← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ص: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز الصلاة في الكعبة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار, وبقول رسول الله ﵇ حين صلّى خارجًا من الكعبة: "إن هذه القبلة". ش: أراد بالقوم هؤلاء: مالكًا وأحمد وبعض الظاهرية، ولكن في مذهبهم تفصيل. فقال القاضي عياض: اختلف العلماء في الصلاة في الكعبة، فقال مالك: لا يُصلّى فيها الفرض ولا الوتر ولا ركعتا الفجر ولا ركعتا الطواف، ويُصلّى فيها التطوع. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: يُصلّى فيها كل شيء. وهو قول جماعة من السلف وبعض أهل الظاهر، وقال بعض الظاهرية: لا يُصلّى فيها نافلة ولا فريضة، ونحوه مذهب ابن عباس وأصبغ من أصحابنا يجعل المصلي في البيت يُعيد أبدًا. وفي "المغني": ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وجوَّزه أبو حنيفة والشافعي. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالصلاة في الكعبة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا ﵏؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالصلاة في جوف الكعبة فرضًا كانت أو تطوعًا. ص: وقالوا: قد يحتمل قول النبي ﵇: "هذه القبلة" ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون أراد به القبلة التي يُصلّي إليها إمامكم الذي تأتمون به وعندها يكون مقامه، فأراد بذلك تعليمهم ما أمر الله به من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وليس في ترك النبي ﵇ الصلاة فيها دليل على أنه لا يجوز الصلاة فيها. ش: أي: وقال الآخرون في جواب ما احتج به القوم المذكورون بقوله ﵇: "هذه القبلة".

стр. 2942

بيانه: أن قوله: "هذه القبلة" يحتمل ما ذكرتم، ويحتمل أن يكون النبي ﵇ أراد به: أن هذه القبلة التي يصلي إليها إمامكم الذي تأتمون به، فعندها يكون مقام الإمام، فأراد ﵇ بذلك تعليمهم ما أمر الله من قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فإذا كان كذلك لا يتم به الاستدلال. قوله: "ولكن في ترك النبي ﵇ الصلاة فيها" إشارة إلى الجواب عن الحديث المذكور. بيانه: أن ترك النبي ﵇ الصلاة في الكعبة في الحديث المذكور ليس دليلًا على عدم جواز الصلاة فيها؛ لأنه يجوز أن يكون ترك الصلاة فيها في ذلك الوقت وصلى في وقت آخر. على أن حديث أسامة بن زيد المذكور مُعَارض بما رواه أحمد في "مسنده" (٢) وابن حبان في "صحيحه" (٣) في النوع الخامس عشر من القسم الخامس عن عمارة ابن عُمَيْر، عن أبي الشعثاء، عن ابن عمر، أخبرني أسامة بن زيد: "أن النبي ﵇ صلى في الكعبة بين الساريتين". وأما حديث ابن عباس فإنه معلل بإلإرسال؛ فإنه رواه عن أخيه الفضل بن عباس. وقال السهيلي في "الروض الأنف": أخذ الناس بحديث بلال لأنه مثبت، وقدموه على حديث ابن عباس لأنه نافي، وإنما يؤخذ بشهادة المثبت، ومَنْ تأول قول بلال أنه صلى أبي دَعَا فليس بشيء؛ لأن في حديث ابن عمر: "أنه صلى ركعتين" رواه البخاري. ص: وقد رُوِيَت عن النبي ﵇ آثار متواترة أنه صلى فيها، فمن ذلك:

стр. 2943

ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵂: "أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحَجَبي، وأغلقها عليهم ومكث فيها، قال ابن عمر: فسألتُ بلالًا حين خرج: ماذا صنع النبي ﵇؟ قال: جعل عمودًا عن يساره وعَموديْن عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة، ثم صلى وجعل بينه وبين الجدار نحوًا من ثلاثة أذرع". ش: أي قد رُويت عن النبي ﵇ أحاديث متكاثرة أنه صلى في جوف الكعبة. فمن ذلك ما أخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة؛ فالبخاري (١): عن قتيبة بن سعيد، عن الليث على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه، وله روايات متعددة. وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره. والترمذي (٤): عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال: "أن النبي ﵇ صلى في جوف الكعبة". والنسائي (٥): عن محمَّد بن [عبد] (٦) الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن

стр. 2944

نافع، عن عبد الله بن عمر: "أنه انتهى إلى الكعبة وقد دخلها النبي ﵇، وبلال وأسامة بن زيد، وأجاف عليه عثمان بن طلحة الباب فمكثوا فيها مليًّا ثم فتح الباب فخرج النبي ﵇، وركبت الدرجة ودخلتُ البيت، فقلتُ: أين صلى النبي ﵇؟ قالوا: ها هنا. ونسيت أن أسألهم كم صلى في البيت". وابن ماجه (١) عن (٢). ص: حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا الليث بن سَعْد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله، و"أنه صلى بين العَمُودين اليمانيين" إلا أنه لم يذكر كيف جعل العُمُد التي ذكرها مالك في حديثه. حدثنا محمدُ بن عزيز الأيلي، قال: ثنا سلامةُ بن رَوْح، عن عُقيَل، قال: أخبرني ابن شهاب، قال: أخبرني سالم، أن ابن عمر أخبره، فذكر بإسناده مثله. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا دُحَيْمُ بن اليتيم، قال: ثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعيّ، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر مثله، غير أنه قال: "أخبرني أنه صلى في جوف الكعبة بين العَمُودين اليمانيين". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ دخل يومَ فتح مكة ورديفه أسامة بن زيد، فأناخ في ظل الكعبة، قال ابن عمر: فسبقتُ الناسَ وقد دخل رسول الله ﵇ وبلال وأسامةُ في البيت، فقلت لبلال من وراء الباب: أين صلى النبي ﵇؟ قال: صلّى بحيالك بين الساريتين". حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود, قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال: "أن النبي ﵇ صلى في الكعبة".

стр. 2945

حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني محمَّد بن جعفر، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن قال: "كنت مع أبي، فلقِينا عبد الله ابن عمر، فسأله أبي وأنا أسمع: أين صلى النبي ﵇ حين دخل البيت؟ فقال ابن عمر: دخل النبي ﵇ بين أسامة بن زيد وبلال، فلما خرجا سألتُهما: أين صلى يعني النبي ﵇؟ فقالا: على جهته". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن أبي الشعثاء، عن ابن عمر ﵄ قال: "رأيته دخل البيت حتى إذا كان بين الساريتين مضى حتى لزق بالحائط فقام يُصلّي، فجئتُ فقمتُ إلى جنبه، فصلى أربعًا، فقلت: أخبرني أين صلى النبي ﵇ من البيت؟ فقال ها هنا: أخبرني أسامةُ أنه رأى النبي ﵇ صلى في البيت". ش: هذه سبعة طرق أخرى عن عبد الله بن عمر، غير أن منها طريقًا عن ابن عمر، عن بلال ﵃، وطريقًا آخر عن ابن عمر، عن أسامة ﵁، وكلها صحاح: الأول: عن علي بن زيد الفرضي الطرسوسي، عن موسى بن داود قاضي طرسوس، روى له مسلم، عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: "دخل رسول الله ﵇ البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول مَنْ وَلج، فلقيت بلالًا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله ﵇؟ قال: نعم، بين العمودين". وله في رواية أخرى (٢): "فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع رسول الله ﵇؟

стр. 2946

قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة، ثم صلى". وفي رواية أخرى (١): "جعل عمودين عن يمينه". في رواية أخرى (٢): "فسألته، فقلت: صلى النبي ﵇ في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتن اللتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين". الثاني: عن محمَّد بن عُزيز الأيلي، عن سلامة بن رَوْح بفتح الراء، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر. وأخرجه مسلم (٣): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال وعثمان بن طلحة، ولم يدخلها معهم أحد، ثم أغلقت عليهم، قال عبد الله بن عمر: فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة أن رسول الله ﵇ صلى في جوف الكعبة بين العَمُودَيْن اليمانيين". الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن دُحَيم بن اليتيم -هو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي قاضي الأردن وشيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه- عن عمر بن عبد الواحد بن قيس السُّلَمي الدمشقي، ثقة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر.

