أخرجه الطحاوي: عن فهد بن سليمان، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن الليث بن سعد، عن عبد الله بن عياش -بالياء المشددة آخر الحروف وبالشين المعجمة- ابن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القتباني -بكسر القاف وسكون التاء المثناة من فوق وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف نون- عن أبيه عياش بن عباس القِتْباني الحِمْيري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حَسن، نا ابن لهيعة، نا عياش بن عباس القتباني، عن أبي تميم الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت".
وتقرير الجواب: هو ما أشار إليه بقوله: "فقد يجوز أن يكون أراد ... " إلى آخره، وهو ظاهر.
وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه معلول بعبد الله بن عياش؛ فإن أبا حاتم قال فيه: ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة.
وقال أبو داود والنسائي: ضعيف. وفيه نظر؛ لأن مسلمًا أخرج له حديثًا واحدًا وكفى به توثيقًا، وكذا روى له ابن ماجه.
ص: وكان مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا: ما قد حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا حماد، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك بن بُحَينة أنه قال: "أقيمت صلاة الفجر، فأتى النبي ﵇ على رجل يصلي ركعتي الفجر، فقام عليه ولاث به الناس، فقال: أتصليها أربعًا؟ ثلاث مرات".
стр. 2837
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن سَعْد ... فذكر مثله بإسناده، غير أنه لم يقل: "ولاث به الناس".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده نحوه غير أنه لم يقل: "ثلاث مرات".
فلأهل المقالة الأخرى على أهل هذه المقالة أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ إنما كره ذلك لأنه صلى الركعتين ثم وصلهما بصلاة الصبح من غير أن يكون تقدم أو تكلم، فإن كان لذلك قال له ما قال؛ فإن هذا حديث يجتمع فيه الفريقان جميعًا عليه، فأردنا أن ننظر هل روي في ذلك شيء من ذلك؟
فإذا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن: "أن رسول الله ﵇ مرّ بعبد الله بن مالك بن بحينة وهو منتصبٌ يصلي بين يدي نداء الصبح فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها واجعلوا بينهما فَصْلًا".
فبيّن هذا الحديث أن الذي كرهه رسول الله ﵇ لابن بُحينة هو وَصْله إياها بالفريضة في مكان واحدٍ لم يفصل بينهما بشيء؛ ليس لأنه كره له أن يُصليهما في المسجد إذا كان فرغ منهما تقدَّم إلى الصفوف فصلى الفريضة مع الناس.
ش: أي: وكان من الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه: حديث مالك بن بُحينة، قال أبو عمر: هو مالك بن القشب الأزدي والد عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة، وبُحَيْنة أمه، ولعبد الله بن مالك ولأبيه صحبه، وبُحَينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يونس بن محمد بن مسلم البغدادي المؤذن روى له الجماعة، عن حماد بن سلمة، عن سعد بن إبراهيم بن
стр. 2838
عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبي إسحاق المدني روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ روى له الجماعة، عن مالك بن بحينة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: ثنا إبراهيم بن سَعْد، عن أبيه، عن حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال: "مرَّ النبي ﵇ برجل. قال: وحدثني عبد الرحمن، قال: ثنا بهز بن أسد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم قال: "سمعت رجلًا من الأزد يقال له مالك بن بحينة أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﵇ لاث به الناس وقال له رسول الله ﵇: الصبح أربعًا؟! الصبح أربعًا؟! ".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن مالك بن بحينة ... فذكر الحديث مثله بإسناده ولم يقل فيه: "ولاث به الناس".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن سَعْد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، عن ابن بُحَينة قال: "أقيمت الصلاة الصبح، فرأى رسول الله ﵇ رجلًا يصلي والمؤذن يقيم، فقال النبي ﵇: أتصلى الصبح أربعًا؟ ".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سَعْد بن إبراهيم ... إلى آخره مثله، ولم يقل فيه: "مرات".
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن أبي عوانة ... إلى آخر ما رواه مسلم، وليس فيه: "مرات".
стр. 2839
وقال عبد الغني: روى النسائي حديثًا في سجود السهو بإسناده إلى محمَّد بن يحيى بن حيان، عن مالك بن بحينة.
قال النسائي: هذا خطأ، والصواب عبد الله بن مالك بن بحينة. وقال صاحب "التهذيب": مالك بن بحينة حديث: "أتصلي الصبح أربعًا" روى له البخاري والنسائي، وقال: هذا خطأ والصواب: عبد الله بن مالك بن بحينة.
وقال ابن الأثير: قال القعنبي: عبد الله بن مالك بن بحينة، عن أبيه، قال: وقولهم في هذا الحديث: عن أبيه. خطأ.
وقد ذكرنا أن البخاري (١) أخرج الحديث المذكور من حديث حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال: "مرّ النبي ﵇". ثم قال: عن حفص بن عاصم: سمعمت رجلًا من الأزد يقال له مالك بن بحينة أن رسول الله ﵇ ... ثم قال في آخره: تابعه غندر ومعاذ عن شعبة في مالك.
وكذا أخرجه مسلم (٢): من حديث حفص بن عاصم، عن عبد الله بن مالك ابن بحينة: "أن رسول الله ﵇"، وقال أيضًا: عن حفص بن عاصم، عن ابن بحينة كما ذكرناه.
وقال أبو مسعود الدمشقي: أهل العراق يقولون: عن مالك بن بحينة، وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة، وهو الأصح. وقال الجياني: قول أصحاب شعبة: مالك بن بحينة والد عبد الله.
قوله: "ولاث به الناس" أي اجتمعوا حوله يقال: لاث به يَلُوثُ وأَلَاث بمعنًى، والمَلاث: السيد ثلاث به الأمور، أي: تُقْرَن به وتعقد.
قوله: "أتصليها" الهمزة فيه للاستفهام.
стр. 2840
قال القاضي عياض: هذه إشارة إلى علة المنع حماية للأربعة؛ لئلا يطول الأمر ويكثر ذلك فيظن الظانّ أن الفرض قد تغير.
قوله: "ولأهل المقالة الأخرى ... " إلى آخره جواب عن الحديث المذكور.
تقريره أن يقال: إن إنكار النبي ﵇ على ذلك الرجل الذي صلى ركعتي الفجر حين أقيمت صلاة الفجر وكراهته إياها يحتمل أن يكون ذلك لكونه صلى الركعتين ثم وصلهما بصلاة الصبح من غير فصل بينهما بتقدم إلى الصفوف أو كلام أو نحو ذلك، فإذا كان هذا الاحتمال هو العلة في ذلك يكون الحديث مما يجتمع عليه الفريقان وهم الأخصام؛ لأن كلا منهما يكره هذا الفعل فلا يكون حينئذٍ حجةً لأحدهما على الآخر.
ثم أقام الدليل علي كون هذا الاحتمال الذي ذكره علة، وأن النهي لأجل هذا الاحتمال بقوله: "فأردنا أن ننظر ... " إلى آخره؛ فإنه أخرج حديثًا يدلك على ذلك عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز البصري روى له الجماعة سوى أبي داود، عن علي بن المبارك الهنائي البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي روى له الجماعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري المدني روى له الجماعة: "أن رسول الله ﵇ مرّ بعبد الله بن مالك بن بُحَيْنة ... " إلى آخره.
