى اليمين على العرف، ولا يُسمى المفترش لابسًا في العرف. وأما الثانية: فليس الافتراش كاللبس؛ لأن بجواز الافتراش جاء الأثر دون اللبس. قوله: "فنضحته بماء" إن كان ذلك لنجاسة متيقنة يكون النضح بمعنى الغسل، وإن كان لتوقع نجاسة لامتهانه بطول افتراشه يكون النضح بمعنى الرش لتطييب النفس، ويقال: إن كان النضح لِيَلِينَ الحصير للصلاة عليه يكون بمعنى الرش، وإن كان لعرض الدوس والأقدام يكون بمعني الغسل. قوله: "واليتيم" عطف على ما قبله، وإنما ذكر "أنا" لأن العطف على الضمير المرفوع المتصل لا يجوز إلا بعد الضمير المرفوع المنفصل؛ حتى لا يتوهم عطف الاسم على الفعل، واسم اليتيم ضُمَيرة، جَدّ حسين بن عبد الله بن ضميرة، قاله ابن الحَذَّاء عن عبد الملك بن حبيب، قال: ولم يذكره إلا ابن حبيب فيما علمت، وأظنه سمعه من حسين بن عبد الله أو من أحد من أهل المدينة الذين لقيهم، قال ابن الحَذَّاء: حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضُميرة، وأبو ضُميرة

стр. 2431

هو مولى رسول الله ﵇، فإن كان كما قال فقد اختلفوا في اسم أبي ضُميرة، فقيل: اسمه روح بن سَنْدَر، وقيل روح بن شيرزاد، وقال أبو عمر عن البخاري: اسمه سعد الحمْيري من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعبد الحميري هو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة. قوله: "ثم انصرف" أي عن البيت، وهذا هو الأقرب، ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة. أما على رأي أبي حنيفة بناءً على أن السلام لا يدخل تحت مسمى الركعتين. وأما على رأي غيره فيكون الانصراف عبارة عن التحلل الذي يَسْتعقب السلام، وقد قال بعض الحنفية: ويستدل أبو حنيفة ومن قال بقوله أن السلام ليس بواجب في الخروج من الصلاة لقوله: "ثم انصرف" ولم يذكر سلامًا، ولقائل أن يقول: قوله "ثم انصرف" يريد الانصراف من البيت الذي هو فيه كما ذكرناه. ويستفاد من الحديث فوائد: استحباب التواضع وحسن الخلق، وإجابة دعوة الداعي، والدلالة على إجابة أولى الفضل لمن دعاهم لغير الوليمة، واستحباب الصلاة للتعليم أو لحصول البركة، وبيان موقف الاثنين وراء الإمام وهو المطلوب من تخريج الحديث، والدلالة على أن للصبي موقفًا في الصف، وعلى أن موقف المرأة وراء موقف الصبي، وأنها لا تجوز إمامتها لأن مقامها إذا كان متأخرًا عن مرتبة الصبي فبالأوْلى أن لا تتقدمهم، وهو قول الجمهور خلافًا للطبري وأبي ثور في إجازتهما إمامة النساء مطلقًا، وحكي عنهما أيضًا إجازة ذلك في التروايح إذا لم يوجد قارئ غيرها، وعلى جواز الاجتماع في النوافل خلف الإِمام، وعلى صحة صلاة الصبي وأنها معتدٌّ بها، وعدم كراهة الصلاة على الحصير ونحوه مما تنبته الأرض وهو إجماع، إلا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز، ويُحمل فعله على التواضع.

стр. 2432

فإن قيل: فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): من حديث يزيد بن المقدام، [عن المقدام بن شريح] (٢) عن أبيه، عن شريح: "أنه سأل عائشة ﵂: أكان النبي ﵇ يصلي على الحصير، فإني سمعت في كتاب الله ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٣) فقالت: لا، لم يكن يصلي عليه". قلت: هذا غير صحيح؛ لأنه معلول بيزيد (٤)، فلا يُعارِض الصحيح. ص: فإن قال قائل: فإن فعل ابن مسعود ﵁ هذا الذي وصفنا بعد النبي ﵇ يدل على أن ما عمل به من ذلك هو الناسخ. قيل له: فقد روي عن غير ابن مسعود من أصحاب النبي ﵇ أنه فعل بعد موت النبي ﵇ في ذلك مثل ما روى جابر وأنس ﵄، فإن كان ما روي عن ابن مسعود من فعله بعد النبي ﵇ دليلًا عندك على أن ذلك هو الناسخ، كان ما روي عن غير ابن مسعود من ذلك دليلًا عند خصمك على أن ذلك هو الناسخ.

стр. 2433

فمما روي عن غير ابن مسعود في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري (خ). وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه قال: "جئت بالهاجرة إلى عمر بن الخطاب ﵁ فوجدته يُصلي، فقمت عن شماله، فأخلفني فجعلني عن يمينه، ثم جاء يَرْفأ فتأخرت فصليت أنا وهو خلفه". حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، قال: سمعت سليمان بن يسار يقول: سمعت ابن عتبة يقول: "أقيمت الصلاة، وليس في المسجد أحد إلا المؤذن ورجل وعمر بن الخطاب، فجعلهم عمر ﵁ خلفه فصلى بهم". ش: السؤال والجواب ظاهران، وهو معارضة بالمثل. قوله: "فمما روي" أي فمن الذي روي عن غير ابن مسعود ﵁ وهو ما رواه عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه عبد الله بن عتبة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه قال: "أتيت عمر بن الخطاب وهو يصلي بالهاجرة، فقمت عن شماله فجعلني عن يمينه، فجاء يَرْفأ، فتأخرنا، فصرنا اثنين خلفه".

