← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحمانيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ وشريك، عن مُخوّل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (ح). وحدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحمانيّ، قال: ثنا شريكٌ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ (١) و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢) ". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن أسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن عَزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله. فليس في ذلك دليلٌ على أنه كان لا يجاوز ذلك إلى غيره؛ لأن النبي ﵇ لم يُحْكَ عنه أنه قال: لا تقرؤا القرآن في صلاة الغداة يوم الجمعة مع فاتحة الكتاب غير هاتين السورتين، حتى لا يجوز خلاف ذلك، ولكن إنما أخبر مَنْ رواها عن النبي ﵇ أنه كان يَقْرأ بهما فيهما كما أخبر النعمانُ وابنُ عباس أن رسول الله ﵇ كان يقرأ في العيدين بما ذكرنا، ثم قد جاء عن غيرهما أنه قرأ بخلاف ذلك؛ لأنه قرأ بهذه مرةً وهذه مرةً فكذلك ما حُكي عنه من القراءة في صلاة الصبح يوم الجمعة يحتمل أن يكون قرأ به مرةً أو قرأ به مرارًا، ثم قرأ بغيره، فيحكي كلُّ مَنْ حضره بما سمع من قراءته، وليس في ذلك دليل على حكم التوقيت، وجميع ما ذهبنا إليه في هذا الباب هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذه ثلاث طرق عن ابن عباس ﵄ ورجالها كلهم ثقات، إلا أن في روح بن أسلم الباهلي مقالًا (٣). الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي عَوانة الوضاح اليشكري وشريك النخعي كلاهما، عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين ... إلى آخره.

стр. 3082

وأخرجه النسائي (١): أنا قتيبةُ، قال: ثنا أبو عوانة. وأنا علي بن حُجْر، قال: أنا شريك -واللفظ له- عن المخوّل بن راشد، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة (٢) و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٣) ". الثاني: عن فهد أيضًا، عن الحمّاني أيضًا، عن شريك أيضًا، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السِبيعي، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤) نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن رَوْح بن أسلم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن عزْرَة بن عبد الرحمن الكوفي الأعور، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن المثنى، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا همام، عن قتادة، عن عَزْرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ ". قوله: "فليس في ذلك ... " إلى آخره، ظاهرٌ غنيّ عن مزيد البيان، ملخصه: أن الراوي أخبر مثل ما شاهده عن النبي ﵇ ثم جاء راوٍ آخر بخلاف ذلك بحسب ما شاهده أيضًا، وليس بينهما تنافي؛ لأنه ﵇ قد قرأ بهذه مرةً، وبهذه أخرى، فليس في ذلك دليل على التعيين لا قولًا ولا فعلًا، فإذا كان الأمر كذلك تكون دعوى التوقيت والتعيين في ذلك دعوى لا برهان عليها، فافهم.

стр. 3083

ص: باب: صلاة المسافر ش: أي هذا باب في بيان صلاة المسافر، وهو على وزن مفاعل ولكنه بمعنى فاعل؛ لأن مسافر بمعنى سفَر وليْس هذا الباب على أصله؛ لعدم المعنى المقتضي لمشاركة اثنين كما هو وضع باب المفاعلة، ولما كان للمكلّف حالتان: حالة الإقامة، وحالة السفر، وبيّن أحكام صلاته في حالة الإقامة، شرع يُبين أحكام صلاته في حالة السفر. ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحسن بن بشر، قال: ثنا المُعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء بن أبي رياح، عن عائشة ﵂ قالت: "قصر النبي ﵇ في السفر وأتمّ". ش: الحَسنُ بن بشر بن سلم البجلي الكوفي شيخ البخاري، والمُعافى بن عمران الأزدي أبو مسعود الموصلي، قال يحيى والعجلي وأبو حاتم: ثقة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي، ومغيرة بن زياد البجلي أبو هشام الموصلي قال وكيع: كان ثقة. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: شيخ لا يحتج بحديثه. وروى له الأربعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): نا المحاملي، نا سعيدُ بن محمد بن ثواب، ثنا أبو عاصم، ثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يَقصر في السفر ويُتم، ويفطر ويصوم". وقال الدارقطني: إسناده صحيح. وقال البيهقي بعد أن أخرجه في "سننه" (٢): وله شاهد من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف.

стр. 3084

ثم أخرج (١) من حديث عبيد الله بن موسى، نا دلهم بن صالح الكندي، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: "كنا نصلي مع النبي ﵇ إذا خرجنا إلى مكة أربعًا حتى نرجع". ومن حديث الكديمي (٢)، عن الخُرَيبي، عن المغيرة بن زياد عن عطاء، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقصر في السفر ويتم" وقال: وكذا رواه وكيع وغيرُه عن المغيرة. قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) بأتمّ منه: ثنا وكيع، قال: ثنا المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يُتم الصلاة في السفر ويقصر ويصوم ويفطر ويؤخر الظهر ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويُعجل العشاء". ص: فذهب قوم إلى أن المسافر بالخيار إن شاء أتم صلاته وإن شاء قصرها واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وبما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث، عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن مُنيَّة قال: "قلت: لعمر بن الخطاب ﵁: إنما قال الله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) فقد أمِن الناس. فقال: إني عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله ﵇، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا قلابة عبد الله بن زيد الجرْميَّ وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: القصر رخصة والمسافر مخيّر بين الإتمام، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور.

стр. 3085

وقال ابن قدامة في "المغني": المشهور عن أحمد أن المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أتم. وروى عنه أنه توقف وقال: أنا أحب العافية من هذه المسألة. وممن رُوي عنه الإتمام في السفر: عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة ﵃، وبه قال الأوزاعي والشافعي، وهو المشهور عن مالك. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الإتمام في السفر. وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وأوجب حماد الإعادة على من أتمّ. قوله: "وبما حدثنا أبو بكرة" أي واحتجوا أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أبي بكرة بكار الذي رواه عن رَوْح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن، بن عبد الله بن أبي عمار القرشي المكي، وكان يُلقّب بالقس؛ لعبادته، روى له الجماعة سوى البخاري، عن عبد الله بن باباه -ويقال بَابَيْ، ويقال: بابَيْه- المكي روى له الجماعة سوى البخاري، عن يَعْلى بن مُنَيّة وهي أمه، وهو يعلى بن أُميّة بن أبي عبيده أبو صفوان المكي أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنينًا وتبوك مع رسول الله ﵇، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم- قال إسحاق: أنا وقال الآخرون: ثنا- عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمّار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أُميّة قال: قلت لعمر بن الخطاب ... إلى آخره نحوه.