وهذا كما رأيت ذكر الطحاوي في روايته الأولى مالك بن بحينة، وفي هذه الرواية عبد الله بن مالك بن بحينة، وقد ذكرنا عن قريب ما قالوا فيه.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى ابن أبي كثير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عبد الله بن مالك بن بحينة: "أن النبي ﵇ مَرّ به وهو يصلي يطَوِّل في صلاته أو نحو هذا بين
стр. 2841
يدي صلاة الفجر، فقال له النبي ﵇: لا تجعلوا هذه مثل صلاة الظهر قبلها وبعدها، اجعلوا بينهما فَصْلًا" انتهى.
فبيّن في هذا الحديث أن الذي كرهه رسول الله ﵇ لمالك بن بحينة في الحديث السابق هو وصله إياها بالفريضة في فرد مكان ولم يفصل بينهما بشيء من المتقدم أو الكلام، وليس ذلك لكونه قد صلاهما في المسجد بحيث إنه إذا فرغ منهما يتقدم إلى الصفوف ويصلي الفرض مع القوم.
قوله: "وهو منتصب" جملة حالية، وكذلك قوله: "يصلي".
قوله: "بين يدي نداء الصبح" أراد به إقامة صلاة الفجر، وفي رواية "بين يدي صلاة الصبح".
قوله: "واجعلوا بينهما" أي بين ركعتي الفجر وبين صلاة الفجر، وأراد بالفصل مثل الكلام، ومثل المتقدم من آخر المسجد إلى الصفوف حين يصلي ركعتي الفجر في آخر المسجد.
ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن رسول الله ﵇ في غير هذا الحديث.
حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو، قال: ثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة البكراويُّ، قال: ثنا ابن جريج، عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار: "أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد يسأله: ماذا سمع من معاوية في الصلاة يوم الجمعة؟ فقال: صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما فرغت قمت لأتطوع، فأخذ بثوبي فقال: لا تفعل حتى تَقَدّم أو تَكَلَّمُ، فإن رسول الله ﵇ كان يأمر بذلك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا عبيد الله بن المغيرة، عن صفوان مولى عمرو، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا تُدَابروا
стр. 2842
الصلاة المكتوبة بنافلة حتى يكون بينهما فاصلٌ من تقدم إلى مكان آخر أو غير ذلك".
ش: أي قد روي مثل الحديث المذكور مما يدلّ على أنه ينبغي من الفصل بين الفرض والنفل الذي يصلى بعده، وأخرج ذلك عن اثنين من الصحابة وهما معاوية بن أبي سفيان، وأبو هريرة ﵃.
أما حديث معاوية: فأخرجه من طريقين:
أحدهما: عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ شيخ أبي داود والطبراني أيضًا، عن أبي الأشهب هوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكرة الثقفي البكراوي الأصم البصري، فعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له ابن ماجه.
عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار -بضم الخاء المعجمة- المكي، وثقه يحيى وأبو زرعة وروى له مسلم وأبو داود، عن نافع بن جبير بن مطعم المدني روى له الجماعة، عن السائب بن يزيد بن سعيد الأسدي له ولأبيه صحبة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق وابن بكرٍ، قالا: نا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار: "أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد ابن أخت نمر يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، قال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلّم قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إليّ فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاةٍ حتى تتكلم أو تخرج، فإن نبي الله ﵇ أمر بذلك".
والطريق الآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار ... إلى آخره.
стр. 2843
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج (ح).
وحدثنا علي بن عبد العزيز، نا هوذة بن خليفة، نا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار: "أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن يزيد يسأله عن شيء رآه منه معاوية ... " إلى آخره نحو رواية أحمد.
قوله: "في المقصورة" أراد بها مقصورة الجامع.
قوله: "حتى تقدّمُ" بضم الميم، وأصله: تتقدم فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، وكذلك قوله: "تكلم" أصله: تتكلم.
قوله: "كان يأمر بذلك" أي بالفصل بين صلاة الجمعة وبين السنة التي بعدها، وذلك لئلا يظن الجاهل أنها من الفرض كما ذكرناه.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن عبد الله بن المغيرة بن مُعَيْقيب السَّبائي المصري، قال أبو حاتم: صدوق. روى له الترمذي وابن ماجه.
عن صفوان مولى عمرو بن علي وثقه ابن حبان، عن أبي هريرة.
وأخرجه أسد السنة في "مسنده".
قوله: "لا تُدَابِرُوا الصلاة المكتوبة بمثلها من التسبيح" أي لا تجعلوا دبر الصلاة المفروضة مثلها من صلاة التطوع، وأراد أنه لا يُصلّى عقيب الفرض مثله من التطوع في مقام واحد، وأراد بالتسبيح: صلاة النفل، من السُّبْحة وهي النافلة.
قوله: "فنهى رسول الله ﵇" أي: نهى رسول الله ﵇ عن وصل الفرض بنافلة مثل الفرض حتى يكون بينهما فاصل إما بكلام أو تقدم إلى مكان آخر أو تأخر إلى ورائه، ونحو ذلك.
стр. 2844
وأخرج الحديثين المذكورين في المتابعات تأكيدًا لمعنى حديث مالك بن بحينة، فافهم.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله ابن سَرجس: "أن رجلًا جاء ورسول الله ﵇ في صلاة الصبح، فركع ركعتين -في حديث حماد بن سلمة: خلف الناس- ثم دخل مع النبي ﵇ في الصلاة، فلما قضى النبي ﵇ صلاته فقال: نافلة؟ " أي: أجعلت صلاتك التي صليت معنا أو التي صليت وَحْدَك.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم ... فذكر بإسناده مثله.
قالوا: ففي هذا الحديث أنه صلاهما خلف الناس، وقد نهاه رسول الله ﵇ عنهما.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن سرْجس.
أخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، وحماد بن زيد كلاهما، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرْجس ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو كامل الجَحْدري، قال: نا حماد -يعني ابن زيد- وحدثني حامد بن عمر البكراوي، قال: ثنا عبد الواحد -يعني ابن زياد-.
стр. 2845
ونا ابن نمير، قال: نا أبو معاوية، كلهم عن عاصم الأحول.
وحدثني زهير بن حرب واللفظ له، قال: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: "دخل رجل المسجد ورسول الله ﵇ في صلاة الغداة، فصل ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﵇، فلما سلَّم رسول الله ﵇ قال: يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟ ".
وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب، نا حماد، عن عاصم، عن عبد الله بن سرْجس قال: "جاء رجل والنبي ﵇ يصلي الصبح، فصلى الركعتين ثم دخل مع النبي ﵇ في الصلاة، فلما انصرف قال: يا فلان، أيتهما صلاتك؟ التي صليت وحدك؟ أو التي صليت معنا؟ ".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضُبَعي، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس.
وأخرجه النسائي (٢): أنا يحيى بن حبيب بن عربي، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عاصم، عن عبد الله بن سرجس قال: "جاء رجل ورسول الله ﵇ في صلاة الصبح، فركع الركعتين ثم دخل، فلما قضي رسول الله ﵇ صلاته قال: يا فلان أيهما صلاتك؟ التي صليت معنا؟ أو التي صليت لنفسك؟ ".
الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن عاصم.
وأخرجه ابن ماجه (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس: "أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا يصلي
стр. 2846
الركعتين قبل صلاة الغداة وهو في الصلاة، فلما صلى قال له: بأي صلاتيك اعتددت؟ ".
