وأخرج عن ابن عباس ﵄ من ثلاث طرق صحاح:
أحدها: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن فطر بن خليفة، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن فطر بن خليفة ... إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان يسجد في آخر الآيتين من ﴿حم﴾ السجدة".
والثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد- اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن مجاهد ... إلى آخره.
قوله: "عجَّل هذا بالسجود" كالإنكار عليه بأن الآية الأولى ليست موضع السجدة، وأن محلها: الآية الأخيرة.
وأخرج أيضًا: عن عبد الله بن مسعود بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد.
وأخرج عبد الرزاق (٢): عن معمر، عن أبي إسحاق، قال: سمعته يذكر عن بعضهم: "أنه كان لا يسجد في الأولى ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣) ".
وأخرج أيضًا عن عبد الله بن عمر ﵁: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد
стр. 2767
ابن منصور، عن هشيم بن بشير، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يسجد في الآية الأول من ﴿حم﴾ ".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يسجد بالأولى".
قلت: لعل الرجل المجهول في رواية الطحاوي هو حجاج المذكور في رواية ابن أبي شيبة.
وأخرج عن أبي وائل شقيق بن سلمة بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن أبي وائل: "أنه كان يسجد في الآخرة -أي في الآية الآخرة- في سورة ﴿حم﴾ السجدة".
وأخرج عن ابن سيربن أيضًا بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين: "أنه كان يسجد في الآخرة".
وأخرج عن مجاهد أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخلد النبيل، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد.
وأخرج عن قتادة أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن قتادة.
стр. 2768
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن قتادة نحوه.
قوله: "فكانت هذه السجدة التي في ﴿حم﴾ " أشار بالفاء التفسيرية إلى بيان قوله: "فأما النظر في ذلك فعلى غير هذا المعنى"، بيانه: أن السجدة في ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ متفق عليها، والاختلاف في موضعها، والسُّوَر العشر التي ذكرناها غير حم تنزيل متفق عليها في السجود فيها وفي مواضعها، ثم إن موضع كل سجدة من هذه السور موضع إخبار يعني في صورة الإخبار وليست في صورة أمرٍ، وقد جاء في مواضع من القرآن لفظ السجود مذكورًا بصورة الأمر كما في قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (٣)، والعلماء كلهم قد اتفقوا أن لا سجود في شيء من ذلك، فالنظر والقياس على ذلك أن يكون كل موضع اختلف فيه هل فيه سجود أم لا؟ غير موضع للسجود إن كان في صورة الأمر؛ لأنه تعليم، فلا سجود فيه، وإن كان في صورة خبر يكون فيه السجود، فالنظر والقياس على ذلك أن تكون سورة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ غير موضع السجود كما ذهب إليه الخصم؛ لأنه في صورة الأمر، وكذلك سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؛ لأنه في صورة الأمر، ولكن يُترك القياس عند وجود الآثار, وأما سورة الانشقاق فكان ينبغي للخصم أن يقول بالسجود فيها , لأنها في موضع الإخبار، وقد قلنا: إن السجدة إنما تجب إذا كان في موضع الإخبار على ما ورد من الآثار في السجود فيها، فوجد فيها الآثار والقياس جميعًا.
قوله: "ويكون كل شيء من السجود يرد إلى ما ذكرنا" يعني: إن كان من صورة الأمر يُردّ إلى ما اتفق عليه من عدم السجدة مما هو في صورة الأمر، وإن كان من صورة الخبر -وهو مما اختلف فيه- يرد إلى ما اتفق عليه من وجوب السجدة مما هو
стр. 2769
في صورة الخبر، ثم بيّن ذلك بالفاء التفسيرية بقوله: "فما كان منه أمرٌ رُدّ إلى شَكْله" بفتح الشين أي رُدّ إلى نظيره ومثله.
قوله: "وكان يجيء على ذلك" أي على وجه النظر والقياس الذي ذكره، وأراد بهذا تقوية ما ذهب إليه ابن عباس الذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من جهة النظر والقياس، وقد بيّن وجه ذلك في الكتاب فلا حاجة إلى التطويل.
قوله: "ولو خُلّينا" على صيغة المجهول.
قوله: "والنظر" بنصب الراء على أنه مفعول معه.
قوله: "لكان القول" جواب لوْ، والباقي ظاهر.
ثم اعلم أن ما ذكره الطحاوي يُعكّر على ما قاله شُرّاح كتب الحنفية من قولهم: إن مواضع السجود في القرآن منقسمة، منها ما هو أمر بالسجود، والأمر للوجوب كما في آخر سورة القلم. وهذا كلام غير سديد؛ إذ لو كان وجوب سجدة التلاوة في هذا الموضع لأجل كونه في صورة الأمر لوجبت أيضًا عند قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وقوله: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (١)، فظهر من هذا أن الحق مع الطحاوي.
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
ص: وقد اختلف في سورة ص، فقال قوم: فيها سجدة، وقال آخرون: ليست فيها سجدة، فكان النظر في ذلك عندنا أن يكون فيها سجدة؛ لأن الموضع الذي جعله من جَعَل فيه سجدةً هو موضع خبر لا موضع أمرٍ، وهو قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٢) فذلك خبر، فالنظر فيه أن يُردّ حكمه إلى حكم أشكاله من الأخبار، فيكون فيه سجدة كما يكون فيها.
стр. 2770
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير والحسن البصري ومسروقًا والثوري وابن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد وإسحاق ومالكًا؛ فإنهم قالوا: في ﴿ص﴾ سجدة تلاوة، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.
وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في ذلك، فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم أن يسُجَد فيها، وهو قول سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعضهم: إنما هي توبة نبي، ولم يروا السجود فيها.
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: الشافعي وأحمد في رواية, وعلقمة، ويروى ذلك عن عبد الله وأصحابه.
وعن الشعبي قال: كان بعض أصحاب النبي ﵇ يَسْجد في ﴿ص﴾ وبعضهم لا يسجد، فأيُّ ذلك شئت فافعل.
ثم السجدة عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ (١) وكذا قاله مالك، وعنه عند قوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٢).
وقال أبو بكر الرازي: قال محمَّد بن الحسن: معناه: خر ساجدًا، فعبرّ عن السجود بالركوع.
وفي "شرح المهذب": إن قرأها في الصلاة فينبغي أن لا يسجد، فإن خالف وسجد ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل صلاته على أصح الوجهين، ولو سجد إمامه الذي يعتقد السجود فيها فثلاثة أوجه أصحها لا يتابعه، وإن انتظره لم يسجد للسهو؛ لأن المأموم لا سجود عليه، والثالث: يتابعه.
стр. 2771
وفي بعض شروح "الهداية": قال بعض الشيوخ: ينوب الركوع عن سجدة التلاوة في الصلاة وخارج الصلاة، وكذا حكي عن ابن حبيب المالكي.
قوله: "فكان النظر في ذلك" أي: فكان القياس في حكم سجدة ﴿ص﴾ ... إلى آخره.
