← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: نا المقرئ، قال: نا يحيى ابن أيوب ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "وفوق ظهر بيت الله". قال أبو عيسى: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي؛ قد تُكُلِّمَ في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا: عن محمَّد بن إبراهيم الدمشقي، عن عبد الله ابن يزيد، عن يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة ... إلى آخره نحوه. قوله: "في سَبْع مواطن" كذا في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي: "في سبعة مواطن"، والظاهر رواية الطحاوي؛ لأن المواطن جمع موطن وهو مؤنث؛ لأنه اسم لبقعة من الأرض معينة، وقد عرف أن العدد يذكر في المؤنث ويؤنث في المذكر إلى العشرة. قوله: "في المَزْبَلَة" وهي موضع رمي الزبالات، وهي بفتح الميم والباء، وحكى الجوهري فيها ضم الباء. قوله: "والمجزرة" بفتح الميم والزاي موضع جزر الإبل أي ذبحها، وقال ابن الأثير: المجزرة الموضع الذي تُنحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والشاء، وجمعها المجازر. قوله: "والمَقْبُرة" بفتح الميم وضم الباء، وقد تفتح، وقال ابن الأثير: المقبرة موضع دفن الموتى وتضم باؤها وتفتح. قلت: المَقْبَرة -بفتح الميم والباء- اسم مكان من قَبَر يَقْبُر، والمقبُرة -بضم الباء- اسم موضوع للمكان الذي يدفن فيه الموتى، وذكر في شرح "الهادي" أن ما جاء على مفعُلة -بالضم- يراد بها أنها موضوعة لذلك ومتخذة له، فإذا قالوا: المقبَرة بالفتح أرادوا مكان الفعل، وإذا ضموا أرادوا البقعة التي من شأنها أن يقبر فيها الموتى.

стр. 2907

وذكر بعضهم أن المقبرة بالفتح أو الضم ليس بمقياس، أما الفتح فلأنه لم يُرد بها مكان الفعل -يعني موضع وقوع الفعل- ولا زمانه، بل أريد المكان المخصوص، والفتح لمكان الفعل أو زمانه، وأما الضم فظاهر؛ لأن مضارعها مضموم العين، فالقياس الفتح. وفيه نظر؛ لأن الضم إنما يكون غير قياس إن لو أريد بها مكان الفعل، أما لو أريد بها المكان الخاص فلا يكون خارجًا عن القياس. وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": وقد يدخل على بعضها تاء التأنيث مع جريها على القياس كالمزلّة والمقبرة، ومع مخالفته كالمظنة، وأما ما جاء على مَفْعُلة -بالضم- فأسماء غير جارية على الفعل ولكنها بمنزلة قارورة وشبهها. قلت: معنى كلامه أنها أسماء غير مذهوب بها مذهب الأفعال، فإذا ضموا أرادوا اسم المكان مع قطع النظر عن كونه من الفعل كالقارورة فإنه اسم مع قطع النظر عن فعله فإنه لا يسمى كل ما يقر فيه الشيء قارورة وإن كان معنى القرار موجودًا فيه، وشبهها، فافهم. قوله: "وقارعة الطريق" قال الجوهري: قارعة الطريق أعلاه. قوله: "ومعاطن الإبل" المَعَاطِن جمع مَعْطَن وهو مبرك الإبل، وقد مرّ الكلام فيه مستوفى عن قريب. قوله: "وفوق بيت الله " أراد بها فوق الكعبة شرفها الله تعالى. ويستنبط منه أحكام: كراهة الصلاة في المزبلة؛ لأنها موضع الزبالات ولا تخلو عن النجاسات، وكراهتها في مجازر الإبل والبقر والشاء؛ لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح وأرواثها، فإن وجد هناك موضعًا طاهرًا وصُلي فيه فلا بأس به. قال ابن حزم في "المحلى": والصلاة في البيعة والكنيسة وبيت النار والمجزرة -ما اجتنب البول والروث والدم- وعلى قارعة الطريق وبطن الوادي ومواضع

стр. 2908

الخسف وإلى البعير والناقة والمتحدث والقيام وفي كل موضع جائزة ما لم يأت نص أو إجماع متيقن في تحريم الصلاة في مكان ما، فيوقف عند النهي في ذلك. وقد روينا عن رسول الله ﵇ من طريق أبي هريرة وجابر وحذيفة وأنس ﵃: أن من فضائلنا أن الأرض جُعلت لنا مسجدًا، وكل ما ذكرنا من الأرض فالصلاة فيه جائزة حاشى ما جاء النص بالمنع من الصلاة فيه كعطن الإبل والحمام والمقبرة وإلي قبر وعليه والمكان المغصوب والنجس ومسجد الضرار، وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة وظهر بيت الله الحرام من طريق زيد بن جبيرة وهو لا شيء، ومن طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف، وجاء النهي عن الصلاة في موضع الخسف من طريق ابن لهيعة وهو لا شيء، وجاء النهي عن الصلاة على قارعة الطريق من طريق الحسن عن جابر، ولا يصح سماع الحسن عن جابر ﵁. وقال ابن قدامة في "المغني" (١): وزاد أصحابنا: المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق وظهر الكعبة؛ لأنها في خبر عمر وابنه ﵄، وقالوا: لا يجوز فيها الصلاة، ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوّز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم؛ لعموم قوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا" وهو صحيح متفق عليه (٢)، واستثني منها المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة، ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث ابن عمر وأبيه يرويهما العُمريُّ وزيد بن جَبيرة، وقد تكلَّم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك الحديث الصحيح بحديثيهما، وهذا أصح، وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة. ومعنى "محجة الطريق": الجادة المسلوكة التي يسلكها السابلة، وقارعة الطريق يعني التي تقرعها الأقدام فاعلة بمعني مفعولة مثل الأسواق والمشارع

стр. 2909

والجادّة للسَفر، ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنةً ويسرةً ولم يكثر قرع الأقدام له، وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها. و"المجزرة": الموضع الذي تذبح فيه البهائم للقصابين وشبهها معروفًا بذلك معدًّا. و"المزبلة": الموضع الذي يجمع فيه الزبل ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرًا أو نحبسًا, ولا بين كون الطريق فيه سالكًا أو لم يكن، ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل أو لم يكن في ذلك الوقت. ثم قال: يكره أن يصلى إلى هذه المواضع، فإن فعل صحت صلاته، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب، انتهى. وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في المقبرة، واختلف العلماء في ذلك، فكان الشافعي يقول: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته. ورخص عبد الله بن عمر ﵄ في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر. وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر. وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة؛ على ظاهر الحديث. وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك، ورُويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف. وقال أصحابنا: إنما تخرج المقبرة عن كونها مسْجدًا إذا ظهرت فيه صدايد الموتي ونحوها، حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز. وفي "المغني" (١) لابن قدامة: وقد سئل أحمد عن الصلاة إلى المقبرة والحمام

стр. 2910

والحش، قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر ولا حشّ ولا حمام، فإن كان يجزئه. وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة قولان: أحدهما: يعيد لموضع النهي، وبه أقول. والثاني: يصح؛ لأنه لم يصلّ في شيء من المواضع المنهي عنها. وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحشّ فحكمه حكم المصلى فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل. ثم قال: والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة. وقال أيضًا: ولا فرق في المقبرة بين الحديثة والقديمة وما نقلت أتربتها أو لم تنقل؛ لأنه يتناولها اسم المقبرة، وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها، وإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها؛ لأنها لا يتناولها اسم المقبرة، وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، انتهى. وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في قارعة الطريق، قيل: النهي في ذلك لكونها مظنة النجاسات، وقيل: لئلا يعوق المارُّ فيها. قلت: فعلى الأول: إذا صلى في مكان طاهر منها أجزأته صلاته من غير كراهة. وعلى الثاني: إذا لم يكن فيها مارٌّ لا يكره أيضًا. وفيه دلالة أيضًا على كراهة الصلاة في الحمام، قال أصحابنا: إنما يخرج الحمام عن كونه مسجدًا إذا كانت النجاسة فيه ظاهرةً، أو صلى في موضع فيه غسالات، حتى لو صلى فيه في مكان طاهر أو غسل موضعًا منه وصلى فيه يجوز بلا كراهة. وكذا قال الشافعي: إذا صلى في الحمام في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه. وقد اختلفت الرواية عن أحمد في الصلاة في الحمام، فعنه: أنها لا تصح فيها بحال.