стр. 2434

الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن أبيه أنه قال: "دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ بالهاجرة، فوجدته يُسبِّح، فقمت وراءه، فقرَّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه، فلما جاء يَرْفأ تأخرنا، فصففنا وراءه". الثالث: عن بكر بن إدريس بن الحجاج أبي القاسم الأزدي الفقيه، عن آدم بن أبي إياس التيمي -ويقال التميمي- شيخ البخاري، عن شعبة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن عبيد مولى آل طلحة القرشي الكوفي روى له الجماعة إلا البخاري، عن سليمان بن يسار الهلالي أبي أيوب المدني روى له الجماعة، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الرحمن المدني والد عبيد الله، أحد الفقهاء السبعة، روى له الجماعة غير الترمذي. قوله: "بالهاجرة" أراد بها وقت الظهر، ولكن رواية مالك تدل على أن المراد بها وقت الضحوة الكبرى، وهو وقت اشتداد الحر، وكان يصلي فيه الضحى؛ لأنه قال: "فوجدته يُسبِّح" أي يتطوع ويتنفل. قوله: "فأخلفني" أي جعلني من خلفه إلى يمينه، بمعني أدارني من خلفه إلى يمينه. قوله: "يَرْفأ" بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء المهملة وبالفاء بعدها ألف ساكنة، وهو مولى لعمر بن الخطاب ﵁، وكان حاجبه في خلافته. ص: ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر، فرأينا الأصل أن الإمام إذا صلى برجل واحد أقامه عن يمينه، وبذلك جاءت السنة عن رسول الله ﵇ في حديث

стр. 2435

أنس، وفيما حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أتيت النبي ﵇ وهو يصلي، فقمت عن يساره، فأخلفني فجعلني عن يمينه". فهذا مقام الواحد مع الإِمام، وكان إذا صلى بثلاثةٍ أقامهم خلفه، هذا لاخلاف فيه بين العلماء، وإنما اختلافهم في الاثنين، فقال بعضهم: يقيمهما حيث يقيم الواحد. وقال بعضهم: يقيمهما حيث يقيم الثلاثة، فأردنا أن نَنْظر في ذلك لنعلم هل حكم الاثنين في ذلك كحكم الثلاثة أو حكم الواحد؟ فرأينا رسول الله ﵇ قد قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة". حدثنا بذلك أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﵇ بذلك. فجعلهما رسول الله ﵇ جماعةً، فصار حكمهما كحكم ما هو أكثر منهما لا حكم ما هو أقل منهما. ورأينا الله قد فرض للأخ أو للأخت من قبل الأم السدس، وفرض للجميع الثلث وكذلك فرض للاثنين، وجعل للأخت من الأب والأم النصف، وللاثنتين الثلثين، وكذلك أجمعوا أنه يكون للثلاث، وأجمعوا أن للابنة النصف وأن للبنات الثلثين، وقال أكثرهم -وابن مسعود فيهم-: إن للاثنتين أيضًا الثلثين. فكذلك هو في النظر؛ لأن البنت لَمَّا كانت في ميراثها من أبيها كالأخت في ميراثها من أخيها كان البنتان أيضًا في ميراثهما من أبيهما كالأختين في ميراثهما من أخيهما؛ فكان حكم الاثنين فيما وصفنا حكم الجماعة لا حكم الواحد. فالنظر على ذلك أن يكونا في مقامهما مع الإمام في الصلاة مقام الجماعة لا مقام الواحد، فثبت بذلك ما روى جابر وأنس، وفعله عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 2436

غير أن أبا يوسف قال: الإِمام بالخيار، إن شاء فعل كما روى ابن مسعود، وإن شاء فعل كما روى أنس وجابر. وقول أبي حنيفة ومحمد في هذا أحب إلينا، والله أعلم. ش: أي: ثم طلبنا حكم الاثنين من طريق القياس هل له حكم الثلاثة أم حكم الواحد؟ فوجدنا الأصل في ذلك أن الإِمام إذا كان وراءه واحد فإنه يقيمه عن يمينه كما جاء في حديث ابن عباس ﵄. أخرجه بإسناد صحيح، عن بكر بن إدريس بن الحجاج، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه الجماعة مطولًا ومختصرًا، فقال البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "بتّ في بيت خالتي ميمونة، فصلى رسول الله ﵇ العشاء، ثم جاء فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام، فجئت فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه ... " الحديث. وقال مسلم (٢): حدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: نا وهب بن جرير، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت قيس بن سعد يحدث، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "بعثني العباس إلى النبي ﵇ وهو في بيت ميمونة، فبتّ معه تلك الليلة، فقام يصلي من الليل، فقمت عن يساره فتناولني من خلف ظهره فجعلني عن يمينه". وقال أبو داود (٣): حدثنا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم ... إلى آخره نحو رواية البخاري.

