له أن لا يصليه البتّة ويكون له تركه، فيكون كما له تركه بكماله يكون له ترك القيام فيه، فأما ما ليس له تركه فليس له ترك القيام فيه، فثبت بذلك أن تينك الركعتين اللتين تطوع بهما النبي ﵇ بعد الوتر كانتا من صلاة الليل، وفي ذلك ما
يجب به قول الذين لم يَرَوْا بالتطوع في الليل بعد الوتر باسًا ولم ينقضوا الوتر،
وقد روي عن النبي ﵇ في ذلك من قوله- ما يدل على هذا أيضًا - ما قد ذكرنا
عنه في حديث ثوبان ﵁.
ش: نبّه بقوله: "فهذا رسول الله ﵇" على أنه ﵇ قد تطوع بعد وتره كما
صرَّح به في حديث عائشة وأنس وأبي أمامة ﵃، وأنه قد دل على أن ذلك لم يكن
ناقضًا لوتره المتقدم، وكذا أمره بالركعتين في حديث ثوبان يدلّ على ذلك.
ثم إنه رجَّح هذا المعنى الذي احتج به أهل المقالة الثانية على المعنى الذي تأوّله
أهل المقالة الأولى من قول علي ﵁ في حديثه: "ثم ثبت له الوتر في هذه الساعة.
قال: وذاك عند طلوع الفجر".
وقد أوّل الطحاوي هذا فيما مضى بقوله: "وهذا عندنا على قرب طلوع الفجر قبل أن يطلع الفجر"، فيكون المعنى: عند مشارفة الوقت الذي صلّي فيه على طلوع الفجر كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أي: فإذا أشرفن على بلوغ الأجل، وإنما أوّل بهذا التأويل ليرتفع الخلاف بين حديثي علي:
أحدهما: ما رواه عنه عاصم بن ضمرة: "كان النبي ﵇ يوتر أول الليل وفي وسطه وفي آخره، ثم ثبت له الوتر في آخره".
والآخر: ما رواه عنه عبد خير: "كان يوتر أول الليل، ثم بدا له فأوتر وسطه، ثم ثبت له الوتر في هذه الساعة. قال: وذاك عند طلوع الفجر".
قوله: "مع أن ذلك أيضًا ... " إلى، آخره، جواب آخر بطريق التسليم، يعني:
стр. 2662
سلمنا أن وتره ﵇ قد انتهى إلى السَّحَر، ولكن هذا لا يمنع عن تطوعه بعد طلوع الفجر؛ فإنه يجوز أن يكون وتره ينتهي إلى السَّحَر، ثم يتطوع بعد طلوع الفجر.
قوله: "فإن قال قائل ... " إلى آخره ظاهرٌ غنيٌّ عن مزيد البيان.
قوله: "تانك الركعتان" أراد بهما الركعتين اللتين صلاهما النبي ﵇ بعد وتره في حديث عائشة وهو من أسماء الإشارة في تثنية المؤنث، ويجوز فيه تخفيف النون وتشديدها فتقول: تانك وتانّك وجمعها أولئك من غير لفظ واحده، وتقول في تثنية المذكر: ذانك وذانّك بالتخفيف والتشديد، قال الله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (١) فقرئ بالتشديد والتخفيف، وتقول في مفرد المؤنث: تلك وتالك وتيك وتاك، ويقال أيضًا: هاتيك وهاتاك وهاتلك وهاتالك، وفي مفرد المذكر: ذلك وذاك، وكل هذه إشارات لغير الحاضر، فافهم.
قوله: "فلأن سعد بن هشام إنما سأل عائشة ... " إلى آخره، قد مرَّ حديثه مستوفى في باب الوتر.
قوله: "وهو يطيق القيام" جملة حالية في الموضعين.
قوله: "ما له أن لا يصليه" في محل النصب على أنه مفعول لقوله: "وإنما يجوز أن يصلي قاعدًا".
قوله: "البتةَ" نصب على المصدر من بتّ يبتّ، وهو مصدر معرف باللام نحو ضربت الضربَةَ.
قوله: "فيكون كما له تركه" أي: كما للمصلي ترك ما له أن لا يصليه بكماله يكون له ترك القيام فيه؛ لكونه نفلًا محضًا بخلاف سنة الفجر فإنها سنة مؤكدة كادت أن تكون واجبة، فلا يجوز ترك القيام فيها عند القدرة عليه، ألا ترى أن الحسن البصري قد ذهب إلى وجوب ركعتي الفجر، وهو مذهب بعض الظاهرية أيضًا.
стр. 2663
ص: وقد حدثنا عمران بن موسى الطائي وابن أبي داود، قالا: نا أبو الوليد (ح)
وحدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "لا وتران في ليلة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم وأبو الوليد، قالا: ثنا ملازم، عن عبد الله ابن بدر ... فذكر مثله بإسناده.
ش: ذكر حديث طلق بن علي بن المنذر الحنفي السُّحَيْمي اليمامي الصحابي ﵁، لكونه حجة لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية فيما إذا تطوع بعد الوتر لا يكون ذلك نقضًا لوتره، فلا يعيد وتره؛ لأنه ﵇ قال: "لا وتران في ليلة"، يعني: لا يُصلّى وترٌ مرتين في ليلة واحدة.
وأخرجه من أربع طرق:
الأول: عن عمران بن موسى الطائي وإبراهيم بن أبي داود البرلّسي كلاهما، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن أيوب بن عتبة اليمامي قاضي اليمامة، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو النضر، قال: ثنا أيوب -يعني ابن عتبة- قال: ثنا قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "لا وتران في ليلة".
ومعناه: أن من أوتر ثم صلى بعد ذلك لا يعيد الوتر.
الثاني: عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، عن علي بن الجعد بن عبيد الجَوْهري الثقة المتقين المثبت، عن أيوب بن عتبة ... إلى آخره.
стр. 2664
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١).
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن ملازم بن عمرو بن عبد الله السُّحَيمي أبي عمرو اليمامي، عن عبد الله ابن بدر بن عميرة السُّحَيْمي اليمامي، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي ﵇ مثله.
وأخرجه أبو داود (٢) بأتمّ منه: ثنا مسدد، ثنا ملازم بن عمرو، نا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق قال: "زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر بنا، ثم انحدر إلى مسجده، فصلى بأصحابه حتى إذا بقيَ الوتر قدّم رجلًا فقال: أوتِرْ بأصحابك، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقولُ: لا وتران في ليلة".
الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، كلاهما عن ملازم بن عمرو ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): أنا هناد بن السَّرِي، عن ملازم بن عمرو، قال: حدثني عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق قال: "زارنا أي طلق بن علي في يوم من رمضان فأمسى بنا وقام بنا تلك الليلة ... " إلى آخره نحو رواية أبي داود.
فإن قيل: كيف استدل بهذا الحديث للطائفة الثانية، وفي إسناده أيوب بن عتبة وقد قال فيه يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال مسلم: ضعيف. وقال البخاري: هو عندهم ليّن.
وفي إسناده أيضًا قيس بن طلق وقد ضعّفَه غير واحد؟
стр. 2665
قلت: أما أيوب فقد قال ابن عدي: يكتب حديثه، وعن يحيى: لا بأس به. وأما قيس بن طلق فقد قال العجلي: يمامي تابعي ثقة، وهكذا وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأخرج الترمذي (١) حديثه هذا: عن هناد، عن ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر، عنه.
وقال: هذا حديث حسن غريب.
