قوله: "وهذا" أي الذي ذكرناه من صحة اقتداء القائم بالقاعد وعدم سقوط القيام عن القادر على القيام هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف على ما مر مستوفى.
ص: وكان محمد بن الحسن ﵀ يقول: لا يجوز لصحيح أن يأتم بمريضٍ يُصلي قاعدًا، وإن كان يركع ويَسجُد، فذهب إلى أن ما كان من صلاة النبي ﵇ قاعدًا في مرضه بالناس وهم قيام مخصوصًا لأنه فعل فيها ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله من القراءة من حيث انتهى أبو بكر ﵁، وخروج أبي بكر من الإمامة إلى أن صار مأمومًا في صلاة واحدة، وهذا لا يجوز لأحد من بعده باتفاق المسلمين جميعًا، فدل ذلك أن النبي ﵇ قد كان خُصّ في صلاته تلك بما مُنع منه غيرُه، والله أعلم.
ش: مذهب محمد بن الحسن عدم جواز اقتداء الصحيح القادر على القيام بالمريض الذي لا يقدر عليه وإن كان يقدر على الركوع والسجود، واستدل في ذلك بقوله ﵇: "لا يَؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا". أخرجه الدارقطني، وإليه ذهب الشعبيّ ومالكٌ في رواية" وقالوا أيضًا: إن القيام ركن فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان، وأجابوا عما كان من صلاة النبي ﵇ قاعدًا في مرضه بالناس وهم قيام بأنه كان مخصوصًا بالنبي ﵇، وأشار إلى دليل الخصوص بقوله: "لأنه فعل فيها ... " إلى آخره، أي لأن النبي ﵇ فعل في الصلاة ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله، وقد أنكر بعضهم الخصوص وادّعوا فيه النسخ، وقد بسطنا الكلام فيه فيما مضى.
стр. 3047
ص: باب: الرجل يصلي الفريضة خلف مَنْ يصلي تطوعًا
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يصلي الفرض خلف من يصلي التطوع؛ هل يجوز له ذلك أم لا؟
وجه المناسبة بين البابين: أن كلًا منهما مشتمل على بيان صلاة فاسدة؛ أما الأول فلأنه في بيان فساد صلاة الصحيح قاعدًا خلف من يصلي قاعدًا لعجزٍ، وهذا في بيان فساد صلاة المفترض خلف المتنفل.
ص: روى جابر بن عبد الله ﵁: "أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلي مع النبي ﵇ العشاء، ثم يرجع فيصليها بقومه في بني مسلمة". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في باب "القراءة في صلاة المغرب".
ش: أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب "القراءة في صلاة المغرب" عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: "كان معاذ بن جبل ﵁ يصلي مع النبي ﵇ ثم يرجع فيؤمنا ... " الحديث، وقد ذكرنا هناك أن البخاري (١) ومسلمًا (٢) وأبا داود (٣) والنسائي (٤) أخرجوه بألفاظ مختلفة وطرق متباينة.
ص: فذهب قومٌ إلى أن الرجل له أن يصلي النافلة ويأتمّ به مَنْ يصلي الفريضة واحتجوا في ذلك بهذا الأثر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا والأوزاعيّ وأبا رجاء والشافعي وسليمان بن حرب وأبا ثور وابن المنذر وأبا إسحاق الجوْزجاني وأحمد
стр. 3048
في أصح روايتَيْه؛ فإنهم قالوا: تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لرجل أن يُصلي فريضةً خلف مَنْ يُصلي نافلةً.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعةً آخرون، وأراد بهم: الزهريّ والنخعي وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومجاهدًا وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا وأبا قلابة وربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري وأحمد في رواية ابن الحارث وحنبلٍ؛ فإنهم قالوا: لا تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل.
وقال ابن بطال: ولا اختلاف أعظم من اختلاف النيات؛ ولأنه لو جاز بناء المفترض على صلاة المتنفل لما شرعت صلاة الخوف مع كل طائفة بعضها، وارتكاب الأعمال التي لا تصح الصلاة معها في غير الخوف؛ لأنه ﵇ كان يمكنه أن يصلي مع كل طائفة جميع صلاته وتكون الثانية له نافلة وللطائفة الثانية فريضة.
ص: وقالوا: ليس في حديث معاذ ﵁ هذا إنما كان يُصلي بقومه نافلةً أو فريضةً، فقد يجوز أن يكون كان يصلي مع النبي ﵇ نافلة ثم يأتي قومَه فيصلي بهم فريضة فإن كان ذلك كذلك فلا حجة لكم في هذا الحديث ويحتمل أن يكون كان يصلي مع النبي ﵇ فريضة ثم يُصلي بقومه تطوعًا كما ذكرتم، فلما كان الحديث يحتمل الأمرين لم يكن أحدهما أولى من الآخر، ولم يكن لأحد أن يصرفه إلى أحد المعنيين دون المعنى الآخر إلا بدلالةٍ تدل على ذلك.
ش: أي قال الآخرون: ليس في حديث معاذ المذكور ...... إلى آخره.
حاصله: أن هذا له احتمالان كما ذكرهما، فلا يمكن الاحتجاج به متمسكًا بأحد الاحتمالين لعدم دليل يدل على ذلك، فإذًا سقط الاحتجاج به؛ لأن الذهاب إلى أحدهما بدون دليل ترجيح بلا مرجح فهو باطل.
стр. 3049
فإن قيل: لا يُظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف النبي ﵇ ويأتي بها مع قومه.
قلت: قال ابن العربي: فضيلة النافلة خلفه لتأدية فريضة لقومه يقوم مقام أداء الفريضة معه، وامتثال أمره ﵇ في إمامة قومه زيادة طاعة، وهذا الكلام مما يرجح الاحتمال الأول من الاحتمالين الذين ذكرهما الطحاوي، فحينئذٍ لم يبق في الحديث حجة أصلًا لهؤلاء الطائفة.
ص: فقال أهل المقالة الأولى: فإنا قد وجدنا في بعض الآثار أن ما كان يُصلّيه بقومه هو تطوع وأن ما كان يصليه مع النبي ﵇ هو فريضة، وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو، قال: أخبرني جابرٌ: "أن معاذًا كان يُصلّي مع النبي ﵇ العشاء ثم ينصرف إلى قومه فيصلّي بهم هي له تطوّع ولهم فريضةٌ.
فكان من حجة الآخرين عليهم أن ابن عُيَيْنة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جريج، وجاء به تامًّا وساقَه أحسن من سياقة ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج: "هي له تطوع ولهم فريضة"، فيجوز أن يكون ذاك من قول ابن جريج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن يكون من قول جابرٍ ﵁، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان؟ القول فليس فيه شيء دليل على حقيقة فعل معاذ ﵁ أنه كذلك؛ لأنهم لم يحكوا ذلك عن معاذ، إنما قالوا قولًا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو ثبت ذلك أيضًا عن معاذ لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي ﵇، ولا أن النبي ﵇ لو أخبره به لأقرّه أو غيّره، وهذا عمر بن الخطاب ﵁ لما أخبره رفاعة بن رافع أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي ﵇ ولا يغتسلون حتى يُنْزِلوا، فقال له عمر: أفاخبرتم النبيّ ﵇ بذلك فَرضِيهُ لكم؟ قال: لا. فلم يجعل ذلك عمر ﵁ حجةً، فكذلك هذا الفعل لو ثبت أن معاذًا فعله في عهد النبي ﵇ لم يكن في ذلك دليل أنه بأمر النبي ﵇.
стр. 3050
ش: هذا جواب عن أهل المقالة الأولى عما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: "فلما كان هذا الحديث يحتمل الأمرين ...... " إلى آخره.