стр. 2437

وقال الترمذي (١): نا قتيبة، قال: نا داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: "صليت مع النبي ﵇ ذات ليلة، فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله ﵇ برأسي من ورائي، فجعلني علي يمينه". وقال النسائي (٢): أنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "بتّ عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﵇ يصلي من الليل، فقمت عن شماله، فقال بي هكذا، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه". وقال ابن ماجه (٣): ثنا محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، نا عبد الواحد بن زياد بن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: "بتّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﵇ يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأقامني عن يمينه". قوله: "هذا لا خلاف فيه بين العلماء" أشار به إلى قوله: "وكان إذا صلى بثلاثة أقامهم خلفه"؛ لأن هذا مما لا يختلف فيه أحد من العلماء، "وإنما اختلافهم في الاثنين" أي في حكم الاثنين، هل هو كحكم الواحد أم كحكم الجماعة؟ "فقال بعضهم" وأراد بهم: أصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود، وغيرهما: "يقيمهما" أي يقيم الإمام الاثنين "حيث يقيم الواحد" يعني واحدًا عن يمينه، والآخر عن شماله. "وقال بعضهم" وأراد بهم جمهور العلماء والأئمة الأربعة وأصحابهم "يقيمهما" أي الاثنين "حيث يقيم الثلاثة" يعني يتقدم الإِمام عليهما كما يتقدم على الثلاثة فما فوقها، فصار الخلاف في هذا الفعل، فننظر فيه، هل حكمه حكم الواحد أو حكم الجمع؟

стр. 2438

فرأينا دلائل تدل على أن حكم الاثنين في غير صورة النزاع حكم الجمع لا حكم الواحد: منها: قوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة". أخرجه عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله -بالتصغير- ابن محمَّد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله التيمي أبي عبد الرحمن البصري المعروف بابن عائشة شيخ أبي داود وأحمد، ثقة صدوق. وعن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما يرويان عن الربيع بن بدر بن عمرو بن جراد التيمي السَعْدي الأعرجي أبي العلاء البصري المعروف بُعَليْله، فيه مقال، فعن يحيى بن معين: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وقال أبو داود: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: لا يشتغل بروايته فإنه ضعيف الحديث، ذاهب الحديث. عن أبيه بدر بن عمرو بن جراد الكوفي، قال في "الميزان": فيه جهالة، ما روى عنه غير ولده. عن جده عمرو بن جراد التيمي السعدي. عن أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا هشام بن عمار، نا الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جدِّه عمرو بن جراد، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﵇: "اثنان فما فوقهما جماعة". فجعلهما -أي الاثنين- رسول الله ﵇ جماعةً فصار حكمهما كحكم ما هو أكثر منهما لا حكم ما هو أقل منهما، ومثل هذا القول حجة من اللغوي فكيف من النبي ﵇؟!

стр. 2439

ومن الدلائل: ما أشار إليه بقوله: "ورأينا الله قد فرض للأخ ... " إلى آخره، بيانه: أن الله تعالى قد فرض للأخ من الأم أو للأخت من الأم السدس؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (١) أي وله أخ لأم أو أخت لأم، وبذلك قرئت، وفرض للثلاثة منهم الثلث؛ وذلك لقوله تعالى: (﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ وكذلك فرض للاثنين منهم الثلث فجعل الأخوين من الأم أو الأختين من الأم مثل الثلاثة منهم. ومنها: ما أشار إليه بقوله: "وجعل للأخت من الأب والأم النصف" بيانه: أن الله تعالى فرض للأخت الواحدة من الأب والأم النصف، وللأختين من الأب والأم الثلثين، وكذلك للثلاث فما فوقه، فقد سوَّى الله تعالى هنا أيضًا بين الاثنين والجمع، وجعل حكمهما واحدًا، وهذا لا خلاف فيه، ومنها ما أشار إليه بقوله: "وأجمعوا أن للابنة النصف" بيانه: أن الله تعالى فرض للبنت الواحدة النصف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (٢)، فهذا مجمع عليه للنص، وكذلك أجمعوا أن للبنات الثلثين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٢). ثم قال أكثر العلماء من التابعين وغيرهم ومن الصحابة عبد الله بن مسعود: إن للاثنتين أيضًا الثلثان كالجمع منهن، وذهب آخرون منهم ومن الصحابة عبد الله بن عباس أن للاثنتين النصف كالواحدة. ومنها غير ما ذكره الطحاوي: أن بالاثنين غير الإِمام تنعقد صلاة الجمعة عند أبي يوسف. ومنها: أن حكم المرأتين في النصف كحكم النساء عنده. ومنها: أن الاثنين كالثلاث عنده في سد الطريق الكبير الذي بين الإِمام والقوم.

