وأخرجه أحمد (١): عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: "وما فاتكم فاقضوا".
وأخرج (٢) من حديث ليث، عن يزيد بن الهاد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "وما فاتكم فأتموا".
وقال أبو داود (٣): قال الزُبَيدي وابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد ومعمر وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: "وما فاتكم فأتموا".
وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: "فاقضوا".
وفي رواية أبي نعيم الأصبهاني: "وما فاتكم فاقضوا"، وكذا ذكره الإسماعيلي من حديث سيار، عن يحيى.
فإن قيل: حكى البيهقي، عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهري غير ابن عيينة وأخطأ.
قلت: تابعه ابن أبي ذئب فرواها عن الزهري كذلك، وكذا أخرج هذا الحديث أبو نعيم في "المستخرج على الصحيحين"، وفي مسند أبي قرة: عن ابن جريج، أُخبرت عن أبي سلمة، عن أبيه، عنه بلفظ: "وليقض ما سبقه"، وكذا في رواية مسلم: "واقض ما سبقك".
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن محمَّد بن عبد الله الأنصاري ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود مُعلقًا؛ وقال: قال محمَّد بن عمرو: عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وجعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "فأتموا".
стр. 2977
وابن مسعود، عن النبي ﵇.
وأبو قتادة وأنس عن النبي ﵇ كلهم: "فأتموا".
الخامس: عن محمَّد بن خزيمة، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن سفيان ابن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه.
وأخرجه النسائي (١): أنا عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، أبنا الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".
السادس: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمَّد بن إدريس الشافعي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
السابع: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح، عن همام بن يحيى، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
стр. 2978
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الفضيل -يعني ابن عياض- عن هشام (ح).
وحدثني زهير بن حرب -واللفظ له- قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يَسْعى إليها أحدكم، ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، صلّ ما أدركت واقض ما سبقك".
الثامن: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسين بن مهدي، قال: أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن محمَّد بن سيرين، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتى أحدكم -يعني الصلاة- فلا يَسْعَ إليها , وليمشِ عليه السكينة والوقار، فليصل ما أدرك، وليقض ما سبقه".
التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي، عن أبي هريرة ... إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (٢).
قوله: "إذا ثوّب" من التثويب وهو إقامة الصلاة، والأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا فيلوّح بثوبه ليرى ويَشْتهر فسُمّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مثوِّب.
стр. 2979
وقيل: إنما سُمِّي تثويبًا من ثَابَ يَثُوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال: حيّ على الصلاة. فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعده: الصلاة خير من النوم. فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها.
العاشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد (١): ثنا عبد الله بن عمير، أنا مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا ثُوّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمّوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يَعْمد إلى الصلاة".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن [أيوب] (٣)، وقتيبة بن سعيد وابن حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر -قال ابن أيوب: نا إسماعيل- قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه.
قوله: "ما كان يعمد" أي يقصد إلى الصلاة.
ويستفاد منه أحكام:
استحباب السكينة والتأني عند التوجه إلى الصلاة، وترك الجري والعدْو.
جواز قول الرجل: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة فيه عند جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: يقال: إنما لم ندركها، والحديث حجة عليه.
وأن الإتمام والقضاء المذكور في قوله: "أتموا واقضوا" هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإِمام هل هو أول صلاته أو آخرها على أربعة أقوال:
стр. 2980
أحدها: أنه أول صلاته، وأنه يكون بانيًا عليه في الأفعال والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي وهو مرويّ عن علي وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول ورواية عن مالك وأحمد، واستدلوا بقوله: "وما فاتكم فأتموا"؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره.
وروى البيهقي (١): من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: "ما أدركت فهو أول صلاتك".
وعن ابن عمر ﵄ بسند جيد مثله (١).
الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها، وهو قول مالك.
قال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة.
وقال سحنون: هذا الذي لم نعرف خلافه، دليله: ما رواه البيهقي (٢) من حديث قتادة، أن علي بن أبي طالب ﵁: قال: "ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن".
الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإِمام، وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها؛ لأنه آخر صلاته. وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر.
الرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية , وسفيان ومجاهد وابن سيرين.
وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه آخر صلاته.
стр. 2981
قال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعي والشعبي وأبي قلابة، ورواه القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجشون واختاره ابن حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله ﵇: "وما فاتكم فاقضوا".
ورواه ابن أبي شيبة (١) بسند صحيح عن أبي ذر.
وابن حزم (٢) بسند مثله عن أبي هريرة.
والبيهقي (٣) بسند لا بأس به على رأي جماعة عن معاذ بن جبل ﵁.
والجواب عما استدل به الشافعي ومن معه وهو قوله: "فأتموا" أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإِمام، فحمل قوله: "فأتموا" على أَنَّ من قضى ما فاته فقد أتم؛ لأن الصلاة تنقص بما فات، فقضاؤه إتمام لما نقص.
وقال الشيخ محيي الدين: وحجة الجمهور أن أكثر الروايات "وما فاتكم فأتموا"، وأجابوا عن رواية "فاقض ما سبقك" أن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل، فمنه قوله تعالي: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٥)، و ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ (٦)، ويقال: قضيت حق فلان، ومعنى الجميع الفعل.
قلنا: أما الجواب عن قوله: "فأتموا" فقد ذكرناه آنفًا.
وأما قوله: المراد بالقضاء الفعل فمشترك الدلالة؛ لأن الفعل يطلق على الأداء والقضاء جميعًا، ومعنى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: قدرهنّ، ومعنى
стр. 2982
﴿قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾: فرغتم عنها، وكذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، ومعنى قضيت حق فلان: أنهيتُ إليه حقه، ولئن سلمنا أن القضاء بمعنى الأداء فيكون مجازا، والحقيقة أولى من المجاز ولا سيما على أصلهم: المجاز ضروري لا يصار إليه إلا عند الضرورة والتعذر.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: أنا حُميد الطويل، عن أنس، عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا جاء أحدكم -يعني إلى الصلاة- فليمش علي هينةٍ، فليصلِّ ما أدرك وليقض ما سُبِق به منها".
ش: إسناده صحيح، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف العجلي البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح" (١).
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٢) بأتم منه: ثنا ابن أبي عدي وسهل بن يوسف، عن حميد، عن أنس قال: "أقيمت الصلاة، فجاء رجل يسْعى وقد حَفَزه النَفسُ أو انتهر، فلما انتهى إلى الصف قال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته قال: أيكم المتكلم؟ فسكت القوم، فقال: أيكم المتكلم فإنه قال خيرًا أو لم يقل بأسًا؟ قال الرجل: يا رسول الله، أنا أسرعت المشي فانتهيت إلى الصف فقلت الذي قلت. فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرون بها أيهم يرفعها، ثم قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليمش على هينته، فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه".
ص: فالنظر عندنا يدلُّ على أن من صلّى خلف الصفّ فصلاته جائزة؛ وذلك أنهم لا يختلفون في رجل كان يصلي وراء الإمام في صف فخلا موضع رجل أمامه أنه ينبغي له أن يمشي إليه حتى يقوم فيه، وكذلك روي عن عبد الله ابن عمر ﵂.
стр. 2983
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرة، قال: سمعتُ خيثمة بن عبد الرحمن يقول: "صليت إلى جنب ابن عمر ﵂، فرأى في الصَفِّ خللًا، فجعل يَغمزني أن أتقدم إليه وجَعلتُ إنما يَمْنَعني أن أتقدم الضِّنُ بمكاني إذا جلس أن أَبعُدَ منه، فلما أن رأى ذلك تقدَّم هو".
والذي يتقدم من صَفٍّ إلى صفٍّ على ما ذكرنا هو فيما بين الصفين في غير صف فلم يضره ذلك ولم يخرجه من الصلاة، فلو كانت الصلاة لا تجوز إلا لقائم في صف لفسدت على هذا صلاته لما صار في غير صفٍّ، وإن كان ذلك أقل القليل، كما أن من وقف على مكان نجس وهو يصلي أقل القليل أفْسَدَ ذلك عليه صلاته، فلما أجمعوا أنهم يأمرون هذا الرجل بالتقدم إلى ما قد خلا أمامه من الصفّ ولا يُفسُد عليه صلاته كونه فيما بين الصفين في غير صف؛ دلّ ذلك أن مَنْ صلّى دون الصف أن صلاته مجزئة عنه.