بيانه أن يقال: إنكم قلتم إن هذا الحديث لا يتم به الاحتجاج؛ لاحتماله الأمرين اللذين لم يكن أحدهما أولى من الآخر لعدم المرجح، فها نحن قد وجدنا في بعض الأحاديث أن ما كان يصليه معاذ بقومه كان تطوعًا له، وأن ما كان يصليه مع النبي ﵇ كان فريضة.
وذكروا في ذلك ما أخرجه إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁ ... إلى آخره
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الشافعي أيضًا في "مسنده" (٢): بسند صحيح، عن عبد المجيد، عن ابن جريج، عن عَمرو.
قال البيهقي: هذا حديث ثابت، لا أعلم حديثًا يُرْوى من طريق واحدة أثبت من هذا ولا أوثق رجالًا.
وأجاب عنه بقوله: فكان من حجة الآخرين عليهم، أي فكان من دليل الجماعة الآخرى وهم أهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى.
تقريره: أن هذه الزيادة التي ذكرها ابن جريج في روايته وهي قوله: "هي له تطوع ولهم فريضة" يحتمل أن يكون قولًا من رأيه، أو يكون من عمرو بن دينار، أو يكون من جابر بن عبد الله، وأيًّا ما كان فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ ﵁؛ لأن النية أمر باطن لا يطلع عليه أحد إلا بإخبار الناوي، فجاز
стр. 3051
أن تكون نيته مع النبي ﵇ فرضًا وجاز أن تكون نفلًا، ولم يرد عن معاذ ما يدل على أحدهما، وإنما يُعرف ذلك بإخباره.
وزعم أبو البركات بن تيمية أن الإِمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى ألا تكون محفوظة.
وقال ابن الجوزي: هذه الزيادة لا تصح، ولو صحّت كان ظنًّا من جابر ﵁.
وكذا ذكره ابن العربي في "العارضة".
وقال الطحاوي: الدليل على عدم صحة هذه الزيادة: أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار ولم يذكرها في روايته.
قلت: أخرج حديثه مسلم (١) بدون هذه الزيادة.
حدثني محمد بن عباد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر- ﵁ قال: "كان معاذ ﵁ يصلي مع النبي ﵇، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلةً مع النبي ﵇ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجلٌ فسلّم، ثم صلى وحده، وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله ﵇ فلأُخبرنّه، فأتى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله ﵇، إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﵇ على معاذ، فقال: يا معاذ، أفتّانٌ أنت؟ اقرأ بكذا واقرأ بكذا". قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا، عن جابر أنه قال: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (٢)، ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (٣)، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤). فقال عَمرو: نحو هذا". انتهى.
стр. 3052
قلت: ورواه أيوب أيضًا، عن عمرو بدون هذه الزيادة.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) أيضًا: من حديث أيوب، عن عمرو، عن جابر: "أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﵇ ثم يأتي قومه فيصلّي بهم".
ورواه شعبة أيضًا، عن عمرو.
وأخرجه البخاري (٣) أيضًا: عنه، عن عمرو، عن جابر: "أن معاذًا كان يصلي مع النبي ﵇، ثم يرجع فيؤم قومه".
ورواه منصور بن زاذان أيضًا عن عمرو.
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: عنه، عن عمرو، عن جابر نحوه.
قوله: "ولو ثبت ذلك أيضًا ... " إلى آخره، جواب بطريق التسليم، بيانه أن يقال: سلمنا أن ما ذكرتم من الزيادة ثبتت في حديث معاذ ﵁، ولكن لا نُسلَّم أن فيه دليلًا على أنه كان ذلك عن معاذ بأمر النبي ﵇، فإذا لم يقم دليل على أن هذا كان بأمر النبي ﵇ لم تقم به حجة على المدّعى، ولا فيه دليل على أنه لو أخبر ذلك للنبي ﵇؛ لكان أقرّه أو غيّره.
ونظير ذلك قضية رفاعة بن رافع ﵁ فإنه أخبر عمر بن الخطاب ﵁ "أنهم كانوا يجامعون على عهد النبي ﵇ ولا يغتسلون إلا عند الإنزال، فقال له عمر ﵁: أفأخبرتم النبي ﵇ بذلك فَرَضِيَه لكم؟ قال رفاعة: لا".
فلم يجعل عمر ﵁ ذلك حجة في ترك الغسل بالإيلاج من غير إنزال، فكذلك فعل معاذ -لو سلمنا أنه فعلهُ- في عهد النبي ﵇، ولكن ليس فيه دليل على أنه كان بأمر النبي ﵇ فلا تقوم به حجة.
على أنه قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: "الإِمام ضامن".
стр. 3053
أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١)، يعني: يضمن الصلاة صحةً وفسادًا، والفرض ليس مضمونًا في النفل، وقد يجاب بأن معاذًا ﵁ كان يصلّي مع النبي ﵇ صلاة النهار ومع قومه صلاة الليل، فأخبر الراوي في قوله: "فهي لهم فريضة وله نافلة" بحال معاذ في وقتين لا في وقت واحد، والله أعلم.
ص: وقد روينا عن النبي ﵇ ما يدلّ على خلاف ذلك:
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظيّ (ح).
وحدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مَسْلمَة بن قَعْنب، قالا: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقيّ: "أن رجلًا من بني سلمة يقال له سُلَيْم أتى النبي ﵇ فقال له: إنا نظَلّ في أعمالنا، فنأتي حين نُمْسِي فنُصلّي، فيأتي معاذ بن جبل ﵁ فينادي بالصلاة، فَنأتيه فيُطوَّلُ علَيْنا. فقال النبي ﵇: يا معاذ، لا تكن فتانًا، إما أَنْ تصلّي معي، وإما أن تُخفّف على قومك".
فقول النبي ﵇ هذا لمعاذ يدلّ على أنه عند رسول الله ﵇ كان يَفْعَلُ أحدَ الأَمرين؛ إما الصلاة معه وإما الصلاة لقومه، وأنه لم يكن يجمعها؛ لأنه قال: "إما أن تُصلّي معي" أي ولا تصلي مع قومك "وإما أن تخفّف بقومك" أي ولا تصلي معي.
فلما لم يكن في الآثار الأُوَل من قول النبي ﵇ شيءٌ، وكان في هذا الأثر ما ذكرنا، ثبت بهذا الأمر أنه لم يكن من النبي ﵇ في ذلك المعنى شيء مُتقدمٌ، ولا علمنا أنه كان في ذلك أيضًا منه شيء متأخرٌ فَتَجبُ به الحجةُ عَليْنَا، ولو كان في ذلك من رسول الله ﵇ أمرٌ كما قال أهل المقالة الأولى لاحتملَ أن يكون ذلك من رسول الله ﵇ في وقت ما كان الفريضة تُصلّى مرتين، فإن ذلك قد كان
стр. 3054
يُفعلُ في أول الإِسلام حتى نهى عنه النبي ﵇، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في باب صلاة الخوف.
ففعل معاذ الذي ذكرنا يحتمل أن يكون كان قبل النهي عن ذلك، ثم كان النهي لنسخه، ويحتمل أن يكون بعد ذلك، فليس لأحد أن يجعله في أحد الوقتين إلا كان لمخالفه أن يجعله في الوقت الآخر، فهذا حكم هذا الباب من طريق معاني الآثار.
ش: أي وقد روينا عن النبي ﵇ في حديث معاذ ﵁ ما يدلّ على خلاف ما روينا عنه من حديثه الذي مضى فيما سلف.