стр. 2440

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) المراد قلباكما؛ إذ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. فإذا دلَّت هذه الأحكام على أن حكم الاثنين حكم الجماعة لا حكم الواحدة في هذه الصُورَ، فالنظر والقياس على ذلك أن يكون حكم الاثنين في مقامهما مع الإِمام في الصلاة كحكم الجماعة لا حكم الواحد. والأكثرون من الصحابة والفقهاء وأئمة اللغة على أن أقل الجمع ثلاثة حتى لو حلف لا يتزوج نساء لا يحنث بتزوج امرأتين؛ وذلك لإجماع أهل اللغة والعربية على اختلاف صيغ الواحد والاثنين والجمع في غير ضمير المتكلم مثل: رجل، رجلان، رجال، وهو فَعَلَ، وهما فَعَلا، وهم فَعَلُوا، وأيضًا يصح نفي الجمع عن الاثنين مثل: ما في الدار رجال بل رجلان. وقد أجابوا عن الحديث بأنه لما دل الإجماع على أن أقل الجمع ثلاثة وجب تأويل الحديث، وذلك بأن يحمل على أن للاثنين حكم الجمع في المواريث استحقاقًا وحجبًا، أو في حكم الاصطفاف خلف الإِمام وتقدم الإِمام عليهما، أو في حكم إباحة السفر لهما وارتفاع ما كان منهيًّا عنه في أول الإِسلام من مسافرة واحد واثنين بناءً على غلبة الكفار، أو في انعقاد صفة الجماعة بهما وإدراك فضيلة الجماعة؛ وذلك لأن الغالب من حال النبي ﵇ تعريف الأحكام دون اللغات. وعن الآيات بأن فيها إطلاق الجمع على الاثنين مجاز بطريق إطلاق اسم الكل على البعض، أو تشبيه الواحد بالكثير في العِظَم والخطر كما يطلق الجمع على الواحد تعظيمًا في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). قوله: "فثبت بذلك" أي بما ذكرنا من وجه النظر: ما روى جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وما فعله عمر بن الخطاب ﵁، وانتفى بذلك ما روي عن ابن مسعود ﵁.

стр. 2441

ص: باب: صلاة الخوف كيف هي ؟ ش: أي هذا باب في بيان كيفية صلاة الخوف، ولما فرغ عن بيان أنواع الصلوات التي تقع في حالة الأمن؛ شرع يبين الصلاة التي تقع في حالة الخوف، فالمناسبة بين هذا الباب وبين الأبواب التي قبله تكون من جهة التضاد، فافهم. ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عاصم بن علي وخلف بن هشام، قالا: ثنا أبو عوانة (ح). وحدثنا صالح، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: "فرض الله على لسان نبيكم أربعًا في الحضر، وركعتين في السفر، وركعة في الخوف". ش: هذه أربعة أسانيد: الأول: صحيح على شرط مسلم، عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، عن عاصم بن علي بن عاصم الواسطي شيخ البخاري، وعن خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي شيخ مسلم كلاهما، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن بُكير بن الأخنس السَّدُوسي الكوفي، عن مجاهد بن جبر المكي، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى وسعيد بن منصور وأبو الربيع وقتيبة بن سعيد -قال يحيى: أنا. وقال الآخرون: ثنا- أبو عوانة، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم، في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي إسحاق الضرير إبراهيم بن زكرياء العجلي البصري، ضعفه خلق كثير؛ فقال أبو حاتم الرازي: مجهول، والحديث

стр. 2442

الذي رواه منكر. وقال الترمذي: كأن حديثه موضوع لا يشبه حديث الناس. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: حدث عن الثقات بالبواطيل. وهو أيضًا يروي عن أبي عوانة ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وجبارة بن المغلس، قالا: ثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "افترض الله الصلاة على لسان نبيكم ﵇ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". الثالث: عن عبد العزيز بن معاوية بن عبد العزيز العتَّابي أبي خالد البصري، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢): أنا يعقوب بن ماهان، قال: نا القاسم بن مالك، عن أيوب بن عائذ، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور شيخ أبي داود ومسلم، عن أبي عوانة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): نا مسدد وسعيد بن منصور، قالا: ثنا أبو عوانة ... إلى آخره نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقلَّدوه وجعلوه أصلًا، فجعلوا صلاة الخوف ركعةً واحدةً. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء، وطاوسًا والحسن ومجاهدًا والحكم بن عُتَيبْة

