وأخرجه عبد الرزاق (١) عن معمر نحوه.
وقال النسائي (٢): أنا عبد الملك بن عبد الحميد، قال: ثنا ابن حنبل، قال: ثنا إبراهيم بن خالد، قال: ثنا رباح، عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة، عن أبيه قال: "قرأ رسول الله ﵇ بمكة سورة النجم فسجد وسجد مَن عنده، فرفعت رأسي وأبيتُ أن أسجد، ولم يكن يومئذٍ أسلم المطلب".
ص: قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار تحقيق السجود، فيها وليس فيما ذكرنا في الفصل الأول ما ينفي أن يكون فيها سجدة، فهذه أولى؛ لأنه لا يجوز أن يسجد في غير موضع سجود، وقد يجوز أن يترك السجود في موضعه لعارض من العوارض التي ذكرنا في الفصل الأول.
ش: أي: ففي هذه الأحاديث المذكورة تصريح بالسجدة فيها أي في سورة النجم، وأراد بما ذكره في الفصل الأول حديث زيد بن ثابت الذي ذكره في أول الباب.
قوله: "لعارض من العوارض التي ذكرنا في الفصل الأول". أراد بها ما ذكره من قوله؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي ﵇ السجود فيها حينئذٍ؛ لأنه كان على غير وضوء، أو يكون تركه لأن الوقت كان من الأوقات المكروهة.
ص: فقال قائل: فإن في ذلك دلالة أيضًا تدل على أن لا سجود فيها.
فذكر ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: حدثني ابن أبي فديك، قال: حدثني داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار "أنه سأل أبي بن كعب ﵁: هل في المفصل سجدة؟ قال: لا،
стр. 2732
قال: فَأُبَيّ بن كعب ﵁ قد قرأ عليه النبي ﵇ القرآن كله، فلو كان في المفصل سجود إذًا لعلمه بسجود النبي ﵇ فيه لما أتى عليه في تلاوته". ولا حجة له في هذا عندنا؛ لأنه قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ ترك ذلك لمعنًى من المعاني التي ذكرناها في الفصل الأول.
ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى، بيانه: أن القائل منهم اعترض بأن في الحديث دلالةً أيضًا على نفي السجدة في النجم؛ وذلك لأن عطاء بن يسار لما سأل أُبيًّا: هل في المفصل سجدة؟ قال له: لا. فقوله هذا يدل على نفي السجدة فيها؛ إذ لو كان فيها سجدة لكان قد علم ذلك بسجود النبي ﵇ حين قرأها عليه.
وأخرج حديثه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن الحسين اللهبي -من ذرية أبي لهب بن عبد المطلب- ثقة، عن محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار المدني روى له الجماعة، عن داود بن قيس الفراء الدباغ المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن زيد بن أسلم القرشي المدني روى له الجماعة، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن داود بن قيس، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي بن كعب قال: "ليس في المفصل سجود".
والجواب ما ذكره بقوله: "ولا حجة له" أي لهذا القائل المعترض؛ لأنه قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ ترك ذلك لمعنى من المعاني التي ذكرناها في الفصل الأول، وهو أن يكون تركه إما لكونه حينئذٍ على غير وضوء، أو لكون الوقت وقت كراهة.
وفيه نظر لا يخفى على الفطِن.
ص: وقد ذهب جماعة من أصحاب النبي ﵇ في سجود التلاوة إلى أنه غير واجب، وإلى أن التالي لا يضرّه أن لا يفعله، فمما روي عنهم في ذلك:
стр. 2733
ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه (ح).
وحدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجدوا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيئوا للسجود، فقال عمر: على رِسْلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "مرّ سلمان ﵁ بقوم قد قرءوا بالسجدة فقيل له: ألا تسجد؟ فقال: إنا لم نقصد لها".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة قال: "لقد قرأ ابن الزبير ﵁ السجدة وأنا شاهد فلم يَسْجد، فقام الحارث بن عبد الله فسجد فقال: يا أمير المؤمنين ما منعك أن تَسْجُدَ إذ قرأت السجدة؟ فقال: إني إذا كنت في صلاة سجدت، وإذا لم أكن في صلاة فإني لا أسجد".
فهؤلاء الجلّة لم يروها واجبة، وهذا هو النظر عندنا؛ لأنا رأيناهم لا يختلفون أن المسافر إذا قرأها وهو على راحلته أو في جهاد لم يكن عليه أن يسجدها على الأرض، فكانت هذه صفة التطوع لا صفة الفرض؛ لأن الفرض لا يُصلّى إلا على الأرض والتطوع يُصلّى على الراحلة.
وكان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ يذهبون في السجود إلى خلاف ذلك ويقولون: هي واجبة.
فثبت بما وصفنا أن ما ذكروا عن أبي لا دلالة فيه على أن لا سجود في المفصل؛ لأنه قد يجوز أن يكون الحكم كان في السجود عند رسول الله ﵇ على واحد من المعاني التي ذكرناها في ذلك عن عمر وسلمان وابن الزبير ﵃ فترك السجود في
стр. 2734
المفصل لذلك، ولعله أيضًا لم يسجد في تلاوة ما فيه سجود أيضًا من غير المفصل.
ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان شيئين:
الأول: بيان الخلاف الواقع في صفة سجدة التلاوة هل هي واجبة أم سنة؟
والثاني: إلى بيان عارض من تلك العوارض التي ذكرها في جواب ذلك المعترض حيث قال: لأنه قد يحتمل أن يكون النبي ﵇ ترك ذلك لمعنًى من المعاني التي ذكرناها في الفصل الأول، وأراد بالمعاني: العوارض التي ذكرها هناك.
بيان ذلك: أن بعض الصحابة قد ذهبوا إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب، وأن القارئ مخيّر بين أن يسجد وبين أن يترك، فإذا كان الأمر كذلك فيمكن أن يكون قول أبي بن كعب: "ليس في المفصل سجود" على معنى سجود فرض أو واجب، وليس في ذلك نفي أصل السجدة، والمدعى أن في (النجم) سجدة، ثم كون هذا السجود واجبًا أو سنة شيء آخر لا يتعلق بالمدعى، وممن ذهب من الصحابة إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب: عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن الزبير.
وأخرج ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن
هشام بن عروة عن أبيه "أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة ... " إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
وقال البخاري (٢): ثنا إبراهيم بن موسى، قال: أنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَير التَّيْمي- قال أبو بكر: وكان ربيعة من خيار
стр. 2735
الناس-: "حضر ربيعة عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نَمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁".
وزاد نافع عن ابن عمر: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء".
والطريق الآخر: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام: "أن عمر بن الخطاب ... " إلى آخره.
قوله: "على رِسلكم" بكسر الراء وسكون السين المهملة، أي على هيئتكم لا تستعجلوا.