стр. 3086

أخرجه الأربعة (١) وابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢) ولفظه: "فاقبلوا رخصته". قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (٣) أي إثم وخطيئة، وقال الزمخشري: لما كانوا ألفوا الإتمامَ فكانوا مظنة لأن يخطروا ببالهم أن عليهم نقصانًا في القصر، فنفى الله عنهم الجناح؛ لتطيب أنفسهم بالقَصْر ويطمئنوا إليه وقرئ: "تقصروا" من أقصر، وقرأ الزهري: تقصّروا بالتشديد. والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصةً وهو قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) وأما في حال الأمن فبالسنّة، وسيجيء مزيد كلام في هذه الآية الكريمة عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: "صدقة" قال الجوهري: الصدقة ما تصدق به على الفقراء. ويستفاد منه أحكام: احتج به القوم المذكورين أن القصر رخصة وليس بعزيمة. قلنا: الحديث دليل لنا؛ لأنه أمر بالقبول فلا يبقى له خيار الردّ شرعًا؛ إذ الأمر للوجوب. فإن قيل: المتصدق عليه يكون مختارًا في قبول الصدقة كما في المتصدق عليه من العباد. قلنا: معنى قوله: "تصدق الله بها عليكم" حكم عليكم؛ لأن التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من الله. وفيه: جواز قول الرجل: تصدق الله علينا، واللهم تصدق علينا، وهذه النعمة صدقة الله تعالى، وقد كره ذلك بعض السلف وهو غلط ظاهر.

стр. 3087

وفيه: جواز القصر في غير الخوف وأن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل عملًا يُشْكِل عليه دليله يَسأله عنه، فافهم. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي له أن يزيد على اثنتين، وإن زاد تكون نفلًا، فإن أتم الصلاة فإن كان قعد في الثنتين من الظهر والعصر والعشاء قدر التشهد فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد منهما قدر التشهد فصلاته باطلةً. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: حماد بن أبي سليمان وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية ومالكًا في قولٍ؛ فإنهم قالوا: القصر عزيمة وليس برخصة حتلى لو أتمها ولم يقعد على آخر الثانية من ذوات الأربع مقدار التشهد تكون صلاته باطلة. وقال الجصاص في "أحكامه": فرض المسافر ركعتان إلا صلاة المغرب فإنها ثلاث، فإن صلى المسافر أربعًا ولم يقعد في الاثنتين فسدت صلاته وإن قعد فيها مقدار التشهد تمت صلاته، بمنزلة من صلى الفجر أربعًا بتسليمة، وهو قول الثوري. وقال حماد بن أبي سليمان: إذا صلى أربعًا أعاد. وقال الحسن: إذا صلى أربعًا متعمدًا أعاد إذا كان ذلك منه الشيء اليسير، فإذا طال في سفره لم يُعِدْ. قال: فإذا افتتح الصلاة على أنه يصلي أربعًا استقبل الصلاة حتى يبتدئها بالنية على الركعتين، وإن صلى ركعتين وتشهد ثم قام بَدا له أن يُتم فيصلي أربعًا أعاد، وإن نوى أن يصلي أربعًا بعد ما افتتح الصلاة على ركعتين ثم بدا له فسلم في الركعتين أجزأته وقال مالك: إذا صلى المسافر أربعًا فإنه يعيد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.

стр. 3088

وقال الأوزاعي: يصلي المسافر ركعتين، فإن قام إلى الثالثة وصلاّها فإنه يُلغيها ويسجد سجدتي السهو. وقال أبو عمر بن عبد البر: ذكر أبو الفرج عن مالك قال: ومن أتم في السفر أعادها مقصورة ما دام في وقتها إلا أن ينوي مقامًا فيعيدها كاملة ما دام في وقتها. قال: ولو صلى مسافر بمسافرين فسها فقام ليُتمها، فليجلسْ من وراءه حتى يسلموا بسلامه وعليه إعادة الصلاة ما دام في الوقت. قال القاضي أبو الفرج: أحسب أنه ألزم هذه الإعادة لأنه سبّح به فتمادى في صلاته عامدًا عالمًا بذلك، وأما إن كان ساهيا فلا وجه بالأمر بإعادته؛ لأنه بمنزلة مقيم صلى الظهر خمسا ساهيًا فلم يكن عليه إعادة، وذكر ابن خوازمنداد أن مالكًا قال: إن القصر في السفر مسنون غير واجب وهذا قول الشافعي. قال أبو عمر: في قول مالك: إن من أتم في السفر لم تلزمه الإعادة إلا في الوقت. دليل على أن القصر عنده ليس بفرض. وقد حكى أبو الفرج في كتابه عن أبي المصعب، عن مالك قال: القصر في السفر للرجال والنساء سنة. وقال أبو عمر: وهذا أصح ما في هذه المسألة عن مالك، وذلك أصح الأقاويل فيها من جهة النظر والأثر، وبالله التوفيق. انتهى. قلت: ذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار إلى، أن القصر واجب وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس ﵃، ورُوي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال الخطابي: والأولى أن يقصر المسافر الصلاة؛ لأنهم أجمعوا على جوازها إذا قصروا، واختلفوا فيها إذا أتم، والإجماع مقدم على الاختلاف.

стр. 3089

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من الحديثين اللذين ذكرناهما في أول هذا الباب: أن ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر الحوضيّ، قال: ثنا مُرجّى بن رجاء، قال: ثنا داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵁ قالت: "أولُ ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﵇ إلى المدينة صلى إلى كل صلاةٍ مثلها إلا المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى". فهذه عائشة ﵂ تخبر أن رسول الله ﵇ كان يصلي ركعتين ركعتين حتى قدم المدينة فصلى إلى كل صلاة مثلها، وقد كان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى، فأخبرت أنه كان يصلي في سفره كما كان يصلي قبل أن يؤمر بتمام الصلاة وذلك ركعتان، فذلك خلاف حديث فهدٍ الذي ذكرناه في الفَصْلِ الأول "أن رسول الله ﵇ أتمّ اصلاة في السفر وقصر". ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه على أهل المقالة الأولى في الذي احتجوا به على الآخرين من حديث عائشة وحديث يَعْلى بن منيّة: أن إبراهيم بن أبي داود البرلسي قد حدثنا، قال: ثنا أبو عمر حفص بن عمر الحوضيّ شيخ البخاري وأبي داود، ونسبته إلى حوض محلة بالبصرة، عن مُرجَّى بن رجاء اليشكري أبي رجاء البصري، فعن يحيى: ضعيف. وعن أبي زرعة: ثقة. واستشهد له البخاري بحديث واحد في أكل التمر يوم العيد. عن داود بن أبي هند أبي محمد البصري روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة ﵂ وأخرجه البيهقي (١): من حديث داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة

стр. 3090

قالت: "إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم نبيُّ الله ﵇ المدينة واطمأنَّ زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر النهار وصلاة الغداة لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى". وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": هو من رواية بكار بن عبد الله السَّيريني، وهو واهٍ. انتهى. قلت: طريق الطحاوي جيّد حسن. فإن قيل: كيف يكون جيدًا وقد ضعف يحيى مُرجّى بن رجاء. قلنا: فقد وثقه أبو زرعة، وقال أبو داود: صالح. واستشهد له البخاري وبهذا تثبت الجودة والحسن لحديثه، وهذا القدر كافٍ في الاحتجاج به. على أنه يُؤيده ما رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) بأسانيدهم، عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر". قوله: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين" قيل: معناه أي أول ما قُدِّرت قُدِّرت ركعتين، ثم تُركت صلاة السفر على هيئتها في المقدار لا في الإيجاب، والفرض في اللغة بمعنى التقدير. وقال أبو إسحاق الحربيُّ: إن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاةً قبل طلوعها، ويشهد له قوله سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٥). وقال يحيى بن سلام مثله.