ش: تقرير وجه النظر: أن الأخصام كلهم اتفقوا على أن الرجل الذي يصلي وراء الإِمام في صف إذا رأى موضع رجل قد خلا من بين يديه ينبغي له أن يتقدم إلى ذلك الموضع ويقف فيه، ويسدُّ ذلك الخلل، فهذا بالاتفاق لا يضره ذلك ولا يفسد صلاته، فهذا في حالة تقدمه يكون بين الصَّفّين لا في صفّ بعيْنه، ومع هذا لا تفسد صلاته، فلو كانت الصلاة لا تجوز إلا لمن يقوم في صف؛ لكان ينبغي أن تفسد صلاة هذا الرجل حين صار في غير صف في حالة تقدمه، وإن كان ذلك في مدة يسيرة لما كان تفسد صلاة من وقف على مكان نجس وإن كان وقوفه عليه في مدة يسيرة، فلما أجمعوا أن هذا الرجل متقدم إلى الموضع الذي خلا بين يديْه، وأن كونه بين الصفّين في حال تقدّمه لا يفسد عليه صلاته لكونه صار في غير صف، دل ذلك أن من صلى دون الصف أن صلاته لا تفسد وإن كان في غير صفّ قياسًا على ما ذكرنا.
قوله: "أمامه" بفتح الهمزة بمعنى قدامه.
стр. 2984
قوله: "ينبغي له أن يمشي إليه" عام يتناول الخطوة والخطوتين وأكثر، ولكن قَدَّره بعض أصحابنا بخطوة حتى لو مشى خطوتين أو أكثر فسدت صلاته، وقدره بعضهم بموضع السجود، كذا في "المحيط" , ولكن كلام الطحاوي يدل على أن صلاته لا تفسد وإن كان بين الصفّين أكثر من خطوة مطلقًا.
قوله: "وكذلك روي" أي كما ذكرنا أن المصلي إذا رأى موضعًا خاليًا بين يديه ينبغي له أن يتقدم؛ روي عن عبد الله بن عمر ﵂.
أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن عمرو بن مرة المرادي الجملي الكوفي الأعمى روى له الجماعة، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة الكوفي، لأبيه صحبة ولجدّه أيضًا روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن خيثمة قال: "صليت إلى [جنب] (٢) ابن عمر ﵄ فرأى في الصف فرجةً، فأومأ إليّ فلم أتقدم, قال: فتقدم هو فَسدَّها".
قوله: "خللًا" أي فرجةً في الصف، وأصل الخلل: من التخلل بين الشيئين وهي الفرجة والثُّلْمة التي بينهما، وخلال الشيء: وسَطه.
قوله: "يَغْمزني" من غمزت الشيء بيدي وغمزته بَعيْني، والغمز الإشارة.
قوله: "أن أتقدم" مفعول لقوله: "إنما يمنعني" و"أن" مصدرية.
وقوله: "الضِّنُّ" مرفوع؛ لأنه فاعل لقوله: "يَمْنعني"، والمعنى إنما يمنعني الضِّنُّ التقدمَ، والضِّنّ -بكسر الضاد المعجمة- يقال: ضَنَنْتُ بالشيء أَضِنُّ به ضِنًّا وضنانةً إذا بخلتَ به، وهو ضَنِين به من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، قال الفراء: ضَنَنْت بالفتح أَضِنُّ لغة يعني من باب ضرب يضرب.
стр. 2985
قوله: "أن أبعد منه" أي لأن أبعد منه، أي لأجل البُعْد.
ص: وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم ركعوا دون الصف ثم مشوا إلى الصفّ، واعتدُّوا بتلك الركعة التي ركعوها دون الصف، فمن ذلك ما حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن منصور، عن زيد بن وهب قال: "دخلتُ المسجد أنا وابن مسعود، فأدركنا الإِمام وهو راكع فركعنا، ثم مشينا حتى استوينا بالصفّ، فلما قضى الإِمام الصلاة قمت لأقضي، فقال عبد الله: قد أدركت الصلاة".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بشير بن سليمان، قال: حدثني سيَّار أبو الحكم، عن طارق قال: "كنا مع ابن مسعود ﵁ جلوسًا، فجاء آذنه فقال: قد قامت الصلاة، فقام وقمنا، فدخلنا المسجد، فرأى الناس ركوعًا في مقدم المسجد فكبّر وركع ومشى، ففعلنا مثل ما فعل به".
ش: أشار بهذا إلى أن المشي إلى الصف بعد الشروع في الصلاة غير مفسد، وأن الركعة التي يركعها الرجل دون الصفّ ثم يدخل في الصف مُعْتد بها، وأنه يدل على أن الانفراد دون الصف غير مفسد للصلاة.
وأخرج في ذلك عن عبد الله بن مسعود ﵁ من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن محمَّد بن عمرو بن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي أبي زكرياء الكوفي الجزار روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي رحل إلى النبي ﵇ فقبض وهو في الطريق.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن زيد بن وهب قال: "خرجت مع عبد الله من داره إلى المسجد، فلما توسطنا المسجد ركع الإِمام فكبر عبد الله، ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا راكعين حتى
стр. 2986
انتهينا إلى الصف، حتى رفع القوم رءوسهم، قال: فلما قضى الإِمام الصلاة قمتُ وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني وقال: إنك أدركت".
والطريق الآخر: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن بَشِير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة بعدها الياء آخر الحروف- بن سَلْمان -بفتح السين- أبي إسماعيل النَّهْدي الكوفي والد الحكم، روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، عن سَيّار -بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- أبي الحكم العنزي الواسطي، ويقال البصري، روى له الجماعة، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الكوفي روى له الجماعة.
وأخرجه الطبراني (١): عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود نحوه.
ص: فإن اعتل في هذا معتل أن عبد الله إنما فعل ذلك لأنه صار هو وأصحابه صفًّا.
قيل له: ففد روي عن زيد بن ثابت ﵁ في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل قال: "رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والناس ركوع، فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل الصف وهو راكع كبَّر فركع، ثم دبَّ وهو راكع حتى وصل الصف".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني مالك وابن أبي ذئب، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، قال: أخبرني أبي، عن خارجة بن زيد بن ثابت: "أن زيد بن ثابت كان يركع على عتبة المسجد ووجهه إلى القبلة، ثم يمشي معترضًا على شقه الأَيْمن، ثم يَعْتد بها إن وصل إلى الصف أو لم يَصِلْ".
стр. 2987
ش: أي: فإن اعتل في ما روي من أثر ابن مسعود معتل أن عبد الله بن مسعود إنما فعل ذلك أي ما روي عنه من ركوعه دون الصف ثم مشيه إلى الصف واعتداده بتلك الركعة التي وقعت دون الصف؛ لأنه صار هو أي عبد الله وأصحابه صفًّا واحدًا.
بيانه: أن ما رويتم من ذلك لا يصلح حجةً لما ذهبتم إليه؛ لأن عبد الله بنمسعود وأصحابه كانوا صفًّا واحدًا، فيكون ركوعهم في صفٍّ، وهذا خلاف ما ذهبتم إليه.
والمعتل ها هنا اسم فاعل من اعتل، وأصله مُعْتلل -بكسر اللام وبفتحها- يكون اسم مفعول، فأدغمت اللام في اللام للموجب لذلك، ولا يفرق بين الفاعل والمفعول في مثل ذلك لفظًا ويفرق بالقرينة، فافهم.
وأجاب عنه بقوله: "قيل له" أي لهذا المعتل: "فقد روي عن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ في ذلك" أي فيما ذكرنا.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري من كبار التابعين روى له الجماعة، واسمه سعد، وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي أمامة: "أن زيد ابن ثابت ركع قبل أن يصل إلى الصف ثم مشى راكعًا".