стр. 2443

وقتادة وإسحاق والضحاك؛ فإنهم قالوا: صلاة الخوف ركعة واحدة. واحتجوا بالحديث المذكور، وقال ابن قدامة: والذي قال منهم: ركعة إنما جعلها عند شدة القتال. وروي مثله عن زيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، قال جابر: "إنما القصر ركعة عند القتال". وقال إسحاق "يجزئك عند الشدة ركعة تومئ إيماءً، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة؛ لأنها ذكر الله تعالى". وعن الضحاك أنه قال: "ركعة، فإن لم تقدر كبَّر تكبيرة حيث كان وجهه". وقال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن عمر والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وسائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة. ثم قال: والذين روينا عنهم صلاة النبي ﵇ أكثرهم لم ينقصوا عن ركعتين، وابن عباس ﵄ لم يكن ممن يحضر النبي ﵇ في غزواته، ولا نعلم ذلك إلا بالرواية عن غيره، فالأخذ برواية من حضر الصلاة وصلاها مع النبي ﵇ أولى. وقال ابن حزم في "المحلّى": مَنْ حضره خوف من عدو ظالم، أو كافر، أو باغي من المسلمين، أو من سَيْل، أو من نار، أو من حَنش، أو سبع، أو غير ذلك، وهم في ثلاثة فصاعدًا، فأميرهم مُخيَّر بين أربعة عشر وجهًا كلها قد صح عن رسول الله ﵇ وسواء ها هنا الخائف من طالب بحق أو بغير حق. ثم قال: وروينا عن أبي هريرة أنه صلى بمن معه صلاة الخوف، فصلاها بكل طائفة ركعة، إلا أنه لم يقض ولا أمر بالقضاء. وعن ابن عباس: "يومئ بركعةٍ عند القتال". وعن الحسن: "أن أبا موسى الأشعري صلى في الخوف ركعة". وعن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: "إذا كانت المسايفة فإنما هي ركعة يومئ إيماءً حيث كان وجهه، راكبًا كان أو ماشيًا".

стр. 2444

وعن سفيان الثوري، عن موسى بن عبيد، عن الحسن قال في صلاة المطاردة: "ركعة". وعن سفيان الثوري: حدثني سالم بن عجلان الأفطس: سمعت سعيد بن جبير يقول: "كيف تكون قصرًا وهم يُصلُّون ركعتين؟! وإنما هو ركعة ركعة يومئ بها حيث كان وجهه". وعن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة قال: "سألت الحكم بن عُتَيْبة وحماد بن أبي سليمان، وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا: ركعة حيث كان وجهه". وعن وكيع، عن شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم مثل قول الحكم وحماد وقتادة. وعن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد: "في قول الله : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١) قال: في الغزو يصلي راكبًا وراجلًا، يومئ حيث كان وجهه، والركعة الواحدة تجزئه". وبه يقول سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه. ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أن الله قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٢) ففرض الله صلاة الخوف ونصَّ فرضها في كتابه هكذا، وجعل صلاة الطائفة بعد تمام الركعة الأولى مع الأمام، فثبت بهذا أن الإِمام يصلِّيها في حال الخوف ركعتين، وهذا خلاف هذا الحديث، ولا يجوز أن يؤخذ بحديثٍ يدفعه نَصُّ الكِتَاب. ش: أي: فكان من الحجة والبرهان على القوم المذكورين الذين جعلوا صلاة الخوف ركعة واحدة: أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢) الآية. فهذه الآية تدل على أن الإِمام يصلي صلاة الخوف ركعتين؛ لأن معنى قوله:

стр. 2445

﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١) اجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك فصلِّ بهم ركعةً، فإذا سجدوا -يعني الطائفة الذين معك، والسجود على ظاهره عند أبي حنيفة- فليكونوا من ورائكم يحرسونكم، ولتأت طائفة أخرى -وهم الذين كانوا تجاه العدو- فليصلوا معلى ركعةً، فتكون صلاة الإِمام ركعتين. وقال أبو بكر الرازي: وفي الآية الأمر لهم بأن يكونوا بعد السجود من ورائهم، وذلك موافق لقولنا، فإذا كانوا كذلك لم يكملوا صلاتهم إلا بعد صلاة الطائفة الثانية الركعة الثانية، وإليه أشار الطحاوي بقوله: "وجعل صلاة الطائفة" أراد به الطائفة الأولى بعد تمام الركعة الأولى مع الإِمام، وعلى مذهب مالك لا يكونون من ورائهم إلا بعد تمام صلاتهم؛ لأنه فسّر السجود بالصلاة، فعلى مذهبه يقضون لأنفسهم بعد صلاتهم مع الإمام ركعةً، ولا يكونون من ورائهم إلا بعد القضاء. فإذا ثبت بالتقرير المذكور أن الإمام يصليها في حالة الخوف ركعتين؛ لا يجوز أن يترك ذلك بحديث يخالف النص؛ لأن العمل به نسخ للكتاب بخبر الواحد، وذا لا يجوز، وقد يُقال: إن قوله: "وركعةً في الخوف" محمول على أنه مع الإمام حتى لا يكون مخالفًا لغيره من الأحاديث الصحيحة. ص: ثم قد عارضه عن ابن عباس غيره: حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن أبي بكر بن أبي الجهْم، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله ﵇ بذي قَرْد صلاة الخوف، والمشركون بينه وبين القبلة، فصفَّ صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، فصلى بهم ركعةً، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، فصلى بهم ركعةً، ثم سلم عليهم، فكانت لرسول الله ﵇ ركعتان ولكل طائفة ركعة".