стр. 2947

الرابع: عن يزيد بن سنان القزاز أيضًا، عن موسى بن إسماعيل المنقري، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "دخل رسول الله ﵇ مكة، ورديفُه أسامة بن زيد، فأناخ في أصل الكعبة فقال ابن عمر: وسعى الناسُ فدخل النبي ﵇ وبلال وأسامة، فقلت لبلال من وراء الباب: أين صلى رسول الله ﵇؟ فقال: بين الساريتين". الخامس: عن علي بن زيد الفرضي، عن موسى بن داود قاضي طرسوس، عن حماد بن زيد ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٢): عن قتيبة، عن حماد بن زيد ... إلى آخره نحوه، وقد ذكرناه. وأخرجه الطبراني (٣) أيضًا: ثنا معاذ بن المثنى، نا مسدد، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن بلال ﵁: "أن رسول الله ﵇ صلى في جوف الكعبة". وله في رواية أخرى (٤): "صلى في البيت". وأخرج عبد الرزاق (٥): عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، أنه أخبر عن بلال: "أن النبي ﵇ صلى فيه ركعتين".

стр. 2948

وأخرجه الطبراني (١): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه. السادس: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري روى له الجماعة، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي أبي شبل المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، قال: "كنت مع أبي ... " إلى آخره. السابع: عن محمَّد بن خزيمة، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي الصفار الكوفي نزيل مصر وشيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن عُمَارة بن عُمَيْر -بضم العين فيهما- التيمي الكوفي روى له الجماعة، عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أبو معاوية، نا الأعمش، عن عمارة، عن أبي الشعثاء قال: "خرجت حاجًّا فدخلت البيت، فلما كنت عند الساريتين مضيتُ حتى لزِقتُ بالحائط، قال: وجاء ابن عمر حتى قام إلى جنبي فصلى أربعًا، قال: فلما صلّى قلت له: أين صلى رسول الله ﵇ من البيت؟ قال: فقال: ها هنا أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى. قال: فقلت: كم صلى؟ قال: على هذا أجدني ألُوم نفسي أني مكثت معه عُمرًا ثم لم أسأله كم صلى. قال: فلما كان العام المقبل قال: خرجتُ حاجًّا قال: فجئت حتى قمتُ في مقامه. قال: فجاء ابن الزبير حتى قام إلى جنبي، فلم يزل يُزاحمني حتى أخرجني منه ثم صلى فيه أربعًا". ص: فهذا أسامة بن زيد ﵄ قد روى عنه عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى النبي ﵇ صلى في البيت، فقد اختلف هو وابن عباس ﵃ فيما روياه عن

стр. 2949

أسامة من ذلك، وروى ابن عمر أيضًا عن بلال مثل ما روى عن أسامة، فكان ينبغي لما تضادّت الروايات عن أسامة وتكافئت؛ أن ترتفع ويثبت ما روى بلال؛ إذ كان لم يختلف عنه في ذلك. ش: ملخص كلامه: أن عبد الله بن عمر روى في هذا الحديث عن أسامة بن زيد: "أنه رأى النبي ﵇ صلى في البيت"، وقد روى ابن عباس ﵄، عن أسامة بن زيد أيضًا أنه روى عن النبي ﵇ أنه لم يُصلّ في البيت على ما مرّ في أول الباب، فوقع التضاد بين روايتي ابن عمر وابن عباس عنه وتساوتا، فينبغي أن ترتفعا لوجود الاختلاف، وينبغي أن يثبت ما رواه ابن عمر عن بلال لعدم الاختلاف فيما روي عن بلال، وهو معنى قوله: "إذ كان لم يختلف عنه في ذلك"، وكلمة "إذْ" للتعليل والضمير في "عنه" يرجع إلى بلال ﵁، فلذلك صارت رواية بلال أولى بالأخذ والعمل. وقد قيل: إنه اجتمع في روايتي ابن عمر وابن عباس عن أسامة النفي والإثبات، والأخذ بقول المُثْبِت أولى، وقد مَرَّ الكلام فيه مستقصًى. قوله: "وتكافأت" أي: تساوت، من الكفؤ وهو النظير. قوله: "أن ترتفع" في محل الرفع؛ لأنه فاعل لقوله: "فكان ينبغي"، وكلمة "أن" مصدرية، والتقدير: فكان ينبغي ارتفاع الروايات حين تضادت وتكافأت في قوة الإسناد والصحة. ص: وقد رُوي عن ابن عمر مطلقًا أن رسول الله ﵇ صلى في الكعبة. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال: سمعتُ ابن عمر- ﵄ يقول: "صلى النبي ﷺ في البَيْت، وسيأتيك مَنْ ينهاك فتسمع قوله- يعني ابن عباس- ﵄". ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ مطلقًا من غير أن يرويه عن أحد من الصحابة بل هو روى بنفسه عن النبي ﵇ من غير ذكر أحد وعدد وتعيين موضع.

стр. 2950

أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سماك بن الوليد الحنفي أبي زُمَيل الكوفي، روى له الجماعة البخاري في "الأدب". وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد، نا شعبة، عن سماك -يعني الحنفي- سمعت ابن عمر يقول: "صلى رسول الله ﵇ في البيت ركعتين". وقال عبد الله بن أحمد (٢): وجدت في كتاب أبي: ثنا محمَّد بن جعفر وحجاج، قال محمَّد: نا شعبة، وقال حجاج: حدثني شعبة، عن سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عمر يقول: "إن رسول الله ﵇ صلى في البيت وسيأتي مَنْ يَنْهاكم عنه". ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مِسْعرُ، عن سماك الحنفي، قال: سمعتُ ابن عباس ﵄ يقول: "لا تجعل شيئًا من البيت خلفك وائتم به جميعًا". وسمعت ابن عمر ﵄ يقول: "صلى النبي ﵇ فيه". ش: أخرج هذا الحديث ليدل على أن ابن عباس قد رجع إلى قول ابن عمر في جواز الصلاة في الكعبة بعد ما كان ينهى الناس عنه. وأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن مسعر بن كدام، عن سماك ... إلى آخره. وأخرج الطبراني بهذا الإسناد مقتصرًا على ذكر ابن عمر، ولفظه: "صلى فيه رسول الله ﵇ يعني في البيت" أخرجه عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم به. ص: وقد روي عن غير ابن عمر في ذلك عن رسول الله ﵇ مثل ما روى ابن عمر عن أسامة وبلال ﵃.

