← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عُمَر، وموسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقرأ بالسورتين والثلاث في ركعة واحدة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر مثله وزاد: "وكان يقسم السورة الطويلة في الركعتين من المكتوبة". ش: أراد بهذا الجواب عما رواه أهل المقالة الأولى -فيما ذهبوا إليه- عن ابن عمر من حديث يعلى بن عطاء، عن ابن لبيبة قال: "قال رجل لابن عمر ... " إلى آخره. وقد أخرجه في معرض استدلالهم وهو معنى قوله في الفصل الأول. بيان ذلك أن يقال: إن الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما قالوا من كراهة الجمع بين السورتين أو السور في ركعة واحدة بما روي عن ابن عمر ﵁ يعارضه ما رواه عنه نافع: "أنه كان يجمع بين السورتين في الركعة الواحدة من صلاة المغرب". فإذًا سقط احتجاجهم بما رواه يعلى بن عطاء، وقد ذكرنا غير مرة أن الحديثين إذا تعارضا ظاهرًا يكون الحكم لأصحهما إسنادًا, ولا شك أن ما رواه نافع أعلى إسنادا وأصح طريقًا مما رواه يعلى بن عطاء ولئن سلمنا تساويهما في الصحة فإنهم إذا احتجوا على خصمهم برواية يعلى بن عطاء، فخصمهم يحتجون عليهم برواية نافع، وفي هذا أيضًا ردٌّ لما قال بعض أصحابنا الحنفية من كراهة الجمع بين السورتين أو أكثر في ركعة من الفرائض؛ فافهم. ثم إنه أخرج ما روي عن ابن عمر في ذلك من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن داود بن قيس الفراء الدباغ روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن نافع مولى ابن عمر.

стр. 2697

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الوليد بن كثير عن نافع "أن ابن عمر كان يجمع بين السورتين والثلاث من المفصل في السجدة الواحدة من الصلاة المكتوبة". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر كان يقرأ في ركعة الثلاث سور في بعض ذلك". وأخرج (٣) عن معمر، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان يقرأ بالسورتين والثلاث في ركعة". وأخرج (٤) عن داود بن قيس قال: سمعت رجاء بن حيوة يسأل نافعًا: "هل كان ابن عمر يجمع بين سورتين في ركعة؟ قال: نعم، وسور". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبي عمر الحمصي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي غاية في الشاميين واختلط عن المدنيين، قاله دحيم، وروى له الأربعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العمري المدني، روى له الجماعة، وعن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي أبي محمَّد المدني روى له الجماعة، كلاهما عن نافع. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقرن بين السورتين في ركعة واحدة من الصلاة المكتوبة". الثالث: عن ابن أبي داود أيضًا، عن خطاب بن عثمان أيضًا، عن إسماعيل

стр. 2698

ابن عياش أيضًا، عن محمَّد بن إسحاق المدني صاحب السيرة المشهور، إمام ثقة لكنه مدلس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): مقتصرًا على تلك الزيادة التي ذكرها ابن أبي داود في روايته هذه، وقال: ثنا عبدة، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان يقسم السورة في الركعتين". ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن عمر وغيره ما يدل على هذا المعنى. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ بمكة الفجر، فقرأ في الركعة الأول بسورة يوسف حتى بلغ: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٢) ثم ركع". ش: أي: قد روي فيما ذكرنا من عدم كراهة قراءة بعض السورة في الركعة الواحدة عن عمر بن الخطاب ﵁، وقد ذكر الأثر المذكور في باب "الوقت الذي يصلى فيه الفجر". وأبو الأحوص سلام بن سليم، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. قوله: "ما يدل" في محل الرفع؛ لاستناد قوله: "وقد روي" إليه، مفعول ناب عن الفاعل. وأراد بقوله: "على هذا المعنى" قوله: "فهذا دليل على أنه لا بأس بقراءة بعض السورة ... " إلى آخره. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق حدثه، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صليت مع عبد الله العشاء

стр. 2699

الآخرة، فافتتح الأنفال حتى انتهى إلى ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (١) ثم ركع". ش: إسناده صحيح، وعمرو بن خالد بن فروخ الجزري الحراني شيخ البخاري، وزهير هو ابن معاوية بن حُديج أحد أصحاب أبي حنيفة روى له الجماعة، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله هو ابن مسعود. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعود صلى بهم العشاء فقرأ بأربعين من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل". ص: حدثنا رَوحٌ، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "حججت مع عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ في الركعة الآخرة من المغرب ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ". ش: هذا بعينه هو الإسناد الأول غير أن موضع عبد الرحمن بن يزيد: عمرو بن ميمون الكوفي الأَوْدي أدرك الجاهلية ولم يلق النبي ﵇، وروى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة المغرب فقرأ في الركعة الأولى ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وفي الركعة الثانية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤) أيضًا. وفيه ردٌّ صريح على من يكره من أصحابنا الجمع بين السورتين في ركعة من الفرض.

стр. 2700

ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير ابن معاوية، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين قال: "كان تميم الداريّ ﵁ يحيي الليل كله بالقرآن كله في ركعةٍ". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا الضحى يُحدِّث، عن مسروق، قال: "قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته قام ذات ليلة حتى أصبح -أو كاد أن يصبح- يقرأ آيةً يركع بها ويسجد ويبكي؛ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) الآية". ش: هذان طريقان رجالهما ثقات، وعبد الرحمن بن زياد هو الرصاصي الثقفي، وابن سيرين هو محمَّد، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو الضحى مسلم بن صُبَيْح -بضم الصاد- الكوفي روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين: "أن تميمًا الداريّ كان يقرأ القرآن كله في ركعة". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحِماني، قال: ثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير ﵄: "أنه قرأ القرآن في ركعة". ش: الحماني هو يحيى بن عبد الحميد أبو زكرياء الكوفي، فقال يحيى: صدوق ثقة (٣). وقيل: إنه أول من صنف المسند، وإسحاق بن سعيد بن عمرو بن العاص بن أمية ثقة من رجال الصحيحين، وأبوه سعيد بن عمرو روى له الجماعة سوى الترمذي.