وأخرج عن سلمان أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقدي البصري، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمي الكوفي القارئ، ولأبيه صحبة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "دخل سلمان الفارسي ﵁ المسجد وفيه قوم يقرءون، فقرءوا السجدة فسجدوا، فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لولا أتينا هؤلاء القوم، فقال: ما لهذا غدونا".
وأخرجه البخاري (٢): وقال: "قال سلمان: ما لهذا غدونا".
وأخرج عن عبد الله بن الزبير ﵁ أيضًا بإسنادٍ صحيح: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي البصري روى له الجماعة، عن حاتم بن أبي صغيرة وهو ابن مسلم القشيري وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج
стр. 2736
أمه، روى له الجماعة، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله المكي الأحول، كان قاضيًا لعبد الله بن الزبير ومؤذنًا له، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بأتم منه: ثنا إسماعيل بن عُلية، عن حاتم بن أبي صغيرة، قال: "قلت لعبد الله بن أبي مليكة: قرأتُ السجدة وأنا أطوف بالبيت فكيف ترى؟ قال: آمرك أن تسجد. قلت: إذا تركني الناس وهم يطوفون فيقولون: مجنون أفأستطيع أن أسجد وهم يطوفون؟ فقال: والله لئن قلت ذلك، لقد قرأ ابن الزبير السجدة فلم يسجد فقام الحارث بن أبي ربيعة فقرأ السجدة ثم جاء، فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين ما منعك أن تسجد قبيل حيث قرأت السجدة؟ فقال: لأي شيء أسجد؟ إني لو كنتُ في صلاة سجدت، فأما إذا لم أكن في صلاة فإني لا أسجد".
قال: "وسألت عطاء عن ذلك فقال: استقبل البيت وأومئ برأسك".
قوله: "فهؤلاء الِجلّة" أشار به إلى عمر وسلمان وابن الزبير، وهو بكسر الجيم وتشديد اللام جمع جليل بمعنى عظيم كصِبية جمع صبي، أي: فهؤلاء العظماء من الصحابة لم يَروْها -أي سجدة التلاوة- واجبةً، وممن ذهب إلى مذهبهم: عبد الله بن عباس، وعمران بن حصين.
وهو مذهب الأوزاعي أيضًا، والشافعي، ومالك في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق وداود، وإليه مال البخاري والطحاوي أيضًا حيث قال: وهذا هو النظر عندنا، أي: وكون سجدة التلاوة سنة غير واجبة هو القياس عندنا، ثم بيَّن وجه النظر بقوله: "لأنا رأيناهم ... " إلى آخره، وهو ظاهر.
ولكن لقائل أن يقول: إنما لم يجب على المسافر أن يسجدها على الأرض إذا قرأها على راحلته؛ لأنها وجبت ناقصة فجاز له أن يؤديها ناقصةً، وعدم الأمر بالسجدة على الأرض مبني على هذا لا على أنها واجبة أو سنة.
стр. 2737
قوله: "وكان أبو حنيفة ... " إلى آخره، وممن ذهب إلى ما ذهب إليه هؤلاء: حمادُ بن أبي سليمان وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وأبو العالية والأعمش وإبراهيم التيمي والحكم بن عُتَيْبة وأصحاب عبد الله بن مسعود.
ويحكى ذلك عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود ﵁، وقالوا: إن مواضع السجود في القرآن منقسمة، منها ما هو أمر بالسجود، والأمر للوجوب كما في آخر سورة القلم، ومنها ما هو إخبار عن استنكاف الكفرة عن السجود فيجب علينا مخالفتهم بتحصيله، ومنها ما هو إخبار عن خشوع المطيعين فيجب علينا متابعتهم بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، ولأن الله ذم أقوامًا بترك السجود فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٢)، وإنما يُستحقُّ الذم بترك الواجب، وأجابوا عن قول عمر ﵁ بأنا نقول بموجبه؛ لأنها لم تكتب علينا بل وجبت، وفرق بين الواجب والفرض على ما عرف في مَوْضعه، وعن أثرَيْ سلمان وابن الزبير بأنه يحتمل أن يكونا حينئذٍ على غير وضوء، أو كانا في وقت كراهة السجدة، والله أعلم.
قوله: "فثبت بما وصفنا" أي من قوله: "وقد ذهب جماعة من أصحاب النبي ﵇ ... إلى آخره" يعني هذه الأشياء تدل على أنه لا دليل فيما ذكروا عن أبي على نفي السجدة في المفصل؛ لأنه قد يجوز أن يكون حكم السجدة عند رسول الله ﵇ في حديث أبي بن كعب على واحد من المعاني التى ذكرها في ذلك عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة وهم: عمر وسلمان وعبد الله بن الزبير، وهو أن يكون محمولًا على قول عمر بأنه لم تُكْتب علينا، أو على قول سلمان بأنه لم يقصد لها، أو على قول ابن الزبير بأنه لم يكن في صلاة، وأيًّا ما كان لا يدل واحد من ذلك على نفي أصل السجدة في المفصل، فافهم.
стр. 2738
قوله: "ولعله أيضًا" أي: ولعل النبي ﵇ أيضًا لم يسجد في تلاوة آية سجدة من غير المفصل لأجل معنى من المعاني التي ذكرناها فإن ذلك أيضًا لا يدل على نفي أصل السجدة؛ وإنما ذكر هذا لأنه لو فرض هذا الحكم في سجدة تلاوة من سجدات غير المفصل كان الخِصْم أيضًا يقول: هذا محمول على معنى من المعاني التي ذكرناها، فهذا مجمع عليه، فكذا الجواب فيما إذا كان ذلك في المفصل.
ص: وقد خالف أبي بن كعب ﵁ فيما ذهب إليه من ذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﵇.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عاصم بن بَهْدلة، عن زرٍّ، عن عليّ ﵁ قال: "إن عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و ﴿حم﴾، والنجم، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
حدثنا حُسَيْن بن نَصْر، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ الفجر بمكة، فقرأ في الركعة الثانية بالنجم، ثم سجد، ثم قام فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود ووَهْبٌ وَرْوحٌ، قالوا: ثنا شعبة، قال: ثنا الحكم، أنه سمع إبراهيم التيمي يُحدِّث، عن أبيه قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب ... فذكر مثله، واللفظ لروح.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن عمران بن عبيد الله ابن عمران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
стр. 2739
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى، عن مَسْروق قال: "صليتُ خلف عثمان ﵁ الصبح فقرأ النجم وسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: "أن عمر وعبد الله ﵄ سجدا في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ قال منصور: أو أحدهما".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا شعبة ... فذكر مثله بإسناده.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: "رأيت عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود يَسْجدان في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
حدثنا روح، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا أبو الأحوص، عن ليث، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله ... بذلك.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "رأيت عمر بن الخطاب يَسْجدُ في النجم في صلاة الصبح، ثم استفتح بسورة أخرى".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا مالك، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا عمر ﵁ فقرأ النجم فسجد فيها".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا بكر بن مضر، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن بُكَيْر، أن نافعًا حدثه: "أنه رأى ابن عمر ﵄ يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ في غير صلاة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن إسحاق بن سُوَيْد قال: "سُئِل نافع: أكان ابن عمر ﵁ يسجد في الحجّ
стр. 2740
سجدتين؟ قال: مات ابن عمر ولم يقرأها , ولكنه كان يَسْجُد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يسجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا عبد الرحمن ابن الأصبهاني، عن أبي عبد الرحمن: "أن ابن مسعود ﵁ كان يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا شعبة والثوري وحماد، عن عاصمٍ، عن زرٍّ: "أن عمارًا ﵁ سجد فيها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: "أنه كان يسجد فيها".
