← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روْح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي ومالك بن أنس ومحمد بن أبي حفصة وهو محمد بن ميسرة البصري، كلهم عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه مالك في "موطئه" (١). الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة ... إلى آخره نحو الحديث المذكور، ولم يذكر قول أبي هريرة: "فلعمري إني لأترك ثيابي ... " إلى آخره عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (٢): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: "أن سائلًا سأل رسول الله ﵇ عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان؟! ". حدثني (٣) حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس. وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل بن خالد كلاهما، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه البخاري (٤): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب نحوه. وأخرجه أبو داود (٥): عن القعنبي، عن مالك.

стр. 2872

والنسائي (١): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك. وابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار كلاهما، عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة نحوه. السادس: عن حُسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣). قوله: "أولكلكم" الهمزة فيه للاستفهام، واعلم أن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه ﵇ من حالهم في العدم وضيق الثياب، يقول: فإذا كنتم بهذه الصفة وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم، فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. وقال القاضي عياض: وقول النبي ﵇: "أو لكلكم ثوبان" أو "يجد ثوبين" صيغته صيغة الاستفهام ومعناه التقرير والإخبار عن معهود حالهم، وضمنه دليل على الرخصة، وتنبيه على أن الثوبين أفضل وأتمّ، وهو المفهوم منه عند أكثر العلماء. قلت: ذهب الطحاوي والتاجي أيضًا إلى أن مفهومه التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره أو عدمه في الإجزاء. قوله: "في المِشْجب" بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم، وهو واحد المشاجب، وهي عيدان تُنصب وتُعلّق عليها الثياب وقِرَب الماء.

стр. 2873

قال ابن الأثير: المِشْجب -بكسر الميم- عيدان تُضمّ رءوسها وينفرّج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء، وهو من تشاجب الأمر إذا اختلط، انتهى. قلت: هي بالفارسية تسمى: سِرَياني وهو الذي يقال له بين الترك: سيِبَهُ، فافهم. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عيسى بن خثيم، عن قيس بن طلق، عن أبيه: "أنه شهد النبي ﵇ وسأله رجل عن الرجل يُصلّي في ثوب واحد، فلم يقُل له شيئًا، فلما أقيمت الصلاة طارق النبي ﵇ بين ثوبَيْه فصلى فيهما". ش: هذان طريقان في حديث طلق بن علي الحنفي السحيمي اليمامي الصحابي ﵁ وهما حسنان جيّدان: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن ملازم بن عمرو الحنفي اليمامي وثقه أحمد وروى له الأربعة، عن عبد الله بن بدر الحنفي جد ملازم بن عمرو لأبيه وقيل لأمه، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي وروى له الأربعة، عن قيس بن طلق الحنفي وثقه العجلي وغيره وروى له الأربعة، عن أبيه طلق بن علي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مُسدّد، نا ملازم بن عمرو الحنفي، ثنا عبد الله ابن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل فقال: يا نبي الله، ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق

стр. 2874

رسول الله ﵇ إزاره، فطارق له رداءه، فاشتمل بهما ثم قام يصلي بنا نبي الله ﵇، فلما أن قضى الصلاة قال: أوكلكم يجد ثَوْبين؟! ". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، عن أبان بن يزيد العطار البصري روي له البخاري ومسلم وآخرون، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن عيسى بن خُثيم -بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء المثلثة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة- الحنفي اليمامي، وثقه ابن حبان، وذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه. عن قيس بن طلق، عن أبيه ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمَّد بن يحيى القزاز البصري، نا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عيسى بن خُثَيْم، عن قيس بن طلق، عن أبيه ... إلى آخره نحوه، غير أن في روايته: "طابق النبي ﵇". قوله: "طارق النبي ﵇" من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين إذا ظاهر بينهما أي لبس أحدهما على الآخر، وطارق بين نعليه إذا خصف أحدهما على الآخر. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم قال: "دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد وقميصه ورداؤه في المشجب، فلما انصرف قال: أما والله ما صنعت هذا إلا من أجلكم، إن النبي ﵇ سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال: نعم، ومتى يكون لأحدكم ثوبان؟! ". ش: إسناده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، والقعقاع بن حكيم الكناني المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".

стр. 2875

وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني ابن أبي الموالي، عن محمَّد بن المنكدر قال: "دخلت على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به، ورداؤه موضوع، فلما انصرف قلنا: يا أبا عبد الله، تصلي ورداؤك موضوع؟ قال: نعم، أحببت أن يراني الجُهّال مثلكم، رأيت النبي ﵇ يصلي هكذا". وقال أيضًا (٢): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا عاصم بن محمَّد، قال: حدثني واقد بن محمَّد، عن محمَّد بن المنكدر قال: "صلى جابر في إزار قد عقده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المشجب، قال له قائل: تُصلي في إزارٍ واحدٍ؟ فقال: إنما صنعتُ ذلك ليراني أحمق مثلك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النبي ﵇". ومما يستفاد منه: أن للعالم أن يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه؛ توسعة على العامة ليقتدى به، وهو قول جماعة الفقهاء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا زمعة بن صالح قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثل ما ذكر جابر عن النبي ﵇. ش: أبو بكرة بكار، وروح هو ابن عبادة، وزمعة بن صالح الجَنَدي اليمامي نزيل مكة روي عن يحيى أنه ضعيف، وعنه: صويلح الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوى، كثير الغلط عن الزهري. روى له مسلم مقرونًا بمحمد بن أبي حفصة وأبو داود في "المراسيل" والباقون سوى البخاري. ص: فهذا ابن عمر ﵄ قد روى عن النبي ﵇ إباحة الصلاة في ثوب واحد. ش: إنما قال ذلك لأن أهل المقالة الأولى كانوا قد احتجوا لما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر كما ذكر مفصلًا , ولما أخرج هذا الحديث عنه أيضًا قال

стр. 2876

هذا القول تنبيها على أن المراد من حديثه ذاك هو استعمال الأفضل؛ ليرتفع الخلاف بين روايتيه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: أنا شعبة، قال: أنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم وعبد الله بن صالح، قالا: ثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت النبي ﵇ يصلي في ثوب واحدٍ ملتحفًا به". ش: هذان طريقان صحيحان: أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عمر بن أبي سلمة -واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المدني- ربيب النبي ﵇، مات النبي ﵇ وهو ابن تسع سنين وتوفي هو سنة ثلاث وثمانين. والحديث أخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن عبيد الله بن موسى، عن هشام بن عروة ... إلى آخره، ولفظه: "أن النبي ﵇ صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه". وفي لفظ: "أنه رأى النبي ﵇ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقيه". وفي لفظ: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه". ومسلم (٢): عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،

стр. 2877

أن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقه". وفي لفظ: "يصلي في بيت أم سلمة في ثوب قد خالف بين طرفيه". وفي لفظ: "يصلي في ثوب ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه". وفي لفظ: "على منكبيه". والترمذي (١): عن قتيبة، عن الليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في بيت أم سلمة مشتملًا في ثوب واحدٍ". والنسائي (٢): عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه". وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد متوشحًا به، واضعًا طرفيه على عاتقيه". والطريق الآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري وعبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث ابن سعد، عن يحيى بن عبد الله الأنصاري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري واسمه أسْعَد، وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته، والأول هو المشهور، روى له الجماعة، قال أبو عمر: هو من كبار التابعين.