стр. 2701

ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن حمادٍ، عن سعيد بن جبير "أنه قرأ القرآن في ركعة، في البيت- يعني الكعبة". ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وحماد هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري وأبي حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير قال: "سمعته يقرأ القرآن في جوف الكعبة في ركعة، وقرأ في الركعة الأخرى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا أبو الأحوص، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: "أمّنا في صلاة المغرب، فوصل سورة الفيل ولإيلاف قريش في ركعة". ش: إسناده صحيح أيضًا، ويوسف هو ابن عدي بن زريق شيخ البخاري، وأبو الأحوص اسمه سلام بن سليم الكوفي، والمغيرة بن مقسم الضبّى الكوفي الفقيه الأعمى روى له الجماعة، وإبراهيم هو النخعي. ص: وهذا الذي ذكرنا مع تواتر الرواية فيه عن رسول الله ﷺ وكثرة من ذهب إليه من بعده من أصحابه وتابعيهم هو النظر؛ لأنا قد رأينا فاتحة الكتاب تقرأ هي وسورة غيرها في ركعة ولا يكون بذلك بأس، ولا تجب لفاتحة الكتاب -لأنها سورة- ركعة، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك ما سواها من السور لا يجب أيضًا لكل سورة فيه ركعة، وهذا مذهب أبي حنيفة وأيضًا يوسف ومحمد ﵏. ش: أشار به إلى ما ذكره في هذا الباب من الأحاديث عن النبي ﵇ والآثار من الصحابة والتابعين، من عدم كراهة قراءة بعض السورة في الركعة الواحدة وعدم كراهة الجمع بين السورتين أو أكثر في ركعة واحدة، سواء كانت في مكتوبة أو نفل، ثم قال: هذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.

стр. 2702

والعجب من بعض المتأخرين ذكروا في كتبهم أن الجمع بين السورتين في ركعة واحدة مكروه، ونسبوا ذلك إلى مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وبعضهم ينسب ذلك إلى محمَّد، وهذا كلام صادر عن غير صحة ولا استناد على دليل، والحق ما ذكره الإِمام الطحاوي، فإنه أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة. قوله: "هو النظر" أي القياس، وجه ذلك: أن المصلي يجمع في ركعة واحدة بين سورة الفاتحة وسورة أخرى في أي صلاة كانت، وهذا غير مكروه بلا خلاف، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك إذا جمع بين سورتين غير الفاتحة أو بين سُوَر كثيرة.

стр. 2703

ص: باب: القيام في شهر رمضان هل هو في المنازل أفضل أم مع الإمام ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم القيام في شهر رمضان -وهو صلاة التراويح- هل هو أفضل في المنازل والبيوت أم الأفضل قيامه مع الإِمام في المسجد؟ والمناسبة بينه وبين ما قبله من الأبواب: أن فيما قبله تُذكر أحوال صلاة الليل وأحكام القراءة في الصلوات وهذا أيضًا من صلوات الليل. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وهيب بن خالد، قال: ثنا داود -وهو ابن أبي هندٍ- عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جُبير بن نُفَير الحضرمي، عن أبي ذرِّ قال: "صمت مع النبي ﵇ رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سَبعٌ من الشهر، فلما كانت الليلة السابعة خرج، وصلى بنا حتى مضي ثلث الليل، ثم لم يُصَلّ بنا السادسة، ثم خرج ليلة الخامسة فصلى بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا. فقال: إن القوم إذا صلوا مع الإِمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة. ثم لم يصلّ بنا الرابعة، حتى إذا كانت ليلة الثالثة خرج، وخرج بأهله فصلى بنا حتى خَشِينا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور". ش: إسناد صحيح، وعفان هو ابن مسلم الصفار شيخ البخاري وأحمد، وأبو ذر جندب بن جنادة. وأخرجه أبو داود (١): قال: ثنا مسدد، ثنا يزيد بن زريع نا داود بن أبي هند ... إلى آخره نحوه غير أن في لفظه: "إن الرجل إذا صلى مع الإِمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة". وبعد قوله: "قال: السحور": "ثم لم يقم بنا بقية الشهر". وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: ثنا محمَّد بن الفضل، عن

стр. 2704

داود بن أبي هند ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "إنه مَنْ قام مع الإِمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (١): عن عبيد الله بن سعيد، عن محمَّد بن الفضيل، عن داود بن أبي هند ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن سلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند ... إلى آخره نحوه. قوله: "حتى بقي سبع من الشهر" أي سبع ليال. قوله: "فلما كانت الليلة السابعة" وهي الليلة الثالثة والعشرون من الشهر. قوله: "ثم لم يُصلّ بنا السادسة" أي الليلة السادسة وهي الليلة الرابعة والعشرون. قوله: "حتى إذا كانت ليلة الثالثة" وهي ليلة السابع والعشرين ليلة القدر عند الجمهور. قوله: "الفلاح" وأصل الفلاح البقاء، وسمي السحور فلاحًا؛ إذْ كان سببًا لبقاء الصوم ومعينًا عليه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن القيام مع الإِمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل، واحتجوا في ذلك بقول النبي ﵇: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قنوت بقية ليلته". ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سَعْد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: القيام مع الإِمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل.

стр. 2705

وقال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: القيام في المسجد أحبَّ إليّ وأفضل من صلاة المرء في بيته. وقال به قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي، فمن أصحاب أبي حنيفة: عيسى بن أبان، وبكار بن قتيبة، وأحمد بن أبي عمران، ومن أصحاب الشافعي: إسماعيل بن يحيى المزني، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، واحتجوا بحديث أبي ذر عن النبي ﵇: "إن الرجل إذا قام مع الإِمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة". قال الأثرم: كان أحمد يُصلّي مع الناس التراويح كلها -يعني الأشفاع إلى آخرها- ويوتر معهم، ويحتج بحديث أبي ذر. وقال أحمد: كان جابر وعلي وعبد الله يُصلّونها في جماعة، انتهى. قلت: ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب ومحمد بن سيرين وطاوس، وهو مذهب أصحابنا الحنفية أيضًا. وقال صاحب "الهداية" (١): يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، ثم قال: والسنة فيها الجماعة لكن على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل المسجد كلهم عن إقامتها كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة؛ لأن أفراد الصحابة روي عنهم التخلّف. انتهى. قلت: الذي يفهم من كلام الإِمام الطحاوي ﵀ أنه اختار مذهب أهل المقالة الثانية، وهم الذين ذهبوا إلى أن صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإِمام، وأشار إلى هذا أيضًا في آخر هذا الباب بقوله: "وذلك هو الصواب"، وإنما لم يتعرض إلى ذكر أبي حنيفة وصاحبيه في آخر الباب على عادته في غالب الأبواب حيث يقول: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وإذا كان خلاف بينهم بَيّنه؛ إما أن مذهبهم مثل ما ذهب إليه هو بنفسه، وإما الرواية عنهم مختلفه في ذلك.

стр. 2706

قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بقوله ﵇: "إنه من قام مع الإِمام حتى ينصرف؛ كتب له قنوت بقية ليلته" أي قيام بقية ليلته، والمراد من القنوت ها هنا القيام، وهذا الحديث هو بعض حديث أبي ذر المذكور ولكن لفظه عنده كما مرّ: "إن القوم إذا صلوا مع الإِمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة". وهذه اللفظة قريبة من لفظة الترمذي: "أنه من قام مع الإِمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلته". فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقال: واحتجوا في ذلك يقول النبي ﵇: "أنه من قام ... " إلى آخره. قلت: لما كان موضع الاحتجاج من الحديث هو قوله: "إن القوم إذا صلوا مع الإِمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة" خصَّ ذلك بالذكر، ولكنه ذكره بغير لفظه الذي ذكره في الحديث؛ فلا يخلو إما نقل بالمعنى، أو روايته ثبتت عنده كذلك. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإِمام. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مالكًا والشافعي وربيعة وإبراهيم والحسن البصري والأسود وعلقمة؛ فإنهم قالوا: بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإِمام. قال أبو عمر: اختلفوا في الأفضل من القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان؟ فقال مالك والشافعي: صلاة المنفرد في بيته أفضل. قال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وقال مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام رسول الله ﵇ إلا في بيته، وروي ذلك عن ابن عمر وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع؛ أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس.