стр. 2951

فمن ذلك ما حدثنا ربيعٌ الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن الزبير الحميديُّ، ثنا محمَّد بن فضيل بن غزوان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي صفوان أو عبد الله بن صفوان قال: "سمعت رسول الله ﵇ يوم الفتح قد قدم، فجمعتُ عليّ ثيابي فوجدته قد خرج من البيت، فقلت: أين صلى رسول الله ﵇ في البيت؟ فقالوا: تجاهك. قلت كم صلّى؟ قالوا: ركعتين". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: ثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان قال: قلتُ لعمر ﵁: "كيف صنع النبي ﵇ حين دخل الكعبة؟ فقال: صلى ركعتين". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد ... فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: عبد الله بن صفوان. فهذا عمر ﵁ قد حُكي عنه في ذلك ما يُوافِق ما حكى ابن عمر عن أسامة وبلال من صلاة النبي ﵇ في البيت. ش: أي قد روي عن غير عبد الله بن عمر في صلاة النبي ﵇ في البيت مثل ما روى ابن عمر عن أسامة بن زيد وبلال: "أنه صلى فيه". وأخرج ذلك من ثلاث طرق صحاح: الطريقان منها عن عبد الله بن صَفْوان، والطريق عن عبد الرحمن بن صفوان. أما عبد الله بن صفوان فهو أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف القرشي الجُمحي المكي، أدرك النبي ﵇ وروى عنه مرسلًا. وأما عبد الرحمن بن صَفْوان، ويقال له: صفوان بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن ابن صفوان بن قدامة الجمحي له ولأبيه صحبة، ولم يَرو عنه غير مجاهد، روى له أبو داود وابن ماجه.

стр. 2952

أما الطريق الأول: فعن ربيع بن سليمان الجيزيّ المصري الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري، عن محمَّد ابن فضيِل بن غزوان بن جرير الضبي، روى له الجماعة، عن يزيد بن أبي زياد -بالياء آخر الحروف- القرشي الهاشمي روى له مسلم مقرونًا بغيره والأربعة، عن مجاهد بن جبر المكي، عن أبي صفوان أو عبد الله بن صفوان، وأبو صفوان كنية عبد الله بن صفوان، والشك في أن الراوي هل قال في روايته: عن أبي صفوان وذكره بكنيته، أو قال: عن عبد الله بن صفوان وذكره باسمه؟ والطريق الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الله بن صفوان". والطريق الثالث: عن علي بن شيبة بن الصَّلْت، عن إسحاق بن إبراهيم الحَنْظلي المعروف بإسحاق بن راهويه شيخ الجماعة غير ابن ماجه، عن جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان قال: "قلت لعمر ﵁: ... " إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أحمد بن الحجاج، نا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان قال: "لما افتتح رسول الله ﵇ مكة قلت: لألبسنّ ثيابي وكان داري على الطريق فلأنظرن ما يصنع رسول الله ﵇، فانطلقت، فوافيتُ رسول الله ﵇ قد خرج من الكعبة وأصحابه قد استلموا البيت من الباب إلى الحطيم، وقد وضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ﵇ وسطهم، فقلت لعمر ﵁": كيف صنع رسول الله ﵇ حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين".

стр. 2953

وأخرجه الطبراني أيضًا: عن الحُسين بن إسحاق، عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير ... إلى آخره نحوه وليس فيه سؤاله عن عمر ﵁. وأخرجه أيضًا: عن أحمد بن يحيى الحلواني، عن سعيد بن سليمان، عن أبي بكر ابن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان قال: "رأيت رسول الله ﵇ وأصحابه مستلمين ما بين الحجر إلى الحجر واضعي خدودهم عليه، فدخلت بين رجلين منهم، قلت: كيف صنع رسول الله حين دخل البيت؟ قال: صلى ركعتين بين الأسطوانتين عن يمين البيت". قوله: "فهذا عمر- ﵁ (١) قد حكي عنه في ذلك" أي فيما ذكرنا من أنه ﵇ صلى في البيت ما يوافق ما حكى عبد الله بن عمر، عن أسامة ابن زيد وبلال المؤذن من أنه ﵇ صلى في البيت، فهؤلاء الثلاثة الأجلاء من الصحابة وهم عمر بن الخطاب وأسامة وبلال قد اتفقوا على أنه ﵇ صلى في البيت، فهذا أحق بالأخذ مما رواه ابن عباس، عن أسامة أنه لم يصل لما قد ذكرنا. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵁ مثل ذلك. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا شبابةُ، عن مغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "دخل النبي ﵇ البيت يوم الفتح فصلى فيه ركعتين". ش: أي: قد روي عن جابر مثل ما روي عن عمر وأسامة وبلال من أنه ﵇ صلى في البيت. أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة بن سوار الفزاري المدائني روى له الجماعة، عن مغيرة بن مسلم القسملي أبي سلمة السراج، وثقه يحيى وروى له أبو داود والترمذي، عن أبي الزبير محمَّد ابن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر ﵁.

стр. 2954

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) نحوه. ص: وقد روي أيضًا عن شيبة بن عثمان، وعثمان بن أبي طلحة مثل ذلك. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن الصّباح، قال: ثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن عبد الرحمن بن الزجاج قال: أتيتُ شَيْبَة بن عثمان فقلتُ: يا أبا عثمان، إن ابن عباس يَقولُ: إن رسول الله ﵇ دخل الكعبة فلم يُصلّ. قال: بلى، صلى ركعتين عند العَمُودَيْن المُقدّمين ثم ألزق بهما ظهره". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الله بن مسلم فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عثمان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا هشامُ بن عروة، عن عثمان بن طلحة: "أن رسول الله ﵇ دخل البيت فصلى فيه ركعتين وجاهك بين السَّاريتَينْ". ش: أي قد روي أيضًا عن هذين الصحابيين مثل ما روي عن جابر: "أنه ﵇ صلى في البيت": أحدهما: شيبة بن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقيل شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي العبدي الحجبي حاجب الكعبة، وهو جدّ بني شيْبة حجبة الكعبة إلى اليوم، أسلم يوم الفتح، وقيل يوم حنين، وهو الأشهر. وأخرج حديثه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن محمَّد بن الصَبّاح الدولابي البغدادي البزاز شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد وأبي يعلى وأبي زرعة

стр. 2955

الرازي والدمشقي وآخرين، عن أبي إسماعيل اسمه إبراهيم بن سليمان بن رزيق الشامي المؤدب مؤدب آل عبيد الله، وثقه ابن حبان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف ليس بشيء. وعن أبي داود والنسائي: ضعيف. وقال عمرو بن علي: ليس بشيء. روى له ابن ماجه، عن عبد الرحمن بن الزجاج، وثقه ابن حبان. وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن عبد الرحمن بن الزجاج قال: "قلت لشيبة بن عثمان: يا أبا عثمان، إنهم يزعمون أن رسول الله ﵇ دخل الكعبة فلم يُصلّ فيها. فقال: كذبوا، لقد صلى ركعتين بين العمودين، ثم ألصق بهما بطنه وظهره". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني، عن عبد الرحيم ابن سليمان الأشلّ الكناني، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (١) بهذا الإسناد كما ذكرناه. والثاني: عثمان بن أبي طلحة واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي العَبدري حاجب الكعبة له صحبة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان المذكور. وأخرج حديثه بإسناد صحيح، عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي ثم المصري المعروف بعلان، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عثمان بن أبي طلحة ... إلى آخره.