стр. 2878

وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه على منكبيه". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي قتيلة، قال: أنا الدراورديُّ، عن موسى بن محمَّد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: "يا رسول الله إني أعالج الصيد، أفاصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم، وزرّه ولو بشوكة". ش: ابن أبي قُتَيلة هو يحيى بن إبراهيم بن عثمان أبو إبراهيم المدني، وثقه ابن حبان وأبو حاتم، وروى له النسائي. والدراوردي هو عبد العزيز بن محمَّد روى له الجماعة البخاري مقرونا بغيره. وموسي بن محمَّد بن إبراهيم هذا قد قيل فيه: موسى بن إبراهيم، بدون ذكر محمَّد، وهكذا هو في رواية أبي داود على ما يجيء وهو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، قال أبو داود: موسى ضعيف وله أحاديث مناكير، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد يَشْتبه هذا بموسى بن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني وهو ضعيف جدًّا، ثم إن موسى المذكور ها هنا يَرْوي عن أبيه محمَّد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، والأصح أن موسى هذا هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن، وهكذا وقع في رواية أبي داود والنسائي على ما يجيء، وإبراهيم هذا روى له البخاري والنسائي وأبن ماجه، وهو يروي عن سلمة بن الأكوع. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا القعنبي، نا عبد العزيز -يعني ابن محمَّد- عن

стр. 2879

موسى بن إبراهيم، عن سلمة بن الأكوع قال: قلت: "يا رسول الله، إني رجل أصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم، وازرره ولو بشوكة". وأخرجه النسائي (١) نحوه. فهذا كما رأيت المخالفة بين رواية الطحاوي ورواية أبي داود من وجهين: الأول: روى الطحاوي عن الدراوردي، عن موسى بن محمَّد بن إبراهيم، وروى أبو داود عن موسى بن إبراهيم. والثاني: روى الطحاوي عن موسى بن محمَّد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة بن الأكوع، وروى أبو داود: عن موسى بن إبراهيم، عن سلمة بدون ذكر أبيه، وذكر في "التكميل" أن موسى بن إبراهيم روى عن أبيه وروى عن سلمة بن الأكوع أيضًا في الصلاة في الثوب الواحد. قوله:"وزِرَّه" أمر من زرّ يزرّ من باب نصر ينصر، وتجوز فيه الحركات الثلاث كمدّ ويجوز فيه فك الإدغام كما في رواية أبي داود فيكون فيه أربعة أحوال، وإنما أمر بالزرّ ليأمَن من وقوع النظر على عورته من زنقة حالة الركوع، ومن هذا أخذ ابن شجاع من أصحابنا أن من نظر إلى عورته من زنقة؛ تفسد صلاته. قوله: "ولو بشوكة" الباء فيه تتعلق بمحذوف تقديره: ولو أن تزرّه بشوكة. ص: ففي هذه الآثار إباحة الصلاة في الثوب الواحد، فذلك يضادّ ما منع الصلاة في ثوب واحد ويدُلّ أن ذلك لا بأس به على حال الوجود وحال الإعواز؛ وذلك أن السائل سأل النبي ﵇: "أيصلي أحدنا في ثوب واحدٍ؟ " فأجابه النبي ﵇ جوابًا مطلقًا فقال: "أوكلكم يجد ثوبين؟ " أي: لو كانت الصلاة مكروهةً في الثوب الواحد لكُرهَتْ لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا، ففي جوابه ذلك ما يَدُلّ على أن حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد الثوبين كهو في الصلاة في الثوب الواحد لمن لا يجد غيره.

стр. 2880

ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي رواها عن أبي هريرة وطلق بن علي وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وعمر بن أبي سلمة وسلمة بن الأكوع ﵃، أي ثبت في هذه الأحاديث إباحة الصلاة في الثوب الواحد، وهذه تخالف ما روي من المنع عن الصلاة في الثوب الواحد، ويدل أيضًا أن ذلك أي فعل الصلاة في الثوب الواحد لا بأس به مطلقًا، يعني على الوجود أي وجود الثوبين وأكثر. وحال الإعواز -بكسر الهمزة- أي حال العدم يعني عدم الثوبين، ثم أشار إلى بيان ذلك بقوله: "وذلك أن السائل ... " إلى آخره، وهو ظاهر. ص: ثم أردنا أن نَنْظر كيف ينبغي أن يَفْعَل بالثوب الواحد الذي يصلي فيه؟ أيَشْتملُ به أو يتزر؟ فنظرنا في ذلك فإذا ابن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا أبو عامر العقَديُّ، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ في حديث طويل قالت: "فأمر رسول الله ﵇ فاطمةَ فسكبَتْ له غسلًا فاغتسل، ثم صلى في ثوبٍ واحدٍ مخالفًا بين طرفيه ركعات". حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مُرّة ... فذكر بإسناده في الصلاة مثله، وقال: "ثمان ركعات". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن موسى بن ميسرة وأبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة أخبرهما، أن أم هانئ ابنة أبي طالب أخبرته، عن النبي ﵇ بمثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة حدثه ... ثم ذكر مثله بإسناده.

стр. 2881

ش: لما أثبت جواز الصلاة في الثوب الواحد؛ شرع يُبيِّن كيف يصلي فيه وأورد أحاديث عن الصحابة تدل على أنه ينبغي له أن يشتمل به، فأخرج أولًا حديث أم هانئ بنت أبي طالب واسمها فاختة، وقيل: هند. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي -وقد تكرر ذكره- عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب -واسمه يزيد- روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا زيد بن الحباب، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن فاختة أم هانئ قالت: "لما كان يوم فتح مكة أجَرْتُ حَموين لي من المشركين إذ طلع رسول الله ﵇ وعليه رهجة الغبار في ملحفة متوشحًا بها، فلما رآني قال: مرحبا بفاختة أم هانئ. قلت: يا رسول الله أجرت حموين لي من المشركين. فقال: قد أجرنا مَنْ أجرت وأمنا من أمَّنْت. ثم أمر فاطمة فسكبت له ماء فتغسّل به، فصلى ثمان ركعات في الثوب متلّبّبٌ به، وذلك يوم فتح مكة ضحى". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا آدم بن أبي إياس، نا أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أم هانئ: "أن النبي ﵇ دخل عليها يوم الفتح فاغتسل، فصلى الضحى ثمان ركعات في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه ... " الحديث. وفي رواية له (٣): "أمر فاطمة فسكبت له غسلًا، ثم سُتِر فاغتسل، وقام