قوله: "قالوا" أي أهل المقالة الأولي "ففي هذا الحديث" أي حديث عبد الله بن سرجس "أنه" أي أن ذلك الرجل "صلاهما" أي ركعتي الصبح خلف الناس "وقد نهاه رسول الله ﵇ عنهما" فهذا يرد ما ذهبتم إليه من أنه يصليهما خلف الناس ثم يدخل في صلاة القوم مع الإِمام.
ص: فمن الحجة عليهم للآخرين أنه قد يجوز أن يكون قوله: "كان خلف الناس" أي كان خلف صفوفهم لا فصل بينه وبينهم، فكان شبه المخالط لهم، فذلك أيضًا داخل في معنى ما بان من حديث ابن بُحَيْنة، وذلك مكروه عندنا، وإنما يجب أن يصليهما في مؤخر المسجد ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول المسجد فأما أن يصليهما مخالطًا لِمَنْ يُصلي الفريضة فلا.
وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن ابن أبي ذئب، عن شعبة، قال: كان ابن عباس ﵁ يقول: "يا أيها الناس، ألا تتقون الله، افصلوا بين صلاتكم. قال: وكان ابن عباس لا يصلي الركعتين بعد المغرب إلا في بيته"، فأراد عبد الله بن عباس منهم الفصل بين الفريضة والتطوع.
وذلك الذي أريد في حديث أبي هريرة وابن بُحَينة وعبد الله ابن سرجس ﵁، ونحن نستحب أيضًا الفصل بين الفرائض والنوافل بما أمر به رسول الله ﵇ فيما روينا في هذا الباب، ولا نرى بأسًا لمن يكن ركع ركعتي الفجر حتى جاء المسجد وقد دخل الإمام في صلاة الصبح أن يركعهما في مؤخر المسجد، ثم يمشي إلى مُقدّمه فيصلي مع الناس، ألا ترى أن ذلك لو كان في ظهرٍ أو عصرٍ أو عشاء لم يكن به بأسٌ ولا يكون فاعلُ ذلك واصلًا بين فريضة وتطوع، فكذلك إذا كان في صبحٍ فلا بأس به ولا يكون فاعله واصلًا بين فريضة وتطوع، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 2847
ش: هذا جواب عن الحديث المذكور، أي: فمن الدليل والبرهان على أهل المقالة الأولى للجماعة الآخرين وهم أهل المقالة الثانية.
تقريره أن يقال: قد يجوز أن يكون قوله: "كان خلف الناس" أي كان خلف صفوفهم كالمخالط لهم، فنحن أيضًا نقول بمنع مثل هذا كما قلنا في حديث مالك بن بحينة، وإنما الواجب أن يصليهما في آخر المسجد ثم يمشي من ذلك المكان إلى أول المسجد ويختلط بالصفوف، وأما أنه إذا صلاها مخالطًا بآخِر الصفوف فليس له ذلك ولا يقول به أحد، فبان أن إنكاره ﵇ إنما كان لأجل وصله إياهما بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشيء يسيرٍ، وهذا مثل ما نهى من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعًا في مكان واحدٍ حتى يتكلم أو يتقدم.
على أنه قد روي ما يدل على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية وهو ما رواه البيهقي (١) من طريق حجاج بن نصير، عن عباد بن كثير، عن ليث، عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر".
فإن قيل: قد قال البيهقي: إن هذه الزيادة لا أصل لها، وحجاج وعباد ضعيفان.
قلت: قال عثمان بن شيبة عن يحيى بن معين: كان شيخًا صدوقًا. يعني الحجاج، وأما عباد فقد وثقه يحيى بن معين فقال: عباد الرملي الخوَّاص ثقة، والله أعلم.
قوله: "وقد حدثنا ابن مرزوق ... " إلى آخره، ذكر هذا تأييدًا للتأويل الذي ذكره في حديث عبد الله بن سرجس ﵁؛ لأن قول ابن عباس: "افصلوا بين صلواتكم" يدل على أن المنع الذي ذكره أهل المقالة الأولى مستدلين بالأحاديث
стр. 2848
المذكورة إنما هو إذا كان واصلًا بين الفريضة والتطوع، وأما إذا كان فاصلًا بينهما فلا يُمنع من ذلك؛ لأن معنى قوله: "افصلوا بين صلاتكم" فرَّقوا بين الفريضة والتطوع لئلا يشتبه على الجاهل أن التطوع من الفرض، ولأجل هذا المعنى كان عبد الله بن عباس ﵁ يصلي ركعتي المغرب في بيته ليكون فاصلًا بين الفرض والسنة، وهذا المعنى هو المراد في حديث أبي هريرة ومالك بن بحينة وعبد الله بن سرجس ﵃.
وأخرج الأثر المذكور عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب، عن شعبة ابن دينار القرشي الهاشمي مولى ابن عباس، فيه مقال، فعن مالك: ليس بثقة. وعن النسائي: ليس بالقوي. وعن يحيى بن معين: ليس به بأس، وروى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في الغسل من الجنابة.
ص: وقد روي ذلك عن جلة من المتقدمين:
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي موسى، عن أبيه: "أنه حين دعاهم سعيد بن العاص دعا أبا موسى وحذيفة وعبد الله بن مسعود ﵃ قبل أن يصلي الغداة، ثم خرجوا من عنده وقد أقيمت الصلاة، فجلس عبد الله إلى اصطوانة من المسجد فصلى ركعتين، ثم دخل في الصلاة".
فهذا عبد الله قد فعل هذا ومعه حذيفة وأبو موسى لا ينكران ذلك عليه، فدل ذلك على موافقتهما إياه.
حدثنا سليمان، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، عن عبد الله: "أنه دخل المسجد والإمام في الصلاة، فصلى ركعتي الفجر".
стр. 2849
حدثنا أحمد بن عبد المؤمن الخراساني، قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: أنا الحسين بن واقدٍ، قال: ثنا يزيدُ النحوي، عن أبي مجلز قال: "دخلت المسجد في صلاة الغداة مع ابن عمر وابن عباس ﵃ والإمام يصلي، فأمّا ابن عمر فدخل في الصفِّ، وأما ابن عباس فصلّى ركعتين، ثم دخل مع الإِمام، فلما سلم الإِمام قعد ابن عمر مكانه حتى طلعت الشمس، فقام فركع ركعتين".
فهذا ابن عباس قد صلى الركعتين في المسجد والإمام في صلاة الصبح، وقد روى شعبة مولاه عنه أنه كان يأمر الناس بالفصل بين الفرائض والنوافل، وقد عد نفسه إذ صلى ركعتي الفجر في بعض المسجد ثم دخل مع الناس في الصلاة فاصلًا بينهما، فكذلك نقول.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: أنا مُطرِّف بن طَرِيفٍ، عن أبي عثمان الأنصاري قال: "جاء عبد الله بن عباس والإمام في صلاة الغداة ولم يكن صلّى الركعتين، فصلى عبد الله بن عباس الركعتين خلف الإِمام ثم دخل معهم".
وقد روي عن ابن عمر ﵄ مثل ذلك أيضًا: حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهدٌ، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمَّد بن كعْبٍ أنه قال: "خرج عبد الله بن عمر من بَيْته، فأقيمت الصلاة، فركع ركعتين قبل أن يدخل المسجد وهو في الطريق، ثم دخل المسجد فصلى الصبح مع الناس".