ص: وقد روي ذلك عن رسول الله ﵇.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد، عن أبي سعيد ﵁: "أن رسول الله ﵇ سجد في (ص) ".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا العَوّام بن حوشب، قال: "سألت مجاهدًا عن السجود في ﴿ص﴾ فقال: سألت عنها عن ابن عباس فقال: اسجد في ﴿ص﴾ فتلا عليَّ هؤلاء الآيات من الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١)، فكان داود ﵇ ممن أُمِر نبيكم أن يقتدي به".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مجاهد قال: "سُئل ابن عباس عن السجود في (ص) فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ".
فبهذا نأخذ، ونرى السجود في ﴿ص﴾ اتباعًا لما قد روي فيها عن النبي ﵇، ثم لما قد أوجبه النظر، ونرى أن السجود في المفصل في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لما قد ثبتت فيه الرواية بالسجود في ذلك عن رسول الله ﵇، ونرى أن لا سجود في أخر الحج لما قد نفاه ما قد ذكرناه من النظر، ولأنه موضع التعليم لا موضع خبر، ومواضع التعليم لا سجود فيها للتلاوة.
стр. 2772
ش: أي قد روي السجود في سورة ﴿ص﴾ عن النبي ﵇، ثم بين ذلك بقوله: "حدثنا يونس ... " إلى آخره.
فأخرج في ذلك عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك، وعبد الله بن عباس ﵃.
أما أثر أبي سعيد فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري، عن سعيد بن أبي هلال المصري روى له الجماعة، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١) بأتم منه: ثنا أحمد بن صالح، نا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قرأ رسول الله ﵇ وهو على المنبر ﴿ص﴾ , فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزّن الناس للسجود، فقال رسول الله ﵇: إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل وسجد وسجدوا".
وأخرجه الحكم في "المستدرك" (٢) في تفسير سورة ﴿ص﴾، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال النووي في "الخلاصة": سنده صحيح على شرط البخاري.
قوله: "تشزن الناس" أي تأهبوا للسجود وتهيئوا له.
قوله: "إنما هي توبة نبي" أراد به داود ﵇.
стр. 2773
وأما أثر ابن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب الشيباني الواسطي روى له الجماعة سوي أبي داود، عن مجاهد، عن ابن عباس.
والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن مجاهد ... إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا حصين والعوام، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنه كان يسجد في ﴿ص﴾، وتلا هذه الآية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢) ".
ثنا (٣) وكيع، عن مسعر، عن عمرو بن مرة عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: "فيها سجدة، ثم قرأ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ".
قوله: "سألت عنها عن ابن عباس" وفي بعض النسخ: "سألت عنها ابن عباس".
قوله: "فقال: السجدة في ﴿ص﴾ "، وفي رواية فقلت "أتسجد في ﴿ص﴾ "، وإنما قرأ هذه الآية إشعارًا بأن في ﴿ص﴾ سجدة.
قوله: "فبهذا نأخذ" أي فبوجوب السجدة في ﴿ص﴾ نأخذ، وذلك من وجهين:
أحدهما: اتباعًا لما قد روي عن النبي ﵇.
والثاني: لإيجاب وجه النظر والقياس ذلك، وقد مر بيان وجه النظر عن قريب.
стр. 2774
قوله: "ونرى أن السجود في المفصل" أي أن السجود واجب في المفصل -وهو السُّبع السَّابع- وبيَّن ذلك بقوله: "في ﴿وَالنَّجْمِ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ " بطريق البدل والبيان عن قوله: "في المفصل".
قوله: "لما قد ثبتت فيه الرواية" اللام فيه للتعليل متعلق بقوله: "ونرى"، والباقي ظاهر.
ص: وقد اختلف في ذلك المتقدمون، فروي عنهم في ذلك:
ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود ورَوْحٌ، قالا: ثنا شعبة، قال: أنبأني سعد بن إبراهيم، قال: سمعت ابن أختٍ لنا يقال له: عبد الله بن ثعلبة قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ الصبح فيما أعلم. ثم قال سَعْدٌ: صلى بنا الصبح فقرأ بالحج وسجد فيها سجدتين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عليُّ بن زيد، عن صفوان بن محرز: "أن أبا موسى الأشعري سجد فيها سجدتين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن خُمَيْر قال: سمعت عبد الرحمن بن جبير بن نفير وخالد بن معدان يحدثان، عن جبير بن نفير: "أنه رأى أبا الدرداء يسجد في الحج سجدتين".
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في سجود الحج: "الأولى عَزْمة والأخرى تعليم".
فبقول ابن عباس هذا نأخذ إلا ما خالفه النظر أن السجدة في نفسها ليست بواجبة، وجميع ما ذهبنا إليه في هذا الباب مما جاءت به الآثار قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 2775
ش: أي قد اختلف المتقدمون من الصحابة والتابعين ﵃ في سجدة الحج هل هي واحدة أم سجدتان، فروي عن ابن عباس وعلى بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء وأبي العالية وزر بن حبيش وأن في الحج سجدتين، وإليه ذهب مالك في رواية وأحمد في قول والشافعي وعبد الله بن وهب وابن سريج.
وروي عن ابن عباس أن فيها سجدة واحدةً وهي الأولى، وإليه ذهب سعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب والأعمش وأبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد ﵏.
قوله: "فروي عنهم في ذلك" أي روي عن المتقدمين في سجود الحج، فأخرج في ذلك عن عمر بن الخطاب وأبي موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وابن عباس ﵃.
أما أثر عمر ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي وروح بن عبادة، كلاهما عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْر -ويقال: ابن أبي صُعَيْر- بن عمرو الشاعر العذري الصحابي، عن عمر ﵁.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الله بن ثعلبة: "أنه صلى مع عمر بن الخطاب الصبح، فسجد في الحج سجدتين".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن غُندر، عن شعبة ... إلى آخره نحوه.
وأما أثر أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن
стр. 2776
علي بن زيد بن جدعان، عن صفوان بن محرز المازني البصري روى له الجماعة سوى أبي داود.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث بكر بن عبد الله المزني، عن صفوان ابن محرز: "أن أبا موسى سجد في الحج سجدتين".
وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
وأخرجه مالك في "موطئه" (٢) والبيهقي في "سننه" (٣): من حديث مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه سجد في الحج سجدتين".
وأما أثر أبي الدرداء واسمه عويمر بن مالك فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن يزيد بن خُمَيْر بن يزيد الرحَبي الهمداني أبي عمر الشامي الحمصي روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي أبي حمير الحمصي روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
وعن خالد بن معدان بن الحارث الكلاعي أبي عبد الله الشامي الحمصي روى له الجماعة، كلاهما عن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي أبي عبد الرحمن الشامي الحمصي روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
عن أبي الدرداء.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث شعبة، عن يزيد بن خمير، عن
стр. 2777
خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء: "أنه كان يسجد في الحج سجدتين"، رواه عاصم بن علي، عن شعبة، فقال: عن يزيد، سمعت عبد الرحمن ابن جبير، عن أبيه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع، عن شعبة، عن يزيد بن خمير، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه: "أن أبا الدرداء سجد في الحج سجدتين".