стр. 3091

وقد كان الإسراء وفرض الصلوات الخمس قبل الهجرة بعام، فعلى هذا يُحمل قول عائشة ﵂ في رواية البخاري ومن معه: "وزيد في صلاة الحضر" أي زيد فيها حتى تكملت خمسًا، فتكون الزيادة في الركعات وفي عدد الصلوات، ويكون قولها: "فرضت الصلاة ركعتين" أي قبل الإسراء. وقد قال بهذا طائفة من السلف منهم ابن عباس، وقال بعضهم: لم يُوجَد هذا في أثر صحيح. وقال بعضهم: يجوز أن يكون معنى "فرضت الصلاة" أي ليلة الإسراء حين فرضت الصلوات الخمس فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك كما تشير إليه رواية الطحاوي هذه، وممن قاله هكذا: الحسن والشعبي فقالا: إن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة بعام أو نحوه. وقد قيل: فرضت الصلاة ركعتين يعني إن اختار المسافر أن يكون فرضه ركعتين فله ذلك، وإن اختار أربعًا فله ذلك. وقال الخطابي: هذا قول عائشة عن نفسها وليست برواية عن رسول الله ﵇ ولا حكايته عن قوله ﵇ وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك عن قوله، فيحتمل أن يكون الأمر في ذلك كما قالاه؛ لأنهما عالمان فقيهان قد شهدا زمان رسول الله ﵇ وصحباه، وإن لم يكونا شهدا أول زمان الشريعة وقت فرض الصلاة على النبي ﵇ فإن الصلاة فرضت علية بمكة، ولم تلق عائشة ﵂ رسول الله ﵇ إلا بالمدينة، ولم يكن ابن عباس ﵄ في ذلك الزمان مَنْ يعقل الأمور ويعرف حقائقها، ولا يَبْعد أن يكون قد أخذ هذا الكلام عن عائشة فإنه قد يفعل ذلك كثيرًا في حديثه، وإذا فتّشت عن أكثر ما يَرْويه كان ذلك سماعًا من الصحابة ﵃، وإذا كان كذلك فإن عائشة نفسها قد ثبت عنها أنها كانت تُتم في السفر فتصلي أربعًا.

стр. 3092

وقال النووي ﵀: معنى فرضت الصلاة ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وثبتت دلائل جواز الإتمام فوجب المصير إليها والجمع بين دلائل الشرع، ثم ذكر تتميم عائشة الصلاة في السفر، وكذلك عثمان، وقول عروة: إنها تأولت كما تأول عثمان ﵁. وقال: اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون أنهما رأيا القصر جائزًا والإتمام جائزًا فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام. وقيل: لأن عثمان ﵁ إمام المؤمنين وعائشة أمّهم فكأنهما في منازلهما. وأبطله المحققون بأن النبي ﵇ كان أولى بذلك منهما وكذلك أبو بكر وعمر ﵄. وقيل: لأن عثمان تأهل مكة، وأُبطل بأن النبي ﵇ سافر بأزواجه وقصر، وفيه نظر. وقيل: فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلا يظنون أن فرض الصلاة ركعتان ابتداءًا حضرًا وسفرًا. وأبطلوه بأن هذا المعنى كان موجودًا في زمن النبي ﵇ بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر مما كان. وقيل: لأن عثمان نوى الإقامة بمكة بعد الحج. وأبطلوه بأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاث. وقيل: كان لعثمان أرض بمنى. وأبطلوه بأن ذلك لا يقتضي الإتمام والإقامة. وقال أبو عمر: قول عائشة ﵂: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين" قولٌ ظاهر العموم والمراد به الخصوص، ألا ترَى أن المغرب غير داخلة في قوله:

стр. 3093

"فرضت الصلاة ركعتين ركعتين"، وكذلك الصبح؛ لأنه معلوم أن الصبح لم يَزد فيها ولم ينقص منها وأنها في الحضر والسفر سواء قوله: "فهذه عائشة تخبر ... " إلى آخره، أراد أن الذي يفهم من كلام عائشة أن الأصل في الصلاة هو ركعتان وأنه هو كان عزيمةَ، وأن الرجل إذا سافر يأخذ بتلك العزيمة ويرى القصر عزيمة كما كان في الأصل، ألا ترى كيف تقول عائشة: "وقد كان ﵇ إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى" يعني عاد إلى تلك العزيمة، فأخبرت أنه ﵇ كان يُصلّي في حالة السفر كما كان يصلي قبل أن يؤمر بإتمام الصلاة وهي ركعتان. قوله: "فذلك خلاف حديث فهد" أي ما روته عائشة خلاف ما رواه فهد، عن الحسن بن بشر، عن المعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة، أراد أن بين حديثي عائشة تخالف وتضادّ، ولم يذكر الطحاوي وجه التوفيق بينهما ولا وجه ترجيح أحدهما على الآخر، فنقول: إن حديث فهد لا يساوي حديث ابن أبي داود هذا؛ لأن في حديث فهد المغيرة بن زياد؛ وقد قال أبو زرعة وأبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه. وقال أحمد: مضطرب الحديث. فإن قيل: ففي حديث ابن أبي داود مُرجّى بن رجاء وهو أيضًا ضعيف عند قوم. قلت: هو فوق المغيرة بن زياد ولهذا استشهد به البخاري كما ذكرناه، ولئن سلمنا أنهما متساويان أو أن المغيرة فوق مُرجَّى بن رجاء، أو أن حديث فهد أصح من حديث ابن أبي داود، ولكن معناه قصر في الفعل وأتم في الحكم، كقول عمر- ﵁ في صلاة السفر: "ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم ﵇" فافهم. ص: وأما حديث يَعْلى بن مُنْيَة فإن أهل المقالة الأولى احتجوا بالآية المذكورة فيه، وهى قول الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا

стр. 3094

مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، قالوا: فذلك على الرخصة من الله لهم في التقصير لا على الحَتْم عليهم بذلك، وهي كما في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٢) فذلك على التوسعة منه لهم في المراجعة لا على إيجاب ذلك عليهم، فكان من حجتنا عليهم لأهل المقالة الأخرى أن هذا اللفظ قد يكون على ما ذكروا وقد يكون على غير ذلك، قال الله : ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣) وذلك على الحتم عند جميع العلماء؛ لأنه ليس حجَّ أو اعتمر مَنْ لا يطوف بهما، فلما كان نفي الجناح قد يكون على التخيير وقد يكون على الإيجاب؛ لم يكن لأحد أن يَحْمل ذلك على أحد المعنيين دون الآخر إلا بدليلٍ عليه من كتاب الله أو سنة أو إجماع. ش: بيان احتجاج أهل المقالة الأولى بالآية الكريمة المذكورة في حديث يعلى بن منية هو أن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١) دليل الرخصة؛ لأن لفظة: "لا جناح" تستعمل في المباحات والرُّخص دون الفرائض والعزائم، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (٤) فإن ذلك أيضًا على التوسعة والإباحة في المراجعة لا على الإيجاب واللزوم. وأشار إلى الجواب عن ذلك بقوله: "فكان من حجتنا عليهم" أي على أهل المقالة الأولى لأهل المقالة الثانية، وتقريره أن يقال: لا نُسلِّم أن لفظة: "لا جناح" تستعمل في المباحات دائمًا، وإنما هي تستعمل في الإباحة، وتستعمل في الإيجاب أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣)، فإن ذلك على الحتم والإيجاب عند جميع العلماء؛ لأنه ليس