وهو ما أخرجه من طريقين رجالهما ثقات، ولكن معاوية بن رفاعة لم يدرك سُلَيْمان، فيكون الحديث مُرسلًا وسُلَيم هو ابن الحارث بن ثعلبة ﵁
الطريق الأول: عن فهد بن سليمان الكوفي نزيل مصر، عن يحيى بن صالح الوُحَاظِي الدمشقي شيخ البخاري، عن سليمان بن بلال القرشي المدني روى له الجماعة، عن عمرو بن يحيى المازني المدني روى له الجماعة، عن معاذ بن رفاعة ابن رافع الأنصاري الزُرَقي المدني روى له الجماعة غير مسلم وابن ماجه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن عَفّان، عن وُهَيْب، عن عمرو بن يحيى ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود ومسلم، عن سليمان بن بلال ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا محمد بن علي الصائغ المكي، ثنا القعنبي، ثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن معاذ بن رفاعة الزُّرَقي: "أن
стр. 3055
رجلًا من بني سلمة يُقال له: سُلَيم أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنا نَظَلُّ في أعمالنا، فنمشي حين نُمسي، فيأتي معاذ بن جبل فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطوّل علينا. فقال رسول الله ﵇: يا معاذ، لا تكن فتانا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف عن قومك. ثم قال: يا سُليم، ما معك من القرآن؟ قال: معي أن أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ -قال رسول الله ﵇: وهل دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار- ولكن سترون غدًا إذا لقينا القوم -والناس يتجهزون إلى أُحد- فخرج الرجل فاستُشْهد".
قوله: "من بني سلِمة" بكسر اللام.
قوله: "إنا نظلّ" من ظَلِلْتُ أَعمل -كذا بالكسر- ظُلُولًا إذا عملته بالنهار دون الليل، ومنه قوله تعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (١) وهو من شواذ التخفيف.
قوله: "فينادي بالصلاة" أراد فيؤذن لها؛ لأن النداء إلى الصلاة هو الأذان.
قوله: "لا تكن فتَّانًا" فعَّال -بالتشديد- مبالغة فاتن، وأراد به: لا تكن سببًا لتفريق الجماعة بتطويل الصلاة.
قوله: "ما أُحسن دندنتك" الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسْمع نغمتَه ولا يُفهم، وهو أرفع من الهَينمة قليلًا.
قوله: "فقول النبي ﵇ هذا لمعاذ" إشارة إلى قوله ﵇: "معاذ لا تكن فتّانًا، إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك"، وهذا دليل على أن معاذًا ﵁ كان يفعلُ أحد الأمرين، إما الصلاة مع النبي ﵇، وإما الصلاة لقومه، وأنه لم يكن يجمع بين الأمرين؛ لأن معنى قوله: "إما أن تصلي معي": لا تُصلّ مع قومك، ومعنى قوله: "إما أن تخفف بقومك": لا تُصلّ معي، وهذا المعنى لم يكن في الأحاديث الأولى، فإذا كان الأمر كذلك ثبت أنه لم يكن من النبي ﵇ في
стр. 3056
ذلك المعنى شيء متقدم، وأراد بـ"ذلك المعنى" هو قوله: "لم يكن في ذلك دليل أنه كان بأمر النبي ﵇ ولا أن النبي ﵇ لو أخبره به لأقره أو غيَّره"، فحاصل الكلام: ظهر من هذا الحديث أنه لم يكن من النبي ﵇ شيء دل على أن معاذًا لو أخبر النبي ﵇ بصلاته مع النبي ﵇ على نيّة الفرض ومع قومه على نية التطوع له
أنه قرّره على ذلك، ولا شيء دلّ على أنه قد غيَّر ذلك في المستقبل فحينئذٍ لا تجب به الحجة علينا، وإنما كان تجب به الحجة علينا أن لو كان قرره على ذلك بعد إخباره إليه.
قوله: "ولو كان في ذلك من رسول الله ﵇ أمرٌ ... " إلى آخره، جواب بطريق التسليم، تقريره أن يقال: ولئن سلمنا أنه كان من النبي ﵇ شيء يدل على ما يدعيه أهل المقالة الأولى من جواز صلاة المفترض خلف المتنفل بالحديث المذكور، ولكن لا نسلم أنه كان مستمر الحكم إلى آخر الوقت، بل إنما كان في ذلك الوقت الذي كان الفريضة تصل فيه مرتين، فإن هذا كان يفعل في ابتداء الإِسلام ثم نهى النبي ﵇ عن ذلك، فإذا كان الأمر كذلك يكون ما ذكروه من جواز صلاة المفترض خلف المتنفل منسوخًا.
فإن قيل: هذا الذي ذكره الطحاوي احتمال، وإثبات النسخ بالاحتمال لا يجوز.
قلت: هذا واقع، وأدل الدليل على ما ذكره من النسخ هو أن إسلام معاذ بن جبل ﵁ متقدّم، وقد صلى النبي ﵇ بعد سنتين من الهجرة صلاة الخوف غير مرةٍ من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صُلَّيتْ على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك، وقد يقال: يحتمل أن يكون حديث معاذ كان في أول الإِسلام وقت عدم القرّاء
стр. 3057
ووقت لا عوض للقوم عن معاذ، فكانت حال ضرورة فلا تجعل أصلًا يُقاس عليه، والله أعلم.
ص: وأما حكمه من طريق النظر: فإنا قد رأينا صلاة المأمومين مُتَضمَّنةً لصلاة إمامهم في صحتها وفسادها، من ذلك: أنا رأينا الإمام إذا سهَا وجب على مَنْ خلفه بسهوه ما وجب عليه، وإن سَهَوْا هم ولم يَسْهُ هو لم يجب عليهم ما يجب على الإمام إذا سها فيها، فلما ثبت أن المأمومين يجب عليهم حكم السهو بسَهْو الإِمام ويَنتفي عنهم حكم السهو بانتفائه عن الإِمام؛ ثبت أن حكمهم في صلاتهم حكم الإمام في صلاته، وأن صلاتهم مُضمّنة لصلاته، ولما كانت صلاتهم مضمنة لصلاته لم يجزن تكون صلاتهم خلاف صلاته، فثبت بذلك أن المأموم لا يجوز أن تكون صلاته خلاف صلاة إمامه.
ش: أي: وأما حكم هذا الباب من طريق النظر والقياس، فإنا قد رأينا ... إلى آخره.
تقريره أن يُقال: لا شك أن الإمام ضامن لما ذكرنا من قوله ﵇: "الإِمام ضامن".
أخرجه ابن حبان في "صحيحه".
ثم معنى الضمان أنه يضمن صلاة المأمومين صحةً وفسادًا، فتكون صلاتهم مضمنة لصلاته؛ ولهذا إذا سها الإِمام يجب على القوم ما يجب عليه بسهوه، فإذا كان كذلك لم يجز أن تكون صلاتهم خلاف صلاته؛ لأن الإِمام إذا كان متنفلًا لم تكن تحريمته منعقدةً لما يبني عليه المقتدي وزيادة لصلاة الفرض.
والفرضية وإن لم تكن صفة زائدة على ذات الفعل فليست راجعةً إلى الذات أيضًا بل هي من الأوصاف الإضافية، فحينئذٍ لا يصح البناء من المقتدي بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن النفلية ليست من باب الصفة؛ إذْ النفل عبارة عن أصل لا وصف له فكانت تحريمة الإِمام منعقدة لما يبني عليه المقتدي وزيادة، فيصح البناء.
стр. 3058
قوله: "مُضمَّنة" بفتح "الميم" الثانية.
قوله: "فثبت بذلك أن المأموم ... " إلى آخره، نتيجة المقدمتين المذكورتين.
ص: فإن قال قائل: فإنا قد رأيناهم لم يختلفوا أن للرجل أن يصلي تطوعًا خلف من يصلي فريضةً فكما كان للمصلي تطوعًا يجوز أن يأتم بمن يُصلي فريضةً كان كذلك يجوز للمُصلّي فريضةً أن يُصلّيها خلف من يصلّي تطوعًا.