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة
стр. 2988
ابن سهل بن حنيف قال: "رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع، فاستقبل، ثم ركع ثم دَبّ راكعًا حتى وصل إلى الصف".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد -بالنون- اسمه عبد الله بن ذكوان، عن خارجة بن زيد بن ثابت: "أن زيد بن ثابت ... " إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن موهب، عن كثير بن أفلح، عن زيد بن ثابت: "أنه دخل والقوم ركوع فركع دون الصف، ثم دخل في الصف".
قوله: "ثم يَعتدّ بها" أي بتلك الركعة التي ركعها على عتبة المسجد سواء وصل إلى الصف أو لم يصل.
ص: فإن قال قائل: فأنتم تخالفون ما رويتموه عن ابن مسعود وزيد بن ثابت ﵄ وتقولون: لا ينبغي لأحد أن يركع دون الصف، قيل له: نعم، ولكن احتججنا بذلك عليك لِنُعْلِمَ أن أصحاب النبي ﵇ كلهم لا يبطلون صلاة مَنْ دخل في الصلاة قبل وصوله إلى الصفِّ.
فإن قال قائل: فما الذي ذهبتم إليه حتى خالفتم عبد الله وزيدًا ﵄؟
قيل له: ما قد رويناه في هذا الباب من حديث أبي هريرة ﵁: "لا يركع أحدكم دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف".
وقد قال بذلك الحسن ﵁: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القواريريُّ، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن: "أنه كره أن يركع دون الصف".
стр. 2989
وكل ما بيّنا في هذا الباب من هذا من إجازة صلاة مَنْ صَلّى خلف الصفّ هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: تقرير السؤال أن يقال من جهة الخصم: إنكم قد رويتم أثرَيْ عبد الله وزيد بن ثابت المذكورين آنفًا، ثم قد خالفتم حكمهما، فإنهما يدلان على جواز الركوع دون الصف من غير كراهة وأنتم قلتم: لا ينبغي لأحد أن يركع دون الصف.
وتقرير الجواب أن يقال: إنما نحن روينا أثرَيْ عبد الله وزيد لأجل الإعلام بأن الصحابة ﵃ كلهم لا يبطلون صلاة من دخل في الصلاة قبل وصوله إلى الصف فالمصلي خلف الصف وحده كذلك، فلا تبطل (١) صلاته، وهذه هي صورة النزاع.
ولكن ذهبنا فيما قلنا من كراهة الركوع دون الصفّ إلى ما روي عن أبي هريرة الذي مرّ ذكره في هذا الباب، وهو قوله ﵇: "إذا أتي أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه"، وهو مذهب الحسن البصري أيضًا.
أخرجه عنه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن عبيد الله ابن عمر بن مَيْسرة القواريري البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن أشعث بن عبد الملك الحُمْراني، عن الحسن البصري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن أبي العلاء قال: "سئل الحسن عن الرجل يركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال: لا يركع".
وإليه ذهب إبراهيم النخعي أيضًا.
стр. 2990
فقال ابن أبي شيبة (١): ثنا جرير، عن مغيرة قال: "قلت لإبراهيم: إذا دخلتُ المسجد والإمام راكع أأركع قبل أن أنتهي إلى الصفِّ؟ قال: أنت لا تفعل ذلك".
وهو مذهب أبي هريرة أيضًا، وقد قدمنا أن ذلك رُويَ عنه مرفوعًا وموقوفًا: فالمرفوع أخرجه الطحاوي، والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (٢)، والله أعلم.
стр. 2991
ص: باب: الرجل يدخل في صلاة الغداة فيصلي منها ركعة ثم تطلع الشمسُ
ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة الرجل الذي يصلي من صلاة الصبح ركعةً ثم تطلع الشمس، هل تبطل صلاته أم لا؟ أم كيف يكون الحكم في ذلك؟
وجه المناسبة بين البابين: أن الأول مشتمل على فساد صلاة المنفرد خلف الصف عند البعض، وهذا أيضًا مشتمل على فساد صلاة من تطلع عليه الشمس وهو في الصلاة عند البعض.
ص: قال أبو جعفر ﵀: روى عطاء بن يسار وغيره، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "من أدرك من صلاة الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة".
وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب: "مواقيت الصلاة".
ش: أخرجه في باب: "مواقيت الصلاة" من حديث عطاء بن يسار وبُسْر بن سعيد وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، ومن حديث أبي صالح عن أبي هريرة، ومن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة، وقد ذكرناه هناك (١).
ص: فذهب قوم إلى أن مَنْ صلّى [من] (٢) صلاة الصبح ركعةً قبل طلوع الشمس ثم طلعت عليه الشمس صلّى إليها أخرى، واحتجوا في ذلك بهذا الأثر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: مَنْ صلى مِنْ صلاة الصبح ركعةً ثم طلعت الشمس فصلى إليها أخرى فلا تفسد صلاته بطلوع الشمس في أثنائها، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة المذكور.
стр. 2992
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إذا طلعت عليه الشمس وهو في صلاته فسدت عليه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏، فإنهم قالوا: إذا طلعت على المصلي الشمسُ وهو في صلاته فسدت صلاته؛ لأنه شرع فيها في الوقت الكامل، فاعتراض طلوع الشمس يفسد؛ لأن ما وجب كاملًا لا يتأدى بالناقص، كالصوم المنذور المطلق أو صوم القضاء لا يتأدى في أيام النحر والتشريق بخلاف صلاة العصر فإنها لا تفسد باعتراض غروب الشمس عليها؛ لأن ما بعد الغروب وقت كامل وقد كان شرع في الوقت الناقص فيتأدى بالكامل.
فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدّها إلى أن غربت.
قلت: لما كان الوقت متسعًا جاز له شغل كل الوقت فيُعفى للفساد الذي يتصل فيه بالبناءة؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر.
ص: وقالوا: ليس في هذا الأثر دلالة على ما ذهب إليه أهل المقالة الأصل؛ لأن قول النبي ﵇: "مَنْ أدرك من صلاة الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك" قد يحتمل ما قال أهل المقالة الأولى، ويحتمل أن يكون عَنى به الصبيان الذي يبلغون قبل طلوع الشمس، والحُيَّض اللاتي يَطْهرن، والنصارى الذين يسلمون؛ لأنه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر الصلاة، فيكون هؤلاء الذي سميناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصلاة ويجب عليهم قضاؤها، وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقل من المقدار الذي يصلونها فيه.
قالوا: وهذا الحديث هو الذي ذهبنا فيه إلى أن المجانين إذا أفاقوا والصبيان إذا بلغوا والنصارى إذا أسلموا والحيض إذا طهرن وقد بقي عليهم من وقت الصبح
стр. 2993
مقدار ركعة أنهم لها مدركين فلم نخالف هذا الحديث، وإنما خالفنا تأويل أهل المقالة الأولى.
ش: أي قال الآخرون: ليس في هذا الحديث دلالة على ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى؛ لأنه محتمل للمعنيين المذكورين، وبالاحتمال لا يتم الاحتجاج.
فإن قيل: ما الدليل على الاحتمال الثاني؟
قلت: ذكر لفظة الإدراك وهو قوله: "أدرك" بدون أن يقول: أدرك الصلاة، فيكون المعنى حينئذٍ: فقد أدرك وجوب الصلاة، فيكون الصبيان والحيض والكفار ومن شابههم مدركين لهذه الصلاة ويجب عليهم قضاؤها، وإن كان الباقي من الوقت أقل من وقت أداء الصلاة فيه.
وقال أبو عمر (١): اختلف العلماء في معنى قوله: "فقد أدرك"، فقالت طائفة من أهل العلم: أراد بقوله ذلك: أدرك وقتها، حُكي ذلك عن داود بن علي وأصحابه قالوا: إذا أدرك الرجل من الظهر أو العصر ركعة وقام فصلى الثلاث ركعات فقد أدرك الوقت في جماعة وثوابه على الله .
