← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه "أنه" أي أن الشأن "قد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ أمر سليكًا الغطفاني بما أمره به" أي بالذي أمره به "من ذلك" أي من أن يصلي ركعتين خفيفتين. تقرير هذا الجواب: أن حديث سُليك يحتمل ثلاث معانٍ: الأول: يحتمل أن يكون أمره إياه بذلك بعد قطع خطبته لإرادة تعليمه الناسَ كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد، ثم استأنف الخطبة بعد ذلك. الثاني: يحتمل أن يكون بني على خطبته ولم يستأنفها والحال أن ذلك كان منه قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم لما نسخ في الصلاة نسخ أيضًا في الخطبة؛ لأنها شطر صلاة الجمعة وشرطها. الثالث: يحتمل أن يكون ما أمر به النبي ﵇ سُليكًا من الصلاة بركعتين كما قال أهل المقالة الأولى، ويكون سنةً معمولًا بها. وإذا احتمل هذا الحديث هذه الاحتمالات نحتاج أن ننظر، هل ورد شيءٌ يبيّن أن المراد أحد الاحتمالات المذكورة؟ وهل ورد شيء يخالف صريحًا حديث سليك المذكور؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المذكور عن قريب الذي احتج به أهل المقالة الأولى يبيّن الاحتمال الثاني ويؤكده؛ لأنه ذكر فيه أن رسول الله ﵇ قال للناس: "تصدقوا" فألقوا ثيابهم، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه في حال خطبة الإِمام مكروه، وكذلك مسَّه الحصى، وقوله لصاحبه: أنصت، فدل ذلك على أن أمر النبي ﵇ سليكًا بما أمره به إنما كان ذلك في حال إباحة الكلام وسائر الأفعال في الخطبة، ثم لما حرم الكلام وغيره فيها منع من الصلاة أيضًا على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وقد قال بعضهم: إنما كان ذلك قبل شروعه ﵇ في الخطبة، والدليل عليه أن

стр. 2802

النسائي بَوّب في "سننه الكبرى" (١) على حديث سليك فقال: باب الصلاة قبل الخطبة، ثم أخرج عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "جاء سُليك الغطفاني ورسول الله ﵇ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له ﵇: أركعت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركعهما" انتهى. وقد روي عن أنس ما يبُيّن الاحتمال الأول ويؤكده، وهو ما رواه الدارقطني في "سننه" (٢) من حديث عبيد بن محمَّد العبدي، ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله ﵇ يخطب، فقال لي النبي ﵇: قم فاركع ركعتين، وأمْسَكَ عن الخطبة حتى فرغ من صلاته". ثم قال: أسنده عبيد بن محمَّد ووهم فيه. ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل (٣): ثنا معتمر، عن أبيه قال: "جاء رجل والنبي ﵇ يخطب، فقال: يا فلان، أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصل، ثم انتظره حتى صلى". قال: وهذا المرسل هو الصواب. وقال ابن أبي شيبة (٤): حدثنا هشيم، أنا أبو معشر، عن محمَّد بن قيس: "أن النبي ﵇ حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد إلى خطبته". وأما الحديث الذي ورد وهو يخالف حديث سُليك صريحًا فهو ما أخرجه عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية ابن صالح بن حُدَير الحمصي قاضي الأندلس، عن أبي الزاهرية حُدَير بن

стр. 2803

كريب الحضرمي الحمصي، عن عبد الله بن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- الصحابي ﵁. وإسناده صحيح، ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا بحر بن نصر. وأخرجه أبو داود (١): ثنا هارون بن معروف، نا بشر بن السَّرِيّ، نا معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية قال: "كنا مع عبد الله بن بُسْر صاحب النبي ﵇ يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بُسْر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﵇ يخطب، فقال له رسول الله ﵇: اجلِسْ فقد آذَيْتَ". وأخرجه النسائي (٢) (٣) نحوه: عن وهب بن بيان، عن عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح. انتهى. فهذا يدل على أن الداخل يوم الجمعة والإمام يخطب يقعد ولا يصلي شيئًا؛ لأن رسول الله ﵇ أمر هذا الرجل بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، ولو كانت الصلاة مفعولة في هذا الوقت لأمره بها ونسبه أيضًا إلى الإيذاء حيث قال له: "آذيت" أي آذيت الناس بتخطي رقابهم، ونسبه أيضًا إلى التقصير في فعله هذا حيث قال له: "وآنيت" أي أخّرت المجيء وأبطأت فيه، ومنه قيل للمتمكّث في الأمر: مُتأنٍّ، فدل هذا كله أن ما كان من حديث سليك في حالة كان الحكم فيها في ذلك بخلاف الحكم فيما بعد ذلك وهو معنى "فدل ذلك على أن ما كان ... " إلى آخره. قوله: "في حالٍ الحكمُ فيها" بتنوين "حال"، وقوله: "الحكم" بالرفع مبتدأ وخبره قوله: "بخلاف الحكم".

стр. 2804

فإن قيل: فقد قال ابن حزم: وهذا الحديث لا حجة لهم لوجوهٍ أربعة: أولها: أنه لا يصح لأنه من طريق معاوية بن صالح، لم يروه غيره، وهو ضعيف. والثاني: أنه ليس في الحديث أنه لم يكن ركعهما، وقد يمكن أن يكون ركعهما ثم تخطى، ويمكن أن لا يكون ركعهما، فإذْ ليس في الخبر لا أنه ركع ولا أنه لم يركع؛ فلا حجة لهم فيه ولا عليهم. والثالث: أنه حتى لو صح الخبر وكان فيه أنه لم يكن ركع؛ لكان ممكنًا أن يكون قبل أمر النبي ﵇ مَنْ جاء والإمام يخطب بالركوع، وممكن أن يكون ركع؛ فإذ ليس فيه بيان بأحد الوجهين فلا حجة لهم ولا عليهم. والرابع: أنه لو صح الخبر وصح أنه لم يكن ركع، وصح أن ذلك كان بعد أمره ﵇ مَن جاء والإمام يخطب بأن يركع -وكل ذلك لا يصح منه شيء- لَمَا كانت لهم فيه حجة؛ لأننا لم نقل: إنهما فرض، وإنما قلنا: إنهما سنة يكره تركهما وليس فيه حكم صلاتهما فبطل تعلقهم بهذا الخبر الفاسد جملة. قلت: كل هذا كلام فاسد ناشئ عن قلة فطانة ويُبس دماغ، وكيف يكون هذا الخبر فاسدًا وقد أخرجه أبو داود وسكت عنه وهو دليل الصحة عنده (١)، وكيف يضعف معاوية بن صالح وقد وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة الإمامان في هذا الشأن، ووثقه العجلي والنسائي أيضًا، واحتج به مسلم في "صحيحه"، واحتجت به الأربعة أيضًا، وباقي كلامه خلط لا يستحق الجواب لسقوطه، والله أعلم. ص: ولقد تواترت الروايات عن رسول الله ﵇ بأن مَنْ قال لصاحبه: أَنْصت. والإمام يخطبُ يوم الجمعة فقد لغى، حدثنا بذلك يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵇ قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لَغَوْت".