стр. 2446

فهذا عبيد الله بن عبد الله قد روى عن ابن عباس ما يخالف ما روى مجاهد عنه، ومحال أن يكون الفرض على الإمام ركعةً فيَصِلُها بأخرى بلا قعود ولا تشهد ولا تسليم. فلما تضادّ الخبران عن ابن عباس؛ تنافيا، ولم يكن لأحد أن يحتج في ذلك بمجاهد عن ابن عباس؛ لأن خصمه يحتج عليه بُعبَيد الله، عن ابن عباس بخلاف ذلك. ش: هذا إشارة إلى حجة أخرى على القوم المذكورين، بيانها أن يُقال: إن ما رَوَيْتم عن مجاهد، عن ابن عباس من أن صلاة الخوف ركعة؛ يُعارِضُه ما رواه عبيد الله، عن ابن عباس أيضًا؛ لأنه صرَّح في روايته هذه بأن صلاة الخوف ركعتان، فحينئذٍ تضادّ خبرا ابن عباس وتنافيا؛ فلم يبق لهم أن يحتجوا في ذلك بخبر مجاهد عن ابن عباس؛ لأنهم متى احتجوا به يحتج عليهم خصمهم بخبر عبيد الله، عن ابن عباس ﵄. أخرجه بإسناد صحيح عن علي بن شيبة بن الصلت السَّدُوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي أبي عامر الكوفي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن أبي بكر بن أبي الجهم -واسم أبي الجهم صخر، ويقال: عُبيد- بن حذيفة القرشي العدوي، روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. عن عبيد الله بن عبد الله -بتصغير الابن وتكبير الأب- بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة. عن عبد الله بن عباس. وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ صلّى بذي قرَدٍ، فصفّ الناس خلفه صَفّين، صفًّا خلفه، وصفًّا

стр. 2447

موازي العدوّ، فصلى بالذين خلفه ركعةً، ثم انصرف هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، وجاء أولئك فصلّى بهم ركعةً ولم يقْضوا". قوله: "بذي قَرَد" بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، هو موضع على ليلتين من المدينة على طريق خيبر، ويقال لغزوة ذي القَرَد: غزوة الغابة أيضًا، وكانت في سنة ست من الهجرة، وقال ابن هشام: واستعمل رسول الله ﵇ على المدينة ابن أم مكتوم. وذكر ابن سعد أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، وكانت لرسول الله ﵇ عشرون لقحة ترْعي بالغابة، فأغار عليها عُيَيْنة في ليلة الأربعاء في أربعين فارسًا، فاستاقوها، وكان أبو ذر فيها، وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنادى: الفزع الفزع، فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها، فركب رسول الله ﵇ فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعًا، فوقف، وكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرًا سيفه، فعقد له رسول الله ﵇ لواءً في رمحه، وقال: "امض حتى تلحقك الخيل"، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يَحْرسون المدينة، فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله ﵇ بذي قَرَد، فاستنقذوا عَشْر لقاحِ، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر، وصلى رسول الله ﵇ بذي قَرَد صلاة الخوَف، وأقام بها يومًا وليلة يتحسَّسُ الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابة جزورًا ينحرونها، وكانوا خمسمائة -ويقال: سبعمائة- ثم رجع رسول الله ﵇ إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليالٍ. قوله: "مَصافّ هؤلاء" بفتح الميم وتشديد الفاء، جمع مَصَفّ وهو موضع الحرب الذي تكون فيه الصفوف، وأما المُصاف -بضم الميم- فهو بمعنى المُقابِل، يقال: مُصَافّ العدو، أي مقابلهم. ثم هذا النوع من صلاة الخوف ذهب إليه ابن أبي ليلى؛ فإنه قال: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة جعل الناس طائفتين، فيكبّر ويكبّرون، فيركع ويركعون

стр. 2448

جميعًا معه، ويسجد الإِمام والصفُّ الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف المؤخر، فإذا فرغوا من سجودهم فقاموا تقدم الصف الآخر وتأخر الصف المقدم، فيصلي بهم الإِمام الركعة الأخرى كذلك. ثم اعلم أن صلاة الخوف على أنواع شتّى. فقال الخطابي: وقد صلاَّها رسول الله ﵇ في أيام مختلفة، وعلى أشكال متباينة يتَوخّى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مؤتلفة في المعاني. وقال ابن القصَّار المالكي: إن النبي ﵇ صلاهَّا في عشرة مواطن، وذكر مسلم أربعة أحاديث كل حديث يدل على صورة، وذكر أبو داود ثمان صور، وذكر غيره صُورًا أخرج يبلغ مجموعها ستة عشر وجهًا. وقال في الإِمام: اختلفت الأحاديث في هيئة صلاة الخوف، فذكر ابن عمر ﵄ هيئةً، وروى صالح بن خوَّات هيئة أخرى، وروى جابر هيئةً أخرى، وأحسن ما بنيت عليه هذه الأحاديث أن تحمل على اختلاف أحوال أدَّي الاجتهاد في كل حالة إلى أن إيقاع الصلاة على تلك الهيئة أحصن وأكثر تحرزًا وأمنًا من العدو، ولو وقعت على هيئةٍ أخرى لكان فيها تفريط وإضاعة للحزم. وقال عياض: واختلف فقهاء الأمصار في المختلف من الهيئات الواردة في الإيماء، فأخذ مالك برواية صالح بن خوَّات التي رواها عنه في "موطإه". وأخذ الشافعي وأشهب من أصحاب مالك برواية ابن عمر، وأخذ أبو حنيفة برواية جابر، ولا معنى للأخذ بها إلا إذا كان العدو في القبلة، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن الإمام يصلي ركعتين وتصلي كل طائفة ركعة لا أكثر، واحتج بما رواه الطحاوي عن ابن عباس في أول الباب.

