ويستفاد منه أحكام:
استدل به أصحابنا على وجوب الترتيب بين الصلوات الفائتة؛ لأن النبي ﵇ جعل وقت التذكير وقتًا للفائتة فمن ضرورته أن لا يكون وقتًا للوقتية، واستدل به بعضهم على أن تأخير قضاء الفائتة بعذر لا يجوز، والصحيح أنه يجوز، وأن الأمر محمول على الاستحباب وقد مَرَّ مرّةً.
واستدل بقوله ﵇: "من نسي صلاةً أو نام عنها ... " الحديث بعضُهم على قضاء السنن الراتبة.
قلت: استدلال غير صحيح؛ لأن قوله: "من نسي صلاة" صلاة الفرض بدلالة القرينة.
وفيه دليل على أن الناسي يقضي، وقد شذّ بعض الناس فقال: من زاد على خمس صلوات لم يلزم قضاؤها.
وأما من ترك الصلاة متعمدًا حتى خرجت أوقاتها فالمعروف من مذاهب الفقهاء أنه يقضي، وشذّ بعض الناس فقال: لا يقضي.
قال القاضي عياض: ويحتج له بدليل الخطاب في قوله: "مَن نسي صلاةً أو نام عنها فليصلها"، ودليله أن العامد بخلاف ذلك، فإن لم نقل بدليل الخطاب سقط احتجاجه، وإن قلنا بإثباته قلنا: ليس هذا ها هنا في الحديث من دليل الخطاب بل هو من التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا وجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم فأحرى أن يجب على العامد.
وقال القاضي: سمعت بعض شيوخنا يحكي أنه بلغه عن مالك قولةٌ شاذة في المفرِّط كقول داود، ولا تصح عنه ولا عن أحدٍ من الأئمة ولا مَنْ يُعْتَزَى إلى علم سوى داود وأبي عبد الرحمن الشافعي، وقد اختلف الأصوليون في الأمر بالشيء المؤقت هل يتناول قضاءه إذا خرج وقته أو يحتاج إلى أمرٍ ثانٍ؟.
стр. 3012
وقال بعض المشايخ: إن قضاء العامد مستفاد من قوله: "فليصلها إذا ذكرها" لأنه تَغَفَّل عنها بجهله وعمده كالناسي، ومتى ذكر تركه لها لزمه قضاؤها، والله أعلم.
قوله: "فلما رأينا النبي ﵇ أخَّر صلاة الصبح لما طلعت الشمس" أي حين طلعت الشمس ليلة التعريس، والحال أنها فريضة "فلم يصلها حينئذٍ" أي حين استيقظوا في حالة طلوع الشمس "حتى استوت الشمس" أي ارتفعت وعلت، "وقال في غير هذا الحديث"، أي والحال أنه ﵇ قد قال في غير حديث ليلة التعريس: "من نسي صلاة ... " الحديث "دَلّ ذلك" أي فعله ﵇ هذا وهو جوابٌ لما رأينا.
فإن قيل: كيف التوفيق بين الحديثين؟ فالحديث الأول يدل على أن وقت طلوع الشمس لا يصلح للفائتة، وهذا الحديث يدل على أنه إذا ذكر الفائتة في وقت الطلوع فإنه يصليها في ذلك الوقت، وكذا إذا ذكرها وقت الغروب أو وقت الاستواء؟
قلت: تواترت الآثار بالنهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، وهي عامة في جنس الصلوات، وبها يثبت تخصيص هذه الأوقات من هذا الحديث، أعني قوله ﵇: "من نسي صلاة ... " إلى آخره، وقد أخرج هذا الحديث ها هنا معلقًا، وعقد له بابًا فيما بعد على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ص: فإن قال قائل: فلم قلت ببَعْض ذلك الحديث وتركت بعضه؟ فقلت: من صلى من العصر ركعةً ثم غربت له الشمس أنه يصلي بقيتها؟
قيل له: لم نقل ببعض هذا الحديث ولا بشيء منه، بل جعلناه كله منسوخًا بما روي عن رسول الله ﵇ من نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس، ومما قد دل عليه: ما ذكرنا من حديث جُبَيْر وعمران وأبي قتادة وأبى هريرة ﵃ أن الفريضة قد دخلت في ذلك وأنها لا تُصلّى حينئذٍ كما لا تُصلّى النافلة، وأما الصلاة عند غروب الشمس لعصر يومه فإنا قد ذكرنا الكلام في ذلك في باب المواقيت.
стр. 3013
ش: تقرير السؤال أن يقال: حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب يدل على شيئين:
الأول: من أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فعليه أن يتم صلاته.
الثاني: مَن أدرك من صلاة العصر ركعةً قبل أن تغرب الشمس فعليه أن يتم صلاته أيضًا، فكيف أنتم عملتم ببعض هذا الحديث حيث جوَّزتم لمن صلى من العصر ركعة ثم غربت الشمس أن يصلي بقيتها، وتركتم العمل ببعضه حيث لم تجوّزوا لمن صلى من الصبح ركعةً ثم طلعت الشمس أن يصلي بقيتها، بل حكمتم بفساد صلاته، وهذا تحكم والتحكم باطل؟.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم ما ذكرتم؛ لأنا لم نقل بهذا الحديث كله فضلًا عن بعضه؛ لأن هذا الحديث عندنا منسوخ بحديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وبما روي في هذا الباب أيضًا من حديث جبير بن مطعم وعمران بن حصين وأبي قتادة وأبي هريرة ﵃، وقد بيّنا حقيقة النسخ في ذلك في هذا الباب.
قوله: "وأما الصلاة عند غروب الشمس" جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا كان الحديث المذكور منسوخًا كله عندكم، فكيف جوزتم لمن يصلي ركعةً من العصر ثم غربت الشمس أن يصلي بقية صلاته؟
وجوابه ما ذكره في باب "مواقيت الصلاة" وهو أنه ﵇ نهى عن الصلاة عند غروب الشمس، وروي عنه أنه قال: "من أدرك من العصر ركعةً قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر"، فكان في ذلك إباحة الدخول في العصر في ذلك الوقت، فجعل النهي في الحديث الأول عن غير الذي أبيح في الحديث الآخر؛ حتى لا يتضاد الحديثان.
стр. 3014
قلت: هذا الجواب لا يخلو عن مناقشة؛ لأنه قد ذكر أن هذا الحديث كله منسوخ، فإذا كان كله منسوخًا لا يعارض حديث النهي فلا يحتاج إلى التوفيق لأجل انقطاع التضاد، والجواب القاطع ها هنا أن الجزء الذي يتصل به طلوع الشمس من الوقت سبب صحيح تام، فيثبت به الوجوب بصفة الكمال، فإذا طلعت الشمس وهو في خلال الفجر يفسد الفرض؛ لأن الكامل لا يتأدى مع النقصان، وأما الجزء الذي يتصل به الغروب من الوقت في معنى سبب فاسدة للنهي الوارد عن الصلاة بعد ما تحمرّ الشمس فيثبت الوجوب مع النقصان بحسب السبب، فإذا غربت الشمس وهو في خلال صلاة العصر يُتم عصره؛ لأنه يوجد الأداء بتلك الصفة المذكورة، ولا يلزم إذا أداها في اليوم الثاني بعد ما احمرت الشمس حيث لا يجوز؛ لأن ضعف السبب ما لم يصر دَيْنًا في الذمة فإذا تحقق التفويت بمضي الوقت صار دينًا في ذمته، فثبت بصفة الكمال فلا يتأدى بالنقصان، فافهم.