стр. 3095

لأحد ممن يحج أو يعتمر أن يترك الطواف بهما، فإذا كان قوله: "لا جناح" دائرًا بين الإيجاب ونفيه؛ لم يكن لأحد أن يحمل معناه على الوجوب أو على عدم الوجوب إلا بدليل يدل عليه من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فنظرنا في ذلك؛ فوجدنا الآثار والأحاديث قد تواترت وتكاثرت بأنه ﵇ قد قصر الصلاة في أسفاره؛ فباتت قرينةً على أن نفي الجناح في الآية المذكورة على الإيجاب. ص: وقد جاءت الآثار المتواترة عن رسول الله بتقصيره في أسفاره كلها، فمما رُوي عنه في ذلك: ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن خُمَير، قال: سمعت حبيبَ بن عبيد يُحدِّث عن جبير بن نفير، عن ابن السمط قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "رأيتُ رسول الله ﵇ صلى بذي الحليفة ركعتين". ش: أي: قد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي ﵇ بأنه كان يقصر في الصلاة في جميع أسفاره. فمما روي عن النبي ﵇ في ذلك حديث عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن يزيد بن حميد بن يزيد الرحبي، أبي عمر الشامي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن حبيب بن عبيد الرحبي، أبي حفص الشامي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن جبير بن نفير -كلاهما بالتصغير- الحضرمي أبي عبد الله الشامي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن شرحبيل بن السمط الكندي، أبي السمط الشامي، مختلف في صحبته، ذكره في "الكمال" من التابعين، وكذا ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، روى له الجماعة سوى البخاري.

стр. 3096

وأخرجه مسلم (١): ثنا زهير بن حرب ومحمد بن بشار جميعًا، عن ابن مهدي- قال زهير: ثنا عبد الرحمن بن مهدي- قال: ثنا شعبة، عن يزيد بن خُمَير، عن حبيب بن عبيد، عن جُبير بن نفير قال: "خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلًا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﵇ يفعل". وحدثنيه (٢) محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة بهذا الإسناد وقال: عن ابن السمط ولم يُسمّ شرحبيل وقال: "إنه أتى أرضًا يقال لها دومين، من حمص على رأس ثمانية عشر ميلًا" وأخرجه النسائيُّ (٣) أيضًا. قوله: "بذي الحليفة" هي ميقات أهل المدينة وأهل الشام اليوم، بينها وبين المدينة ستة أميال، ويقال سبعة. وقد احتج به بعض الظاهرية أنه يجوز التقصير في السفر الطويل وقصيره. وقال ابن حزم: ومن خرج عن بيوت مدينته أو قريته أو موضع سكناه، فمشى ميلًا فصاعدًا صلى ركعتين، فإن مشى أقل من ميل صلى أربعًا. وقال القاضي عياض: ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذا إنما كان في ﵇، وهو مفسر في الأحاديث الصحيحة في تمام هذا الحديث عن أنسٍ وغيره، فإنما قصر في سفرٍ طويل، والله أعلم. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني سليمان، عن عمارة بن عمير أو إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: "صلينا مع رسول الله ﵇ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين،

стр. 3097

ومع عمر ركعتين، فليتَ حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان" حدثنا فهدٌ، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله مثله، غير أنه لم يذكر قول عبد الله: "فليت حظي ... " إلى آخر الحديث. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن عبد السلام، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم في السفر ويُفطِر ويصلي الركعتين لا يَدعهما" يعني لا يزيد عليهما. ش: هذه ثلاث أسانيد وهي صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن عُمارة بن عمير التَّيمي الكوفي روى له الجماعة. أو عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا عبد الواحد، عن الأعمش، قال: ثنا إبراهيم، قال: سمعمت عبد الرحمن بن يزيد يقول: "صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﵇ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بمنى ركعتين، فليتَ حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان". وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) أيضًا.

стр. 3098

قوله: "بمنى" وهي قرية تذبح بها الضحايا وترمى بها الجمرات. وقال أبو بكر الحازمي: هي تقع قرب مكة. وقال أبو نصر: موضع بمكة مقصور مذكر يُصرف، وقد امتنى القوم إذا أتوا منى. وقال ابن الأعرابي: أمنى القوم. وقال ابن خزيمة: ليست مني ولا عرفات من مكة بل هما خارجان من مكة. قلت: إذا وقع اسم مكة على جميع الحرم تكون مني من مكة؛ لأن مني داخل في الحرم، وإذا وقع على نفس البنيان المتصل بعضه ببعض خاصةً يكون منى خارجًا عنها؛ ولكن الأول أظهر، ولهذا الحرم كله قبلة لأهل الآفاق. وقال الكلبي: سميت مني لأنه مني بها الكبش الذي فُديَ به إسماعيل ﵇ فيكون من المنية، ويقال: سميت مني لما يمنى فيها من الشعر والدم. ويقال: إن جبريل ﵇ لما أتى آدم ﵇ بمنى قال له: تَمَنَّ. وقال أبو علي الفارض: لامه "ياء" من منيت الشيء إذا قدرته، وهي تذكر وتؤنث، فمن أنّثَ لم يجره ويقول هذه مني، وقال الفراء: الأغلب عليه التذكير. وذكره القزاز وصاحب الوافي وصاحب "الصحاح" في المعتل بالألف. وبين مني ومكة ثلاثة أميال، وبين مني والمزدلفة فرسخ وبين المزدلفة وبين عرفات فرسخ فتكون المزدلفة متوسطة بين مني وعرفات، وبين عرفات وبين مكة أربعة فراسخ، ويقال: الأصح ثلاثة فراسخ. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي ... إلى آخره.

стр. 3099

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عثمان بمنى أربعًا، فقال عبد الله: صليتُ مع النبي ﵇ ركعتين ومع أبي بكر ﵁ ركعتين ومع عمر- ﵁ ركعتين". الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد السلام بن حرب روى له الجماعة، عن حماد بن أبي سليمان أحد مشايخ أبي حنيفة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس النخعي، عن عبد الله. وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): عن محمد بن عبد الرحيم ومحمد بن سعيد كلاهما، عن روح بن عبادة ... إلى آخره، ولكنه اقتصر على حكم الصوم، وقال: هذا الحديث لا نعلم رواه عن عبد السلام هذا إلا ابن أبي عروبة ولا نعلم يُرْوَى عن عبد الله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. ص: حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "سافرت مع رسول الله ﵇ فأقام تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة (ح). وحدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن شُفَيِّ قال: "جعل الناسُ يسألون ابن عباس عن الصلاة، فقال: كان رسول الله ﵇ إذا خرج من أهله لم يصل إلا ركعتين حتى يَرْجع إليهم". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أقام حيث فتح مكة خمسَ عشرةَ يقصر الصلاة".