стр. 2449

وأخرج مسلم (١) في بعض طرقه عن جابر ﵁: "أن النبي ﵇ صلى أربع ركعات، بكل طائفة ركعتين" فكانت للنبي ﵇ أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، وهو اختيار الحسن، وذُكِرَ عن الشافعي أيضًا. وفيها صورة أخرى رواها ابن مسعود وأبو هريرة، وأخرى رواها أبو داود في حديث ابن مسعود أيضًا، وأخرى رواها أيضًا في رواية أبي هريرة، وأخرى رويت عن عائشة ﵂، وأخرى جاءت في حديث ابن أبي حثمة من رواية صالح بن خوَّات، وأخرى رويت عن القاسم في حديث ابن أبي حثمة، وأخرى رواها أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر ﵃، وسيأتي ذلك مفصَّلًا مشروحًا. ص: فإن قالوا: فقد رُوي عن غير ابن عباس ما يُوافِقُ ما قلنا، وذكروا ما حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن الرُّكَيْن بن الربيع، عن القاسم بن حسان قال: "أتيت ابن وَدِيعة فسألته عن صلاة الخوف، فقال: ائت زيد بن ثابت فسله، فأتيته فسألته، فقال: صلى النبي ﵇ صلاة الخوف في بعض أيامه فصفَّ صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدوّ، فصلَّى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مَصَافّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مَصَافّ هؤلاء، فصلى بهم ركعةً ثم سَلّم عليهم". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مُؤَمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، ثم ذكر مثله بإسناده، وقال عبد الله بن وديعة: وزاد: "فكانت لرسول الله ﵇ ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة". حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا قبَيصة (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مُؤَملٌ، قالا: ثنا سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم الحنظلي قال: "كنا مع سعيد ابن العاص بطبرستان، فقال: أيكم شهد صلاة الخوف مع النبي ﵇؟ فقام حذيفة فقال: أنا ... " ثم قال مثل ما ذكر زيد سواء.

стр. 2450

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عطيّة بن الحارث، قال: حدثني مُخْمَل بن دماثٍ قال: "غزوت مع سعيد بن العاص فسأل الناس: من شهد منكم صلاة الخوف مع النبي ﵇؟ ... " ثم ذكر مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المَسْعُودي، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ مُقَابلَ العَدُو ... " ثم ذكر مثله. حدثنا أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز، قال: حدثني أبو حفص الفلاس، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوَّات، عن سهل بن أبي حثمة: "أن النبي ﵇ صلَّى باصحابه صلاة الخوف" فذكر مثله. ش: أي: فإن قال أولئك القوم المذكورون، هذه معارضة منهم، بيانها أن يقال: إنكم قد ذكرتم ما يعارض احتججنا به من حديث ابن عباس وأسقطتم احتجاجنا به، وها نحن قد وجدنا عن غير ابن عباس من الصحابة قد روى عن النبي ﵇ أنه صلى صلاة الخوف ركعةَّ واحدةً نحو ما ذهبنا إليه. فذكروا في ذلك أحاديث زيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبد الله وسهل بن أبي حثمة ﵃، فإنهم رووا عن النبي ﵇ ما يوافق ما قلنا. أما حديث زيد بن ثابت فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن الرُّكين -بضم الراء- بن الرَّبيع -بفتح الراء- بن عُمَيلة -بضم العين- الفزاري أبي الربيع الكوفي، روى له الجماعة، البخاري في كتاب "الأدب". عن القاسم بن حسان العامري، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي. عن عبد الله بن وديعة بن جذام الأنصاري المدني روى له البخاري وابن ماجه.

стр. 2451

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سفيان، عن الركين، عن القاسم بن حسان قال: "أتيت فلان بن وديعة، فسألته عن صلاة الخوف فقال: أثبت زيد بن ثابت ... " إلى آخره نحوه. ثم قال البيهقي: أراد بقوله: "ذهب هؤلاء وجاء أولئك" في تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم. الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان ... إلى آخره. وزاد عبد الله بن وديعة في هذه الرواية: "فكانت" أي الصلاة "لرسول الله ﵇ ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة". وأخرجه الطبراني في "الكبير (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن الرُّكين بن الرَّبيع بن عُمَيلة الفزاري، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: "سألته عن صلاة الخوف فقال: قام رسول الله ﵇ فصلى بهم، فقام صفّ خلفه، وصفّ موازي العدو، فصل بهم ركعةً، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، وجاء هؤلاء فصلى بهم ركعةً ثم انصرف". وأما حديث حديفة بن اليمان ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي الكوفي، عن الأسود بن هلال المحاربي أبي سلام الكوفي، عن ثعلبة بن زهدم التميمي الحنظلي الصحابي ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني أشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم قال: "كنا مع