стр. 2911

وعنه: أنها تصح ما لم يكن على موضع نجس. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة. وكذلك اختلفت الرواية عن أحمد في الحشّ والمقبرة وأعطان الإبل. وفي "المغني": وإن صلى على سطح الحشّ أو الحمام أو عطن الإبل أو غيرها فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلى فيها؛ لأن الهواء تابع للقرار. وفيه دلالة على كراهة الصلاة على سطح الكعبة. وفي "المغني" (١): ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وجوّزه الشافعي وأبو حنيفة؛ لأنه مسجد، ولأنه محلّ لصلاة النفل فكان محلًا للفرض كخارجها، وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافًا، والله أعلم. ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الخضر بن محمَّد الحراني، قال: ثنا عباد بن العوام، قال: أنا الحجاج، قال: ثنا عبد الله بن عبد الله مولى بني هشام وكان ثقة، وكان الحكم يأخذ عنه- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُسَيْد بن حُضَيْر، قال: قال رسول الله ﵇: "صلّوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، والحجاج بن أرطاة النخعي روى له الجماعة البخاري في "الأدب"، ومسلم مقرونًا بغيره، وعبد الله بن عبد الله -كلاهما مكبّر- الرازي قاضي الريّ، وثقه أحمد والعجلي وروى له الأربعة النسائي في "مسند عليّ ﵁". وأسيد بن حُضَير -كلاهما بالتصغير- الأنصاري الصحابي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبو معمر القطيعي إسماعيل بن إبراهيم، نا عباد بن العوام، عن حجاج بن أرطاة، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير

стр. 2912

قال: قال رسول الله ﵇: "صلوا في مرابض الغنم ولا توضئوا من ألبانها، ولا تصلوا في معاطن الإبل وتوضئوا من ألبانها". قوله: "في مرابض الغنم" جمع مَربض -بفتح الميم- من رَبَضَ في المكان يَرْبِضُ إذا ألصق بها وأقام ملازمًا لها. وفي "الصحاح": وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير، يقال: ربضت الغنم تربض بالكسر ربوضًا، وأربضها أنا. و"الأعطان" جمع عطن، وقد مرّ تفسيره. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله ابن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: قال رجل للنبي ﵇: "أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: لا. قال: أصلي في معاطن الإبل؟ قال: لا. قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: نعم". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، والأعمش هو سليمان، وعبد الله بن عبد الله هو المذكور في السند السابق. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: أنا أبو معاوية، قال: أنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الوضوء من لحوم الإبل، قال: توضئوا منها. وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضئوا منها. وسئل عن الصلاة في مَبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطن. وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة". وأخرجه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) مختصرًا.

стр. 2913

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر (ح). وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قالا: ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم ومعاطن الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل". ش: هذان إسنادان صحيحان: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن هشام بن حسان العنبري، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (١): ثنا أبو كريب، قال: نا يحيى، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "صلّوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يزيد بن هارون، وثنا أبو بشر بكر بن خلف، نا يزيد بن زريع، قالا: نا هشام بن حسان، عن محمَّد ابن سيرين، عن أبي هريرة: قال قال رسول الله ﵇: "إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن سماك بنحرب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، أن رجلًا قال: "يا رسول الله، أصلي في مَبَاءة الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مباءة الإبل؟ قال: لا".

стр. 2914

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا إسنادان صحيحان: أحدهما: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر بن سمرة، عن جده جابر بن سمرة، أن رجلًا قال: "يا رسول الله أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أصلي في مباءة الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مباءة الإبل؟ قال: لا". قوله: "في مَبَاءة الإبل" أي في منزلها الذي تأوي إليه وهو المتبوّأ أيضًا، يقال: بوأه منزلًا أي أسكنه، وتبوأت منزلًا أي اتخذته، والمَبَاءة -بفتح الميم- اسم الموضع منه. والآخر: عن ابن خزيمة أيضًا، عن حجاج بن منهال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري ... إلى آخره. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (٢): ثنا محمَّد بن سليمان لُوَيْنٌ، نا أبو عوانة، عن عثمان بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "كنت جالسًا عند النبي ﵇ فسألوه: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ فقال: إن شئتم فتوضئوا وإن شئتم لا توضئوا. فقالوا: يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، توضئوا. قالوا: يا رسول الله، نصلى في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قالوا: نصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا".

стр. 2915

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بطرق متعددة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن الحسن، عن عبد الله بن مُغفل قال: قال رسول الله ﵇: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". ش: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، ومبارك بن فضالة القرشي البصري فعن يحيى: ضعيف. ووثقه ابن حبان، وقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا، فإذا قال: حدثنا فهو ثقة. استشهد به البخاري، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. والحسن هو البصري. والحديث أخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا نعيم، عن يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل المزني ... إلى آخره نحوه. ص: فذهب قوم إلى أن الصلاة في أعطان الإبل مكروهة واحتجوا بهذه الآثار، حتى غلَّظ بعضهم في حكم ذلك فأفسد الصلاة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: الصلاة في أعطان الإبل مكروهة، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، ويروى هذا عن عبد الله بن عمر وجابر بن سمرة. قوله: "حتى غلَّظ بعضهم" أي بعض هؤلاء القوم وأراد به أحمد؛ فإنه قال في رواية مشهورة عنه: إنه إذا صلى في أعطان الإبل فسدت صلاته وعليه أن يعيدها، وعنه: إنها صحيحة وليس عليه الإعادة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فأجازوا الصلاة في ذلك الموطن. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالكًا

стр. 2916

والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا وجمهور العلماء؛ فإنهم أجازوا الصلاة في أعطان الإبل لعموم قوله ﵇ "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، ويأتي الجواب عن الحديث المذكورة الآن إن شاء الله تعالى. ص: وكان من الحجة لهم: أن هذه الآثار التي نهت عن الصلاة في أعطان الإبل قد تكلم الناس في معناها وفي السبب الذي من أجله كان النهي، فقال قوئم: أصحاب الإبل من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول فينجِّسون بذلك أعطان الإبل، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل لذلك لا لعلة الإبل، وإنما هو لعلة النجاسة التي تمنع من الصلاة في أي موضع ما كانت، وأصحاب الغنم من عادتهم تنظيف مواضع غنمهم وترك البول فيه والتغوط فأبيحت الصلاة في مرابضها لذلك. هكذا روي عن شريك بن عبد الله أنه كان يفسّر هذا الحديث على هذا المعنى. وقال يحيى بن آدم: ليس من قبل هذه العلة عندي جاء النهي، ولكن من قِبَل أن الإبل يُخاف وثوبها فتعطب من تلاقي حينئذٍ، ألا ترى أنه يقول: إنها جنّ ومن جنٍّ خلقت، وفي حديث رافع بن خديج، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش" وهلا فغير مخوف من الغنم؛ فأمر باجتناب الصلاة في معاطن الإبل خوف ذلك من فعلها, لا لأن لها نجاسة ليس للغنم مثلها، وأبيحت الصلاة في مرابض الغنم لأنه لا يُخاف منها ما يخاف من الإبل. حدثني خلاد بن محمَّد، عن ابن الثلجي، عن يحيى بن آدم بالتفسيرين جميعًا. حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، أن عياضًا قال: "أنما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل؛ لأن الرجل يستتر بها ليقضي حاجته". فهذا التفسير موافق لتفسير شريك.