وأما أثر ابن عباس فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة والعين المهملة- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
فإن قلت: كيف تقول: إنه صحيح الإسناد وقد روي عن أحمد: أن عبد الأعلى الثعلبي ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي؟!
قلت: وثقه يحيى بن معين والطحاوي وروى له الأربعة.
قوله: "عزمةٌ" أي حقٌّ وواجب، وبه يحتج من يذهب إلى وجوب سجدة التلاوة.
وقال الطحاوي: "فبقول ابن عباس نأخذ" يعني في كون السجدة في الأولى من الحج إلا ما خالفه النظر -أي: القياس- من أن السجدة في نفسها ليست بواجبة لما أقام عليه من البرهان فيما مضى، والله أعلم.
стр. 2778
ص: باب: الرجل يصلي في رحله ثم يأتي المسجد والناس يصلون
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الفرض في منزله وبيته، ثم يأتي المسجد فيجد الناس وهم يصلون تلك الصلاة، فهل يدخل معهم أم لا؟ والمناسبة بين البابين: من حيث اشتمال كل منهما على حكم فيه خلاف بين المذاهب.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: ثنا زيد بن أسلم، عن بشر بن محجن الديلي، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "أنه رآه وقد افتتحت الصلاة، قال: فجلستُ ولم أقم للصلاة، فلما قضى صلاته قال لي: ألست مُسْلمًا؟ قلت: بلى، قال: فما منعك أن تصلي معنا؟ فقلت: قد كنت صليت مع أهلي، فقال: صلّ مع الناس وإن كنت قد صليت مع أهلك".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني زبد بن أسلم، عن بُسْر بن مِحْجن الدؤلي، عن أبيه قال: "صليت في بيتي الظهر أو العصر، ثم خرجت إلى المسجد، فوجدت رسول الله ﵇ جالسًا وحوله أصحابه، ثم أقيمت الصلاة ... " ثم ذكر نحوه.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيُّ (ح).
وحدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن بشر بن محجن الدؤلي، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه، غير أنه لم يذكر أي صلاة هي.
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد ابن أسلم، عن بشر بن محجن الدؤلي، عن أبيه -أو عن عمه- عن رسول الله ﵇ نحوه.
стр. 2779
ش: هذه خمس طرقٍ صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن زيد بن أسلم القرشي المدني، عن بشر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة، وقال مالك: بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- ابن محجن.
قال في "الميزان": بُسْر بن محجن الدُؤَلي، حدث عنه زيد بن أسلم، غير معروف، ولأبيه صحبة.
فإن قلت: على هذا كيف يكون الحديث صحيحًا؟
قلت: ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" فقال: بُسْر بن محجن الدِّيَلي، ويقال بشر، وبُسْر أصح، روى عن أبيه، وروى عنه زيد بن أسلم، سمعت أبي يقول ذلك. وسكت عنه، والأصل العدالة، وروى له أبو داود والنسائي وسكتا عنه؛ فسكوتهما يدل على صحة حديثه (١)، وكذا ذكره ابن ماكولا وسكت عنه، وقال: بُسر بن محجن الديلي، عن أبيه، روى عنه زيد بن أسلم، وكان الثوري يقول: عن زيد، عن بشر، ثم رجع عنه، يعني كان يقول بالشين المعجمة ثم رجع عنه إلى السين المهملة، ومالك أيضا اعتمد على حديثه فدل على صحته.
وهو يروي عن أبيه محجن بن أبي مِحْجَن -بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وفي آخره نون- وله صحبة.
قوله: "الدَّيلي" بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف نِسبةً إلى بني الديل في عبد القيس، وجاء في رواية مالك والنسائي: الدُّؤَلي بضم الدال وفتح الهمزة، وهو نسبة إلى الدُّئِل -بضم الدال وكسر الهمزة- ويقع التغيير في النسبة كما يقال في النسبة إلى نَمِر: نَمَري بالفتح.
стр. 2780
والحديث أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن ابن محجن الديلي، عن أبيه ... إلى آخره نحوه.
الطريق الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوُحَاظي أحد مشايخ البخاري، ونسبته إلى وُحَاظة بن سَعْد، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا علي بن عبد العزيز ومحمد بن يحيى بن المنذر، قالا: ثنا القعنبي، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن بُسْر بن محجن، عن أبيه قال: "صليت في بيتي الظهر أو العصر، ثم خرجت إلى المسجد، فوجدت رسول الله ﵇ جالسًا وحوله ناسٌ فجلست معهم، ثم أقيمت الصلاة فدخل رسول الله ﵇ فصلى للناس، ثم خرج فوجدني جالسًا في مجلسي الذي عهدني فيه، فقال: ألست رجلًا مسلما؟ فقلت: بل يا رسول الله إني لمسلم. قال: فما منعك أن تدخل فتصلي مع الناس؟ قلت: إني صليت في أهلي، فقال رسول الله ﵇: إذا صليت في أهلك ثم جئت إلى المسجد فوجدت الناس يصلون، فصلّ معهم".
الثالث: عن حسين بن نصر، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، ونسبته إلى فرياب قصبة ببخارى، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، نا زيد بن أسلم، عن ابن محجن الديلي، عن أبيه قال: "أتيت النبي ﵇ فأقيمت الصلاة، فجلست، فلما صلّى قال: ألستَ بمسلم؟ قلت: بلى، قال: فما منعك أن تصلي
стр. 2781
مع الناس؟ قال: قلت: صليت في أهلي، قال: فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت في أهلك".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن زيد ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، نا سفيان ... إلى آخره نحو رواية أحمد المذكورة آنفًا.
الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن، عن محجن: "أنه كان في مجلس مع رسول الله ﵇ فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول الله ﵇، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﵇: ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى، ولكني كنت قد صليت في أهلي. قال له رسول الله ﵇: إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير.
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا شعبة، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁ قال: "أوصاني خليلي ﵇ أن أصلي الصلاة لوقتها، وإن أدركت الإِمام وقد سبقك فقد أجزأتك صلاتك، وإلا فهي نافلة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، قال: ثنا بديل، عن أبي العالية، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر فرفعه، قال: "فضرب فخذي فقال لي: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن
стр. 2782
وقتها؟ ثم قال لي: صلّ الصلاة لوقتها ثم اخرج، وإن كنت في المسجد فأقيمت الصلاة فصلّ معهم ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن أبي عمران الجوني عبد الملك بن حبيب الأزدي الكندي البصري، عن عبد الله بن الصامت الغفاري البصري ابن أخي أبي ذر، عن أبي ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا محمَّد بن جعفر وحجاج، قالا: ثنا شعبة، عن أبي عمران، عن عبد الله بن صامت، عن أبي ذر قال: "أوصاني خليلي ﵇ بثلاث: اسمَعْ وأَطِعْ ولو لعَبْد مجدع الأطراف، وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف، وصل الصلاة لوقتها، وإذا وجدت الإِمام قد صلى فقد أحرزت صلاتك وإلا فهي نافلة".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري، عن شعبة ... إلي آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا محمَّد بن بشار، نا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، عن النبي ﵇ قال: "صلّ الصلوات لوقتها فإن أدركت الإِمام يصلي بهم فصلِّ معهم وقد أحرزت صلاتك، وإلا فهي نافلة لك".