فكل هؤلاء قد خالفوا أبي بن كعب في قوله: "لا سجود في المفصل".
وقد حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: قال لي ابن عباس: "أيُّ قراءة تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد. فقال: هي القراءة الآخرة؛ إن رسول الله ﵇ كان يعرض عليه القرآن في كل عام أراه قال: في كل شهر رمضان، فلما كان في العام الذي مات فيه عرض عليه مرتين فشهد عبد الله ما نُسِخَ وما بُدِّل".
فهذا عبد الله بن عباس قد أخبر أن عبد الله بن مسعود حضر قراءة رسول الله ﵇ القرآن مرتين في العام الذي قُبِض فيه، فعلِم ما نُسخ وما بُدِّل، فإن كان في قراءة رسول الله ﵇ على أبي بن كعب ما قد دلّ على أن أبيًّا قد علم ما فيه من السجود في القرآن حتى صار قوله: "لا سجود في المفصل" دليلًا على أنه كان كذلك عند رسول الله ﷺ ، فإن في حضور ابن مسعود ﵁ قراءة النبي ﵇ -
стр. 2741
القرآن مرتين دليلًا على أنه قد علم ما فيه من السجود في القرآن، فصار قوله: "إن في المفصل من السجود ما رويناه عنه" حجة.
ش: أي خالف أبي بن كعب ﵁ في قوله: "لا سجود في المفصل" جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ وهم: علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وعثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعمار بن ياسر، وأبو هريرة ﵁؛ فإنهم كلهم قد خالفوا أبي بن كعب في قوله: "لا سجود في المفصل"، والأخذ بقولهم أولى، وقد أخبر ابن عباس ﵁ في حديثه الذي رواه عنه أبو ظبيان -على ما نُبيّنه- أن عبد الله بن مسعود حضر قراءة رسول الله ﵇ القرآن مرتين في العام الذي قبُض فيه، فَعَلِمَ ابن مسعود ما نُسخ من ذلك وما بُدِّل من التلاوة والحكم.
فإن قيل: كيف يُحتجّ بهذا وأبي بن كعب ﵁ قد علم حين قرأ النبي ﵇ عليه القرآن ما فيه من السجود وما ليس فيه، فلذلك قال: "لا سجود في المفصل"، فيكون هذا دليلًا على أنه كان كذلك عند رسول الله ﵇؟
قلت: أجاب الطحاوي عن ذلك بقوله: "فإن كان في قراءة النبي ﵇ على أبي بن كعب ... " إلى آخره.
بيانه أن يقال: إذا كان في قراءة النبي ﵇ على أبي بن كعب القرآن دليلٌ على عدم السجود في المفصل لكونه كذلك عند رسول الله ﵇، ففي حضور ابن مسعود قراءة النبي ﵇ القرآن مرتين في العام الذي قبُض فيه أدلّ دليل على أنه قد علم ما فيه من السجود في القرآن وما ليس فيه، فيكون العمل به والاعتماد عليه أقوى، وقد أخبر هو أن في المفصل سجودًا، فصار أولى بالعمل به.
ثم إنه أخرج أثر ابن عباس بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان الجَنْبي واسمه حُصَيْن بن جندب الكوفي روى له الجماعة.
стр. 2742
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن محمَّد بن سابق، عن إسرائيل، عن إبراهيم ابن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال (٢): "أي القراءتين كانت أجزأ؟ قراءة عبد الله أو قراءة زيد؟ قال: قلنا: قراءة زيد. قال: لا، إن رسول الله ﵇ كان يعرض القرآن على جبريل ﵇ كل عام مرةً، فلما كان في العام الذي قبُض فيه عرضه عليه مرتين، وكانت آخر القراءة قراءة عبد الله".
قوله: "قراءة ابن أم عبد" هو عبد الله بن مسعود، وأم عبد أمه، وهي أم عبد بنت عبد وُدّ بن سواء من هذيل، ولها صحبة.
قوله: "ما نسخ" أي من تلاوته.
قوله: "وما بدل" أي وما غُيّر من القراءة، وهو كالتفسير لقوله: "ما نسخ"؛ لأن معنى النسخ هو التبديل.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: جواز النسخ، سواء كان في التلاوة أو في الحكم.
الثاني: فيه دليل على أن في المفصل سجودًا؛ وذلك لأن عبد الله بن مسعود كان يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ كما ذكر عنه مسندًا, ولو لم يعلم ذلك من النبي ﵇ حين عرض القرآن عليه لما سجد هو، وكان العرض على جبريل ﵇ كما صرَّح به في رواية أحمد وهو المراد من قول ابن عباس ﵄: "فلما كان العام الذي مات فيه عرض عليه مرتين" أي عُرض القرآن على رسول الله ﵇ مرتين، وكان العارض هو النبي ﵇ ولكن أسند العرض هنا إلى القرآن وهو مفعول ناب عن الفاعل.
стр. 2743
الثالث: فيه دلالة على فضيلة ابن مسعود ﵁ ولهذا جاء في حديث أخرجه الترمذي (١) من حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "لو كنت مؤمِّرًا أحدًا منهم من غير مشورة لأمّرت عليهم ابن أم عبد".
وأخرج الطبراني (٢) من حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "مَنْ سَرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
وأخرج الطبراني (٣) أيضًا بإسناده إلى عبد الله قال: "لقد قرأت القرآن من فيّ النبي ﵇ سبعين سورة وزيد بن ثابت ذو ذؤابة يَلْعب مع الصبيان".
وبقي الكلام في أثر هؤلاء.
أما أثر علي بن أبي طالب فأخرجه من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن عاصم بن بَهْدلة -وهو عاصم بن أبي النَّجودُ- عن زِرِّ -بكسر الزاي وتشديد الراء- عن عليّ ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا هشيم، عن شعبة، عن عاصم، عن زر، عن علي ﵁ قال: "عزائم السجود: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ , والنجم , و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
والآخر: عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زِرِّ بن حُبَيْش عن علي ﵁.