والحديث الحسن يجوز الاحتجاج به، ولئن سلمنا إجماع ضعف أيوب بن عتبة، فقد أخرج الحديث من طريقين ليس فيهما أيوب، فافهم.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﵇ قال لأبي بكر ﵁: "متى توتر؟ قال: أول الليل بعد العتمة. قال: أخذتَ بالوُثْقَى، وقال لعمر ﵁: متى توتر؟ قال: آخر الليل. قال: أخذتَ بالقوة".
حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: "أن أبا بكر وعمر ﵁ تذاكرا الوتر عند رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أما أنا فأصلي ثم أنام على وترٍ، فإذا استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، فقال عمر ﵁: لكني أنام على شفع ثم أوتر من آخر السَّحَر. فقال ﵇ لأبى بكر: حَذِرَ هذا، وقال لعمر: قَوِي هذا".
فدل قول النبي ﵇: "لا وتران في ليلة" على ما ذكرنا من نفي إعادة الوتر، ووافق ذلك قول أبي بكر: "أما أنا فأوتر أول الليل، فإذا استيقظت صليتُ شفعًا حتى الصباح".
وتركُ النبي ﵇ النكيرَ عليه دليل على أن حكم ذلك كما كان يَفعلُ، وأن الوتر لا تَنقُضُه النوافل التي يُتنفّلُ بها بعده.
стр. 2666
ش: لما كان الأثران اللذان رواهما جابر وسعيد بن المسيب يوافقان في المعنى قول النبي ﵇: "لا وتران في ليلة"؛ ذكرهما.
وأخرج الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب القرشي المدني، ضعفه بعضهم ووثقه آخرون.
عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو داود سليمان بن توبة، ثنا يحيى بن أبي بكير، نا زائدة، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇ لأبي بكر: "أيّ حينٍ توتر؟ قال: أول الليل بعد العتمة. قال: فأنت يا عمر؟ قال: آخر الليل. فقال النبي ﵇: أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالوثقى، وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة".
قوله: "بعد العتمة" أي بعد العشاء.
قوله: "بالوُثْقَى" بضم الواو على وزن فُعْلى مؤنث وثيق وهو الأمر المحكم، وهو في الحقيقة صفة لمحذوف، والتقدير: أخذت بالفَعْلة الوثقة أو نحو ذلك.
وأخرج الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب سيد التابعين ولم يسمع من أبي بكر ﵁ ولا أَدركه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) مختصرًا: ثنا هشيم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: "كان أبو بكر يوتر أول الليل، وكان عمر يوتر آخر الليل".
стр. 2667
وأخرج أبو داود (١): نا محمَّد بن أحمد بن خلف، نا أبو زكرياء السَّيْلَحيني، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة "أن النبي ﵇ قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أوتر من أول الليل. وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر
الليل. قال لأبي بكر: أخذ هذا بالحذر، وقال لعمر: أخذ هذا بالقوة" انتهى.
قوله: "حَذِرَ هذا" أي: احتاط حيث أوتر أول الليل خوفًا من عدم الانتباه، وهو معنى قوله أيضًا: "أخذ هذا بالحذر".
قوله: "قوي هذا" أي أخذ بالقوة والحزم حيث أوتر آخر الليل؛ لأنه كان متوثقًا من نفسه بالانتباه.
ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب النبي ﵇:
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة قال: "سألت ابن عباس عن الوتر فقال: إذا أوترت أول الليل فلا توتر آخره، وإذا أوترت آخره فلا توتر أوله. قال: وسألت عائذ بن عمرو فقال مثله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثثا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن قتادة ومالك بن دينار، أنهما سمعا خلاسًا قال: "سمعت عمار بن ياسر ﵁ وسأله رجل عن الوتر فقال: أما أنا فأوتر ثم أنام، فإن قمتُ صليت ركعتين".
وهذا عندنا معنى حديث همام، عن قتادة الذي ذكرناه في الفصل الأول، كان في ذلك: "إذا قمت شفعت"، فاحتمل ذلك أن يكون يشفع بركعة كما كان ابن عمر ﵄ يفعل.
ويحتمل أن يكون يُصلّي شفعًا، ففي حديث شعبة قد بَيَّن أن معنى قوله: "شفعت" أي صلّيتُ شفعًا شفعًا ولم أنقض الوتر.
стр. 2668
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير قال: "ذكر عند عائشة ﵂ نقض الوتر، فقالت: لا وتران في ليلة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبس الله بن حُمران، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، عن عمر بن الحكم، أن أبا هريرة قال: "لو جئتُ بثلاثة أبعرة فَأَنَخْتُها، ثم جئتُ بَبعيرَيْن فأنختهما، أليس كان يكون ذلك وترًا؟ قال: وكان يضرب ذلك مثلًا لنقض الوتر".
قال أبو جعفر ﵀: وهذا عندنا كلام صحيح، ومعناه: أن ما صليت بعد الوتر من الإشفاع فهو مع الوتر الذي أوترتُه وترًا". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن أبي مُرَّة مولى عقيل بن أبي طالب: "أنه سأل أبا هريرة: كيف كان النبي ﵇ يوتر؟ فقال: إن شئت أخبرتك كيف أصنع أنا؟ قلت: أخبرني. قال: إذا صليتُ العشاء صليت بعدها خمس ركعات، ثم أنام، فإن قمتُ من الليل صليتُ مثنى مثنى، فإن أصبحت أصبحت على وترٍ".
فهذا ابن عباس وعائذ بن عمرو وعمار وأبو هريرة وعائشة ﵃ لا يرون التطوع بعد الوتر ينقض الوتر، فهذا أولى عندنا مما روي عمن خالفهم؛ إذ كان ذلك موافقًا لما روي عن النبي ﵇ من فعله وقوله، والذي روى عن الآخرين أيضًا فليس له أصل في النظر؛ لأخهم إذا كانوا أرادوا أن يتطوعوا صلّوا ركعةً فيشفعون بها وترًا متقدمًا قد قطعوا فيما بينه وبين ما شفعوا به بكلام وعمل ونوم، وهذا لا أصل له في الإجماع فَيُعْطَف عليه هذا الاختلاف، فلما كان ذلك كذلك وقد خالفه من أصحاب النبي ﵇ من ذكرنا، وروي عن النبي ﵇ أيضًا خلافه؛ انتفى ذلك ولم يجز العمل به.
وهذا القول الذي بينّا هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: قد روي نفي إعادة الوتر وتكراره عن جماعة من الصحابة ﵃، وهم: ابن عباس وعائذ بن عمرو، وعمار، وأبو هريرة، وعائشة ﵃.
стр. 2669
أما أثر ابن عباس وعائذ بن عمرو فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم- واسمه نصر بن عمران بن عاصم، وثقه ابن معين وابن حبان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس وعائذ بن عمرو قالا: "إذا أوترت أول الليل فلا توتر آخره، وإذا أوترت آخره فلا توتر أوله".
قوله: "وسألت عائذ بن عمرو" السائل هو أبو جمرة، وعائذ بن عمرو بن هلال المزني أبو هُبَيرة البصري، شهد بيعة الرضوان مع رسول الله ﵇.
وأما أثر عمار ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة، عن قتادة، ومالك بن دينار البصري الزاهد المشهور، كلاهما عن خلاس بن عمرو الهجري، عن عمار بن ياسر ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو الهجري، عن عمار قال: "أما أنا فأوتر، فإذا قمت صليت مثنى مثنى؟ وِتري الأول كما هو".