وقال الآخرون: من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة؛ لأن صلاته صلاة جماعة في فضلها وحكمها، واستدلوا على ذلك من أصولهم بأنه لا يُعتدُّ في جماعة من أدرك ركعةً من صلاة الجماعة.
وقال آخرون: معنى هذا الحديث أن مدرك ركعة من الصلاة مدرك لحكمها وهو كمن أدرك جميعها فيما يفوته من سهو الإِمام وسجوده لسهوه، ولو أدرك الركعة مسافر من صلاة مقيم لزمه حكم صلاة المقيم، وكان عليه الإتمام، ونحو من هذا في حكم الصلاة.
قال أبو عمر ﵀ (١): ظاهر قوله ﵇: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة" يوجب الإدراك للوقت والحكم والفضل إن شاء الله تعالى إذا صلى
стр. 2994
تمام الصلاة، ألا ترى أن من أدرك الإِمام راكعًا فدخل معه وركع قبل أن يرفع الإِمام رأسه من الركعة أنه يدرك عند الجمهور حكم تلك الركعة، وأنه كمن ركعها من أول الإحرام مع إمامه، وكذلك مدرك ركعة من الصلاة مدرك لها، وقد أجمع علماء المسلمين أن مدرك ركعة من صلاته لا تُجزئه ولا تغنيه عن إتمامها، ودلّ أن قوله: "فقد أدرك الصلاة" ليس عك ظاهره وأن فيه مضمرًا بَيَّنَهُ الإجماع والتوقيف، وهو إتمام الصلاة، والذي عليه مدار هذا الحديث وفقهه: أن مدرك ركعةً من الصلاة مدرك لحكمها في السهو وغيره، وأما الفضل فلا يدرك بقياس ولا نظر؛ لأن الفضائل لا تقاس. انتهى.
ثم اعلم أن قوله: "لأنه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر الصلاة" إشارة إلى أن هذا الحديث قد روي على وجهين، في وجه روي: "فقد أدرك الصلاة"، وفي وجه روي: "فقد أدرك" فقط بدون لفظة الصلاة.
وقال أبو عمر في "التمهيد": لا أعلم اختلافًا في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه عند رواة "الموطأ" عن مالك، وكذلك رواه سائر أصحاب ابن شهاب، إلا ابن عُيَيْنة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك" لم يقل الصلاة.
قوله: "قالوا: وهذا الحديث ... " إلى آخره، أي قال الآخرون: هذا الحديث -أعني حديث أبي هريرة- هو الذي ذهبنا فيه إلى أن المجانين إذا أفاقوا والصبيان إذا بلغوا والكفار إذا أسلموا والحيض -بضم الحاء جمع حائض- إذا طهرن، والحال أنه قد بقي عليهم من وقت الصبح مقدار ركعة أنهم يكونون لها مدركين، وأشار بهذا الكلام إلى أنهم عملوا بهذا الحديث في هذه الصورة وما تركوه، وهو معنى قوله: "فلم نخالف هذا الحديث" وإنما خالفوا تأويل أهل المقالة الأولى في قولهم: إن المدرك من صلاة الصبح ركعة قبل طلوع الشمس يضم إليها ركعة ولا يضره طلوع الشمس في أثنائها.
стр. 2995
ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى: ما قد حدثنا علي بن مَعْبد، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ أنه قال: "مَنْ أدرك من صلاة الغداة ركعةً قبل طلوع الشمس فليصل إليها أخرى".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا علي بن المبارك، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أدرك ركعةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد تمت صلاته، فإذا أدرك ركعةً من صلاة الصبح فقد تمت صلاته".
ففيما روينا ذكر البناء بعد طلوع الشمس على ما قد دخل فيه قبل طلوعها، فكان من الحجة على أهل هذه المقالة أن هذا قد يجوز أن يكون كان من النبي- ﵇ قبل نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس؛ فإنه قد نهى عن ذلك، وتواترت عنه الآثار بِنَهيْه عن ذلك وقد ذكرنا تلك الآثار أيضًا في باب مواقيت الصلاة، فيحتمل أن يكون ما كان فيه الإباحة هو منسوخ بما فيه النهي.
ش: هذا إيراد من أهل المقالة الأولى على ما قاله أهل المقالة الثانية.
بيانه: أن يقال: إنكم حَمْلتم قوله ﵇: "من أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك" على مَنْ لم يكن أهلًا إذا صاروا أهلًا قبل طلوع الشمس كما ذكرناه، فما تقولون فيما رواه أبو رافع، عن أبي هريرة. وأبو سلمة عنه أيضًا؛ فإنه صريح على ذكر البناء بعد طلوع الشمس على ما قد دخل فيه قبل الطلوع؟
وتقرير الجواب أن يقال: إن الآثار قد تواترت عن النبي ﵇ بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لم يتواتر بإباحة الصلاة عند ذلك، فدل ذلك أن ما كان فيه الإباحة كان منسوخًا بما كان فيه التواتر بالنهي.
стр. 2996
فإن قيل: ما حقيقة النسخ في هذا؟ والذي ذكره الطحاوي نسخ بالاحتمال، وهل يثبت النسخ بطريق الاحتمال؟
قلت: حقيقة النسخ ها هنا أنه اجتمع في هذا الموضع محرِّم ومبيح، وقد تواترت الآثار والأخبار في باب المحرِّم ما لم تتواتر في باب المبيح، وقد عرف من القاعدة أن المحرِّم والمبُيح إذا اجتمعا يكون العمل للمُحَرِّم، ويكون المبُيح منسوخًا؛ وذلك لأن الناسخ هو المتأخر، ولا شك أن الحرمة متأخرة عن الإباحة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة والتحريم عارض، ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم النسخ مرتين؛ فافهم فإنه كلام دقيق قد لاح لي من الأنوار الربانية.
وقد يجاب عن الأول بأنه محمول على أنه إذا طلعت الشمس بعد صلاته ركعةً واحدة يتوقف إلى أن تطلع الشمس ثم يصلي إليها ركعة أخرى.
وإليه ذهب أبو يوسف في هذا الباب على ما عرف في الفروع، ووجه ذلك: أنه يكون في هذه الصورة مؤديًا بعض الصلاة في وقتها، ولو أفسدنا صلاته في هذه الحالة يكون مؤديًا جميع صلاته خارج الوقت، فحينئذٍ أداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أداء الكل خارج الوقت.
وعن الثاني: بأن معنى قوله: "فقد تمت صلاته" يعني تم وجوبها في ذمته بإدراك ذلك القدر في الوقت، فالكلام ليس على ظاهره، ألا ترى أنه لا تتم صلاته حقيقة بإدراك ركعة واحدة، وإنما تمامها بالركعتين جميعًا؟ فعلمنا أن قوله: "فقد تمت صلاته" معناه: تم وجوبها لا حقيقة الصلاة.
ثم إنه أخرج الحديثين المذكورين بإسناد صحيح:
أحدهما: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف أبي نصر العجلي البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري روى له الجماعة، عن قتادة بن
стр. 2997
دعامة، عن خلاس -بكسر الخاء- بن عمرو الهجري البصري روى له الجماعة، عن أبي رافع الصائغ واسمه نفيع المدني روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "مَنْ صلّى من صلاة الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس فطلعت؛ فليصل إليها أخرى".
والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر العقدي -واسمه عبد الملك ابن عمرو، وقد تكرر ذكره- عن علي بن المبارك الهنائي البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أبو نعيم، قال: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته".
قلت: أراد بالسجدة الركعة، من قَبِيل ذكر الشيء باسم جزئه.
ص: فقالوا: إنما النهي على التطوع خاصّة لا على قضاء الفرائض، ألا ترون أن النبي- ﵇ قد نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس، فلم يكن ذلك عندنا وعندكم بمانع أن تقضى صلاة فائتة في هذين الوقتين، فكذلك ما رويتم عنه من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لا يكون مانعًا عندنا؛ لأن تُقضى حينئذٍ صلاة فائتة، إنما هو مانع من صلاة التطوع خاصة.