قيل له: إن سبب التطوع هو سبب بعض الفريضة؛ وذلك أن الذي يدخل في الصلاة ولا يريد شيئًا عن ذلك من نافلة ولا فريضة يكون ذلك داخلًا في نافلة، وإذا نوى الدخول في الصلاة ونوى الفريضة كان بذلك داخلًا في الفريضة فصار يكون داخلًا في الفريضة بالسبب الذي به دخل في النافلة، وبسبب آخر، فلما كان ذلك كذلك كان الذي يصلي تطوعًا وهو يأتم بمن يُصلّي فريضة هو في صلاة له في كلها إمام، والذي يُصلّي فريضةً ويأتم بمن يُصلّي نافلة هو في صلاةٍ له في بعض سببها الذي يدخل فيها إمام، وليس له في بقيته إمام، فلم يجز ذلك.
ش: هذا السؤال وارد على النتيجة المذكورة وهي قوله: "فثبت بذلك أن المأموم لا يجوز أن يكون في صلاته خلاف صلاة إمامه".
تقريره أن يقال: صلاة المتنفل خلف المفترض جائزة إجماعًا، ومع هذا بَيْن صلاتيهما مغايرة، فعلى هذا ينبغي أن تجوز أيضًا صلاة المفترض خلف المتنفل.
وتقرير الجواب أن يقال: إن المتطوع يُريد مطلق الصلاة لله تعالى؛ لأنه ليس لصلاة التطوع صفَة زائدة على أصل الصلاة ليحتاج إلى أن ينويها، والمفترِض يريدُ صلاة مخصوصةً؛ لأن الفريضة صفة زائدة على أصل الصلاة ولهذا لا تكفيه نية مطلق الصلاة، حتى قالوا: لا يكفيه مطلق نية الفرض أيضًا بل ينوي فرض الوقت أو طهر الوقت مثلًا؛ لأن غيرها من الصلوات المفروضة مشروعة في
стр. 3059
الوقت ولا بد من التعيين، فظهر من ذلك أن الذي يدخل الفريضة يَصيرُ داخلًا بشيئين:
الأول: هو الذي يدخل به في النافلة.
والثاني: هو القدر الزائد عليه، والذي يدخل في النفل يصير داخلًا بشيء واحد: وهو إرادته مطلق الصلاة، ومطلق الصلاة نفل، فإذا كان كذلك يكون المتنفل خلف المفترض داخلًا في صلاة له في كلها إمام، والمفترض خلف المتنفل يكون داخلًا في صلاة له ليس في كلها إمام، بل هو إمام في بعضها وهو بعض سبب الفريضة وليس بإمام في بقيته، فلا يجوز ذلك، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: فإنا قد روينا عن عمر ﵁: "أنه صلى بالناس جُنبًا وأعاد ولم يعيدوا"، فدل ذلك أن صلاتهم لم تكن مضمنةً لصلاته.
فقال مخالفهم: إنما فعل ذلك لأنه لم يشعر بأن الجنابة كانت من قبل الصلاة فأخذ لنفسه بالحَوْطة، فأعاد ولم يأمر غيرَه بإعادةٍ، فقد ذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: "قد احتلمتُ وما شعرتُ، وصليتُ وما اغتسلتُ، ثم قال: أغسِلُ ما رأيتُ وأنضح ما لم أَرَ، ثم قام وصلّى متمكنًا وقد ارتفع الضحى".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصَلْت أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁، فنظر فإذا هو قد احتلم فصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أدري إلا وقد احتلمت وما شعرت وصليت وما اغتسلت قال: فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم يَرَ، فأذن فأقام الصلاة، ثم صلى بعد ما ارتفع الضحى متمكنًا".
فدل هذا على أن عمر ﵁ لم يكن تيقن بالحدث الجنابة كانت منه قبل الصلاة.
стр. 3060
ش: هذا اعتراض أورده أهلُ المقالة الأولى على ما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: إنا قد رأينا صلاة المأمومين مضمنة لصلاة إمامهم في صحتها وفسادها.
تقريره أن يقال: ما ذكرتم من قولكم: إن صلاة المأمومين مضمنةً لصلاة إمامهم غير صحيح؛ وذلك لأن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس جنبًا ثم أعاد صلاته والقوم لم يُعيدوا، فلو كانت صلاتهم مضمنةً لصلاته لأمرهم بالإعادة، فحيث لم يعيدوا دل على أن صلاتهم لم تكن مضمنةً لصلاته.
وتقرير الجواب أن يُقال: إنما فعل عمر ذلك لأنه لم يعلم ولم يتيقن بأن الجنابة كانت منه قبل الصلاة فاحتاط في ذلك وأخذ بالحزم فأعاد صلاته، وهو معنى قوله: "فأخذ لنفسه بالحَوْطة فأعاد" أي بالاحتياط ولم يأمر غيره بالإعادة لعدم التيقن بكونها قبل الصلاة، والدليل على ذلك ما رواه زُبَيْد بن الصلت عنه أنه قال: "أراني قد احتلمتُ وما شعرتُ، وصليتُ وما اغتسلتُ" أي أظن أني قد احتلمتُ، فهذا يدل على أنه لم يكن متيقنًا بالجنابة قبل الصلاة.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاريّ ونسبته إلى غُدَّانة -بضم الغين المعجمة- بن يربوع بن حنظلة، عن زائدة بن قدامة الكوفي، روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن زُيَيْد بضم الزاي المعجمة وباليائين آخر الحروف أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة- ابن الصلت بن معاوية أبي كثير الكِنْدي، يقال: إنه وُلد في عهد النبي ﵇، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مختصرًا وقال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت: "أن عمر ﵁ غسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم يَرَ، وأعاد بعد ما ارتفع الضحى متمكنًا"
стр. 3061
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
قوله: "أراني" أي أرى نفسي، والمعنى: أظن أني قد احتلمتُ وما شعرت أي وما علمتُ.
قوله: "أغسل ما رأيت" أي أغسل من ثوبي الموضع الذي رأيت فيه الجنابة.
قوله: "وأنضح ما لم أَرَ" أي أرش الماء على الموضع الذي لا أرى فيه شيئًا من الجنابة.
قوله: "وقد ارتفع الضحى" جمله حاليةٌ.
وجواب آخر: أن هذا يعارضه ما رُويَ عن علي بن أبي طالب ﵁، رواه أبو يوسف في "الأمالي" عنه: "أنه صلى بأصحابه يومًا ثم علم أنه كان جُنبًا، فأمر مؤذنه يُنادي: ألا إن أمير المؤمنين كان جنبًا فأعيدوا صلاتكم".
ولأن معنى الاقتداء وهو البناء هنا لا يتحقق لعدم تصور التحريمة مع قيام الحدث والجنابة، والله أعلم.
ص: والدليل على أن عمر ﵁ قد كان يرى أن صلاة المأموم تَفسدُ بفساد صلاة الإمام أن محمد بن نعمان السقطي حدثنا،، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: "أن عمر ﵁ نسِيَ القراءة في المغرب، فأعاد بهم الصلاة".
فلما أعاد بهم الصلاة لتركه القراءة -وفي فساد الصلاة بترك القراءة في المغرب اختلاف- كان إذا صلى جنبًا أَحْرى أن يُعيد بهم الصلاة.