قوله: "وهذا عندنا" أي معنى هذا الحديث الذي رواه شعبة، عن قتادة، عن خلاس معنى الحديث الذي رواه همام بن يحيى، عن قتادة عن خلاس المذكور في الفصل الأول في هذا الباب، وهو قوله: حدثنا محمَّد بن بحر، قال: ثنا يزيد هارون، قال: أنا همام، عن قتادة ومالك بن دينار، عن خلاس قال: "كنت جالسًا عند عمار ﵁ فأتاه رجل فقال له: كيف توتر؟ قال: أترضى بما أصنع؟ قال: نعم. قال: -أحسب قتادة قال في حديثه-: فإني أوتر بليل خمس ركعات ثم أرقد، فإذا قمت من الليل شفعتُ".
стр. 2670
ويحتمل هذا أن يكون يشفع بركعة كما كان عبد الله بن عمر يفعل؛ فإنه روي عنه أنه قال: "من أوتر فبدا له أن يصلي، فليشفع إليها بأخرى حتى يوتر بعد"، ويحتمل أن يكون يصلي شفعًا، ويؤيد هذا الاحتمال حديث شعبة عن قتادة، عن خلاس؛ لأنه يبيّن أن معنرل قوله: "فإذا قمت من الليل شفعت" أي صليت شفعًا شفعًا ولم أنقض الوتر؛ وذلك لأن شعبة صرَّح في حديثه: "فإن قمت
صليت ركعتين ركعتين".
وأما أثر عائشة ﵂: فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية اليشكري، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره.
وأما أثر أبي هريرة ﵁: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عبد الله بن حمران بن عبد الله بن حمران بن أبان القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان، روى له مسلم وأبو داود.
عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري المدني روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
عن عمران بن أبي أنس المصري العامري روى له مسلم والأربعة، عن عمر بن الحكم بن رافع الأنصاري أبي حفص المدني روى له البخاري مستشهدًا، والباقون سوى ابن ماجه، عن أبي هريرة.
قوله: "أبعرة" جمع بعير، ويجمع أيضًا على أباعر وأباعير وبُعْران وبَعْران، والبعير: الجمل البازل، وقيل: الجذع، وقد يكون الأنثى، وحكي عن بعض العرب: شربت من لبن بعيري، وصرعتني بعيرٌ لي.
وفي "الجامع": البعير بمنزلة الإنسان، يَجْمَع المذكر والمؤنث من الناس، إذا رأيت جملًا على البُعْد قلتَ: هذا بعير، وإذا استثبته قلت: جمل أو ناقة.
стр. 2671
والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي مرة واسمه يزيد مولى عقيل بن أبي طالب، عن أبي هريرة.
وأخرجه البيهقي أيضًا (١): من حديث مالك ﵀.
قوله: "إذْ كان" كلمة "إذْ" للتعليل.
قوله: "من فعله وهو ما روي من حديث عائشة أنه صلى الركعتين بعد الوتر.
قوله: "من قوله" وهو قوله: "لا وتران في ليلة".
قوله: "والذي روي عن الآخرين" مبتدأ، وخبره قوله: "فليس له أصل في النظر" أي في القياس.
قوله: "فَيُعْطَفَ عليه" بنصْب الفاء، وتقديره: فإن يعطف.
قوله: "انتفى" جواب قوله: "فلما كان ذلك كذلك" والباقي ظاهر، والله أعلم.
стр. 2672
ص: باب: القراءة في صلاة الليل
ش: أي هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة الليل هل يُجْهر بها أوْ يُخافَتْ؟ والمناسبة بين البابين اشتمال كل منهما على صلاة يتنفل بها.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان النبي ﵇ يصلي من الليل فتسمع قراءته من وراء الحُجَر وهو في البيت".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي الزناد -بالنون- هو عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، وعمرو بن أبي عمرو -واسمه ميسرة- مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب القرشي أبو عثمان المدني روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن جعفر الوركاني، نا ابن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كانت قراءة رسول الله ﵇ على قدر [ما]، (٢) يسمعه مَنْ في الحجرة وهو في البيت".
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن هلال بن خباب، عن يحيى بن جَعْدة، عن جدته أم هانئ قالت: "كنت أسمع صوت النبي ﵇ في جوف الليل وأنا نائمة على عريشي، وهو يُصلّي يُرجّع بالقرآن".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مِسعرٌ، عن أبي العلاء، عن يحيى بن جعدة قال: قالت أم هانئ: "إني كنت لأسمع صوت النبي ﵇ وأنا على عريشي".
стр. 2673
ش: هذا إسنادان:
أحدهما: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد السنة، عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي، فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف لا يكتب حديثه. وعنه: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وعن عفان: ثقة. وثقه الثوري وشعبة وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
عن هلال بن خباب العبدي أبي العلاء البصري وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ ويخالف. وروى له الأربعة.
عن يحيى بن جعدة بن هبيرة، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. روى له الأربعة الترمذي في "الشمائل".
عن أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي ﵂، واسمها فاختة، وهي جدّة يحيى بن جعدة أم أبيه.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا الحسين بن إسحاق التستري، نا يحيى الحماني، نا قيس بن الربيع، عن هلال بن خبَّاب، عن يحيئ بن جعدة، عن أم هانئ قالت: "كنت أسمع قراءة النبي ﵇ يُرجّع بها في جوف الليل وأنا متكئة على عريشي".
والآخر: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن مسعر بن كدام، عن أبي العلاء هلال بن خباب العبدي، عن يحيى بن جعدة ... إلى آخره.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أبو معاوية، نا مسعر، عن أبي العلاء العبدي، عن جعدة بن هبيرة، عن أم هانئ قالت: "كنت أسمع قراءة رسول الله ﵇ وأنا علي عريشي".
стр. 2674
وأخرجه النسائى (١): عن الدَّوْرقي، عن وكيع، عن مسعر ... إلى آخره نحوه.
و"العريش": السرير.
و"الترجيع": ترديد القراءة، وقيل: هو تقارب ضروب الحركات في الصوت.
ص: فذهب قوم إلى أن القراءة في صلاة الليل هكذا هي، وكرهوا المخافتة فيها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعلقمة وعكرمة؛ فإنهم استحبوا جهر القراءة في صلاة الليل وكرهوا المخافتة فيها.
وقال ابن قدامة: ويستحب أن يقرأ جزأه من القرآن في تهجده، وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة أو بحضرته من يسمع قراءته أو ينتفع بها فالجهر أفضل، وإن كان قريبًا منه مَنْ يتهجد أو من يَسْتَضِرّ برفع صوته فالإسرار أولي، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا فليفعل ما شاء.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن شاء خافت وإن شاء رفع. واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عمران بن زائدة بن نشيط، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: "كانت قراءة النبي ﵇ بالليل يرفع طورًا ويخفض طورًا".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن عمران بن زائدة (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن عبيد الله بن نمير، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عمران ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، عن عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر أبا هريرة.
стр. 2675
فهذا أبو هريرة ﵁ يخبر عن النبي ﵇ أنه كان يرفع صوته في قراءته بالليل طورًا ويخفض طورًا، فدل ذلك على أن للمصلي في الليل أن يرفع إن أحبَّ ويخفض إنْ أحبّ، وقد يجوز أن يكون ما ذكرت أم هانئ وابن عباس ﵁ مِنْ رفع رسول الله ﵇ صوته بالقراءة في صلاته بالليل هو رفعٌ قد كان يفعل بِعَقبِهِ الخفض، فحديث ابن عباس وأم هانئ لا ينفي الخفض، وحديث أبي هريرة يبيِّن أن للمصلي أن يخفض إن أحب ويرفع إن أحبّ، فهو أولى من هذه الأحاديث، وبه يقول أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور العلماء من الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أصحابهم؛ فقالوا: هو مخير بين المخافتة ورفع الصوت بها، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة، فإن حديثه يخبر بالتخيير.