قوله: "إن عزائم السجود" أي إن واجبات السجود، والعزائم: جمع عزيمة،
стр. 2744
والعزيمة والعَزْمة بمعنى الحق والواجب، وهذا حجة لمن يذهب إلى وجوب سجدة التلاوة.
وأما أثر عمر بن الخطاب ﵁ فأخرجه من ثمان طرق صحاح، ولكن الطريق الرابع والخامس والسادس فيها عبد الله بن مسعود أيضًا على ما نُبيّنه عن قريب إن شاء الله تعالى.
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن يوسف بن عدي بن زُريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن [أبي] (١) ليلى، عن عمر ﵁.
وبنحوه أخرج مالك في "موطئه" (٢) عن ابن شهاب، عن الأعرج: "أن عمر بن الخطاب قرأ بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فسجد فيها، ثم قام فقرأ بسورة أخرى".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، ووهب بن جرير، وروح بن عبادة، ثلاثتهم عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة، أنه سمع إبراهيم التيمي يُحدّث، عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التَّيْمي -تيم الرباب- الكوفي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سَبْرة قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب، فقرأ في الركعة الأولى بسورة ﴿يُوسُفُ﴾، ثم قرأ في الثانية بـ ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد، ثم قام فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ ثم ركع".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمران
стр. 2745
ابن عبيد الله بن عمران التميمي ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقيل: عبيد الله بن عمران.
عن أبي رافع الصائغ اسمه نُفيع المدني نزيل البصرة مولى ابنة عمر بن الخطاب، روى له الجماعة.
وهذه الثلاثة [...] (١) الأخرى مشتركة كما ذكرنا [...] (٢) فيما بعد ونذكرهما ها هنا لاقتضاء المناسبة.
فالأول منهما الذي هو السابع من الجملة: أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "رأيت عمر ﵁ ... " إلى آخره.
والثاني الذي هو الثامن من الجملة: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "صلى عمر ﵁ ... " إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (٣).
وأما أثر عثمان ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري روى له الجماعة عن شعبة، عن علي بن زيد بن جدعان أبي الحسن البصري المكفوف، عن زرارة بن أوفى، عن مسروق بن الأجدع.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا إسماعيل بن عُلية، عن علي بن زيد،
стр. 2746
عن زرارة بن أوفى، عن مسروق بن الأجدع: "أن عثمان ﵁ قرأ في العشاء بالنجم فسجد".
وأما أثر عبد الله بن مسعود فأخرجه من خمس طرق صحاح.
الأول: فيه عمر بن الخطاب أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "رأيت عمر وعبد الله يسجدان في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، أو أحدهما".
الثاني: فيه عمر أيضًا، عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد فذكر مثل المذكور بإسناده.
الثالث: فيه عمر أيضًا، عن أبي بكرة أيضًا، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود.
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عديّ بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم الحنفي، عن ليث بن أبي سليم القرشي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، ومسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود بن يزيد.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن
стр. 2747
عمرو، ثنا زائدة، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "كان عبد الله يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
الخامس: عن أبي بكرة، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن أبي عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب، عن ابن مسعود.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن ابن الأصبهاني، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود: "أنه كان يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم المعروف بابن أبي مريم أبي محمَّد المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نافع.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
عبد الرزاق (٣): عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال: حدثني نافع: "أن ابن عمر ﵁ كان إذا قرأ بـ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ سجد، وإذا قرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ في الصلاة كبَّر وركع وسجد، وإذا قرأ بهما في غير الصلاة سجد فيهما".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة،
стр. 2748
عن إسحاق بن سُوَيْد العدوي التميمي البصري روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: "أكان ابن عمر" الهمزة فيه للاستفهام.
الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن همام بن يحيى، عن العَوْذي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن نافع.
وأما أثر عمار بن ياسر ﵁ فأخرجه من طريق صحيح أيضًا: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة، ثلاثتهم عن عاصم بن بَهْدلة، عن زر بن حُبَيش عن عمار.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِزّ قال: "قرأ عمار على المنبر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ثم نزل إلى القرار فسجد بها".
قوله: "فيها" أي في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾.
وأما أثر أبي هريرة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: "أنه كان يسجد فيها".
وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا أبو يحيى البزار، ثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: "أنه كان يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فإذا صلى خلف مَنْ يَذرها أومأ برأسه إيماءً".
ص: وقد قال قوم: قد كان رسول الله ﷺ يسجد في المفصل بمكة، فلما هاجر ترك ذلك، ورَوْوا ذلك عن ابن عباس من طريق ضعيف لا يثبت مثله، ورووا عنه من قوله: "أنه لا سجود في المفصل".
стр. 2749
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيب، قال: ثنا همام، عن ابن جريج، عن عطاء "أنه سأل ابن عباس عن سجود القرآن، فلم يَعُدّ عليه في المفصل شيئًا".
وهذا عندنا لو ثبت لكان فاسدًا؛ وذلك أن أبا هريرة قد روينا عنه في هذا الباب أن رسول الله ﵇ قد سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وأنه كان حاضرًا ذلك، وأن النبي ﵇ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وإسلام أبي هريرة ولقاؤه رسول الله ﵇ إنما كان بالمدينة قبل وفاته بثلاث سنين، قد روينا ذلك عنه في موضعه من كتابنا هذا، فدل ذلك على فساد ما ذهب إليه أهل تلك المقالة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا والحسن البصري وعطاء وابن جريج وبعض أصحاب الشافعي؛ فإنهم قالوا: قد كان رسول الله ﵇ يسجد في المفصل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة ترك ذلك، واستدلوا في ذلك بما روي عن ابن عباس ﵄ من طريق ضعيف.
وهو ما رواه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن رافع، نا أزهر بن القاسم -قال محمَّد: رأيته بمكة- نا أبو قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة".
فهذا هو الحديث الذي أشار إليه الطحاوي بقوله: "من طريق ضعيف لا يثبت مثله". وقال عبد الحق في "أحكامه": إسناده ليس بقوي، ويروى مرسلًا.
وقال ابن القطان في كتابه: وأبو قدامة الحارث بن عبيد قال فيه ابن حنبل: مضطرب الحديث. وضعفه ابن معين، وقال الساجي: صدوق وعنده مناكير، ومطر الوَرّاق كان سيء الحفظ حتى كان يشبه في سوء الحفظ محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد عيب على مسلم إخراج حديثه.
قوله: "ورووا عنه" أي روى هؤلاء القوم من قول ابن عباس أنه لا سجود في
стр. 2750
المفصل، وأشار بهذا إلى أنهم احتجوا أيضًا في عدم السجود في المفصل بقول ابن عباس أيضًا.
أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخَصِيب بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، عن همام بن يحيى، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح: "أنه سأل عبد الله بن عباس ﵁ عن سجود القرآن، فلم يعدّ عليه -أي على عطاء- في المفصل -وهو السُّبع السابع- شيئًا من السجود".