ص: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأينا وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع قد نُهي فيه عن الصلاة، فاردنا أن ننظر في حكم الأوقات التي يُنْهى فيها عن الأشياء هل يكون على التطوع منها دون الفرائض أو على ذلك كله؟
فرأينا يوم الفطر ويوم النحر قد نهى النبي ﵇ عن صيامهما وقامت الحجة عنه بذلك، فكان ذلك النهي عند جميع العلماء على أن لا يُصام فيهما فريضة ولا تطوع، فكان النظر على ذلك في وقت طلوع الشمس الذي قد نهي عن الصلاة فيه أن يكون كذلك أن لا يُصلّى فيه فريضة ولا تطوع، وكذلك يجيء النظر عند غروب الشمس، وأما نهي النبي- ﵇ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس فإن هذين الوقتين لم يُنْه عن الصلاة فيهما للوقت، وإنما نهي عن الصلاة فيهما لأجل الصلاة لا للوقت، وقد رأينا
стр. 3015
ذلك الوقت يجوز لمن لم يصلّ عصر يومه أن يصلي فيه الفرائض والصلوات الفائتة، ولما كان النهي لأجل الصلاة كان إنما ينهى عن غيرهما مما لا يشاكلهما من النوافل لا من الفرائض، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وقد قال بذلك الحكم وحمّاد.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: "سألت الحكم وحمادًا عن الرجل ينام عن الصلاة فيستيقظ وقد طلع من الشمس شيء، قالا: لا يصلي حتى تَنْبَسط" والله أعلم.
ش: أي هذا الذي ذكرناه وجه هذا الباب من طريق التوفيق بين الأحاديث والأخبار.
وأما وجهه من طريق النظر والقياس، فإنا قد رأينا ... إلى آخره.
تقريره: أن الأوقات التي ورد النهي فيها عن الأشياء تارةً تكون على سبيل العموم وتارةً تكون على سبيل الخصوص.
فالأول: كيومي العيدين؛ فإنه ورد النهي عن صيامهما، وأجمع العلماء على أن ذلك عامّ سواء كان صوم الفرض كالمنذور وقضاء رمضان أو صوم التطوع؛ فإن كل ذلك يكره؛ فكان النظر والقياس على ذلك أن يكون معنى النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها عامًّا شاملًا للصلاة الفرض والصلاة التطوع.
والثاني: أن يقتصر النهي على النوافل كالنهي عن الصلاة بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وبعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، فإن النهي عن ذلك ليس بعام؛ لأن النهي ليس لمعنى في الوقت بل لأجل الصلاة تعظيمًا لها، فحينئذٍ يمنع عن الصلاة التي ليست بمشاكلة لها كالنوافل لا الفرائض بخلاف القسم الأول، فإن النهي فيه لأجل معنىً في الوقت وهو كون وقت الطلوع ووقت الغروب منسوبًا إلى الشيطان حيث قال في الحديث: "فإنها تطلع بين قرني الشيطان" وقد ذكرنا تحقيق ذلك في باب المواقيت.
стр. 3016
قوله: "وقد قال بذلك الحكم وحماد" أي: قد قال بما ذكرنا من ترك الصلاة وقت طلوع الشمس إلى حين ارتفاعها سواء كانت فرضا أو نفلًا: الحكم بن عُتَيْبَة وحماد بن أبي سليمان أحد مشايخ أبي حنيفة.
أخرج ذلك عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عنهما.
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن سَعْد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن رجل من ولد كعب بن عجرة: "أنه نام عن الفجر حتى طلعت الشمس قال: فقمت أُصلِّي. قال: فدعاني فأجلسني -يعني كعبًا- حتى ارتفعت الشمس وابيضت ثم قال: قم فصَلِّ".
стр. 3017
ص: باب: صلاة الصحيح خلف المريض
ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة الرجل الصحيح خلف الإِمام الضعيف.
وجه المناسبة بين البابين: أن كلاًّ منهما مشتمل على حكم صلاة فاسدة، أما الأول فلأن فيه حكم الصلاة وقت طلوع الشمس، وأما هذا فلأن فيه حكم صلاة القائم خلف القاعد، وهي فاسدة عند الأكثرين على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قالا: ثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرُّؤَاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ الظهر وأبو بكر ﵁ خلفه، فإذا كبَّر رسول الله ﵇ كبّر أبو بكر ﵁ ليُسْمِعَنا، فبَصُر بنا قيامًا، فقال: اجلسوا أومأ بذلك إليهم، فلما قضى الصلاة قال: كدتم أن تفعلوا فِعْل فارس والروم بعظمائهم، ائتموا بأئمتكم، فإن صلوا قيامًا فصلوا قيامًا، وإن صلوا جلوسًا فصلوا جلوسًا".
ش: إسناده صحيح وأخرجه من طريقين:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم، عن حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي -بضم الراء وتخفيف الواو، وبالسين المهملة- نسبة إلى رُؤَاس بن كلاب، وأصله بالهمزة، روى له الجماعة، عن أبيه عبد الرحمن بن حميد وثقه يحيى وروى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره.
стр. 3018
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا حميد بن عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن حميد بن عبد الرحمن ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): عن قتيبة ويزيد بن خالد، أن الليث حدثهم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "اشتكى النبي- ﵇ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُكبّر يُسمع الناس تكبيره ... " ثم ساق الحديث.
وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) أيضًا.
قوله: "فبَصُر بنا" من بَصُر بَصارةً من باب كَرُمَ يَكْرُم، قال الجوهري: البَصر: العلم، وبَصُرت بالشيء: عَلِمْته، قال تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ (٥)، والبصير: العالم، والتبصر: التأمل.
قوله: "قيامًا" حال من المجرور في قوله: "بنا" وهو جمع قائم كالصيام جمع صائم.
قوله: "أومأ بذلك" أي أشار بالجلوس إليهم.
قوله: "كدتم" أي قاربتم من فعل (الفارس) (٦) والروم بعظمائهم وهو جمع عظيم، وأراد أكابرهم وساداتهم.
قوله: "قيامًا" و"جلوسًا" في الموضعين نَصْب على الحال، والجلوس جمع جالس.
стр. 3019
ومما يستفاد منه:
جواز تبليغ أحد من القوم إلى مَن خلفه بالناس.
وأن الإشارة في الصلاة لا تفسدها.
وأن الإِمام إذا صلى قاعدًا يجب على القوم أن يصلوا قعودًا نحوه، وإليه ذهبت طائفة من أهل العلم؛ على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﵇ ركب فرسًا فصُرع عنه، فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعدٌ، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: إنما جُعِل الإِمام ليؤتمّ به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث ويونس، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حُميد، قال: ثنا أنس بن مالك، عن رسول الله ﵇ ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا أبو نعيم، قال: ثنا ابن عُيَيْنة، عن الزهري، عن أنس قال: "سقط رسول الله ﵇ من فرس، فخدش -أو فجحش- شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى قاعدًا فصلينا قعودًا، وقال: إنما جعل الإِمام ليْؤتمَّ به، فإذا كبرّ فكبروا، إذا ركع
стр. 3020
فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" وفي رواية له: "وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا".
وقال مسلم (١): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ صُرع عن فرسٍ فجحش شقه الأيمن ... " إلى آخره نحوه.
وقال أبو داود (٢): ثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ ركب فرسًا فصرع عنده؛ فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
وقال الترمذي (٣): حدثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن كتاب، عن أنس بن مالك قال: "خرّ رسول الله ﵇، عن فرس، فجحش، فصلى بنا قاعدًا فصلينا معه، ثم انصرف، فقال: إنما الإِمام أو إنما جعل الإمامُ ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون".
وقال النسائي (٤): أنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحو رواية أبي داود.
стр. 3021
وقال ابن ماجه (١): ثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن النبي- ﵇ صُرع عن فرس فجحش شقه الأيمن فدخلنا نعوده، فحضرت الصلاة فصل بنا قاعدًا، وصلينا وراءه قعودًا ... " إلى آخره نحو رواية البخاري.
قوله: "فصرع عنه" أي سقط.
قوله: "فجحش" بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وبالشين المعجمة، من الجَحْش وهو مثل الخدش، وقيل: فوقه، وقال الخطابي: معناه: قد انسحج جلده، وقد يكون ما أصاب رسول الله ﵇ من ذلك السقوط مع الخدش رَضّ في الأعضاء وتوجع فلذلك منعه القيام للصلاة.
وقال ابن الأثير: فجحش، أي: انخدش جلده وانسحج.
فإن قيل: وقع في رواية أبي داود من حديث جابر ﵁: "ركب رسول الله ﵇ فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذم نخلة فانفكت قدمه ... " الحديث، فإنه يقتضي انفكاك قدمه ﵇، وحديث أنس يقتضي قشر الجلد.