стр. 2956

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، ثنا حماد ... إلى آخره نحوه سواء. ص: فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق تواتر الآثار, فإن الآثار قد تواترت أن رسول الله ﵇ قد صلى في الكعبة ما لم يَتواترَ مثلُه أنه لم يُصلّ. وإن كان يُؤخذ بأن يُلْقَى ما يُضَادّ منها عن ما يُضَادّ ذلك عنه ويُعمل بما سوى ذلك، فإن أسامة بن زيد الذي حكى عنه ابن عمر أن رسول الله ﵇ حين دخل الكعبة خرج منها ولم يُصَلّ، فقد روى عنه ابن عمر أن النبي ﵇ حين دخلها صلى فيها، فقد تضادّ ذلك عنه فتنافيا، ثم قد روي عن عمر وبلال وجابر وشيبة بن عثمان، وعثمان بن أبي طلحة ما يُوافقُ مَا رَوى ابنُ عمر عن أسامة ﵃، فذلك أولى مما تفرّد به ابن عباس عن أسامة ﵃. ش: أراد بهذا الباب باب الاستدلال والاحتجاج بالأحاديث، بيان ذلك: أن العمل بالآثار لا يخلو إما أن يكون لكونها قد تكاثرت وتواترت عن جماعة من الصحابة ﵃ وإما أن يكون بحيث يترك ما يضادّ منها ويعمل بما سواه. فإن كان الأول، فقد تواترت الآثار وتكاثرت عن النبي ﵇ أنه قد صلى في الكعبة ولم تتواتر بمثل ذلك أنه لم يُصل. وإن كان الثاني، فينبغي أن نترك خبر ابن عباس لأنه روى عن أسامة بن زيد أنه ﵇ حين دخل الكعبة خرج منها ولم يصل، ثم روى ابن عمر عنه أنه حين دخلها صلى فيها، فقد تضادت روايتاهما فتنافتا، فحينئذٍ يؤخذ برواية ابن عمر عن أسامة أنه ﵇ صلى فيها؛ لأنه لم ينفرد بروايته تلك كما انفرد ابن عباس؛ لأن الذي رواه عمر بن الخطاب وبلال وجابر بن عبد الله وشيبة بن عثمان، وعثمان بن أبي طلحة يُوافق ما رواه ابن عمر ﵃ فالأخذ بما رواه الجماعة أولى، على أن الإثبات مقدم على النفي في مثل هذه الصورة كما ذكرنا، والله أعلم.

стр. 2957

ص: ثم قد روي عن النبي ﵇ عليه من قوله ما يدلّ على جواز الصلاة فيها. حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن صفية، عن صفية بنت شيبة أم منصور، قالت: أخبرتني امرأة من بني سُلَيم ولّدَتْ عامَّة أهل دارنا قالت: "أرسل النبي ﵇ إلى عثمان بن أبي طلحة فقال: إني كنتُ رأيتُ قرنَي الكبْش حين دخلتُ البيت فنَسيِتُ أن آمرك أن تُخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيءُ يُشْغِلُ مُصلّيًا". ش: لما أثبت جواز الصلاة في البيت بما روى بروايات كثيرة من فعل النبي ﵇، أكّدَ ذلك بما رُوِي من قوله ﵇ ما يَدلّ على جواز الصلاة فيه، بأن قوله ﵇ في حديث امرأة من بني سُلَيم: "لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يُشغل مصلّيًا" يدل على جواز الصلاة فيه. وأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن منصور بن صفية وهو منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري الحجبي المكي، وأمه صفية بنت شيبة الحاجب بن عثمان بن أبي طلحة لها رؤية، قال الدارقطني: لا تصح لها رؤية وقال ابن الأثير: اختلف في صحبتها، وهي ترْوي عن امرأة من بني سُلَيم وهي صحابية لا تضر جهالتها. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن سفيان بن عيينة، عن منصور بن صفية، عن خالد، عن أمّه، عن امرأة من بني سُلَيم قالت: "سألت عُثْمانَ: لِمَ أَرسل إليك النبي ﵇ بعد خروجه من الكعبة؟ [قال: بعث إليّ] (٢) فقال: إني رأيت قرني الكبش، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يُشْغِل مصليًا".

стр. 2958

قوله: "ولّدت" بتشديد اللام وأراد بها أنها كانت قابلة؛ لأن القابلة تُسمّى المُولِّدة، يقال: ولَّدت الشاة توليدًا إذا حضرت ولادتها فعالجتها حتى يبين الولد منها. قوله: "رأيت قرني الكبش" أراد بهما قرني الكبش الذي ذبحه إبراهيم الخليل ﵇ وكانا معلقين في جوف الكعبة. قوله: "أن تخمرهما" من التخمير بالخاء المعجمة وهو التغطية من خمّرتُ الإناء إذا غطيته بشيء. ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، قال: ثنا علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة ﵂ قالت: "كنتُ أحبَّ أن أدخل البيت فأُصلّي فيه، فاخد النبي ﵇ بيدي، فأدخلني الحجر، وقال: إن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا في بنائها فأخرجوا الحجر من البيت، فإذا أردت أن تُصلّي في البيت فصلّي في الحجر، فإنما هو قطعةُ منه". ش: أي قد روي عن النبي ﵇ أيضًا في ما ذكرنا من قوله ما يدلّ على جواز الصلاة في البيت. وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- وأبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان المدني، عن علقمة بن أبي علقمة واسمه بلال المدني مولى عائشة أم المؤمنين، روى له الجماعة، عن أمه -أعني أم علقمة المذكور- واسمها مرجانة وثقها ابن حبان وروى لها أبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا القعنبي، ثنا عبد العزيز، عن علقمة، عن أمه، عن

стр. 2959

عائشة أنها قالت: "كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﵇ بيدي فأدخلني في الحجر فقال: صلّي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، فإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه عن البيت". وأخرجه الترمذي (١): عن قتيبة، عن عبد العزيز ... إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. قوله: "فأدخلني الحِجْر" بكسر الحاء وسكون الجيم وهو اسم للحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي؛ سُمّي به لأنه حجر من البيت، أي منع من دخوله في بنائه ولكنه في حكم البيت حتى إذا طاف من داخل الحجر لا يعتد به، وسُمّي الحطيم أيضًا لأنه حُطم من البيت أي كُسر. ص: فهذا رسولُ الله ﵇ قد أجاز الصلاة في الحجر الذي هو من البيت، فقد ثبت بما ذكرنا تصحيح قول مَنْ ذهب إلى إجازة الصلاة في البيت، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما حكمه من جهة النظر، فإن الذين يَنْهون عن الصلاة فيه إنما نهوا عن ذلك لأن البيت كله عندهم قبلة، قالوا: فمَنْ صلى فيه فقد استدبر بعضه فهو كمُسْتدبر بعض القبلة فلا تجزئه صلاته، فكان من الحجة عليهم في ذلك: أنَّا رأينا من استدبر القبلة أو ولاها يمينه أو شماله أن ذلك كله سواء، وأن صلاته لا تجزئه، وكان مَنْ صلى مُسْتقبل جهةٍ من جهات البيت أجزأته الصلاة باتفاقهم، وليس هو في ذلك مستقبل جهة القبلة كلها؛ لأن ما عن يمين ما استقبل من البيت، وما عن يساره ليس هو مُسْتقِبله، فلما كان لم يتعبد باستقبال جهات كل البيت في صلاته وإنما يتعبد باستقبال جهة من جهاته