стр. 2882

فصلى الضحى ثمان ركعات في ثوب واحد مخالفًا بين طرفيه، لم أره صلى قبل ولا بعد". قوله: "غُسلًا" بضم الغين وهو الماء الذي يُغتسل به كالأكُل اسم لما يؤكل، وهو الاسم أيضًا من غسلته، والغَسل بالفتح: المصدر، وبالكسر: ما يغسل به من خطمي ونحوه. قوله: "متلبّب به" في رواية أحمد: أي متحزم به عند صدره، يقال: تلبّب بثوبه إذا جمعه. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي شيخ البخاري وأحمد، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين الهاشمي أبي إسحاق المدني مولى العباس بن عبد المطلب، عن أبي مرة مولى عقيل. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد -يعني ابن عمرو- عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة مولى أم هانئ- قال محمَّد: ورأيت أبا مرة وكان شيخًا قد أدرك أم هانئ- عن أم هانئ قالت: "أتيت رسول الله ﵇ عام الفتح فقلت: يا رسول الله، قد أجرت حموًا لي فزعم ابن أمي أنه قاتله -تعني عليًّا ﵁- قالت: فقال رسول الله ﵇: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ. فصُبّ لرسول الله ﵇ ماءٌ فاغتسل، ثم التحف بثوب عليه وخالفه بين طرفيه على عاتقه، فصلى ثمان ركعات". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن موسى بن ميسوة الديلي أبي عروة المدني، وعن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله.

стр. 2883

وأخرجه البخاري (١): ثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره، أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: "ذهبت إلى رسول الله ﵇ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه فقال: مَنْ هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: مرحبًا بأم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة، فقال رسول الله ﵇: قد أجرنا مَنْ أَجرتِ يا أم هانئ. قالت أم هانئ: وذاك ضُحًى". الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة. وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن رمح بن المهاجر، قال: أنا الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل حدثه، أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته: "أنه لما كان عام الفتح أتت رسول الله ﵇ وهو بأعلى مكة، قام رسول الله ﵇ إلى غُسله فسترت عليه فاطمة ﵂، ثم أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سُبْحَة الضحى". ص: حدثنا محمَّد بن علي بن مُحرزٍ، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سَعْد، قال: ثنا أبي، عن أبي إسحاق، قال: حدثني سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵂ قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في بُرد له حَضْرمي متوشحًا به ما عليه غيره".

стр. 2884

ش: رجاله ثقات، وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يعقوب، نا أبي، عن أبي إسحاق: حدثني سلمة بن كهيل الحضرمي، ومحمد بن الوليد بن نويفع مولى آل الزبير، كلاهما عن كريب مولى عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي من الليل في بُرد له حضرمي متوشحًا به ما عليه غيره". قوله: "في بُرد" بضم الباء: نوع من الثياب معروف، والجمع أبراد وبرود، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صغر تلبسه الأعراب وجمعها بردُ، والحضرمي نسبه إلى حضرموت بلدة باليمن. قوله: "متوشحًا" حال من الضمير الذي في "يصلي"، وقد مر تفسير التوشح. ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا يعلى بن الحارث المحاربي قال: سمعت غيلان بن جامع يحدث، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن ابنٍ لعمار بن ياسر ﵁ قال: قال أبي ﵁: "أمَّنا رسول الله ﵇ في ثوبٍ واحدٍ متوشحًا به". ش: يعلى بن الحارث بن حرب أبو حرب الكوفي روى له الجماعة سوى الترمذي، وغيلان بن جامع بن أشعث المحاربي أبو عبد الله الكوفي قاضيها، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وإياس بن سلمة بن الأكوع الأسلمي أبو سلمة المدني روى له الجماعة. وابن لعمار بن ياسر لم أقف على التصريح باسمه، ولكن لعمار ابنٌ يسمّى محمَّد ولعله هذا والله أعلم، ذكره ابن حبان في الثقات. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا يعلى بن الحارث المحاربي ... إلى آخره نحوه سندًا ومتنًا.

стр. 2885

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، قال: ثنا أبو سفيان، عن جابر، قال: حدثني أبو سعيد: "أنه دخل على رسول الله ﵇ فرآه يصلي في ثوبٍ واحدٍ متوشحًا به". ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار ويحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني أبو محمَّد البصري ختن أبي عوانة، روى له الجماعة أبو داود في غير كتاب "السنن"، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري روى له الجماعة، وسليمان هو الأعمش، وأبو سفيان طلحة بن نافع الواسطي روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، وجابر هو ابن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك الخدري. والحديث أخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو كريب، نا عمر بن عُبَيْد، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، حدثني أبو سعيد الخدري: "أنه دخل ... " إلى آخره نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: أخبرني إدريس بن يحيى، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، أن أبا الزبير المكيّ أخبره: "أنه دخل على جابر بن عبد الله وهو يصلي ملتحفٌ بثوبٍ وثيابه قريبة منه، ثم التفت إلينا فقال: إنما صنعت هذا لكي ما تروا، وإني رأيت رسول الله ﷺ يصنع ذلك". ش: إسناده صحيح، وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي. وأخرجه مسلم (٢): حدثني حرملة بن يحيى، قال: نا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، أن أبا الزبير المكي حدثه: "أنه رأى جابر بن عبد الله يصلي في ثوبٍ متوشحًا وعنده ثيابه، وقال جابر: إنه رأى رسول الله ﵇ يَصْنع ذلك".

стр. 2886

ص: حدثنا يزيد بن سنان وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليتعطف به". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وأسامة ابن زيد الليثي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد مخالفًا بين طرفَيْه على عاتقه، وثوبه على المشجب". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا أبو غسان، عن عاصم بن عبيد الله: "إنه دخل على جابر بن عبد الله، فلما حضرت الصلاة قام فصلى وهو متوشح بإزار، وثيابه على المشجب، فلما صلى انصرف إلينا فقال: رأيت رسول الله ﵇ صلّى هكذا". ش: هذه ثلاث طرق أخرى في حديث جابر: الأول: إسناده صحيح، عن يزيد وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "فليتعطف به" أي فليشتمل به، يقال: تعطّف بالرداء واعتطف وتعطفه واعتطفه، والعِطاف -بكسر العين- الرداء، وكذلك المعطف. الثاني: أيضًا صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبد الله بن وهب، أنا أسامة وعمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر ... إلى آخره نحوه سوه.