قوله: "وهذا عندنا" أشار به إلى الحديث الذي رووا عن ابن عباس من طريق ضعيف، وهو الذي أخرجه أبو داود الذي ذكرناه آنفًا، يعني: ولئن سلمنا أن هذا الحديث ثابت من حيث الإسناد ولكنه فاسد من حيث الدلالة على الحكم؛ وذلك لأن أبا هريرة قد روى عن النبي ﵇ أنه سجد في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وأنه كان حاضرًا ذلك، وأنه سجد أيضًا في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وإسلام أبي هريرة ولقيه رسول الله ﵇ إنما كان بالمدينة سنة سبع من المهجرة، فظهر بهذا فساد ذلك الحديث.
وقال عبد الحق: والصحيح حديث أبي هريرة: "أن النبي ﵇ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ " وإسلامه متأخر، قدم على النبي ﵇ في السنة السابعة من الهجرة.
وقال ابن عبد البر: حديث ابن عباس حديث منكر، وأبو قدامة ليس بشيء، وأبو هريرة لم يصحب النبي ﵇ إلا في المدينة، وقد رآه يسجد في الانشقاق و ﴿الْقَلَمِ﴾.
ص: وقد تواترت الآثار أيضًا عن النبي ﵇ بسجوده في المفصل، فمن ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب وصفوان بن سليم، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي هريرة ﵁ قال:
стр. 2751
"سجدت مع رسول الله ﵇ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ سجدتين".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن بكير بن عبد الله، عن نُعَيْم المُجْمر أنه قال: "صليت مع أبي هريرة فوق هذا المسجد فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها وقال: رأيت النبي ﵇ يسجد فيها".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا علي بن زيد، عن أبي رافع قال: "صلَّيتُ خلف أبي هريرة بالمدينة فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها فلما فرغ من صلاته لقِيتُه فقلت: أتسجدُ فيها؟ فقال: رأيت النبي ﵇ يَسجُد فيها؛ فلن أدع ذلك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا حماد، قال: ثنا علي بن زيد، قال: ثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه، غير أنه لم يذكر قوله: "فلن أدع ذلك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، عن مروان الأصفر، حدثه عن أبي رافع ... فذكر مثله بإسناده وزاد: "فلن أدع ذلك حتى ألقاه".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا الثوري وابن جريج وابن عيينة، عن أيوب بن موسى، قال: ثنا عطاء بن مينا، عن أبي هريرة قال: "سجدنا مع النبي ﵇ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أيوب بن موسى، قال: ثنا عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: "سجدنا مع رسول الله ﵇ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود ورَوْحُ -واللفظ لأبي داود- قالا: ثنا هشام، عن يحيى، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة: "أنه رآه يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وقال: لو لم أر النبي ﵇ يسجد فيها لم أسجد".
стр. 2752
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قالا: ثنا مالك، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة: "أن أبا هريرة قرأ بهم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف حدثهم أن رسول الله ﵇ سجد فيها".
حدثنا ابن خزيمة وفهدٌ، جميعًا قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أنه رأى أبا هريرة وهو يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، قال أبو سلمة: فقلتُ له حين انصرف: سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها؟! فقال: لو لم أر النبي ﵇ يسجد فيها لم أسجد".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عبد العزيز ابن عياش، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن رجلين كلاهما خير من أبي هريرة: "أن أحدهما سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكان الذي سجد أفضل من الذي لم يسجد، فإن لم يكن عمر فهو خير من عمر ﵁".
فهذا أبو هريرة قد تواترت عنه الروايات أنه سجد مع النبي ﵇ أيضًا في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وإسلامه إنما كان بالمدينة، فكيف يجوز أن يقال له: إن رسول الله ﵇ بعدما هاجر لم يسجد في المفصل؟!.
ش: أي قد تكاثرت الأحاديث أيضًا عن النبي ﵇ بأنه سجد في المفصل، ولم يُرِدْ به التواتر المصطلح عليه.
стр. 2753
قوله: "فمن ذلك ما حدثنا" أي: فمما تكاثر: حديث أبي هريرة، وأخرجه من أربعة عشر طريقًا:
الأول: إسناده على شرط مسلم: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيْوئيل أبي حيوئيل المصري وثقه ابن حبان، وروى له مسلم مقرونًا بغيره وروى له الأربعة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، وصفوان بن سليم المدني القرشي الزهري الفقيه روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن سَعْد المدني، وثقه ابن حبان.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث، نا أحمد بن صالح، نا ابن وهب ... إلى آخره نحوه، وزاد في آخره: "سجدتين".
الثاني: إسناده صحيح أيضًا: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سَعْد، عن بكير بن عبد الله، عن نعيم بن عبد الله المُجْمر، وقد ذكرنا مرةً أن الصحيح أن المجمر هو صفة عبد الله، وبه جزم ابن حبان، وقال النووي: ويطلَقُ على ابنه نعيم مجازًا، ونعيم هذا روى له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حجاج، نا ليث، حدثني بكير بن عبد الله، عن نعيم بن عبد الله المُجمر أنه قال: "صليتُ مع أبي هريرة ... " إلى آخره نحوه.
الثالث: إسناده صحيح أيضًا عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن علي بن زيد، عن أبي رافع نفيع الصائغ.
وأخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي بألفاظ مختلفة:
فالبخاري (٣): عن مسدد، ثنا معتمر، قال: سمعت أبي، قال: حدثني بكر، عن أبي رافع قال: "صليتُ مع أبي هريرة العتمة فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾
стр. 2754
فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ؛ فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه".
ومسلم (١): عن عبيد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى، قالا: ثنا المعتمر ... إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٢): عن مسدد ... إلى آخره نحو رواية البخاري.
والنسائي (٣): عن حميد بن مسعدة، عن سليم بن أخضر، عن التيمي، قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع قال: "صليت خلف أبي هريرة صلاة العشاء -يعني العتمة- فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما فرغ قلت: يا أبا هريرة، هذه يعني سجدة ما كنا نسجدها! قال: سجد بها أبو القاسم ﵇ وأنا خلفه، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم ﵇".
الرابع: مثله أيضًا، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع نفيع الصائغ.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا هشيم، قال: أنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع قال: "صليتُ خلف أبي هريرة بالمدينة العشاء الآخرة، قال: فقرأ فيها ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فقلت: تسجد فيها؟ فقال: رأيت خليلي أبا القاسم سجد فيها".
الخامس: عن أبي بكرة أيضًا، عن روح بن عبادة أيضًا، عن شعبة، عن مروان الأصفر، ويقال له: مروان بن خاقان، وقيل: إنهما اثنان، وثقه ابن حبان.