стр. 2707

وقال الترمذي: واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئًا. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن ما احتجوا به من قول رسول الله ﵇: "أنه من قام مع الإِمام حتى ينصرف كتب له قنوت بقية ليلته" كما قال ﵇ ولكنه قد روي عنه أيضًا أنه قال: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" في حديث زيد بن ثابت، وذلك لما كان قام بهم في رمضان ليلةً، فأرادوا أن يقوم بهم بعد ذلك فقال لهم هذا القول، فأعلمهم به أن صلاتهم في منازلهم وحدانًا أفضل من صلاتهم معه وفي مسجده، فصلاتهم تلك في منازلهم أحرى أن تكون أفضل من الصلاة مع غيره وفي غير مسجده. فتصحيح هذين الأثرين يُوجبُ أن حديث أبي ذر هو على أن يكتب لهم بالقيام مع الإمام قنوت بقية ليلته. وحديث زيد بن ثابت يوُجبُ أن ما فعل في بيته هو أفضل من ذلك، حتى لا يتضادّ هذان الأثران. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه أن ما احتجوا به أي أن ما احتج به أهل المقالة الأولى من قوله ﵇ ... إلى آخره. حاصله أن يقال: إن ما احتججتم به من قوله ﵇: "إنه من قام ... " إلى آخره صحيح كما قلتم، ولكن روي عن النبي ﵇ أنه قال: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" فهذا يعارض ذلك ظاهرًا، ويجب التوفيق بينهما حتى يرتفع ذلك التعارض ولا يقع التضاد بينهما، وهو أن نقول: إن حديث أبي ذر يوجب أن يكتب لهم بالقيام مع الإمام قنوت بقية ليلته، وحديث: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبه" الذي رواه زيد بن ثابت -على ما يجيء عن قريب إن شاء الله- يوجب أن يكون ما يفعل في البيت أفضل من ذلك. قوله: "فتصحيح هذين الأثرين" أي أثر أبي ذر المذكور وأثر زيد بن ثابت الذي أخرجه معلقًا ويُسنده عن قريبٌ إن شاء الله تعالى.

стр. 2708

ص: حدثنا ابن مرزوق وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عفان، قال: ثنا وهيبٌ، قال: حدثني موسى بن عقبة، قال: سمعت أبا النضر يحدث، عن بُسر ابن سعيد، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﵇ احتجر حجرةً في المسجد من حصير، فصلى فيها النبي ﵇ ليالي حتى اجتمع إليه ناسٌ، ثم فقدوا صوته، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم منذ الليلة حتى خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوُحَاظي، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني بَرْدان إبراهيم ابن أبي فلان، عن أبيه، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﵊ قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مَسْجدي هذا إلا المكتوبة". حدثنا ربيع الجيزيّ، قال: ثنا أسدٌ وأبو الأسود قالا: أنا ابن لهيعة، عن أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن النبي ﵇ قال: "إن أفضل صلاة المرء: صلاته في بيته إلا المكتوبة". ش: أخرج حديث زيد بن ثابت ﵁ بيانًا لقوله: "وقد روي عنه أيضًا أنه قال: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". وذلك من ثلاث طرق: الأول: بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، وعلي بن عبد الرحمن بن محمَّد ابن المغيرة الكوفي، كلاهما عن عفان بن مسلم الصفار، عن وهيب بن خالد، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي المدني، عن أبي النَضْر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي عن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد. وهؤلاء كلهم من رجال الجماعة ما خلا شيخي الطحاوي.

стр. 2709

وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن سليمان، عن عفان بن مسلم ... إلى آخره نحوه سواء سندًا ومتنًا، غير أن لفظه: "فظنوا أنه نائم" و"إلا الصلاة المكتوبة". وأخرجه البخاري (٢): ثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ اتخذ حجرةً -قال: حسبت أنه قال: من حصير- في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". وأخرجه مسلم (٣): نا محمد بن مثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عبد الله بن سعيد، قال: ثنا سالم أبو النضر مولي عمر بن عبيد الله، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "احتجر رسول الله ﵇ حُجَيْرةً بخصفة أو حصيرٍ، فخرج رسول الله ﵇ يصلي فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته، ثم جاءوا ليلةً فحضروا، فأبطأ رسول الله ﵇ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﵇ مُغْضَبًا، فقال لهم رسول الله ﵇: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه ستُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة". وأخرجه أبو داود (٤): ثنا هارون بن عبد الله البزاز، ثنا مكي بن إبراهيم، نا عبد الله -يعني ابن سعيد- بن أبي هند، عن أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت أنه قال: "احتجر رسول الله ﵇ في المسجد حجرة فكان رسول الله ﵇ يخرج من الليل فيصلي فيها، قال: فصلوا معه بصلاته -يعني رجال- وكانوا

стр. 2710

يأتون كل ليلة، حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول الله ﵇، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم وحصبوا بابه، قال: فخرج إليهم رسول الله ﵇ مغضبًا فقال: أيها الناس، ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أن سَتُكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". قوله: "احتجر" افتعل من الحجرة وهي الموضع المنفرد، والمعنى: اتخذ حجرة أو اقتطع موضعًا حَجَرهُ عن غيره، والحجر: المنع، ومنه سميت الحجرة. قوله: "من حصير" وهو الذي يُصْنَع من خوص المقل والنخل، قال عياض في "شرح مسلم": الخصفة والحصير بمعنًى. وفي "المحكم": أن الحصير يُصْنع من برديّ وأسل، ثم يفترش؛ سُمّي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض يسمى حصيرًا. وفي "الجمهرة": الحصير عربي؛ سُمي حصيرًا لانضمام بعضه إلى بعض. ومما يستفاد منه: جواز اتخاذ الحجرة في المسجد إذا لم تضر بالمصلين، وجواز صلاة النفل فيه، والأفضل في النفل إقامته في المنازل والبيوت. الثاني: أيضًا إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن يحيى بن صالح الشامي الدمشقي -ويقال: الحمصي- الوُحَاظي -نسبة إلى وُحَاظة- بن سعد أحد مشايخ البخاري، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي أبي محمَّد المدني روى له الجماعة، عن بردان -بفتح الباء الموحدة وسكون الراء- وهو لقب إبراهيم ابن أبي فلان، ولهذا ترك العاطف بين بردان وبين إبراهيم؛ لأن إبراهيم وقع عطف بيان عن بردان، وإبراهيم بن أبي فلان هو إبراهيم بن أبي النضر سالم بن أبي أمية القرشي المدني، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود، وهو يروي عن أبيه أبي النضر سالم، وقد مرَّ ذكره في الطريق السابق، وهو يروي عن بُسْر بن سعيد ... إلى آخره.