قوله: "وقد يجوز أن يكون ما ذكرت أم هانئ ... " إلى آخره إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين حديث أبي هريرة، وحديثي أم هانئ وابن عباس؛ لأن بينهما مخالفة بحسب الظاهر، ووجه ذلك أن يقال: يجوز أن يكون رفع الصوت بالقراءة المذكور في حديثهما هو الرفع الذي كان ﵇ يَخفِض عُقَيْبَه، فتكون أم هانئ وابن عباس قد حكيا ما كان منه ﵇ من رفع الصوت بالقراءة فقط، وهو لا ينافي الخفض، وحديث أبي هريرة يُخبر بالرفع والخفض؛ ففيه زيادة على ذلك، والأخذ به أولى، فافهم.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من أربع طرق.
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلُّسي، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك العالم الزاهد المشهور، عن عمران ابن زائدة بن نشيط الكوفي، وثقه يحيى والنسائي، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
стр. 2676
عن أبيه زائدة بن نشيط الكوفي، وثقه ابن حبان وروى له هؤلاء.
عن أبي خالد الوالبي واسمه هرمز ويقال: هرِم الكوفي قال أبو حاتم: صالح الحديث. وروى له هؤلاء أيضًا، ونسبته إلى والبة بن الحارث، بطن من بني أسد.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن بكار بن الريان، نا عبد الله بن المبارك ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عمران بن زائدة ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث عيسى بن يونس، عن عمران ابن زائدة بن نشيط، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي قال: "كان أبو هريرة إذا قام من الليل رفع طورًا وخفض طورًا، وكان يذكر أن النبي ﵇ كان يفعل ذلك".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود، عن محمَّد بن عبد الله بن نمير الهمداني شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن حفص بن غياث، عن عمران بن زائدة ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن حفص بن غياث ... إلى آخره نحوه.
وكذا أخرجه أحمد في "مسنده" (٤).
الرابع: مُرْسل: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عمران ... إلى آخره.
стр. 2677
وأخرجه البيهقي (١) نحوه مرسلًا: من حديث وكيع، عن عمران بن زائدة، عن أبي خالد، عن النبي ﵇.
قوله: "يرفع طورًا" انتصاب "طورًا" على المصدرية من غير لفظة فعله، يقال: فَعَلَ هذا طورًا، وطَوْرى، وأطوارًا، كما يقال: فعل مرةً، ومرتين، ومرات، ومرارًا، ومعنى يرفع طورًا: يرفع صوته بالقراءة مرةً ويخفضه مرةً أخرى.
стр. 2678
ص: باب: جمع السور في ركعة
ش: أي هذا باب في بيان حكم جمع السور من القرآن في ركعة واحدة، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي العالية، قال: أخبرني مَنْ سمع النبي ﵇ يقول: "لكل سورة ركعة".
ش: إسناده صحيح، وعاصم هو ابن سليمان الأحول. وأبو العالية الرياحي اسمه رُفَيْع بن مهران البصري، أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت النبي ﵇ بسنتين، روى له الجماعة، وجهالة الصحابي لا تضر صحة الإسناد.
وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبدة، عن عاصم، عن أبي العالية، قال: حدثني من سمع رسول الله ﵇ يقول: "أعط كل سورة حظها من الركوع والسجود".
فهذا يدل على أن المصلي لا ينبغي له أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة واحدة مع فاتحة الكتاب كما ذهب إليه جماعة من السلف، ويمكن أن يكون قوله: "لكل سورة ركعة" من باب القلب من قولهم: عرضت الحوض على الناقة، والمعنى: لكل ركعة سورة واحدة لا يُزاد عليها.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: أنا عاصم الأحول، عن أبي العالية، قال: قال رسول الله ﵇: "لكل سورة ركعة. قال: فذكرت ذلك لابن سيرين، فقال: أَسَمَّى لك مَنْ حَدَّثه؟ قلت: لا. قال: أفلا تسأله، فسألته، فقلت: من حدثك؟ فقال: إني لأَعْلمُ مَنْ حدثني وفي أيّ مكانٍ حدثني، وقد كنت أُصَلِّي بين عشرين حتى بلغني هذا الحديث".
стр. 2679
ش: هذا مرسل، ورجاله ثقات، وعبد الرحمن بن زياد هو الثقفي الرصاصي، وثقه أبو حاتم.
قوله: "قال: فذكرت ذلك لابن سيرين" القائل هو عاصم الأحول، وابن سيرين هو محمَّد بن سيرين.
قوله: "فقال: أسمَّى لك" أي قال ابن سيرين: والهمزة للاستفهام.
قوله: "قال: أفلا تسأله؟ " أي: قال ابن سيرين لعاصم: أفلا تسأل أبا العالية عمن حدثه بهذا الحديث.
قوله: "كنت أصلي بين عشرين" (١).
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة مع فاتحة الكتاب، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ورفيع بن مهران وآخرين، فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث، وقالوا: لا ينبغي للمصلي أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة واحدة مع فاتحة الكتاب، واحتجوا فيما ذهبوا إليه بهذا الحديث، ويحكى ذل ذلك عن زيد بن خالد الجهني.
ص: وبما روي عن ابن عمر ﵄.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعتُ ابْنَ لَبِبية قال: "قال رجل لابن عمر ﵄: إني قرأت المفصل في ركعة -أو قال: في ليلة- فقال ابن عمر: إن الله ﵎ لو شاء لأنزله جملةً واحدةً، ولكن فَصّله لتُعْطَى كل سورة حظها من الركوع والسجود".
ش: أي: واحتجوا أيضًا بما روي عن عبد الله بن عمر ﵄.
стр. 2680
أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء العامري روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح، عن عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الحجازي، وثقه ابن حبان، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وقال: عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي.
والأثر أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن ابن لبيبة قال: "قلت لابن عمر -أو قال غيري-: إني قرأت المفصل في ركعة، قال: أفعلتموها؟! إن الله لو شاء أنزله جملة واحدة؛ فأعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود".
والمفصل السُّبْع السابع، سُمِّي به لكثرة فصوله، وهو من سورة "محمَّد"، وقيل: من "الفتح"، وقيل: من "قاف" إلى آخر القرآن.
قوله: "تبارك" تفاعل من البركة، ومعناه تعاظم.
قوله: "ولكن فصَّله" أي فَرَّقَه، وأراد به أنه أنزله مفرَّقًا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس للرجل أن يقرأ في الركعة الواحدة ما بدا له من السور.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن جبير وعطاء ابن أبي رباح وعلقمة وسُوَيْد بن غفلة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: لا بأس للمصلي أن يجمع بين السورتين أو السور في ركعة واحدة، ويروى ذلك عن عثمان بن عفان وحذيفة وابن عمر وتميم الداريّ ﵃.
وذكر في "المبسوط": إذا قرأ سورة واحدةً في ركعتين اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يُكرَه، ولكن ينبغي أن لا يفعل، ولو فعل لا بأس به.
стр. 2681
وكذا لو قرأ بوسط السورة أو آخر سورة أجزأ، والأفضل أن يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة كاملة في المكتوبة، وإن جمع بين السورتين في ركعة واحدة لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل لا بأس به.
وذكر في "الخلاصة": وإن قرأ في ركعة سورة وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك السورة أو فعل ذلك في ركعة فهو مكروه، وهذه كلها في الفرائض، أما النوافل لا يكره فيها شيء من ذلك.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة ﵂: "أكان رسول الله ﷺ يَقْرن السُوَرَ؟ قالت: المفصل".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة ﵂.
أخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري، عن كهمس بن الحسن التميمي البصري، عن عبد الله بن شقيق العُقيلي البصري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا كهمس، عن عبد الله ابن شقيق العقيلي، قال: قلت لعائشة: "كان رسول الله ﵇ يجمع بين السور في ركعة؟ قالت: نعم، المفصل".
قوله: "أكان" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "يَقْرن" من قولهم: قَرَنْتُ البعيرَيْن أَقْرْنُهُما قَرْنًا إذا جمعتهما في حبل واحد، وقَرَنْتُ الشيء بالشيء وصلتُه، واقْتَرَنَ الشيء بغيره، والقِرَان أن تقرن بين تمرتين تأكلهما.
قوله: "المفصل" بالنصب أي: نعم يقرن المفصَّل، وقد ذكرنا أنه السُّبع السابع.
стр. 2682
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، عن حصين، قال: أخبرني إبراهيم، عن نهيك بن سنان السُلَمي، أنه أتى عبد الله ابن مسعود ﵁ فقال: "قرأت المفصَّل الليلة في ركعة. فقال: أهذًّا مثل هذِّ الشعر؟! أوَ نثرًا مثل نثر الدقل؟! وإنما فُصِّل لتفصلوه، لقد علمنا النظائر التي كان رسول الله ﵇ يقرأ؛ عشرين سورة: الرحمن والنجم على تأليف ابن مسعود كل سورتين في ركعة، وذكر الدخان وعم يتساءلون في ركعة، فقلت لإبراهيم: أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع؟ قال: ربما قرأت أربعًا في ركعةً".
ش: إِسناده صحيح، وهشام بن عبد الملك هو أبو الوليد الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، وأبو عوانة اسمه الوضاح اليشكري، وحُصن -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي روى له الجماعة، وإبراهيم هو النخعي، ونهيك بن سنان السلمي، وثقه ابن حبان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: "جاء رجل من بني بجيلة يقال له: نهيك بن سنان إلى ابن مسعود ﵁ فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف تقرأ هذا الحرف؟ ألفًا تجده أم ياء؟ "من ماء غير ياسن"؟ ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (٢)؟ قال: فقال لي عبد الله: وكل القرآن أَحْصَيتَ غير هذا؟ قال: فقال: إني لأقرأ المفصّل في ركعة، قال: هذًّا كهذِّ الشعر؟! إن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ؛ نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود. قال: وقال عبد الله: إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله ﵇".
وأخرجه مسلم في "صحيحه" (٣) عن ابن أبي شيبة.
стр. 2683
قوله: "أهذًّا" الألف فيه للاستفهام أي: أتهذّ هذًّا كهذّ الشعر، والهَذّ: سرعة القراءة أي: أسرعة كسرعة من يسرع في قراءة الشعر.
وقال النووي: الهذّ -بتشديد الذال- هو شدة الإسراع والإفراط في العجلة، ففيه النهي عن الهذِّ، والحث على الترسل والتدبر، وبه قال جمهور العلماء.
قال القاضي: وأباحت طائفة قليلة الهذّ، وقال: في مثل هذّ الشعر معناه في تحفظه وروايته لا في إنشاده وترنّمه.
قوله: "أوَ نثرًا" عطف على قوله: "أهذَّا"، وانتصاب "أهذًّا" على المصدرية.
قوله: "مثل نثر الدقل" الدَّقَل -بفتح الدال والقاف، وفي آخره لام- ثمر الدَّوْم وهو يشبه النخل وله حب كبير وفيه نوى كبير عليه لحيمة عَفِصَةٌ تؤكل رطبة، فإذا يَبس صار شبه الليف. وقيل: الدقل أردأ التمر، والبَرْني أجوده، وتراه ليبسه وردائته لا يجتمع ويكون منثورًا، وقيل: شبهه بتساقط الرطب اليابس من العِذْق إذا هُزّ.
قوله: "وإنما فُصِّل" على صيغة المجهول أي: وإنما فُصِّل المفصَّل وهو السُّبع السابع، يعني أكثر فصوله لتفصلوه؛ أراد به لتفرقوه وتتأنوا في قراءته وتراعوا الترسل والترتيب ولا تسرعوا فيه.
قوله: "النظائر" جمع نظيرة وهي السُوَر التي يشبه بعضها بعضًا في الطول والقصر.
قوله: "عشرين سورةً" بدل من قوله "النظائر" وليس هو بمفعول لقوله: "يقرأ" وإنما مفعول "يقرأ" محذوف تقديره: التي كان رسول الله ﵇ يقرأها.
قوله: "الرحمن والنجم" بيان لقوله "النظائر"؛ لأن كلًا منهما تشبه الأخرى في مقدار الطول والقصر؛ لأن سورة الرحمن ست وسبعون آية وسورة النجم ثنتان وستون آية، وهي قريبة من سورة الرحمن نظيرة لها.
стр. 2684
قوله: "على تأليف ابن مسعود" أراد أن سورة النجم كانت بحذاء سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود، بخلاف مصحف عثمان الذي هو المشهور اليوم.
قوله: "كل سورتين في ركعة" مفعول لمحذوف تقديره: كان ﵇ يقرأ كل سورتين من النظائر التي هي عشرون سورة؛ في كل ركعة واحدة من الصلاة، ويجوز أن يكون مفعولًا لـ "يقرأ" الظاهر، فلا يحتاج إلى تقدير "يقرأ" أخرى، فافهم.
قوله: "وذكر الدخان وعم يتساعلون" هذا أيضًا على تأليف ابن مسعود، فسورة الدخان سبع أو تسع وخمسون آية، وسورة عم يتساءلون أربعون أو إحدى وأربعون آية، وهما متقاربان في المقدار.
قوله: "فقلت لأبراهيم" القائل هو حصين بن عبد الرحمن السلمي.
قوله: "ما دون ذلك" إشارة إلى ما ذكر من السور المذكورة، وذَكَرَ الضمير باعتبار المذكور.
قوله: "أربعًا" أي أربع سور في ركعة واحدة، وهي السورة التي هي أقصر في المقدار من السور المذكورة، أعني: الرحمن والنجم والدخان وعم يتساءلون.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل: "أن رجلًا قال لعبد الله: إني قرأت المفصل في ركعة فقال: هذًّا كهذِّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﵇" يقرن بينهن".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا سيّارُ، عن أبي وائل، عن عبد الله مثله غير أنه قال: "كان رسول الله ﵇ يقرن بين سورتين في كل ركعة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قالا: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: "جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني قرأت المفصل في
стр. 2685
ركعة، فقال: نثرًا كنثر الدَّقَل أو هذًّا كهذِّ الشعر؟! لكن رسول الله ﵇ لم يكن يفعل ما فعلت، كان يَقرنُ بين سورتين، في كل ركعة سورتين في ركعة؛ النجم والرحمن في ركعة، عشرين سورة في عشر ركعات".
ش: هذه خمس طرق أخرى وهي أيضًا صحيحة:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: "أن رجلًا قال لعبد الله ابن مسعود ... ".
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل قال: "جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هذًّا كهذّ الشعر؟! لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﵇ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورةً من المفصل؛ سورتين في كل ركعة".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن مثنى وابن بشار، قال ابن مثنى: نا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، أنه سمع أبا وائل يحدث "أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود فقال: "إني قرأت المفصل ... " إلى آخره نحو رواية البخاري.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشر، عن سَيّار -بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره راء مهملة- العَنزي الواسطي ويقال: البصري، عن أبي وائل شقيق بن سلمة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا هشيم، أنا سيّار، عن أبي وائل قال: "جاء رجل
стр. 2686
إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني قرأت البارحة المفصل في ركعة، فقال عبد الله: أنثرًا كنَثْر الدَّقَل وهذًّا كهذّ الشعر؟! إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﵇ يقرن بينهن سورتين في كل ركعة".