стр. 3100

ش: هذه أربعة أسانيد صحاح: الأول: عن محمد بن عمرو، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأخرجه الجماعة غير مسلم. فقال البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبو عوانة، عن عاصم، وحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أقام النبي ﵇ تسعة عشر يومًا يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدْنا أتممنا". وقال أبو داود (٢): نا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة -المعنى واحد- قالا: نا حفص، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة، قال ابن عباس: ومن أقام سبع عشرة قصرَ ومن أقام أكثر أتمّ". قال أبو داود (١): قال عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أقام تسع عشرة". وقال الترمذي (٣): وقد روي عن ابن عباس، عن النبي ﵇: "أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلّي ركعتين، قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة". وقال النسائي (٤): أنا عبد الرحمن بن الأسود البصري، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أقام بمكة خمس عشرة يصلي ركعتين ركعتين".

стр. 3101

وقال ابن ماجه (١): نا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، نا عبد الواحد ابن زياد، نا عاصم الأحول، عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أقام رسول الله ﵇[سبعة] (٢) عشر يومًا يصلي ركعتين ركعتين، فنحن إذا أقمنا [سبعة] (٣) عشر نصلي ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعًا". قوله: "فأقام تسعة عشر يومًا" أراد أنه أقام بمكة زمن الفتح كما هو مصرح في رواية أبي داود وقد جاء في رواية لأبي داود: "سبع عشرة" كما ذكرنا، وفي أخرى له "خمس عشرة" (٤) وفي أخرى له (٥) عن عمران بن حصين: "شهدت مع النبي ﵇ يوم الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين" وقال أبو داود: وأكثر الروايات "تسع عشرة". فإن قيل: ما التوفيق بين هذه الروايات؟ قلت: التوفيق بينها أن يكون من قال: "سبعة عشر يومًا" لم يعد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن قال "تسعة عشر" عدّهما، ومن قال: "ثمانية عشر" عدّ أحدهما. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام على أقوال: الأول: ما ذكره ابن حزم، عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا وضعت رحلك بأرض فأتم. وكذا أخرج ابن أبي شيبة "مصنفه" (٦) بسند صحيح عن عائشة وطاوس،

стр. 3102

وقال أيضًا: ثنا داود، عن عبد الأعلى، عن أبي العالية قال: "إذ اطمأن صلى أربعًا" يعني نزل. وعن ابن عباس (١) بسند صحيح مثله. الثاني: إقامة يوم وليلة حكاه ابن عبد البر عن ربيعة. الثالث: ثلاثة أيام، قاله ابن المسيب في قول. الرابع: أربعة أيام، روي ذلك عن الشافعي وأحمد، وروى مالك (٢)، عن عطاء الخراساني أنه سمع سعيد بن المسيب قال: "من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة، قال مالك: وذلك أحب ما سمعتُ إليَّ" قال أبو عمر: وإلى هذا ذهب الشافعي وهو قوله وقول أصحابه، وبه قال أبو ثور. وقال الشافعي: ولا يُحسب يوم ظعنه ولا يوم نزوله، وحكى إمام الحرمين عن الشافعي: أربعة أيام ولحظة. الخامس: أكثر من أربعة أيام، ذكره ابن رشد في "القواعد" عن أحمد وداود. السادس: (٣) إقامة اثنين وعشرين صلاةً، قاله ابن قدامة في "المغني" وهو مذهب أحمد. السابع: عشرة أيام، رُوي ذلك عن علي بن أبي طالب والحسن بن صالح ومحمد بن علي بن حسين. الثامن: اثني عشر يومًا، قال أبو عمر: روى مالك (٤) عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه كان يقول: "أقل صلاة المسافر ما لم يجمع مكثًا اثنتي عشرة ليلة".

стр. 3103

قال: وروي عن الأوزاعي مثله. ذكره الترمذي في "جامعه". التاسع: ثلاثة عشر يومًا، قال أبو عمر: روي ذلك عن الأوزاعي. العاشر: خمسة عشر يومًا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والليث ابن سَعْد. وحكاه ابن أبي شيبة (١) عن سعيد بن المسيب بسندٍ صحيح. وقال أيضًا (٢): ثنا وكيع، عن عمر بن ذر، عن مجاهد: "كان ابن عمر إذا أجمع على إقامة خمس عشرة صلى أربعًا". الحادي عشر: ستة عشر يومًا، روي ذلك عن الليث أيضًا. الثاني عشر: سبعة عشر يومًا، وهو قول الشافعي في قول. الثالث عشر: ثمانية عشر يومًا، وهو قول للشافعي أيضًا. الرابع عشر: تسعة عشر يومًا، قاله إسحاق بن إبراهيم فيما ذكره الطوسي عنه. الخامس عشر: عشرون يومًا، وبه قال ابن حزم. السادس عشر: يقصر حتى يأتي مصرًا من الأمصار، قال أبو عمر: قاله الحسن بن أبي الحسن، قال: ولا أعلم أحدًا قاله غيرُه. السابع عشر: إحدى وعشرون صلاة، ذكره ابن المنذر عن الإِمام أحمد. الثامن عشر: يقصر مطلقًا، ذكره أبو محمد النصري. التاسع عشر: قال ابن أبي شيبة (٣): ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة، عن ابن عباس قال: "إذا أقمتَ في بلد خمسة أشهر فقصر الصلاة".

стр. 3104

العشرون: قال أبو بكر (١): ثنا وكيع، قال: ثنا مسعر وسفيان، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عبد الرحمن قال: "أقمنا مع سعد بن مالك شهرين بعمان يَقْصر الصلاة ونحن نتم، فقلنا له، فقال: نحن أعلمُ". الحادي والعشرون: قال أبو بكر (٢): ثنا وكيع، ثنا شعبة، ثنا أبو التياح، عن أبي المنهال رجل من عنزة قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولًا لا أشد على سَيْر، قال: صلِّ ركعتين". الثاني والعشرون: روى أبو بكر (٣) بسند صحيح، عن سعيد بن جبير: "إذا أراد أن يقيم أكثر من خمسة عشر يومًا أتم الصلاة". الإسناد الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن سعيد بن شفيٍّ ذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن شفيٍّ قال: قلت لابن عباس: "إنا قومٌ كنا إذا سافرنا كان معنا من يكفينا الخدمة من غلماننا فكيف نصلّي؟ فقال: كان رسول الله ﵇ إذا سافر صلى ركعتين حتى يرجع، قال: ثم عدتُ فسألته، فقال مثل ذلك، ثم عدتُ، فقال لي بعض القوم: أما تعقل؟ أما تسمع ما يقول لك؟! ". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل ابن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق ... إلى آخره.

стр. 3105

الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن محمد بن إدريس بن يزيد الكوفي روى له الجماعة، عن محمد بن إسحاق المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، ومسلم في المتابعات، عن محمد بن مسلم الزهري عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود المدني أحد الفقهاء السبعة روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا النُّفَيْلي، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: "أقام رسول الله ﵇ عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة". وابن ماجه (٢): عن أبي يوسف بن الصيدلاني محمد بن أحمد، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس: "أن رسول الله ﵇ أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. وقال أبو داود (١): روى عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة ابن الفضل، عن ابن إسحاق هذا الحديث؛ لم يذكروا فيه ابن عباس. قلت: أشار بهذا إلى أن هذا الحديث اختلف عن ابن إسحاق، فروي عنه مسنذا وروي عنه مرسلًا، وقال البيهقي: الصحيح مرسل. قلت: الصحيح أنه مسند كما أخرجه الطحاوي والنسائي وابن ماجه، والله أعلم.