стр. 2755
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرحمن، نا شعبة، عن مروان الأصفر وعطاء بن أبي ميمونة، أنهما سمعا أبا رافع قال: "رأيت أبا هريرة يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: قلت: تسجد فيها؟ قال: رأيت خليلي ﷺ يسجد فيها، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه".
السادس: صحيح أيضًا، عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن روح بن عبادة أيضًا، عن سفيان الثوري وعبد الملك بن جريج وسفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة. وميناء -بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف بعدها النون- مولى ابن أبي ذباب المدني.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: "سجدنا مع النبي ﵇ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد، نا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة نحوه.
وأخرجه الترمذي (٤): ثنا قتيبة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى ... إلى آخره نحوه. وقال: حديث حسن صحيح.
السابع: صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة النَّهْدي موسى بن مسعود شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٥): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة.
стр. 2756
ووكيع، عن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: "سجدت مع رسول الله ﵇ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
وأخرجه ابن ماجه (١) أيضًا نحوه.
الثامن: صحيح أيضًا، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، وروح بن عبادة كلاهما، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسلم ومعاذ بن فضالة، قالا: أنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "رأيت أبا هريرة ﵁ قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أرا النبي ﵇ يَسُجد لم أسجد".
وأخرجه مسلم (٣) أيضًا.
التاسع: صحيح أيضًا، عن محمَّد بن عبد الله، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٤): ثنا محمَّد بن يوسف، نا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "رأيت أبا هريرة يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فقال: لو لم أر رسول الله ﵇ يسجد فيها لم أسجُدْ".
العاشر: صحيح أيضًا، عن أبي بكرة بكار، عن رَوْح بن عبادة، عن مالك، عن عبد الله بن يزيد القرشي المدني المقرئ الأعور، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
стр. 2757
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
الحادي عشر: نحوه، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه.
الثاني عشر: صحيح أيضًا، عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، جميعًا عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبي سلمة عبد الله ... إلى آخره.
وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا الحسن بن سلام، ثنا أبو نعيم، ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "رأيت أبا هريرة قرأ بنا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أراك سجدت؟ قال: بلى، لو لم أر رسول الله ﵇ يسجد فيها لم أسجد".
الثالث عشر: نحوه، عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب، عن عبد العزيز بن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- عن عمر بن العزيز بن مروان بن الحكم، عن أبي سلمة.
وأخرجه النسائي (٣): أنا محمَّد بن رافع، قال: نا ابن أبي فديك، قال: أبنا ابن أبي ذئب، عن عبد العزيز بن عياش، عن ابن قيس، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "سجد رسول الله ﵇ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
الرابع عشر: صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد
стр. 2758
شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة ... إلى آخره.
وأخرج البيهقي (١): من حديث مسلم بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن بكر المزني، نا ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: "حدثني رجلان كلاهما خير مني إن لم يكن -أظنه قال:- أبو بكر وعمر فلا أدري من هو، أن أحدهما سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ".
وأخرج أيضًا ما يشابه هذا (٢) من حديث مرة، عن ابن سيرين، نا أبو هريرة قال: "سجد أبو بكر وعمر في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ومن هو خيرٌ منهما".
قلت: أراد به النبي ﵇.
قوله: "عن رجلين كلاهما خير من أبي هريرة" أراد بهما أبا بكر وعمر ﵄.
قوله: "فهذا أبو هريرة قد تواترت عنه الروايات" أي تكاثرت وتتابعت، أنه سجد مع النبي ﵇ أيضًا في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، والحال أن إسلامه كان بالمدينة في السنة السابعة من الهجرة كما ذكرنا عن قريب، فإذا كان كذلك؛ كيف يجوز أن يقال: إن رسول الله ﵇ لم يسجد في المفصل -وهو السُّبع السابع- بعد هجرته؟! فدل ذلك كله على فساد ذلك القول، والله أعلم.
ص: وقد روي عن عمرو بن العاص ﵁، عن النبي ﵇ في سجود المفصل أيضًا:
ما حدثنا ربيعٌ الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن العلاء بن كثير، عن الحارث بن سعيد الكندي، عن عبد الله بن مُنَيْنٍ اليَحْصبي: "أن عمرو
стр. 2759
ابن العاص سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقيل له في ذلك، فقال: كان رسول الله ﵇ يسجد فيهما".
ش: ذكر حديث عمرو بن العاص تأكيدًا لبيان بطلان ما روَوْه عن ابن عباس من أنه ﵇ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحوّل إلى المدينة؛ وذلك لأن عمرو بن العاص قد سجد في هاتين السورتين، ثم أخبر أنه ﵇ كان يسجد فيهما، وإسلام عمرو إنها كان في السنة الثامنة من الهجرة قبل الفتح بأشهر، قدم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ﵁.
وقيل: أسلم بين الحديبية وخيبر.
فإن قيل: كيف يَسْتدل بهذا الحديث على إثبات مطلوبه وفي سنده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف؟!.
قلت: قد قلت لك مرارًا: إنه ثقة عند الطحاوي كما هو كذلك عند أحمد بن حنبل الإِمام، وتضعيف خصمه إياه لا ينافي توثيقه، بل الأصل العدالة وقبول الخبر، ولئن سلمنا ذلك؛ فإنه قد أخرج حديثه [متابعًا] (١) لحديث أبي هريرة الذي أخرجه من طرق كثيرة كلها صحيحة.
ثم إنه أخرجه عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج المصري، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي المصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن العلاء بن كثير الإسكندراني وثقه أبو زرعة، عن الحارث بن سعيد الكِنْدي العُتْقِي المصري، قال في "الميزان": مصري لا يعرف.
عن عبد الله بن مُنَيْن -بضم الميم وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون أيضًا- اليَحْصُبي المصري من بني عبد كلال روى له أبو داود وابن ماجه، قال ابن القطان: عبد الله بن مُنَيْن مجهول. وقال عبد الحق في "أحكامه": لا يحتج به.
стр. 2760
قلت: ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (١).
وأخرج أبو داود (٢): عن محمَّد بن عبد الرحيم البَرقي، نا ابن أبي مريم، أنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله بن منين من بني عبد كلال، عن عمرو بن العاص: "أن النبي ﵇ أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان".
وأخرجه ابن ماجه (٣) والطبراني في "الكبير" (٤) نحوه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ بالسجود في المفصل، فبها نقول، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: قد تكاثرت وتتابعت هذه الأحاديث عن رسول الله ﵇ بالسجود في المفصل -وهو السُّبع السَّابع- فدلت على أن فيها السجود، وهي حجة على أهل المقالة الأولى.
قوله: "فبها" أي: فبهذه الآثار نقول، أشار بذلك إلى أنه اختار قول من يقول: في المفصل سجود، وهو أيضًا قول أبي حنيفة النعمان وأبي يوسف يعقوب ومحمد بن الحسن الشيباني ﵏.