стр. 3062
ش: ذكر هذا تأكيدا لصحة ما ذكره من أن صلاة المأمومين مضّمنة لصلاة الإِمام وأنّ ما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ تأويله على أنه لم يتقن كما ذكرناه، بيان ذلك: أن عمر بن الخطاب ﵁ أعاد بالقوم الصلاة حين نسي القراءة في صلاة المغرب مع اختلاف العلماء في فساد الصلاة بترك القراءة، فإعادتها مع القوم حين صلاها وهو جنب أولى وأحرى؛ لكون هذه الحالة أشد تأثيرًا في فساد الصلاة من تلك الحالة وهي حالة ترك القراءة؛ وذلك أن الصلاة قط لا تجوز بدون الطهارة سواء كانت طهارة حقيقية أو طهارة حكمية، وأما بدون القراءة فقد تجوز في بعض الصُوَر، كالأمي الذي لا يقدر على تعلم القراءة، والأخرس الذي لا يقدر على تحريك لسانه بحروف القرآن.
ثم إسناد أثر عمر ﵁ صحيح، ويحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، وأبو معاوية الضرير محمد بن خازم، والأعمش هو سليمان بن مهران، وإبراهيم هو النخعي، وهمام بن الحارث النخغي الكوفي، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بأتم منه: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال: "صلى عمر- ﵁ المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قالوا له: يا أمير المؤمنين، إنك لم تقرأ. فقال: إني قد حدثت نفسي وأنا في الصلاة بعير وجهتها من المدينة فلم أزل أجهزها حتى دخلت الشام. قال: ثم أعاد الصلاة والقراءة".
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن عمر ﵁ خلاف ذلك فذكر ما حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا أدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، أن عمر ﵁ قال له رجل: "إني صليت صلاةً لم أقرأ فيها شيئًا؟ فقال له عمر- ﵁: أليس قد أتممتَ الركوع والسجود؟ قال: بلى. قال: تمت صلاتك" قال شعبةُ: فحدثني عبد الله بن عمر العُمري
стр. 3063
قال: قلت لمحمد بن إبراهيم: مِمّن سمعتَ هذا الحديث؟ فقال: من أبي سلمة عن عمر.
قيل لهم: فقد روي هذا عن عمر ﵁ من حيث ذكرتم ولكن الذي رويناه عنه فيما بدأنا بذكره متصل الإسناد عن عُمرَ وهمامٌ حاضرٌ ذلك منه، فما اتصل إسناده عنه فهو أصلى أن يقبل عنه مما خالفه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: قد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يخالف ما رويتم من أنه أعاد الصلاة لتركه القراءة فيها، وهو ما رواه بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني روى له الجماعة: "أن عمر ﵁ قال له رجلٌ ... " إلى آخره.
فإنه حكم بتمام صَلَاةِ مَنْ ترك القراءة فيها.
وجوابه ظاهر وهو: أن ما روينا إسناده متصل؛ لأن همام بن الحارث كان حاضرًا عند عمر ﵁ وقت سؤال الرجل، وما رويتم غير متصل الإسناد؛ لأن محمد بن إبراهيم المذكور لم يسمع عمر بن الخطاب ﵁ ولم يكن حاضرًا عنده حين قال له رجل: إني صليتُ صلاةً لم أقرأ فيها شيئًا.
فما كان متصل الإسناد هو أولى بالعمل وأحق بالقبول.
فإن قلتَ: أليس قال شعبة: قلت لمحمد بن إبراهيم: ممن سمعت هذا الحديث؟ فقال: من أبي سلمة عن عمر ﵁؟
فهذا أيضًا متصل ورجاله ثقات فما الترجيح بين الحديثين؟
قلتُ: رواية همام أرجح من وجه آخر وهو أنه يحكي ما شاهده من فعل عمر ﵁، وأما أبو سلمة فإنه يحكي عن إفتاء عمر ﵁ لذلك الرجل، وفعله أقوى من إفتائه، فافهم.
стр. 3064
فإن قلتَ: قد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) ما فيه حكايته عن فعل عمر ﵁ فقال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن عمر، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: "صلى عمر ﵁ المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ. قال: فكيف كان الركوع والسجود؟ تامٌ هو؟ قالوا: نعم. فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعيرٍ جهّزتُها بأقتابها وحقائبها".
قلت: هذه الرواية تدل على أنه لم يُعد صلاته لتركه القراءة، وتلك الرواية تدل على أنه قد أعادها لأجل ترك القراءة، فالإثبات أولى من النفي ها هنا؛ لموافقته النَصّ الدالّ على فرضيّة القراءة في الصلاة، وقد علم أن بترك فرض من فروض الصلاة تفسد الصلاة.
ص: وهذا أيضًا مما يدلُّ عليه النظرُ؛ وذلك أنهم أجمعوا أن رجلًا لو صلى خلف جنب وهو يعلمُ بذلك أن صلاته باطلة، وجعلوا صلاته مضمنةً لصلاة إمامه، فلما كان ذلك كذلك إذا كان يَعلمُ بفساد صلاة إمامه كان كذلك هو في النظر إذا كان لاَ يَعلمُ بها، ألا ترى أن المأموم لو صلى وهو جنب وهو يَعلَمُ أو لا يَعلمُ كانَتْ صلاتُه باطلةً فكان ما يُفسدُ صلاته في حال علمه هو الذي يُفسِدُ صلاته في حال جَهْله به، وكان علمه بفساد صلاة إمامِه يُفْسِدُ صلاته، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك جَهْلهُ بفساد صلاة إمامه، فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أشار بهذا إلى ما ذكره من فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإِمام.
قوله: "وذلك" إشارة إلى وجه النظر والقياس، والباقي ظاهر.
قوله: "ألا ترى" توضيح لما ذكره من قياس فساد صلاة المأموم عند جهله بفساد صلاة إمامه على فساد صلاته مع علمه بفساد صلاة الإِمام، فتساوى
стр. 3065
العلم والجهل ها هنا في حكم الفساد كما تساويا فيما إذا صلى وهو جنب في حكم الفساد، فافهم.
ص: وقد قال بذلك طاوس ومجاهد.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن جابر الجُعْفي، عن طاوس ومجاهد "في إمام صلى بقوم وهو على غير وضوء، قالا: يُعيدُون جميعًا".
ش: أي وقد قال بما ذكرنا من فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإِمام مطلقًا: طاوس بن كيْسان اليماني ومجاهد بن جبر المكي.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن جابر الجعفي، عنهما.
فإن قيل: جابر قد تُكلّم فيه.
قلت: وثقه جماعة، ولئن سلمنا ضعفه مطلقًا فإنه قد أخرجه استشهادًا للذي يقتضيه النظر الصحيح والقياس.
ص: وقد رُوي عن جماعة من المتقدمين ما يُوافِقُ ما ذهَبْنا إليه في اختلاف صلاة الإمام والمأمومين، فمن ذلك: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: "في الرجل يُصلّي بقَوْمٍ هي له الظهر ولهم العصر، قال: يُعيدُون ولا يُعيد".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: سمعتُ يونسَ بن عبيد يَقولُ: "جاء عبادٌ الناجي إلى المسجد في يوم مطرٍ فَوجَدهم يصلون العصر، فصلى معهم وهو يَظنُّ أنهما الظهر، ولم يكن صلى الظهر، فلمّا صلّوا فإذا هى العصر، فأتى الحسن، فسأله عن ذلك فأمره أن يصليهما جميعًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: كان الحسن وابن سيرين يقولان: "يصليهما جميعًا"
стр. 3066
قال: وحدثنا أبو مَعْشر، عن النخعي قال: "يصليهما جميعًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيدٌ، قال: عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "يصلي الظهر ثم يُصَلّي العصر".
ش: أي: قد رُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين ما يوافق ما ذهبنا إليه في اختلاف صلاة الإِمام والمأمومين وفساد صلاة المأمومين عند الاختلاف.
فأخرج من الصحابة عن عبد الله بن عمر ﵄، ومن التابعين عن إبراهيم النخعي والحسن البصري ومحمد بن سيرين.