стр. 2960

ولا يضره ترك استقبال ما بقي من جهاته بعدها كان النظر على ذلك أن من صلى فيه فقد استقبل إحدى جهاته، واستدبر غيرها، فما استدبر من ذلك فهو في حكم ما كان عن يمين ما استقبل من جهات البيت وعن يساره إذا كان خارجًا منه؛ فثبت بذلك أيضًا قول الذين أجازوا الصلاة في البيت؛ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أشار بقوله: "فهذا" إلى ما أجازه رسول الله ﵇ ﵇ من الصلاة في الحجر، ولما كان الحجر من البيت كانت الصلاة فيه كالصلاة في البيت، فدل ذلك قطعًا على جواز الصلاة فيه. قوله: "وأما حكمه" أي حكم هذا الباب من جهة النظر والقياس. قوله: "فكان من الحجة عليهم في ذلك" أي فكان من الدليل على أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وهذا جواب عما قالوه من طريق النظر. قوله: "فلما كان لم يُتعبّد" بتشديد الباء على صيغة المجهول، والتعبُّد إظهار العبادة لله والقيام بعُبوديته. قوله: "كان النظر" جواب لقوله: "فلما كان"، والباقي ظاهر. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن عبد الله بن الزبير ﵁. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمرو الحَوْضِيّ، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن عمرو بن دينار قال: "رأيتُ ابن الزبير يُصلّي في الحجر". ش: أي قد روي أيضًا أداء الصلاة في الحجر الذي هو من البيت عن عبد الله ابن الزبير بن العوام. أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن يزيد بن إبراهيم التستري البصري، عن عمرو بن دينار المكيّ. وهذا إسناد صحيح، والله أعلم.

стр. 2961

ص: باب: من صلى خلف الصف وحده ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة من يصلي خلف الصف حال كونه وحده، وجه المناسبة بين البابين: أن كلاًّ منهما مشتمل على حكم صلاة في مكان مخصوص. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة (ح). وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت هلال بن يَسَاف يُحدِّث، عن عمرو بن راشد، عن وابصة: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يُصلّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هُشيم، عن حُصَين، عن هلال بن يَساف، قال: "أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فأقامني على وابصة بن مَعْبد بالرقة فقال: هذا حدثني: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره رسول الله ﵇ أن يعيد الصلاة". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي الأعمى الفقيه روى له الجماعة، عن هلال بن يَسَاف -بفتح الياء آخر الحروف، وقيل: إساف بالهمزة- الأشجعي أبي الحسن الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن راشد الأشجعي الكوفي وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والترمذي هذا الحديث، عن وابصة بن مَعْبد الأسديّ. وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: ثنا

стр. 2962

شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة: "أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد- قال سليمان: الصلاة". الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد واسم أبي الجعد رافع الأشجعي الكوفي وثقه ابن حبان. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن هلال بن يساف قال: "أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد ونحن بالرقة، فقام بي على شيخ يقال له: وابصة بن مَعْبد من بني أسد، فقال زياد: حدثني هذا الشيخ أن رجلًا صلى خلف الصف وحده -والشيخ يسمع- فأَمَرهُ النبي ﵇ أن يعيد الصلاة". قال أبو عيسى: حديث وابصة حديث حسَنٌ، واختلف أهل العلم فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة أصحّ، وقال بعضهم: حديث حصين أصح، وهو عندي أصحّ من حديث عمرو؛ لأنه روي من غير وجه عن هلال عن زياد، عن وابصة. انتهى. وقال ابن حبان (٣): سمع هذا الخبر هلال، عن عمرو، عن وابصة، وسمعه

стр. 2963

من زياد عن وابصة، فالطريقان جميعًا محفوظان، وليس هذا الخبر مما تفرد به هلال بن يساف. ثم أخرجه عن يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن عم عبيد الله بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة فذكره. وذكره البزار في "مسنده" بالأسانيد الثلاثة المذكورة، ثم قال: أما حديث عمرو بن راشد فإن عمرو بن راشد رجل لا نعلم حدَّث إلا بهذا الحديث وليس معروفًا بالعدالة فلا يحتج بحديثه. وأما حديث حصين فإن حصينًا لم يكن بالحافظ فلا يحتج بحديثه في الحكم. وأما حديث يزيد بن أبي زياد فلا نعلم أحدًا من أهل العلم إلا وهو يضعّف أخباره فلا يحتج بحديثه، وقد روي عن شمْر بن عطية، عن هلال بن يساف، عن وابصة، وهلال لم يَسْمَع من وابصة، فأمسكنا عن ذكره لإرساله. انتهى. وقال الشافعي: سمعت بعض أهل العلم بالحديث يذكر أن بعض المحدثين يُدْخِل بين هلال ووابصة رجلًا، ومنهم مَنْ يَروْيه عن هلال، عن وابصة سمعه منه. قلت: كأنه يُوهِّنه بذلك. وقال البيهقي: لم يخرجاه لما حكاه الشافعي من الاختلاف في سنده. وقال الشافعي في موضع آخر: لو ثبت الحديث لقلت به. وقال الحاكم: إنما لم يخرج الشيخان لوابصة في كتابَيْهما لفساد الطريق إليه. وقال ابن المنذر: ثَبَّتَه أحمد وإسحاق. وقال أبو عمر: فيه اضطراب ولا يثبتُه جماعة. وقال الإشبيلي: غيرُ أبي عمر يقول: الحديث صحيح؛ لأن حصينًا ثقة وهلالًا مثله وزيادًا كذلك وقد أسندوه، والاختلاف فيه لا يضره.