قلت: لا مانع من حصول فك القدم وقشر الجلد معًا، ويحتمل أنهما واقعتان، والله أعلم.
قوله: "وهو قاعد" جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير الذي في "فصلى".
قوله: "إنما جعل الإمام" لفظة "إنما" تدل على الحصر عند الإِمام فخر الدين وأتباعه، ومعنى الحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البَصْريين ونقل بعضهم أن الاتفاق على أنها تفيد الحصر، وقد استدل به من يقول: لا تتوقف صحة صلاة المأموم على صحة صلاة الإِمام إذا ظهر جنبًا أو
стр. 3022
محدثًا أو عليه نجاسة، وهذا استدلال فاسد لكونه غير مطرد حتى أنه لو ظهر كافرًا أو امرأةً أو خنثى أو مجنونًا، قالوا: يجب الإعادة.
قوله: "قعودًا" جمع قاعد، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في "وصلينا".
قوله: "قائمًا"، و "قيامًا"، و"جالسا"، و"جلوسا" كلها أحوال.
قوله: "أجمعون" تأكيد للضمير المرفوع الذي في قوله: "فصلوا"، فافهم.
الطريق الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن الليث بن سعد، ويونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا حميد، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ انفكت قدمه فقعد في مشربة له درجها من جذوع، وآلى مِن نسائه شهرًا، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم قاعدًا وهم قيام، فلما حضرت الصلاة الأخرى قال لهم: ائتموا بإمامكم فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا معه قعودًا، قال: ونزل في تسع وعشرون، فقالوا: يا رسول الله ﵇، إنك آليت شهرًا؟ قال: الشهر تسع وعشرون".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵁ قالت: صلى رسول الله ﵇ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى خلفه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا ... " ثم ذكر مثله.
стр. 3023
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵁، عن النبي- ﵇ مثله.
ش: هذان إسنادان صحيحان:
أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "صلى رسول الله ﵇ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإِمام ليُؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا".
قوله: "وهو شاك" أي مريض، من شكى شكوًا وشكوى وشكاةً وشكايةً.
والآخر: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن علي بن مُسهر الكوفي قاضي الموصل واحد أصحاب أبي حنيفة، الثقة الكبير العالم، عن هشام بن عروة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "اشتكى رسول الله ﵇، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلى رسول الله ﵇ جالسًا فصلوا بصلاته قيامًا، فأشار
إليهم أن اجلسوا، فجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صل جالسًا فصلوا جلوسًا".
وأخرجه أبو داود (٣) أيضًا.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة يحدث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3024
"مَنْ أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأميرَ فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخَصِيبُ بن ناصح، قال: ثنا وُهَيبٌ، عن مصعب بن محمد القرشي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيدُ بن عامر، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء العامري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي علقمة المصري مولي بني هاشم، ويقال: مولى عبد الله بن عباس روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا شعبة، ثنا يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة يحدث، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه.
وبعد قوله: "فصلوا قعودًا": "فإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد. وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢) فقولوا: آمين؛ فإنه إذا وافق قول أهل السماء قول أهل الأرض غفر للعبد ما مضى من ذنوبه".
الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح، عن وهيب بن خالد البصري، عن مصعب بن محمد القرشي، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
стр. 3025
وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم -المعنى- عن وُهَيب، عن مصعب بن محمد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: "إنما جعل الإِمام ليُؤتم به، فإذا كبَّر فكبروا، ولا تُكبِّروا حتى يُكبّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد -قال مسلم: ولك الحمد- وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين".
قوله: "أجمعين" بالنصب، وكذا في رواية أبي داود، ووقع في بعض رواية أبي داود: "أجمعون" بالرفع، وجه النصب: أن يكون تأكيدًا لقوله: "قعودًا"، ووجه الرفع: أن يكون تأكيدًا للضمير الذي في قوله: "فصلوا"، فافهم.
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي- ﵇.
وأخرجه العدنيَّ في "مسنده": ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "إنما الإِمام ليؤتَم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن حُمْران (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قالا: ثنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت سالمًا يقول: حدثني عبد الله بن عمر ﵄: "أنه كان يومًا من الأيام عند النبي ﵇ وهو في نفر من أصحابه، فقال لهم: ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله. قال:
стр. 3026
أفلستم تعلمون أن الله قد أنزل في كتابه أن من أطاعني، فقد أطاع الله؟ قالوا: بلى نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله. قال: فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تُطيعوا أئمتكم، فإن صلُّوا قعودا فصلوا قعودًا".
ش: هذان طريقان صحيحان:
أحدهما: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عبد الله بن حمران بن عبد الله بن حمران بن أبان القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان ﵁، عن يحيى بن معين: صدوق صالح. وقال ابن حبان: ثقة يخطئ، روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن عقبة بن صهيب بن أبي الصبهاء النافطي، وثقه ابن حبان، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، عن أبيه عبد الله بن عمر.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم ابن علي، ثنا عقبة بن أبي الصهباء قال: سمعت سالمًا، قال: حدثني ابن عمر ﵄: "أنه كان عند النبي ﵇ جالسًا في نفرٍ من أصحابه، فقال النبي- ﵇: يا هؤلاء، أليس تعلمون أني رسول الله ﵇ ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "أليس" في كل المواضع موضع "ألستم".
الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء، عن عقبة بن أبي الصهباء ... إلى آخره.
ص: فذهب قومٌ إلى هذا فقالوا: من صلى بقوم قاعدًا من علة صلوا خلفه قعودًا وإن كانوا يطيقون القيام.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، وحماد بن زيد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وداود الظاهري؛ فإنهم قالوا: إذا صلى الإِمام قاعدًا من أجل علة صلى القوم خلفه قعودًا وإن كانوا يطيقون القيام، فذهبوا في ذلك إلى الأحاديث المذكورة.
стр. 3027
وقال أبو عمر: ذهب إلى ذلك داود في رواية عنه.
قال أحمد: وفعله أربعة من الصحابة بعده: أُسَيدُ بن حُضَير، وقيس بن فهد، وجابر، وأبو هريرة ﵃.
وفي "المغني": إذا صلى إمام الحيّ جالسًا صلى من وراءه جلوسًا، فإن صلوا وراءه قياما ففيه وجهان:
أحدهما: لا تصح صلاتهم، أومأ إليه أحمد؛ فإنه قال: إن صلى الإِمام جالسًا والذين خلفه قيامًا لم يقتدوا بالإمام، إنما اتباعهم له إذا صلى جالسًا أن يصلوا جلوسًا.
والثاني: تصح، والله أعلم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يصلون خلفه قيامًا ولا يسقط عنهم فرض القيام لسقوطه عن إمامهم.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا ثور، وجمهور السلف؛ فإنهم قالوا: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا.
وقال المرغيناني: الفرض والنفل سواء.
وقال أبو عمر (١): قال جمهور أهل العلم: لا يجوز لأحد أن يصلي في شيء من الصلوات المكتوبات جالسًا وهو صحيح قادر على القيام لا إمامًا ولا منفردًا ولا خلف إمام، ثم اختلفوا، فمنهم من أجاز صلاة القائم خلف المريض؛ لأن كلًا يؤدي فرضه على قدر طاقته تأسيًّا برسول الله ﵇ إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدًا وأبو بكر إلى جنبه قائمًا يُصلي بصلاته والناس قيام خلفه، ولم يشُر إلى أبي بكر ﵁ ولا إليهم بالجلوس، وأكمل صلاته جالسًا
стр. 3028
وهم خلفه قيام، وممن ذهب إلى هذا المذهب واحتج بهذه الحجة: الشافعي وداود بن علي وهي رواية الوليد بن مسلم، عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلي بالناس جالسًا وهم قيام، قال: وأحبُّ إليّ أن يقوم إلى جَنْبه مَنْ يعلم الناسَ بصلاته.
وهذه الرواية غريبة عن مالك، ومذهبه عند أصحابه على خلاف ذلك، ذكره أبو المصعب في "مختصره" عن مالك، قال: لا يؤم الناس أحدٌ قاعدًا، فإن أمهم قاعدًا فسدت صلاتهم وصلاته، فإن كان الإِمام عليلًا تمت صلاته وفسدت صلاة من خلفه. قال: ومن صلى قاعدًا من غير علة أعاد الصلاة.