وأخرجه مسلم (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وأبو داود (٦) بألفاظ مختلفة.
стр. 2783
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن بديل بن ميسرة العُقَيْلي البصري روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي العالية البراء البصري مولى قريش كان يُبْري النبل قيل: اسمه زياد بن فيروز، وقيل: زياد بن أذينة، وقيل: كلثوم، وقيل: أذينة، روى له البخاري ومسلم والنسائي.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن عبد الأعلى، ومحمد بن إبراهيم -واللفظ له- عن خالد بن الحارث، قال: ثنا شعبة، عن بُدَيل، قال: سمعت أبا العالية يحدث، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: "قال لي رسول الله ﷺ وضرب فخذي: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: ما تأمر؟ قال: صل الصلاة لوقتها ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصلّ".
قوله: "لوقتها" أي وقتها المختار المستحب.
قوله: "وإلا فهي نافله" أي: وإن لم يسبقك الإِمام فصلّ معه فهي -أي فصلاتك هذه- نافلة لك؛ لأن الفرض هو الأولى، فتصير الثانية نفلًا، وهذا مذهب الجمهور: أن الرجل إذا صلى الفرض مرتين تكون الأولى فرضًا والثانية نفلًا؛ لأن صريح الحديث يدل على هذا، وعن الشافعي أربعة أقوال الصحيح كمذهب الشافعي.
والثاني: أن الفرض أكملها.
والثالث: كلاهما فرض.
والرابع: الفرض أحدهما على الإبهام يحتسب الله بأيهما شاء.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود السوائي، عن أبيه قال:
стр. 2784
"صلى بنا النبي ﵇ في مسجد الخيف صلاة الصبح، فلما قضى صلاته إذا رجلان جالسان في مؤخر المسجد، فأتي بهما رسول الله ﵇ تَرْعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما الناس وهم يصلون فصلِّيا معهم؛ فإنها لكما نافلة. قال: أو تطوع".
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وجابر بن يزيد السوائي، وثقه ابن حبان وروى له الأربعة، وأبوه يزيد بن الأسود الصحابي ﵁.
والحديث أخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، أخبرني يعلى ابن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه: "أنه صلى مع رسول الله ﵇ وهو غلام شاب، فلما صلَّى إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد، فدعى بهما تَرْعدُ فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصلِّيا معنا؟ فقالا: قد صلينا في رحالنا. فقال: لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإِمام ولم يصل؛ فليصل معه فإنها له نافلة".
وأخرجه الترمذي (٢): نا أحمد بن منيع، قال: نا هشيم، قال: أنا يعلى بن عطاء، قال: ثنا جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، قال: "شهدت مع النبي ﵇ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصلِّيا معه، فقال: عليّ بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصلِّيا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا. فقال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة".
стр. 2785
وقال أبو عيسى: حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح.
وأخرجه النسائي (١) أيضًا.
قوله: "فأتي بهما رسول الله ﵇" فيه حذف، والتقدير: فطلبهما رسول الله ﵇ فأتي بهما.
قوله: "ترعد فرائصهما" حال عن الضمير الذي في "بهما".
و"الفرائص" بالفاء والصاد المهملة جمع الفريصة وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب، تفترص عند الفزع أي ترتعد، وقال ابن الأثير: الفريصة: اللحمة التي بَيْن جَنْب الدابة وكتفها لا تزال ترعد، وتَرْعُدُ من باب نَصَرَ يَنْصُرُ.
قوله: "في رحالنا" جمع رَحْل، وهو منزل الإنسان ومسكنه.
قوله: "فإنها لكما" أي فإن الصلاة التي تصليانها مع الناس ثانيًا نافلة أي تطوع لكما؛ لأن الفرض قد أُدّي بالأولى.
وقال الخطابي: ظاهر الحديث حجة على من منع عن شيء من الصلوات كلها؛ لأنه لم يستثن صلاة دون صلاة، فأما نهيه ﵇ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس فقد تأولوه على وجهين.
أحدهما: أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداءً من غير سبب، فأما إذا كان لها سبب مثل أن يصادف قومًا يصلون جماعةً فإنه يعيدها معهم ليحرز الفضيلة.
والوجه الآخر: أنه منسوخ؛ لأن حديث جابر بن يزيد بن الأسود متأخر؛ لأن في قصته: أنه شهد مع رسول الله ﵇ حجة الوداع ... " ثم ذكر الحديث.
وفي قوله: "فإنها نافلة" دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب.
стр. 2786
قلت: أما قوله: "إن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداءً من غير سبب"، فغير مسلم؛ لأنه تخصيص من غير مخصص، وهو باطل، فعامة ما في الباب أنهم احتجوا على ذلك بأنه ﵇ قضى سنة الظهر بعد العصر، وقاس عليها كل صلاة لها سبب حتى قال النووي: هو عمدة أصحابنا في المسألة، وليس لهم أصح دلالة منه. ولكن يَخْدشُه ما ذكره الماوردي منهم وغيره أن ذلك مخصوص بالنبي ﵇.
وقال الخطابي نفسه أيضًا: كان النبي ﵇ مخصوصًا بهذا دون الخلق.
وقال ابن عقيل: لا وجه له إلا هذا الوجه.
وقال الطبري: فعل ذلك تنبيها لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم.
وأما قوله: "فإنه منسوخ" فغير صحيح؛ لأن عمر ﵁ ما برح مع النبي ﵇ إلى أن توفي، ولو كان منسوخا لعمل بناسخه مع أنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، فدل هذا على أن النهي ليس بمنسوخ، وأن الركعتين بعد العصر مخصوصة به دون أمته، بل الظاهر أن حديث عمر بن الخطاب ﵁ "أن النبي ﵇ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب" هو الناسخ لكل ما ورد على خلافه.
وأما قوله: "دليل على أن صلاة التطوع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس"، فترده الأحاديث الصحيحة منها: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس" (١)، وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا الباب، على أن حديث جابر بن يزيد المذكور حكى البيهقي (٢) عن الشافعي فيه أنه قال: إسناده مجهول. ثم قال البييقي: وإنما قال ذلك لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه جابر ولا لجابرٍ راوٍ غير يعلى بن عطاء.
стр. 2787
فإن قيل: قد صححه الترمذي كما ذكرناه وذكره ابن منده في "معرفة الصحابة"، ورواه بقية، عن إبراهيم بن يزيد بن ذي حماية، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه. فهذا راوٍ آخر لجابر غير يعلى ابن عطاء وهو ابن عمير.