стр. 2998
وكان من الحجة للآخرين عليهم: أنه قد روي عن النبي- ﵇ ما يدل على أن الصلوات المفروضات الفائتات قد دخلت فيما نهى عنه رسول الله ﵇ من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.
وذلك أن علي بن شيبة حدثنا، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: "سَرْينا مع رسول الله ﵇ في غزوة -أو قال: في سرية- فلما كان آخر السحَر عَرَّسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حرُّ الشمس، فجعل الرجل منا يَثبُ فزعًا دهشًا، واستيقظ رسول الله ﵇، فأمرنا فارتحلنا من مسيرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم، وأمر بلالًا ﵁ فأذن، فصلينا ركعتين، فأقام فصلى الغداة، فقلنا: يا نبي الله، ألا نَقْضيها لوقتها من الغد؟ فقال النبي ﵇: أينْهاكم الله عن الربا ويَقْبله منكم؟! ".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁، عن النبي ﷺ : "أنه كان في سفرٍ فنام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فأمر مؤذنًا فأذن، ثم انتظر حتى استعلت الشمس، ثم أمر فأقام، فصلى الصبح".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عباد بن ميسرة المنقري، قال: سمعت أبا رجاء العُطارديَّ، قال: ثنا عمران بن حصين قال: "أَسْرَى بنا رسول الله ﵇ وعَرَّسْنا معه، فلم نَستَيقظ إلا بِحَرِّ الشمس، فلما استيقظ رسول الله ﵇ قالوا: يا رسول الله، ذهبت صلاتُنا. فقال النبي ﵇: لم تذهب صلاتكم، ارتحلوا من هذا المكان، فارتحلنا قريبًا، ثم نزل فصلى".
حدثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عوفٌ، عن أبي رجاء، عن عمران، عن النبي ﵇ نحوه.
стр. 2999
ش: هذا اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى، تقريره أن يقال: إن ما ورد من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها إنما هو عن التطوع خاصة، وليس ذلك بنهي عن قضاء الفرائض، والدليل على ذلك: ما ورد من النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، فإن هذا النهي لا يمنع عندنا وعندكم عن قضاء الصلوات الفائتة في هذين الوقتين، وإنما يمنع عن التطوع فيهما خاصة، فإذا كان كذلك؛ لا تفسد صلاة الصبح بطلوع الشمس في أثنائها، حتى إذا طلعت بعد أداء ركعة يضم إليها ركعة أخرى ويجزئ ذلك عنه.
وتقرير الجواب: ما أشار إليه بقوله: "وكان من الحجة للآخرين عليهم" أي على أهل المقالة الأولى أنه قد روي عن النبي ﵇ على أن الصلوات الفائتة قد دخلت في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وذلك في حديث عمران بن الحصين ﵁؛ لأن فيه أنه ﵇ أخَّر صلاة الصبح حين فاتت عنهم إلى أن ارتفعت الشمس ولم يصلها قبل الارتفاع، فدل ذلك أن نهيه ﵇ عن الصلاة عند طلوع الشمس عَامٌّ، فشمل الفرائض والنوافل، وتخصيص ذلك بالتطوع ترجيح بلا مرجح، ودَلّ ذلك أيضًا على أن الوقت الذي استيقظ فيه ليس بوقت للصلاة التي نام عنها مع قوله ﵇: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها".
ثم إنه أخرج حديث عمران ﵁ من أربع طرق صحاح:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن روح بن عبادة بن العلاء البصري، عن هشام بن حسان الأزدي البصري، عن الحسن البصري.
وكلهم رجال الجماعة ما خلا شيخ الطحاوي.
فإن قيل: كيف تقول: طرق صحاح. وقد ذكر علي بن المديني وأبو حاتم الرازي وغيرهما أن الحسن البصري لم يسمع من عمران بن حصين.
стр. 3000
قلت: الحديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (١)، وقال: حديث صحيح.
وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (٢).
وقد قدمنا من صحة سماع الحسن عن عمران بن حصين، على أن الطحاوي ما اكتفى في تخريجه عن الحسن عن عمران حتى أخرجه من طريقين عن أبي رجاء العطاردي عن عمران؛ على ما يجيء عن قريب إن شاء الله.
وبهذا الطريق أخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا يزيد، أنا هشام.
وثنا روح، نا هشام، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: "سِرْينا مع رسول الله ﵇، فلما كان من آخر الليل عرّسنا، فلم نستيقظ حتى أيقظتنا الشمسُ، فجعل الرجل يقوم منا دَهشًا إلى طهوره، قال: فأمرهم النبي ﵇ أن يَسكنوا، ثم ارتحلنا، فسرْنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: أينهاكم ربكم ﵎ عن الربا ويقبله منكم؟! ".
وأخرجه أبو داود (٤) مختصرًا: من حديث يونس، عن الحسن، عن عمران ابن حصين.
الطريق الثالث: عن علي بن معبد بن نوح ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل والحسن بن إسحاق التستري، أنا وهب بن بقية، ثنا خالد، عن يونس، عن الحسن، عن
стр. 3001
عمران بن حصين: "أن رسول الله ﵇ كان في مسير فناموا عن صلاة الصبح، فاستيقظوا بحرّ الشمس، فارتفعوا قليلًا حتى استقلت الشمس ثم أمر مؤذنًا فأذن، فصل ركعتين قبل الفجر، ثم أقام، فصلى الفجر".
قوله: "استقلت" أي ارتفعت واشتدت.
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عباد بن ميسرة المِنْقري، عن أبي رجاء العطاردي واسمه عمران بن ملحان.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) مطولًا من رواية أبي رجاء العطاردي، عن عمران ﵁.
قوله: "ارتحلوا من هذا المكان" وفي رواية: "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة" وفي رواية مسلم: "فإن هذا منزل حَضَرَنَا فيه الشيطان".
الرابع: عن علي بن معبد، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن عمران بن حصين.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: نا النضر بن شميل، قال: ثنا عوف بن أبي جميلة، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن الحصين قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر، فسرنا ليلةً حتى إذا كان من آخر الليل قبيل الصبح وقعنا تلك الوقعة التي لا وقعة عند المسافر أحلى منها، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس ... " الحديث بطوله.
قوله: "سَرَيْنا" من سرى يسري سُرًى وهو السير بالليل، وكذلك أسرى يسْري إسراء.
стр. 3002
قوله: "أو سرية" وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تُبعث إلى العَدوّ، وجمعها: السرايا؛ سُمّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السَرِيّ: النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سِرًّا وخفيةً وليس بالوجه؛ لأن "لام" السر "راء" وهذا "ياء".
قوله: "عرَّسنا" من التعريس وهو نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة، هكذا قال الخليل والجمهور.
وقال أبو زيد: وهو النزول أيّ وقت كان من ليل أو نهار، وفي الحديث: "يعرسون في نحو الظهيرة" (١).
قوله: "يَثِبُ" من الوثبة، أصله: يَوْثب.
قوله: "فزعًا دهشًا" حالان مترادفان أو متداخلان من الضمير الذي في "يثب"، وفزعًا -بفتح الفاء وكسر الزاي- بمعنى قائمًا من نومه على خوف، وهو من فَرعَ يَفْزَعُ من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، يقال: فزع من نومه وأفزعته أنا، وكأنه من الفزع وهو الخوف؛ لأن الذي يُنَبَّه لا يخلو من فزعٍ ما.
وقوله: "دهشًا" بفتح الدال وكسر الهاء معناه متحيرًا، من الدهشة.
قوله: "أينهاكم الله" الهمزة فيه للاستفهام، والمعنى: أن الله تعالى أمركم
بصلاة واحدة، فإذا فأتت عنكم بنومٍ أو نسيان أو غير ذلك فائتوا ببدلها ومثلها ولا تصلوها مرتين، فإن ذلك يكون زيادة، والزيادة على الجنس ربًا، فالله تعالى قد نهاكم عن الربا ثم هو كيف يقبله منكم، وهذا يدل على أن الفائتة تقضى مرة واحدة ليس إلا؛ خلافًا لمن ذهب أنه يقضيها مرةً ثم يصليها من الغد في الوقت الذي فاتت فيه، على ما يجيء بيانه في باب "الرجل ينام عن الصلاة أو ينسى كيف يقضيها" إن شاء الله تعالى.