قال أبو عمر: فعلى رواية أبي مصعب يجب عليهم الإعادة في الوقت وبعده.
وقد روي عن مالك في هذا أنهم يعيدون في الوقت خاصة.
وقال الحسن: إذا صلى الإِمام المريض جالسا بقومٍ أصحاء ومرض جلوسًا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام جائزة، وصلاة من صلى خلفه ممن كان حكمه القيام باطلة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: صلاته وصلاتهم جائزة، وقالوا: لو صلى وهو يومئ بقوم يركعون ويسجدون لم يجزهم في قولهم جميعًا، وأجزأت الإِمام صلاته.
وقال ابن القاسم: لا يأتم القائم بالجالس لا في فريضة ولا في نافلة، ولا بأس أن يأتم الجالس بالقائم.
واختلف أصحاب مالك في إمامة المريض بالمرضى جلوسًا، فأجازها بعضهم وكرهها أكثرهم.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بشر الرَّقي، قال: ثنا الفريابي (ح).
وحدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسدٌ، قا لا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل قال: "سافرتُ مع ابن عباس ﵄ من المدينة إلى الشام
стр. 3029
فقال: إن رسول الله ﵇ لما مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة ﵂ فقال: ادعوا لي عليًّا. فقالت: ألا نَدعو لك أبا بكر؟ قال: ادعوه، فقالت حفصة: ألا ندعو لك عمر؟ قال: ادعوه، فقالت: أم الفضل: ألا ندعو لك العباس عمَّك؟ قال: ادعوه، فلما حضروا رفع رأسه ثم قال: ليُصلّ للناس أبو بكر، فتقدم أبو بكر ﵁ يصلي بالناس، ووجد رسول الله ﵇ من نفسه خفة فخرج يهادَى بين رجلين، فلما أحسه أبو بكر ﵁ سَبّحوا، فذهب أبو بكر يتأخر، فأشار إليه النبي ﵇ مكانك، فاستتم رسول الله ﵇ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة، وأبو بكر قائم ورسول الله ﵇ جالس، فائتم أبو بكر بالنبي، وائتم الناس بأبي بكر، فما قضى النبي ﵇ الصلاة حتى ثقل، فخرج يُهادَى بين رجلين وإن رجليه لتخطان بالأرض، فمات رسول الله ﵇ ولم يوص".
ففي هذا الحديث أن أبا بكر ائتم بالنبي ﵇ قائمًا والنبي ﵇ قاعدٌ، وهذا من فعل النبي- ﵇ بعد قوله ما قال في الأحاديث في الباب الأول.
ش: أي احتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس ﵄، فإن فيه أن أبا بكر ﵁ اقتدى بالنبي ﵇ وهو قائم والنبي قاعد، وفعله ﵇ هذا متأخر عن قوله: "فإن صلوا قيامًا فصلوا قيامًا، وإن صلوا جلوسًا فصلوا جلوسًا" ونحو ذلك مما ذكر في أول الباب، فدل ذلك أن هذه الأحاديث المذكورة في أول الباب منسوخة؛ لأن المتقدم يرفعه المتأخر.
فإن قيل: كيف وجه هذا النسخ وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك أن هذا الحديث الذي ذكره ابن عباس فيه أنه ﵇ كان إمامًا وأبو بكر مأموم، وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنسائي والطحاوي أيضًا -على ما يأتي- عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: "صلى رسول الله ﵇ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدًا" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 3030
وأخرج النسائي والطحاوي أيضًا -على ما يأتي- عن حميدٍ، عن أنس قال: "آخر صلاة صلاها رسول الله ﵇ مع القوم صلى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر ﵁".
قلت: مثل هذا لا يعارض ما وقع في "الصحيح"، مع أن العلماء جمعوا بينهما، فقال البيهقي في "المعرفة": ولا تعارض بين الخبرين؛ فإن الصلاة التي كان فيها النبي- ﵇ إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها النبي ﵇ حتى خرج من الدنيا.
قال: وهذا لا يخالف ما ثبت عن الزهري، عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه ﵇ الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه وجد في نفسه خفة، فخرج فأدرك معه في الركعة الثانية.
وقال القاضي عياض: نسخ إمامة القاعد جملة بقوله ﵇: "لا يَؤمنّ أحد بعدي جالسًا"، وبفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤم أحد منهم قاعدًا وإن كان النسخ لا يمكن بعد النبي- ﵇ فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه ﵇ عن إمامة القاعد بعده.
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني (١) ثم البيهقي (٢) في "سننهما": عن جابر الجعفي، عن الشعبي.
وقال الدارقطني: لم يروه عن الشعبي غير جابر الجُعْفي وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة.
وقال عبد الحق في "أحكامه": ورواه عن الجعفي مجالد وهو أيضًا ضعيف، وقد يجاب عن الأحاديث الأُوَل بأنه كان مخصوصًا بالنبي ﵇، وفيه نظر؛ لأن
стр. 3031
الأصل عدم التخصيص حتى يدل عليه دليل كما عرف في الأصول، وقد قالوا: إن قوله: "فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" محمول على أنه إذا كان في حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه في القيام، وكذلك "إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا" أي إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك في قوله: "فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا".
ثم إنه أخرج حديث ابن عباس ﵄ من طريقين حسنين جيدين:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمد بن يوسف الفِرْيابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أرقم بن شرحبيل الأَوْدي الكوفي وثقه أبو زرعة، وروى له الترمذي وابن ماجه.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس قال: "لما مرض رسول الله ﵇ مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة فقال: ادعوا لي عليًّا. قالت عائشة: يا رسول الله ﵇، نَدْعُو لك أبا بكر؟ فقال: ادْعُوه. قالت حفصة: يا رسول الله، ندْعُو لك عمر؟ قال: نعم. فلما اجتمعوا رفع رأسه فنظر، فسكت فقال عمر ﵁: قوموا عن رسول الله ﵇، ثم جاء بلال ﵁ يؤذن بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فلْيصلِّ بالناس. فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق حَصِرٌ، ومتى لا يراك يبكي والناس يبكون، فلو أمَرْتَ عمر يُصلي بالناس، فخرج أبو بكر فصلى بالناس، فوجد رسولُ الله ﵇ من نفسه خفةً فخرج يُهادَى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، فلما رآه الناسُ سبَّحوا بأبي بكر، فذهب ليتأخر، فأومى إليه النبي ﵇ أيْ مكانك، فجاء رسول الله ﵇ فجلس عن يمينه، وقام أبو بكر، فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﵇ والناس يأتمون بأبي بكر. قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﵇ من
стр. 3032
القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر -قال وكيع: وكذا السنة- فمات رسول الله ﵇ في مرضه ذلك".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبد الله بن رجاء، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
قوله: "مَرَضَه الذي مات فيه" منصوب بقوله: "مَرِضَ" وقد عُرِفَ أن المصدر ينتصب بفعله سواء كان مُنَكَّرًا أو معرّفا.
قولى: "ادعوا لي عليًّا" أي اطلبوا لي عليًّا ﵁.
قوله: "عمك" بالنصب؛ لأنه بدل من قوله: "العباس" أو عطف بيان.
قوله: "يهادى بين رجلين" أي يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيها إذا تمايلت، وكل من فعل ذلك بأحدٍ فهو يهاديه، وأراد بالرجلين العباس وعلي بن أبي طالب ﵄، وقد جاء مصرحًا بهما في رواية مسلم.
قوله: "يتأخر" جملة فعلية مضارعة وقعت حالًا من أبي بكر.
قوله: "مكانك" منصوب بفعل محذوف تقديره: الزم مكانك ولا تفارقه.
قوله: "وإن رجليه لتخطان بالأرض" إخبار عن مبلغ ضعف قواه، وأن رجليه لم تُقِلاّه، بل كان يجرّهما بالأرض ولا يعتمد عليهما.
ويستفاد منه:
جواز تسبيح المُصلي في صلاته لأمر يحدث.