أما أثر النخعي فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المُعتمر، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن مغيرة، عن إبراهيم "في رجل يصلي بقوم الظهر وهي له العصر، قال: تمت صلاته ويعيد من خلفه".
وأما أثر الحسن البصري فأخرجه من طريقين:
أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبعَي، عن يونس ابن عُبَيد، عن عباد بن منصور الناجي -بالنون والجيم نسبة إلى ناجية بن سامة قبيلة كبيرة- أبي سلمة البصريّ، فعن يحيى: ليس بشيء وكان يُرمى بالقدر.
وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث. وقال النسائي: ضعيف وليس بحجة استشهد به البُخاري وروى له الأربعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن علية، عن عبّاد بن منصور
стр. 3067
قال: "انتهيت إلى المسجد الجامع وأنا أرى أنهم لم يصلوا الظهر، فقمتُ أتطوّعُ حتى أقيمت الصلاةُ، فلما صلّوا إذا هي العصرُ، فقمتُ فصليتُ معهم الظهر ثم صليت العصر، ثم أتيت الحسن، فذكرتُ ذلك له، فأمرني بمثل الذي صَنعْتُ".
والآخر: فيه عن ابن سيرين أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبعي، عن سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي أسامة، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: "في رجل دخل مع قوم في صلاة العصر وهو يَحْسبهم في صلاة الظهر فإذا هم في صلاة العصر، قالا: يستقبل الصلاتين جميعًا".
قوله: "كان يصليهما" أي الظهر والعصر جميعًا، أراد أنه إذا صلى الظهر وراء من يصلي العصر يعيدهما جميعًا.
قوله: "وحدثنا أبو معشر" وهو زياد بن كليب أحد مشايخ أبي حنيفة ثقة كبير روى له مسلم وأبو داود والنسائي.
وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد حسن، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبعي، عن عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبي عبد الرحمن القرشي العَدوي العمري المدني. وعن أحمد: لا بأس به يُكتب حديثه. وعن ابن معين: صُويلح، روى له مسلم مقرونًا بغيره، والأربعة.
قوله: "يُصلّي الظهر ثم يُصلّي العصر" أراد أنه إذا صلى الظهر وراء من يصلّي العصر فإنه يعيد الظهر والعصر جميعًا، والله أعلم.
стр. 3068
ص: باب: التوقيت في القراءة في الصلاة
ش: أي هذا بابٌ في بيان التوقيت في القراءة في الصلاة، وأراد بالتوقيت: التعيين، وهو أن يُعيّن سُورةً لصلاة.
والمناسبة بينه وبين الأبواب التي قبله: أن ما قبله من الأبواب كلها في أحكام الصلوات، والصلوات لا بد لها من قراءة، وهذا الباب في بيان القراءة الموقتة.
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن موسى بن عُبَيْدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في الأضحى والفطر؟ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
ش: أبو عاصم هو النبيل الضحاك بن مخلد، وموسى بن عبيدة بن نشيط الرَّبَذي أبو عبد العزيز المدني، فيه مقال؛ فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وعنه: ليس بثقة. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث وليس بحجة، روى له الترمذي وابن ماجه.
ومحمد بن عمرو بن عطاء بن عياش أبو عبد الله المدني روى له الجماعة.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا وكيع بن الجراح، نا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٣) ".
стр. 3069
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإذا اجتمع يوم عيد ويوم جمعة قرأ بهما فيهما".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روحٌ، قال: ثنا حامدٌ، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شبعة، عن إبراهيم ابن محمد بن المنتشر، عن أبيه محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم الأنصاري مولى النعمان بن بشير وكاتبه روى له الجماعة، عن النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي الصحابي ﵁، كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية، وقال أبو زرعة الدمشقي: وُلّي قضاء دمشق بعد فضالة بن عُبَيْد، قتُل يومَ راهط سنة خمس وستين.
والحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري.
وأخرجه النسائي (١) بهذا الطريق: عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمع العيد والجمعة فيقرأ بهما فيهما جميعًا".
стр. 3070
الثاني: عن رَوْح بن الفرج القطان، عن حامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس وشيخ أبي داود، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان، عن جرير بن عبد الحميد ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا، عن جرير، قال يحيى: أنا جرير، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ واحد يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين".
الثالث: عن رَوْح أيضًا، عن حامد بن يحيى أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا محمد بن الصباح، أنا سفيان بن عيينة، عن إبراهيم ابن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
وأخرجه أبو داود (٣): عن قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد ... إلى آخره نحو رواية مسلم.
والترمذي أيضًا (٤): عن قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة ... إلى آخره نحوه.
стр. 3071
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا المَسْعودي، عن مَعبد بن خالد، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جُنْدب، عن النبي ﵇ في العيدين مثله، ولم يذكر الجمعة.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبيّ، قال: ثنا المَسْعوديّ، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شعبة، عن مَعْبد بن خالدٍ، عن زيد بن عقبة الفزاري .... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أيضًا وهي صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي، عن مَعْبد بن خالد الجَدلى الكوفي القاضي روى له الجماعة، عن زيد بن عقبة الفزاري الكوفي، قال العجلي والنسائي وابن حبان: تابعيّ ثقة. روى له أبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا المَسْعودي.
وحدثنا أبو نعيم، قال: نا المسعودي، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جُندب قال: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب الوهبيّ، عن المسعودي ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث مسْعر، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عقبة، عن سمرة: "كان رسول الله ﵇ يقرأ في صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ﴾، والغاشية.
стр. 3072
ورواه المسعودي، عن معبد فقال: "في العيدين".
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد (١) أيضًا: عن محمد بن جعفر، عن شعبة بن معبد بن خالد ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: ثنا الحُسين بن إسحاق التستري، نا يحيى الحماني، ثنا هشيم، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سَمرة: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
ص: فذهب قوم إلى أن هاتين السورتين هما اللتان ينبغي للإمام أن يقرأ بهما في صلاة العيدين وفي الجمعة مع فاتحة الكتاب ولا يجاوز ذلك إلى غيره، واحتجوا بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: مالكًا، وأحمد، وأبا ثور؛ فإنهم قالوا؛ ينبغي للإمام أن يقرأ بهاتين السورتين في صلاة العيدين، ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك ﵃.
وقال أبو عمر في "التمهيد": قال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والشمس ونحوهما، وفي "المغني" ويستحب أن يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بالغاشية، نص عليه أحمد.
وقال الشافعي: يقرأ بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾؛ ولحديث أبي واقد الليثي على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقال ابن حزم في "المحلى": واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبي سليمان.
стр. 3073
وأما صلاة الجمعة فقد قال أبو عمر: اختلف الفقهاء فيما يقرأ في صلاة الجمعة؛ فقال مالك: أَحبُّ إليَّ أن يقرأ الإِمام في الجمعة بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سورة الجمعة، وقال مرة أخرى: أما الذي جاء به الحديث فـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
قال أبو عمر: تحصيل مذهب مالك أن كلتا السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة في الركعة الثانية، وأما الركعة الأولى فسورة الجمعة ولا ينبغي للإمام عنده أن يترك سورة الجمعة، فإن فعل وقرأ بغيرها فقد أساء وبئس ما صنع، ولا تفسد عليه بذلك صلاته.
وقال الشافعي وأبو ثور: يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (١).