стр. 2711

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) وقال: ثنا علي بن المبارك الصنعاني وعلي بن جبلة الأصبهاني ومحمد بن نصر الصائغ، قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس، حدثني سليمان بن بلال، عن إبراهيم بَرْدان بن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبيه، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة". الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزيّ شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، عن أسد بن موسى وأبي الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي كلاهما، عن عبد الله بن لهيعة المصري فيه مقال، عن أبي النضر سالم بن أبي أمية ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في"مسنده" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن سالم أبي النضر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﵇: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". ص: وقد روي عن غير زيد بن ثابت في ذلك عن النبي ﵇ أيضًا ما ذكرناه في باب "التطوع في المساجد"، فثبت بتصحيح معاني هذه الآثار ما ذكرنا. ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في كون صلاة المرء في بيته أفضل ما خلا المكتوبة؛ من حديث غير زيد بن ثابت ما قد ذكرناه في باب "التطوع في المساجد"، وهو ما رواه عن سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما فرغ رأى الناس يُسبِّحون، فقال: أيها الناس، إنما هذه الصلاة في البيوت". وما رواه عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد قال: "سألت رسول الله ﵇ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد فقال: قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد؟! فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة".

стр. 2712

قوله: "فثبت بتصحيح معاني هذه الآثار ما ذكرنا" أي بتصحيح معاني هذه الأحاديث ما ذكرناه من أفضلية إقامة الصلوات غير المكتوبة في البيوت والمنازل. ص: وقد روي في ذلك عن مَنْ بعد النبي ﵇ ما يوافق ما صححناها عليه، فمن ذلك: ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال ثنا سفيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: "أنه كان لا يصلي خلف الإِمام في شهر رمضان". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمِّل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: "قال رجل لابن عمر ﵄: أصلّي خلف الإِمام في رمضان؟ فقال: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: صلّ في بيتك". ش: أي: وقد روي في كون صلاة المرء في بيته أفضل سوى المكتوبة عن بعض الصحابة وغيرهم من التابعين ﵃ أيضًا ما يوافق ما صححنا معاني الآثار عليه، فمن ذلك: ما رواه عن ابن عمر. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن نمير، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يقوم مع الناس في شهر رمضان، قال: وكان القاسم وسالم لا يقومان مع الناس". والآخر: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد ... إلى آخره.

стр. 2713

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عمر: "أنه قال له رجل: أُصلي خلف الإِمام في رمضان؟ قال -يعني ابن عمر-: أليس تقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: أَفَتُنْصِت كأنك حمار؟! صلّ في بيتك". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي حمزة ومغيرة، عن إبراهيم قال: "لو لم يكن معي إلا سورتين لرددتهما؛ أحبُّ إليّ من أن أقوم خلف الإِمام في رمضان". حدثنا رَوْح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان المتهجدون يصلّون في ناحية المسجد والإمام يصلي بالناس في رمضان". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كانوا يصلون في رمضان فيؤمهم الرجل وبعض القوم يصلي في المسجد وحده. قال شعبة: فسألت إسحاق بن سويد عن هذا فقال: كان الإِمام ها هنا يؤمنا، وكان لنا صف يقال له صَفُّ القراء، فنصلي على حدة، والإمام يصلي بالناس". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي حمزة، عن إبراهيم قال: "لو لم يكن معي إلا سورة واحدة لكنتُ أردّدُها أحبّ إليّ من أن أقوم خلف الإمام في رمضان". ش: أخرج أثر إبراهيم النخعي من أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين الكوفي، عن سفيان الثوري، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- واسمه عمران بن أبي عطاء الأسدي القصاب الواسطي، روى له مسلم، عن مغيرة بن مقسم الضبيّ الكوفي الفقيه الأعمى، عن إبراهيم.

стр. 2714

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن سفيان، عن أبي حمزة، عن إبراهيم قال: "لو لم يكن معي إلا سورة أو سورتان؛ لأن أرددهما أحب إليّ من أن أقوم خلف الإِمام في شهر رمضان". الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة، عن إبراهيم. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ... إلى آخره. وإسحاق بن سويد بن هبيرة البصري ثقة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن أبي حمزة عمران المذكور آنفًا، عن إبراهيم. ومتنه كمتن الطريق الأول غير أن ها هنا: "سورة" وهناك: "سورتين"، وكليهما في "مصنف ابن أبي شيبة" (١). ص: حدثنا يونس وفهدٌ، قالا: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: "أنه كان يصلي مع الناس في رمضان، ثم ينصرف إلى منزله فلا يقوم مع الناس". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة، أنه قال: لا أعلمه إلا عن أبي بشر: "أن سعيد بن جبير كان يصلي في رمضان في المسجد وحده والإِمام يصلي بهم فيه". حدثنا يونس، قال: ثنا أنس، عن عبيد الله بن عمر قال: "رأيت القاسم بن محمَّد وسالمًا ونافعًا ينصرفون من العشاء في رمضان ولا يقومون مع الناس".

стр. 2715

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث بن سليم قال: "أتيت مكة وذاك في رمضان في زمن ابن الزبير ﵁، فكان الإِمام يصلي بالناس في المسجد وقومٌ يُصلّون على حدة في المسجد". فهؤلاء الذين روينا عنهم ما روينا من هذه الآثار كلهم يُفضّل صلاته وحده في شهر رمضان على الصلاة مع الإِمام، وذلك هو الصواب، والله أعلم. ش: يونس هو ابن عبد الأعلى، وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة المصري وثقه قوم وضعفه آخرون، وأبو الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي المصري، وعروة هو ابن الزبير بن العوام، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وأبو بشر جعفر بن إياس وهو ابن أبي وحشية اليشكري الواسطي، وأنس هو ابن عياض بن ضمرة أبو ضمرة المدني روى له الجماعة، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قوله: "وذلك هو الصواب" أشار به إلى أن الصلاة وحده في شهر رمضان هو الصواب، ونبَّه به على أن هذا مختاره كما ذكرنا، والله أعلم.