стр. 2805

حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا القاسم بن معن، عن ابن جريج، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: ثنا عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب أنهما حدثاه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه سمعه يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت". فإذا كان قول الرجل لصاحبه والإمام يخطب: أنصت لَغْوًا، كان قول الإمام للرجل: قم فصل لغوًا أيضًا، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول الله ﵇ الأمر لسُليك بما أمره به إنما كان قبل النهي وكان الحكم فيه في ذلك بخلاف الحكم في الوقت الذي جُعِل مثل ذلك لغوًا. ش: أي: لقد تكاثرت وتتابعت الروايات عن النبي ﵇ بأن من قال لصاحبه: أنصت والإمام يخطب فقد لغى. أخرجه عن أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح، وأخرج هذا وأمثاله لكونها حجة لأهل المقالة الثانية، ولدلالة ما فيها من كون قول الرجل لصاحبه: أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة لغوًا على كون قول الإِمام أيضًا لغيره: قم فصلّ، لغوًا، فإذا كان كذلك، يكون الوقت الذي أمر النبي ﵇ فيه سليكًا أن يركع غير الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوًا، فكان ذاك حينما كان الكلام مباحًا في الصلاة، ثم نُسخ بعد ذلك كما قد قررناه. الطريق الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة غير الترمذي.

стр. 2806

فقال البخاري (١): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت". وقال مسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح بن المهاجر، كلاهما عن الليث، قال ابن رمح: أنا الليث، عن عقيل ... إلى آخره نحوه. وقال أبو داود (٣): نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه. وقال النسائي (٤): أنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "مَنْ قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغى". وقال ابن ماجه (٥): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا شبابة بن سوَّار، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت". الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النَّهْدي شيخ البخاري، عن القاسم بن مَعْن بن عبد الرحمن المسعودي الكوفي، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عمر بن عبد العزيز ... إلى آخره.

стр. 2807

وأخرجه النسائي (١): نا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب، أنهما حدثاه أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" انتهى. فهذا كما رأيت في رواية الطحاوي: عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وفي رواية النسائي: عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ. وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" في باب من اسمه إبراهيم فقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، روى عن عمر وعلي وأبي هريرة، روى عنه عمر بن عبد العزيز وسَعْد بن إبراهيم، سمعت أبي يقول ذلك. وقال في باب "العبادلة": عبد الله بن إبراهيم بن قارظ الزهري روى عن أبي هريرة، روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز وأبو أمامة ابن سهل وأبو صالح ذكوان وعبد الكريم أبو أمية، سمعت أبي يقول ذلك. قلت: كلاهما واحد، وقد قال في "التكميل": إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ويقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، واسمه خالد بن الحارث الكناني المدني تابعي رأى عمر وعليًّا ﵄، انتهى. وأخرج لإبراهيم بن عبد الله بن قارظ: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد بن حنبل، والبخاري في كتاب "الأدب"، وأخرج لعبد الله بن إبراهيم بن قارظ: أحمد، ومسلم، والنسائي. والحاصل: أنه في رواية مسلم والنسائي وأحمد بالوجهين المذكورين، وفي رواية أبي داود والترمذي والبخاري في كتاب "الأدب" بالوجه الأول، وكلاهما واحد كما ذكرنا.

стр. 2808

قوله: "والإمام يخطب" جملة حالية. قوله: "فقد لغوت" أي: قلت اللغو، وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود، وقيل: معناه مِلْت عن الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي. وفي رواية لمسلم: "فقد لغيت" قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة، وإنما هو: "فقد لغوت". قال أهل اللغة: لَغَى يَلْغُو لغْوًا، كغزا يغزو غزوًا، ويقال: لَغَى يَلْغِي لَغَى كعمى يعمي لغتان، والأول أفصح، وظاهر القرآن يقتضي الثانية التي هي لغة أبي هريرة قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيه﴾ (١) وهذا من لغى يلغي، ولو كان من الأولى لقال: والْغوا -بضم الغين- وقال ابن السكيت وغيره: ومصدر الأول اللغو، ومصدر الثاني لغيٌ. ثم اعلم: أن في هذا الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا عما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت -وهو في الأصل أمر بمعروف وسماه لغوًا- فغيره من الكلام أولى، وإنما طريقته إذا أراد أن ينهى غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه، فإن تعذّر فهمُه فلينبهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن، واختلفوا فيه، هل هو حرام أم مكروه كراهة تنزيه؟ فهما قولان للشافعي. قال القاضي: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة. وحكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تلا فيها آية القرآن. قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإِمام، هل يلزمه الإنصاف كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه. وقال النخعي وأحمد وهو أحد قولي الشافعي: لا يلزمه. وقال

стр. 2809

صاحب "المحيط": وإن كان بعيدًا عن الخطيب لا يستمع، قيل: يقرأ القرآن في نفسه، وقيل: يسكت، وهو الأصح؛ لأنه مأمور بالاستماع والإنصات، فإن عجز عن الاستماع لم يعجز عن الإنصات فيلزمه، والحكم بن زهير كان يناظر في الفقه وهو من كبار أصحابنا (١). ص: وقد روي عن النبي ﵇ في مثل ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا مكيّ بن إبراهيم، قال: ثنا عبد بن سعيد وهو ابن أبي هند، عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء أنه قال: "جلس رسول الله ﷺ في يوم جمعة على المنبر يخطب الناس، فتلا آيةً وإلى جنبي أبي بن كعب ﵁ فقلت له: يا أُبيّ، متى أنزلت هذه الآية؟ فأبي أن يكلمني، حتى إذا نزل رسول الله ﵇ عن المنبر قال: ما لك من جمعتك إلا ما لغوتَ، ثم انصرف رسول الله ﵇، فجئته، فأخبرته، فقلت: يا رسول الله، إنك تلوت آيةً وإلى جنبي أبي بن كعب فسألته متى نزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني، حتى إذا نزلت زعم أنه ليس لي من جمعتي إلا ما لغوت. فقال: صدق، فإذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى ينصرف". ش: أي: قد روي عن النبي ﵇ في منع الكلام وقت الخطبة ووجوب الإنصات ولغو المتكلم مثل ما روي عن أبي هريرة عن النبي ﵇. أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن مكيّ بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري أبي بكر المدني روى له الجماعة، عن حرب بن قيس المدني وثقه ابن حبان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا مكي بن إبراهيم، نا عبد الله بن سعيد، عن حرب بن قيس، عن أبي الدرداء قال: "جلس رسول الله ﵇ يومًا على المنبر