واستحب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وداود بن علي، أن لا تترك سورة الجمعة على كل حال.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس في ذلك توقيت بعينه لا ينبغي أن يُجاوز إلى غيره ولكن للإمام أن يقرأ بهما وله أن يُغيرهما.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه والثوري؛ فإنهم قالوا: ليس في العيدين ولا في الجمعة قراءة بسورةٍ مُعينةٍ بحيث لا تُجاوز إلى غيرها، ولكن للإمام أن يقرأ في العيدين وفي الجمعة بالسورتين المذكورتين وله أن يقرأ غيرهما، وكذا في الجمعه له أن يقرأ بسورة الجمعة و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (١) وله أن يقرأ غيرهما؛ وذلك لاختلاف الآثار عن النبي ﵇ باختلاف السور في هذه الصلوات، وكذلك عن الصحابة ومن بعدهم، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ﴾
стр. 3074
﴿اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وعن ابن مسعود ﵁: "أنه كان يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من المفصل"، وكان أبان بن عثمان ﵄ يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ".
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن أبا بكرة وابن مرزوق قد حدّثانا، قالا: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد قال: "سألني عمر- ﵁: بم قرأ رسول الله ﵇ في العيدين؟ قلت: ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ضمرة، عن عبيد الله بن عبد الله: "أن عمر ﵁ سأل أبا واقد ... " فذكر مثله.
فهذا أبو واقد قد أخبر عن النبي ﵇ أنه قرأ في العيد بغير ما أخبر به من روى الآثار الأُوَل.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه من عدم التوقيت في القراءة في صلاة العيدين، حديث أبي واقد الليثي ﵁، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث؛ وذلك لأن أبا واقد قد أخبر في حديثه أن النبي ﵇ قرأ في العيدين بقاف و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وهذا خلاف ما رُوي في الأحاديث الأُوَل، فدل ذلك على عدم التوقيت.
واحتج الشافعي لهذا الحديث على تعيين هاتين السورتين في العيدين، فكأنه نظر إلى أن هذا الحديث أصح من الحديث الذي فيه ذِكر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وإليه ذهب ابن حزم، وقال: لم يصح عن رسول الله ﵇ شيء غير هذا الحديث. وأراد به حديث أبي واقد المذكور، ولكن الذي ذكره ابن حزم غير
стр. 3075
صحيح؛ لأن حديث النعمان بن بشير قد أخرجه مسلم والأربعة كما ذكرناه (١)، وقال أبو عمر: وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد، وحديث سمره بن جندب، وحديث النعمان بن بشير ﵃، وفي اختلاف الآثار في هذا الباب دليل على أن لا توقيت فيه، والله أعلم.
ثم إنه أخرج هذا الحديث من طريقين رجالهما رجال الصحيح ما خلا مشايخ الطحاوي، ولكن الأول متصل الإسناد والثاني مرسل.
الأول: عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق كلاهما، عن أبي عامر العَقدي عبد الملك بن عمرو، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة أبي يحيى المدني روى له الجماعة، عن ضمرة بن سعيد بن أبي حُنّة -بالنون، وقيل: بالباء الموحدة- الأنصاري المدني روى له الجماعة سوى البخاري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (٢): نا إسحاق بن إبراهيم، قال: نا أبو عامر العقدي، قال: نا فليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي واقد الليثي قال: "سألني عمر بن الخطاب ﵁ عمّا قرأ به رسولُ الله ﵇ في يوم العيد، فقلتُ: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ".
الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وهذا مرسل؛ لأن عبيد الله لا سماع له من عمر بن الخطاب.
وقال ابن حزم في "المحلى": عبيد الله أدرك أبا واقد الليثي وسمع منه، ولكن لا سماع له من عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 3076
وكذا أخرجه الأربعة مرسلًا.
فأبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: "أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقدٍ الليثي ماذا كان يقرأ به رسول الله ﵇ في الأضحى والفطر؟ قال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ".
والترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن مَعْن بن عيسى، عن مالك ... إلى آخره.
والنسائي (٣): عن محمد بن منصور، عن سفيان، قال: حدثني ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله قال: "خرج عمر ﵁ يوم عيدٍ، فسأل أبا واقد الليثي: بأي شيء كان النبي ﵇ يقرأ في هذا اليوم؟ فقال: بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ ".
وابن ماجه (٤): عن محمد بن الصباح، عن سفيان، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله قال: "خرج عمر يوم عيدٍ، فأرسل إلى أبي واقد الليثي: بأي شيء كان النبي ﵇ يقرأ في مثل هذا اليوم؟ قال: بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ ".
فإن قيل: كيف سأل عُمرُ ﵁ عن هذا ومثله لا يخفى عليه هذا؟
قلنا: لعله اختبار له هل حفظ ذلك أم لا؟ أو يكون دخل عليه شك أو نازعه غيره ممن سمعه يقرأ في ذلك بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والغاشية، فأراد عمر- ﵁ الاستشهاد عليه بما سمعه أيضًا أبو واقد ﵁.
فإن قيل: ما الحكمة في قراءتهما ﵇ في العيدين؟
стр. 3077
قلت: لكونهما مشتملتين على الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر، والله أعلم.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ أنه قرأ في الجمعة بغير ما ذكرنا عنه أيضًا في الآثار الأُوَل، فمما روى عنه في ذلك: ما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله: "أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا كان يَقرأُ به النبي ﵇ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ضمرة ابن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله: "أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ما كان النبي ﵇ يَقرأُ به في الجمعة؟ قال: سورة الجمعة و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان عن مخوّل بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﵇ مثله.
فلما جاء عن النبي ﵇ في هذه الآثار أنه قرأ في العيدين والجمعة غيرَ ما جاء في الآثار الأُوَل لم يجب أن نحمل ذلك على التضادّ والتكاذب، ولكنا نحمله على الاتفاق والتصادق، فنجعل ذلك كله قد كان من النبي ﵇، فقرأ بهذا مرةً وبهذا مرةً، فحَكَى عنه كل فريقٍ من الفريقين ما حضره منه، ففي ذلك دليل على أن لا توقيت للقراءة في ذلك، وأن للإمام أن يقرأ في ذلك مع فاتحة الكتاب أيَّ القرآن شاء.
стр. 3078
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن الآثار في هذا الباب مختلفة، فينبغي أن نحمل ذلك على اختلاف الأوقات؛ دفعًا للتضاد والتخالف، فإذا حملنا على ذلك ينفى أن يكون توقيتٌ للقراءة، ويدل على أن للإمام أن يقرأ ما شاء من القرآن مع فاتحة الكتاب.
قوله: "فمما روي عنه في ذلك" أي فمن الذي روى عن النبي ﵇ في القراءة في الجمعة وأخرج في ذلك عن النعمان بن بشير وأبي هريرة وعبد الله بن عباس ﵃.
أما حديث النعمان فأخرجه من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن الضحاك بن قيس بن خالد الفهري وُلد قبل وفاة النبي ﵇ بست سنين أو نحوها، وكان عاملًا لعبد الله بن الزبير ﵄، قُتِل بمرج راهط من أرض دمشق في قتاله لمروان سنة سبع وعشرين ومائة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عمرو الناقد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ضمرة ... إلى آخره نحوه.
والآخر: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن مالك بن أنس ... إلي آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) أيضًا.
стр. 3079
وأما حديث أبي هريرة ﵁: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَينة، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبي عبد الله المدني الصادق أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أبي جعفر الباقر روى له الجماعة، عن أبي رافع مولى رسول الله ﵇ واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم.
ثم اعلم أنه قد وقع في رواية الطحاوي كما ترى عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي رافع، وهكذا وقع في بعض نسخ مسلم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.
وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": ذكر في سند هذا الحديث: ثنا عبد الله ابن مسلمة، ثنا سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن ابن أبي رافع كذا لهم.
وعند العذريّ في كتاب "الصَّدَفي "وبعض النسخ الماهانية: عن أبي رافع، وهو وهم والصواب ابن أبي رافع، واسمه عبيد الله، وهو ابن أبي رافع مولى النبي ﵇ كما جاء مسمًّى في حديث قتُيْبة بعده.