стр. 2452

سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلَّى مع رسول الله ﵇ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فقام حذيفة وصفّ الناس خلفه صفين، صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعةً ولم يَقْضوا". وأخرج أيضًا (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، عن سفيان، عن الأشعث بن أبي الشعثاء ... إلى آخره. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمّل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، حدثني الأشعث بن سُلَيم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهْدم قال: "كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﵇ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعةً وبهؤلاء ركعةً ولم يقضوا". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ البخاري وأحمد، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، عن عطية بن الحارث الهمداني الكوفي، عن مُخْمل -بضم الميم وسكون الخاء المعجمة- بن دَمَاث -بفتح الدال المهملة وتخفيف الميم وفي آخره ثاء مثلثة- الكوفي وثقه ابن حبان، قال: "غزوت مع سعيد بن العاص ... " إلى آخره. وهو سعيد بن العاص بن أحيحة القرشي الأموي أبو عبد الرحمن المدني، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان ﵁، استعمله عثمان على الكوفة، وغزا طَبَرِسْتان فافتتحها -وهي بفتح الطاء والباء الموحدة والراء وسكون السين المهملة وبالتاء المثناة من فوق وبعد الألف نون- وهي بلاد كثيرة المياه والأشجار

стр. 2453

والغالب عليها الجبال وأبنيتها بالخشب والقصب، وهي بلاد كثيرة الأمطار، ويرتفع منها أبرسم يعم الآفاق، وغالب خبزهم الأرز، وهي شرقي كبلان؛ وانما سميت بذلك لأن طَبَر بالفارسية الفأس، وأستان الناحية، ومن كثرة اشتباك أشجارها لا يَسْلك فيها الجيش إلا بعد أن تقطع الأشجار من بين أيديهم بالطبر، فسميت لذلك طبرستان أي: ناحية الطبر، ومن بلادها: رُويان خرج منها جماعة من أهل العلم، وناتل، والأرجان، وويمَه، وآمُل وهي أكبر مدينة بطبرستان ومنها أبو جعفر محمَّد بن جرير الطبري، وما مَطير خرج منها جماعة من أهل العلم. وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، عن يزيد بن صهيب الفقير أبي عثمان الكوفي روى له الجماعة غير الترمذي. وأخرجه النسائي (١): أنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: أنبأني يزيد الفقير، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﵇ فأقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﵇ وقامت خلفه طائفة، وطائفة مواجهة العدو، فصل بالذين خلفه ركعةً وسجد بهم سجدتين، ثم إنهم انطلقوا فقاموا مقام أولئك الذين كانوا في وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة فصل رسول الله ﵇ ركعةً وسجدتين، ثم إن رسول الله ﵇ سلَّم، فسلَّم الذين خلفه وسلَّم أولئك". وله رواية أخرى (٢): عن يزيد الفقير، عن جابر نحوه، وفي آخره: "فكانت للنبي ﵇ ركعتان ولهم ركعة".

стр. 2454

وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) مطولًا ومختصرًا بوجوه متعددة. وأما حديث سهل بن أبي حثمة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز البصري أحد الأئمة الحنفية الكبار، قال ابن الجوزي: ولي لقضاء بالشام والكوفة وبغداد، وكان عالمًا ورعًا ثقة قدوة في العلوم غزير الفضل والدين، ذكره صاحب "الهداية" في كتاب الرهن. وهو يروي [عن] (٣) أبي حفص الفلاس الحافظ واسمه عمرو بن علي، وهو باسمه أشهر منه بكنيته، وهو شَيْخ الجماعة، يَرْوي عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃ روى له الجماعة، عن أبيه القاسم بن محمَّد روى له الجماعة، عن صالح بن خوَّات -بالخاء المعجمة وبتشديد الواو وفي آخره تاء مثناة من فوق- بن جبير الأنصاري المدني، روى له الجماعة حديث صلاة الخوف. عن سهل بن أبي حثمة عبد الله الأنصاري الصحابي ﵁. والحديث أخرجه الجماعة: فقال البخاري (٤): ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوَّات، عن سهل بن أبي حثمة قال: "يقوم الإِمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه، وطائفة من قِبَل العدو ووجوههم إلى العدو، فيُصلِّي بالذين معه ركعة ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك، فيجيء أولئك فيركع بهم ركعةً فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين".

стр. 2455

ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﵇ مثله. وقال مسلم (١): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوَّات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﵇ صلَّى بأصحابه في الخوف، فصفّهم خلفه صفّين، فصلى بالذين يلونهم ركعةً، ثم قام، فلم يزل قائمًا حتى صلَّى الذين خلفهم ركعةً، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعةً، ثم قعد حتى صلَّى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم". وقال أبو داود (٢): ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمَّد، عن صالح بن خوَّات، أن سهل بن أبي حثمة الأنصاري حدثه: "أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام وطائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإِمام ركعة ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية، ثم سلَّموا وانصرفوا -والإمام قائم- فكانوا وجاه العدو، ثم يُقبل الآخرون الذين لم يُصلُّوا فيكبروا وراء الإِمام، فيركع بهم، ويسجد بهم، ثم يُسلِّم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون". وقال الترمذي (٣): ثنا محمَّد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن صالح بن خوَّات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة: "أنه كان يقول في صلاة الخوف: يقوم الإِمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قِبَل العدو ووجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة ويركعون لأنفسهم ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يذهبون إلى مقام أولئك،
следующие страницы →