стр. 3003
ويستنبط منه أحكام:
ففيه دليل على أن الفائتة يؤذن لها، وأنها يُقام لها، وعلى أن ركعتى الفجر تُقضيان بعد طلوع الشمس إذا فاتتا مع الفرض، وكذا عند محمد إذا فاتتا بدونه، وأن الجماعة مستحبة فيها.
وأن قضاء الفائتة بعذر ليس على الفور -على الصحيح- ولكن يستحب قضاؤها على الفور، وقيل: إنه على الفور. حكاه البغوي وجهًا عن الشافعي.
وأما الفائتة بلا عذر فالأصح قضاؤها على الفور، وقيل: له التأخير كما في الأول.
وفيه دليل أيضًا على أن قضاء الفائتة يمنع عند طلوع الشمس كما ذكرناه، ثم اختلف أصحابنا في قدر الوقت الذي تباح فيه الصلاة بعد الطلوع.
قال في الأصل: حتى ترتفع قدر رمح أو رمحين.
وقال أبو بكر محمد بن الفضل: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس فالشمس في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تُباح.
وقال الفقيه أبو حفص السفكردري: يُؤتي بطَسْتٍ ويوضع في أرض مستوية، فما دامت الشمس تقع في حيطانه فهي في الطلوع، فلا تحل الصلاة، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت الصلاة.
فإن قيل: قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" فكيف ذهب عنه الوقت ولم يشعر به؟
قلنا: إن ذلك خاص في أمر الحدث؛ لأن النائم قد يكون منه الحدث وهو لا يشعر به، وليس كذلك رسول الله- ﵇ فإن قلبه لا ينام حتى يشعر بالحدث إذا كان منه، ويقال: إن ذلك من أجل أنه يوحى إليه في منامه فلا ينبغي لقلبه أن ينام، فأما معرفة الوقت وإثبات رؤية الشمس طالعةً فإن ذلك إنما يكون دركه ببصر العين دون القلب، فليس فيه مخالفة للحديث الآخر، فافهم.
стр. 3004
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن الجراح، قال: ثنا أبو يوسف، عن حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي قتادة الأنصاري، عن أبيه قال: "أَسْرى رسول الله ﷺ في غزوة من غزواته ونحن معه، فقال بعض القوم: لو عرستَ، فقال: إني أخاف أن تناموا عن الصلاة، قال بلالٌ: أنا أوقظكم، فنزل القوم فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته وألقى عليهم النوم، فاستيقظ القوم وقد طلع حاجب الشمس، فقال: أين ما قلت يا بلال؟ قال: يا رسول الله ﵇، ما ثَقُلَتْ عليَّ نومة مثلها قط. قال رسول الله ﵇: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردّها إليكم حيث شاء، فأذن الناس بالصلاة، فآذنهم فتوضئوا، فلما ارتفعت الشمس صلى رسول الله ﵇ ركعتي الفجر، ثم صلى الفجر".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حُصَين ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رَبَاحٍ، عن أبي قتادة، عن النبي ﵇ فذكر مثل حديثه عن روح الذي ذكرنا في أول هذا الباب غير أنه لم يذكر سؤالهم النبي- ﵇.
قال عبد الله: فسمعني عمران بن حصين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرجل؟ فقلت: عبد الله بن رباح الأنصاري. فقال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدِّث؟ فإني أحد السَّبْعة تلك الليلة. فلما فرغتُ قال: ما كنت أحْسب أن أحدًا يحفظ هذا غيري.
قال حمادٌ: وحدثنا حميد الطويل، عن بكر، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبي- ﵇ مثله.
ش: أخرج حديث أي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله ﵇ من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن إبراهيم بن جراح مولى بني مازن، أحد أصحاب أبي حنيفة واحد قضاة مصر، أثنى عليه يونس بن عبد الأعلى.
стр. 3005
عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري أكبر أصحاب أبي حنيفة، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري روى له الجماعة، عن أبيه أبي قتادة.
وأخرجه النسائي (١): أنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو زُبَيْد -واسمه عَبْثر بن القاسم- عن حُصَين، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كنا مع رسول الله ﵇ إذ قال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله ﵇؟ قال: إني أخاف أن تناموا عن الصلاة. قال بلال: أنا أحفظكم، فاضطجعوا فناموا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فاستيقظ رسول الله ﵇ وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال أين ما قلت؟ قال: ما ثقلت عليَّ نومة مثلها قط. قال رسول الله ﵇: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء، قم يا بلال فآذن الناس بالصلاة، فقام بلال فأذن فتوضئوا -يعني: حين ارتفعت الشمس- ثم قام فصلى".
وأخرجه مسلم (٢) بأتم منه.
قوله: "ما ثقلت عليّ"، وفي رواية: "ما ألقيت عليّ" من الإلقاء.
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن هشيم بن بشير، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أبي قتادة.
وأخرجه أبو داود (٣): عن عمرو بن عون، عن خالد، عن حُصَين، عن ابن أبي قتادة، عن أبي قتادة نحوه.
الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن
стр. 3006
حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري، روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي قتادة.
وأخرجه أحمد (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر فقال: إنكم إن لا تدركوا الماء غدًا تَعْطشوا. وانطلق الناسُ سراعًا يريدون الماء، ولزمتُ رسول الله ﵇ فمالَتْ برسول الله ﵇ راحلته، فنعس رسول الله ﵇ فدعمْته فادّعم، ثم مال فدعَمْتُه فادّعم ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته، فدعَمْته فانتبه فقال: من الرجلُ؟ قلت: أبو قتادة. قال: منذ كم كان سيُرك؟ قلتُ: منذ الليلة. قال: حفظك الله كما حفظت رسوله، ثم قال: لو عرّسْنا. فمال إلى شجرة، فنزل، فقال: انظر هل ترى أحدًا؟ قلت: هذا راكبٌ، هذان راكبان، حتى بلغ سبعةً، فقال: احفظوا علينا صلاتنا، فنمنا، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس، فانتبهنا، فركب رسول الله ﵇ فسار وسرنا هنية، ثم نزل فقال: أمعكم ماء؟ قال: قلت: نعم، في ميضأةٍ فيها شيء من ماء. قال: ائت بها. فأتيتُه بها، فقال: مسُّوا منها، مسُّوا منها. فتوضأ القوم وبقيت جرعة، فقال: لا تهرقها يا أبا قتادة، فإنه سيكون لها نبأ. ثم أذن بلال، فصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا، فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله ﵇: ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإليّ. قلنا: يا رسول الله، فرَّطنا في صلاتنا. قال: لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقطة، فإذا كان ذلك فصلوها ومن الغد وقتها، ثم قال: ظنُوا بالقوم. قالوا: إنك قلت بالأمس: إن لا تدركوا الماء غدًا فتعطشوا والناس بالماء، فلما أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم ﷺ فقال بعضهم لبعض: إن رسول الله ﵇ بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر ﵄ فقالا: يا أيها
стр. 3007
الناس، إن رسول الله ﵇ لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم؛ وإن يُطِع الناسُ أبا بكر وعمر يرْشدوا قالها ثلاثًا، فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله ﵇، فقالوا: يا رسول الله ﵇، هلكنا عطشًا، انقطعت الأعناق. فقال: لا يهلك عليكم، ثم قال: يا أبا قتادة، أئت بالميضأة فأتيته بها، فقال: أحلل لي غَمَري -يعني قدحه- فحللته، فأتيته به، فجعل يصبّ فيه ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله ﵇ يا أيها الناس، أحسنوا الملء فكلكم سَيَصْدُر عن الريّ. فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله ﵇، فصبّ لي، فقال: اشرب يا أبا قتادة. قال: قلت: اشرب أنت يا رسول الله. فقال إن ساقي القوم آخرهم شربًا. فشربتُ، وشرب بعدي، وبقي في الميضأة نحوٌ مما كان فيها، وهم يومئذٍ ثلاثمائة".