فهذا وإن كان لم يصلهما في المسجد فقد صلاهما بعد علمه بإقامة الصلاة في المسجد، فذلك خلاف قول أبي هريرة: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" إن كان معناه ما صرفه إليه أهل المقالة الأولى.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مالك بن مِغْول، قال: سمعت نافعًا يقول: "أيقظتُ ابن عُمر لصلاة الفجر وقد أقيمت الصلاة، فقام فصلى ركعتين".
стр. 2850
حدثنا عليُّ بن شيبة، قال: ثنا الحسن بن موسى، قال: ثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: "أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح ولم يكن صلى الركعتين قبل صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة ﵂، ثم إنه صلى مع الإمام".
ففي هذا الحديث عن ابن عمر أنه صلاهما في المسجد؛ لأن حجرة حفصة ﵂ من المسجد.
فقد وافق ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس.
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن مسْعر، عن عبيد بن الحسن، عن أبي عبيد الله، عن أبي الدرداء ﵁: "أنه كان يدخل المسجد والناس صفوفٌ في صلاة الفجر، فيصلي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل مع القوم".
حدثنا أبو بشر الرقي، ثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله يعني ابن مسعود ﵁: "أنه كان يفعل ذلك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن أبي عبد الله، عن جَعْفر، عن أبي عثمان النهدي قال: "كنا نأتي عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن نصلي الركعتين قبل الصبح وهو في الصلاة، فنصلي الركعتين في آخر المسجد ثم ندخل مع القوم في صلاتهم".
حدثنا رَوْح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن بُكير، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: حدثني عاصم، عن أبي عثمان قال: "كنا نجيء وعمر بن الخطاب ﵁ في صلاة الصبح فنركع الركعتين في جانب القوم، ثم ندخل معه في الصلاة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حُصَين، قال: سمعت الشعبي يقول: "كان مَسْروق يجيء إلى القوم وهم في الصلاة ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فيصلي الركعتين في المسجد ثم يَدْخل مع القوم في صلاتهم".
стр. 2851
حدثنا أبو بشرٍ، قال: ثنا أبو معاوية عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن مسروق: أنه فعل ذلك، غير أنه قال: "في ناحية المسجد".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، أنه كان يقول: "إذا دخلت المسجد ولم تُصل ركعتي الفجر فصلهما وإن كان الإمام يصلي، ثم ادخل مع الإمام".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يونس، قال: كان الحسن يقول: "ليصلهما في ناحية ثم يدخل مع القوم في صلاتهم".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حُصين وابن عون، عن الشعبي، عن مسروق: أنه فعل ذلك.
ش: أي قد روي ما ذكرنا من أن الرجل إذا جاء المسجد وقد دخل الإِمام في صلاة الصبح أنه يصلي ركعتي الفجر في مؤخر المسجد، ثم يمشي إلى مقدمه فيصلي مع الناس؛ عن جلة من الصحابة والتابعين ﵃.
و"الِجلَّة" بكسر الجيم وتشديد اللام: جمع جليل بمعنى عظيم، كصبية جمع صبي.
وأخرج ذلك عن أربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو الدرداء، وعن أربعة من التابعين (١)، وهم: أبو عثمان النهدي، ومسروق بن الأجدع، والحسن البصري.
أما أثر ابن مسعود فأخرجه من ثلاث طرق صحيحة:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرّصاصي الثقفي وثقه أبو حاتم، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله
стр. 2852
السبيعي الهمداني، عن عبد الله بن أبي موسى (١).
وأخرج عبد الرزاق مختصرًا (٢): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، عن ابن مسعود: "أنه جاء والإمام يصلي الفجر، فصلى ركعتين إلى سارية ولم يكن صلى ركعتي الفجر".
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب: "أن ابن مسعود وأبا موسى خرجا من عند سعيد بن العاص، فأقيمت الصلاة، فركع ابن مسعود ركعتين ثم دخل مع القوم في الصلاة، وأما أبو موسى فدخل في الصفّ".
قلت: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، قتل أبوه كافرًا يوم بدرٍ قتله عليُّ ﵁، ونشأ سعيد في حجْر عثمان ﵁ وكان عمره يوم مات رسول الله ﵇ تسع سنين، وكان من سادات المسلمين والكرام المشهورين، وكان من عمال عمر ﵁ على السواد، توفي في سنة ثمان وخمسين من الهجرة.
الثاني: عن سليمان بن شعيب أيضًا، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الله بن أبي موسى، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه عبد الرزاق (٤): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى قال: "جاءنا ابن مسعود والإمام يصلي الفجر، فصلى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلى ركعتي الفجر".
стр. 2853
الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرّقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن أبي مالك الأشجعي واسمه سَعْد بن طارق، عن أبي عبيدة اسمه عامر بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود.
قوله: "كان يفعل ذلك" أي ما ذُكِرَ في الأثر الذي قبله، وهو أن أبا الدرداء كان يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر، فيصلي ركعتين ثم يدخل مع القوم في الصلاة.
وأما أثر عبد الله بن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أحمد بن عبد المؤمن الخراساني، عن علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسن بن واقد، عن يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي ونسْبته إلى نَحوْ قبيلة من الأزد يقال لهم بنو نحوْ، وليس من نحو العربية، عن أبي مجلز لاحق بن حميد ... إلى آخره.
قوله: "وقد روى شعبة مولاه عنه" أي شعبة الذي هو مولى ابن عباس روى عن ابن عباس.
قوله: "وقد عدّ نفسه" أي ابن عباس، و"الواو" للحال.
وقوله: "فاصلًا" مفعول ثانٍ لقوله: "عدّ"، فافهم.
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عمر الضرير واسمه حفص بن عمر شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي أبي زيد المروزي روى له الجماعة، عن مطرف بن طريف الحارثي الكوفي روى له الجماعة، عن أبي عثمان الأنصاري المدني ثم الخراساني قاضي مرو، واسمه عمرو بن سالم، وقيل: ابن سلم، وقيل: ابن سُلَيْم، وقيل: ابن سَعْد، وقيل: اسمه عمرو. قال الحاكم أبو أحمد: هو معروف بكنيته ولا أحق في اسمه واسم أبيه شيئًا، وثقه ابن حبان وأبو داود وروى له والترمذي أيضًا.
стр. 2854
وأما أثر عبد الله بن عمر ﵄ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن محمَّد ابن كعب بن سليم بن أسد القرظي المدني روى له الجماعة.
الثاني: عن فهد أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، عن مالك بن مِغْول، عن نافع.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن دلهم بن صالح، عن وَبْرَة قال: "رأيت ابن عمر يفعله، أو حدثني من رآه فعله مرتين، جاء مرةً وهم في الصلاة فصلاهما في جانب المسجد، ثم دخل مرةً أخرى فصلى معهم ولم يصلهما".
الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن الحسن بن موسى الأشيب البغدادي قاضي طبرستان روى له الجماعة، عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن زيد بن أسلم.
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن عبد الله بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر ﵁ بينما هو يلبس للصبح إذ سمع الإقامة فصلى في الحجرة ركعتي الفجر ثم خرج فصلى مع الناس".