стр. 2917

ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين وهم أهل المقالة الثانية، وأشار بذلك إلى أن الأحاديث المذكورة محمولة على معاني يمنع الاحتجاج بها لما ذهب إليه أهل المقالة الأول على الإطلاق، وذكر فيها ثلاثة معاني أسند الاثنين عن خلاد بن محمَّد الواسطي، عن محمد بن شجاع بن الثلجي -بالثاء المثلثة- البغدادي من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي، عن يحيى بن آدم بن سليمان القرشي أبي زكرياء الكوفي روى له الجماعة، ذكره أصحابنا في جملة الأئمة الحنفية ﵏، وأسند المعنى الثالث عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن عياض، ذكره غير منسوب، والظاهر أنه عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، ويحتمل أن يكون عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر القرشي الفهري المدني، نزيل مضر، وثقه ابن حبان، وعلَّل الخطابي أيضًا بالعلة الثانية، وذكر القاضي عياض في "شرح مسلم" العلة الثالثة. وذكر الخطابي عن بعضهم علة أخرى وهي أن معنى النهي عن الصلاة في أعطان الإبل: أن المراد بذلك ما سَهُل من الأرض؛ لأنها مبوأ الإبل إذ لا تألف الحرونة، ومثل ذلك لا تظهر فيها النجاسة لإثارة ترابها وكثرته واختلاطها به فلا يؤمن كونها فيه. قال القاضي عياض: وهذا بعيد في الفقه والتأويل. والصواب ما قاله يحيى بن آدم, لأن ما جاء أنها جِنّ ومن جِنٍّ خلقت يساعد هذا؛ لأنه يدل صريحًا أن سبب النهي عن الصلاة في أعطان الإبل هو كونها مخلوقة من الجن؛ لأنه ﵇ عَلّل بقوله: "فإنها خُلِقَتْ من الشياطين"، هذا في لفظ أبي هريرة، رواه ابن ماجه كما ذكرناه.

стр. 2918

وفي رواية أبي داود عن البراء بن عازب: فإنها من الشياطين، فهذا يدل على [أن] (١) الإبل مخلوقة من الجن؛ لأن الشياطين من الجن على الصحيح من الأقوال التي ذكرت عن العلماء، وكذا حديث رافع بن خديج يؤيد هذا التأويل. أخرجه البخاري (٢)، وقال: حدثني موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن جده رافع بن خديج قال: "كنا مع النبي ﵇ بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي ﵇ في أخريات الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع إليهم النبي ﵇ فأمر بالقدور فأكفئت ثم قسم فعدل عشرةً من الغنم ببعير، فندَّ منها بعير وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي ﵇: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ندَّ [عليكم منها] (٣) فاصنعوا به هكذا ... " الحديث. وأخرجه مسلم (٤) وأبو داود (٥) والتزمدي (٦). قوله: "أوابد" جمع آبدة وهي التي قد تأبدت أي توحشت ونفرت من الإنس، وقد أَبَدَتْ تأبِد وتأبَدُ من باب نَصَرَ يَنْصُرُ وضَرَبَ يَضْرِبُ. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ كان يصلي إلى بعيره".

стр. 2919

ش: إسناده صحيح، ومحمد بن سعيد بن سليمان الكوفي أبو جعفر الأصبهاني شيخ البخاري، وأبو بكر عبد الله بن أبي شيبة محمَّد بن إبراهيم الكوفي الحافظ شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه. وأبو خالد الأحمر اسمه سليمان بن حيان روى له الجماعة، وعبيد الله بن عمر العمري. وأخرجه البخاري (١): ثنا صدقة بن الفضل، ثنا سليمان بن حيان، نا عبيد الله، عن نافع قال: "رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره وقال: رأيت رسول الله ﵇ يفعله". وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير، قالا: نا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ كان يصلي إلى راحلته" وقال ابن نمير: "إن النبي ﵇ صلى إلى بعيره". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا عثمان بن أبي شيبة ووهب بن بقية وابن أبي خلف وعبد الله بن سعيد -قال عثمان-: نا أبو خالد، قال: أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ يصلي إلى بعيره". وأخرجه الترمذي (٤): ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ صلى إلى بعيره أو راحلته، وكان يصلي على راحلته حيث ما توجهت به". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. واعلم أن البخاري أخرج هذا الحديث في باب "الصلاة في مواضع الإبل".

стр. 2920

وقال أبو بكر الإسماعيلي: ليس في هذا الحديث بيان أنه صلى في موضع الإبل وإنما صلى إلى البعير لا في موضعه، وليس إذا أنيخ بعير في موضع صار ذلك عطنًا أو مأوى للإبل. فإن قيل: فهذا الطحاوي أيضًا قد أخرجه في باب "الصلاة في أعطان الإبل" كالبخاري فما قيل فيه فهو وارد فيه. قلت: ليس كذلك؛ لأن الطحاوي لم يبوِّب على هذا الحديث كالبخاري، وإنما ذكره في هذا الباب لبيان إباحة الصلاة إلى البعير، وليدل على أن النهي عن الصلاة في أعطان الإبل لا لأنه لا يجوز الصلاة بحذائها كما يصرح به هكذا، على ما يجيء عن قريب. ثم اعلم أن القرطبي قال: في هذا الحديث دلالة أن أبوال الإبل ليست بنجسة وكذا روثها, ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطنها؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء. وقال ابن التين: عن مالك: ولا يُصلّى إلى الخيل والحمير؛ لأن أبوالها نجسة. قلت: عند محمَّد بن الحسن: أبوال الفرس طاهرة فيصلى إليها. ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يحيى بن أبي بكير العَبدي، قال: ثنا إسرائيل، عن زياد المُصَفّر، عن الحسن، عن المقدام الرهاوي قال: "جلس عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحارث بن معاوية ﵃ فقال أبو الدرداء: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﵇ حين صلّى بنا إلى بعير من المغنم؟ فقال عبادة: أنا. قال: فحدِّث. قال: صلَّى بنا رسول الله ﵇ إلى بعير من المغنم ثم مدَّ يده فأخذ وَبَرةَ من البعير فقال: ما يحلَّ لي من غنائمكم هذه إلا الخُمس وهو مردود فيكم".

стр. 2921

ش: يحيى بن أبي بكير واسمه بشر، ويقال: نسر -بالنون والسين المهملة- ويقال: بشير بن أسيد العبدي القيسي أبو زكرياء الكرماني، روى له الجماعة. وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة. وزياد المصَفِّر مولى مصعب، كنيته أبو عثمان، وثقه ابن حبان. والحسن هو البصري، والمقدام الرهاوي ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين. والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١): قال: حدثني يحيى بن عثمان أبو زكرياء البصري الحربي، نا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله، عن أبي سلام، عن المقدام بن معدي كرب الكندي: "أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله ﵇ في غزوة كذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: قال إسحاق -يعني ابن عيسى- في حديثه: إن رسول الله ﵇ صلى بهم في غزوتهم إلى بعير من المقسم، فلما سلَّم قام رسول الله ﵇ فتناول وَبَرةً بين أنملتيه فقال: إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخَيْط والِمخْيط وأكبر من ذلك وأصغر، لا تغلّوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله ﵎ القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله ﵎ به من الهم والغم". وأخرجه أحمد أيضًا (٢): عن أبي اليمان وإسحاق بن عيسى، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام- قال