стр. 2810

فخطب الناس وتلا آية ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي غير أن في لفظه: "فأنصت حتى يفرغ". وأخرجه البيهقي (١): من حديث محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذر قال: "دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي ﵇ يخطب، فجلست قريبًا من أبي بن كعب، فقرأ النبي ﵇ سورة براءة، فقلت لأبيّ: متى نزلت هذه السورة؟ فحُصِر ولم يكلمني، فلما صلى رسول الله ﵇ صلاته قلت لأبيّ: إني سألتك فبَجَهْتَنِي ولم تكلمني؟ فقال أبي: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فذهبت إلى النبي ﵇ فقلت: يا نبي الله، كنت بجنب أبي وأنت تقرأ براءة، فسألته: متى أنزلت هذه السورة؟ فبجهني ولم يكلمني، فقال أُبيّ: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت. فقال: صدق أبيّ". ثم قال البيهقي (٢): رواه عبد الله بن جعفر، عن شريك، عن عطاء، فقال: عن أبي الدرداء وأبي بن كعب وجعل القصة بينهما، وكذا رواه حرب بن قيس عن أبي الدرداء، ورواه عيسى بن حارثة عن جابر بن عبد الله فذكر معناه بين ابن مسعود وأبي بن كعب، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أنها تمت بين رجل وبين ابن مسعود، وجعل المصيب ابن مسعود بدل أُبيّ، وليس في الباب أصح من الأول. قلت: لكنه مرسل؛ لأن عطاء بن يسار لم يدرك أبا ذر. وأخرجه ابن ماجه (٣) بوجه آخر: نا محرز بن سلمة العدني، نا عبد العزيز ابن محمَّد الدراوردي، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي بن كعب: "أن رسول الله ﵇ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم، فذكر بأيام الله، وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني فقال: متى أنزلت هذه السورة؟ إني لم

стр. 2811

أسمعها إلا الآن. فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال: سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني؟ فقال أبي: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهب إلى رسول الله ﵇ فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال أُبي، فقال رسول الله ﵇: صدق أبي". ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التَّيْمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ كان يخطبُ يوم الجمعة، فقرأ سورة، فقال أبو ذر لأبيّ بن كعب: متى نزلت هذه السورة؟ فأعرض عنه، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته، قال أبي لأبي ذر: ما لك من صلاتك إلا ما لغوت، فدخل أبو ذر على النبي ﵇ فأخبره بذلك فقال رسول الله ﵇: صدق أبيّ". ش: إسناده صحيح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا حماد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "بينما رسول الله ﵇ يخطب يوم الجمعة إذْ قال أبو ذر لأبيّ: متي أنزلت هذه السورة؟ فلم يُجبْه، فلما قضى صلاته قال له: ما لك في صلاتك إلا ما لغوت، فأتى أبو ذر النبي ﵇، فذكر ذلك له، فقال: صدق أبي". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث الطيالسي نحوه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا هشيم، قال: أنا داود بن أبي هند، عن الشعبي: "أن أبا ذر أو الزبير بن العوام سمع أحدهما من النبي ﵇ أنه يقرأ وهو على المنبر يوم الجمعة، قال: فقال لصاحبه: متي أنزلت هذه

стр. 2812

الآية؟ قال: فلما قضى صلاته قال له عمر بن الخطاب ﵁: لا جمعة لك. فأتى النبي ﵇، فذكر ذلك له، قال: فقال: صدق عمر". ص: قال أبو جعفر ﵀: فقد أمر رسول الله ﵇ بالإنصات عند الخطبة، وجعل حكمها في ذلك كحكم الصلاة وجعل الكلام فيها لغوًا، فثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهةُ، فإذا كان الناس منهيين عن الكلام ما دام الإِمام يخطب كان كذلك الإمام منهيًّا عن الكلام ما دام يخطب بغير الخطبة. ألا ترى أن المأمومين ممنوعون عن الكلام في الصلاة، فكذلك الإِمام، فكان ما منع عنه غير الإمام من ذلك فقد منع منه الإمام، فكذلك لما منع غير الإمام من الكلام في الخطبة كان الإِمام قد مُنع بذلك أيضًا من الكلام في الخطبة بما هو من غيرها. ش: "الباء" في "بغير الخطبة" تتعلق بقوله: "منهيًّا عن الكلام" لا بقوله: "يخطب" فافهم، و"الباء" في "بما هو من غيرها" تتعلق بقوله: "من الكلام" أي بالذي هو من غير الخطبة. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا ابن مرزوق ومحمد بن سليمان الباغندي، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع، عن سَلْمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، ثم قال: أتدرون ما الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدرون ما الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدرون ما الجمعة؟ قلت في الثالثة أو الرابعة: هو اليوم الذي جمع فيه أبوك قال: لا, ولكن أخبرك عن الجمعة، ما من أحدٍ يتطهر ثم يمشي إلى الجمعة ثم ينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كان كفارةً ما بينه وبين الجمعة التي قبلها ما اجتنبت المقتلة". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا الحمّاني، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي مَعْشر، عن إبراهيم، ثم ذكر بإسناده مثله.

стр. 2813

ش: أي قد روي عن رسول الله ﵇ في منع الكلام وقت الخطبة ووجوب الإنصات أيضًا ما حدثنا ... إلى آخره. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، ومحمد بن سليمان الباغندي كلاهما، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح ابن عبد الله اليشكري عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس النخعي، عن قرثع الضبي الكوفي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمَّد بن محمَّد التمار البصري، نا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن زياد بن كليب، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع، عن سلمان ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵇: "يا سلمان، هل تدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو الذي جمع الله فيه أبويكم. قال: لا, ولكن أحدثك عن يوم الجمعة، ما من مسلم يتطهر ويلبس أحسن ثيابه ويصيب من طيب أهله إن كان لهم طيب وإلا فالماء، ثم يأتي المسجد، فيُنصت حتى يخرج الإِمام، ثم يُصلي، إلا كانت كفارة له بينه وبين الجمعة الأخرى ما اجتنبت المقتلة، وذلك الدهر كله". وأخرجه النسائي (٢) مختصرًا. والآخر: عن أحمد بن داود المكي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي عوانة الوضاح، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن قرثع الضبيّ، عن سلمان ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا عفان، قال: نا أبو عوانة، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسيّ

стр. 2814

قال: قال رسول الله ﵇ أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. ثم قال: أتدري ما يوم الجمعة؟ زعم سأله الرابعة قال: قلت: هو اليوم الذي جُمِع فيه أبوه أو أبوكم. قال النبي ﵇: ألا أحدثك عن يوم الجمعة، لا يتطهر رجل مسلم ثم يمشي إلى المسجد ثم ينصت حتى يقضي الإِمام صلاته إلا كان كفارة لما بينها وبن الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المقتلة". قوله: "أتدرون" الهمزة فيه للاستفهام وهو بصيغة الجمع هكذا، وفي رواية أحمد والطبراني كما ذكرناها "أتدري" بصيغة الإفراد، وهذه أصوب. قوله: "هو اليوم الذي جمع فيه أبوك" أراد أنه اليوم الذي جمع الله فيه بين آدم وحواء ﵉، والدليل عليه ما جاء في رواية الطبراني: "هو الذي جمع الله فيه أبويكم"، وهذا جواب من سلمان عن سبب تسمية يوم الجمعة بالجمعة ولم يكن قصد النبي ﵇ هذا فلذلك قال: "لا" وإنما كان قصده بيان فضيلة هذا اليوم، وبيان ما يحصل من الأجر والثواب لمنْ يتوجه إليها ويقضي حقوقها، فلذلك قال بالاستدراك "ولكن أخبرك عن الجمعة ... " إلى آخره. قوله: "إلا كان كفارةً ما بينه" أي إلا كان فعله المذكور من التطهر والمشي إلى الجمعة والإنصات إلى قضاء الإِمام صلاته كفارةً أي ساترةً لما يرتكبه من الذنوب فيما بينه وبين الجمعة التي كانت قبل هذه الجمعة. قوله: "ما اجْتَنَبتَ المقتلة" وفي رواية "ما اجْتُنِبَت المقتلة" بتأنيث الفعل ورفع المقتلة، وهكذا هي في روايتي أحمد والطبراني، والمقتلة -بالميم- مصدر ميمي بمعنى القتل. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن أبي أمامة حدثاه، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستنّ ومسّ من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج

стр. 2815

وابتكر حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإِمام، كانت له كفارة ما بينها وبين الجمعة التي قبلها". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ نحوه. ش: هذان إسنادان صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسيّ، عن أحمد بن خالد بن موسى الوَهبي الكنْدي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التَّيْمي المدني روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، قيل: اسمه أسعد, وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته، والأول هو المشهور، روى له الجماعة، كلاهما عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك، وعن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الصحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومسّ من طيبٍ إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فلم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإِمام فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها". والآخر: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمَّد التيمي المعروف بالعَيْشي شيخ أحمد وأبي داود، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.

стр. 2816

وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من اغتسل يوم الجمعة، واستاك، ولبس أحسن ثيابه، وتطيب من طيب أهله، ثم أتى المسجد فلم يتخط رقاب الناس، وصلى، فإذا خرج الإِمام أنصت، كان له كفارة ما بينها وبين الجمعة الأخرى". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من طريق الطيالسي نحوه. قوله: "واستنّ" أي: استاك من الاستياك، وهو استعمال السواك، وهو افتعال من الاستنان، أراد أنه يُمِرّ السواك عليها. واشتمل هذا الحديث على فوائد لا تخفى على مَنْ يستخرجها. ص: حدثنا إبراهيم بن مُنقذٍ، قال: ثنا ابن وَهْب، عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ أنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم مسّ من طيب امرأته، ولبس أصلح ثيابه، ولم يتخط رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما". ش: رجاله ثقات، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه" وبعد قوله: "لما بينهما": "ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له طهرًا". وأخرجه أبو داود (٤) أيضًا.

стр. 2817

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مُسْهر، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﵇: "من غسَّل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام، فإنصت ولم يلغ، كان له مكان كل خطوة عمل سنة، صيامها وقيامها". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى بن الحارث، فذكر بإسناده مثله. ش: هذان إسنادان رجالهما ثقات: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسّاني الدمشقي روى له الجماعة، عن سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي الدمشقي فقيه الشام بعد الأوزاعي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن يحيى بن الحارث الذماري أبي عمرو الدمشقي قارئ أهل الشام وإمام جامع دمشق، وثقه يحيى وغيره، وروى له الأربعة، ونسبته إلى ذِمار بكسر الذال المعجمة وقيل بالفتح، وهي مدينة باليمن على مرحلتين من صنعاء، عن أبي الأشعث الصنعاني واسمه شراحيل بن آدة روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، عن أوْس بن أوس الثقفي الصحابي ﵁. وأخرجه النسائي (١): أنا محمود بن خالد، قال: حدثني عمر بن عبد الواحد، قال: سمعت يحيى بن الحارث يحدث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس ابن أوس الثقفي، عن رسول الله ﵇ قال: "من غسَّل ... " إلى آخره نحوه. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، عن يحيى بن الحارث الذماري ... إلى آخره.

стр. 2818

وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: أنا وكيع، عن سفيان وأبي جناب يحيى بن أبي حبيب، عن عبد الله بن عيسى، عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة وغسَّل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة؛ صيامها وقيامها". قال أبو عيسى: حديث أوس بن أوس حديث حسن. قوله: "من غسّل" قال ابن الأثير في "النهاية": ذهب كثير من الناس أن غسّل أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة؛ لأن ذلك يجمع غضّ الطرف في الطريق، يقال: غسَّل الرجل امرأته -بالتشديد والتخفيف- إذا جامعها وقد روي مخففًا، وقيل: أراد غسّل غيره واغتسل هو؛ لأنه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل، وقيل: أراد بغسّل غسّل أعضائه للوضوء ثم يغتسل للجمعة، وقيل: هما بمعنى واحد كرره للمبالغة. قوله: "وغدا" بالغين المعجمة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح وقد غَدَا يَغْدُو غدوًّا، والغُدوة -بالضم- ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. قوله: "وابتكر" وقد وقع في بعض الروايات، "وبكر وابتكر" كما في رواية الترمذي، أما بَكَّر -بالتشديد- فمعناه أتى الصلاة في أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيءٌ فقد بكّر إليه، وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته، وقيل: معنى اللفظتين واحد فعل وافتعل، وإنما كرر في بعض ألفاظ الحديث لأجل المبالغة. قوله: "ودنا من الإمام" أي قرب منه، من الدنوّ. قوله: "فأنصت" أي أصغى واستمع. قوله: "ولم يلغ" أي ولم يتكلم باللغو.

стр. 2819

قوله: "صيامُها وقيامُها" بالرفع فيهما كلاهما على البدلية من "عملُ سَنَةٍ"، فافهم. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: أخبرني أبي، عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان الخير، أن النبي ﵇ قال: "لا يغتسل الرجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ثم ادّهن من دهنٍ أو مسّ من طيب بيته، ثم راح فلم يفرق بين اثنين وصلّى ما كُتِب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإِمام إلا غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن الحارث بن أبي ذئب، وسعيد هو ابن أبي سعيد المقبري، ونسبته إلى مقبرة لسكناه بها، وأبوه كيْسان المقبري، وسلمان الخير هو سلمان الفارسي ﵁. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبدان، قال: أنا عبد الله، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادّهن أو مسّ من طيبٍ، ثم راح، فلم يفرق بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإِمام أنصت، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٢). وابن ماجه (٣) أيضًا بهذا الإسناد ولكن عن أبي ذر ﵁. قوله: "ويتطهر ما استطاع" أي قدر طاقته واستطاعته، من الطهارة الصغرى أو الكبرى. قوله: "ثم راح" معناه: ثم مشى إلى الصلاة وذهب إليها, ولم يُرد رواح آخر النهار، يقال: راح القوم وتروّحوا إذا ساروا أيّ وقت كان. قوله: "ما بينه" أي ما بين يومه ذلك وبين يوم الجمعة الأخرى، والمراد

стр. 2820

الذنوب التي لا مُطالب لها من جهة العباد، والله أعلم. ص: ففي هذه الآثار أيضًا الأمر بالإنصات إذا تكلم الإمام، فذلك دليل أن موضع كلام الإمام ليس بموضع صلاة، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لا يختلفون أن من كان في المسجد قبل أن يخطب الإمام، فإن خطبة الإِمام تمنعه من الصلاة، فيصير بها في غير موضع صلاة؛ فالنظر على ذلك أن يكون كذلك داخل المسجد والإمام يخطب داخلًا له في غير موضع صلاة، فلا ينبغي أن يصلي، وقد رأينا الأصل المتفق عليه أن الأوقات التي تمنع من الصلوات يستوي فيها من كان قبلها في المسجد ومن دخل فيها المسجد في منعها إياهما من الصلاة، فلما كانت الخطبة تمنع مَن كان قبلها في المسجد من الصلاة كانت كذلك أيضًا تمنع من دخل المسجد بعد دخول الإمام فيها من الصلاة، فهذا وجه النظر في ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها عن سلمان وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص وأوس بن أوس. قوله: "فذلك" أي الأمر بالإنصات. قوله: "من طريق النظر" أي القياس. قوله: "فإنا رأيناهم" أي أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية. قوله: "ومن دخل فيها المسجد" أي في الأوقات التي تمنع من الصلوات. وقوله: "المسجد" منصوب؛ لأنه مفعول "دخل". وقوله: "فيها" حال، وهو من قبيل دخلت الدار، وكان القياس أن يؤتى بكلمة "في" ولكنهم تركها توسعًا.