ص: فأما النظر في ذلك فعلى غير هذا المعنى؛ وذلك أنا رأينا السجود المتفق عليه هو عشر سجدات:
منهن: الأعراف، وموضع السجود منها قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٥).
стр. 2761
ومنهن: الرعد، وموضع السجود منها قوله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (١).
ومنهن: النحل، وموضع السجود منها عند قوله : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ إلى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢).
ومنهن: سورة بني إسرائيل، وموضع السجود منها عند قوله : ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ إلى قوله: ﴿خُشُوعًا﴾ (٣).
ومنهن: سورة مريم، وموضع السجود منها عند قوله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤).
ومنهن: سورة الحج فيها سجدة في أولها عند قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى آخر الآية (٥).
ومنهن: سورة الفرقان، وموضع السجود منها عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ إلى آخر الآية (٦).
ومنهن: سورة النمل فيها سجدة عند قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ إلي آخر الآية (٧).
ومنهن: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، فيها سجدة عند قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ إلى آخر الآية (٨).
стр. 2762
ومنهن: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وموضع السجود منها فيه اختلاف، فقال بعضهم: موضعه ﴿تَعْبُدُونَ﴾ (١)، وقال بعضهم: موضعه ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٢).
وكان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ إلى هذا المذهب الأخير يذهبون.
وقيل: اختلف المتقدمون في ذلك:
فحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا فِطْر بن خليفة، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنه كان يسجد في الآية الأخيرة من ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ﴾ ".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فِطْر، عن مجاهد قال: "سألت ابن عباس عن السجدة التي في ﴿حم﴾ قال: اسجد بآخر الآيتين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن مجاهد قال: "سجد رجل في الآية الأولى من ﴿حم﴾ , فقال ابن عباس: عجل هذا بالسجود".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن أبي وائل: "أنه كان يسجد في الآخرة من ﴿حم﴾ ".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن عون، عن ابن سيرين مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد مثله.
стр. 2763
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح، قال: ثنا شعبة، عن قتادة مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يذكر: "أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يسجد في الآية الأولى من حم".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر مثله.
فكانت هذه السجدة التي في ﴿حم﴾ مما قد اتفق عليه، واختلفوا في موضعها، وما قد ذكرنا قبل هذا من السجود في السور الأخرى قد اتفقوا عليها وعلى مواضعها التي ذكرناها، وكان موضع كل سجدة فيها فهو موضع إخبار وليس بموضع أمر، وقد رأينا السجود مذكورًا في مواضع أمر منها قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (١)، ومنها قوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٢) فكلٌّ قد اتفق أن لاسجود في شيء من ذلك.
فالنظر على ذلك أن يكون كل موضع اختلف فيه هل فيه سجود أم لا أن نَنْظر فيه، فإن كان موضع أمر فإنما هو تعليم فلا سجود فيه، وكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجدة التلاوة، فكان الموضع الذي اختلف فيه من سورة ﴿وَالنَّجْم﴾ فقال قوم: هو موضع سجود التلاوة، وقال آخرون: ليس هو موضع سجدة تلاوة، وهو قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٣) فذلك أمر وليس بخبر.
فكان النظر على ما ذكرنا أن لا يكون موضع سجود التلاوة، وكان الموضع الذي اختُلف فيه أيضًا من ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ هو قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ
стр. 2764
وَاقْتَرِبْ﴾ (١) فذلك أمر وليس بخبر، فالنظر على ما ذكرنا أن لا يكون موضع سجود التلاوة، وكان الموضع الذي اختُلف فيه من ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ هل هو موضع السجود أو لا؟ وهو قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ (٢)، فذلك موضع إخبار لا موضع أمر، فالنظر على ما ذكرنا أن يكون موضع سجود التلاوة، ويكون كل شيء من السجود يُردُ إلى ما ذكرنا، فما كان منه أمر رُدَّ إلى شكله مما ذكرنا فلم يكن فيه سجود، وما كان منه خبر رُدَّ إلى شكله من الإخبار فكان فيه سجودٌ، فهذا هو النظر في هذا الباب.
وكان يجيء على ذلك أن يكون موضع السجود من ﴿حم﴾ هو الموضع الذي ذهب إليه ابن عباس؛ لأنه عند خبر وهو قوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٣)، لا كما ذهب إليه مَنْ خالفه؛ لأن أولئك جعلوا السجدة عند أمرٍ وهو قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٤)، فكان ذلك موضع أمر، وكان الموضع الآخر موضع خبر، وقد ذكرنا أن النظر يوجب أن يكون السجود في موضع الخبر لا في موضع الأمر، وكان يجيء على ذلك أن لا يكون في سورة الحج غير سجدة واحدة؛ لأن الثانية المختلف فيها إنما موضعها في قول مَن يجعلها سجدة موضع أمر وهو قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (٥) الآية، وقد بيّنا أن مواضع سجود التلاوة هي مواضع الإخبار لا مواضع الأمر، فلو خُلِّينا والنظر لكان القول في سجود التلاوة أن ننظر، فما كان منه موضع أمر لم نجعل فيه سجودًا، وما كان منه موضع خبر جعلنا فيه سجودًا؛ ولكن اتباع ما قد ثبت عن رسول الله ﵇ أولى.
стр. 2765
ش: أي: فأما وجه النظر والقياس في كون السجود في المفصل فعلى غير هذا المعني، وهو وجوب السجود في المفصل وغيره وعدم الوجوب، وبيّن ذلك بقوله: "إنا رأينا السجود المتفق عليه ... " إلى آخره، ملخصه محرّرًا: أن السجدات المتفق عليها عشر، وهي: الأعراف، والرعد، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، والأولى من الحج، والفرقان، والنمل، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وفي موضع السجدة فيه اختلاف، فقال بعضهم: موضعه ﴿تَعْبُدُونَ﴾ (١)، وأراد بهم: مالكًا وبعض الشافعية، ويحكى ذلك عن الحسن البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، وطلحة، ويحيى، وزبيد اليامي، وأبي عبد الرحمن السلمي، والأعمش، ومسروق، وأصحاب عبد الله؛ فإن هؤلاء كلهم يذهبون إلى أن موضع السجود في حم السجدة عند قوله ﴿تَعْبُدُونَ﴾.
وقال بعضهم: موضعه ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٢) وأراد بهم: سعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين في رواية, والنخعي في رواية, وشقيق بن سلمة، وابن أبي ليلى، وأبا حنيفة، وأصحابه؛ فإنهم ذهبوا إلى أن موضع السجود في هذه السورة عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، ويحكى ذلك عن ابن عباس ﵁، وهو مذهب الشافعي في الصحيح ومذهب الجمهور؛ لأن في ذلك أخذًا بالاحتياط عند اختلاف مذاهب الصحابة، فإن السجدة لو وجبت عند قوله: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فالتأخير أولى إلى قوله: ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ لنخرج عن الواجب باليقين، ولو وجبت عند قوله: ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ لكانت السجدة المؤداة قبله حاصلةً قبل وجوبها.