стр. 2964

وذكر ابن حزم في "المحلى" (١): حديث علي بن شيبان، عن أبيه الآتي ذكره ثم صحح هذا الحديث، ثم قال: ورواية هلال بن يساف حديث وابصة مرة عن زياد بن أبي الجعد ومرةً عن عمرو بن راشد قوةً للخبر، وعمرو بن راشد ثقة وثقه أحمد بن حنبل وغيره. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن بدر السُّحيمي، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان السُّحَيمي، عن أبيه -وكان أحد الوَفْد- قال: "صليت خلف رسول الله ﵇، فقضى صلاته ورجل فرد يُصلّي خلف الصَفِّ، فقام رسول الله ﵇ حتى قضي صلاته ثم قال: استقبل صلاتك فلا صلاة لفَرْد خلف الصفِّ". ش: إسناد صحيح، وحَبّان بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة بن هلال الباهلي أبو حبيب البصري، روى له الجماعة، وملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر السُّحَيْمي الحنفي وثقه أحمد وابن حبان وروى له الأربعة، وعبد الله بن بدر بن عُمَيرة بن الحارث بن شمر الحنفي السُّحَيمي اليمامي جدّ ملازم بن عمرو لأبيه، وقيل: لأمه، وثقه يحيى والعجلي وابن حبان وروى له الأربعة. وعبد الرحمن بن علي بن شيبان الحنفي السُّحَيْمي وثقه ابن حبان وروى له أبو داود وابن ماجه. وعلي بن شيبان الحنفي له صحبة، وقد على النبي ﵇. والحديث أخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه علي بن شيبان -وكان من الوفد- قال: "خرجنا حتى قدمنا على النبي ﵇ فبايعناه وصلينا خلفه، قال: ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة، فرأى

стр. 2965

رجلًا فردًا يصلي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله ﵇ حتى انصرف، قال: استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصفِّ". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، (١) والبزار في "مسنده". وقال البزار: عبد الله بن بدر ليس بالمعروف، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو ومحمد بن جابر، فأما ملازم فقد احْتُمِلَ حديثُه وإن لم يُحتج به، وأما محمَّد بن جابر فقد سكت الناس عن حديثه، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه وابنه هذا غير معروف وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجةً ولا ارتفعت الجهالة. ص: فذهب قوم إلى أن من صلى خلف صف منفردًا فصلاته باطلة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: حماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى ووكيعًا والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر؛ فإنهم قالوا: صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، وإليه ذهب أهل الظاهر. وقال ابن حزم في "المحلى": وأيما رجل صلّى خلف الصف بطلت صلاته ولا يضر ذلك المرأة شيئًا. انتهى. وعن بعض أصحاب أحمد: إذا افتتح صلاته منفردًا خلف الإِمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع رأسه من الركوع فإنه لا صلاة له، ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة أو أكثر. وفي "المغني": ومن صلى خلف الصف وحده أو قام بجنب الإِمام عن يساره أعاد الصلاة.

стр. 2966

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: مَنْ فعل ذلك فقد أساء وصلاته مجزئة عنه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وعبد الله ابن المبارك والحسن البصري والأوزاعي وأبا حنيفة والشافعي ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا ﵏؛ فإنهم قالوا صلاة المنفرد خلف الصف جائزة ولكنه يأثم , أما الجواز فلأنه متعلق بالأركان وقد وجدت، وأما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك وهو قوله ﵇: "لا صلاة لفرد خلف الصف". ومعناه: لا صلاة كاملة على ما نقرره إن شاء الله تعالى. ص: وقالوا: ليس في هله الآثار ما يدل على خلاف ما قلنا؛ وذلك أنكم رويتم أن النبي ﵇ أمر الذي صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة، فقد يجوز أن يكون أمره بذلك لأنه صلى خلف الصف، ويجوز أن يكون أمره بذلك لمعنى آخر كما أمر النبي ﵇ الذي دخل المسجد فصلى أن يعيد الصلاة، ثم أمره أن يعيدها حتى فعل مرارًا في حديث رفاعة وأبي هريرة ﵄، فلم يكن ذلك لأنه دخل المسجد فصلى ولكنه لمعنًى غير ذلك وهو تركه إصابة فرائض الصلاة فيحتمل أيضًا ما رَوْيتم من أمر النبي ﵇ الرجل الذي صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة لا لأنه صلى خلف الصف ولكن لمعنى آخر كان منه في الصلاة، وفي حديث علي بن شيبان معنًى زيادة على المعنى الذي في حديث وابصة، وذلك أنه قال: "صلينا خلف رسول الله ﵇، فقضى صلاته ورجل فرد يصلي خلف الصف، فقام عليه نبي ﵇ حتى قضى صلاته، ثم قال: استقبل فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف". ففي هذا الحديث أنه أمره أن يعيد وقال: "لا صلاة لفرد خلف الصف" فيحتمل أن يكون أَمْرُهُ إياه بإعادة الصلاة كان للمعنى الذي وصفنا في حديث وابصة.

стр. 2967

وأما قوله: "لا صلاة لفرد خلف الصف" فيحتمل أن يكون ذلك كقوله: "لا وضوء لمن لم يُسم الله"، وكالحديث الآخر: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وليس ذلك على أنه إذا صلى كذلك كان في حكم من لم يصل، ولكنه قد صلى صلاةً مجزئةً، ولكنها ليست متكاملة الأسباب في الفرائض والسنن؛ لأن من سنة الصلاة مع الإِمام اتصال الصفوف وسدِّ الفرج هكذا ينبغي للمصلي خلف الإِمام أن يفعل، فإن قصر عن ذلك فقد أساء وصلاته مجزئة ولكنها ليست بالصلاة المتكاملة في فرائضها وسننها، فقيل لذلك: لا صلاة له. أي: لا صلاة له متكاملةً كما قال ﵇: "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يُعرف فيُتَصدق عليه ولا يَسْأل الناس". فكان معنى قوله: "ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان" إنما معناه: ليس هو بالمسكين المتكامل في المسكنة؛ إذ هو يَسْأل فُيْعطي ما يقوته ويواري عورته، ولكن المسكين: الذي لا يسأل الناس ولا يعرفونه فيتصدقون عليه، فنفى في هذا الحديث من كان مسكينًا غير متكامل أسباب المسكنة أن يكون مسكينًا، فيحتمل أن يكون أيضًا إنما نفى بقوله: "لا صلاة لمن صلّى خلف الصف وحده" أن يكون مصليًّا؛ لأنه غير متكامل أسباب الصلاة وهو مُصَلٍّ صلاةً تُجزئه. ش: أي وقال الآخرون في جواب احتجاج أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة: ليس في هذه الآثار أي أحاديث وابصة وعلي بن شيبان ما يدل على خلاف ما قلنا من جواز صلاة المنفرد خلف الصف. وأراد أن الأحاديث المذكورة ليست بحجة علينا؛ لأنها تحتمل معنًى آخر غير المعنى الذي تعلق به هؤلاء. أما حديث وابصة فإنه يحتمل أن يكون معناه كمعنى حديث رفاعة بن رافع الذي أخرجه الأربعة (١) حيث قال ﵇ لذلك الرجل الذي كالبدوي صلى