قال عبد الله: فسمعني عمران بن حصين وأنا أُحدّث هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرجل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري. قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث؛ فإني أحد السَّبْعة تلك الليلة، فلما فرغت قال: ما كنت أحسب أن أحذا يحفظ هذا الحديث غيري (١).
قال حماد: ونا حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبي- ﵇ مثله، وزاد: قال: كان رسول الله ﵇ إذا عرس وعليه ليل توسّد يمينه، وإذا عرّس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده".
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا مطولًا: عن شيبان بن فروخ، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: "خطبنا رسول الله ﵇ فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غدًا ... " الحديث.
стр. 3008
قوله: "فدعمته" أي أسندته.
قوله: "فادَّعم" أي استند، وأصله: اتدعم، فأدغمت التاء في الدال.
قوله: "حتى كاد أن ينجفل" أي ينقلب عنها ويسقط، يقال: ضربه فجفله أي ألقاه على الأرض.
قوله: "مِيضأة" بكسر الميم والقصر وقد يُمدّ، وهي مطهرة كبيرة يُتوضأ منها، ووزنها: مِفْعلة ومفعالة والميم زائدة.
قوله: "نبأ" أي شأن عظيم.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العَقديّ، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه: "أن النبي ﵇ كان في سفر، فقال: مَنْ يكلأ لنا الليلة لا ينام حتى الصبح؟ فقال بلالٌ: أنا. فاستقبل مطلع الشمس، فَضُرِبَ على آذانهم حتى أيقظهم حرُّ الشمس، فقام النبي ﵇ فتوضأ وتوضئوا، ثم قعدوا هنيَّةً، ثم صلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر".
ش: إسناده صحيح، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي قد تكرر ذكره، وجُبَيْر بن مطعم النوفلي القرشي الصحابي ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الصمد وصفان، قالا: نا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار -قال عفان: ثنا عمرو بن دينار- عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ في سفرٍ فقال: من يكلؤنا الليلة لا يرقد حتى صلاة الفجر؟ فقال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس، فَضُرِبَ على آذانهم، فما أيقظهم إلا حرُّ الشمس، فقاموا ثم توضئوا، فأذن بلال فصلوا الركعتين، ثم صلوا الفجر".
قوله: "من يكلأ" أي من يحرس الليلة ويحفظها من كلأته أكلأه كلاءة، فأنا كالئ وهو مكلوء، وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياء.
стр. 3009
قوله: "حتى الصبح" بالجر؛ لأن "حتى" ها هنا جارَّة بمعنى إلى.
قوله: "فَضُرِبَ على آذانهم" على صيغة المجهول، وهي كناية عن النوم، ومعناه: حُجِبَ الصوت والحس أن يلجا آذانهم فينتبهوا فكأنها قد ضرب عليها حجاب.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب الزهري، قال: ثنا ابن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ عَرَّس ذات ليلةٍ بطريق مكة، فلم يستيقظ هو ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فاستيقظ رسول الله ﵇ فقال: هذا منزل به شيطان. فاقتاد رسول الله ﵇ واقتاد أصحابه حتى ارتفع الضحى، فأناخ رسول الله ﵇ وأناخ أصحابه، فأمهم، فصلى الصبح".
فلما رأينا النبي ﵇ أخّر صلاة الصبح لما طلعت الشمس -وهي فريضة- فلم يصلها حينذٍ حتى استوت الشمس، وقال في غير هذا الحديث: "فمن نسيَ صلاةً أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها".
دلّ ذلك أن نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس قد دخل فيه الفرائض والنوافل، وأن الوقت الذي استيقظ فيه ليس بوقت للصلاة التي نام عنها.
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة الزهري المدني الفقيه قاضي مدينة الرسول الله ﵇، شيخ الجماعة سوى النسائي، وابن أبي حازم هو عبد العزيز، واسم أبي حازم سلمة ابن دينار المدني روى له الجماعة، والعلاء بن عبد الرحمن المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، وأبوه عبد الرحمن بن يعقوب المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
وأخرجه مسلم (١) بغير هذا الإسناد: حدثني محمد بن حاتم ويعقوب
стр. 3010
الدورقي، كلاهما عن يحيى، قال ابن حاتم: نا يحيى بن سعيد، قال: نا يزيد بن كيسان، قال: نا أبو حازم، عن أبي هريرة قال: "عرسنا مع نبي الله ﵇، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال ﵇: ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حَضَرَنَا فيه الشيطان. قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء، فتوضأ، ثم سجد سجدتين -وقال يعقوب: ثم صلى سجدتين- وأقيمت الصلاة فصلى الغداة".
وأخرج مسلم (١) أيضًا بأطول منه: عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرَّس ... " الحديث.
وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا بهذا الإسناد والمتن.
وقد قال بعضهم: "حين قفل من غزوة حنين" موضع "خيبر"، وهذه الرواية مناسبة لرواية الطحاوي؛ لأن في روايته: "عرس ذات ليلة بطريق مكة" فالظاهر أن هذا إنما كان حي قفل ﵇ من غزوة حنين، وكانت غزوة حنين بعد الفتح في السنة الثامنة من الهجرة، وغزوة خيبر كانت في السنة السادسة من الهجرة.
قوله: "عرّس" من التعريس وقد فسرناه.
قوله: "هذا منزل به شيطان" وفي رواية مسلم: "هذا منزل حضرنا فيه شيطان"، وإنما قال ذلك لكون صلاة الفجر قد فأتت عنهم، فكأن الشيطان هو الذي تسبب في ذلك؛ لأنه لا يَسْعى إلا في الشر.
قوله: "فاقتاد رسول الله ﵇" أي اقتاد راحلته واقتاد أصحابه أيضًا رواحلهم إلى أن ارتفع الضحى.
стр. 3011
ويستفاد منه أحكام:
استدل به أصحابنا على وجوب الترتيب بين الصلوات الفائتة؛ لأن النبي ﵇ جعل وقت التذكير وقتًا للفائتة فمن ضرورته أن لا يكون وقتًا للوقتية، واستدل به بعضهم على أن تأخير قضاء الفائتة بعذر لا يجوز، والصحيح أنه يجوز، وأن الأمر محمول على الاستحباب وقد مَرَّ مرّةً.
واستدل بقوله ﵇: "من نسي صلاةً أو نام عنها ... " الحديث بعضُهم على قضاء السنن الراتبة.
قلت: استدلال غير صحيح؛ لأن قوله: "من نسي صلاة" صلاة الفرض بدلالة القرينة.
وفيه دليل على أن الناسي يقضي، وقد شذّ بعض الناس فقال: من زاد على خمس صلوات لم يلزم قضاؤها.
وأما من ترك الصلاة متعمدًا حتى خرجت أوقاتها فالمعروف من مذاهب الفقهاء أنه يقضي، وشذّ بعض الناس فقال: لا يقضي.
قال القاضي عياض: ويحتج له بدليل الخطاب في قوله: "مَن نسي صلاةً أو نام عنها فليصلها"، ودليله أن العامد بخلاف ذلك، فإن لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجه، وإن قلنا بإثباته قلنا: ليس هذا ها هنا في الحديث من دليل الخطاب بل هو من التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا وجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم فأحرى أن يجب على العامد.
وقال القاضي: سمعت بعض شيوخنا يحكي أنه بلغه عن مالك قولةٌ شاذة في المفرِّط كقول داود، ولا تصح عنه ولا عن أحدٍ من الأئمة ولا مَنْ يُعْتَزَى إلى علم سوى داود وأبي عبد الرحمن الشافعي، وقد اختلف الأصوليون في الأمر بالشيء المؤقت هل يتناول قضاءه إذا خرج وقته أو يحتاج إلى أمرٍ ثانٍ؟.
стр. 3012
وقال بعض المشايخ: إن قضاء العامد مستفاد من قوله: "فليصلها إذا ذكرها" لأنه تَغَفَّل عنها بجهله وعمده كالناسي، ومتى ذكر تركه لها لزمه قضاؤها، والله أعلم.