стр. 2887

قوله: "على عاتقه" العاتق: موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث. قوله: "وثوبه على المِشْجب" وقعت حالًا، والمِشْجب -بكسر الميم- قد فسرناه عن قريب. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن أبي غسّان محمَّد بن مطرف بن داود الليثي المدني ثقة مشهور، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي المدني، فيه مقال؛ فعن أحمد: ليس بذاك. وعن يحيى: ضعيف. وقال الدارمي: مدني يُترك وهو مغفل. وقال ابن خزيمة: لست أحتج به لسوء حفظه. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ولا يُحتج به. وقد ذكرنا أن البخاري أخرج هذا الحديث (١). ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في ثوبٍ واحدٍ في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقَيْه". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوبٍ واحدٍ ملتحفًا به مخالفًا بين طرفيه على منكبَيْه". ش: قد أخرج الطحاوي هذين الحديثين عن قريب. ولكن الأول: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة. والثاني: عن ابن أبي داود، عن ابن أبي مريم وعبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عمر بن أبي سلمة.

стр. 2888

وأخرجه أبو داود (١) نحوه، وقد ذكرناه. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح). وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن، عن أنس ﵁ قال: "خرج رسول الله ﵇ وهو متكئ على أسامة متَوشّحًا ببُرْدٍ فصلَّى بهم". ش: هذان إسنادان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب الواشحي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد الأزدي أبي شهيد البصري، عن الحسن البصري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حسين، نا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس. والحسن، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ خرج متوكئًا على أسامة بن زيد وعليه ثوبٌ قِطْرِي قد خالف بين طرفيه، فصلى بهم". ثنا سليمان بن حرب (٣)، نا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ خرج وهو يتوكأ على أسامة بن زيد وعليه ثوب قطري فصلى بهم" أو قال: "مشتملًا فصلى بهم". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبيد الله بن محمَّد التيمي شيخ أحمد، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.

стр. 2889

وأخرجه أحمد (١) أيضًا: ثنا عبيد الله بن محمَّد، نا حماد بن سلمة، عن حبيب ابن الشهيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ خرج وهو يتوكأ على أسامة بن زيد متوشحًا في ثوب قطري فصلَّى بهم- أو قال: مشتملًا فصلَّى بهم". قوله: "متوشحًا"، حال من الرسول ﵇ , وقد ذكرنا أن التوشح هو الاشتمال على منكبيه. قوله: "في ثوب قِطْري" بكسر القاف وهو ثوب من البرود فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حُلَلَ جياد تحمل من قرية من البحرين يقال لها: قَطَر بفتحتين، فإذا نسب إليها الثوب تكسر القاف للتخفيف فيقال: ثوب قِطريُّ. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم وبشر بن المفضل ويحيى بن سعيد، قالوا: أخبرنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بين طرفيه". ش: إسناده صحيح، وإسماعيل بن إبراهيم هو إسماعيل بن عُلَيّة -وهي أمه- روى له الجماعة، وهشام هو الدستوائي. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، نا يحيى. ونا مسدد، قال: ثنا إسماعيل المعنى، عن هشام ... إلى آخره نحوه. وأخرج البخاري (٣): ثنا أبو نعيم، قال: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة -قال: سمعته أو كنت سألته- قال: سمعت أبا هريرة يقول: أشهد

стр. 2890

أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من صلى في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه". وأراد بالمخالفة بطرفيه على عاتقيه: هو التوشح، وهو الاشتمال على منكبيه، وإنما أمر بذلك ليستر أعالي البدن وموضع الزينة. وقال ابن بطال: وفائدة المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع. قلت: يجوز أن تكون الفائدة أن لا يسقط إذا ركع وإذا سجد، ثم هذا الأمر للندب عند الجمهور حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء صحت صلاته، وسواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا، وبه قال مالك والشافعي. وقال أحمد وبعض السلف: لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه؛ لظاهر قوله ﵇: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء"، وعن أحمد أنه تصح صلاته ولكنه يأثم بتركه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا هشام بن حسان وشعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحدٍ مخالف بين طرفيه". ش: قد أخرج الطحاوي هذا فيما مضى من هذا الباب عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة". وأخرجه أيضًا: عن يونس، عن ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: "أنه رأى رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه". ولا يقال: إنه تكرار؛ للاختلاف في السند والمتن، ولكن لو ذكر الجميع في موضع واحد لكان أضبط وأصوب.

стр. 2891

ص: فقد تواترت هذه الآثار عن النبي ﵇ بالصلاة في الثوب الواحد متوشحًا به في حال وجود غيره، قد ذكرنا ذلك في بعض هذه الأحاديث أنه صلى -وثيابه على المشجب- في ثوبٍ واحدٍ متوشحًا به، فقد يجوز أن يكون ذلك على ما اتسع من الثياب خاصة لا على ما ضاق منها، ويجوز أن يكون على كل الثياب، ما ضاق منها وما اتسع. فنظرنا في ذلك فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قد حدثنا، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فطر بن خليفة، عن شرحبيل بن سَعْدٍ، قال: ثنا جابر، أن رسول الله ﵇ كان يقول: "إذا اتسع الثوب فتعطَّف به على عاتقك، وإذا ضاق فاتّزر به ثم صلِّ". فثبت بهذا الحديث أن الاشتمال هو المقصود، وأنه هو الذي ينبغي أن يفعل في الثياب التي يُصلِّي فيها، فإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب اتّزر به. ش: أي: فقدْ تكاثرت هذه الأحاديث وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد حال كونه متوشحًا به في حال وجود غيره من الثياب. وهذا كما قد رأيت قد أخرجها عن جماعة من الصحابة ﵃ وهم: أبو هريرة، وطلق بن علي وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر وعمر بن أبي سلمة وسلمة ابن الأكوع وأم هانئ وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵃. ولما أخرج الترمذي (١) حديث عمر بن أبي سلمة في الصلاة في ثوب واحد قال: وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وسلمة بن الأكوع وأنس وعمرو بن أبي أسد وأبي سعيد وكيسان وابن عباس وعائشة وأم هانئ وعمار بن ياسر وطلق بن علي وعبادة بن الصامت.

стр. 2892

قلت: وفي الباب أيضًا عن حذيفة وعبد الله بن أبي أمية وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن سرجس وعبد الله بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان وأبي أمامة وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة وأم حبيبة وأم الفضل ورجل لم يُسمّ. أما حديث عمرو بن أبي أسد فأخرجه أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة"، والحسن بن سفيان في "مسنده" من رواية محمَّد بن بشر العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب الزهري، عن عمرو بن أبي أسد قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في ثوب واحد واضعًا طرفيه على عاتقه". وأما حديث كَيْسان فأخرجه ابن ماجه (١): من رواية معروف بن مشكان، عن عبد الرحمن بن كيسان، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي بالبئر العليا في ثوب" وكيسان هو ابن جرير مولى خالد بن أبي أسيد الأموي. وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود (٢): من رواية أبي صالح، عن عائشة: "أن النبي ﵇ صلى في ثوب بعضه عليّ". وأما حديث عبادة بن الصامت: فأخرجه الطبراني في "الكبير": من رواية إسحاق بن يحيى، عن عبادة: "أن رسول الله ﵇ سئل عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: إن كان واسعًا فليضمّه، وإن كان عاجزًا فليتّزر به". وإسحاق بن يحيى لم يسمع من جده عبادة. وأما حديث حذيفة: فأخرجه أحمد في"مسنده" (٣): من رواية الوليد بن عيزار، قال: قال حذيفة: "بتُّ بآل رسول الله ﵇ فقام رسول الله ﵇ يصلي وعليه طرف لحاف، وعلى عائشة طرفه وهي حائض لا تُصلِّي".