стр. 2968

فأخف صلاته ثم انصرف فسلَّم على النبي ﵇ فقال ﵇: "وعليك، فارجع فصلّ فإنك لم تُصَلّ"، وحديث أبي هريرة الذي أخرجه الجماعة (١) حيث قال ﵇ لذلك الرجل الذي دخل المسجد ثم جاء فسلّم على رسول الله ﵇ فقال: "ارجع فصل فإنك لم تُصلِّ" فإن أمره ﵇ لم يكن لكونه دخل المسجد فصلّى وحده وإنما كان لتركه إصابة فرض من فرائض الصلاة. وأما حديث علي بن شيبان فإنه أيضًا يحتمل أن معناه كالذي ذكرناه في حديث وابصة ويكون معنى قوله: "لا صلاة لفرد خلف الصف" معنى قوله ﵇: "لا وضوء لمن لم يُسم الله" (٢) و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٢)، وهو أن يكون محمولًا على نفي الفضيلة والكمال، فيكون معناه: لا صلاة كاملةً لفرد خلف الصف ومثل هذا شائع سائغ في الكلام. فإن قيل: ما الدليل على صحة هذا الحمل؟ قلت: هو أنه قد أتى بأركان الصلاة التي يتعلق بها الجواز، فدل أن صلاته جائزة وإنما دخلها النقص بارتكابه المنهيِّ، فتكون صلاته صلاة غير كاملة، ولهذا قلنا: يستحب إعادته، وقد حقق هذا الكلام مرةً في باب: "التسمية على الوضوء". وقال بعضهم: إن أمره ﵇ إياه بالإعادة للاستحباب لا للإيجاب، والدليل عليه: حديث المرأة المصلية خلفه في حديث أنس منفردةً، وحكم الرجل والمرأة في هذا واحد. وروى الطبراني في الأوسط (٣) من حديث يونس بن عبيد، عن ثابت، عن

стр. 2969

أنس: "أنه صلى خلف النبي ﵇ وحده ووراءه امرأة حتى جاء الناس" وقال: تفرد به إسماعيل. ص: فإن قال قائل: فهل تجدون عن النبي ﵇ في هذا شيئًا يدل على ما قلتم؟ قيل له: نعم. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، أن زيادًا الأعلمَ أخبرهم، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: "جئتُ ورسول الله ﵇ راكعٌ وقد حفزني النفَس، فركعت دون الصف، ثم مشيت إلى الصف، فلما قضى رسول الله ﵇ الصلاة قال: أيكم الذي ركع دون الصف؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ". حدثنا الحسين بن الحكم الحِبَريُّ، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن زيادٍ الأعلمِ، قال: ثنا الحسن: "أن أبا بكرة ركع دون الصف فقال له النبي ﵇ زادك الله حرصا ولا تعد". ففي هذا الحديث أنه ركع دون الصف فلم يأمره رسول الله ﵇ بإعادة الصلاة، فلو كان من صلّى خلف الصف لا تجزئه صلاتُه لكان مَنْ دخل في الصلاة خلف الصف لا يكون داخلًا فيها، ألا ترى أن من صلّى على مكان قَذرٍ أن صلاته فاسدة، ومن افتتح الصلاة على مكان قذر ثم صار إلى مكان نظيف أن صلاته فاسدة، فكان كل من افتتح الصلاة في مَوْطنٍ لا يجوز له فيه أن يأتي الصلاة فيه بكمالها لم يكن داخلًا في الصلاة، فلما كان دخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف دخولًا صحيحًا كانت صلاة المُصلّي كلها دون الصفّ صلاةً صحيحة. ش: تقرير السؤال أن يقال: هل ورد شيء في الحديث يدل على ما قلتم من التأويل المذكور في الحديث المذكور لتصح صلاة المنفرد خلف الصف؟ فأجاب

стр. 2970

بقوله: نعم، وَرَدَ حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁، فإنه ركع دون الصف فلم يأمره ﵇ بإعادة الصلاة. ثم بيّن ذلك مشروحًا بقوله: "فلو كان مَنْ صلى ... " إلى آخره، وهو ظاهر. ثم إنه أخرج حديث أبي بكرة من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن زياد بن حسان بن قرة الباهلي البصري وهو زيادٌ الأعلم نسيب عبد الله بن عون، قال أحمد: ثقة ثقة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي. عن الحسن البصري، عن أبي بكرة نفيع ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا همام، عن الأعلم -وهو زياد- عن الحسن، عن أبي بكرة: "أنه انتهى إلى النبي ﵇ وهو راكع فركع قبل أن يَصِلَ إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﵇ فقال: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ". الثاني: عن الحُسَيْن بن الحكم بن مسلم الحبَرِيّ بكسر الحاء وفتح الباء الموحدة بعدها راء مهملة نسبة إلى بيع الحِبَر جمع حِبَرة، والحِبَرة مثل العِنَبة: برد يماني، وهو من أهل الكوفة يروي عن عفان بن مسلم الصفار، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا زياد الأعلم، عن الحسن: "أن أبا بكرة جاء ورسول الله ﵇ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ﵇ صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي ﵇: زادك الله حرصًا ولا تعد".

стр. 2971

الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (١): أنا حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن زياد الأعلم، قال: ثنا الحسن، أن أبا بكرة حدثه: "أنه دخل المسجد والنبي ﵇ راكع فركع دون الصف، فقال النبي ﵇: زادك الله حرصًا ولا تعد". قوله: "ورسول الله ﵇ راكع" جملة اسمية وقعت حالًا , وكذلك قوله: "وقد حفزني النفَس" جملة حالية، وحَفَزَني من الحَفْز وهو الحثّ والإعجال. وقال الجوهري: حَفَزَه أي: دَفَعَه من خلفه يَحْفِزُه حَفْزًا، والمعنى ها هنا النَّفَس الشديد المتنابع الذي كأنه يُحْفَزُ أي: يُدْفعَ من سياق والليل يحفز النهار أي يسوقه، وحفزته بالرمح أي طعنته، ومادته: "حاء مهملة، وفاء، وزاي معجمة". قوله: "دون الصف" أي وراءه. قوله: "زادك الله حرصًا" أي في الخير والمبادرة إليه؛ لأنه استعجل في الركوع قبل أن يتساوى مع من في الصف. قوله: "ولا تعد" إرشاد له في المستقبل إلى ما هو الأفضل. ويستفاد منه أحكام وهي: أن المشي إلى الصف بعد الشروع في الصلاة غير مفسد ولكنه مقدر، فقدره بعض أصحابنا بخطوة حتى لو مشى خطوتين أو أكثر فسدت صلاته، وقدره بعضهم بموضع سجوده، كذا في "المحيط". وأن الصلاة خلف الصف وحده تكره وإن كانت جائزة، وعن أبي حنيفة: إذا لم يجد فرجةً في الصف ينتظر حتى يجيء آخر فيقوم معه، فإن لم يجد أحدًا حتى

стр. 2972

أراد الإِمام الركوع يجذب واحدًا من الصف فيقوم معه لئلا يصير مرتكبًا للمنهي عنه، وإن كان في الصحراء، قيل: يكبر أولًا ثم يجذب أحدًا من الصف حتى تأخذ تلك البقعة حرمة الصلاة فلا تفسد صلاة المجذوب. وقيل: وإن لم يُكَبِّر لا تفسد صلاته لأنه متى أراد الصلاة فقد أخذت تلك البقعة حرمة الصلاة فلا تفسد صلاة المجذوب، وقيل: وإن لم يكبر لا تفسد صلاته؛ لأنه متى أراد الصلاة فقد أخذت تلك البقعة حرمة الصلاة. وأن صلاة المنفرد خلف الصف جائزة؛ لأن جزءًا من الصلاة إذا جاز في حال الانفراد جاز سائر أجزائها, ولو لم تكن جائزة لأمره ﵇ بالإعادة، فعلم أن الأمر بالإعادة في حديث وابصة على الاستحباب دون الوجوب، والله أعلم. ص: فإن قال قائل: فما معنى قوله: "ولا تَعُدْ"؟ قيل له: ذلك عندنا يحتمل مَعْنَيين: يحتمل ولا تَعُد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف كما قد روى عنه أبو هريرة. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدّميُّ، قال: ثنا عمر بن علي، قال: حدثني ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخد مكانه من الصف". ويحتمل قوله: "ولا تَعُدْ" أي ولا تَعُد أن تسعى إلى الصف سعيًا يحفزك فيه النفس كما جاء عنه في غير هذا الحديث. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمّي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه (ح). وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن سَعْد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعون وائتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصَلّوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا".