وأما أثر أبي الدرداء واسمه عويمر بن مالك فأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن مِسعر بن كدام، عن عبيد بن الحسن المزني الكوفي، عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم الخزاعي الدمشقي كاتب أبي الدرداء.
стр. 2855
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن مسعر، عن الوليد بن أبي مالك، عن أبي عبيد الله، عن أبي الدرداء قال: "إني لأجيء إلى القوم وهم صفوف في صلاة الفجر فأصلي الركعتين ثم أنضم إليهم".
وأخرج عبد الرزاق (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، قال: بلغنا عن أبي الدرداء أنه كان يقول: "نعم، والله لئن دخلت والناس في الصلاة لأعمدن إلى سارية من سواري المسجد ثم لأركعنهما، ثم لأكمِلنَّهما، ثم لا أعجل عن إكمالهما، ثم أمشي إلى الناس فأصلي مع الناس الصبح".
وأما أثر أبي عثمان النَّهْدي واسمه عبد الرحمن بن ملّ، ونسبته إلى نَهْد بالنون وسكون الهاء (٣).
فأخرجه من طريقين:
أحدهما: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي روى له الجماعة، واسم أبي عبد الله سُنْبَر، عن جعفر بن ميمون الأنماطي بياع الأنماط أبي علي، فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس بذاك. وعنه: صالح الحديث. وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان ... إلى آخره.
ورجاله ثقات ذكروا غير مرة.
стр. 2856
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو أسامة، عن عثمان بن غياث، قال: حدثني أبو عثمان قال: "رأيت الرجل يجيء وعمر بن الخطاب ﵁ في صلاة الفجر، فيصلي الركعتين في جانب المسجد ثم يدخل مع القوم في صلاتهم".
وأما أثر مسروق فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حُصَيْن بن عبد الرحمن السُّلَميّ الكوفي، عن عامر بن شراحيل الشّعْبىِّ، عن مسروق بن الأجدع.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هُشيم، قال: أنا حُصَيْن وابن عون، عن الشعبي، عن مسروق: "أنه دخل المسجد والقوم في صلاة الغداة ولم يكن صلى الركعتين، فصلاهما في ناحيةٍ ثم دخل مع القوم في صلاتهم".
الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن عامر الشعبي، عن مسروق.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى وعاصم، عن الشعبي: "أن مسروقًا كان يصليهما والإمام قائم يصلي في المسجد".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن وعبد الله بن عون، كلاهما عن الشعبي، عن مسروق.
قوله: "أنه فعل ذلك" أي أن مسروقًا صلى ركعتي الفجر في ناحية المسجد.
стр. 2857
وأما أثر الحسن البصري فأخرجه من طريقين رجالهما ثقات:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن حجاج بن المنهال، عن يزيد بن إبراهيم التُّستري أبي سعيد البصري.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: "إذا دخلت المسجد والإمام في الصلاة ولم تكن ركعت ركعتي الفجر، فصلهما ثم ادخل مع الإِمام".
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري روى له الجماعة.
ص: فهؤلاء جميعًا قد أباحوا ركعتي الفجر أن يركعهما في مؤخر المسجد والإمام في الصلاة، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
وأما وجهه من طريق النظر، فإن الذين ذهبوا إلى أنه يَدْخل في الفريضة ويَدَعُ الركعتين فإنهم قالوا: تشاغله بالفريضة أولى من تشاغله بالتطوع وأفضل، فكان من الحجة عليهم في ذلك: أنهم قد أجمعوا أنه لو كان في منزله فعلم دخول الإمام في صلاة الفجر أنه ينبغي له أن يركع ركعتي الفجر ما لم يخفْ فوت صلاة الإِمام، فإن خاف فوت صلاة الإِمام لم يصلهما؛ لأنه إنما أمر أن يجعلهما قبل الصلاة ولم يُجْمِعُوا أن تشاغله بالسَّعْي إلى الفريضة أفضل من تشاغله بهما في منزله، وقد أُكِّدتا ما لم يُؤكد شيء من التطوع، وروي أن رسول الله ﵇ لم يكن على شيء من التطوع أَدْوَم منه عليهما، وأنه قال: "لا تتركوهما وإن طردتكم الخيل"، فلما كانتا قد أكدتا هذا التأكيد ورغِّب فيهما هذا الترغيب ونُهي عن تركهما هذا النهي، وكانتا تركعان في المنازل قبل الفريضة؛ كانتا أيضًا في النظر تركعان في المساجد قبل الفريضة قياسا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 2858
ش: أشار بهؤلاء إلى المذكورين من الصحابة والتابعين ﵃.
قوله: "والإمام في الصلاة" جملة حالية.
قوله: "فكان من الحجة عليهم" أي على الذين ذهبوا إلى أنه يدخل في الفريضة، وهم أهل المقالة الأولى.
قوله: "ولم يجمعوا" بضم الياء من الإجماع.
قوله: "وقد أُكدتا" علي صيغة المجهول أي ركعتا الفجر.
قوله: "وروي أن رسول الله ﵇ لم يكن على شيء من التطوع أدوم منه عليهما" قد ذكره مسندًا في باب: "القراءة في ركعتي الفجر"، عن عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله ﵇ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدةً منه على الركعتين قبل الفجر".
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢)، وقد ذكرناه هناك مستقصًى.
قوله: "وأنه قال: لا تتركوهما" أي وأن النبي ﵇ قال: "لا تتركوهما وإن طردتكم الخيل".
قد أخرجه هناك مسندًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتركوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل".
وأخرجه أبو داود (٣) ولفظه: "لا تدعوهما ولو طردتكم الخيل ".
وباقي الكلام ظاهر.
стр. 2859
ص: باب: الصلاة في الثوب الواحد
ش: أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في الثوب الواحد، ويجمع الثوب على أثواب وثياب، وجمع القلة: أثوب، والمناسبة بين البابين من حيث أن ما سبق في حكم الصلاة في المسجد قبل صلاة الصبح هل تصلى فيه؟ وهذا في حكم الصلاة في ثوب المصلي ولا غنى للمصلي عن ذلك، ومن هذه الحيثية تناسبا، وهذا القدر كافٍ، على أن المقصود معرفة الأحكام لا مناسبة الأبواب.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر ﵁ كساه وهو غلام، فدخل المسجد فوجده يُصلّي متوشّحًا فقال: أليس لك ثوبان؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو استعنت بك وراء الدار أكُنْتَ لابسهما؟ قال: نعم. قال: فالله أحق أن تزين له أم الناس؟ قال نافع: بل الله -فأخبره عن النبي ﵇ أو عن عمر قال نافع: قد اسَتْيقَنْتُ أنه عن أحدهما وما أراه إلا عن رسول الله ﷺ قال:- لا يَشْتملُ أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود، مَن كان له ثوبان فليتَّزر وليرْتدِ، ومن لم يكن له ثوبان فليتَّزر ثم ليصلّ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع ... فذكر بإسناده مثله سواء.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا شَيْبان بن فروخ، قال: ثنا جرير بن حازم، عن نافع قال: حدّث ابن عمر فلا أدري أرفعه إلى النبي ﵇ أم حدث به عن عمر؟ شك نافع، ثم ذكر مثل ما حدث به نافع عن ابن عمر من كلام رسول الله ﷺ أو من كلام عمر في الحديث الأول.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت نافعًا، قال: سمعت ابن عمر ﵁. فذكر مثله.