ثم أشار إلى بيان اختلاف الصحابة والتابعين ﵃ بقوله: "وقيل: اختلف المتقدمون في ذلك" أي في موضع السجود في سورة ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾.
стр. 2766
وأخرج عن ابن عباس ﵄ من ثلاث طرق صحاح:
أحدها: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن فطر بن خليفة، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن فطر بن خليفة ... إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان يسجد في آخر الآيتين من ﴿حم﴾ السجدة".
والثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد- اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن مجاهد ... إلى آخره.
قوله: "عجَّل هذا بالسجود" كالإنكار عليه بأن الآية الأولى ليست موضع السجدة، وأن محلها: الآية الأخيرة.
وأخرج أيضًا: عن عبد الله بن مسعود بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد.
وأخرج عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن أبي إسحاق، قال: سمعته يذكر عن بعضهم: "أنه كان لا يسجد في الأولى ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣) ".
وأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵁: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد
стр. 2767
ابن منصور، عن هشيم بن بشير، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يسجد في الآية الأول من ﴿حم﴾ ".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يسجد بالأولى".
قلت: لعل الرجل المجهول في رواية الطحاوي هو حجاج المذكور في رواية ابن أبي شيبة.
وأخرج عن أبي وائل شقيق بن سلمة بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن أبي وائل: "أنه كان يسجد في الآخرة -أي في الآية الآخرة- في سورة ﴿حم﴾ السجدة".
وأخرج عن ابن سيربن أيضًا بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين: "أنه كان يسجد في الآخرة".
وأخرج عن مجاهد أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخلد النبيل، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد.
وأخرج عن قتادة أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن قتادة.
стр. 2768
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن قتادة نحوه.
قوله: "فكانت هذه السجدة التي في ﴿حم﴾ " أشار بالفاء التفسيرية إلى بيان قوله: "فأما النظر في ذلك فعلى غير هذا المعنى"، بيانه: أن السجدة في ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ متفق عليها، والاختلاف في موضعها، والسُّوَر العشر التي ذكرناها غير حم تنزيل متفق عليها في السجود فيها وفي مواضعها، ثم إن موضع كل سجدة من هذه السور موضع إخبار يعني في صورة الإخبار وليست في صورة أمرٍ، وقد جاء في مواضع من القرآن لفظ السجود مذكورًا بصورة الأمر كما في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٣)، والعلماء كلهم قد اتفقوا أن لا سجود في شيء من ذلك، فالنظر والقياس على ذلك أن يكون كل موضع اختلف فيه هل فيه سجود أم لا؟ غير موضع للسجود إن كان في صورة الأمر؛ لأنه تعليم، فلا سجود فيه، وإن كان في صورة خبر يكون فيه السجود، فالنظر والقياس على ذلك أن تكون سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ غير موضع السجود كما ذهب إليه الخصم؛ لأنه في صورة الأمر، وكذلك سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؛ لأنه في صورة الأمر، ولكن يُترك القياس عند وجود الآثار, وأما سورة الانشقاق فكان ينبغي للخصم أن يقول بالسجود فيها , لأنها في موضع الإخبار، وقد قلنا: إن السجدة إنما تجب إذا كان في موضع الإخبار على ما ورد من الآثار في السجود فيها، فوجد فيها الآثار والقياس جميعًا.
قوله: "ويكون كل شيء من السجود يرد إلى ما ذكرنا" يعني: إن كان من صورة الأمر يُردّ إلى ما اتفق عليه من عدم السجدة مما هو في صورة الأمر، وإن كان من صورة الخبر -وهو مما اختلف فيه- يرد إلى ما اتفق عليه من وجوب السجدة مما هو
стр. 2769
في صورة الخبر، ثم بيّن ذلك بالفاء التفسيرية بقوله: "فما كان منه أمرٌ رُدّ إلى شَكْله" بفتح الشين أي رُدّ إلى نظيره ومثله.
قوله: "وكان يجيء على ذلك" أي على وجه النظر والقياس الذي ذكره، وأراد بهذا تقوية ما ذهب إليه ابن عباس الذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من جهة النظر والقياس، وقد بيّن وجه ذلك في الكتاب فلا حاجة إلى التطويل.
قوله: "ولو خُلّينا" على صيغة المجهول.
قوله: "والنظر" بنصب الراء على أنه مفعول معه.
قوله: "لكان القول" جواب لوْ، والباقي ظاهر.
ثم اعلم أن ما ذكره الطحاوي يُعكّر على ما قاله شُرّاح كتب الحنفية من قولهم: إن مواضع السجود في القرآن منقسمة، منها ما هو أمر بالسجود، والأمر للوجوب كما في آخر سورة القلم. وهذا كلام غير سديد؛ إذ لو كان وجوب سجدة التلاوة في هذا الموضع لأجل كونه في صورة الأمر لوجبت أيضًا عند قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وقوله: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (١)، فظهر من هذا أن الحق مع الطحاوي.
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
ص: وقد اختلف في سورة ص، فقال قوم: فيها سجدة، وقال آخرون: ليست فيها سجدة، فكان النظر في ذلك عندنا أن يكون فيها سجدة؛ لأن الموضع الذي جعله من جَعَل فيه سجدةً هو موضع خبر لا موضع أمرٍ، وهو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٢) فذلك خبر، فالنظر فيه أن يُردّ حكمه إلى حكم أشكاله من الأخبار، فيكون فيه سجدة كما يكون فيها.
стр. 2770
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير والحسن البصري ومسروقًا والثوري وابن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد وإسحاق ومالكًا؛ فإنهم قالوا: في ﴿ص﴾ سجدة تلاوة، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.
وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في ذلك، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم أن يسُجَد فيها، وهو قول سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعضهم: إنما هي توبة نبي، ولم يروا السجود فيها.
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: الشافعي وأحمد في رواية, وعلقمة، ويروى ذلك عن عبد الله وأصحابه.
وعن الشعبي قال: كان بعض أصحاب النبي ﵇ يَسْجد في ﴿ص﴾ وبعضهم لا يسجد، فأيُّ ذلك شئت فافعل.
ثم السجدة عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ (١) وكذا قاله مالك، وعنه عند قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٢).
وقال أبو بكر الرازي: قال محمَّد بن الحسن: معناه: خر ساجدًا، فعبرّ عن السجود بالركوع.
وفي "شرح المهذب": إن قرأها في الصلاة فينبغي أن لا يسجد، فإن خالف وسجد ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل صلاته على أصح الوجهين، ولو سجد إمامه الذي يعتقد السجود فيها فثلاثة أوجه أصحها لا يتابعه، وإن انتظره لم يسجد للسهو؛ لأن المأموم لا سجود عليه، والثالث: يتابعه.