وفيه: دليل لمن ائتم في الصلاة بمأموم على القول أن النبي ﵇ كان الإِمام.
стр. 3033
قال عياض: وفي المذهب عندنا فيها قولان: الصحة، والفساد.
وعلي هذا أيضًا فيه جواز الائتمام في صلاة واحدة بإمامين واحدًا بعد آخر، وهو أصل في الاستخلاف وجوازه، وحجة على داود والشافعي في منعه.
وعلي أن الصلاة لا تصح بإمامين لغير عذر مذهب الجمهور والطبري والبخاري وبعض الشافعية؛ استدلالًا بهذا الحديث.
وعندنا العذر في هذا المتقدم بين يدي النبي ﵇ المنهي عنه، وأن هذا خصوصٌ له.
وقد وقع لابن قاسم من أئمتنا في إمام أحدث فاستخلف ثم انصرف أنه يجوز للمستخلف أن يتأخر له ويتم الأول بهم الصلاة، كأنه أخذ بظاهر هذا الحديث وهو غير جار على أصولنا. انتهى.
قلت: استدل أصحابنا أيضًا بهذا الحديث على جواز الاستخلاف في الصلاة، وقالوا: هذا أصل في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويسخلف غيره، ويتم الخليفة صلاته، فإن حضر المستخلف قبل إتمام الخليفة الصلاة لا يتأخر لأجله، بل يمضي على إتمامه؛ لأنه لا عذر له في ذلك، بخلاف تأخر أبي بكر ﵁، فإنه كان معذورًا لعدم جواز المتقدم على النبي ﵇ بخلاف غيره، فافهم.
وفيه: عظيم قدر أمر صلاة الجماعة وتأكيدها لتكلّف النبي ﵇ الخروج إليها بتلك الحال.
وفيه: أنه ﵇ صلى وهو جالس والقوم وراءه قيام، وأن هذا آخر الآمرين.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: "دخلتُ على عائشة ﵂ فقلتُ: ألا تحدثيني عن مرض النبي ﵇ فقالت: بلى، كان الناس عكوفًا في المسجد يَنْتظرون رسول الله ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل رسول الله ﵇ إلى
стр. 3034
أبي بكر ﵁ أن يصلّي بالناس، فكان يُصلّي لهم تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﵇ وجد في نفسه خفّةً فخرج يُهادى بين رجلين لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي للناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه أن لا يتأخر، وقال لهما: أَجْلِسَاني إلى جَنْبه. فأَجْلساه إلى جَنْب أبي بكر، فجعل أبو بكر يُصلّي وهو قائم بصلاة النبي- ﵇، والناسُ يُصَلّون بصلاة أبي بكر والنبي ﵇ قاعدٌ. قال عبيد الله: فدخلت على ابن عباس، فعرضت حديثها عليه، فما أنكَر من ذلك شيئًا".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "لما ثَقُل رسول الله ﵇ جاءه بلالٌ ﵁ يُؤذنه للصلاة، فقال: ائتوا أبا بكر فليُصَلّ للناس. قالت: فقلت: يا رسول الله لو أمرت عُمر أن يُصلّي بهم، فإن أبا بكر رجل أَسيفٌ ومتى يَقوم مقامك لا يُسْمِع النَّاسَ. قال: مُرُوا أبا بكر فليُصل بالناس. فأمروا أبا بكر فصلّى بالناس، فلما دخل في الصلاة وَجد رسول الله ﵇ خفة فقام يُهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض، فلما سمع أبو بكر حسَّه ذهبَ ليتأخر، فأومأ إليه أنْ صَلَّ كما أَنْتَ، فجاء رسول الله ﵇ حتى جَلَس على يسار أبي بكر، فكان رسول الله ﵇ يُصلّي بالناس، وأبو بكر يقتدي بالنبي ﵇ وهو قائم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، وكثيرًا ما يُنسبُ إلى جدّه.
عن زائدة بن قدامة الكوفي روى له الجماعة، عن موسى بن أبي عائشة الهمداني أبي الحسن الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، روى له الجماعة.
стр. 3035
وأخرجه مسلم (١): ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زائدة، قال: نا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله قال: "دخلت على عائشة ﵂ فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﵇؟ قالت: بلى، ثقل رسولُ الله ﵇ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم يَنْتظرونك يا رسول الله ﵇. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب. ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك، قالت: والناس عكوفٌ في المسجد ينتظرون رسول الله ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله ﵇ أبي بكر الصديق ﵁ أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﵇ يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر -وكان رجلًا رقيقًا-: يا عمر، صلَّ بالناس. فقال عمر: أنت أحقُ بذلك. قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﵇ وجد من نفسه خفةً فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﵇ أن لا تتأخر وقال لهما: أجْلساني إلى جَنْبه، فأجلساه إلى جَنْب أبي بكر ﵁، وكان أبو بكر يُصلي وهو قائم بصلاة النبي ﵇، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﵇ قاعدٌ، قال عبيد الله: فدخلتُ على عبد الله بن عباس، فقلت له: ألا أعْرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي ﵇؟ قال: هات. فعَرضْتُ حديثها عليه، فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمَّت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي ﵁".
وأخرجه البخاري (٢) والنسائي (٣) أيضًا.
стр. 3036
قوله: "عكوفًا" أي عاكفين ومعناه ملتزمن ومجتمعين، من عكف يعكِف ويعكُف من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ ونَصَرَ يَنْصُرُ، والعكوف: الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما، ومنه المعتكف في المسجد.
قوله: "ينتظرون" جملة حالية.
قوله: "يُهادى" على صيغة المجهول، وقد فسرناه عن قريب.
قوله: "في المخضب" في رواية مسلم بكسر الميم هو مثل الأجّانة والمِرْكن.
قوله: "ذهب لينوء" أي ليقوم وينهض.
قوله: "رقيقًا" أي رقيق القلب كثير الخشية سريع الدمعة.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم -بالمعجمتين- عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة ﵂.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثني أبي، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: الأسود قال: "كنا عند عائشة ﵂ فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها، قالت: لما مرض رسول الله ﵇ مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاةُ فأذّن فقال: مُرُوا أبا بكر فليصل بالناس. فقيل له: إن أبا بكر رجل أسِيفٌ إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس. وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: إنكن صواحبُ يوسف؛ مُرُوا أبا بكر فليصلَّ بالناس، فخرج أبو بكر فصلى، فوجد النبي ﵇ من نفسه خفّةً فخرج يُهادى بين رجلين، فكأني انظر رجليه يخطان من الوجع، فأراد أبو بكر
أن يتأخر، فأومأ إليه النبي ﵇ أنْ مكانك، ثم أُتيَ به حتى جلَس إلى جَنْبه. قيل للأعمش: وكان النبي- ﵇ يُصلّي وأبو بكر يُصلّي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم".
стр. 3037
رواه أبو داود (١): عن شعبة، عن الأعمش بعضه، وزاد أبو معاوية: "جلس عن يسار أبي بكر ﵁ فكان أبو بكر يصلي قائمًا".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية ووكيع، ونا يحيى بن يحيى -واللفظ له- قال: أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "لما ثقل رسول الله ﵇ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس. قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أَسِيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقال: مروا أبا بكر فليصلَّ بالناس. قالت: فقلت قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناسَ، فلو أمرت عمر (٣) فقالت له، فقال رسول الله ﵇: إنكن لأَنتُنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر ﵁ فصلى بالناس، قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﵇ من نفسه خفة، فقام يُهادَى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض، قالت: فلما دخل المسجدَ سمع أبو بكر حسَّه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﵇: أَقِمْ مكانك. فجاء رسول الله ﵇ حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله ﵇ يصلّي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﵇ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر ﵁".
قوله: "يؤذنه" أي يُعْلمه، من الإيذان وهو الإعلام.
قوله: "رجل أسيف" أي سريع الحزن والبكاء وهو الأسوف أيضًا، والأسيف في غير هذا الموضوع: العبد، والآسِفُ الغضبان، ومنه قوله تعالى:
стр. 3038
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ (١) وفيه دليل على فضيلة أبي بكر وتقدمه، وتَنْبيةٌ على أنه أولى بخلافته كما قال الصحابة ﵃: "رضينا لدنيانا مَنْ رَضِيَه رسول الله ﵇ لديننا".