قلت: لو كان ما كان فلا يساوي حديث عمر ﵁، ويعارض كلام ابن منده ما قاله علي بن المديني: روى عن جابر بن يزيد بن الأسود يعلى بن عطاء، ولم يرو عنه غيره. كما ذكرناه في ترجمته، والنفي مقدم على الإثبات، فيكون يعلى متفردًا بهذه الرواية , فلا يتابع عليها.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار , فقالوا: إذا صلى الرجل في بيته صلاة مكتوبة -أيّ صلاة كانت- ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس وهم يصلون؛ صلاها معهم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري والزهري والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: إذا صلى الرجل في بيته صلاته الفرض ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس يصلون؛ يدخل معهم في صلاتهم أي صلاة كانت.
وقال الأوزاعي والنخعي: لا يصلي في المغرب والصبح ويصلي في غيرهما.
وقال مالك: لا يصلي في المغرب فقط. وهو قول الثوري في رواية.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل صلاة يجوز التطوع بعدها فلا بأس بان يفعل فيها ما ذكرتم من صلاته إياها مع الإِمام على أنها نافلة، غير المغرب فإنهم كرهوا أن تُعاد؛ لأنها إن أُعيدت كان تطوعًا، والتطوع لا يكون وترًا إنما يكون شفعًا، وكل صلاة لا يجوز التطوع بعدها فلا ينبغي أن يُعيدها مع الإِمام؛ لأنها لا تكون تطوعًا في وقت لا يجوز التطوع فيه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا قلابة وأبا مجلز ومسروقًا وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: كل صلاة يجوز التطوع بعدها كالظهر والعشاء فإنه يصليهما مع الإِمام أيضًا، وكل صلاة يكره
стр. 2788
التطوع بعدها كالعصر والصبح فإنه لا يفعلها، وأما المغرب فإنه استثناها عن حكم الصلاة التي يتطوع بعدها لكونها إذا أعيدت تصير تطوعًا، والتطوع لا يكون وترا , ولكن ذكر جماعة من الحنفية أنه إذا أراد أن يصليها فينبغي أن يضم إليها ركعةً رابعةً لورود النهي عن التنفل بالبتيراء.
وقال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن سعيد بن عبيد، عن صلة بن زفر قال: "أعدت الصلوات كلها مع حذيفة، وشفع في المغرب بركعة".
ثنا وكيع (٢)، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إذا صلى المغرب وحده ثم صلى في جماعة؛ شفع بركعة".
ثنا أبو معاوية (٣)، عن حجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: "يشفع بركعة إذا أعاد المغرب".
ص: واحتجوا في ذلك بما قد تواترت به الروايات عن رسول الله ﵇ في نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، وذلك عندهم ناسخ لما رويناه في أول هذا الباب، وقالوا: إنه لما بيّن في بعض الأحاديث الأول فقال: "فصلوها فإنها لكم نافلة" أو قال: "تطوع" ونهى عن التطوع في هذه الآثار الأخر وأُجمع على استعمالها؛ كان ذلك داخلًا فيها ناسخًا لما قد تقدمه مما قد خالفه، ومن تلك الآثار ما لم يُقل فيه "فإنهما لكم تطوع"، فذلك يحتمل أن يكون معناه معنى هذا الذي بيَّن فيه فقال: "فإنها لكم تطوع" ويحتمل أن يكون ذلك كان في وقت كانوا يصلون فيه الفريضة مرتين فتكونا
стр. 2789
جميعًا فريضتين، ثم نُهوا عن ذلك، فعلى أي الأمرين كان فإنه قد نسخه ما قد ذكرنا، وممن قال بأنه لا يعاد من الصلوات إلا الظهر أو العشاء الآخرة: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﵇، وهذا مما قد تواترت -أي تتابعت وتكاثرت- به الروايات حيث أخرجه أصحاب الصحاح والحسان وهو ما رووه عن ابن عباس أنه قال: "شهد عندي رجال مَرضيّون وأرضاهم عندي عمر أن النبي ﵇ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب" ذكره مسندًا في باب (١) أشار إليه بقوله: "وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في غير هذا الموضع من كتابنا هذا".
وقال ابن بطال: تواترت الأخبار والأحاديث عن النبي ﵇ أنه نهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وهذا بعمومه يتناول الصورة التي فيها النزاع، وقد روي عن أبي طلحة: أن المراد بذلك كل صلاة.
قوله: "وذلك" أي الحديث المذكور الذي رواه ابن عباس "عندهم" أي عند هؤلاء الآخرين "ناسخ لما رويناه في أول هذا الباب" وهو حديث محجن الديلي وأبي ذر الغفاري ويزيد بن الأسود السوائي، ثم بيَّن ذلك بقوله: "وقالوا: إنه" أي: وقال هؤلاء الآخرون أن التبيان لما بين في بعض الأحاديث الأُوَل وهي أحاديث هؤلاء الثلاثة من الصحابة.
والباقي ظاهر غني عن مزيد من البيان وقد أشبعنا الكلام فيه عن قريب.
ص: وقد روي في ذلك عن جماعة من المتقدمين ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن
стр. 2790
ناعم بن أُجَيْل مولى أم سلمة ﵂ قال: "كنت أَدخُل المسجد لصلاة المغرب فأرى رجالًا من أصحاب رسول الله ﵇ جلوسًا في آخر المسجد والناس يصلون فيه؛ قد صلوا في بيوتهم".
فهؤلاء من أصحاب النبي ﵇ كانوا لا يصلون المغرب في المسجد لما كانوا قد صلّوها في بيوتهم ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم من أصحاب النبي ﵇ أيضًا؛ فذلك دليل عندنا على نسخ ما قد كان تقدمه من قول النبي ﵇؛ لأنه لا يجوز أن يكون مثل ذلك من قول رسول الله ﵇ قد ذهب عليهم جميعًا حتى يكونوا على خلافه، ولكن كان ذلك منهم لما قد ثبت عندهم فيه نسخ ذلك القول.
ش: أي قد روي فيما ذكرنا من انتساخ الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه عن جماعة من التابعين منهم ما رواه مولى أم سلمة ناعم بن أُجَيْل الهمداني المصري أبي عبد الله روى له مسلم والنسائي.
أخرجه الطحاوي: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري روى له الجماعة، عن ناعم المذكور أنه قال: "كنت أدخل المسجد".
فقد أخبر في حديثه هذا أن جماعة من الصحابة كانوا لا يصلون المغرب في المسجد لأجل كونهم قد صلوها في بيوتهم، ولم ينكر عليهم ذلك غيرهم من الصحابة؛ فهذا دليل على نسخ أحاديث أهل المقالة الأولى؛ لأنه لا يجوز أن تفوت عنهم هذه الأحاديث ثم يعملون بخلافها وإنما كان ذلك منهم لأجل ما قد ثبت عندهم انتساخ الأحاديث المذكورة.
فإن قيل: كيف يُستدل بهذا الحديث وفي سنده ابن لهيعة وفيه مقال؟
قلت: قد بينت لك غير مرة أن أحمد والطحاوي وآخرين قد وثقوه، ولئن سلمنا تضعيفه ولكن إنما ذكر حديثه متابعَّاَ ومؤيدًا لما ذكره من الحديث المجمع على صحته.