قلت: حديث قتيبة هو ما رواه مسلم (١): نا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: نا حاتم بن إسماعيل. ونا قتيبة، قال: نا عبد العزيز -يعني الدراورديّ- كلاهما، عن جعفر، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: "استخلف مروان أبا هريرة ... " بمثله، غير أن في رواية حاتم: "فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ "، ورواية عبد العزيز مثل حديث سليمان.
стр. 3080
قوله: "بمثله" أي بمثل الحديث الذي ذكره أولًا، وهو ما رواه عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا سليمان -وهو ابن بلال- عن جعفر، عن أبيه، عن ابن أبي رافع قال: "استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلتُ: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب ﵁ يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: فإني سمعت رسول الله ﵇ يقرأ بهما يوم الجمعة"،
وأخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا، وفي رواية الجميع: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع.
وأما حديث ابن عباس ﵄ فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن مُخوّل بن راشد -وهو بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو- عن مُسْلم البطين -بفتح الباء الموحدة ... - إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عَبْدَة بن سليمان، قال: ثنا سفيان، عن مخول، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ (٥) السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ (٦)، وأن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين".
стр. 3081
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ وشريك، عن مُخوّل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (ح).
وحدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحمانيّ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ (١) و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢) ".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن أسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن عَزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله.
فليس في ذلك دليلٌ على أنه كان لا يجاوز ذلك إلى غيره؛ لأن النبي ﵇ لم يُحْكَ عنه أنه قال: لا تقرؤا القرآن في صلاة الغداة يوم الجمعة مع فاتحة الكتاب غير هاتين السورتين، حتى لا يجوز خلاف ذلك، ولكن إنما أخبر مَنْ رواها عن النبي ﵇ أنه كان يَقْرأ بهما فيهما كما أخبر النعمانُ وابنُ عباس أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في العيدين بما ذكرنا، ثم قد جاء عن غيرهما أنه قرأ بخلاف ذلك؛ لأنه قرأ بهذه مرةً وهذه مرةً فكذلك ما حُكي عنه من القراءة في صلاة الصبح يوم الجمعة يحتمل أن يكون قرأ به مرةً أو قرأ به مرارًا، ثم قرأ بغيره، فيحكي كلُّ مَنْ حضره بما سمع من قراءته، وليس في ذلك دليل على حكم التوقيت، وجميع ما ذهبنا إليه في هذا الباب هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذه ثلاث طرق عن ابن عباس ﵄ ورجالها كلهم ثقات، إلا أن في روح بن أسلم الباهلي مقالًا (٣).
الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي عَوانة الوضاح اليشكري وشريك النخعي كلاهما، عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين ... إلى آخره.
стр. 3082
وأخرجه النسائي (١): أنا قتيبةُ، قال: ثنا أبو عوانة.
وأنا علي بن حُجْر، قال: أنا شريك -واللفظ له- عن المخوّل بن راشد، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة (٢) و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٣) ".
الثاني: عن فهد أيضًا، عن الحمّاني أيضًا، عن شريك أيضًا، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السِبيعي، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤) نحوه.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن رَوْح بن أسلم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن عزْرَة بن عبد الرحمن الكوفي الأعور، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن المثنى، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا همام، عن قتادة، عن عَزْرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ ".
قوله: "فليس في ذلك ... " إلى آخره، ظاهرٌ غنيّ عن مزيد البيان، ملخصه: أن الراوي أخبر مثل ما شاهده عن النبي ﵇ ثم جاء راوٍ آخر بخلاف ذلك بحسب ما شاهده أيضًا، وليس بينهما تنافي؛ لأنه ﵇ قد قرأ بهذه مرةً، وبهذه أخرى، فليس في ذلك دليل على التعيين لا قولًا ولا فعلًا، فإذا كان الأمر كذلك تكون دعوى التوقيت والتعيين في ذلك دعوى لا برهان عليها، فافهم.
стр. 3083
ص: باب: صلاة المسافر
ش: أي هذا باب في بيان صلاة المسافر، وهو على وزن مفاعل ولكنه بمعنى فاعل؛ لأن مسافر بمعنى سفَر وليْس هذا الباب على أصله؛ لعدم المعنى المقتضي لمشاركة اثنين كما هو وضع باب المفاعلة، ولما كان للمكلّف حالتان: حالة الإقامة، وحالة السفر، وبيّن أحكام صلاته في حالة الإقامة، شرع يُبين أحكام صلاته في حالة السفر.
ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحسن بن بشر، قال: ثنا المُعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء بن أبي رياح، عن عائشة ﵂ قالت: "قصر النبي ﵇ في السفر وأتمّ".
ش: الحَسنُ بن بشر بن سلم البجلي الكوفي شيخ البخاري، والمُعافى بن عمران الأزدي أبو مسعود الموصلي، قال يحيى والعجلي وأبو حاتم: ثقة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي، ومغيرة بن زياد البجلي أبو هشام الموصلي قال وكيع: كان ثقة. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: شيخ لا يحتج بحديثه. وروى له الأربعة.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): نا المحاملي، نا سعيدُ بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يَقصر في السفر ويُتم، ويفطر ويصوم".
وقال الدارقطني: إسناده صحيح.
وقال البيهقي بعد أن أخرجه في "سننه" (٢): وله شاهد من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف.
стр. 3084
ثم أخرج (١) من حديث عبيد الله بن موسى، نا دلهم بن صالح الكندي، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: "كنا نصلي مع النبي ﵇ إذا خرجنا إلى مكة أربعًا حتى نرجع".
ومن حديث الكديمي (٢)، عن الخُرَيبي، عن المغيرة بن زياد عن عطاء، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقصر في السفر ويتم" وقال: وكذا رواه وكيع وغيرُه عن المغيرة.
قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) بأتمّ منه: ثنا وكيع، قال: ثنا المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يُتم الصلاة في السفر ويقصر ويصوم ويفطر ويؤخر الظهر ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويُعجل العشاء".
ص: فذهب قوم إلى أن المسافر بالخيار إن شاء أتم صلاته وإن شاء قصرها واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وبما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث، عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن مُنيَّة قال: "قلت: لعمر بن الخطاب ﵁: إنما قال الله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) فقد أمِن الناس. فقال: إني عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﵇، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا قلابة عبد الله بن زيد الجرْميَّ وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: القصر رخصة والمسافر مخيّر بين الإتمام، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور.
стр. 3085
وقال ابن قدامة في "المغني": المشهور عن أحمد أن المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أتم.
وروى عنه أنه توقف وقال: أنا أحب العافية من هذه المسألة.
وممن رُوي عنه الإتمام في السفر: عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة ﵃، وبه قال الأوزاعي والشافعي، وهو المشهور عن مالك.
وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الإتمام في السفر.
وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وأوجب حماد الإعادة على من أتمّ.
قوله: "وبما حدثنا أبو بكرة" أي واحتجوا أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أبي بكرة بكار الذي رواه عن رَوْح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن، بن عبد الله بن أبي عمار القرشي المكي، وكان يُلقّب بالقس؛ لعبادته، روى له الجماعة سوى البخاري، عن عبد الله بن باباه -ويقال بَابَيْ، ويقال: بابَيْه- المكي روى له الجماعة سوى البخاري، عن يَعْلى بن مُنَيّة وهي أمه، وهو يعلى بن أُميّة بن أبي عبيده أبو صفوان المكي أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنينًا وتبوك مع رسول الله ﵇، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم- قال إسحاق: أنا وقال الآخرون: ثنا- عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمّار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أُميّة قال: قلت لعمر بن الخطاب ... إلى آخره نحوه.