стр. 2973

حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهدٌ، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "فاقضوا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول ﵇ مثله. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيبُ، قال: ثنا همامٌ، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمَّد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القَعْنبي، قال: ثنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعون وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن العلاء، عن أبيه، وعن إسحاق بن عبد الله، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇ ... ثم ذكر مثله، وزاد: "فإن أحدكم في صلاة ما كان يَعْمِدُ إلى الصلاة". ش: تقرير السؤال أن يقال: لو كانت صلاة المنفرد خلف الصفّ صحيحةً بهذا الحديث لما كان لقوله: "ولا تعد" معنى.

стр. 2974

وتقرير الجواب: أن قوله: "ولا تعد" يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون معناه: ولا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف، فيكون هذا الكلام إرشادًا له في المستقبل إلى ما هو الأفضل. والدليل عليه: حديث أبي هريرة الذي أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم ابن داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدّمي البصري شيخ البخاري ومسلم، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتى أحدكم الصلاة ... " الحديث. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان ... إلى آخره. وكذا قال ابن أبي شيبة في معنى هذا الحديث: وإليه ذهب إبراهيم النخعي والحسن البصري. وعن الزهري (٢): " أنه يركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم يمشي راكعًا" وهكذا روى أبو أمامة عن زيد بن ثابت ﵁. والمعنى الآخر: أن يكون معناه ولا تعد أن تسعى إلى الصف بحيث أن يحفزك النفس ويتوالى عليك مع النفخ. والدليل عليه حديث أبي هريرة أيضًا الذي أخرجه من عشر طرق صحاح: الأول: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبي عبد الله المصري بَحْشَل بن أخي عبد الله بن وهب، وثقه عبد الله بن عبد الحكم، عن عمه عبد الله بن وهب، عن إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني

стр. 2975

روى له الجماعة، عن أبيه سعد بن إبراهيم روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): من حديث سعد بن إبراهيم، قال: سمعت أبا سلمة يحدث، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "ائتوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما سُبقتم فاقضوا". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت أبا سلمة يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "ائتوا الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سُبِقْتُم". قوله: "وأنتم تسعون" جملة اسمية حالية من الضمير المرفوع الذي في "فلا تأتوها" وكذلك "تمشون" حال، والمعنى: لا تأتوا الصلاة حال كونكم ساعين يعني جارين، وائتوها حال كونكم ماشين مستكنين يقال: سعيت في كذا وإلى كذا: إذا ذهبت إليه وعملت فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣) وفي "الصحاح": سَعَى الرجل يَسْعَى سعيًا أي عمدًا، والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي: أن الذاهب إلى الصلاة عامل في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدبًا بآدابها، ويكون على أكمل الأحوال. قوله: "عليكم السكينة" أي التأني والوقار، ومعنى "عليكم": الزموا. الثالث: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة ... إلى آخره.

стр. 2976

وأخرجه أحمد (١): عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: "وما فاتكم فاقضوا". وأخرج (٢) من حديث ليث، عن يزيد بن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "وما فاتكم فأتموا". وقال أبو داود (٣): قال الزُبَيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: "وما فاتكم فأتموا". وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: "فاقضوا". وفي رواية أبي نعيم الأصبهاني: "وما فاتكم فاقضوا"، وكذا ذكره الإسماعيلي من حديث سيار، عن يحيى. فإن قيل: حكى البيهقي، عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهري غير ابن عيينة وأخطأ. قلت: تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزهري كذلك، وكذا أخرج هذا الحديث أبو نعيم في "المستخرج على الصحيحين"، وفي مسند أبي قرة: عن ابن جريج، أُخبرت عن أبي سلمة، عن أبيه، عنه بلفظ: "وليقض ما سبقه"، وكذا في رواية مسلم: "واقض ما سبقك". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود مُعلقًا؛ وقال: قال محمَّد بن عمرو: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وجعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "فأتموا".

стр. 2977

وابن مسعود، عن النبي ﵇. وأبو قتادة وأنس عن النبي ﵇ كلهم: "فأتموا". الخامس: عن محمَّد بن خزيمة، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن سفيان ابن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه. وأخرجه النسائي (١): أنا عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، أبنا الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا". السادس: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمَّد بن إدريس الشافعي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه البخاري (٢): ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". السابع: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح، عن همام بن يحيى، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.

стр. 2978

وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الفضيل -يعني ابن عياض- عن هشام (ح). وحدثني زهير بن حرب -واللفظ له- قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يَسْعى إليها أحدكم، ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، صلّ ما أدركت واقض ما سبقك". الثامن: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسين بن مهدي، قال: أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن محمَّد بن سيرين، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتى أحدكم -يعني الصلاة- فلا يَسْعَ إليها , وليمشِ عليه السكينة والوقار، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه". التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (٢). قوله: "إذا ثوّب" من التثويب وهو إقامة الصلاة، والأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا فيلوّح بثوبه ليرى ويَشْتهر فسُمّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مثوِّب.

стр. 2979

وقيل: إنما سُمِّي تثويبًا من ثَابَ يَثُوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حيّ على الصلاة. فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده: الصلاة خير من النوم. فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها. العاشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه أحمد (١): ثنا عبد الله بن عمير، أنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا ثُوّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمّوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يَعْمد إلى الصلاة". وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن [أيوب] (٣)، وقتيبة بن سعيد وابن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر -قال ابن أيوب: نا إسماعيل- قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه. قوله: "ما كان يعمد" أي يقصد إلى الصلاة. ويستفاد منه أحكام: استحباب السكينة والتأني عند التوجه إلى الصلاة، وترك الجري والعدْو. جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: يقال: إنما لم ندركها، والحديث حجة عليه. وأن الإتمام والقضاء المذكور في قوله: "أتموا واقضوا" هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها على أربعة أقوال:

стр. 2980

أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي وهو مرويّ عن علي وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول ورواية عن مالك وأحمد، واستدلوا بقوله: "وما فاتكم فأتموا"؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره. وروى البيهقي (١): من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: "ما أدركت فهو أول صلاتك". وعن ابن عمر ﵄ بسند جيد مثله (١). الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك. قال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة. وقال سحنون: هذا الذي لم نعرف خلافه، دليله: ما رواه البيهقي (٢) من حديث قتادة، أن علي بن أبي طالب ﵁: قال: "ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن". الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإِمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها؛ لأنه آخر صلاته. وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر. الرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية , وسفيان ومجاهد وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته.
следующие страницы →