стр. 2893

وأما حديث عبد الله بن أبي أمية: فأخرجه الطبراني في "الكبير": من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، قال: أخبرني عبد الله ابن أبي أمية: "أتى رأى النبي ﵇ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب واحد ملتحفًا به مخالفًا بين طرفيه". وأما حديث عبد الله بن أُنَيْس: فأخرجه الطبراني أيضًا في "الكبير": من رواية أبي الحسن، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أُنيس قال: "أتيتُ النبي ﵇ وهو يصلي فقمت عن يساره، فأخذني رسول الله ﵇ فأقامني عن يمنيه وعليّ ثوب متمزق لا يواري، فجعلت كلما سجدتُ أمسكته بيدي مخافة أن تنكشف عورتي وخلفي نساء، فلما انصرف رسول الله ﵇ دعا لي بثوب فكسانيه وقال: تدرع بخلقك". وأما حديث عبد الله بن سرجس: فأخرجه الطبراني أيضًا: من رواية مسلم ابن أبي مريم، عن عبد الله بن سرجس: "أن نبي الله ﵇ صلي يوما وعليه نمرة له ... " الحديث. وأما حديث عبد الله بن عبد الله بن المغيرة: فأخرجه أحمد (١): من طريق محمَّد بن إسحاق، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الله بن المغيرة المخزومي قال: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في بيت أم سلمة زوج النبي ﵇ في ثوب واحد ما عليه غيره". وقال ابن عبد البر: ذكره جماعة من الصحابة، وفيه نظر قال: ولا يصح له عندي صحبة؛ لصغره. وأما حديث علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: فأخرجه الطبراني (٢): من

стр. 2894

رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فَروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَيْن، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي، أن النبي ﵇ قال: "إذا كان إزارك ضيقًا فاتّزر به، وإن كان واسعًا فاشتملْ به، يعني في الصلاة". وأما حديث معاذ: فأخرجه الطبراني (١): من رواية محمَّد بن صبيح، عن معاذ قال: "صلى رسول الله ﵇ في ثوب واحد مؤتزرًا به". وأما حديث معاوية بن أبي سفيان: فأخرجه الطبراني (٢): من رواية طلحة ابن يحيى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن معاوية بن أبي سفيان: "أن النبي ﵇ كان يصلي في الثوب الواحد". وأخرجه أبو يعلى (٣) أيضًا. وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه الطبراني (٤) أيضًا: من رواية سويد بن سعيد، عن موسى بن عمير، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: "أمَّنا رسول الله ﵇ في قطيفة خالف بين طرفيها". وأما حديث أبي عبد الرحمن حاضن عائشة ﵂: فأخرجه الطبراني في "الأوسط": من رواية يحيى بن أبي محمَّد، عن أبي عبد الرحمن حاضن عائشة ﵂ قال: "رأيت النبي ﵇ وعائشة يصليان في ثوب واحد نصفه على النبي ﵇ ونصفه على عائشة". وفي إسناده ضرار بن صرد وهو متروك. وأما حديث أم حبيبة ﵂: فأخرجه أحمد (٥): قال: نا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، حدثني ضمرة بن حبيب، أن محمَّد بن أبي سفيان الثقفي

стр. 2895

حدثه، أنه سمع أم حبيبة زوج النبي ﵇ تقول: "رأيت النبي ﵇ يصلي في ثوب واحد". وأما حديث أم الفضل: فأخرجه أحمد (١) أيضًا: من رواية أنس، عن أم الفضل بنت الحارث قالت: "صلى بنا رسول الله ﵇ في بيته متوشحًا بثوبٍ". وأما حديث الرجل الذي لم يُسَمّ: فأخرجه أحمد (٢) أيضًا: من رواية أبي مالك الأشجعي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: "أخبرني مَنْ رأى النبي ﵇ يصلي في ثوب واحد وقد خالف بين طرفيه". وإسناده صحيح. قوله: "فقد يجوز ذلك" أي ما فعله النبي ﵇ من الصلاة في ثوب واحد وثيابه على المشجب، بيانه أن فعل النبي ﵇ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك على شرط أن يكون الثوب واسعًا لا ضيقًا. والآخر: أن يكون ذلك مطلقًا سواء كان الثوب واسعًا أو ضيقًا. فإذا احتمل الوجهين المذكورين نحتاج أن ننظر هل ورد شيء من الأحاديث يدل على معنى معين؟ فنظرنا في ذلك فوجدنا جابر بن عبد الله قد روى عن النبي ﵇ أنه كان يقول: "إذا اتسع الثوب فتعطّف به على عاتقك" أي: فاشتمل به، والعاتق موضع الرداء من المنكب وإذا ضاق -أي الثوب- فاتّزر به ثم صلّ، فدلّ هذا أن المعنى المقصود هو الاشتمال، وأنه ينبغي أن يفعل به في الثوب الذي يصلي فيه وإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب فإنه يتزر به. وأخرجه بإسناد حسن جيد: عن عبد الرحمن بن عمرو أبي زرعة الدمشقي الحافظ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن فطر بن خليفة القرشي الكوفي الحناط -بالنون- روى له البخاري مقرونًا بغيره والأربعة، عن

стр. 2896

شرحبيل بن سَعْد المدني، فهو وإن ضعفه يحيى والدراقطني فقد وثقه ابن حبان وروى له أبو داود وابن ماجه. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن أحمد، نا محمَّد بن مسلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد، عن شرحبيل، عن جابر قال: "رأيت رسول الله ﵇ في إزار مؤتزرًا به، فقلت: يا رسول الله. تصلى في إزار؟ فقال: نعم، إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، فإن عجز أو ضاق فاتَّزر به". وأخرج البخاري (١): ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، قال: "سألنا جابر بن عبد الله عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خرجت مع رسول الله ﵇ في بعض أسفاره، فجئت ليلة لبعض أمري فوجدته يصلي، وعليّ ثوب واحدٌ فاشتملت به وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: ما السُّرَى يا جابر؟ فأخبرته بحاجتي، فلما فرغتُ قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب يعني ضاق. قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيّقا فاتّزر به". وأخرج أبو داود (٢): من حديث عبادة بن الصامت، عن جابر حديثًا طويلًا، وفي آخره قال: "يا جابر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدُدْه على حَقْوكُ". الحَقْو: موضع عقد الإزار، ويجمع على أُحْق وأَحْقاء. ص: واحتجنا أن ننظر في حكم الثوب الواسع الذي يستطيع أن يتّزر به ويشتمل، هل يشتمل به أو يتّزر فكيف يفعل؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".