стр. 3106

ص: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين وأبو بكر ﵁ ركعتين، وعثمان ركعتين صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلاها بعد أربعًا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإِمام صلّى أربعً ا، وإذا صلى وحده صلى ركعتين". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يُحدّث عن ابن عمر ﵄ قال: "صليتُ مع رسول الله بمنى ركعتين ومع أبي بكر ﵁ ركعتين، ومع عمر ﵁ ركعتين، ومع عثمان ﵁ ركعتين ست سنين -أو ثمان- ثم أتمها بعد ذلك". ش: هذان طريقان صحيحان: أحدهما: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة شيخ الشيخين، عن أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي روى له الجماعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب روى له الجماعة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو أسامة، نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "صلى رسول الله ﵇ بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربعًا، فكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإِمام صلى أربعًا، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين".

стр. 3107

وأخرجه البخاري (١) والنسائي (٢) أيضًا. الثاني: عن سليمان بن شُعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي وثقه ابن حبان، عن شعبة، عن خُبَيبْ -بضم الخاء المعجمة- بن عبد الرحمن بن خُبَيبْ بن يساف الأنصاري المدني، روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة، عن عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه مسلم (٣): نا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، عن ابن عمر ﵄ قال: "صلى النبي ﵇ بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر وعثمان ثمان سنين، أو قال: ست سنين". قوله: "صدرًا" نصب على الظروف، وأراد به في أول خلافته، قال الجوهري: صدر كل شيء: أوله. قوله: "بعدُ" مبني على الضم، وأصله: بعد ذلك، فلما قطع عن الإضافة بني على الضم. ثم اعلم أن صلاة عثمان ﵁ بعد ذلك أربعًا كان اجتهادًا منه، وأخذ بالأفضل في زعمه؛ لأنه اعتقد واجبًا وفرضًا. وقال عمران بن حُصَين: "حججتُ مع عثمان سبعًا من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعًا، ولا خلاف أن هذا حكم الحاج من غير أهل مكة بمنى وعرفة يقصرون". وكذلك عند مالك حكم الحاج من أهل مكة يقصرون بعرفة ومنى كتقصيرهم مع النبي ﵇، وكذلك أهل عرفة ومنى بمكة، ولخطبة عمر- ﵁ أهل مكة بالتمام دونهم.

стр. 3108

وذهب أبو حنيفة والشافعي وجماعة من العلماء إلى أن أهل مكة بمنى وعرفة، وأهل عرفة ومنى بمكة يتمون كغير الحاج منهم؛ إذْ ليس في المسافة مدة قصر الصلاة. وقال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة شرفها الله تعالى يقصر الصلاة بها وبمنى وسائر المشاهدة لأنه عندهم في سفر؛ لأن مكة ليست دار الإقامة إلا لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها، فلذلك لم ينوِ رسول الله ﵇ الإقامة بها ولا بمنى. قال: واختلف العلماء في صلاة المكيّ بمنى. فقال مالك: يتم بمكة، ويقصر بمنى، وكذلك أهل مني يتمون بمنى ويقصرون بمكة وعرفات. قال: وهذه المواضع مخصوصة بذلك؛ لأن النبي ﵇ لما قصر بعرفة لم يميز مَنْ وَرَاءَهُ ولا قال: يا أهل مكة، أتموا وهذا موضع بيان؛ ولذلك قال عمر ﵁ بعده لأهل مكة: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْرٌ. قال: وممن روى عنه أن المكي يقصر بمنى طاوس والأوزاعي وإسحاق، قالوا: القصر سنة المواضع، وأتم بمنى ومكة مَنْ كان مقيمًا بهما. وقال أكثر أهل العلم -منهم عطاء والزهري، وهو قول الثوري، والكوفين، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور-: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات؛ لأنه ليس بينهما مسافة القصر. قالوا: وفي قول عمر بن الخطاب لأهل مكة: "أتموا صلاتكم" ما أغني أن يقول ذلك بمنى. واختلفوا في المسافة التي تُقصر فيها الصلاة، فقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: المسافة التي تُقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام ولياليهن بسَيْر الإبل ومشي الأقدام، وقال أبو يوسف: يومان وأكثر.

стр. 3109

الثالث: وهي رواية الحسن، عن أبي حنيفة، ورواية أبي سماعة عن محمد، ولم يريدوا به السَيْر ليلًا ونهارًا؛ لأنهم جعلوا النهار للسَيْر والليل للاستراحة، فلو سلك طريقًا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليها في يومٍ من طريق آخر قصر، ثم قَدَّروا ذلك بالفراسخ. فقيل: إحدى وعشرون فرسخًا. وقيل: ثمانية عشر وعليه الفتوى. وقيل: خمسة عشر فرسخًا إلى ثلاثة أيام، وعلى هذا عثمان بن عفان، وابن مسعود، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن بن حيّ، وأبو قلابة، وشريك بن عبد الله، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن عبد الله بن عمر. وعن مالك: لا يقصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي وذلك ستة عشر فرسخًا، وهو قول أحمد، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربع وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع: ست شعيرَات معترضات معتدلات. وذلك يومان وهو أربعة برد، هذا هو المشهور عنه، وعنه أيضًا: خمسة وأربعون ميلًا، وعنه: اثنان وأربعون ميلًا، وعنه: أربعون ميلًا، وعنه: ستة وثلاثون ميلًا. وقال ابن حزم: ذكر هذه الروايات عنه إسماعيل القاضي، قال: ورأى لأهل مكة خاصةً القصر إلى مني، فما فوقها وهي أربعة أميال. وللشافعي سبعة نصوص في المسافة التي تقصر فيها الصلاة: ثمانية وأربعون ميلًا، ستة وأربعون، أكثر من أربعين، أربعون يومان، ليلتان، يوم وليلة. وهذا الآخر قال به الأوزاعي. وقال أبو عمر: قال الأوزاعي: عامة العلماء يقولون به.

стр. 3110

وعن داود: يقصر في طويل السفر وقصيره. زاد ابن حامد: حتى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصّر. وزعم أبو محمد أنه لا يقصر عندهم في أقل من ميل، قال: ولا يجوز لنا أن نوقع اسم سفر وحكم سفر إلا على ما سمّاه به مَنْ هو حجة في اللغة سفرًا، فلم نجد ذلك في أقل من ميل. وروينا الميل أيضًا عن ابن عمر، رُوي عنه أنه قال: "لو خرجت ميلًا لقصرت". قال: وعنه: "إني لأسافر الساعة من النهار فأقصّر"، وعنه: "ثلاثة أميال". وعن ابن مسعود: "أربعة"، وعنه: "ثلاثة أميال". وفي "المحلى": عن أبي حذيفة: "لا يقصّر في نيف وستين ميلًا"، وعن شقيق ابن سلمة وسئل عن قصر الصلاة من الكوفة إلى واسط فقال: "لا تُقْصَر الصلاة في ذلك" وبينهما مائة وخمسون ميلًا. وعن الحسن بن حيّ: "لا يقصّر في أقل من اثنين وثمانين ميلًا". وعن ابن عمر: "اثنان وسبعون ميلًا". وعن الثوري: نحو نيفٍ وستين ميلًا، يتجاوز ثلاثة وستين ولا ينتقص عن أحد وستين. وعن أبي الشعثاء: ستة أميال. وعن ابن المسيب: بريدٌ. وقال ابن حزم: صحّ عن كلثوم بن هانئ وقبيصة بن ذؤيب وابن مُحيريز القصر في بضعة عشر ميلًا. وقال أبو بكر بن في شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن أبي هارون، عن أبي سعيد: "أن النبي ﵇ كان إذا سافر فرسخًا قصّر الصلاة".