стр. 2821

قوله: "في منعها" أي في منع الأوقات المذكورة. قوله: "إياهما" يرجع إلى قوله: "مَن كان" وقوله: "ومَن دخل". قوله: "بعد دخول الإمام فيها" أي في الخطبة. قوله: "من الصلاة" يتعلق بقوله: "يمنع". ص: وقد رويت في ذلك آثار عن جماعة من المتقدمين. ثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وَهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن تَوْبة العنبري، قال: "قال لي الشعبيُّ: أرأيت الحسن حين يجيء وقد خرج الإمام فيصلي، عمّن أخذا هذا؟ لقد رأيت شريحًا إذا جاء وقد خرج الإِمام لم يصل". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: أخبرني عقيل، عن ابن شهاب: "في الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإِمام يخطبُ قال: يجلس ولا يُسبِّح". حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا علي بن عاصم، عن خالد الحذاء: "أن أبا قلابة الجَزميّ جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يُصل". حدثنا روح بن الفرج ﵀، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد الفهمي، قال: أنا ابن لهيعة، عن ابن هُبَيْرة، عن أبي المُصْعَب، عن عقبة بن عامر قال: "الصلاة والإمام على المنبر معصية". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني ثعلبة بن أبي مالك القرظي: "أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، وقال: إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر ﵁ على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما، ثم إذا نزل عمر ﵁ عن المنبر وقضى خطبتيه تكلموا".

стр. 2822

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إسماعيل بن الخليل، قال: ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة قال: "رأيت عبد الله بن صفوان بن أمية دخل المسجدَ يوم الجمعة، وعبد الله بن الزبير ﵄ يخطبُ على المنبر، وعليه إزار ورداء ونعلان وهو معتمّ بعمامة، فاستلم الركن، ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم جلس ولم يركع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم قال: "قيل لعلقمة: أتتكلم والإمام يخطب أو قد خرج الإمام؟ قال: لا. قال: فقال له رجل: أقرأ حزبي والإمام يخطب؟ قال: عسى أن يضرك ولعلك أن لا يضرك". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا عطاء قال: "كان ابن عمر وابن عباس ﵃ يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإمام يوم الجمعة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: "أنه كره أن يُصلَّى والإمام يخطب". فقد روينا في هذه الآثار أن خروج الإمام يقطع الصلاة، وأن عبد الله بن صفوان جاء وعبد الله بن الزبير يخطب فجلس فلم يركع، فلم ينكر عليه عبد الله بن الزبير ولا مَن كان بحضرته من أصحاب رسول الله ﵇ وتابعيهم، ثم قد كان شريح يفعل ذلك، ورواه الشعبي واحتج به على من خالفه، وشدَّ ذلك من الرواية عن رسول الله ﵇ ما قدمنا ذكره، ثم النظر الصحيح ما قد وصفنا، فلا ينبغي ترك ما قد ثبت كذلك إلى غيره. ش: أي قد رويت في منع الصلاة للداخل والإمام يخطب آثار عن جماعة من المتقدمين من الصحابة والتابعين ﵃.

стр. 2823

فمن الصحابة: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي حليف الأنصار أبو يحيى المدني إمام مسجد بني قريظة له رؤيةُ من النبي ﵇، وعبد الله ابن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس. ومن التابعين: عامر بن شراحيل الشعبي، عن شريح القاضي، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام الثقات، وعلقمة ومجاهد بن جبر المكي. أما أثر عقبة بن عامر: فأخرجه عن روح بن الفرج القطان، عن عبد الله بن محمَّد بن إسحاق بن عبيد الفهمي المعروف بالبيطاري المصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال- عن عبد الله بن هبيرة الشيباني أبي هبيرة المصري روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي المُصعب واسمه مشرح بن هاعان المعافري المصري وثقه يحيى، عن عقبة بن عامر. قوله: "الصلاة" مبتدأ وخبره قوله: "معصية". وقوله: "والإمام على المنبر" جملة حالية معترضة، وإنما أطلق على هذه الصلاة معصيةً مبالغةً، وجه ذلك أن الصلاة في هذا الوقت تخلُّ بالإنصات المأمور به فيكون فيها تاركًا للأمر، وتارك الأمر يُسمّى عاصيًا، وفعله يُسمّى معصية. وأما أثر ثعلبة بن أبي مالك فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن يونس بن يزيد الأيلي المصري، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن ثعلبة بن أبي مالك ... إلى آخره. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبّاد بن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن عبد الله، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: "أدركت عمر وعثمان ﵁، فكان الإِمام إذا خرج يوم الجمعة تركنا الصلاة، فإذا تكلم تركنا الكلام".

стр. 2824

وأما أثر عبد الله بن صفوان: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن إسماعيل بن الخليل الكوفي شيخ البخاري ومسلم، عن علي بن مسهر عن هشام بن عروة ... إلى آخره. قوله: "وعبد الله بن الزبير يخطب" جملة اسمية وقعت حالًا، وكذا قوله: "وعليه إزار ورداء"، وكذا قوله: "وهو معتم بعمامة"، فافهم. وأما أثر عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵃: فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الله بن محمَّد بن علي النُفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء بن أبي رباح ... إلى آخره. وهؤلاء ثقات، ولكن تُكلم في الحجاج. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن نمير، عن حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن عمر: "أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة يوم الجمعة بعد خروج الإِمام". وأما أثر الشعبي عن شريح: فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن توبة بن أبي الأسد العَنْبري، عن الشعبي وهو عامر بن شراحيل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن نمير، قال: ثنا سفيان، عن توبة، عن الشعبي قال: "كان شريح إذا أتى الجمعة، فإن لم يكن خرج الإِمام صلى ركعتين، وإن كان خرج جلس واحتبى واستقبل الإِمام، فلم يلتفت يمينًا ولا شمالًا". وأما أثر الزهري: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود

стр. 2825

البرلسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن الليث، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري "في الرجل يجيء يوم الجمعة والإمام يخطب: يجلس ولا يصلي". قوله: "ولا يُسبِّح" أي: ولا يصلي، من السُّبحة وهي الصلاة النافلة. وأما أثر أبي قلابة: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي ... إلى آخره. وأما أثر علقمة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: "قلت لعلقمة: متى يكره الكلام يوم الجمعة؟ قال: إذا صعد الإِمام المنبر، وإذا خطب الإِمام، وإذا تكلم الإِمام". وقال (٣): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: "قلت لعلقمة: أقرأُ في نفسي؟ قال: لعل ذلك أن لا يكون به بأس". قوله: "عسى أن يضرك" أراد به: إذا قرأ حزبه بغير إخفاء في نفسه، وأراد بقوله: "ولعلك أن لا يضرك" إذا قرأه في نفسه كما صرح به في رواية ابن أبي شيبة. وأما أثر مجاهد: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد.