ص: فقال قائلون: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن النبي- ﵇ كان في تلك الصلاة مأمومًا، واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "صلى رسول الله ﵇ في مرضه الذي تُوفيَ فيه خلف أبي بكر قاعدًا".
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: أخبرني حميد، قال: حدثني ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن النبي ﵇ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد بُرْدٍ يخالف بين طرفَيْه، فكانت آخر صلاة صلاها".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا معاوية بن عمرو الأزدي، قال: ثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: "مرض النبي ﵇ فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق. فقال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فإنكن صواحب يوسف. قال: فقام أبو بكر في حياة النبي- ﵇".
وكان من الحجة عليهم في ذلك أنه قد روي هذا الذي قد ذكروه، ولكن أفعال النبي ﵇ في صلاته تلك تَدلّ على أنه كان إمامًا، وذلك أن عائشة ﵂ قالت في حديث الأسود عنها: "فقعد رسول الله ﵇ عن يسار أبي بكر" وذلك قعود الإمام لا قعود المأموم؛ ولأنه لو كان أبو بكر إمامًا له لكان النبي ﵇ يقعد عن
стр. 3039
يمينه، فلما قعدَ عن يساره وكان أبو بكر عن يمينه، دل ذلك على أن النبي- ﵇ كان هو الإِمام، وأن أبا بكر هو المأموم.
ش: أي فقال جماعة قائلون من أهل المقالة الأولى: لا حجة لكم في حديثي ابن عباس وعائشة ﵃، وهذا منع يصعب الاستدلال به.
تقريره: أن يُقال: إنكم تحتجون بحديثي ابن عباس وعائشة أن الإِمام إذا صلى قاعدًا لعذرٍ به يجب على القوم أن يصلوا وراءه قيامًا، وليس لكم حجة في هذا الحديث، لأن النبي ﵇ لم يكن في تلك الصلاة إمامًا وإنما كان مأمومًا، والدليل علي رواية مسروق عن عائشة، ورواية أنس بن مالك، ورواية أبي موسى الأشعري ﵃.
وتقرير الجواب ما أشار إليه بقوله: "وكان من الحجة عليهم في ذلك" أي وكان من الدليل والبرهان وهو الجواب على هؤلاء القائلين فيما ذهبوا إليه: أنا سلمنا هذه الأحاديث قد جاءت هكذا ولكن أفعال النبي ﵇ في صلاته التي ذكرت في حديث عائشة الذي رواه عنها الأسود تدل على أنه ﵇ كان إمامًا؛ لأنه ذكر فيه: "فقعد رسول الله ﵇ عن يسار أبي بكر"، فهذا يدل على أنه ﵇ كان إمامًا؛ إذ لو كان أبو بكر إمامًا لكان النبي ﵇ يقعد عن يمينه؛ لأن هذا وظيفة المأموم، فلما كان قعود النبي ﵇ عن يسار أبي بكر وكان أبو بكر عن يمينه؛ دل ذلك على أنه ﵇ كان هو الإِمام وأن أبا بكر هو المأموم.
وأيضًا قولها في الحديث: "ويقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﵇ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" يدل على أنه ﵇ كان إمامًا، وكذا قولها: "فجلس رسول الله ﵇ يصلي بالناس وأبو بكر يُسْمع الناس".
وقال القاضي عياض: وقد رُوي عنها خلافه، وذكر الآخرون أن ذكر صلاته عن يسار أبي بكر ﵁ لم يَقُله غير أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وسائر رواة هذا الحديث ممن هو أحفظ من أبي معاوية من أصحاب
стр. 3040
الأعمش وأصحاب الزهري وهشام لم يذكروا: "عن يساره" وقالوا: قد روى ابن إسحاق عن الزهري هذا الحديث وفيه: "فصل عن يمين أبي بكر".
وقال المهلّب: إن صححنا الروايتين فقد يحتمل أن جلوسه أولًا عن يساره كما قال في رواية أبي معاوية؛ لأنه أقرب إلى خروج النبي ﵇ من بيته من الجهة اليُسْرى من المسجد وأرفق به لمرضه، ثم يحتمل أن النبي ﵇ أدار بأبي بكر إلى
يمينه كما فعل بابن عباس إما قبل إحرامه من أمامه أو بعده من خلفه لا سيما ولم يذكر أبو معاوية غير جلوسه أول صلاته عن يساره، وابن شهاب قد بَيّن فقال: "فصلى يومئذٍ عن يمين أبي بكر"، فأخبر عن الصلاة كلها في ظاهر قوله، فتجمع الروايتان على هذا ولا تطرح إحداهما للأخرى.
وقال بعضهم: كان النبي ﵇ قد استخلف أبا بكر على الصلاة مدة مرضه وصلى بالناس صلوات كثيرة، وقد قال أنس في "البخاريّ": "إن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي ﵇ حتى كان يوم الاثنين ... " وذكر الحديث، وقالت عائشة: "فصلى أبو بكر تلك الأيام".
فهذا يدل على أنها لم تكن صلاة واحدة.
قيل: صلى اثني عشر يومًا إلا أن يجد النبي ﵇ خفةً في بعضها ويطيق الصلاة قائمًا فيخرج ويصلي على ما جاء في بعض الروايات عن عائشة.
وقد جاء في حديث أنس في "الأم": "أنه خرج عليهم آخر يوم، وأنه لم يصل معهم، وقال: أتموا صلاتكم. ثم أرخى الستر".
وهذا حديث آخر وخروج ثانٍ غير حديث عائشة وقصتها فلا يَبْعد أن يكون في إحداها إمامًا وفي بعضها مأمومًا لنجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، وإلا فالصحيح والأشهر والأكثر أنه كان هو الإِمام، والله أعلم. وقد مرّ الكلام فيه مرة عن قريب.
стр. 3041
أما إسناد حديث عائشة فصحيح، وشبابة بن سوار الفزاري قيل اسمه مروان، وإنما غلب عليه شبابة روى له الجماعة، ونعيم بن أبي هند روى له مسلم، واسم أبي هند النعمان بن أشيم الأشجعي، وأبو وائل اسمه شقيق ابن سلمة.
والحديث أخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا شبابة ... إلى آخره نحوه.
وقال: حديث حسن غريب صحيح.
وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن عيسى صاحب البصري، قال: سمعته يذكر عن أبي نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة: "أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله ﵇ في الصف".
وأما إسناد حديث أنس فكذلك صحيح
وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري شيخ البخاري، وحميد هو الطويل.
وأخرجه الترمذي (٣): ثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: نا شبابة بن سوار، قال: ثنا محمد بن طلحه، عن حميد، عن ثابت، عن أنس قال: "صلى رسول الله ﵇ في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا به".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قال أبو عيسى: وهكذا رواه يحيى بن أيوب، عن حميد، عن ثابت، عن أنس، وقد روى غير واحد عن حميد، عن أنس ولم يذكروا فيه: عن ثابت. ومن ذكر فيه: عن ثابت. فهو أصح.
стр. 3042
وأخرجه النسائي (١): أنا علي بن حجر، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا حميد، عن أنس قال: "آخر صلاة صلاها رسول الله ﵇ مع القوم؛ صلى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر ﵁".
وأما إسناد حديث أبي موسى الأشعري -واسمه عبد الله بن قيس- فصحيح أيضًا، ومعاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي المَعْنِي أبو عمرو البغدادي شيخ البخاري، وزائدة هو ابن قدامة، وعبد الملك بن عمير بن سُوَيْد اللخمي أبو عمرو الكوفي المعروف بالقبطي روى له الجماعة، وأبو بودة اسمه الحارث، ويقال: عامر بن أبي موسى الأشعري، ويقال: اسمه كنيته، له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الملك ابن عمير ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "فإنكن صواحب يوسف" أراد من هذا الكلام: أني أريد أمرًا وتُردْن خلافه كما كان صواحب يوسف ﵇، ومن المعلوم أن صواحب يوسف أردن منه ما عصمه الله منه بفضله، وليس كذلك ها هنا، وقيل: إنما كرهت عائشة ﵂ تقدم أبيها لئلا يتشاءم الصحابة بموقفه بعد رسول الله ﵇، فأبى الله سبحانه إلا ذلك.