стр. 2897

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قالا: ثنا سفيان، عن أبي الزناد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن منقذ، قال: حدثني إدريس بن يحيى، عن عبد الله بن عياش، عن ابن هرمز، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم في ثوب فليجعل على عاتقه منه شيئًا". فنهى ﷺ في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد متَّزرًا به، وقد جاء عنه ﷺ أيضًا أنه نهى أن يُصلّي الرجل في السراويل وحده ليس عليه غيره. حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني زيد بن الحباب، عن أبي المنيب، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ بذلك. فهذا مثل ذلك، وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، وإن كان لا يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متَّزرًا به، فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ في هذا الباب. ش: لما بيّن إباحة الصلاة في الثوب الواحد مطلقًا -يعني في حال قدرته على غيره، وفي حالة عدم قدرته- وبين أن المراد من ذلك الاشتمال به لورود الأحاديث المتكاثرة بصلاة النبي ﵇ في الثوب الواحد متوشحًا، وبيّن أيضًا أن ذلك يجوز أن يكون في حق الثياب مطلقًا يعني سواء كانت واسعةً أو ضيقة، ويجوز أن يكون في حق الثياب الواسعة، ثم بيَّن التفصيل فيه بأنه إذا كان الثوب واسعًا يتعطّف به يعني يشتمل به، وإذا كان ضيقًا يتّزر به؛ شرع يُبيّن حكم الثوب الواسع الذي يمكن الاشتمال والاتِّزار به كلاهما، هل يقتصر على الاشتمال به أو على الاتزار به؟

стр. 2898

فأخرج عن أبي هريرة ما يدل على النهي عن الصلاة في الثوب الواحد متزرًا به كما جاء النهي أيضًا عن الصلاة في السراويل وحده، ثم ذكر أن هذا محمول على ما إذا وجد معه غيره، فإذا وجد غيره فإنه يكره له أن يصلي فيه متزرًا، وأما إذا لم يجد غيره فإنه لا بأس بالصلاة فيه كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متَّزرًا به، والله أعلم. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله ابن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، عن ابن عيينة -قال زهير-: ونا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري (٢): عن أبي عاصم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد، نا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شيء". الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان، عن أبي الزناد ... إلى آخره.

стр. 2899

وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن منصور، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يُصلِّيّن أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء". الرابع: عن إبراهيم بن منقذ العُصْفري، عن إدريس بن يحيى الخولاني، عن عبد الله بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وفي آخره شين معجمة- القتباني المصري روى له مسلم وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. أخرجه أحمد في "مسنده" (٢). وأما حديث بريدة بن الحُصيب ﵁: فأخرجه عن عيسى بن إبراهيم الغافقي أبي موسى المصري شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، عن عبد الله بن وهب المصري، عن زيد بن الحُبَاب -بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره باء أخرى- بن الريان الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي المروزي السِّنْجي، فعن يحيى: ثقة، وقال البخاري: عنده مناكير. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. عن عبد الله بن بريدة بن الحُصَيب الأسلمي روى له الجماعة، عن أبيه بُرَيْدة. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا محمَّد بن يحيى بن فارس، نا سعيد بن محمَّد، نا أبو تُمَيْلة، نا أبو المنيب عبد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﵇ أن تُصلّي في لحاف ولا توشِّح به، والآخر أن تصلي في سراويل ليس عليك رداء".

стр. 2900

قوله: "في السراويل" زعم ابن سيده أنه فارسي معرب يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، وجمعه: سراويلات. وقال سيبويه: لا يكسّر؛ لأنه لو كسّر لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد فترك. وقد قيل: سراويل جمع واحده سروالة. ويقال فيه: السرواين، زعم يعقوب أن النون فيها بدل من اللام. وفي "الجامع" للقزاز: سراويل وسِروال وسَرْويل ثلاث لغات، وفي "الصحاح": وهي مصروفة في النكرة، والعمل على هذا القول، وعدم الصرف أقوي منه. وقال أبو حاتم السجستاني: السراويل مؤنثة لا يذكّرها أحد علمناه، وبعض العرب يظن السراويل جماعةً، وسمعت مَن الأعراب من يقول: الشِروال، بالشين المعجمة. قلت: الشْروال مثل السراويل ولكنه يُلبس فوق القماش كله لأجل حفظه عن نحوالطين والوسخ، ولأجل التشمير وحفظ القماش وجمعه، وغالبًا يَلْبسه المسافرون ركّاب الخيل، والعجم تقول للسراويل: شلوار. وبظاهر هذا الحديث أخذ بعض أصحابنا وكرهوا الصلاة في السراويل وحدها، والصحيح أنه إذا ستر عورته لا تكره الصلاة فيه وحده. ص: وقد رُوِيَت عن أصحابه في ذلك آثار منها: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مُسَدّد، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أن رجالًا من المسلمين كانوا يشهدون الصلاة مع رسول الله ﵇ عاقدين ثيابهم في رقابهم ما على أحدهم إلا ثوبٌ واحدٌ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا محمَّد بن حِمير، قال: ثنا ثابت بن العجلان، قال: ثنا أبو عامر سليم الأنصاري: "أنه صلى مع أبي بكر ﵁ في خلافته سبعة أشهر، فرأى أكثر من يصلي معه من الرجال في ثوب واحد -يدعى بُرْد- ليس عليهم غيره".

стр. 2901

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "صلى بنا خالد بن الوليد ﵁ يوم اليرموك في ثوب واحدٍ قد خالف بين طرفيه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم قال: "أَمَّنَا خالد بن الوليد ﵁ يوم اليرموك في ثوبٍ واحدٍ قد خالف بين طرفيه، وخلفه أصحاب محمَّد ﵇". ففيما روينا عمَّن ذكرنا من أصحاب النبي ﵇ من الصلاة في الثوب الواحد ما يضادّ ما روينا عن عمر ﵁، ثم قد ثبت عن النبي ﵇ في الآثار المتقدمة ما قد وافق ذلك، فذلك أولى أن يؤخذ به مما روي عن عمر ﵁، وهذا -الذي صحَّحنا- قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: قد رويت عن أصحاب رسول الله ﵇ في الصلاة في ثوب واحدٍ آثار، منها -أي من الآثار- ما أخرجه عن أبي بكرة بكار، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن بشر بن المفضل بن لاحق البصري، عن عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث المدني، عن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي الأنصاري الصحابي ﵁. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سَعْد قال: "كان رجال يصلون مع النبي ﵇ عاقدي أُزُرِهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا".