стр. 2826

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، وعن سفيان، عن أبي إسحاق عن الحارث، عن علي، وعن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: "أنهم كرهوا الصلاة والإمام يخطب يوم الجمعة". وهي الآثار المذكورة عن جماعة من المتقدمين. قوله: "واحتج به على من خالفه" أراد به أن الشعبي احتج بما فعله شريح من تركه الصلاة والإمام يخطب يوم الجمعة على من خالفه وهو الحسن البصري، فافهم. ص: فإن قال قائل: فقد روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" فذكر في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان، سمع عامر بن عبد الله بن الزبير يخبر، عن عمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس". حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: أخبرني بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله ... فدكر بإسناده مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: حدثني القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عامر بن عبد الله ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو إسحاق الضرير -يعني إبراهيم بن زكرياء- قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ مثله. قال: فهذا يدل على أنه ينبغي لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين.

стр. 2827

قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت، إنما هذا على من دخل المسجد في حالٍ تحلُّ فيها الصلاة، وليس على من دخل المسجد في حالٍ لا تحل فيها الصلاة، ألا ترى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، أو في وقت من هذه الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لا ينبغي له أن يُصلّى، وأنه ليس ممن أمره النبي ﵇ أن يصلي ركعتين لدخوله المسجد؛ لأنه قد نهي عن الصلاة حينئذٍ، فكذلك الذي دخل المسجد والإمام يخطب ليس له أن يصلي، وليس ممن أمره النبي ﵇ بذلك، وإنما يدخل في أمر رسول الله ﵇ الذي ذكرت كل مَن لو كان في المسجد قبل ذلك، فآثر أن يصلي كان ذلك له، وأما مَن لو كان في المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلي حينئذٍ فليس بداخل في ذلك، وليس له أن يصلي؛ قياسًا على ما ذكرنا من حكم الأوقات المنهي عن الصلاة فيها التي وصفنا. ش: تقرير السؤال: أن قوله ﵇: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين" عام يتناول كل داخلٍ في المسجد سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره، فإذا كان كذلك ينبغي لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن لا يجلس حتى يركع ركعتين. وتقرير الجواب: أن هذا الحديث مخصوص بحال من دخل المسجد في وقت تحلُّ له فيه الصلاة، وليس بمطلق، وذلك كالأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة نحو طلوع الشمس وغروبها واستوائها في الظهيرة، فإنه ليس لأحد أن يصلي تحية المسجد إذا دخله في وقت من هذه الأوقات، فلا يكون الداخل في المسجد في هذه الأوقات داخلًا تحت الأمر، وكذلك الداخل في حالة خطبة الإِمام ليس بداخل تحت هذا الأمر؛ لكون هذا الوقت غير صالح للصلاة كالأوقات المكروهة، وباقي الكلام ظاهر. قوله: "فآثر" بالمد أي اختار أن يصلي. ثم الحديث المذكور أخرجه من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي، ومن حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.

стр. 2828

أما حديث أبي قتادة فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم المكي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، والترمذي في "الشمائل". وهو يروي عن عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني روى له الجماعة غير الترمذي، عن عمرو بن سليم بن عمرو الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن أبي قتادة ﵁. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المصري، عن بكر بن مضر، عن محمَّد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سليم، عن أبي قتادة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان وابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُلَيْم، عن أبي قتادة، عن النبي ﵇ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين من قبل أن يجلس". الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قَعْنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن عامر بن عبد الله، عن عمرو بن سُلَيم، عن أبي قتادة. وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن عامر ابن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سُلَيْم الزرقي، عن أبي قتادة السُّلَمي، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".

стр. 2829

وأخرجه مسلم (١): عن القعنبي وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (٢): عن القعنبي أيضًا، عن مالك. والترمذي (٣): عن قتيبة، عن مالك. والنسائي (٤) أيضًا: عن قتيبة، عن مالك. وابن ماجه (٥): عن العباس بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني (٦) أيضًا والطبراني (٧) وابن أبي شيبة (٨)، وله زيادة حسنة بإسنادٍ جَيّدٍ: "أعطوا المساجد حقها، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن يجلس". وزاد أبو أحمد الجرجاني: "وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه خيرًا" وإسناده منكر، وقال البخاري: هذه الزيادة لا أصل لها، وأنكر ذلك أيضًا ابن القطان. وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي إسحاق الضرير إبراهيم بن زكرياء المعلم، فيه مقال كثير، فقال أبو حاتم: حديثه منكر. وقال ابن عدي: حدّث بالبواطيل. وقال الدارقطني: ضعيف.

стр. 2830

وهو يروي عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح ذكوان، عن عامر ابن عبد الله بن الزبير ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (١) معلقا، وقال: روى سُهيل بن أبي صالح هذا الحديث عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، وهذا حديث غير محفوظ، والصحيح حديث أبي قتادة. ثم اعلم أن ركعتي المسجد سنة بإجماع المسلمين إلا ما روي عن داود وأصحابه وجوبها بظاهر الأمر. وليس كذلك؛ لأن الأمر محمول على الاستحباب والندب لقوله ﵇ للذي سأله عن الصلوات: "هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع" وغير ذلك من الأحاديث، ولو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث الحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز دخول المسجد على غير وضوء لزم منه أن لا يجب عليه سجودهما عند دخوله، ثم إنه يصليهما إلا في وقت النهي عند أبي حنيفة وأصحابه وهو قول الأوزاعي والليث، وحكي ذلك أيضًا عن الشافعي، ومذهبه الصحيح أنه يصليهما في كل وقت، وهو قول أحمد وإسحاق والحسن ومكحول، والله أعلم.

стр. 2831

ص: باب: الرجل يدخل السجد والإمام في صلاة الفجر ولم يكن ركع, أيركع أم لا يركع ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم من يَدْخل المسجد والحال أن الإِمام في صلاة الصبح، والحال أنه ما صلى ركعتي الصبح، هل يصليهما ثم يدخل في صلاة الإِمام أم يتركهما فيدخل؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن زكرياء بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا عبد العزيز -قال أحمد الأصبهاني: إبراهيم بن إسماعيل- عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمّع الأنصاري، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: أخرجه من طريقين: الأول: إسناده صحيح، ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا إبراهيم بن مرزوق، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد شيخ البخاري. والثاني: فيه إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع الأنصاري، ويقال: إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع أبو إسحاق المدني، وعن يحيى: ضعيف جدّا. وعنه: ليس بشيء. وأبو مُصْعب اسمه أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني الفقيه قاضي المدينة النبوية وشيخ الجماعة سوى النسائي، وعبد العزيز هو الدراوردي. وهذا كما ترى قد أخرجه الطحاوي في الأول عن سليمان بن يسار، وفي الثاني عن عطاء بن يسار.