стр. 2860
ش: هذه أربع طرق رجالها كلهم ثقات:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوْح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلام، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا في ثوب، فقال: أليس لك ثوبان تَلْبَسُهما؟ فقلت: بلى. فقال: أرأيتَ لو أني أَرْسلتُكَ إلى وراء الدار أُكنْتَ لابسهما؟ قال: نعم. قال: فالله أحقُّ أن تتزين له أم الناس؟ قال نافع: فقلت: بل الله، فأخبره عن رسول الله ﵇ أو عن عمر ﵁ قد استيقن نافع أنه عن أحدهما وما أراه إلا عن رسول الله ﵇ أنه قال: لا يشتمل أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود ليتوشح به، من كان له ثوبان فليتزر ثم ليصلِّ.
قال لي نافع: وكان عبد الله لا يرى لأحد أن يصلي بغير إزار وسراويل وإن كانت جبة ورداء دون إزار وسراويل".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجَبي أبي محمَّد البَصْري شيخ البخاري وأبي مسلم الكجّي، عن حماد بن زيد، عن أيوب السَخْتياني، عن نافع ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: "تخلّفت يومًا في علف الركاب، فدخل عَليَّ ابن عمر ﵄ وأنا أصلِّي في ثوب واحد، فقال لي: ألم تكْسَ ثوبين؟ قلت: بلى. قال: أرأيت لو بَعَثْتُك إلى بعض أهل المدينة أكنت تذهب في ثوب واحد؟ قلت: لا. قال: فالله حقٌّ أن تجمل له أم الناس؟ ثم قال: قال رسول الله ﵇ أو قال عمر ﵁: "من كان له ثوبان فليصلّ فيهما، ومَنْ كان له إلا ثوب فليتزر به ولا يشتمل كاشتمال اليهود".
стр. 2861
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن شيبان بن فروخ ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن عبد الرزاق ... إلى آخره كما ذكرناه.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن نافع ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا إسماعيل بن مسعود، نا فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر -قال: إما عن رسول الله ﵇ وإما عن عمر ﵁ قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تُزُيِّن له".
وزاد فضيل عن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: "فإن لم يكن لأحدكم ثوبَيْن فليصلّ في ثوب ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود".
قوله: "وهو غلام" جملة اسمية وقعت حالًا.
قوله: "يصلي متوشحا" جملة في محل النصب على أنه مفعول ثان لقوله: "وجده"، وقوله: "متوشحا" حال من الضمير المنصوب الذي في "فوجده"، والتوشح بالثوب التغشي به، والأصل فيه من الوشاح وهو شيء ينسج عريضًا من أديم وربما رُصِّع بالجوهر والخرز وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها ويقال فيه: وشاح وإشاح.
قال البخاري: قال الزهري في حديثه: الملتحف المتوشح وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه.
وقال ابن سيده: التوشح: أن يتوشح بالثوب ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمني ثم يعقد طرفيهما على صدره، وقد وشحه الثوب.
стр. 2862
قوله: "أرأيت" معناه أخبرني.
قوله: "استيقنتُ" من اليقين.
قوله: "وما أُراه" بضم الهمزة أي: وما أظن ذلك إلا عن رسول الله ﵇.
قوله: "لا يشتمل أحدكم ... " إلى آخره، الاشتمال المنهي عنه هو أن يجلل بدنه الثوب ويسبله من غير أن يشيل طرفه.
وقال ابن الأثير: الاشتمال افتعال من الشملة وهو كساء يُتغطَّى به ويتلفف فيه، والمنهي عنه هو التجلل بالثوب وإسباله من غير أن يرفع طرفه.
قلت: أما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث فهو أن يجلل بدنه الثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر.
ص: فذهب إلى هذا قومٌ فكرهوا الصلاة في ثوب واحد إن كان قادرًا على ثوبين، وكرهوا الصلاة لمن لم يكن قادرًا إلا على ثوب واحدٍ مشتملًا به ملتحفًا. قالوا: ولكن ينبغي له أن يتزر به، واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: هو عن النبي ﵇ لا شك فيه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس وإبراهيم النخعي وأحمد في رواية وعبد الله بن وهب من أصحاب مالك ومحمد بن جرير الطبري؛ فإنهم كرهوا الصلاة في ثوب واحد إذا كان قادرًا على ثوبين، وإن لم يكن قادرًا إلا على ثوب واحد كرهوا له أيضًا أن يصلي مشتملًا به ملتحفا، بل السنة أن يأتزر به، واحتجوا فيما ذهبوا إليه بالحديث المذكور عن نافع، وقالوا: هو عن النبي ﵇ لا شك فيه بمعنى أنه لا يشك فيه أنه هل هو عن النبي ﵇ أو عن عمر بن الخطاب ﵁ ذكر فيما مضى بالشك.
وقد قال الدارقطني فيه: إنه حديث غريب صحيح، وذكره ابن القطان من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رفعه بلا شك.
стр. 2863
وقد ذكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن مجاهد: "لا تصلّ في ثوب واحد إلا أن لا تجد غيره".
وعن (٢) ابن مسعود: "لا تصلين في ثوب وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض".
وقال القاضي عياض: الصلاة في الثوب الواحد جائزة بغير خلاف بين العلماء إلا شيء روي عن ابن مسعود ﵁، كما أنه لا خلاف أن الصلاة في الثوبين وجمع الثياب أفضل، وهو معنى ما روي عن ابن عمر في ذلك وغيره لا على أنه لا يجزئ.
ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا زهير بن عبّاد، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "إذا صلّى أحدكم فليَلْبَس ثوبَيْه؛ فإن الله أحق من تُزيّن له، فإن لم يكن له ثوبان فليتّزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن توبة العَنْبري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا صلى أحدكم فليأتزر ولْيَرتَد".
قالوا: فهذا موسى بن عقبة وهو من جِلة أصحاب نافع وقدمائهم قد ذكر ذلك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، فلم يشك، ووافقه على ذلك توبة العنبري.
ش: أي: وذكر هؤلاء القوم في قولهم أن الحديث المذكور عن النبي ﵇ لا شك فيه ما حدثنا ابن أبي داود ... إلى آخره.
стр. 2864
وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي من طريقين صحيحين:
الأول: عنه، عن زهير بن عباد ابن عم وكيع بن الجراح الكوفي نزيل مصر وثقه جماعة، عن حفص بن ميسرة العقيلي أبي عمر الصنعاني وثقه أحمد، روى له أبو داود في "المراسيل" والباقون سوى الترمذي، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي أبي محمَّد المدني روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله ولا يرى نافع إلا عن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوَبْيه؛ فإن الله أحق مَنْ تُزيِّن له، فإن لم يكن له ثوبان فليأتزر إذا صلى ولا يشتمل اشتمال اليهود" (٢).
والثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه معاذ، عن شعْبة، عن توبة العنبري، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٣): من حديث معاذ بن معاذ، نا شعبة، عن توبة العنبري، سمع نافعًا، عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فليأتزر ولْيَرْتد".
قوله: "قالوا" أي هؤلاء القوم: "فهذا موسى بن عقبة وهو من جلة" -بكسر الجيم- جمع جليل أي من عظماء "أصحاب نافع وقدمائهم قد ذكر" الحديث المذكور "عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، ولم يشك، ووافقه على ذلك" أي وافق موسى بن عقبة على رفعه إلى النبي ﵇ من غير شك توبه العَنْبري.