стр. 2791
فإن قيل: هذا يدل أيضًا على أن المغرب لا يُعادُ، وكيف قال من قال من الحنفية أنه يعيدها مع الإِمام ثم يضم إليها ركعةً رابعةً؟
قلت: قد ذكرنا عن ابن أبي شيبة أنه قد أخرج عن جماعة منهم حذيفة ﵁ مثل ما ذكر هؤلاء.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن ابن عمر وغيره ﵃ ما قد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر قال: "إن صليت في أهلك ثم أدركت الصلاة فصلها؛ إلا الصبح والمغرب فإنهما لا تعادان في اليوم".
ش: أي: قد روي أيضًا فيما ذهب إليه أهل المقالة الثانية عن عبد الله بن عمر.
أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن نافع ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر قال: "إذا صلى الرجل في بيته ثم أدرك جماعةَّ صلى معهم؛ إلا المغرب والفجر".
قلت: وبه قالت طائفة من أهل العلم منهم الأوزاعي؛ فإنهم قالوا: تعاد الصلوات إلا المغرب والفجر، وقالت أصحابنا: لا يعاد الصبح والعصر، وأما المغرب فيه اختلاف الرواية كما ذكرناه.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم: "أنه كان يكره أن تعاد المغرب إلا أن يخشى رجل سلطانًا؛ فيصليها ثم يشفع بركعة".
ش: هذا بيان ما روي عن غير ابن عمر من المتقدمين كما أشار إليه بقوله: "وغيره" أي وغير ابن عمر، وهو إبراهيم النخعي.
стр. 2792
أخرجه بإسناد صحيح: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: "يُعيد الصلاة كلها إلا المغرب، فإن خاف سلطانًا فليصل معه، فإذا فرغ فليشفع بركعة".
حدثثا وكيع (٢)، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إذا صلى المغرب وحده ثم صلى في جماعة؛ شفع بركعة".
стр. 2793
ص: باب: الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب هل ينبغي له أنه يركع أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان الرجل الذي يدخل المسجد يوم الجمعة والحال أن الإِمام يخطب، هل ينبغي له أن يصلي ركعتين أم يتركهما؟ والمناسبة بين البابين: اشتمال كل منهما على حكم تطوع فيه خلاف.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: "جاء سُلَيك الغطفاني في يوم الجمعة ورسول الله ﵇ على المنبر فقعد سُلَيكٌ قبل أن يُصلي، فقال له النبي ﵇: أركعتَ ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركعهما".
ش: إسناده صحيح، وربيع هو ابن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وراوي أمهات الكتب عنه، وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره -وسُليك بضم السين المهملة، وفتح اللام- ابن عمرو الغطفاني.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة بأسانيد مختلفة وألفاظ:
فقال البخاري (١): ثنا أبو النعمان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فاركع" وفي رواية له: "فصل ركعتين".
وقال مسلم (٢): ثنا أبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد، قالا: نا حماد وهو ابن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "بَيْنا النبي ﵇
стр. 2794
يخطب يوم جمعة إذْ جاء رجل، فقال له النبي ﵇: أصليتَ يا فلان؟ قال: لا، قال: فقم فاركع" وفي لفظ له: "قم فصلّ الركعتين" وفي لفظ: "قال: اركع".
وقال أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عمرو -هو ابن دينار- عن جابر: "أن رجلًا جاء يوم الجمعة والنبي ﵇ يخطب فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فاركع".
وقال أيضًا (٢): ثنا محمَّد بن محبوب وإسماعيل بن إبراهيم -المعنى- قالا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر.
وعن أبي صالح، عن أبي هريرة قالا: "جاء سليك الغطفاني ورسول الله ﵇ يخطب، فقال له: أصليتَ؟ قال: لا. قال: صل ركعتن تجوَّز فيهما".
وقال الترمذي (٣): ثنا قتيبة، قال: نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "بينا النبي ﵇ يخطب يوم الجمعة إذْ جاء رجل فقال النبي ﵇: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فاركع" قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
وقال النسائي (٤): أنا قتيبة، قال: ثنا حماد بن زيد ... إلى آخره نحو رواية الترمذي.
وقال أيضًا (٥): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "جاء رجل يوم الجمعة- والنبي ﷺ يخطب- بهيئة بذة، فقال له رسول الله ﵇ أصليت؟ قال: لا. قال: صل ركعتين ... " الحديث.
стр. 2795
وقال ابن ماجه (١): ثنا هشام بن عمار، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابرًا.
ونا أبو الزبير، سمع جابر بن عبد الله قال: "دخل سليك الغطفاني المسجد والنبي ﵇ يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا. قال: فصل ركعتين".
وأما عمرو فلم يذكر سليكًا.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﵇ يخطب ... " ثم ذكر مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول ... فذكر مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب الكوفي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﵇ يخطب، فجلس، فقال له رسول الله ﵇: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين ثم ليجلس".
حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: سمعت أبا صالح يذكر حديث سليك الغطفاني، ثم سمعت أبا سفيان بَعد يقول: سمعت جابرًا يقول: "جاء سليك الغطفاني في يوم جمعة ورسول الله ﵇ يخطب، فقال له رسول الله ﵇: قم يا سليك، فصلِّ ركعتين خفيفتين تجوّز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين يتجوز فيهما".
حدثنا يزيد بن سنان، ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا هشام بن حسان، عن الحسن، عن سليك بن هدبة الغطفاني: "أنه جاء والنبي ﵇
стр. 2796
يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقال له: أركعتَ ركعتين؟ قال: لا. قال: صلّ ركعتين وتجوّز فيهما".
ش: هذه خمس طرق أخرى في الحديث المذكور:
الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البُرلُّسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري وأبي داود، عن يزيد بن إبراهيم التُسْتُري البصري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، نا أبو الزبير، عن جابر قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ وهو يخطب فقال: صليتَ الركعتين؟ فقال: لا. قال: فصلهما".
الثاني: وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "جاء رجل والنبي ﵇ على المنبر يوم الجمعة يخطب، فقال له النبي ﵇: أركعت ركعتين؟ فقال: لا. قال: اركع".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن عبد الرزاق.
الثالث: وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي الكوفي نزيل مصر شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع المكي الإسكاف، عن جابر بن عبد الله ... إلي آخره.
стр. 2797
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا علي بن حرب، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "جاء سُلَيك الغطفاني ورسول الله ﵇ يخطب الناسَ، فجلس، فقال النبي ﵇: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليصلّ ركعتين خفيفتين ثم ليجلس".
وأخرجه أيضًا أبو داود (٢) نحوه.
الرابع: أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): عن محمَّد بن محبوب، وإسماعيل بن إبراهيم كلاهما، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وقد ذكرناه عن قريب.