стр. 2832

وأخرجه الجماعة غير البخاري كلهم عن عطاء بن يسار. فقال مسلم (١): حدثني يحيى بن حبيب الحارثي، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، قال: ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار يقول: عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". وقال الترمذي (٢): حديث أبي هريرة حديث حسن، وهكذا رواه أيوب وورقاء بن عمر وزياد بن سَعْد وإسماعيل بن مسلم ومحمد بن جحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇، ورواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ولم يرفعاه، والحديث المرفوع أصح عندنا. وقال القاضي عياض: ولأجل هذا الاختلاف لم يخرّجه البخاري، وسيأتي الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فكرهوا للرجل أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وعروة بن الزبير، وعبد الله بن المبارك، والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم ذهبوا إلى الحديث المذكور، وكرهوا للرجل أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر. وقال القاضي عياض: أخذ قوم بظاهر هذا الحديث، وهو قول أبي هريرة، وروي عن عمر ﵁ أنه كان يضرب على صلاة الركعتين بعد الإقامة، وإليه ذهب بعض الظاهرية ورأوا أنه يقطع صلاته إذا أقيمت عليه الصلاة، وكلهم يقولون: لا يبتدئ نافلة بعد الإقامة.

стр. 2833

وذهب مالك إلى أنه إذا أقيمت عليه وهو في نافلة فإن كان ممن يخفّ عليه ويتمها بقراءة أم القرآن وحدها قبل أن يركع الإِمام أتمها وإلا قطع. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتمها. واختلفوا في صلاة ركعتي الفجر إذا أقيمت الصبح، فذهب جمهور السلف والعلماء إلى أنه لا يصليهما في المسجد، ثم اختلفوا هل يخرج لهما ويصلي خارجه أم لا؟ وهو قول جماعة من السلف جملة ويدخل في المكتوبة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد والطبري، إذا أقيمت عليه وهو في المسجد، وقول ابن سيرين: متى أقيمت عليه دون تفصيل. واختلف من أباح له الخروج لصلاتهما هل ذلك ما لم يخش فوات الركعة الأولى فإذا خشيها دخل مع الإِمام ولم يخرج، وهو قول مالك والثوري إذا أقيمت قبل أن يدخل المسجد. وقيل: إنما يُراعى فوات الآخرة، وقد روي هذا أيضًا عن مالك: أنه يصليهما وإن فاتته صلاة الإِمام إذا كان الوقت واسعًا، قاله ابن الجلاب. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بان يركعهما غير مخالطٍ للصفوف ما لم يخف فوت الركعتين مع الإِمام. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد ﵏. وقال القاضي عياض: وذهبت طائفة من السلف والفقهاء إلى أنه يصليهما في المسجد ما لم يخش فوات الركعة الأولى، فإن خشيها دخل مع الإِمام، وهذا قول الثوري، وقيل: يركعهما ما لم يخش فوات الركعة الثانية، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه، وقد حكي عن أبي حنيفة أنه يركعهما عند باب المسجد. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأول أن ذلك الحديث الذي احتجوا به أصله عن أبي هريرة لا عن النبي ﵇، هكذا رواه الحفّاظ، عن عمرو بن دينار.

стр. 2834

حدثثا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا حماد بن سلمة وحماد ابن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة بذلك ولم يرفعه. فصار أصل هذا الحديث عن أبي هريرة لا عن النبي ﵇، وقد خالف أبا هريرة في ذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﵇، وسنذكر ما روي عنهم من ذلك في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، عن عبد الله بن عياش بن عباس القتباني، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت لها". فقد يجوز أن يكون أراد بهذا النهي أن يصلى غيرها في موطنها الذي تُصلّى فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع، فيكون النهي من أجل ذلك لا من أجل أن تُصلى في آخر المسجد ثم يتنحّى الذي يصليها من ذلك المكان فيخالط الصفوف ويدخل في الفريضة. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين -وهم أهل المقالة الثانية- على أهل المقالة الأولى: أن أصل حديث أبي هريرة الذي احتجوا به عن نفس أبي هريرة يعني هو موقوف عليه وليس بمرفوع إلى النبي ﵇؛ لأن الحفاظ من الرواة الأثبات روَوه عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة موقوفًا عليه، فإذا كان موقوفًا عليه ولم يكن من النبي ﵇ وقد خالف أبا هريرة فيه جماعة من الصحابة ﵇ على ما يجيء بيانه في آخر الباب، فإذن لا تقوم به حجة لأهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه. ثم بيّن طريق الوقف بما أخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عمر الضرير وهو حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، وهو يروي عن الحافظين الكبيرين حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وكلاهما يرويان عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة بذلك ولم يرفعاه.

стр. 2835

وقال البزار في "مسنده": حدثنا محمَّد بن عبد الملك القرشي، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة موقوفًا. قلت: وكذا رواه أيوب، عن عمرو بن دينار موقوفًا. فقال البزار: حدثنا أحمد بن مالك القَسْري، نا عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة موقوفًا. ورواه عبد الوهاب الثقفي عن أيوب موقوفًا. فقال البزار: حدثنا به محمَّد بن المثنى، نا عبد الوهاب بن عبد المجيد، نا أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة موقوفًا. وكذا رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار موقوفًا. وقال البزار: نا أحمد بن عَبْدة، نا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". فهذا كما رأيت قد رواه موقوفًا مثل هؤلاء الحفاظ، وهم: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني وسفيان بن عيينة، كلهم قد رووه عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، ولم يرفعوه. فإن قيل: قد رواه الجماعة غير البخاري: مرفوعًا، وقال الترمذي: الرفع أصح. قلت: يكفيك أن البخاري لم يُخرّجه لأجل هذا الاختلاف؛ إذ لو كان الرفع فيه صحيحًا لأخرجه، والحفاظ المذكورون أوقفوه فالمرجع إليه أولى. ولما كان ها هنا إيراد من أهل المقالة الأولى بما رواه أبو سلمة، عن أبي هريرة ذكره ها هنا ليجيب عنه، تقريره أن يقال: إنكم قد دفعتم الاحتجاج بما رواه عمرو بن دينار، عن عطاء، عن أبي هريرة بأنه موقوف عليه، فما تقولون فيما رواه أبو سلمة، عن أبي هريرة فإنه مرفوع بلا خلاف.