стр. 2922

إسحاق الأعرج-: عن المقدام بن معدي كرب الكندي: "أنه جلس مع عبادة ابن الصامت ... إلى آخره نحوه. ص: ففي هذين الحديثين إباحة الصلاة إلى البعير، فثبت بذلك أن الصلاة إلى البعير جائزة، وأنه لم يُنْه عن الصلاة في أعطان الإبل. لأنه لا يجوز الصلاة بحذائها، واحتمل أن تكون الكراهة لعلة ما يكون من الإبل في معاطنها من أرواثها وأبوالها. فنظرنا في ذلك فرأينا مرابض الغنم كلٌّ قد أجمع على جواز الصلاة فيها، وبذلك جاءت الروايات التي رويناها عن رسول الله ﵇ , وكان حكم ما يكون من الإبل في أعطانها من أبوالها وغير ذلك حكم ما يكون من الغنم في مرابضها من أبوالها وغير ذلك لا فرق بين شيء من ذلك في نجاسة ولا طهارة؛ لأن مَن جعل أبوال الغنم طاهرةَّ جَعل أبوال الإبل كذلك، ومن جعل أبوال الإبل نجسة جعل أبوال الغنم كذلك، فلما كانت الصلاة قد أبيحت في مرابض الغنم في الحديث الذي نهي فيه عن الصلاة في أعطان الإبل؛ ثبت أنَ النهي عن ذلك ليس لعلة نجاسة ما يكون منها؛ إذ كان ما يكون من الغنم حكمه مثل ذلك. ولكن العلة التي لها كان النهي هو ما قال شريك أو ما قال يحيى بن آدم، فإن كان لِمَا قال شريك فإن الصلاة مكروهة حيث يكون الغائط والبول كان عطنًا أو غيره، وإن كان لِما قال يحيى ابن آدم فإن الصلاة مكروهة حيث يُخاف على النفوس كان عطنًا أو غيره. فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما حكم ذلك من طريق النظر، فإنا رأيناهم لا يختلفون في مرابض الغنم أن الصلاة فيها جائزة، وإنما اختلفوا في أعطان الإبل، فقد رأينا حكم لحمان الإبل كحكم لحمان الغنم في طهارتها، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها في طهارتها أو نجاستها فكان يجيء في النظر أيضا أن يكون حكم الصلاة في مواضع الإبل كهو

стр. 2923

في مواضع الغنم قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أراد بهذين الحديثين: حديث ابن عمر وحديث عبادة بن الصامت ﵃. قوله: "وأنه" أي: وثبت أنه، أي: أن الشأن. قوله: "لم يُنْهَ" على صيغة المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم، يعني: وأن النبي ﵇ لم يَنْهَ عن الصلاة في أعطان الإبل لكون عدم جواز الصلاة بحذائها. قوله: "كلٌّ قد أجمع" أي كل واحد من الفريقين. قوله: "لأن من جعل أبوال الغنم طاهرةً" وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومالك وأحمد ومحمد بن الحسن. وفي "المغني": قال مالك: لا يرى أهل العلم أبوال ما يؤكل لحمه ويشرب لبنه نجسًا، ورخّص في أبوال الغنم الزهري ويحيى الأنصاري. قال ابن المنذر: أجمع كلُ من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه اشترط أن تكون سليمةً من أبعارها وأبوالها. وعن أحمد: أن ذلك نجس. وهو قول الشافعي وأبي ثور، ونحوه عن الحسن؛ لأنه دخل في عموم قوله ﵇: "تنزهوا من البول". قوله: "ومن جعل أبوال الإبل نجسة" وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وأحمد في رواية, والباقي ظاهر. ص: وقد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا الليث بن سَعْد قال: هذه نسخة رسالة عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد يذكر فيها: أما ما ذكرت من معاطن الإبل فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان رسول الله ﵇ يصلي على راحلته، وقد كان ابن عمر ومَن أدركنا من خيار أرضنا يُعْرِضُ أحدُهم ناقته بينه وبين القبلة فيُصلّي إليها وهي تَبْعُر وتَبول.

стр. 2924

ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من قوله: فثبت بذلك أن الصلاة إلى البعير جائزة ... إلى آخره. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري شيخ البخاري. وعبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ القرشي المخزومي المدني، روى له الجماعة، البخاري في "الأدب".

стр. 2925

ص: باب: الإمام تفوته صلاة العيد هل يصليها من الغد أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان أن الإِمام إذا فاتته صلاة العيد يوم العيد هل له أن يصلِّيها من غد يوم العيد أم لا؟ وجه المناسبة بين البابين: مِنْ أن في الباب الأول المنع عن الصلاة في المكان المخصوص، وفي هذا الباب المنع عنها في الزمان المخصوص. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا هشيم بن بشر، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن أبي عمير بن أنس بن مالك، قال: أخبرني عمومتي من الأنصار: "أن الهلال خَفِيَ على الناس في آخر ليلة من شهر رمضان في زمن النبي ﵇ فأصبحوا صيامًا، فشهدوا عند النبي ﵇ بعد زوال الشمس أنهم رأوا الهلال الليلة الماضية، فأمر رسول الله ﷺ بالفطر فأفطروا تلك الساعة وخرج بهم من الغد فصلى بهم صلاة العيد". ش: عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، وهشيم بن بشير السلمي أبو معاوية الواسطي روى له الجماعة، وأبو بشر جعفر بن إياس اليشكري وهو جعفر بن أبي وحشية الواسطي روى له الجماعة. وأبو عمير بن أنس بن مالك اسمه عبد الله، قاله الحاكم أبو أحمد، وكان أكبر ولد أنس بن مالك، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. وعمومته من الأنصار الصحابة منهم، وهو جمع عم كالخؤولة جمع خال. وأخرجه الدارقطني في "علله"، وقال: هذا حديث اختلف فيه، فرواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، وخالفه غيره من أصحاب شعبة، فرووه عن شعبة، عن أبي بشر، عن أبي عُمَير بن أنس، عن عمومته، عن النبي ﵇. وكذلك رواه أبو عوانة وهشيم، عن أبي بشر، وهو الصواب.

стр. 2926

وقال ابن القطان في كتابه: وعندي أنه حديث يجب النظر فيه، ولا نقبل إلا أن تثبت عدالة أبي عمير فإنه لا يعرف له كثير شيء، وإنما له حديثان أو ثلاثة لم يروها عنه غير أبي بشر، ولا أعرف أحدًا عرف من حاله ما يوجب قبول روايته ولا هو من المشاهير المختلف في انتفاء مزيد العدالة على إسلامهم، وقد ذكر الماوردي حديث هذا وسماه في "مسنده" عبد الله، وهذا لا يكفي في التعريف بحاله، وفيه مع الجهل بحال أبي عمير كون عمومته لم يُسَمَّوْا، فالحديث جدير بأن لا يقال فيه: صحيح. قلت: قال النووي في "الخلاصة": هو حديث صحيح، وعمومة أبي عمير صحابة لا يضر جهالة أعيانهم؛ لأن الصحابة كلهم عدول، واسم أبي عمير عبد الله. وقال الخطابي: وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب. وقال ابن حزم في "المحلى": هذا مسند صحيح، وأبو عمير مقطوع على أنه لا يخفى عليه من أعمامه مَنْ صحت صحبته مع النبي ﵇ ممن لم تصح صحبته، والصحابة كلهم عدول. ويستفاد منه: أن الجماعة إذا شهدت برؤية الهلال بالأمس وجب الإفطار، وأنهم يصلون صلاة العيد من الغد على ما نبينه مع الخلاف فيه، وأن شهر رمضان يجيء تسعة وعشرين يومًا. ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: إذا فاتت الناس صلاة العيد في صدر يوم العيد صلوها من غد ذلك اليوم في الوقت الذي يصلونها فيه يوم العيد، وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ﵀. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وابن المنذر؛ فإنهم قالوا: إذا فاتت صلاة العيد من يومه تصلى من غده، وذهب إليه أيضًا أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، والخطابي من أصحاب الشافعي.