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد النخعيين، قالا: "جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ... " إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى بن آدم، نا زهير، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد وعلقمة، عن عبد الله أن رجلًا أتاه فقال: "قرأت المفصل في ركعة، فقال: بل هذَذْتَ كهذِّ الشعر أو كنثر الدَّقَل، لكن رسول الله ﵇ لم يفعل كما فعلت، كان يقرأ النظائر ﴿الرَّحْمَنِ﴾ والنجم في ركعة"، قال: فذكر أبو إسحاق عشر ركعات بعشرين سورة على تأليف عبد الله، آخرهن: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿وَالْكِتَابِ﴾.
قوله: "في كل ركعة" متعلق بقوله: "كان يقرن".
قوله: "سورتين في ركعة" منصوب بفعل محذوف تقديره: يقرن بين سورتين في ركعة.
قوله: "النجم والرحمن" بيان عن السورتين فلذلك انتصبا.
قوله: "في ركعة" بدون حرف العطف، حال من النجم و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أي كائنين في ركعة واحدة.
قوله: "عشرين سورة" بالنصب في كثير من النسخ، وفي بعضها "عشرون" بالرفع، والظاهر أن الرفع هو الصحيح، أما النصب فعلى عامل مقدر تقديره: يقرأ عشرين سورة في عشر ركعات، في كل ركعة سورتان، وأما وجه الرفع فعلى الابتداء وخبره قوله: "في عشر ركعات"، فعلى التقديرين حذف العاطف؛
стр. 2687
لأنها جملة بيانية وتفسيرية، فمثل هذه الجملة لا يفصل بينها وبين ما قبلها بحرف العطف؛ لأن العطف ينبئ عن معنى المغايرة، فافهم.
الخامس: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): نا عباد بن موسى، نا إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: "أتي ابن مسعود رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعر ونثرًا كنثر الدَّقَل؟! لكن النبي ﵇ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة ﴿الرَّحْمَنِ﴾ والنجم في ركعة، و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، والنجم في ركعة، و ﴿الطُّورَ﴾ و ﴿فَالْحَامِلَاتِ﴾ في ركعة، و ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ و ﴿ن﴾ في ركعة، و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ و ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ في ركعة، و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿عَبَسَ﴾ في ركعة، و ﴿قُمْ﴾ و ﴿قُمْ﴾ في ركعة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ و ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في ركعة، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ و ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ في ركعة، و ﴿وَالْكِتَابِ﴾ و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وفي ركعة".
قلت: رواية أبي داود هذه كالتفسير لرواية الطحاوي.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن سَعْد بن عُبَيدة، عن المُستورد بن الأحنف، عن صلة، عن حذيفة ابن اليمان ﵁ قال: "صليت إلى جنب النبي ﵇ ذات ليلة فاستفتح سورة البقرة فلما فرغ منها استفتح سورة آل عمران، وكان إذا أتى على آيه فيها ذكر الجنة أو النار وقف فسأل أو تعوَّذ أو قال كلامًا هذا معناه".
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكار، وأبو عمر الضرير حفص بن عمر الحَوْضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، قال أحمد: ثبت ثبت متقن؛ لا يؤخذ عليه حرف واحد.
стр. 2688
وأبو عوانة الوضاح، والأعمش هو سليمان بن مهران، وصلة بن زفر العَبْسي الكوفي.
وأخرجه النسائي (١): أخبرني محمَّد بن آدم، عن حفص بن غياث، عن العلاء ابن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة والأعمش، عن سعد بن عُبَيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة "أن النبي ﵇
قرأ البقرة، وآل عمران، والنساء في ركعة لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استجار".
وأخرجه أبو داود (٢): نا حفص بن عمر، نا شعبة، قال: قلت لسليمان: أدعو في الصلاة إذا مررت بآية تخوّف؟ فحدثني عن سعد بن عبيدة، عن مستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة: "أنه صلى مع رسول الله ﵇ فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى. وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوذ".
وأخرجه ابن ماجه (٣) والترمذي (٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي عن حذيفة هذا الحديث من غير هذا الوجه "أنه صلى [بالليل مع النبي]﵇ (٥) " فذكر الحديث.
ويستفاد منه: جواز قراءة السورتين أو أكثر في ركعة واحدة من غير كراهة، واستحباب سؤال المصلي الرحمة من الله عند مروره بآية رحمة، واستحباب تعوذه من النار ومن عذاب الله عند مروره بآية النار أو العذاب.
وقال أصحابنا: هذا محمول على التطوع.
стр. 2689
وقال صاحب "المحيط": من صلى منفردًا تطوعًا فمر بذكر النار فاستعاذ أو بذكر الجنة فسأل؛ جاز ويستحب لما روى حذيفة ... الحديث، وإن كان إمامًا يكره له ولمن خلفه، أما الإِمام فلأنه يؤدي إلى تطويل الصلاة والتثقيل على القوم، وأما المؤتم فلأنه مأمور بالسكوت والاستماع، وإن كان منفردًا يصلي المكتوبة يكره أيضًا خلافًا للشافعي؛ لأن الاشتغال بالدعاء يقطع نظم القرآن وأنه مكروه، ولكن تركنا هذا في التطوع بالنّص.
ص: ففي هذه الآثار أن النبي ﵇ كان يقرن بين السورتين في ركعة، فقد خالف هذا ما روى أبو العالية، وهو أولى؛ لاستقامة طريقه وصحة مجيئه، فأما قول ابن مسعود ﵁ بعد ذلك: "إنما سمي المفصل لتُفصّلوه" فإن ذلك لم يذكره عن النبي ﵇، وقد يحتمل أن يكون ذلك من رأيه، فإن كان ذلك من رأيه فقد خالفه في ذلك عثمان بن عفان ﵁؛ لأنه كان يختم القرآن في ركعة، وسنذكره في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ش: أي ففي هذه الأحاديث المذكورة آنفًا عن عائشة وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان ﵁ أنه ﵇ كان يقرن بين السورتين في ركعة واحدة في الصلاة، ففعله هذا يخالف ما رواه أبو العالية رفيع بن مهران، عمن سمع النبي ﵇ يقول: "لكل سورة ركعة" على ما مر في أول الباب.
فإذا ثبتت المخالفة بين هذه الآثار وبين أثر أبي العالية؛ تركنا أثر أبي العالية وصرنا إلى تلك الآثار؛ لترجحها عليه بقوة الصحة واستقامة الطريق، يظهر لك ذلك إذا نظرت في طرقها وأحوال رواتها، وقد علم أن التعارض بين الأثرين إنما يعتبر إذا تساويا في الصحة وقوة الطريق، وإلا فالمرجوح كالمعدوم بالنسبة إلى الراجح.
قوله: "فأما قول ابن مسعود بعد ذلك ... " إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال: كيف تستدلون على مدّعاكم بحديث ابن مسعود؟! وقد قال: "إنما سُمّي المفصل لتفصلوه" بمعنى: لتجعلوا كل سورة في ركعة؟
стр. 2690
وتقرير الجواب: أن ابن مسعود لم يذكر هذا القول عن النبي ﵇ ولا أسنده إليه، فيحتمل أن يكون ذلك من رأيه واجتهاده، فإذا كان كذلك فقد عارضه في ذلك فعل عثمان بن عفان ﵁ فإنه كان يختم القرآن في ركعة واحدة على ما سيجيء مسندًا في آخر الباب، فإذا كان معارضًا بفعل عثمان لم تبق به حجة ولا اعتراض متوجه، فافهم.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ "أنه قرأ في ركعةٍ من صلاة الصبح ببعض سورة".