стр. 2716

ص: باب: المفصل هل فيه سجود أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان أن المفصل -وهو السُّبع السابع من القرآن- هل فيه سجدة التلاوة أم لا؟ ولما كان المذكور في بعض الأبواب التي قبله حكم القراءة؛ ناسب أن يذكر هذا الباب عقيبها لكونه مشتملًا على بعض أحكام القراءة، والقدر اليسير في مثل هذا كافٍ. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن يزيد بن قُسَيْط، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: "عرضت على النبي ﵇ النجم فلم يسجد أحدٌ منا". حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: أنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة بن شريح، قال: أنا أبو صخر ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن أبي ذئب (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن يزيد بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أبي صخر حميد بن زياد الخراط صاحب العباء نزيل مصر، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، والنسائي في "مسند علي ﵁". عن يزيد بن قسيط هو يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة بن عمير الليثي المدني الأعرج، روى له الجماعة. عن خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني أحد الفقهاء السبعة، روى له الجماعة. عن أبيه زيد بن ثابت الأنصاري.

стр. 2717

وأخرجه الدارقطني بهذا الإسناد (١): ثنا أبو بكر بن أبي داود، ثنا سليمان بن داود، ثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي زرعة حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد عن أبي صخر حُمَيْد بن زياد الخَرّاط، عن يزيد بن قُسَيْط ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا سليمان بن داود أبو الربيع، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أنا يزيد بن خُصَيْفة، عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره: "أنه سأل زيد بن ثابت ﵁ فزعم أنه قرأ على النبي ﵇ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (٣) فلم يسجد فيها". الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة البصري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت. وأخرجه أبو داود: ثنا هناد بن السري، ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: "قرأت على رسول الله ﵇ (النجم) فلم يسجد فيها". وأخرجه الترمذي (٤): عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه، وقال: حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح. الرابع: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن أبي كثير، عن يزيد بن قسيط ... إلى آخره.

стр. 2718

وأخرجه النسائي (١) بأتمّ منه، قال: أنا علي بن حُجْر، قال: أبنا إسماعيل، عن يزيد بن خُصَيْفة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار أنه أخبره: "أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإِمام فقال: لا قراءة مع الإِمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله ﵇ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد". وأخرجه مسلم (٢) نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب إلى هذا الحديث قوم فتقلدوه فلم يَرَوا في (النجم) سجدةً. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير والحسن البصري وسعيد بن المسيب وعكرمة وطاوسًا ومالكًا؛ فإنهم قالوا: ليس في سورة النجم سجدة، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث، ويحكى ذلك عن ابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵃، وكذا مذهب هؤلاء نفي السجدة في المفصل وهو سورة (النجم) و (الانشقاق) و (العلق)، وروي ذلك عن ابن عمر أيضًا، وإليه ذهب مجاهدٌ. ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: بل فيها سجدة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وعبد الله بن وهب وابن حبيب من أصحاب مالك؛ فإنهم قالوا: بل في سورة (النجم) سجدة، وكذا في باقي المفصل، ويروى ذلك عن عثمان وعمار وعمرو بن العاص، وعمر بن العزيز، ومحمد بن سيرين. وفي "التلويح شرح البخاري": واختلف في عدد سجدات التلاوة؛ فعند أبي حنيفة أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى من الحج، والفرقان، والنمل، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وص، وحم السجدة، و (النجم)، و (إذا السماء انشقت)، و (اقرأ باسم ربك).

стр. 2719

وذهب مالك إلى أنها إحدى عشرة سجدةً بإسقاط آخر الحج وثلاث المفصل. وذهب المدنيون في روايتهم عن مالك والليث وإسحاق ورواية عن أحمد وأبي المنذر، واختاره المروزي وابن سريج الشافعيان، إلى أنها خمس عشرة سجدةً بثانية الحج. وذهب الشافعي إلى أنها أربعة عشر بسقوط (ص) وهو أصح قوليه وأحمد. وذهب أبو ثور إلى أنها أربعة عشر فأسقط سجدة (النجم). وذهب مسروق فيما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة (١) بسند صحيح إلى أنها ثنتي عشرة سجدة، أسقط ثانية الحج، وص، والانشقاق. وذهب عطاء الخراساني إلى أنها ثلاث عشر، أسقط ثانية الحج، والانشقاق. وذهب ابن مسعود إلى أن عزائم السجود: الأعراف، وبنو إسرائيل، و (النجم) والانشقاق، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. رواه ابن أبي شيبة (٢): عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عنه. وذهب علي بن أبي طالب إلى أن عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وحم السجدة، والنجم، و ﴿اقْرَأْ﴾. رواه ابن أبي شيبة (٣): عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عنه. وذهب سعيد بن جبير إلى أن عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، والنجم، و ﴿اقْرَأْ﴾.

стр. 2720

رواه أبو بكر (١)، عن داود -يعني: ابن أبي إياس- عنه. وذهب عبيد بن عمير (٢) إلى أن عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، والأعراف، و ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ﴾، وبنو إسرائيل. وذهب جماعة إلى أنها عشر سجدات. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٣): ثنا أبو أسامة، ثنا ثابت بن عمارة، عن أبي تميمة الهجيمي: "أن أشياخنا من الهجيم بعثوا رائيًا لهم إلى المدينة وإلى مكة شرفهما الله يسأل لهم عن سجود القرآن، فأخبرهم أنهم أجمعوا على عشر سجدات". وذهب ابن حزم إلي أنها تُسْجَد للقبلة ولغير القبلة، وعلى طهارة وعلى غير طهارة، قال: وثانية الحج لا نقول بها أصلًا في الصلاة وتبطل الصلاة بها -يعني إذا سجدت فيها- قال: لأنها لم تصح بها سنة عن رسول الله ﵇, ولا أُجمع عليها وإنما جاء فيها أثر مرسل. انتهى. قلت: فيه نظر؛ لأن الحاكم روى فيها حديثًا صحيحًا (٤): عن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﵇ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن العظيم منها ثلاثة في المفصل". ص: وليس في هذا الحديث دليل عندنا على أن لا سجود فيها؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي ﵇ السجود فيها حينئذٍ؛ لأنه كان على غير وضوء، فلم يسجد لذلك، ويحتمل أن يكون تركه لأنه كان وقتٌ لا يحل فيه السجود، ويحتمل أن يكون تركه لأن الحكم كان عنده في سجود التلاوة أن من شاء سجده ومن شاء تركه، ويحتمل أن يكون تركه لأنه لا سجود فيها.

стр. 2721

فلما احتمل تركه السجود كل معنى من هذه المعاني لم يكن هذا الحديث بمعنًى منها أولى من صاحبه إلا بدلالة تدل عليه من غيره، ولكنا نحتاج إلى أن نفتش ما بعد هذا الحديث من الأحاديث لنلتمس حكم هذه السورة، هل فيها سجود أم لا سجود فيها؟ فنظرنا في ذلك فإذا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة. (ح) وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله: "أن النبي ﵇ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فلم يبق أحد إلا سجد فيها، إلا شيخٌ كبيرٌ أخذ كفًّا من تراب وقال: هذا يكفيني. قال عبد الله: فلقد رأيته بَعدُ قتُل كافرًا". ش: هذا جواب عن حديث زيد بن ثابت الذي احتج به أهل المقالة الأولى، تقريره أن يقال: هذا الحديث لا يتم به الاستدلال على نفي السجدة في النجم؛ لأنه يحتمل أمورًا: الأول: يجوز أن يكون ترك النبي ﵇ السجود فيها حينئذٍ لأنه كان على غير وضوء، ويُبنى على هذا أن سجدة التلاوة ليست على الفور وإنما هي على التراخي، وينبني عليه أيضًا أن الطهارة شرط لسجدة التلاوة، وهو مذهب جمهور العلماء؛ فإنهم اشترطوا الطهارة لها من الأحداث والأنجاس بدنًا ومكانًا وثيابًا وستر العورة واستقبال القبلة، وأن كل ما يفسد الصلاة يفسدها. وقال ابن حزم وطائفة: لا يشُترط لها الطهارة. وقد ذكرناه عن قريب. وقال البخاري (١): وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء.