стр. 2927

وقال صاحب "الهداية": فإن غُم الهلال وشهدوا عند الإِمام بالهلال بعد الزوال صلى العيد من الغد؛ لأن هذا تأخير بعذر، وقد ورد فيه الحديث، فإن حدث عذر منع الناس من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده, لأن الأصل فيها أن لا تقضي إلا أنّا تركناه بالحديث، وقد ورد بالتأخير إلى اليوم الثاني عند الغد. قلت: أشار بقوله: "وقد ورد فيه الحديث" إلى حديث أبي عمير هذا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إذا فاتت الصلاة يوم العيد حتى زالت الشمس من يومه لم تُصلّ في ذلك اليوم ولا فيما بعده، وممن قال ذلك أبو حنيفة ﵀. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مالكًا والشافعي وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: إذا فاتت الصلاة يوم العيد حتى زالت الشمس من يوم العيد لم تُصلّ بعد ذلك لا في هذا اليوم ولا فيما بعده، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة ﵀. وقال الخطابي ﵀: قال الشافعي: إن علموا بذلك قبل الزوال خرجوا وصلى الإِمام بهم صلاة العيد، وإن لم يعلموا إلا بعد الزوال لم يصلوا يومهم ولا من الغد؛ لأنه عمل في وقت إذا جاز ذلك الوقت لم يعمل في غيره، وكذلك قال مالك وأبو ثور. وقال صاحب "البدائع": فإن ترك الناس صلاة العيد في اليوم الأول في عيد الفطر بغير عذر حتى زالت الشمس لم تُصلّ من الغد، وإن تركوها لعذر صلي من الغد قبل الزوال، فإن تركها من الغد حتى زالت الشمس سقطت أصلًا سواء تركها لعذر أو لغير عذر. انتهى. وهذا كما ترى لم يذكر فيه خلافًا عن أبي حنيفة ولا ذكره صاحب "الهداية"، والذي يفهم من كلام الطحاوي: أن أبا حنيفة لا يرى صلاة العيد أن تُصلّى في غد العيد سواء فاتت عن يوم العيد بعذر أو بغير عذر، وهذا خلاف ما ذكره

стр. 2928

أصحابنا الحنفية كصاحب "الهداية" و"البدائع" وغيرهما من الكتب المشهورة، وكذلك ذكر ابن حزم في "المحلى" عن أبي حنيفة موافقًا لما ذكر هؤلاء، ولكن القول ما ذكره الطحاوي؛ لأنه أعلم الناس باختلاف العلماء. إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن الحفاظ ممن روى هذا الحديث عن هشيم لا يذكرون فيه أنه صلى بهم من الغد، فممن روى ذلك: هشيم ولم يذكر فيه يحيى بن حسان وسعيد بن منصور وهو أضبط الناس لألفاظ هُشَيم وهو الذي ميّز للناس ما كان هُشَيم يُدَلس به من غيره. حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، قال: أخبرني عمومتي من الأنصار من أصحاب النبي ﵇ قالوا: "أُغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركبٌ من آخر النهار فشهدوا عند النبي ﵇ أنهم رأوا الهلال بالأَمْس، فأمرهم النبي ﵇ أن يفطروا من يومهم، ثم ليخرجوا لعيدهم من الغد". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر ... فذكر بإسناده مثله. فهذا هو أصل هذا الحديث لا كما رواه عبد الله بن صالح، وأمرُه إياهم بالخروج من الغد لعيدهم قد يجوز أن يكون أراد بذلك أن يجتمعوا فيدعوا أو لتُرَى كثرتهم فيتناهى ذلك إلى عدوهم فيَعظم أمرهم عنده، لا لأنِ يصلوا كما يُصلى العيدُ. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه أن الحُفَّاظ -بضم الحاء جمع حافظ- بيان ذلك أن أصل هذا الحديث الذي احتج به أهل المقالة الأولى رواه الحفاظ ممن رواه عن هشيم من غير ذكر أنه صلى بهم من الغد، فممن روى ذلك عن هشيم ولم يذكر هذه اللفظة: يحيى بن حسان بن حيان البكري أبو زكرياء البصري نزيل بلبيس أحد مشايخ الشافعي، وأحد رجال

стр. 2929

"الصحيحين" وأبي داود والترمذي والنسائي، بيّن ذلك بقوله: "حدثنا سليمان ابن شعيب، وهو الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني يروي عن يحيى بن حسان المذكور، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن أبي عمير بن أنس بن مالك، قال: أخبرني عمومتي من الأنصار ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) نحوه: من حديث هشيم، عن أبي بشر، قال: أخبرني أبو عمير بن أنس بن مالك قال: وكان أكبر ولده، قال: حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵇ قال: "أغمي علينا هلال شوال فأصبحوا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﵇ أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد" وقال: هذا إسناد صحيح. وممن رواه عن هشيم ولم يذكر هذه اللفظة أيضًا سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، بيَّن ذلك بقوله:"حدثنا صالح" وهو صالح بن عبد الرحمن بن الحارث، عن سعيد بن منصور ... إلى آخره. قوله: "فهذا هو أصل هذا الحديث" أي أصل هذا الحديث هو الذي رواه الحافظان يحيى بن حسان وسعيد بن منصور، كلاهما عن هشيم لا كما رواه عبد الله بن صالح، عن هشيم، فإن عبد الله بن صالح انفرد بهذه اللفظة في روايته عن هشيم فلا يتابع عليه. قوله: "وأمرُه إياهم بالخروج" جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا أن أصل هذا الحديث مثل ما رواه الحفاظ عن هشيم بدون هذه اللفظة أعني: "فصلى بهم من الغد" لا كما رواه عبد الله بن صالح عنه بهذه اللفظة، ولكنه ﵇ أمرهم أن يخرجوا لعيدهم من الغد، فدل ذلك على ما يدعيه أهل المقالة الأولى.

стр. 2930

وتقرير الجواب أن يقال: إن أمره ﵇ إياهم بالخروج من الغد لأجل عيدهم قد يجوز أن يكون لأحد المعنيين: الأول: أن يجتمعوا ويدعوا الله تعالى؛ لأنه يوم مجاور ليوم شريف وفيه مظنة الإجابة، ولا يلزم من الاجتماع هذا فعل الصلاة. الثاني: أن يكون المراد من ذلك اجتماعهم في ذلك اليوم لتظهر كثرتهم وقوتهم ويبلغ ذلك إلى أعداء الدين فيعظم أمرهم عندهم ويقع رعبهم في قلوبهم، لا لأن يصلوا كما تُصلّى صلاة العيد، والله أعلم. قوله: "أغمي عليه" على صيغة المجهول، يقال: أغمي علينا الهلال، وغمّي فهو مُغمّى ومُغمّى إذا حال دون رؤيته غيم أو قترة كما يقال: غم علينا يقال: صُمنا للغُمّى والغَمّى -بالضم والفتح- أي: صمنا عن غير رؤية وأصل التغمية الستر والتغطية ومنه أغمي على المريض إذا غشي عليه كأن المرض ستر عقله وغطاه. قوله: "فأصبحنا صيامًا" أي صائمين وهو جمع صائم كالقيام جمع قائم والنيام جمع نائم. قوله: "فجاء ركب" أي جماعة، وهو جمع راكب، ويقال: الركب اسم من أسماء الجمع كالنفر والرهط. ص: وقد رأينا المصلي في يوم العيد قد كان أُمر بحضور من لا يصلّي. حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: أنا هشيم، قال: أنا منصور، عن ابن سيرين، عن أم عطية. وهشام، عن حفصة، عن أم عطية قالت: "كان رسول الله ﵇ يُخرِج الحُيّض وذوات الخدور يوم العيد، فأما الحُيّض فيعتزلن ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين". وقال هشيم: فقالت امرأةٌ: "يا رسول الله إن لم يكن لإحدانا جلبابٌ؟ قال: فلْتُعِرها أختُها جلبابها".