الخامس: مرسل، ورجاله ثقات أيضًا، عن يزيد بن سنان القزاز، عن صفوان بن عيسى القرشي البصري القسام، عن هشام بن حسان، عن الحسن البصري، عن سليك بن هُدْبَة -بضم الهاء وسكون الدال وفتح الباء الموحدة- ويقال له أيضًا: سليك بن عمرو كما ذكرناه في أول الباب.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا هشيم، قال: أنا منصور وأبو حرة ويونس، عن الحسن قال: "جاء سليك الغطفاني والنبي ﵇ يخطب يوم الجمعة، ولم يكن صلى الركعتين، فأمره النبي ﵇ أن يصلي ركعتين يتجوز فيهما".
ص: حدثنا محمَّد بن حُمَيد، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله أخبره، عن أبي سعيد
стр. 2798
الخدري: "أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﵇ على المنبر، فناداه رسول الله ﵇، فما زال يقول: ادن. حتى دنا، فأمره فركع ركعتين قبل أن يجلس وعليه خرقة خلَقٌ، ثم صنع مثل ذلك في الثانية فأمره بمثل ذلك، ثم صنع مثل ذلك في الجمعة الثالثة فأمره بمثل ذلك، فقال رسول الله ﵇ للناس: تصدقوا، فألقوا الثياب، فأمره رسول الله ﵇ بأخذ ثوبين، فلما كان بعد ذلك أمر الناس أن يتصدقوا، فألقى الرجل أحد ثوبيه، فغضب رسول الله ﵇، ثم أمره أن يأخذ ثوبه".
ش: إسناده مصري صحيح، ومحمد بن حميد بن هشام الرعيني وثقه ابن يونس، وسعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، ويحيى بن أيوب
الغافقي المصري، وابن عجلان هو محمَّد بن عجلان المدني، وعياض بن عبد الله بن أبي سَرْح.
والحديث أخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد، قال: ثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، قال: سمعت أبا سعيد الخدريَّ ﵁ يقول: "جاء رجل يوم الجمعة والنبي ﵇ يخطب بهيئة بذّة فقال له رسول الله ﵇: أصلّيتَ؟ قال: لا. قال: صلّ ركعتين، وحَثّ الناس على الصدقة فألقوا ثيابًا فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله ﵇ يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبَيْه، فقال رسول الله ﵇: جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذّة فأمرتُ الناسَ بالصدقة، فألقوا ثيابًا فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن، فأمرت الناس بالصدقة فألقى أحدهما؛ فانتهره وقال: خذ ثوبك".
قوله: "وعليه خرقة خلق" الواو للحال، وخَلَق -بفتحتين- صفة للخرقة أي عتيقة.
стр. 2799
قوله: "في الثانية" أي في الجمعة الثانية.
قوله: "بهيئة بذة" يتعلق بقوله: "جاء رجل"، والبذة: بفتح الباء الموحدة وتشديد الذال المعجمة من البذاذة وهي رثاثة الهيئة، يقال: بَذّ الهيئة، وباذّ الهيئة أي رَثُّ اللبسة.
ومما يستفاد منه: كراهة صدقة المحتاج، وأنها لا تستحب إلا عن ظهر غني، واستحباب الصدقة يوم الجمعة على المحتاجين من الكسوة والطعام ونحوهما.
ص: فذهب قوم إلى أن من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر يخطب فينبغي له أن يركع ركعتين يتجوز فيهما، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وابن عيينة ومكحولًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وابن المنذر؛ فإنهم ذهبوا إلى أن من دخل المسجد يوم الجمعة والحال أن الإِمام على المنبر يخطب فينبغي له أن يصلي ركعتين خفيفتين، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.
وقال ابن حزم في "المحلى": ومن دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فليصلّ ركعتين قبل أن يجلس، ثم روى هذه الأحاديث، ثم قال: وهو قول سفيان بن عيينة ومكحول وعبد الله بن يزيد المقرئ، والحميدي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وجمهور أصحاب الحديث، وهو قول للشافعي وأبي سليمان وأصحابهما، وقال الأوزاعي: إن كان صلاهما في بيته جلس، وإن كان لم يصلهما في بيته ركعهما في المسجد والإمام يخطب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يجلس ولا يركع والإمام يخطب.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: شريحًا، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، والليث بن سعد؛ فإنهم قالوا: ينبغي للداخل أن يجلس ولايصلي شيئًا
стр. 2800
والحال أن الإِمام يخطب. وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، ويروي ذلك عن عمر وعثمان، وعلي ﵃، كذا قاله القاضي عياض.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ أمر سُلَيكًا بما أمره به من ذلك فقطع خطبته إرادةً منه أن يُعلّم الناس كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف الخطبة، ويجوز أيضًا أن يكون بني على خطبته، وكان ذلك قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم نسخ الكلام في الصلاة، فنسخ أيضًا في الخطبة.
وقد يجوز أن يكون ما أمره به من ذلك كما قال أهل المقالة الأولى ويكون سنة معمولًا بها.
فنظرنا هَلْ روي شيء يخالف ذلك؟ فإذا بحر بن نصر قد حدثنا، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت معاوية بن صالح يُحدّث، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله بن بسر قال: "كنت جالسًا إلى جنبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة فقال له رسول الله ﵇: اجلسْ فقد آذَيْتَ وآنيت. قال أبو الزاهرية: وكنا نتحدث حتى يخرج الإمام".
أفلا تَرَى أن رسول الله ﵇ أمر هذا الرجل بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، فهذا بخلاف حديث سليك، وفي حديث أبي سعيد الخدري الذي قد رويناه في الفصل الأول ما يدل على أن ذلك كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن يُنْهى عنها، ألا تراه يقول: "فألقى الناس ثيابهم" وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه، وأن مَسّه الحصى والإمام يخطب مكروه، وأن قوله لصاحبه: أنصت والإمام يخطب مكروه، فدل ذلك على أن ما كان أمر به النبي ﵇ سُليكًا والرجل الذي أمر بالصدقة عليه كان في حالٍ الحكم فيها في ذلك بخلاف الحكم فيما بعد.
стр. 2801
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه "أنه" أي أن الشأن "قد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ أمر سليكًا الغطفاني بما أمره به" أي بالذي أمره به "من ذلك" أي من أن يصلي ركعتين خفيفتين.
تقرير هذا الجواب: أن حديث سُليك يحتمل ثلاث معانٍ:
الأول: يحتمل أن يكون أمره إياه بذلك بعد قطع خطبته لإرادة تعليمه الناسَ كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف الخطبة بعد ذلك.
الثاني: يحتمل أن يكون بني على خطبته ولم يستأنفها والحال أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضًا في الخطبة؛ لأنها شطر صلاة الجمعة وشرطها.
الثالث: يحتمل أن يكون ما أمر به النبي ﵇ سُليكًا من الصلاة بركعتين كما قال أهل المقالة الأولى، ويكون سنةً معمولًا بها.