стр. 2722

وفي "المصنف" (١): عن الحسن: "في الرجل يسمع السجدة وهو على غير وضوء، قال: لا سجود عليه". وعن الشعبي (٢): "في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء قال: يسجد حيث كان وجهه". وعن إبراهيم (٣): "إن لم يكن عنده ماء تيمم وسجد". وقال ابن بطال: فإن ذهب البخاري إلى الاحتجاج بقول ابن عمر وابن عباس: "سجد معه ﵇ المشركون" فلا حجة فيه؛ لأن سجود المشركين لم يكن على وجه العبادة لله والتعظيم له، وإنما كان لما قيل في الحديث الضعيف أنه ذكر آلهتهم، ولا يستنبط من سجودهم جواز السجود على غير وضوء لأن المشرك نجس لا وضوء له إلا بعد إسلامه. الثاني: يجوز أن يكون ترك السجود حينئذٍ لكون الوقت وقت كراهة لا يحل فيه السجود، ويُبنى على هذا كراهة السجود للتلاوة في الأوقات الثلاثة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وهي طلوع الشمس وغروبها واستوائها في كبد السماء، حتى لو تلاها في وقت غير مكروه فأداها في الوقت المكروه لا يجوز. الثالث: يجوز أن يكون تركه لكون الحكم فيها عنده على التخيير على معنى أن مَنْ شاء سجد ومَنْ شاء ترك، ويبُنى على هذا أن سجدة التلاوة ليست بواجبة، واختلف العلماء في هذا الباب، فذهب أبو حنيفة إلى وجوبها على التالي والسامع سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٤)،

стр. 2723

وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١)، ولدلائل أخرى ذُكرت في موضعها. وذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق والأوزاعي وداود إلى أنها سنة. وعن مالك كقول أبي حنيفة، وعنه فضيلة. الرابع: يجوز أن يكون إنما تركه لكون أنها لا سجود فيها كما ذهبت إليه أهل المقالة الأولى. فلما وجد ها هنا أربع احتمالات وليس أحدها أولى من الآخر إلا بدليل يوجب ترجيحه على غيره، احتجنا في ذلك إلى أن نلتمس حديثا آخر يؤخذ منه حكم هذه السورة هل فيها سجدة للتلاوة أم لا؟ فنظرنا في ذلك، فرأينا عبد الله بن مسعود ﵁ قد روى حديثًا يدل على أن فيها سجدة، فرجَّح هذا الحديث الاحتمالين الأولين، فوجب العمل بالحديثين، فبحديث عبد الله وجوب السجدة في هذه السورة، وبحديث زيد بن ثابت تركها عند عدم الوضوء إلى وقت الوضوء، وعند الوقت المكروه إلى وقت غير مكروه. وقال الترمذي: وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث وقال: إنما ترك النبي ﵇ السجود لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد فلم يسجد النبي ﵇. وقالوا: السجدة واجبة على مَنْ سمعها ولم يرخصوا في تركها. وقالوا: إن سمع الرجل وهو على غير وضوء فإذا توضأ سجد، وهو قول سفيان وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق. وقال بعض أهل العلم: إنما السجدة على مَن أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها، ورخّصوا في تركها. وقال الطبري في "تهذيب الآثار": هذا الحديث محمول على أن زيدًا القارئ لم يسجد، وجماعة من العلماء عندهم إذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع، بيان ذلك

стр. 2724

ما في "مراسيل أبي داود" (١): عن زيد بن أسلم: "قرأ غلام عند النبي ﵇ السجدة، فانتظر الغلام النبي ﵇ أن يسجد، فلما لم يسجد قال: يا رسول الله، أليس فيها سجدة؟ قال: أنت قرأتها فلو سجدتَ سجدنا". وقال ابن حزم: إن راويه ابن قسيط صح عن مالك أنه قال: لا يُعتمد على روايته. قال أبو محمَّد: وصح بطلان هذا الخبر بحديث أبي هريرة يرفعه: "أنه سجد في النجم"، وأبو هريرة متأخر الإِسلام. ثم إنه أخرج حديث عبد الله بن مسعود من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عبد الله. وأخرجه البخاري (٢): ثنا محمَّد بن بشار، ثنا غُندر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الأسود، عن عبد الله قال: "قرأ رسول الله ﵇ النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه، غير شيخ أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. فرأيته بعد قُتِلَ كافرًا". وأخرجه مسلم (٣): نا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أبي إسحاق ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٤): ثنا حفص بن عمر، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن

стр. 2725

الأسود، عن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ قرأ سورة النجم فسجد فيها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا". قوله: "قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ " أي سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قوله: "إلا شيخ" قيل: هو أمية بن خلف، وقيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: هو عتبة بن ربيعة، وقيل: هو أبو أحيحة سعيد بن العاص، والأول أصح، وهو الذي ذكره البخاري في "التفسير"، وأما قول ابن بزيزة: "كان منافقًا" ففيه نظر؛ لأن السورة مكية وإنما كان المنافقون بالمدينة، قال أبو العباس الضرير في "مقامات التنزيل": إنها مكية بالإجماع. فإن قيل: من المراد من قوله: "وسجد مَنْ معه"؟ قلت: المسلمون والمشركون جميعًا. لأنه جاء في البخاري (١): عن ابن عباس: "سجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس". وروى الدارقطني: من حديث أبي هريرة: "سجد النبي ﵇ بآخر النجم والجن والإنس والشجر". وزعم النووي أن ذلك محمول على من كان حاضرًا، والذي ذكرناه يعكر عليه. وقال عياض: وسجودهم كان لأنها أول سجدة نزلت. قلت: فيه نظر؛ لأن أول ما نزل سورة "أقرأ" وفيها سجدة والنجم بعد ذلك بأعوام. وأيضًا قد روى الحاكم (٢) حديثا صحيحا على شرط الشيخين: من حديث