стр. 2931

فلما كنّ الحُيَّض يخرجن لا لأجل الصلاة، ولكن لأن تصِيَبهُنّ دعوةُ المسلمين احتمل أن يكون النبي ﵇ أمر الناس بالخروج من غد العيد لأن يجتمعوا فيَدْعوا فتُصيبهم دعوتهم لا للصلاة. ش: أشار بهذا الكلام إلى تأييد ما ذكره من قوله: "قد يجوز أن يكون أراد بذلك أن يجتمعوا فيدعو لا لأن يصلوا كما يصلى العيد"، بيان ذلك أن الخروج إلى المصلى في غد العيد لا يلزم منه أن يصلوا كما يصلون يوم العيد، ألا ترى أنه ﵇ كان يُخرج الحُيّض وذوات الخدور يوم العيد مع أنهن لم يكنّ يصلّين! وإنما كان القصد من ذلك أن يشهدن الخير وتصيبهن دعوة المسلمين. فعلم أن ذلك أنه لا يلزم من الخروج ولا من الأمر به فعل الصلاة؛ فدلّ ذلك أن أمره ﵇ بالخروج من غد العيد للمعنى الذي أمر به الحُيَّضَ وذوات الخدور لا لفعل الصلاة، والله أعلم. ثم إسناد الحديث المذكور صحيح ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا صالحًا. وحفصة هي ابنة سيرين أخت محمَّد بن سيرين روي لها الجماعة. وأم عطية اسمها نُسَيْبَة بنت كعب -ويقال: بنت الحارث- الأنصارية الصحابية. وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين قالت: "كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد، فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف فأتيتها فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي ﵇ ثنتي عشرة غزوة فكانت أختها معه في ست غزوات فقالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوي الكَلْمى، فقالت: يا رسول الله، على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين. قالت حفصة: فلما قدمَتْ أمُّ عطية أتيتها

стр. 2932

فسألتها: أسمعت في كذا وكذا؟ قالت: نعم، بأبي -وقلّ ما ذكرت النبي ﵇ إلا قالت: بأبي- قال: ليخرج العواتق ذوات الخدور. أو قال: العواتق وذوات الخدور -شك أيوب- والحُيَّض، وتعتزل الحُيَّض المصلى وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين. قالت: فقلت لها: الحُيَّض؟ قالت: نعم، أليس الحائض تشهد عرفات وتشهد كذا وكذا. وأخرجه مسلم (١): ثنا عمرو الناقد، قال: نا عيسى بن يونس، قال: ثنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحُيَّض، وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيَعْتزلن الصلاة ويَشْهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتُلْبسها أختُها من جلبابها". وقال أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، عن أيوب ويونس وحبيب ويحيى بن عتيق وهشام في آخرين، عن محمَّد، أن أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نخرِج ذوات الخدور يوم العيد، قيل: فالحُيَّض؟ قال: ليشهدن الخير ودعوة المسلمين. قال: فقالت امرأة: يا رسول الله، إن لم يكن لإحداهن ثوب كيف تصنع؟ قال: تلبسها صاحبتها طائفةً من ثوبها". وقال الترمذي (٣): نا أحمد بن منيع، قال: نا هشيم، قال: أنا منصور -وهو ابن زاذان- عن ابن سيرين، عن أم عطية: "أن رسول الله ﵇ كان يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيّض في العيدين، فأما الحيض فيَعْتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين، قالت إحداهن: يا رسول الله، إن لم يكن لها جلباب؟ قال: فلتعرها أختُها من جلابيبها".

стр. 2933

وقال (١): نا أحمد بن منيع، قال: ثنا هشيم، عن هشام بن حسّان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية بنحوه. وقال النسائي (٢): أنا عمرو بن زرارة، قال: أبنا إسماعيل، عن أيوب، عن حفصة قالت: "كانت أم عطية لا تذكر رسول الله ﵇ إلا قالت: يا أباه فقلت: أَسَمِعْتِ رسول الله ﵇ يذكر كذا وكذا؟ فقالت: نعم بأباه قال: قالت: لتخرج العواتق وذوات الخدود والحُيَّض ويشهدن العيد ودعوة المسلمين ولتعتزل الحُيَّض المصلى". وقال ابن ماجه (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نخرجهن في يوم الفطر والنحر، قال: قالت أم عطية: فقلنا: أرأيت إحداهن لا يكون لها جلبابٌ؟ قال: فتُلْبُسها أختها من جلبابها". قوله: "الحُيَّض" بضم الحاء وتشديد الياء جمع حائض. قوله: "وذوات الخدور" الخدور جمع خِدْر، قال ابن سيده: هو ستر يُمدّ للجارية في ناحية البيت، ثم صار كل ما واراك من بيت ونحوه خِدْرًا، والجمع خدُور وأخدار، وأخادير جمع الجمع، والخدر خشبات تُنصب فوق فقر البعير مستورة بثوب، وهودج مخدور ومخدر ذو خدر، وقد أخدر الجارية وخدّرها وتخدرت هي واختدرت. وفي "المخصص": الخدر: ثوب يمد في عرض الخباء فتكون فيه الجارية. وفي "المغيث" عن الأصمعي: الخدر: ناحية البيت تقطع للستر فتكون فيه الجارية البكر.

стр. 2934

وقال غيره: هو ستر يُمَدّ للجارية في ناحية البيت والهودج. وقال ابن قرقول: الخدر سرير عليه ستر، وقيل: الخدر البيت. قوله: "جلباب" الجلباب بالكسر جلد واسع كالملحفة تغطي به المرأة رأسها وصَدْرها وتَجَلْبَبَتْ المرأة وجَلْبَبها غيرها, ولم يدغم لأنه ملحق. وفي "المحكم": الجلباب القميص، وقيل: ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة، وقيل: ما تغطى به الثياب من فوق كالملحفة، وقيل: هو الخمار. وفي "الصحاح": الجلباب الملحفة، والمصدر الجلببة ولم تدغم لأنها ملحقة بِدَحْرَجَة. وفي "الغريبين": الجلباب: الإزار، وقيل: هو الملاءة التي يشتمل بها. وقال عياض: هو أقصر من الخمار وأعرض وهي المقنعة، وقيل: دون الرداء تغطي به المرأة ظهرها وصدرها. ويستفاد منه أحكام: استدلت به طائفة على جواز خروج النساء للعيدين. قال القاضي: واختلف السلف في خروجهن للعيدين، فرأى ذلك جماعة حقًّا عليهن، منهم: أبو بكر وعلي وابن عمر ﵃، ومنهم من منعهن ذلك منهم: عروة والقاسم ويحيى الأنصاري ومالك وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرةً ومنعه مرةً. وقال الترمذي: وروي عن ابن المبارك: أكره اليوم خروجهن في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرج فلتخرج في أطمارها بغير زينة، فإن أبت ذلك فللزوج أن يمنعها. ويروى عن الثوري أنه كره اليوم خروجهن. قلت: وهذا كان في ذلك الزمان لأمنهن عن المفسدة بخلاف اليوم، ولهذا صح عن عائشة ﵂: "لو رأى رسول الله ﵇ ما أحدث النساء لمنعهن عن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل"، فإذا كان الأمر قد تغير في زمن عائشة حتى قالت هذا القول فماذا يكون اليوم الذي ظهر فيه الفساد في الصغير والكبير

стр. 2935

والبر والبحر، وعندي الفتوى على المنع، وأن خروجهن حرام ولا سيما في الديار المصرية. وفيه: منع الحُيَّض من المصلى منع تنزيه لا تحريم، وعن أبي الفرج الدارمي الشافعي عن بعض الأصحاب: تحريم المكث على الحائض في المصلى كالمسجد. وقال النووي: والصواب الأول. واستدل به بعضهم على وجوب صلاة العيدين. وقال القرطبي: لا يستدل به على الأمر بوجوب صلاة العيدين؛ لأن هذا إنما توجه لمن ليس بمكلف للصلاة باتفاق، وإنما المقصود التدرب على الصلاة والمشاركة في الخير وإظهار جمال الإِسلام. وفيه جواز استعارة الثياب للخروج إلى الطاعات، والله أعلم. ص: وقد روى هذا الحديث شعبة، عن أبي بشر كما رواه سعيد ويحيى لا كما رواه عبد الله بن صالح. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وُهيب، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت أبا عمير بن أنس (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر ... فذكر مثله بإسناده غير أنه قال: "وأمرهم إذا أصبحوا أن يخرجوا إلى مصلاهم". فمعنى ذلك أيضًا معنى ما روى يحيى وسعيد عن هشيم، وهذا هو أصل الحديث. ش: أشار به إلى الحديث الذي رواه أبو عمير عن عمومته الأنصار من الصحابة، وأراد بهذا تأييد ما ذكره من أصل هذا الحديث هو الذي رواه الحافظان يحيى بن حسان وسعيد بن منصور، عن هشيم لا كما رواه عبد الله بن صالح، عن هشيم؛ وذلك أن شعبة الحافظ أيضًا الذي يُسمّى أمير المؤمنين في الحديث قد روى هذا الحديث عن أبي بشر جعفر بن إياس مثل ما رواه يحيى وسعيد لا مثل مارواه عبد الله بن صالح.