стр. 2865
ص: قيل لهم: فقد [روى] (١) هذا الحديث عن ابن عمر غير نافع، فذكره عن ابن عمر، عن عمر ﵁ لا عن النبي ﵇.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر قال: "رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يصلّي ملتحفًا، فقال له عمر حين سلَّم: لا يُصلّين أحدكم ملتحفًا ولا تشبّهوا باليهود، فإن لم يكن لأحدكم إلا ثوبٌ واحد فليتزر به".
فهذا سالمٌ وهو أثبت من نافع وأحفظ إنما روى ذلك عن ابن عمر، عن عمر ﵁ لا عن النبي ﵇، فصار هذا الحديث عن عمر لا عن النبي ﵇، ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر من قوله، ولم يذكر فيه رسول الله ﵇ ولا عمر ﵁.
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كسا نافعًا ثوبَيْن، فقام يصلي في ثوب واحدٍ، فعاب ذلك عليه ثم قال: احذر ذاك؛ فإن الله أحق أن يتجمل له".
ش: أي قيل لهؤلاء القوم في جواب ما ذكروه.
بيانه أن يقال: إن هذا الحديث رواه غير نافع، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ لا عن النبي ﵇.
وذلك ما أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله قال: "رأى عمر ﵁ ... " إلى آخره.
стр. 2866
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يصلي ملتحفًا فقال: لا تشبَّهوا باليهود، مَنْ لم يجد منكم إلا ثوبًا واحدًا فليتزر به" انتهى.
فهذا سالم رواه موقوفًا على عمر ﵁، ولا شك أن سالمًا أثبت من نافع وأحفظ لما روي عن عبد الله بن عمر، فظهر من ذلك أن أصل هذا الحديث عن عمر بن الخطاب لا عن النبي ﵇، على أن مالكًا قد روى هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر من قوله ولم يذكر في روايته عن رسول الله ﵇ ولا عن عمر بن الخطاب، ولئن سلمنا أن هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﵇ فهو محمول على الأفضل لا على أن لا يجزئ، وقد قيل: إن ما ورد من النهي عن الصلاة في الثوب الواحد محمول على التنزيه لا على التحريم.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: "رأيت سبعين من أهل الصُّفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتَيْه ومنهم من هو أسفل من ذلك، فإذا ركع قبض عليه يخاف أن تبدو عورته".
وأخرج عبد الرزاق (٣): عن ابن عُيَيْنة، عن عمرو، عن الحسن قال: "اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد، فقال أُبيّ: لا بأس به. وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذا كان الناس لا يجدون ثيابًا، فأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين، فقام عمر ﵁ على المنبر فقال: الصوابُ ما قال أبي لا ما قال ابن مسعود".
стр. 2867
وعن ابن وهب: "صلاة الرجل في ثوب واحدٍ رخصة، وفي ثوبين مأمور به".
قوله: "ملتحفًا" حال من الضمير الذي في "يصلي"، والالتحاف بالثوب التغطي به، يقال: التحفت بالثوب أي تغطيت به، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به.
قوله: "فعاب ذلك عليه" أي عاب عليه كونه يصلّي في ثوب واحد مع قدرته على ثوبين؛ لأنه ترك التجمل وهو واقف بين يدي الله .
قوله: "احذَرْ ذاك" أي الفعل المذكور، وهو أن يصلي في ثوب واحدٍ مع قدرته على أكثر من ذلك، فهذا كله محمول على اكتساب الفضيلة، وأما الجواز فحاصل ولو كان بثوبٍ واحد.
ص: وخالف ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالصلاة في ثوبٍ واحدٍ.
ش: أي خالف الحكم المذكور الذي ذهب إليه القوم المذكورون جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وسعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وأبا حنيفة والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالصلاة في ثوب واحد، ويُروى ذلك عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن عباس وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وأنس بن مالك وخالد بن الوليد وجابر بن عبد الله وعمار بن ياسر وأبي بن كعب وعائشة وأسماء وأم هانئ ﵃.
وقال ابن عبد البر: وروي عن جابر وابن عمر وابن عباس ومعاوية وسلمة بن الأكوع وأبي أمامة وطاوس ومجاهد وإبراهيم وجماعة من التابعين أنهم أجازوا الصلاة في القميص الواحد إذا كان لا يَصْفُو، وهو قول عامة فقهاء الأمصار في جميع الأقطار، ومن العلماء من استحب الصلاة في ثوبين، وأجمع
стр. 2868
جميعهم أن صلاة من صلى بثوب واحد يستر عورته جائزة، وكان الشافعي يقول: إذا كان الثوب ضيِّقًا يُزرّه أو يخلله بشيء لئلا يتجافي القميص فتُرى من الجيب العورة، فإن لم يَفْعل ورأيت عورته أعاد الصلاة، وهو قول أحمد، وقد رخّص مالك في الصلاة في القميص محلول الإزرار ليس عليه سراويل وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور، وكان سالم يُصلّي محلول الإزرار، وقال داود الطائي: إذا
كان عظيم اللحية فلا بأس به، وحكى معناه الأثرم عن أحمد.
وقال ابن التين: لا خلاف بين العلماء أن المصلي إذا تقلص مئزره أو كشفت الريح ثوبه وظهرت عورته ثم رجع الثوب في حينه وفوره أنه لا يضر ذلك المصلي شيئًا، وكذلك المأموم إذا رأى من العورة مثل ذلك، إنما يحرم النظر معالعمد ولا يحرم النظر فجأة، وإن صحت صلاة الإِمام فأحرى أن تصحّ صلاة المأموم، وقال ابن القاسم: إن فرّط في ردّ إزاره فصلاته وصلاة من تأمل عورته باطلة.
وعن سحنون: إن رفع الريح ثوب الإِمام فانكشف عن دبره فأخذه مكانه أجزأه ويعيد كل من نظر إلى عورته ممن خلفه ولا شيء على من لم ينظر. وروي عنه أيضًا: أن صلاته وصلاة من خلفه باطلة وإن أخذه مكانه.
وعن الشافعي: لو انكشف شيء من العورة في الصلاة بطلت صلاته، ولا يُعْفى عن شيء منها ولو شعرةً من رأس الحرة أو ظفرها، وعند أحمد: يُعْفى عن القليل ولم يحُدّه.
وفي بعض شروح "الهداية": الانكشاف القليل عندنا لا يمنع، وكذا الكثير في الزمن القليل وهو أن لا يؤدي فيه ركنًا من أركان الصلاة، حتى لو انكشفت عورته في الصلاة فغطاها في الحال لا تفسد صلاته، وإذا أدى ركنًا فسدت ولا يصح شروعه في الصلاة مع الانكشاف.