стр. 2726

أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله: "أول سورة نزلت فيها السجدة: الحج، فقرأها النبي- ﵇ فسجد، وسجد معه الناس إلا رجل أخذ التراب فسجد عليه , فرأيته قُتِل كافرًا". وقال عياض أيضًا: وأما ما يَرْويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان النبي ﵇ من ذكر الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيها شيء لا من طريق النقل ولا من طريق العقل؛ لأن مدح آلهة غير الله كفر، ولا يصح أن ينزل على النبي ﵇ من الله كفر، ولا أن يقول النبي ﵇ من قِبَل نفسه مداراة لهم، ولا أن يقوله الشيطان على لسانه؛ إذ لا يصح أن يقول ﵇ شيئًا خلاف ما هو عليه فكيف من طريق القرآن، وما هو كفر لا يسلط الشيطان على ذلك؛ لأنه داعية إلى الشك في المعجزة وصدق النبي ﵇، وكل هذا لا يصح. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب الزهري، قال: ثنا عبد العزيز ابن محمَّد، عن مصعب بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ قرأ بـ (النجم) فسجد معه المسلمون والمشركون، حتى سجد الرجل على الرجل، وحتى سجد الرجل على شيء يرفعه إلى وجهه بكفه". ش: أبو مصعب الزهري اسمه أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني الفقيه، قاضي مدينة رسول الله ﵇، روى عنه الجماعة سوى النسائي، وروى له النسائي. وعبد العزيز بن محمَّد الدَراوَرْدي. ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي المدني فيه مقال؛ فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعن يحيى: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبيد العجلي، قال: ثنا أبو مصعب

стр. 2727

الزهري، ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن مصعب بن ثابت، عن نافع، عن ابن عمر ﵁: "أن النبي ﵇ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بمكة فسجد وسجد معه الناس حتى أن الرجل ليرفع إلى جبهته شيئًا من الأرض يسجد عليه، وحتى يسجد الرجل على الرجل". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر وبشر بن عمر، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة "أن النبي ﵇ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فسجد وسجد الناس معه إلا رجلين أرادا الشهرة". حدثنا أحمد بن مسعود الخياط، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا مَخْلدُ بن حُسَين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ قرأ النجم فسجد وسجد من حضره من الجن والإنس والشجر". حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا أبو ثابت المدني، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أنه رأى أبا هريرة ﵁ سجد في خاتمة النجم، قال أبو سلمة: يا أبا هريرة، رأيتَ رسول الله ﷺ سجد فيها؟ قال: لولا أني رأيتُ رسول الله ﵇ يسجد فيها ما سجدت". ش: أخرج حديث أبي هريرة من ثلاث وجوه: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي وبشر بن عمر الزهراني أبي محمَّد البصري روى له الجماعة كلاهما، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن القرشي المدني خال ابن أبي ذئب، قال النسائي: ليس به بأس. ووثقه ابن حبان وروى له الأربعة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري أبي عبد الله المدني روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث ابن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "سجد رسول الله ﵇

стр. 2728

والمسلمون في (النجم) إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة". الثاني: عن أحمد بن مسعود الخياط، عن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي نزيل مصيصة، وعن أحمد: ضعيف. وعنه: منكر الحديث. وعن ابن معين: كان صدوقًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، ويذكرون أنه اختلط في آخر عمره. عن مخلد بن حسين الأزدي أبي محمَّد البصري نزيل مصيصة، قال العجلي: ثقة رجل صالح. روى له مسلم في مقدمة كتابه، والنسائي. عن هشام بن حسان الأزدي القُرَدْوسي البصري، روى له الجماعة، عن محمَّد بن سيرين. وأخرجه الدارقطني (١): ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا محمَّد بن آدم، ثنا مَخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "سجد رسول الله ﵇ بآخر النجم والجنُّ والإنس والشجرُ" انتهى. ثم اعلم أن السجود في الجن والإنس حقيقة، وهو وضع الجبهة على الأرض لتعظيم الله تعالى، وفي الشجر مجاز، وهو كناية عن الانقياد لله تعالى، ويجوز أن يكون حقيقة أيضًا في الشجر؛ لأن الله تعالى قادر على إسجادها كسجود بني آدم؛ فافهم. الثالث: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن أبي ثابت محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد بن زيد القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان، شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني روى له الجماعة، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أبي شبل المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبيه عبد الرحمن روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة.

стр. 2729

وأخرجه ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (١)، وذكر سورة النجم و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي﴾. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن مَنْ أخبره، عن أبي الدرداء قال: "سجدت مع النبي ﵇ إحدى عشرة سجدة منها النجم". ش: رجاله رجال "الصحيح"، ولكن فيه مجهول، وأبو الدرداء اسمه عُويمر بن مالك ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) نحوه: من حديث عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن مَنْ أخبره، عن أبي الدرداء: "أنه سجد مع رسول الله ﵇ إحدى عشرة سجدة منهن النجم". وقال الترمذي (٣): ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هذيل، عن عمر الدمشقي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: "سجدت مع النبي ﵇ إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم". وقال (٤): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: نا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن حيان الدمشقي، قال: سمعت مُخبرًا يُخْبر عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﵇ نحوه. قال أبو عيسى: وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع عن عبد الله بن وهب.

стр. 2730

وقال: حديث أبي الدرداء حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال، عن عمر الدمشقي. وقال ابن ماجه (١): ثنا حرملة بن سعيد المصري، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن عمرو الدمشقي، عن أم الدرداء، قالت: حدثني أبو الدرداء: "أنه سجد مع النبي ﵇ إحدى عشرة سجدة منهن النجم". وقال أبو داود (٢): روي عن أبي الدَّرْداء، عن النبي ﵇ إحدى عشرة سجدة، وإسناده واهٍ. ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن المطلب بن أبي وداعة قال: "رأيت النبي ﵇ قرأ النجم بمكة فسجد ولم أسجد معه؛ لأني كنت على غير الإسلام فلن أَدَعَها أبدًا". ش: إسناده صحيح، والحِمَّاني يحيى بن عبد الحميد أبو زكرياء الكوفي -وهو بتشديد الميم بعد الحاء المهملة، نسبة إلى بني حِمَّان من تميم، وحمان بن عبد العزيز ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم- وابن المبارك هو عبد الله، ومعمر هو ابن راشد الأزدي أبو عروة البصري روى له الجماعة، وابن طاوس هو عبد الله، وعكرمة بن خالد المكي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، والمطلب بن أبي وداعة واسمه الحارث بن صُبَيْرة بن سُعَيْد (٣) بن سَعْد بن سهم القرشي له ولأبيه صحبة وهما من مسلمة الفتح.