стр. 2902

وأخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣). قوله: "عاقدي ثيابهم" أصله: عاقدين، سقطت النون للإضافة، ونصبه على الحال. ومنها: ما أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البُرلُّسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفَوْزي شيخ البخاري، عن محمَّد بن حِميَر -بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره راء- بن أنيس القضاعي روى له البخاري والنسائي وابن ماجه، عن ثابت بن عجلان الأنصاري الحمصي روى له هؤلاء أيضًا، عن أبي عامر سُليم -بضم السين- الشامي، وثقه ابن حبان. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): عن محمد بن عمرو الأسلميّ، قال: أنا الضحاك بن عثمان، عن حبيب مولي عروة، قال: سمعت أسماء بنت أبي بكر ﵂ تقول: "رأيت أبي يصلي في ثوبٍ واحد، فقلت: يا أبَهْ، تصلي في ثوب واحد وثيابك موضوعة؟! فقال: يا بنية إن آخر صلاة صلاها رسول الله ﵇ في ثوبٍ واحدٍ". ومنها ما أخرجه عن خالد بن الوليد ﵁ من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز -وقيل: سعد، وقيل: كثير- الكوفي روى له الجماعة، عن قيس بن أبي حازم حصين بن عوف البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية وهاجر إلى النبي ﵇ ليبايعه فقُبض وهو في الطريق، وقيل: إنه رآه وهو يخطب، ولم يثبت ذلك، وأبو حازم له صحبة، روى له الجماعة.

стр. 2903

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص، عن طارق، عن قيس بن أبي حازم قال: "كان خالد بن الوليد ﵁ يخرج فيصلي بالناس في ثوبٍ واحدٍ". والثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن قيس بن أبي حازم. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا غُندر، عن شعبة، عن الحكم، عن قيس بن أبي حازم قال: "صلى بنا خالد بن الوليد في ثوبٍ واحدٍ في الوفود، وقد خالف بين طرفيه، وخلفه أصحاب رسول الله ﵇". قوله: "يوم اليَرْمُوك" بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء وضم الميم وفي آخره كاف. قال الجوهري: يرموك: موضع بناحية الشام. وقال غيره: هو نهر، وكانت عليه الوقعة بين الصحابة والروم في زمن عمر بن الخطاب ﵁. وذكر سيف بن عمر أن وقعة اليرموك كانت في سنة ثلاث عشرة من الهجرة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك ابن جرير الطبري. وقال محمَّد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. ونقل ابن عساكر عن أبي عبيد وابن لهيعة والليث وأبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. وقال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة.

стр. 2904

وقال ابن عساكر: وهذا هو المحفوظ، وما قاله سيفٌ من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة، فلم يتابع عليه، والله أعلم. قوله: "ما يضاد" في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "ففيما روينا". وقوله: "ما روينا عن عمر" مفعول "يضاد". قوله: "فذلك أولى" أي الذي روينا عن الصحابة والذي ثبت عن النبي ﵇ أولى وأحق أن يؤخذ به مما روي عن عمر ﵁ الذي مضى ذكره في أول الباب؛ وذلك لتواتر الروايات عن النبي ﵇ ثم مَنْ بعده من الصحابة في إباحة الصلاة في الثوب الواحد، فصار كالإجماع على هذا الحكم. وقال الطحاوي: صلاة النبي ﵇ في الثوب الواحد في حال وجود غيره من الأخبار المتواترة.

стр. 2905

ص: باب: الصلاة في أعطان الإبل ش: أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في أعطان الإبل، والأعطان جمع عطن وهو مَبْرك الإبل. قال الجوهري: العَطَن والمَعْطَن واحد الأعْطَان والمَعَاطن، وهي مبارك الإبل عند الماء ليشْرب علَلًا بعد نَهَل، فإذا استوفت رُدّت إلى المراعي والأظماء، ويقال: عَطَنَت الإبل -بالفتح- تُعْطِن وتَعْطِن عُطُونًا: إذا رويت ثم بَرَكَت فهي إبل عَاطِنة وعَوَاطِن وقد ضربت بعطن أبي بركت، وقد أعطنتها أنا. قال ابن السكيت: وكذلك تقول: هذا عَطَن الغنم ومَعْطَنِها: لمرابضها حول الماء. وجه المناسبة بين البابين: من حيث وجود الكراهة في كل منهما، أما في الأول فلوجود كراهة الصلاة في الثوب الواحد عند البعض، وأما في هذا فلوجود كراهة الصلاة في عطن الإبل. ص: حدثنا يزيد بن سنان وصالح بن عبد الرحمن وبكر بن إدريس، قالوا: ثنا أبو عبد الرحمن المُقْرئ، قال: ثنا يحيى بن أيوب أبو العباس المصري، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن الحُصين، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الصلاة في سَبْع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق بيت الله ". ش: أبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد القصير شيخ البخاري، ويحيى بن أيوب الغافقي روى له الجماعة، وزيد بن جَبيرة بفتح الجيم وكسر الباء والموحدة بن محمود بن أبي جُبَير بن الضحاك الأنصاري المديني أبو جبيرة، قال يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدًّا لا يكتب حديثه، روى له الترمذي وابن ماجه، وداود بن الحصين القرشي المدني روى له الجماعة.

стр. 2906

وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: نا المقرئ، قال: نا يحيى ابن أيوب ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "وفوق ظهر بيت الله". قال أبو عيسى: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي؛ قد تُكُلِّمَ في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا: عن محمَّد بن إبراهيم الدمشقي، عن عبد الله ابن يزيد، عن يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة ... إلى آخره نحوه. قوله: "في سَبْع مواطن" كذا في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي: "في سبعة مواطن"، والظاهر رواية الطحاوي؛ لأن المواطن جمع موطن وهو مؤنث؛ لأنه اسم لبقعة من الأرض معينة، وقد عرف أن العدد يذكر في المؤنث ويؤنث في المذكر إلى العشرة. قوله: "في المَزْبَلَة" وهي موضع رمي الزبالات، وهي بفتح الميم والباء، وحكى الجوهري فيها ضم الباء. قوله: "والمجزرة" بفتح الميم والزاي موضع جزر الإبل أي ذبحها، وقال ابن الأثير: المجزرة الموضع الذي تُنحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والشاء، وجمعها المجازر. قوله: "والمَقْبُرة" بفتح الميم وضم الباء، وقد تفتح، وقال ابن الأثير: المقبرة موضع دفن الموتى وتضم باؤها وتفتح. قلت: المَقْبَرة -بفتح الميم والباء- اسم مكان من قَبَر يَقْبُر، والمقبُرة -بضم الباء- اسم موضوع للمكان الذي يدفن فيه الموتى، وذكر في شرح "الهادي" أن ما جاء على مفعُلة -بالضم- يراد بها أنها موضوعة لذلك ومتخذة له، فإذا قالوا: المقبَرة بالفتح أرادوا مكان الفعل، وإذا ضموا أرادوا البقعة التي من شأنها أن يقبر فيها الموتى.