стр. 2869
وذكر ابن شجاع: أن من نظر في زنقة فرجه لم تصح صلاته. وفي "نوادر هشام": وإذا كان قميصه محلول الجيب فانفتح حتى رأى عورة نفسه بطلت صلاته، قال: وإن لم ينظر فإن التزق الثوب بصدره حتى لا يراها لو نظر لا تفسد، فعلى هذه الرواية جعل سترها شرطا من نفسه، وعامة أصحابنا جعلوا السَّتْر شرطًا عن غيره لا عن نفسه؛ لأنها ليست عورةً في حق نفسه، وبالأول قال الشافعي وأحمد، وروى ابن شجاع نصًّا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لو كان محلول الجيب فنظر إلى عورة نفسه لا تفسد صلاته، ولو نظر المصلي إلى عورة غيره لا تفسد صلاته عند أبي حنيفة قال المرغيناني: وهو قولهما , ولو صلى في قميصٍ واحدٍ لا يري أحد عورته، لكن لو نظر إنسان من تحته رأى عورته فهذا ليس بشيء، والثوب الرقيق الذي لا يصفو ما تحته لا يجوز الصلاة فيه، وهو قول الشافعي وأحمد.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، أَنُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ؟ فقال: أو كُلكُمْ يجد ثوبين؟ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهبٌ (ح).
وحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قالا: ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عُبادة، قال: ثنا ابن جريج ومالك ومحمد بن أبي حفصة، قالوا: ثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة حدثه، عن رسول الله ﵇. قال أبو هريرة: فلعَمْري إني لأترك ثيابي في المِشْجَب وأُصلِّي في الثوب الواحد".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله ولم يذكر قول أبي هريرة عن النبي ﵇.
стр. 2870
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
ش: أي: واحتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة وغيره على ما يجيء.
وأخرجه من ستة طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي المعروف بالسُوسي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن محمَّد ابن سيرين، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "سئل النبي ﵇ عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان؟ ".
وأخرجه الجماعة إلا الترمذي على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن وهب بن جرير، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة.
وأخرجه الدارمي في "مسنده" (٢): أنا سعيد بن عامر، عن هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، أيُصلّي الرجل في الثوب الواحد؟ قال: أوكلكم يجد ثوبين؟ أولكلكم ثوبان؟ ".
الثالث: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن هشام ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٣) نحوه.
стр. 2871
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روْح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي ومالك بن أنس ومحمد بن أبي حفصة وهو محمد بن ميسرة البصري، كلهم عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة ... إلى آخره نحو الحديث المذكور، ولم يذكر قول أبي هريرة: "فلعمري إني لأترك ثيابي ... " إلى آخره عن النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (٢): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: "أن سائلًا سأل رسول الله ﵇ عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان؟! ".
حدثني (٣) حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس.
وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل بن خالد كلاهما، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه البخاري (٤): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب نحوه.
وأخرجه أبو داود (٥): عن القعنبي، عن مالك.
стр. 2872
والنسائي (١): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك.
وابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار كلاهما، عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة نحوه.
السادس: عن حُسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣).
قوله: "أولكلكم" الهمزة فيه للاستفهام، واعلم أن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب، يقول: فإذا كنتم بهذه الصفة وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم، فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة.
وقال القاضي عياض: وقول النبي ﵇: "أو لكلكم ثوبان" أو "يجد ثوبين" صيغته صيغة الاستفهام ومعناه التقرير والإخبار عن معهود حالهم، وضمنه دليل على الرخصة، وتنبيه على أن الثوبين أفضل وأتمّ، وهو المفهوم منه عند أكثر العلماء.
قلت: ذهب الطحاوي والتاجي أيضًا إلى أن مفهومه التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره أو عدمه في الإجزاء.
قوله: "في المِشْجب" بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم، وهو واحد المشاجب، وهي عيدان تُنصب وتُعلّق عليها الثياب وقِرَب الماء.
стр. 2873
قال ابن الأثير: المِشْجب -بكسر الميم- عيدان تُضمّ رءوسها وينفرّج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء، وهو من تشاجب الأمر إذا اختلط، انتهى.
قلت: هي بالفارسية تسمى: سِرَياني وهو الذي يقال له بين الترك: سيِبَهُ، فافهم.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عيسى بن خثيم، عن قيس بن طلق، عن أبيه: "أنه شهد النبي ﵇ وسأله رجل عن الرجل يُصلّي في ثوب واحد، فلم يقُل له شيئًا، فلما أقيمت الصلاة طارق النبي ﵇ بين ثوبَيْه فصلى فيهما".
ش: هذان طريقان في حديث طلق بن علي الحنفي السحيمي اليمامي الصحابي ﵁ وهما حسنان جيّدان:
الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن ملازم بن عمرو الحنفي اليمامي وثقه أحمد وروى له الأربعة، عن عبد الله بن بدر الحنفي جد ملازم بن عمرو لأبيه وقيل لأمه، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي وروى له الأربعة، عن قيس بن طلق الحنفي وثقه العجلي وغيره وروى له الأربعة، عن أبيه طلق بن علي.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مُسدّد، نا ملازم بن عمرو الحنفي، ثنا عبد الله ابن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل فقال: يا نبي الله، ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق
стр. 2874
رسول الله ﵇ إزاره، فطارق له رداءه، فاشتمل بهما ثم قام يصلي بنا نبي الله ﵇، فلما أن قضى الصلاة قال: أوكلكم يجد ثَوْبين؟! ".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، عن أبان بن يزيد العطار البصري روي له البخاري ومسلم وآخرون، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن عيسى بن خُثيم -بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة- الحنفي اليمامي، وثقه ابن حبان، وذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه.
عن قيس بن طلق، عن أبيه ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمَّد بن يحيى القزاز البصري، نا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عيسى بن خُثَيْم، عن قيس بن طلق، عن أبيه ... إلى آخره نحوه، غير أن في روايته: "طابق النبي ﵇".
قوله: "طارق النبي ﵇" من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين إذا ظاهر بينهما أي لبس أحدهما على الآخر، وطارق بين نعليه إذا خصف أحدهما على الآخر.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم قال: "دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد وقميصه ورداؤه في المشجب، فلما انصرف قال: أما والله ما صنعت هذا إلا من أجلكم، إن النبي ﵇ سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال: نعم، ومتى يكون لأحدكم ثوبان؟! ".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، والقعقاع بن حكيم الكناني المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
стр. 2875
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني ابن أبي الموالي، عن محمَّد بن المنكدر قال: "دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يراني الجُهّال مثلكم، رأيت النبي ﵇ يصلي هكذا".
وقال أيضًا (٢): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا عاصم بن محمَّد، قال: حدثني واقد بن محمَّد، عن محمَّد بن المنكدر قال: "صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب، قال له قائل: تُصلي في إزارٍ واحدٍ؟ فقال: إنما صنعتُ ذلك ليراني أحمق مثلك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النبي ﵇".
ومما يستفاد منه: أن للعالم أن يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه؛ توسعة على العامة ليقتدى به، وهو قول جماعة الفقهاء.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا زمعة بن صالح قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثل ما ذكر جابر عن النبي ﵇.
ش: أبو بكرة بكار، وروح هو ابن عبادة، وزمعة بن صالح الجَنَدي اليمامي نزيل مكة روي عن يحيى أنه ضعيف، وعنه: صويلح الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوى، كثير الغلط عن الزهري. روى له مسلم مقرونًا بمحمد بن أبي حفصة وأبو داود في "المراسيل" والباقون سوى البخاري.
ص: فهذا ابن عمر ﵄ قد روى عن النبي ﵇ إباحة الصلاة في ثوب واحد.
ش: إنما قال ذلك لأن أهل المقالة الأولى كانوا قد احتجوا لما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر كما ذكر مفصلًا , ولما أخرج هذا الحديث عنه أيضًا قال