стр. 2731

وأخرجه عبد الرزاق (١) عن معمر نحوه. وقال النسائي (٢): أنا عبد الملك بن عبد الحميد، قال: ثنا ابن حنبل، قال: ثنا إبراهيم بن خالد، قال: ثنا رباح، عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه قال: "قرأ رسول الله ﵇ بمكة سورة النجم فسجد وسجد مَن عنده، فرفعت رأسي وأبيتُ أن أسجد، ولم يكن يومئذٍ أسلم المطلب". ص: قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار تحقيق السجود، فيها وليس فيما ذكرنا في الفصل الأول ما ينفي أن يكون فيها سجدة، فهذه أولى؛ لأنه لا يجوز أن يسجد في غير موضع سجود، وقد يجوز أن يترك السجود في موضعه لعارض من العوارض التي ذكرنا في الفصل الأول. ش: أي: ففي هذه الأحاديث المذكورة تصريح بالسجدة فيها أي في سورة النجم، وأراد بما ذكره في الفصل الأول حديث زيد بن ثابت الذي ذكره في أول الباب. قوله: "لعارض من العوارض التي ذكرنا في الفصل الأول". أراد بها ما ذكره من قوله؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي ﵇ السجود فيها حينئذٍ؛ لأنه كان على غير وضوء، أو يكون تركه لأن الوقت كان من الأوقات المكروهة. ص: فقال قائل: فإن في ذلك دلالة أيضًا تدل على أن لا سجود فيها. فذكر ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: حدثني ابن أبي فديك، قال: حدثني داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار "أنه سأل أبي بن كعب ﵁: هل في المفصل سجدة؟ قال: لا،

стр. 2732

قال: فَأُبَيّ بن كعب ﵁ قد قرأ عليه النبي ﵇ القرآن كله، فلو كان في المفصل سجود إذًا لعلمه بسجود النبي ﵇ فيه لما أتى عليه في تلاوته". ولا حجة له في هذا عندنا؛ لأنه قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ ترك ذلك لمعنًى من المعاني التي ذكرناها في الفصل الأول. ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى، بيانه: أن القائل منهم اعترض بأن في الحديث دلالةً أيضًا على نفي السجدة في النجم؛ وذلك لأن عطاء بن يسار لما سأل أُبيًّا: هل في المفصل سجدة؟ قال له: لا. فقوله هذا يدل على نفي السجدة فيها؛ إذ لو كان فيها سجدة لكان قد علم ذلك بسجود النبي ﵇ حين قرأها عليه. وأخرج حديثه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن الحسين اللهبي -من ذرية أبي لهب بن عبد المطلب- ثقة، عن محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار المدني روى له الجماعة، عن داود بن قيس الفراء الدباغ المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن زيد بن أسلم القرشي المدني روى له الجماعة، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن داود بن قيس، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي بن كعب قال: "ليس في المفصل سجود". والجواب ما ذكره بقوله: "ولا حجة له" أي لهذا القائل المعترض؛ لأنه قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ ترك ذلك لمعنى من المعاني التي ذكرناها في الفصل الأول، وهو أن يكون تركه إما لكونه حينئذٍ على غير وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة. وفيه نظر لا يخفى على الفطِن. ص: وقد ذهب جماعة من أصحاب النبي ﵇ في سجود التلاوة إلى أنه غير واجب، وإلى أن التالي لا يضرّه أن لا يفعله، فمما روي عنهم في ذلك:

стр. 2733

ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه (ح). وحدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدوا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيئوا للسجود، فقال عمر: على رِسْلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "مرّ سلمان ﵁ بقوم قد قرءوا بالسجدة فقيل له: ألا تسجد؟ فقال: إنا لم نقصد لها". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة قال: "لقد قرأ ابن الزبير ﵁ السجدة وأنا شاهد فلم يَسْجد، فقام الحارث بن عبد الله فسجد فقال: يا أمير المؤمنين ما منعك أن تَسْجُدَ إذ قرأت السجدة؟ فقال: إني إذا كنت في صلاة سجدت، وإذا لم أكن في صلاة فإني لا أسجد". فهؤلاء الجلّة لم يروها واجبة، وهذا هو النظر عندنا؛ لأنا رأيناهم لا يختلفون أن المسافر إذا قرأها وهو على راحلته أو في جهاد لم يكن عليه أن يسجدها على الأرض، فكانت هذه صفة التطوع لا صفة الفرض؛ لأن الفرض لا يُصلّى إلا على الأرض والتطوع يُصلّى على الراحلة. وكان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ يذهبون في السجود إلى خلاف ذلك ويقولون: هي واجبة. فثبت بما وصفنا أن ما ذكروا عن أبي لا دلالة فيه على أن لا سجود في المفصل؛ لأنه قد يجوز أن يكون الحكم كان في السجود عند رسول الله ﵇ على واحد من المعاني التي ذكرناها في ذلك عن عمر وسلمان وابن الزبير ﵃ فترك السجود في

стр. 2734

المفصل لذلك، ولعله أيضًا لم يسجد في تلاوة ما فيه سجود أيضًا من غير المفصل. ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان شيئين: الأول: بيان الخلاف الواقع في صفة سجدة التلاوة هل هي واجبة أم سنة؟ والثاني: إلى بيان عارض من تلك العوارض التي ذكرها في جواب ذلك المعترض حيث قال: لأنه قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ ترك ذلك لمعنًى من المعاني التي ذكرناها في الفصل الأول، وأراد بالمعاني: العوارض التي ذكرها هناك. بيان ذلك: أن بعض الصحابة قد ذهبوا إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب، وأن القارئ مخيّر بين أن يسجد وبين أن يترك، فإذا كان الأمر كذلك فيمكن أن يكون قول أبي بن كعب: "ليس في المفصل سجود" على معنى سجود فرض أو واجب، وليس في ذلك نفي أصل السجدة، والمدعى أن في (النجم) سجدة، ثم كون هذا السجود واجبًا أو سنة شيء آخر لا يتعلق بالمدعى، وممن ذهب من الصحابة إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب: عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن الزبير. وأخرج ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ من طريقين صحيحين: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه "أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة ... " إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (١). وقال البخاري (٢): ثنا إبراهيم بن موسى، قال: أنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير التَّيْمي- قال أبو بكر: وكان ربيعة من خيار

стр. 2735

الناس-: "حضر ربيعة عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نَمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁". وزاد نافع عن ابن عمر: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء". والطريق الآخر: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام: "أن عمر بن الخطاب ... " إلى آخره. قوله: "على رِسلكم" بكسر الراء وسكون السين المهملة، أي على هيئتكم لا تستعجلوا. وأخرج عن سلمان أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقدي البصري، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمي الكوفي القارئ، ولأبيه صحبة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "دخل سلمان الفارسي ﵁ المسجد وفيه قوم يقرءون، فقرءوا السجدة فسجدوا، فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لولا أتينا هؤلاء القوم، فقال: ما لهذا غدونا". وأخرجه البخاري (٢): وقال: "قال سلمان: ما لهذا غدونا". وأخرج عن عبد الله بن الزبير ﵁ أيضًا بإسنادٍ صحيح: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي البصري روى له الجماعة، عن حاتم بن أبي صغيرة وهو ابن مسلم القشيري وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج
следующие страницы →