стр. 2907

وذكر بعضهم أن المقبرة بالفتح أو الضم ليس بمقياس، أما الفتح فلأنه لم يُرد بها مكان الفعل -يعني موضع وقوع الفعل- ولا زمانه، بل أريد المكان المخصوص، والفتح لمكان الفعل أو زمانه، وأما الضم فظاهر؛ لأن مضارعها مضموم العين، فالقياس الفتح. وفيه نظر؛ لأن الضم إنما يكون غير قياس إن لو أريد بها مكان الفعل، أما لو أريد بها المكان الخاص فلا يكون خارجًا عن القياس. وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": وقد يدخل على بعضها تاء التأنيث مع جريها على القياس كالمزلّة والمقبرة، ومع مخالفته كالمظنة، وأما ما جاء على مَفْعُلة -بالضم- فأسماء غير جارية على الفعل ولكنها بمنزلة قارورة وشبهها. قلت: معنى كلامه أنها أسماء غير مذهوب بها مذهب الأفعال، فإذا ضموا أرادوا اسم المكان مع قطع النظر عن كونه من الفعل كالقارورة فإنه اسم مع قطع النظر عن فعله فإنه لا يسمى كل ما يقر فيه الشيء قارورة وإن كان معنى القرار موجودًا فيه، وشبهها، فافهم. قوله: "وقارعة الطريق" قال الجوهري: قارعة الطريق أعلاه. قوله: "ومعاطن الإبل" المَعَاطِن جمع مَعْطَن وهو مبرك الإبل، وقد مرّ الكلام فيه مستوفى عن قريب. قوله: "وفوق بيت الله " أراد بها فوق الكعبة شرفها الله تعالى. ويستنبط منه أحكام: كراهة الصلاة في المزبلة؛ لأنها موضع الزبالات ولا تخلو عن النجاسات، وكراهتها في مجازر الإبل والبقر والشاء؛ لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح وأرواثها، فإن وجد هناك موضعًا طاهرًا وصُلي فيه فلا بأس به. قال ابن حزم في "المحلى": والصلاة في البيعة والكنيسة وبيت النار والمجزرة -ما اجتنب البول والروث والدم- وعلى قارعة الطريق وبطن الوادي ومواضع

стр. 2908

الخسف وإلى البعير والناقة والمتحدث والقيام وفي كل موضع جائزة ما لم يأت نص أو إجماع متيقن في تحريم الصلاة في مكان ما، فيوقف عند النهي في ذلك. وقد روينا عن رسول الله ﵇ من طريق أبي هريرة وجابر وحذيفة وأنس ﵃: أن من فضائلنا أن الأرض جُعلت لنا مسجدًا، وكل ما ذكرنا من الأرض فالصلاة فيه جائزة حاشى ما جاء النص بالمنع من الصلاة فيه كعطن الإبل والحمام والمقبرة وإلي قبر وعليه والمكان المغصوب والنجس ومسجد الضرار، وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة وظهر بيت الله الحرام من طريق زيد بن جبيرة وهو لا شيء، ومن طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف، وجاء النهي عن الصلاة في موضع الخسف من طريق ابن لهيعة وهو لا شيء، وجاء النهي عن الصلاة على قارعة الطريق من طريق الحسن عن جابر، ولا يصح سماع الحسن عن جابر ﵁. وقال ابن قدامة في "المغني" (١): وزاد أصحابنا: المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق وظهر الكعبة؛ لأنها في خبر عمر وابنه ﵄، وقالوا: لا يجوز فيها الصلاة، ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوّز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم؛ لعموم قوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا" وهو صحيح متفق عليه (٢)، واستثني منها المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة، ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث ابن عمر وأبيه يرويهما العُمريُّ وزيد بن جَبيرة، وقد تكلَّم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك الحديث الصحيح بحديثيهما، وهذا أصح، وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة. ومعنى "محجة الطريق": الجادة المسلوكة التي يسلكها السابلة، وقارعة الطريق يعني التي تقرعها الأقدام فاعلة بمعني مفعولة مثل الأسواق والمشارع

стр. 2909

والجادّة للسَفر، ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنةً ويسرةً ولم يكثر قرع الأقدام له، وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها. و"المجزرة": الموضع الذي تذبح فيه البهائم للقصابين وشبهها معروفًا بذلك معدًّا. و"المزبلة": الموضع الذي يجمع فيه الزبل ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرًا أو نحبسًا, ولا بين كون الطريق فيه سالكًا أو لم يكن، ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل أو لم يكن في ذلك الوقت. ثم قال: يكره أن يصلى إلى هذه المواضع، فإن فعل صحت صلاته، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب، انتهى. وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في المقبرة، واختلف العلماء في ذلك، فكان الشافعي يقول: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته. ورخص عبد الله بن عمر ﵄ في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر. وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر. وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة؛ على ظاهر الحديث. وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك، ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف. وقال أصحابنا: إنما تخرج المقبرة عن كونها مسْجدًا إذا ظهرت فيه صدايد الموتي ونحوها، حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز. وفي "المغني" (١) لابن قدامة: وقد سئل أحمد عن الصلاة إلى المقبرة والحمام

стр. 2910

والحش، قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر ولا حشّ ولا حمام، فإن كان يجزئه. وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة قولان: أحدهما: يعيد لموضع النهي، وبه أقول. والثاني: يصح؛ لأنه لم يصلّ في شيء من المواضع المنهي عنها. وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحشّ فحكمه حكم المصلى فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل. ثم قال: والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة. وقال أيضًا: ولا فرق في المقبرة بين الحديثة والقديمة وما نقلت أتربتها أو لم تنقل؛ لأنه يتناولها اسم المقبرة، وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها، وإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها؛ لأنها لا يتناولها اسم المقبرة، وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، انتهى. وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في قارعة الطريق، قيل: النهي في ذلك لكونها مظنة النجاسات، وقيل: لئلا يعوق المارُّ فيها. قلت: فعلى الأول: إذا صلى في مكان طاهر منها أجزأته صلاته من غير كراهة. وعلى الثاني: إذا لم يكن فيها مارٌّ لا يكره أيضًا. وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في الحمام، قال أصحابنا: إنما يخرج الحمام عن كونه مسجدًا إذا كانت النجاسة فيه ظاهرةً، أو صلى في موضع فيه غسالات، حتى لو صلى فيه في مكان طاهر أو غسل موضعًا منه وصلى فيه يجوز بلا كراهة. وكذا قال الشافعي: إذا صلى في الحمام في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه. وقد اختلفت الرواية عن أحمد في الصلاة في الحمام، فعنه: أنها لا تصح فيها بحال.
следующие страницы →