стр. 2936

وأخرج ذلك بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق من طريقين: الأول: عنه، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن أبي عمير بن أنس ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر النَيْسابوري، ثنا أحمد بن سعيد بن صخر، ثنا النضر بن شميل. وثنا أبو بكر، نا إبراهيم بن مرزوق، نا وهب بن جرير وروح بن عبادة. وثنا أبو بكر، ثنا محمَّد بن إسحاق، ثنا أبو النضر، قالوا: ثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت أبا عمير بن أنس يحدث، عن عمومته من الأنصار، وقال أبو النضر: عن عمومة له من الأنصار: "أنهم كانوا عند رسول الله ﵇ من آخر النهار، فجاء ركب فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي ﵇ أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم". الثاني: عنه، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن أبي بشر ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): نا حفص بن عمر، نا شعبة، عن جعفر بن أبي وحشية، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومةٍ له من أصحاب النبي ﵇: "أن ركبًا جاءوا إلى النبي ﵇ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم". وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) أيضًا. وأخرج ابن حبان في "صحيحه" (٥): من حديث سعيد بن عامر، ثنا سعيد،

стр. 2937

عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن عمومةً له شهدوا عند النبي ﵇ على رؤية الهلال فأمرهم النبي ﵇ أن يخرجوا للعيد من الغد". ص: ولما لم يكن في الحديث ما يَدّلنا على حكم ما اختلفوا فيه من الصلاة في الغد فنظرنا في ذلك فرأينا الصلوات على ضربين: فمنها ما الدهر كله لها وقتٌ غيرَ الأوقات التي لا تُصلّى فيها الفريضة، فكان ما فات منها في وقته فالدهر كله وقتٌ تُقْضَى فيه غير ما نهي عن قضائها فيه من الأوقات. ومنها ما جُعل له وقت خاص ولم يُجعل لأحدٍ أن يُصليَه في غير ذلك الوقت، من ذلك الجمعة حكمها أن تُصلى يوم الجمعة من حين تزول الشمس إلى أن يدخل وقت العصر فإذا خرج ذلك الوقت فاتت ولم يجز أن تُصلّى بعد ذلك في يومها ذلك ولا فيما بعده، فكان ما لا يُقضي في بقية يومه بَعْد فوات وقته لا يُقضي بعد ذلك، وما يُقضى بعد فوات وقته في بقية يومه ذلك قضي من الغد وبعد ذلك، وكل هذا مُجمع عليه. وكانت صلاة العيد جُعِل لها وقت خاص في يوم العيد آخره زوال الشمس، وكلٌّ قد أجمع أنها إذا لم تُصلّ يومئذٍ حتى زالت الشمس أنها لا تُصلّى في بقية يومها ذلك، فلما ثبت أن صلاة العيد لا تقضى بعد خروج وقتها في يومها ذلك؛ ثبت أنها لا تُقضى بعد ذلك في غدٍ ولا غيره؛ لأنّا رأينا ما للذي فاته أن يقضيه من غد يومه جائز له أن يقضيه في بقية اليوم الدي وقته فيه، وما ليس للذي فاته أن يقضيه في بقية يَومْه ذلك فليس له أن يقضيه من غده، فصلاة العيد كذلك لما ثبت أنها لا تقضى إذا فاتت في بقية يومها؛ ثبت أنها لا تُقْضَى في غده، فهذا هو النظر في هذا الباب. وهو قول أبي حنيفة فيما روِى عنه بَعْضُ الناس، ولم نجده في رواية أبي يوسف عنه هكذا، والله أعلم.

стр. 2938

ش: أي: لما لم يكن في حديث أبي عمير بن أنس بن مالك المذكور ما يدل على فعل الصلاة من غد يوم العيد كما ذهب إليه أهل المقالة الأولى وذلك بما ذكره من الوجوه، نظرنا في حكم ذلك فوجدنا القياس يقتضي عدم فعل الصلاة من الغد، وبيّن ذلك بقوله: "فرأينا الصلوات ... " إلى آخره. وملخص ذلك: أن الصلوات على نوعين: نوع منها الدهر كله وقت له أداء وقضاء غير الأوقات التي منع فيها فعل الفرائض، ونوع منها جعل له وقت معين لا تفعل في غيره كالجمعة فإن وقتها وقت الظهر، فإذا خرج لا تُصلى أبدًا، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك صلاة العيد؛ لأن لها وقتًا معينا، فإذا فات لا تصلى قياسًا عليه. قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي وجه النظر المذكور هو قول أبي حنيفة "فيما روى عنه بعض الناس" قيَّد به لأن منهم من روى أنها تقضى من الغد، وعلى هذه الرواية شحنت كتب الحنفية ولكن الذي يفهم من كلام الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة هو ما ذكره أولًا فلذلك قال: ولم نجده في رواية أبي يوسف عنه.

стр. 2939

ص: باب: الصلاة في الكعبة ش: أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في جوف الكعبة، وجه المناسبة بين البابين أن فيما مضى يذكر حكم الصلاة في الزمان وهذا في حكم الصلاة في المكان. واشتقاق الكعبة من الكعب، وكل شيء علا وارتفع فهو كعبة، فمن ذلك سمي البيت الحرام كعبة، وقيل: سُمي بذلك لتكعيبه وهو تربيعه. وقال الجوهري: الكعبة البيت الحرام فسمّي بذلك لتربيعه. ص: حدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة القاضي البكراوي، قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: ثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: "أسمعت ابن عباس يقول: إنما أُمِرنا بالطواف ولم نؤمر بدخوله -يعني البيت-؟ فقال: لم يكن يَنْهاه عن دخوله، ولكن سمعته يقول: أخبرني أسامةُ بن زيد: أن رسول الله ﵇ لما دخل البيتَ دعا في نواحيه كلها ولم يُصلّ فيه شيئًا حتى خرج، فلما خرج صلى ركعتين وقال: هذه القبلة". ش: إسناده صحيح، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد الملك المكي، وعطاء هو ابن أبي رباح أحد مشايخ أبي حنيفة. وأخرجه مسلم (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعًا، عن أبي بكر -قال عبدٌ: أنا محمَّد بن أبي بكر- قال: أنا ابن جريج، قال: "قلت لعطاء: أَسمعْتَ ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطواف ولم تؤمروا بدخوله؟ قال: لم يكن ينهى عن دخوله، ولكنه سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد ﵁: "أن النبي ﵇ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يُصلّ فيه حتى خرج، فلما خرج

стр. 2940

ركع في قُبل البيت ركعتين وقال: هذه القبلة، قلت له: ما نواحيها أي -زواياها- قال: بل في كلٍّ قبلةٌ من البيت". وأخرج البخاري (١) بنحوه عن ابن عباس، عن النبي ﵇ ولم يذكر أسامة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس، أن الفضل بن عباس أخبره: "أن النبي ﵇ دخل البيت ولم يُصلّ، ولكنه لما خرج صلى عند باب البيت ركعتين". ش: إسناده صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الرزاق، نا ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أن ابن عباس كان يُخبر، أن الفضل بن عباس ﵁ أخبره: "أنه دخل مع النبي ﵇ البيت وأن النبي ﵇ لم يصلّ في البيْت حين دخل ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت". ص: حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: أنا موسى بن داود، قال: ثنا همام، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ دخل الكعبة وفيها ستّ سواري فقام إلى كل سارية كذا ولم يُصلّ". ش: إسناده صحيح أيضًا، وعلي بن زيد بن عبد الله الفرضي أبو الحسن الطرسوسي، وموسى بن داود أبو عبد الله الضَّبّي قاضي طرسوس وشيخ أحمد، وهو مصنف مكثر مأمون روى له مسلم وأبو داود، وهمام هو ابن يحيى بن دينار أبو بكر البصري روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (٣): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا همام، قال: نا عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ دخل الكعبة وفيها ستّ سواري، فقام عند سارية فدعا ولم يصل".