ص: وحجة أخرى أن عبد الله بن عباس ﵂ قال في حديثه: "فأخذ النبي ﵇ في القراءة من حيث انتهى أبو بكر ﵁".
ففي ذلك ما يدل أن أبا بكر قطع القراءة وقرأ النبي ﵇، فذلك دليل أنه كان الإِمام ولولا ذلك لم يقرأ. لأن تلك الصلاة كانت صلاة يُجهرُ فيها بالقراءة، ولولا ذلك لَمَا عَلِمَ النبي ﵇ الموضع الدي انتهى إليه أبو بكر من القراءة ولا علمَه مَنْ خلف أبي بكر، فلما ثبت بما وصفنا أن تلك الصلاة كانت مما يُجْهَرُ
стр. 3043
فيها بالقراءة وقرأ النبي ﵇ فيها، وكان الناس جميعًا لا يختلفون أن المأموم لا يقرأُ خلفَ الإِمام، كما يقرأُ الإمامُ ثبت بذلك أن النبي ﵇ كان في تلك الصلاة إمامًا، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أراد بها دليلًا آخر يقع جوابا أيضًا عمّا قاله القائلون المذكورون، وهو ظاهر.
وقال أبو عمر: أكثر الآثار الصحاح المسندة في هذا الباب أن رسول الله ﵇ كان المقدم وأن أبا بكر كان يصلي بصلاة رسول الله ﵇ قائمًا. انتهى
قلت: فلذلك لم يلتفت الطحاوي إلى الرواية التي فيها كان النبي ﵇ مأمومًا، ولا إلى الرواية التي فيها جلس رسول الله ﵇ عن يمين أبي بكر، فافهم.
ص: وأما وجهه من طريق النظر؛ فإنا رأينا الأصل المجمع عليه: أن دخول المأموم في صلاة الإِمام قد يُوجب فرضًا على المأموم لم يكن عليه قبل دخوله ولم نَرَه يُسْقِطُ عنه فرضًا كان عليه قبل دخوله؛ فمن ذلك أنّا رأينا المسافر يدخل في صلاة المقيم فيجب عليه أن يُصلّي صلاة المقيم أربعًا ولم يكن ذلك واجبًا عليه قبل دخوله معه، وإنما أَوجبَه عليه دخُوله مع الإِمام، ورأينا مقيمًا لو دخل في صلاة مسافرٍ صلى بصلاته حتى إذا فرغ أتى بتمام صلاة المقيم فلم يسقط عن المقيم فرضًا بدخوله مع المسافر وكان فرضه على حاله غير ساقطٍ منه شيء.
والنظر في ذلك أن يكون كذلك صحيح الذي عليه فرض القيام إذا دخل مع المريض الذي سقط عنه فرض القيام في صلاته أن لا يكون ذلك الدخول مُسْقطًا عنه فرضًا كان عليه قبل دخوله في الصلاة.
ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، فإنا رأينا .... إلى آخره.
стр. 3044
بيان ذلك أن ها هنا أصلًا مجمعًا عليه بَيْن الفريقين الذين اختلفوا في هذا الباب، وهو أن المأموم إذا دخل في صلاة الإِمام يجب عليه فرض لم يكن عليه قبل دخوله ولا يَسْقط عنه فرضٌ كان عليه قبل الدخول كالمسافر إذا دخل في صلاة المقيم يجب عليه أن يُتم -لأجل المتابعة- مع أنه لم يكن الإتمام واجبًا عليه قبل ذلك، والمقيم إذا دخل في صلاة المسافر يجب عليه أن يتم صلاته بعد فراغ الإِمام ولم يسقط عنه دخوله مع الإِمام المسافر الفرض الذي كان عليه قبل ذلك، والقياس يقتضي أن يكون كذلك الصحيح القادر على القيام أنه إذا دخل في صلاة المريض الذي سقط عنه القيام أن لا يَسْقط عنه القيام الذي كان فرضًا عليه قبل دخوله في الصلاة مع المريض، والله أعلم.
ص: فإن قال قائلٌ: فإنا قد رأينا العبد الذي لا جمعة عليه يدخل في الجمعة فتجزئه من الظهر، ويخرج عنه فرض قد كان عليه قبل دخوله مع الإمام فيها.
قيل له: هذا يؤيد ما قلنا؛ وذلك أن العبد لم يكن عليه جمعة قبل دخوله فيها، فلما دخل فيها مع مَنْ هي عليه كان دخوله إياها يوجب عليه ما هو واجبٌ على إمامه، فصار بذلك إذ وجب عليه ما هو واجب على إمامه في حكم مسافر لا جمعة عليه دخل في الجمعة، فقد صارت واجبةً عليه لوجوبها على إمامه، وصارت مُجْزئة عنه من الظهر؛ لأنها صارت بدلًا منها، فكللك العبد لما وجبت عليه الجمعة بدخوله فيها أجزأته من الظهر لأنها صارت بدلًا منها؛ فقد ثبت بما ذكرنا أن دخول الرجل في صلاة غيره قد يوجب عليه ما لم يكن واجبًا عليه قبل دخوله فيها، ولا يُسقط عنه ما كان واجبًا عليه قبل دخوله، فثبت بذلك أن الصحيح الذي القيام في الصلاة واجبٌ عليه إذا دخل مع مريض قد سقط عنه فرض القيام في صلاته لم يَسْقط عنه بدخوله في القيام ما كان واجبًا عليه قبل ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله.
стр. 3045
ش: تقرير السؤال: إن ما ذكرتم من قولكم: إن دخول المأموم في صلاة الإِمام يوجب فرضًا على المأموم لم يكن عليه قبل دخوله ولا يسقط عنه فرض كان عليه قبل دخوله، ومثّلتم بالمقيم والمسافر؛ ينتقض بالعبد الذي لا جمعة عليه، فإنه إذا دخل في الجمعة تجزئه من الظهر وتسقط عنه الفرض الذي قد كان عليه قبل دخوله مع الإِمام في الجمعة.
وتقرير الجواب أن يقال: هذا الذي ذكرتم لا ينقض ما قلنا، بل يُؤيدُه ويُقوّيه، وذلك أن العبد لم يكن عليه جمعة قبل دخوله مع الإِمام فيها، ولكنه لما دخل فيها وجَبتْ عليه لوجوبها على إمامه كالمسافر الذي دخل في الجمعة وجبت عليه لوجوبها على إمامه، فصارت الجمعة بدلًا من ظهرهما مجزئةً عنهما من الظهر؛ لأن الجمعة صارت بدلًا من الظهر بالشروع في صلاة من كانت تجب عليه من الأول، فثبت من ذلك أن دخول الرجل في صلاة غيره قد يوجب عليه ما لم يكن واجبًا عليه قبل دخوله ولا يسقط عنه ما كان واجبًا عليه قبل ذلك كما قد بيناه، فإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الصحيح الذي يجب عليه القيام في الصلاة إذا دخل في صلاة المريض الذي قد سقط عنه القيام لم يَسْقط عنه القيام الذي كان واجبًا عليه قبل دخوله.
قوله: "ويخرج عنه فرضٌ قد كان عليه" وفي بعض النسخ "ويسقط عنه فرض" وهو الصحيح.
قوله: "إذْ وجب عليه" أي حين وجب عليه.
قوله: "أنَّ الصحيح" بفتح "أن"؛ لأنه فاعل لقوله: "فثبت"، وقوله: "القيام" مبتدأ وخبره قوله: "واجب عليه" والجملة صلة للموصول.
قوله: "قد سقط عنه فرض القيام" جملة وقعت صفةً لقوله: "مع مريضٍ"
وقوله: "لم يسقط عنه بدخوله في القيام" في محل الرفع؛ لأنها خبر "أن".
وقوله: "ما كان واجبًا عليه" فاعل لقوله: "لم يسقط"
стр. 3046
قوله: "وهذا" أي الذي ذكرناه من صحة اقتداء القائم بالقاعد وعدم سقوط القيام عن القادر على القيام هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف على ما مر مستوفى.