حدثنا بذلك ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا ابن جريج (ح).
وحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن محمَّد بن عباد بن جعفر، عن أبي سلمة بن سفيان، عن عبد الله بن السائب، قال: "حضرت رسولَ الله ﷺ غداة الفتح صلاةُ الصبح، فاستفتح بسورة المؤمن، فلما أتى على ذكر موسى وعيسى صلى الله عليهما أو موسى وهارون ﵉ أخذته سعلة فركع".
فإن قال قائل: إنما فعل ذلك للسعلة التي عرضت له.
قيل له: فإنه قد روي عنه أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بآيتين من القرآن، قد ذكرنا ذلك في باب "القراءة في ركعتي الفجر".
وقد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر، عن رجل، عن جَسرة بنت دجاجة قالت: سمعت أبا ذر قال: "جعل رسول الله ﵇ يقرأ آية من كتاب الله ، بها يركع، وبها يسجد، وبها يدعو".
حدثنا عبد العزيز بن معاوية، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن قدامة بن عبد الله، عن جسرة بنت دجاجة، عن أبي ذر: "أن النبي ﵇ قام بأية حتى أصبح ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١) ".
стр. 2691
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشَيش، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثني قدامة بن عبد الله، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة، أنها سمعت أبا ذر يحدث عن النبي ﵇ مثله.
فهذا دليل على أنه لا بأس بقراءة بعض سورة في ركعة، وقد ثبت أنه لا بأس بقراءة السورة في الركعة؛ لما قد ذكرنا مما جاء في ذلك عن النبي ﵇، وقد جاء عن النبي ﵇ أنه قال: "أفضل الصلاة طول القيام" وذلك أيضًا ينفي ما ذكر أبو العالية؛ لأنه يوجب أن الأفضل من الصلوات ما أطيلت القراءة فيه، وذلك لا يكون إلا بالجمع بين السور الكثيرة في ركعة، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أشار بهذا الكلام إلى منع ما قاله أهل المقالة الأولى من تعيين سورة واحدة لكل ركعة، وتأكيد لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من جواز القران بين السورتين أو أكثر في ركعة واحدة بلا كراهة؛ وذلك لأنه قد روي عن النبي ﵇ أنه قرأ في ركعة من صلاة الصبح ببعض سورة واحدة، فلو كانت لكل ركعة سورة واحدة لما فعل النبي ﵇ ذلك، وحيث فعل ذلك دل على صحة ما ذكره أهل المقالة الثانية.
قوله: "فإن قال قائل ... " إلى آخره اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى, تقريره أن يقال: لا نسلم أن حديث عبد الله بن السائب يدل على ما ذكرتم؛ لأن اقتصاره ﵇ على بعض سورة المؤمن إنما كان لأجل السَعْلة التي عرضت له لا لأجل ما ذكرتم.
وتقرير الجواب: أنه قد روي عن النبي ﵇ أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بآيتين من القرآن، فهذا يدل على اقتصاره على بعض السورة من غير علة، وقد ذكر ذلك الحديث في باب "القراءة في ركعتي الفجر"، وهو ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ
стр. 2692
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (١) الآية، وفي الثانية: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) " وكذلك روي عن أبي هريرة مثله، وقد مر هناك مستقصى، ثم إنه أكد كلامه ذلك أيضًا بحديث أيضًا ذر الغفاري حيث قال: "فهذا دليل علي أنه لا بأس بقراءة بعض سورة في ركعه"، وهو أيضًا تأييد للجواب المذكور عن الاعتراض المذكور.
قوله: "وذلك ينفي أيضًا" أي قوله ﵇: "أفضل الصلاة طول القيام"، أيضًا ينفي ما رواه أبو العالية رفيع بن مهران، وهذا ظاهر؛ لأن هذا الحديث يقتضي طول القراءة لطول القيام، وذلك لا يكون إلا بالجمع بين السورتين أو سور كثيرة، وحديث أبي العالية يقتضي الاقتصار على سورة واحدة في ركعة، وبينهما تعارض ظاهرًا, ولكن الحديث الأول أقوى وأصح إسنادًا، وقد ذكرنا في باب "القراءة في ركعتي الفجر" أن مسلمًا أخرجه، فلا يُعارض بحديث أدنى منه في الصحة والقوة؛ لما ذكرنا.
ثم إنه أخرج حديث عبد الله بن السائب المخزومي الصحابى ﵁ بإسناد صحيح من طريقين رجالهما ثقات.
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر المكي، عن أبي سلمة بن سفيان، واسمه عبد الله بن سفيان القرشي المخزومي، مشهور بكنيته روى له مسلم وآخرون.
وأخرجه مسلم (٣): حدثني هارون بن عبد الله، قال: نا حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج.
وحدثني محمَّد بن رافع -وتقاربا في اللفظ- قال: نا عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: سمعت محمَّد بن جعفر بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني
стр. 2693
أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي، عن عبد الله بن السائب قال: "صلى لنا رسول الله ﵇ الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى ﵈ -محمَّد بن عباد شك أو اختلفوا عليه- أخذت النبي ﵇ سعلة فركع، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك".
وفي حديث عبد الرزاق: "فحذف فركع".
وفي حديثه: "وعبد الله بن عمرو", ولم يقل: ابن العاص.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن ابن جريج ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق وأبو عاصم، قالا: أنا ابن جريج قال: سمعت محمَّد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن المسيب العابدي وعبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن السائب قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر موسى وعيسى -ابن عباد شك أو اختلفوا- أخذت النبي ﵇ سعلة فحذف فركع، وعبد الله بن السائب حاضر لذلك".
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا.
قوله: "غداة الفتح" أي: فتح مكة، وفي رواية الطبراني: "يوم الفتح".
قوله: "أخذته سَعْلة" بفتح السين وسكون العين المهملتين، وهي مرة من السعال، وفي رواية ابن ماجه: "أو قال: شهقة" وفي رواية: "شرقة".
стр. 2694
ويستفاد منه:
استحباب القراءة الطويلة في صلاة الصبح ولكن على قدر حال الجماعة.
وجواز قطع القراءة، وهذا لا خلاف فيه ولا كراهة إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن لعذر فلا كراهة أيضًا، وهذا مذهب الجمهور، وعن مالك في المشهور كراهته.
وجواز القراءة ببعض السورة.
وأخرج حديث أبي ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة من ثلاث طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سليمان ابن حيان -بالياء آخر الحروف- وكنيته أبو خالد الأحمر، عن رجل وهو مجهول، ويمكن أن يكون هذا فُليتا العامري، كما قد جاء هكذا في رواية أحمد في "مسنده" على ما نذكره الآن، وقد قيل: اسمه قدامة بن عبد الرحمن أو عبد الله.
وهذا الرجل يروي عن جسرة بنت دجاجة العامرية الكوفية، قال العجلي: تابعية ثقة.
روى لها أبو داود والنسائي وابن ماجه، وجَسْرَة -بفتح الجيم وسكون السين المهملة- وقال الشيخ تقي الدين في "الإِمام": ورأيت في كتاب "الوهم والإيهام" لابن القطان المقرَّر عليه دِجَاجة -بكسر الدال- وعليها صحّ، بخلاف واحدة الدَّجاج.