стр. 2941

ص: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز الصلاة في الكعبة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار, وبقول رسول الله ﵇ حين صلّى خارجًا من الكعبة: "إن هذه القبلة". ش: أراد بالقوم هؤلاء: مالكًا وأحمد وبعض الظاهرية، ولكن في مذهبهم تفصيل. فقال القاضي عياض: اختلف العلماء في الصلاة في الكعبة، فقال مالك: لا يُصلّى فيها الفرض ولا الوتر ولا ركعتا الفجر ولا ركعتا الطواف، ويُصلّى فيها التطوع. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: يُصلّى فيها كل شيء. وهو قول جماعة من السلف وبعض أهل الظاهر، وقال بعض الظاهرية: لا يُصلّى فيها نافلة ولا فريضة، ونحوه مذهب ابن عباس وأصبغ من أصحابنا يجعل المصلي في البيت يُعيد أبدًا. وفي "المغني": ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وجوَّزه أبو حنيفة والشافعي. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالصلاة في الكعبة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا ﵏؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالصلاة في جوف الكعبة فرضًا كانت أو تطوعًا. ص: وقالوا: قد يحتمل قول النبي ﵇: "هذه القبلة" ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون أراد به القبلة التي يُصلّي إليها إمامكم الذي تأتمون به وعندها يكون مقامه، فأراد بذلك تعليمهم ما أمر الله به من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وليس في ترك النبي ﵇ الصلاة فيها دليل على أنه لا يجوز الصلاة فيها. ش: أي: وقال الآخرون في جواب ما احتج به القوم المذكورون بقوله ﵇: "هذه القبلة".

стр. 2942

بيانه: أن قوله: "هذه القبلة" يحتمل ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون النبي ﵇ أراد به: أن هذه القبلة التي يصلي إليها إمامكم الذي تأتمون به، فعندها يكون مقام الإمام، فأراد ﵇ بذلك تعليمهم ما أمر الله من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فإذا كان كذلك لا يتم به الاستدلال. قوله: "ولكن في ترك النبي ﵇ الصلاة فيها" إشارة إلى الجواب عن الحديث المذكور. بيانه: أن ترك النبي ﵇ الصلاة في الكعبة في الحديث المذكور ليس دليلًا على عدم جواز الصلاة فيها؛ لأنه يجوز أن يكون ترك الصلاة فيها في ذلك الوقت وصلى في وقت آخر. على أن حديث أسامة بن زيد المذكور مُعَارض بما رواه أحمد في "مسنده" (٢) وابن حبان في "صحيحه" (٣) في النوع الخامس عشر من القسم الخامس عن عمارة ابن عُمَيْر، عن أبي الشعثاء، عن ابن عمر، أخبرني أسامة بن زيد: "أن النبي ﵇ صلى في الكعبة بين الساريتين". وأما حديث ابن عباس فإنه معلل بإلإرسال؛ فإنه رواه عن أخيه الفضل بن عباس. وقال السهيلي في "الروض الأنف": أخذ الناس بحديث بلال لأنه مثبت، وقدموه على حديث ابن عباس لأنه نافي، وإنما يؤخذ بشهادة المثبت، ومَنْ تأول قول بلال أنه صلى أبي دَعَا فليس بشيء؛ لأن في حديث ابن عمر: "أنه صلى ركعتين" رواه البخاري. ص: وقد رُوِيَت عن النبي ﵇ آثار متواترة أنه صلى فيها، فمن ذلك:

стр. 2943

ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵂: "أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحَجَبي، وأغلقها عليهم ومكث فيها، قال ابن عمر: فسألتُ بلالًا حين خرج: ماذا صنع النبي ﵇؟ قال: جعل عمودًا عن يساره وعَموديْن عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة، ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوًا من ثلاثة أذرع". ش: أي قد رُويت عن النبي ﵇ أحاديث متكاثرة أنه صلى في جوف الكعبة. فمن ذلك ما أخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة؛ فالبخاري (١): عن قتيبة بن سعيد، عن الليث على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه، وله روايات متعددة. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره. والترمذي (٤): عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال: "أن النبي ﵇ صلى في جوف الكعبة". والنسائي (٥): عن محمَّد بن [عبد] (٦) الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن

стр. 2944

نافع، عن عبد الله بن عمر: "أنه انتهى إلى الكعبة وقد دخلها النبي ﵇، وبلال وأسامة بن زيد، وأجاف عليه عثمان بن طلحة الباب فمكثوا فيها مليًّا ثم فتح الباب فخرج النبي ﵇، وركبت الدرجة ودخلتُ البيت، فقلتُ: أين صلى النبي ﵇؟ قالوا: ها هنا. ونسيت أن أسألهم كم صلى في البيت". وابن ماجه (١) عن (٢). ص: حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا الليث بن سَعْد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله، و"أنه صلى بين العَمُودين اليمانيين" إلا أنه لم يذكر كيف جعل العُمُد التي ذكرها مالك في حديثه. حدثنا محمدُ بن عزيز الأيلي، قال: ثنا سلامةُ بن رَوْح، عن عُقيَل، قال: أخبرني ابن شهاب، قال: أخبرني سالم، أن ابن عمر أخبره، فذكر بإسناده مثله. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا دُحَيْمُ بن اليتيم، قال: ثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعيّ، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر مثله، غير أنه قال: "أخبرني أنه صلى في جوف الكعبة بين العَمُودين اليمانيين". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ دخل يومَ فتح مكة ورديفه أسامة بن زيد، فأناخ في ظل الكعبة، قال ابن عمر: فسبقتُ الناسَ وقد دخل رسول الله ﵇ وبلال وأسامةُ في البيت، فقلت لبلال من وراء الباب: أين صلى النبي ﵇؟ قال: صلّى بحيالك بين الساريتين". حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود, قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال: "أن النبي ﵇ صلى في الكعبة".

стр. 2945

حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني محمَّد بن جعفر، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن قال: "كنت مع أبي، فلقِينا عبد الله ابن عمر، فسأله أبي وأنا أسمع: أين صلى النبي ﵇ حين دخل البيت؟ فقال ابن عمر: دخل النبي ﵇ بين أسامة بن زيد وبلال، فلما خرجا سألتُهما: أين صلى يعني النبي ﵇؟ فقالا: على جهته". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن أبي الشعثاء، عن ابن عمر ﵄ قال: "رأيته دخل البيت حتى إذا كان بين الساريتين مضى حتى لزق بالحائط فقام يُصلّي، فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، فصلى أربعًا، فقلت: أخبرني أين صلى النبي ﵇ من البيت؟ فقال ها هنا: أخبرني أسامةُ أنه رأى النبي ﵇ صلى في البيت". ش: هذه سبعة طرق أخرى عن عبد الله بن عمر، غير أن منها طريقًا عن ابن عمر، عن بلال ﵃، وطريقًا آخر عن ابن عمر، عن أسامة ﵁، وكلها صحاح: الأول: عن علي بن زيد الفرضي الطرسوسي، عن موسى بن داود قاضي طرسوس، روى له مسلم، عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: "دخل رسول الله ﵇ البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول مَنْ وَلج، فلقيت بلالًا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﵇؟ قال: نعم، بين العمودين". وله في رواية أخرى (٢): "فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله ﵇؟
следующие страницы →