قوله: "فلما رأينا النبي ﵇ أخَّر صلاة الصبح لما طلعت الشمس" أي حين طلعت الشمس ليلة التعريس، والحال أنها فريضة "فلم يصلها حينئذٍ" أي حين استيقظوا في حالة طلوع الشمس "حتى استوت الشمس" أي ارتفعت وعلت، "وقال في غير هذا الحديث"، أي والحال أنه ﵇ قد قال في غير حديث ليلة التعريس: "من نسي صلاة ... " الحديث "دَلّ ذلك" أي فعله ﵇ هذا وهو جوابٌ لما رأينا.
فإن قيل: كيف التوفيق بين الحديثين؟ فالحديث الأول يدل على أن وقت طلوع الشمس لا يصلح للفائتة، وهذا الحديث يدل على أنه إذا ذكر الفائتة في وقت الطلوع فإنه يصليها في ذلك الوقت، وكذا إذا ذكرها وقت الغروب أو وقت الاستواء؟
قلت: تواترت الآثار بالنهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، وهي عامة في جنس الصلوات، وبها يثبت تخصيص هذه الأوقات من هذا الحديث، أعني قوله ﵇: "من نسي صلاة ... " إلى آخره، وقد أخرج هذا الحديث ها هنا معلقًا، وعقد له بابًا فيما بعد على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ص: فإن قال قائل: فلم قلت ببَعْض ذلك الحديث وتركت بعضه؟ فقلت: من صلى من العصر ركعةً ثم غربت له الشمس أنه يصلي بقيتها؟
قيل له: لم نقل ببعض هذا الحديث ولا بشيء منه، بل جعلناه كله منسوخًا بما روي عن رسول الله ﵇ من نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس، ومما قد دل عليه: ما ذكرنا من حديث جُبَيْر وعمران وأبي قتادة وأبى هريرة ﵃ أن الفريضة قد دخلت في ذلك وأنها لا تُصلّى حينئذٍ كما لا تُصلّى النافلة، وأما الصلاة عند غروب الشمس لعصر يومه فإنا قد ذكرنا الكلام في ذلك في باب المواقيت.
стр. 3013
ش: تقرير السؤال أن يقال: حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب يدل على شيئين:
الأول: من أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فعليه أن يتم صلاته.
الثاني: مَن أدرك من صلاة العصر ركعةً قبل أن تغرب الشمس فعليه أن يتم صلاته أيضًا، فكيف أنتم عملتم ببعض هذا الحديث حيث جوَّزتم لمن صلى من العصر ركعة ثم غربت الشمس أن يصلي بقيتها، وتركتم العمل ببعضه حيث لم تجوّزوا لمن صلى من الصبح ركعةً ثم طلعت الشمس أن يصلي بقيتها، بل حكمتم بفساد صلاته، وهذا تحكم والتحكم باطل؟.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم ما ذكرتم؛ لأنا لم نقل بهذا الحديث كله فضلًا عن بعضه؛ لأن هذا الحديث عندنا منسوخ بحديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وبما روي في هذا الباب أيضًا من حديث جبير بن مطعم وعمران بن حصين وأبي قتادة وأبي هريرة ﵃، وقد بيّنا حقيقة النسخ في ذلك في هذا الباب.
قوله: "وأما الصلاة عند غروب الشمس" جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا كان الحديث المذكور منسوخًا كله عندكم، فكيف جوزتم لمن يصلي ركعةً من العصر ثم غربت الشمس أن يصلي بقية صلاته؟
وجوابه ما ذكره في باب "مواقيت الصلاة" وهو أنه ﵇ نهى عن الصلاة عند غروب الشمس، وروي عنه أنه قال: "من أدرك من العصر ركعةً قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر"، فكان في ذلك إباحة الدخول في العصر في ذلك الوقت، فجعل النهي في الحديث الأول عن غير الذي أبيح في الحديث الآخر؛ حتى لا يتضاد الحديثان.
стр. 3014
قلت: هذا الجواب لا يخلو عن مناقشة؛ لأنه قد ذكر أن هذا الحديث كله منسوخ، فإذا كان كله منسوخًا لا يعارض حديث النهي فلا يحتاج إلى التوفيق لأجل انقطاع التضاد، والجواب القاطع ها هنا أن الجزء الذي يتصل به طلوع الشمس من الوقت سبب صحيح تام، فيثبت به الوجوب بصفة الكمال، فإذا طلعت الشمس وهو في خلال الفجر يفسد الفرض؛ لأن الكامل لا يتأدى مع النقصان، وأما الجزء الذي يتصل به الغروب من الوقت في معنى سبب فاسدة للنهي الوارد عن الصلاة بعد ما تحمرّ الشمس فيثبت الوجوب مع النقصان بحسب السبب، فإذا غربت الشمس وهو في خلال صلاة العصر يُتم عصره؛ لأنه يوجد الأداء بتلك الصفة المذكورة، ولا يلزم إذا أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس حيث لا يجوز؛ لأن ضعف السبب ما لم يصر دَيْنًا في الذمة فإذا تحقق التفويت بمضي الوقت صار دينًا في ذمته، فثبت بصفة الكمال فلا يتأدى بالنقصان، فافهم.
ص: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأينا وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع قد نُهي فيه عن الصلاة، فاردنا أن ننظر في حكم الأوقات التي يُنْهى فيها عن الأشياء هل يكون على التطوع منها دون الفرائض أو على ذلك كله؟
فرأينا يوم الفطر ويوم النحر قد نهى النبي ﵇ عن صيامهما وقامت الحجة عنه بذلك، فكان ذلك النهي عند جميع العلماء على أن لا يُصام فيهما فريضة ولا تطوع، فكان النظر على ذلك في وقت طلوع الشمس الذي قد نهي عن الصلاة فيه أن يكون كذلك أن لا يُصلّى فيه فريضة ولا تطوع، وكذلك يجيء النظر عند غروب الشمس، وأما نهي النبي- ﵇ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس فإن هذين الوقتين لم يُنْه عن الصلاة فيهما للوقت، وإنما نهي عن الصلاة فيهما لأجل الصلاة لا للوقت، وقد رأينا
стр. 3015
ذلك الوقت يجوز لمن لم يصلّ عصر يومه أن يصلي فيه الفرائض والصلوات الفائتة، ولما كان النهي لأجل الصلاة كان إنما ينهى عن غيرهما مما لا يشاكلهما من النوافل لا من الفرائض، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وقد قال بذلك الحكم وحمّاد.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: "سألت الحكم وحمادًا عن الرجل ينام عن الصلاة فيستيقظ وقد طلع من الشمس شيء، قالا: لا يصلي حتى تَنْبَسط" والله أعلم.
ش: أي هذا الذي ذكرناه وجه هذا الباب من طريق التوفيق بين الأحاديث والأخبار.
وأما وجهه من طريق النظر والقياس، فإنا قد رأينا ... إلى آخره.
تقريره: أن الأوقات التي ورد النهي فيها عن الأشياء تارةً تكون على سبيل العموم وتارةً تكون على سبيل الخصوص.
فالأول: كيومي العيدين؛ فإنه ورد النهي عن صيامهما، وأجمع العلماء على أن ذلك عامّ سواء كان صوم الفرض كالمنذور وقضاء رمضان أو صوم التطوع؛ فإن كل ذلك يكره؛ فكان النظر والقياس على ذلك أن يكون معنى النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها عامًّا شاملًا للصلاة الفرض والصلاة التطوع.
والثاني: أن يقتصر النهي على النوافل كالنهي عن الصلاة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وبعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، فإن النهي عن ذلك ليس بعام؛ لأن النهي ليس لمعنى في الوقت بل لأجل الصلاة تعظيمًا لها، فحينئذٍ يمنع عن الصلاة التي ليست بمشاكلة لها كالنوافل لا الفرائض بخلاف القسم الأول، فإن النهي فيه لأجل معنىً في الوقت وهو كون وقت الطلوع ووقت الغروب منسوبًا إلى الشيطان حيث قال في الحديث: "فإنها تطلع بين قرني الشيطان" وقد ذكرنا تحقيق ذلك في باب المواقيت.