قلت: ذكر الصغاني أن الدَّجاج -بفتح الدال- أفصح من كسرها، فيفهم من ذلك أن الكسر لغة فيه ولكن الفصحي الفتح.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا محمَّد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر قال: "صلى رسول الله ﵇ ليلةً فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
стр. 2695
فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها؟ قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا".
الثاني: عن عبد العزيز بن معاوية القرشي العتابي، قال الدارقطني: لا بأس به عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن قدامة بن عبد الله بن عبدة ويقال: ابن عبد البكري أبو رَوْح الكوفي، قيل: إنه فليت العامري؛ ذكره ابن حبان في "الثقات" وروى له النسائي وابن ماجه.
وأخرجه النسائي (١): أنا نوح بن حبيب، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا قدامة بن عبد الله، قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت أبا ذر يقول: "قام النبي ﷺ حتى إذا أصبح بآية، والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) ".
الثالث: عن عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش، بضم الخاء المعجمة وبشينين معجمتين بينهما ياء آخر الحروف ساكنة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا محمَّد بن فضيل، حدثني فليت العامري ... إلى آخره، وقد ذكرناه عن قريب.
ص: وقد رَوَيْنا عن ابن عمر ﵄ خلاف ما روينا عنه في الفصل الأول.
حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عامر، قال: ثنا داود بن قيس، عن نافع قال: "كان ابن عمر ﵄ يجمع بين السورتين في الركعة الواحدة من صلاة المغرب".
стр. 2696
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عُمَر، وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقرأ بالسورتين والثلاث في ركعة واحدة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر مثله وزاد: "وكان يقسم السورة الطويلة في الركعتين من المكتوبة".
ش: أراد بهذا الجواب عما رواه أهل المقالة الأولى -فيما ذهبوا إليه- عن ابن عمر من حديث يعلى بن عطاء، عن ابن لبيبة قال: "قال رجل لابن عمر ... " إلى آخره.
وقد أخرجه في معرض استدلالهم وهو معنى قوله في الفصل الأول.
بيان ذلك أن يقال: إن الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما قالوا من كراهة الجمع بين السورتين أو السور في ركعة واحدة بما روي عن ابن عمر ﵁ يعارضه ما رواه عنه نافع: "أنه كان يجمع بين السورتين في الركعة الواحدة من صلاة المغرب".
فإذًا سقط احتجاجهم بما رواه يعلى بن عطاء، وقد ذكرنا غير مرة أن الحديثين إذا تعارضا ظاهرًا يكون الحكم لأصحهما إسنادًا, ولا شك أن ما رواه نافع أعلى إسنادا وأصح طريقًا مما رواه يعلى بن عطاء ولئن سلمنا تساويهما في الصحة فإنهم إذا احتجوا على خصمهم برواية يعلى بن عطاء، فخصمهم يحتجون عليهم برواية نافع، وفي هذا أيضًا ردٌّ لما قال بعض أصحابنا الحنفية من كراهة الجمع بين السورتين أو أكثر في ركعة من الفرائض؛ فافهم.
ثم إنه أخرج ما روي عن ابن عمر في ذلك من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن داود بن قيس الفراء الدباغ روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن نافع مولى ابن عمر.
стр. 2697
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الوليد بن كثير عن نافع "أن ابن عمر كان يجمع بين السورتين والثلاث من المفصل في السجدة الواحدة من الصلاة المكتوبة".
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر كان يقرأ في ركعة الثلاث سور في بعض ذلك".
وأخرج (٣) عن معمر، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان يقرأ بالسورتين والثلاث في ركعة".
وأخرج (٤) عن داود بن قيس قال: سمعت رجاء بن حيوة يسأل نافعًا: "هل كان ابن عمر يجمع بين سورتين في ركعة؟ قال: نعم، وسور".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبي عمر الحمصي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي غاية في الشاميين واختلط عن المدنيين، قاله دحيم، وروى له الأربعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العمري المدني، روى له الجماعة، وعن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي أبي محمَّد المدني روى له الجماعة، كلاهما عن نافع.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقرن بين السورتين في ركعة واحدة من الصلاة المكتوبة".
الثالث: عن ابن أبي داود أيضًا، عن خطاب بن عثمان أيضًا، عن إسماعيل
стр. 2698
ابن عياش أيضًا، عن محمَّد بن إسحاق المدني صاحب السيرة المشهور، إمام ثقة لكنه مدلس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): مقتصرًا على تلك الزيادة التي ذكرها ابن أبي داود في روايته هذه، وقال: ثنا عبدة، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان يقسم السورة في الركعتين".
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن عمر وغيره ما يدل على هذا المعنى.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ بمكة الفجر، فقرأ في الركعة الأول بسورة يوسف حتى بلغ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢) ثم ركع".
ش: أي: قد روي فيما ذكرنا من عدم كراهة قراءة بعض السورة في الركعة الواحدة عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد ذكر الأثر المذكور في باب "الوقت الذي يصلى فيه الفجر".
وأبو الأحوص سلام بن سليم، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
قوله: "ما يدل" في محل الرفع؛ لاستناد قوله: "وقد روي" إليه، مفعول ناب عن الفاعل.
وأراد بقوله: "على هذا المعنى" قوله: "فهذا دليل على أنه لا بأس بقراءة بعض السورة ... " إلى آخره.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق حدثه، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صليت مع عبد الله العشاء
стр. 2699
الآخرة، فافتتح الأنفال حتى انتهى إلى ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١) ثم ركع".
ش: إسناده صحيح، وعمرو بن خالد بن فروخ الجزري الحراني شيخ البخاري، وزهير هو ابن معاوية بن حُديج أحد أصحاب أبي حنيفة روى له الجماعة، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله هو ابن مسعود.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعود صلى بهم العشاء فقرأ بأربعين من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل".
ص: حدثنا رَوحٌ، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "حججت مع عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ في الركعة الآخرة من المغرب ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ".
ش: هذا بعينه هو الإسناد الأول غير أن موضع عبد الرحمن بن يزيد: عمرو بن ميمون الكوفي الأَوْدي أدرك الجاهلية ولم يلق النبي ﵇، وروى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة المغرب فقرأ في الركعة الأولى ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وفي الركعة الثانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤) أيضًا.
وفيه ردٌّ صريح على من يكره من أصحابنا الجمع بين السورتين في ركعة من الفرض.
стр. 2700
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير ابن معاوية، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين قال: "كان تميم الداريّ ﵁ يحيي الليل كله بالقرآن كله في ركعةٍ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا الضحى يُحدِّث، عن مسروق، قال: "قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته قام ذات ليلة حتى أصبح -أو كاد أن يصبح- يقرأ آيةً يركع بها ويسجد ويبكي؛ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية".
ش: هذان طريقان رجالهما ثقات، وعبد الرحمن بن زياد هو الرصاصي الثقفي، وابن سيرين هو محمَّد، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو الضحى مسلم بن صُبَيْح -بضم الصاد- الكوفي روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين: "أن تميمًا الداريّ كان يقرأ القرآن كله في ركعة".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحِماني، قال: ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير ﵄: "أنه قرأ القرآن في ركعة".
ش: الحماني هو يحيى بن عبد الحميد أبو زكرياء الكوفي، فقال يحيى: صدوق ثقة (٣). وقيل: إنه أول من صنف المسند، وإسحاق بن سعيد بن عمرو بن العاص بن أمية ثقة من رجال الصحيحين، وأبوه سعيد بن عمرو روى له الجماعة سوى الترمذي.