ص: وكان محمد بن الحسن ﵀ يقول: لا يجوز لصحيح أن يأتم بمريضٍ يُصلي قاعدًا، وإن كان يركع ويَسجُد، فذهب إلى أن ما كان من صلاة النبي ﵇ قاعدًا في مرضه بالناس وهم قيام مخصوصًا لأنه فعل فيها ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله من القراءة من حيث انتهى أبو بكر ﵁، وخروج أبي بكر من الإمامة إلى أن صار مأمومًا في صلاة واحدة، وهذا لا يجوز لأحد من بعده باتفاق المسلمين جميعًا، فدل ذلك أن النبي ﵇ قد كان خُصّ في صلاته تلك بما مُنع منه غيرُه، والله أعلم.
ش: مذهب محمد بن الحسن عدم جواز اقتداء الصحيح القادر على القيام بالمريض الذي لا يقدر عليه وإن كان يقدر على الركوع والسجود، واستدل في ذلك بقوله ﵇: "لا يَؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا". أخرجه الدارقطني، وإليه ذهب الشعبيّ ومالكٌ في رواية" وقالوا أيضًا: إن القيام ركن فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان، وأجابوا عما كان من صلاة النبي ﵇ قاعدًا في مرضه بالناس وهم قيام بأنه كان مخصوصًا بالنبي ﵇، وأشار إلى دليل الخصوص بقوله: "لأنه فعل فيها ... " إلى آخره، أي لأن النبي ﵇ فعل في الصلاة ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله، وقد أنكر بعضهم الخصوص وادّعوا فيه النسخ، وقد بسطنا الكلام فيه فيما مضى.
стр. 3047
ص: باب: الرجل يصلي الفريضة خلف مَنْ يصلي تطوعًا
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الفرض خلف من يصلي التطوع؛ هل يجوز له ذلك أم لا؟
وجه المناسبة بين البابين: أن كلًا منهما مشتمل على بيان صلاة فاسدة؛ أما الأول فلأنه في بيان فساد صلاة الصحيح قاعدًا خلف من يصلي قاعدًا لعجزٍ، وهذا في بيان فساد صلاة المفترض خلف المتنفل.
ص: روى جابر بن عبد الله ﵁: "أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني مسلمة". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في باب "القراءة في صلاة المغرب".
ش: أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب "القراءة في صلاة المغرب" عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: "كان معاذ بن جبل ﵁ يصلي مع النبي ﵇ ثم يرجع فيؤمنا ... " الحديث، وقد ذكرنا هناك أن البخاري (١) ومسلمًا (٢) وأبا داود (٣) والنسائي (٤) أخرجوه بألفاظ مختلفة وطرق متباينة.
ص: فذهب قومٌ إلى أن الرجل له أن يصلي النافلة ويأتمّ به مَنْ يصلي الفريضة واحتجوا في ذلك بهذا الأثر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا والأوزاعيّ وأبا رجاء والشافعي وسليمان بن حرب وأبا ثور وابن المنذر وأبا إسحاق الجوْزجاني وأحمد
стр. 3048
في أصح روايتَيْه؛ فإنهم قالوا: تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لرجل أن يُصلي فريضةً خلف مَنْ يُصلي نافلةً.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعةً آخرون، وأراد بهم: الزهريّ والنخعي وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومجاهدًا وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا وأبا قلابة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأحمد في رواية ابن الحارث وحنبلٍ؛ فإنهم قالوا: لا تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل.
وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات؛ ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف؛ لأنه ﵇ كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته وتكون الثانية له نافلة وللطائفة الثانية فريضة.
ص: وقالوا: ليس في حديث معاذ ﵁ هذا إنما كان يُصلي بقومه نافلةً أو فريضةً، فقد يجوز أن يكون كان يصلي مع النبي ﵇ نافلة ثم يأتي قومَه فيصلي بهم فريضة فإن كان ذلك كذلك فلا حجة لكم في هذا الحديث ويحتمل أن يكون كان يصلي مع النبي ﵇ فريضة ثم يُصلي بقومه تطوعًا كما ذكرتم، فلما كان الحديث يحتمل الأمرين لم يكن أحدهما أولى من الآخر، ولم يكن لأحد أن يصرفه إلى أحد المعنيين دون المعنى الآخر إلا بدلالةٍ تدل على ذلك.
ش: أي قال الآخرون: ليس في حديث معاذ المذكور ...... إلى آخره.
حاصله: أن هذا له احتمالان كما ذكرهما، فلا يمكن الاحتجاج به متمسكًا بأحد الاحتمالين لعدم دليل يدل على ذلك، فإذًا سقط الاحتجاج به؛ لأن الذهاب إلى أحدهما بدون دليل ترجيح بلا مرجح فهو باطل.
стр. 3049
فإن قيل: لا يُظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي ﵇ ويأتي بها مع قومه.
قلت: قال ابن العربي: فضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه يقوم مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره ﵇ في إمامة قومه زيادة طاعة، وهذا الكلام مما يرجح الاحتمال الأول من الاحتمالين الذين ذكرهما الطحاوي، فحينئذٍ لم يبق في الحديث حجة أصلًا لهؤلاء الطائفة.
ص: فقال أهل المقالة الأولى: فإنا قد وجدنا في بعض الآثار أن ما كان يُصلّيه بقومه هو تطوع وأن ما كان يصليه مع النبي ﵇ هو فريضة، وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو، قال: أخبرني جابرٌ: "أن معاذًا كان يُصلّي مع النبي ﵇ العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلّي بهم هي له تطوّع ولهم فريضةٌ.
فكان من حجة الآخرين عليهم أن ابن عُيَيْنة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جريج، وجاء به تامًّا وساقَه أحسن من سياقة ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج: "هي له تطوع ولهم فريضة"، فيجوز أن يكون ذاك من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابرٍ ﵁، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان؟ القول فليس فيه شيء دليل على حقيقة فعل معاذ ﵁ أنه كذلك؛ لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو ثبت ذلك أيضًا عن معاذ لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي ﵇، ولا أن النبي ﵇ لو أخبره به لأقرّه أو غيّره، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي ﵇ ولا يغتسلون حتى يُنْزِلوا، فقال له عمر: أفاخبرتم النبيّ ﵇ بذلك فَرضِيهُ لكم؟ قال: لا. فلم يجعل ذلك عمر ﵁ حجةً، فكذلك هذا الفعل لو ثبت أن معاذًا فعله في عهد النبي ﵇ لم يكن في ذلك دليل أنه بأمر النبي ﵇.
стр. 3050
ش: هذا جواب عن أهل المقالة الأولى عما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: "فلما كان هذا الحديث يحتمل الأمرين ...... " إلى آخره.
بيانه أن يقال: إنكم قلتم إن هذا الحديث لا يتم به الاحتجاج؛ لاحتماله الأمرين اللذين لم يكن أحدهما أولى من الآخر لعدم المرجح، فها نحن قد وجدنا في بعض الأحاديث أن ما كان يصليه معاذ بقومه كان تطوعًا له، وأن ما كان يصليه مع النبي ﵇ كان فريضة.
وذكروا في ذلك ما أخرجه إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁ ... إلى آخره
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الشافعي أيضًا في "مسنده" (٢): بسند صحيح، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عَمرو.
قال البيهقي: هذا حديث ثابت، لا أعلم حديثًا يُرْوى من طريق واحدة أثبت من هذا ولا أوثق رجالًا.
وأجاب عنه بقوله: فكان من حجة الآخرين عليهم، أي فكان من دليل الجماعة الآخرى وهم أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى.
تقريره: أن هذه الزيادة التي ذكرها ابن جريج في روايته وهي قوله: "هي له تطوع ولهم فريضة" يحتمل أن يكون قولًا من رأيه، أو يكون من عمرو بن دينار، أو يكون من جابر بن عبد الله، وأيًّا ما كان فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ ﵁؛ لأن النية أمر باطن لا يطلع عليه أحد إلا بإخبار الناوي، فجاز