стр. 3111

ثنا (١) هشيم، عن جُويبر، عن الضحاك، عن النزّال: "أن عليًّا ﵁ خرج إلى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين، ثم رجع من يومه وقال: أردتُ أن أعلمكم سنة نبيّكم". وكان حذيفة يصلي ركعتين فيما بين الكوفة والمدائن. وعن ابن عباس: يقصّر الصلاة في مسيرة يومٍ وليلةٍ. وعن ابن عمر وسُويد بن غفلة وعمر بن الخطاب: ثلاثة أميال. وعن أنس: "كان النبي ﵇ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -شعبةُ الشاكّ- قصر" رواه مسلم (٢). وعن الحسن: يقصّر في مسيرة ليلتين. وعن أبي الشعثاء: ستة أميال. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نَضْرة: "أن فتًى سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله ﵇ في السفر، فعدل إلى مجلس العَوَقة فقال: إن هذا الفتى سألني عن صلاة رسول الله ﵇ في السفر فاحفظوها عني، ما سافر رسول الله ﵇ سفرًا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة يصلي ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخراوين؛ فإنّا قومٌ سفرٌ. ثم غزا حُنين والطائف فصلى ركعتين ركعتين، ثم رجع إلى الجعْرانَة فاعتمر منها في ذي القعدة، ثم غزوت مع أبي بكر- ﵁ وحججتُ واعتمرتُ، فصلى ركعتين ركعتين، ومع عمر ﵁ فصلى ركعتين ركعتين، ومع عثمان ﵁ صدرًا من إمارته فصلى ركعتين ركعتين، ثم إن عثمان ﵁ بعد ذلك صلى أربعًا بمنى".

стр. 3112

ش: رجاله ثقات، غير أن علي بن زيد بن جدعان البصري المكفوف فيه مقال؛ فعن أحمد: ليس بالقوى. وعن يحيى: ضعيف، وعنه: ليس بحجة. وقال العجلي: كان يتشيع، لا بأس به. وقال الجوزجاني: واهي الحديث، ضعيف، فيه ميل عن القصد، لا يحتج بحديثه. روى له مسلم -مقرونًا بثابت البناني- والأربعة. وأبو نضرة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة اسمه المنُذر بن مالك العَبدي ثم العَوقي البصري روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا حماد بن سلمة، أنا علي بن زيد، عن أبي نضرة ... إلى آخره نحوه. ثم قال (٢): وحدثنا يونس بن محمد بهذا الحديث وزاد فيه: "إلا المغرب، ثم يقول: يا أهل مكة قوموا ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٣) مختصرًا: نا موسى بن إسماعيل، نا حماد. وحدثنا إبراهيم بن موسى، أنا ابن علية -وهذا لفظه- أنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين قال: "غزوتُ مع رسول الله ﵇، وشهدتُ معه الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلةً لا يُصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد، صلوا أربعًا فإنا سَفْر" وأخرجه الترمدي (٤): نا أحمد بن مَنيع، قال: نا هشيم، قال: أنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة قال: "سُئل عمران بن حصين عن صلاة المسافر، فقال: حججتُ مع رسول الله ﵇ فصلى ركعتين، وحججت مع

стр. 3113

أبي بكر ﵁ فصل ركعتين، ومع عمر ﵁ فصلى ركعتين، ومع عثمان ﵁ -ستَّ سنين من خلافته أو ثمان سنين- فصلى ركعتين". قال: أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الطبرانيُّ في "معجمه" (١)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢)، وإسحاق بن راهويه، والطيالسي (٣)، والبزار (٤) في "مسانيدهم". قوله: "إلي مجلس العَوَقَة" أي إلى مجلس فيه عوَقةٌ وهم بطن من عبد القيس، وهو بفتح العين المهملة والواو والقاف. قوله: "فإنا قومٌ سَفْرٌ " بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر كصحب جمع صاحب ويجمع على أسفار أيضًا، والسَفْر والمسافرون بمعنى واحدٍ. قوله: "ثم غزا حنين" وهو موضع يُذَكَّر ويؤنث، فإن قصدت به البلد والموضع ذكّرتَه وصرفته كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ (٥)، وإن قصدت به البلدة أو البُقْعَة أنّثْته ولم تصرّفه، وقال أهل السيرة: حنين وادٍ بينه وبين مكة ثلاثة أميال. وغزوة حنين هي غزوة هوازن، وكانت بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان من الهجرة، وكان الفتح لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه ﵇ إليهم بخمس عشرة ليلة، وكانت غزوة الطائف بعد فراغه ﵇ من حنين. قوله: "إلي الجعرانة" عمرة الجعرانة: كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف، وقسّم غنائم حنين في السنة الثامنة من الهجرة، والجعرانة: موضع قريب من

стр. 3114

مكة، وهي من الحل، وميقات للإحرام، وهي بتسكين العين والتخفيف في الراء، وقد تكسر العين وتشدد الراء. وبهذا الحديث أستدل أصحابنا أن المسافر لا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلد أو قرية خمسة عشر يومًا أو أكثر، وإن نوى أقل من ذلك قصّر، فإن قيل: استدلالكم بهذا لا يتم. قلت: استدلالنا بهذا أن المسافر إفا دخل بلدًا أو قويةً لا يزال على حكم السفر ما لم ينو الإقامة. وأما تعيين المدة بخمسة عشر يومًا، فلما روى الطحاوي عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ قالا: "إذا اقدمت بلدةً وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر ليلةً فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فأقصرها". وبما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن عمر بن ذر، عن مجاهد: "أن ابن عمر ﵄ كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يومًا؛ أتم الصلاة". وبما رواه محمد بن الحسن في كتابه "الآثار" (٢): عن أبي حنيفة، عن موسى ابن مسلم، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: "إذا كنت مسافرًا فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فأقصر". ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخَصيبُ بن ناصح، قال: ثنا وُهَيْبٌ، عن ابن جريج (ح). وحدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب، قال: ثنا عمّي، قال: حدثني عمرو بن الحارث، وأسامة بن زيد، وابن جريج أن محمد بن المنكدر حدثهم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صلّى رسول الله ﵇ الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين".

стр. 3115

حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا وُهَيْب، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا مُبَشّر بن الحسن، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعتُ أنس بن مالك ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ركعتين، حتى رجع، قلت: كم أقمتم؟ قال: عشرًا". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن أبي إسحاق ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر سؤاله لأنس ﵁. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكَيرْ، قال: ثنا اللَّيْثُ: أن بكُيْرًا حدثه، عن محمد بن عبد الله بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صلينا مع رسول الله ﵇ بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان ركعتين شطر إمارته ثم أتمها بعد ذلك". ش: هذه سبع طرق صحاح: الأول: عن نصر بن مرزوق أبي الفتح العُتْقي، عن الخصِيب بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، عن وهيب بن خالد البصري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن محمد بن المنكدر، عن أنس. وأخرجه الجماعة غير ابن ماجة. فقال البخاري (١): ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن مَيسرة، عن أنس قال: "صليت الظهر مع النبي ﵇ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين".