стр. 2836

أخرجه الطحاوي: عن فهد بن سليمان، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن الليث بن سعد، عن عبد الله بن عياش -بالياء المشددة آخر الحروف وبالشين المعجمة- ابن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القتباني -بكسر القاف وسكون التاء المثناة من فوق وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف نون- عن أبيه عياش بن عباس القِتْباني الحِمْيري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حَسن، نا ابن لهيعة، نا عياش بن عباس القتباني، عن أبي تميم الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت". وتقرير الجواب: هو ما أشار إليه بقوله: "فقد يجوز أن يكون أراد ... " إلى آخره، وهو ظاهر. وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه معلول بعبد الله بن عياش؛ فإن أبا حاتم قال فيه: ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة. وقال أبو داود والنسائي: ضعيف. وفيه نظر؛ لأن مسلمًا أخرج له حديثًا واحدًا وكفى به توثيقًا، وكذا روى له ابن ماجه. ص: وكان مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا: ما قد حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا حماد، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك بن بُحَينة أنه قال: "أقيمت صلاة الفجر، فأتى النبي ﵇ على رجل يصلي ركعتي الفجر، فقام عليه ولاث به الناس، فقال: أتصليها أربعًا؟ ثلاث مرات".

стр. 2837

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن سَعْد ... فذكر مثله بإسناده، غير أنه لم يقل: "ولاث به الناس". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده نحوه غير أنه لم يقل: "ثلاث مرات". فلأهل المقالة الأخرى على أهل هذه المقالة أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ إنما كره ذلك لأنه صلى الركعتين ثم وصلهما بصلاة الصبح من غير أن يكون تقدم أو تكلم، فإن كان لذلك قال له ما قال؛ فإن هذا حديث يجتمع فيه الفريقان جميعًا عليه، فأردنا أن ننظر هل روي في ذلك شيء من ذلك؟ فإذا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﵇ مرّ بعبد الله بن مالك بن بحينة وهو منتصبٌ يصلي بين يدي نداء الصبح فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها واجعلوا بينهما فَصْلًا". فبيّن هذا الحديث أن الذي كرهه رسول الله ﵇ لابن بُحينة هو وَصْله إياها بالفريضة في مكان واحدٍ لم يفصل بينهما بشيء؛ ليس لأنه كره له أن يُصليهما في المسجد إذا كان فرغ منهما تقدَّم إلى الصفوف فصلى الفريضة مع الناس. ش: أي: وكان من الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه: حديث مالك بن بُحينة، قال أبو عمر: هو مالك بن القشب الأزدي والد عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة، وبُحَيْنة أمه، ولعبد الله بن مالك ولأبيه صحبه، وبُحَينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يونس بن محمد بن مسلم البغدادي المؤذن روى له الجماعة، عن حماد بن سلمة، عن سعد بن إبراهيم بن

стр. 2838

عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبي إسحاق المدني روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ روى له الجماعة، عن مالك بن بحينة. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: ثنا إبراهيم بن سَعْد، عن أبيه، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال: "مرَّ النبي ﵇ برجل. قال: وحدثني عبد الرحمن، قال: ثنا بهز بن أسد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم قال: "سمعت رجلًا من الأزد يقال له مالك بن بحينة أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﵇ لاث به الناس وقال له رسول الله ﵇: الصبح أربعًا؟! الصبح أربعًا؟! ". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك بن بحينة ... فذكر الحديث مثله بإسناده ولم يقل فيه: "ولاث به الناس". وأخرجه مسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن سَعْد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بُحَينة قال: "أقيمت الصلاة الصبح، فرأى رسول الله ﵇ رجلًا يصلي والمؤذن يقيم، فقال النبي ﵇: أتصلى الصبح أربعًا؟ ". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سَعْد بن إبراهيم ... إلى آخره مثله، ولم يقل فيه: "مرات". وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن أبي عوانة ... إلى آخر ما رواه مسلم، وليس فيه: "مرات".

стр. 2839

وقال عبد الغني: روى النسائي حديثًا في سجود السهو بإسناده إلى محمَّد بن يحيى بن حيان، عن مالك بن بحينة. قال النسائي: هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالك بن بحينة. وقال صاحب "التهذيب": مالك بن بحينة حديث: "أتصلي الصبح أربعًا" روى له البخاري والنسائي، وقال: هذا خطأ والصواب: عبد الله بن مالك بن بحينة. وقال ابن الأثير: قال القعنبي: عبد الله بن مالك بن بحينة، عن أبيه، قال: وقولهم في هذا الحديث: عن أبيه. خطأ. وقد ذكرنا أن البخاري (١) أخرج الحديث المذكور من حديث حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال: "مرّ النبي ﵇". ثم قال: عن حفص بن عاصم: سمعمت رجلًا من الأزد يقال له مالك بن بحينة أن رسول الله ﵇ ... ثم قال في آخره: تابعه غندر ومعاذ عن شعبة في مالك. وكذا أخرجه مسلم (٢): من حديث حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة: "أن رسول الله ﵇"، وقال أيضًا: عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة كما ذكرناه. وقال أبو مسعود الدمشقي: أهل العراق يقولون: عن مالك بن بحينة، وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة، وهو الأصح. وقال الجياني: قول أصحاب شعبة: مالك بن بحينة والد عبد الله. قوله: "ولاث به الناس" أي اجتمعوا حوله يقال: لاث به يَلُوثُ وأَلَاث بمعنًى، والمَلاث: السيد ثلاث به الأمور، أي: تُقْرَن به وتعقد. قوله: "أتصليها" الهمزة فيه للاستفهام.

стр. 2840

قال القاضي عياض: هذه إشارة إلى علة المنع حماية للأربعة؛ لئلا يطول الأمر ويكثر ذلك فيظن الظانّ أن الفرض قد تغير. قوله: "ولأهل المقالة الأخرى ... " إلى آخره جواب عن الحديث المذكور. تقريره أن يقال: إن إنكار النبي ﵇ على ذلك الرجل الذي صلى ركعتي الفجر حين أقيمت صلاة الفجر وكراهته إياها يحتمل أن يكون ذلك لكونه صلى الركعتين ثم وصلهما بصلاة الصبح من غير فصل بينهما بتقدم إلى الصفوف أو كلام أو نحو ذلك، فإذا كان هذا الاحتمال هو العلة في ذلك يكون الحديث مما يجتمع عليه الفريقان وهم الأخصام؛ لأن كلا منهما يكره هذا الفعل فلا يكون حينئذٍ حجةً لأحدهما على الآخر. ثم أقام الدليل علي كون هذا الاحتمال الذي ذكره علة، وأن النهي لأجل هذا الاحتمال بقوله: "فأردنا أن ننظر ... " إلى آخره؛ فإنه أخرج حديثًا يدلك على ذلك عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز البصري روى له الجماعة سوى أبي داود، عن علي بن المبارك الهنائي البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي روى له الجماعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري المدني روى له الجماعة: "أن رسول الله ﵇ مرّ بعبد الله بن مالك بن بُحَيْنة ... " إلى آخره. وهذا كما رأيت ذكر الطحاوي في روايته الأولى مالك بن بحينة، وفي هذه الرواية عبد الله بن مالك بن بحينة، وقد ذكرنا عن قريب ما قالوا فيه. والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى ابن أبي كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عبد الله بن مالك بن بحينة: "أن النبي ﵇ مَرّ به وهو يصلي يطَوِّل في صلاته أو نحو هذا بين
следующие страницы →