وإذا احتمل هذا الحديث هذه الاحتمالات نحتاج أن ننظر، هل ورد شيءٌ يبيّن أن المراد أحد الاحتمالات المذكورة؟ وهل ورد شيء يخالف صريحًا حديث سليك المذكور؟
فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المذكور عن قريب الذي احتج به أهل المقالة الأولى يبيّن الاحتمال الثاني ويؤكده؛ لأنه ذكر فيه أن رسول الله ﵇ قال للناس: "تصدقوا" فألقوا ثيابهم، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه في حال خطبة الإِمام مكروه، وكذلك مسَّه الحصى، وقوله لصاحبه: أنصت، فدل ذلك على أن أمر النبي ﵇ سليكًا بما أمره به إنما كان ذلك في حال إباحة الكلام وسائر الأفعال في الخطبة، ثم لما حرم الكلام وغيره فيها منع من الصلاة أيضًا على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
وقد قال بعضهم: إنما كان ذلك قبل شروعه ﵇ في الخطبة، والدليل عليه أن
стр. 2802
النسائي بَوّب في "سننه الكبرى" (١) على حديث سليك فقال: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "جاء سُليك الغطفاني ورسول الله ﵇ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له ﵇: أركعت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركعهما" انتهى.
وقد روي عن أنس ما يبُيّن الاحتمال الأول ويؤكده، وهو ما رواه الدارقطني في "سننه" (٢) من حديث عبيد بن محمَّد العبدي، ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله ﵇ يخطب، فقال لي النبي ﵇: قم فاركع ركعتين، وأمْسَكَ عن الخطبة حتى فرغ من صلاته". ثم قال: أسنده عبيد بن محمَّد ووهم فيه.
ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل (٣): ثنا معتمر، عن أبيه قال: "جاء رجل والنبي ﵇ يخطب، فقال: يا فلان، أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصل، ثم انتظره حتى صلى".
قال: وهذا المرسل هو الصواب.
وقال ابن أبي شيبة (٤): حدثنا هشيم، أنا أبو معشر، عن محمَّد بن قيس: "أن النبي ﵇ حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد إلى خطبته".
وأما الحديث الذي ورد وهو يخالف حديث سُليك صريحًا فهو ما أخرجه عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية ابن صالح بن حُدَير الحمصي قاضي الأندلس، عن أبي الزاهرية حُدَير بن
стр. 2803
كريب الحضرمي الحمصي، عن عبد الله بن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- الصحابي ﵁.
وإسناده صحيح، ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا بحر بن نصر.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا هارون بن معروف، نا بشر بن السَّرِيّ، نا معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية قال: "كنا مع عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﵇ يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بُسْر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﵇ يخطب، فقال له رسول الله ﵇: اجلِسْ فقد آذَيْتَ".
وأخرجه النسائي (٢)(٣) نحوه: عن وهب بن بيان، عن عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح. انتهى.
فهذا يدل على أن الداخل يوم الجمعة والإمام يخطب يقعد ولا يصلي شيئًا؛ لأن رسول الله ﵇ أمر هذا الرجل بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، ولو كانت الصلاة مفعولة في هذا الوقت لأمره بها ونسبه أيضًا إلى الإيذاء حيث قال له: "آذيت" أي آذيت الناس بتخطي رقابهم، ونسبه أيضًا إلى التقصير في فعله هذا حيث قال له: "وآنيت" أي أخّرت المجيء وأبطأت فيه، ومنه قيل للمتمكّث في الأمر: مُتأنٍّ، فدل هذا كله أن ما كان من حديث سليك في حالة كان الحكم فيها في ذلك بخلاف الحكم فيما بعد ذلك وهو معنى "فدل ذلك على أن ما كان ... " إلى آخره.
قوله: "في حالٍ الحكمُ فيها" بتنوين "حال"، وقوله: "الحكم" بالرفع مبتدأ وخبره قوله: "بخلاف الحكم".
стр. 2804
فإن قيل: فقد قال ابن حزم: وهذا الحديث لا حجة لهم لوجوهٍ أربعة:
أولها: أنه لا يصح لأنه من طريق معاوية بن صالح، لم يروه غيره، وهو ضعيف.
والثاني: أنه ليس في الحديث أنه لم يكن ركعهما، وقد يمكن أن يكون ركعهما ثم تخطى، ويمكن أن لا يكون ركعهما، فإذْ ليس في الخبر لا أنه ركع ولا أنه لم يركع؛ فلا حجة لهم فيه ولا عليهم.
والثالث: أنه حتى لو صح الخبر وكان فيه أنه لم يكن ركع؛ لكان ممكنًا أن يكون قبل أمر النبي ﵇ مَنْ جاء والإمام يخطب بالركوع، وممكن أن يكون ركع؛ فإذ ليس فيه بيان بأحد الوجهين فلا حجة لهم ولا عليهم.
والرابع: أنه لو صح الخبر وصح أنه لم يكن ركع، وصح أن ذلك كان بعد أمره ﵇ مَن جاء والإمام يخطب بأن يركع -وكل ذلك لا يصح منه شيء- لَمَا كانت لهم فيه حجة؛ لأننا لم نقل: إنهما فرض، وإنما قلنا: إنهما سنة يكره تركهما وليس فيه حكم صلاتهما فبطل تعلقهم بهذا الخبر الفاسد جملة.
قلت: كل هذا كلام فاسد ناشئ عن قلة فطانة ويُبس دماغ، وكيف يكون هذا الخبر فاسدًا وقد أخرجه أبو داود وسكت عنه وهو دليل الصحة عنده (١)، وكيف يضعف معاوية بن صالح وقد وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة الإمامان في هذا الشأن، ووثقه العجلي والنسائي أيضًا، واحتج به مسلم في "صحيحه"، واحتجت به الأربعة أيضًا، وباقي كلامه خلط لا يستحق الجواب لسقوطه، والله أعلم.
ص: ولقد تواترت الروايات عن رسول الله ﵇ بأن مَنْ قال لصاحبه: أَنْصت. والإمام يخطبُ يوم الجمعة فقد لغى، حدثنا بذلك يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵇ قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لَغَوْت".
стр. 2805
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا القاسم بن معن، عن ابن جريج، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: ثنا عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب أنهما حدثاه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه سمعه يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
فإذا كان قول الرجل لصاحبه والإمام يخطب: أنصت لَغْوًا، كان قول الإمام للرجل: قم فصل لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله ﵇ الأمر لسُليك بما أمره به إنما كان قبل النهي وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جُعِل مثل ذلك لغوًا.
ش: أي: لقد تكاثرت وتتابعت الروايات عن النبي ﵇ بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب فقد لغى. أخرجه عن أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح، وأخرج هذا وأمثاله لكونها حجة لأهل المقالة الثانية، ولدلالة ما فيها من كون قول الرجل لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة لغوًا على كون قول الإِمام أيضًا لغيره: قم فصلّ، لغوًا، فإذا كان كذلك، يكون الوقت الذي أمر النبي ﵇ فيه سليكًا أن يركع غير الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا، فكان ذاك حينما كان الكلام مباحًا في الصلاة، ثم نُسخ بعد ذلك كما قد قررناه.
الطريق الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب ... إلى آخره.
وأخرجه الجماعة غير الترمذي.