стр. 3116

وقال مسلم (١): ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا سفيان، قال: نا محمد بن المنكدر إبراهيم بن مَيْسرة، سمعا أنس بن مالك يَقولُ: "صليتُ مع رسول الله ﵇ الظهر بالمدينة أربعًا، وصليتُ معه العصر بذي الحليفة ركعتين". وقال أبو داود (٢): ثنا زهير بن حرب، نا ابن عُيَيْنة، عن محمد بن المنكدر، إبراهيم بن مَيْسرة، سمعا أنس بن مالك ... إلى آخره نحو رواية مسلم. وقال الترمذي (٣): ثنا قتيبة، قال: نا ابن عيينة ... إلى آخره نحوه. وكذا أخرجه النسائي (٤). قوله: "بذي الحليفة" قد ذكرنا أنها ميقات أهل المدينة والشام اليوم، بينها وبين المدينة ستة أميال ويقال: سبعة. وهذا مما احتج به أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن المراد به حين سافر ﵇ إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم سافر، فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة فصلاها ركعتين، وليس المراد أن ذا الحليفة عامّة سفره، فلا دلالة فيه قطعًا. وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يفارق بنيان بلده أو خيام قومه إن كان من أهل الخيام، هذا مذهب العلماء كافة إلا رواية ضعيفة عن مالك أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال، وحكي عن عطاء وجماعة من أصحاب ابن مسعود أنه إذا أراد السفر قصر قبل خروجه. وعن مجاهد أنه لا يقصر في يوم خروجه حتى يدخل الليل. الثالث: عن أحمد بن عبد الرحمن بَحْشَلْ، عن عمه عبد الله بن وهب، عن

стр. 3117

عمرو بن الحارث المصري وأسامة بن زيد وعبد الملك بن جريج، ثلاثتهم عن محمد بن المنكدر، عن أنس ﵁. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن معمر، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أُخبرت عن محمد بن المنكدر، عن أنس قال: "صلى رسول الله ﵇ صلاة الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما أصبح ركب ناقته واستوت راحلته قائمة أَهَلّ". وثنا محمد بن معمر، نا روح بن عبادة، نا أساعة بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن أنس قال: "صلى رسول الله ﵇ الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بالعقيق ركعتين". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال البصري روى له الجماعة، عن وُهَيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا وهيب بن خالد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "صلى النبي ﵇ الظهر بالمدينة أربعًا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين وبات بها حتى أصبح فلما صلى الصبح، ركب راحلته، فلما انبعثت به سبَّح وكبّر حتى استوت به البيداء، ثم جمع بينهما، فلما قدمنا مكة أمرهم رسول الله ﵇ أن يحلوا، فلما كان يوم التروية أهلوا بالحج، ونحر رسول الله ﵇ سبع بدنات بيده قائمًا، وضحى رسول الله ﵇ بالمدينة بكبشين أقَرنيْن أملحين". وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: ثنا خلف بن هشام، وأبو الربيع الزَهراني وقتيبة بن سعيد، قالوا: نا حماد -وهو ابن زيد-.

стр. 3118

وحدثني زهير بن حرب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: نا إسماعيل كلاهما عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﵇ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين". الرابع: عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم ابن مَيْسرة، عن أنس، عن النبي ﵇. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك قال: "صليت مع النبي ﵇ الظهر بالمدينة أربعًا، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين". وأخرجه البخاري (١) نحوه وقد ذكرناه. الخامس: عن مُبشر بن الحسن بن مُبَشّر بن مُكسّر القَيْسي أبي بشر البصري، وثقه ابن يونس، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي -وقد تكرر ذكره- عن شعبة، عن يحيى بن أبي إسحاق الحَضْرمي البصري روى له الجماعة، عن أنس ﵁. وأخرجه الجماعة: فقال البخاري (٢): ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: نا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنسًا يقول: "خرجنا مع النبي ﵇ عن المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا". وقال مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ من المدينة

стр. 3119

إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا". وقال أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم -المعنى- قالا: أنا وُهَيْب، نا يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ من المدينة إلى مكة، فكان يُصلّي ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. فقلنا: هل أقمتم بها شيئًا؟ قال: أقَمْنا بها عشرًا". وقال الترمذي (٢): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يحيى بن أبي إسحاق، قال: أنا أنس بن مالك قال: "خرجنا مع النبي ﵇ من المدينة إلى مكة، فصل ركعتين. قال: قلت لأنس: كم أقام رسول الله ﵇ بمكة؟ قال: عشرًا". قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح. وقال النسائي (٣): أنا حُمَيد بن مسعدة، قال: أبنا يزيد، قال: أبنا يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس بن مالك قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ من المدينة إلى مكة، فكان يصلّي بنا ركعتين حتى رجعنا. قلت: هل أقام بمكة؟ قال: نعم، أقمنا بها عشرًا". وقال ابن ماجه (٤): ثنا نصر بن علي الجهضمي، نا يزيد بن زريع وعبد الأعلى، نا يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ من المدينة إلى مكة نصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا. قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشْرًا". قوله: "خرجنا مع رسول الله ﵇" أي من المدينة إلى مكة كما هو مفسر في رواية غيره.

стр. 3120

قوله: "فجعل يصلي" أي فجعل رسول الله ﵇ يصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والعشاء ركعتين، فوقع قوله: "ركعتين" في رواية الطحاوي مكررًا ثلاث مرات، وفي رواية غيره مرتين، وفي رواية النسائي مرة واحدة. قوله: "قلت: كم أقمتم؟ " القائل هو يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، أي كم يوم أقمتم بمكة. قوله: "قال: عشرًا" أي عشر ليال، وهذا الحديث حجة على الشافعي في تقديره مدة الإقامة بأربعة أيام؛ لأنه يخبر عن مدة مقامه ﵇ بمكة في حجة الوداع فإنه دخل مكة في صبح رابعة من ذي الحجة وهو يوم الأحد، وخرج صبح يوم الأربعاء الرابع عشر. ولا يقال: يحتمل أنهم عزموا على السفر في اليوم الثاني أو الثالث، واستمر بهم ذلك إلى عشر؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فتعين أنهم نووا الإقامة أكثر من أربعة أيام لأجل قضاء النسك، نعم كان يَسْتقيم هذا أن لو كان الحديث في قصة الفتح. والحاصل: أن ها هنا حديثان: أحدهما: حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ أقام بمكة تسع عشرة يقصر الصلاة". رواه البخاري (١)، وكان في الفتح، صرح بذلك في بعض طرقه "أقام بمكة عام الفتح". والآخر: حديث أنس هذا وكان في حجة الوداع. وقال الحافظ المنذري في "حواشيه": حديث أنس يُخْبر عن مدة مقامه ﵇ بمكة شرفها الله تعالى في حجة الوداع، فإنه دخل مكة في صبح رابعة من ذي
следующие страницы →