قلت: فلوجود الاختلاف المذكور أخرجه الطحاوي بالاختلاف، فقال في الطريق الأول: عن رجل من بني عامر، وفي الثاني: عن رجل من قومه، وفي الثالث: عن رجل، عن النبي ﵇، وفي الرابع: عن شيخ من بني قشير، عن عمّه، وفي الخامس: عن أنس بن مالك من بني عبد الله بن كعب بن مالك، وفي السادس: عن رجل من بني بَلْحريش، عن أبيه، وفي السابع: حدثني أبو أمية.
أما الأول: فإسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن رَوْح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجزمي، عن رجل من بني عامر ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا موسى بن هارون والحسن بن إسحاق التُّسْري، قالا: ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر يقال له: أيوب، قال لي أبو قلابة: هو حي فالقَه واسمع. قال أيوب: فلقيتُ العامري فحدثني: "أن رسول الله ﵇ بعث خيلًا فأغارت على إبل جارٍ لنا فذهبت بها، فانطلق في ذلك -إما قال أبي، وإما قال عمّي، أو قال قرابةٌ قريبةٌ منه- فأتى رسول الله ﵇ في ذلك، قال: فأتيته وهو يأكل، فقال: هلم للغداء. فقلت: إني صائم. قال: هَلُمّ أحدثك عن ذلك؛ إن الله وضع عن المسافر الصيام وشطر الصلاة، وعن الحبلى -أو قال: المرضع- وأمر بالإبل فرُدّت، فكان إذا حدّث بهذا الحديث تَلهَّف ويقول: ألا كنتُ أكلتُ من طعام رسول الله ﷺ .
قوله: "وهو يَطعم" جملة حالية من طَعِم يَطْعَمُ طُعْمًا فهو طَاعم إذا أكل أو ذاق، مثل غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْمًا فهو غانم، قال الله تعالى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣) أي من لم يذقه.
стр. 3152
قوله: "هَلُمَّ" بفتح الميم، معناه: تعال، قال الخليل: أصله لُمَّ من قولهم لمَّ الله شعثه أي جمعه، كأنه أراد لم نفسك إلينا، وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين: هَلمّا، وللجمع: هَلمّوا، وللمرأة: هلمِّي، وللنساء هلممن، والأول أفصح، وقد توصل بالكلام فيقال: هلم لك وهلم لكما.
قوله: "ادن" أي تقرَّب من دنا يدنو.
قوله: "فإن الله وضع شطر الصلاة" أي أسقط نصف الصلاة الرباعية عن المسافر تخفيفًا، وأسقط الصوم عن الحبُلى والمرضع خوفًا على ولدهما، ولكن أسقط عن المسافر لا إلى خلف بخلاف الحبلى والمرضع، فإن الصوم يسقط عنهما عند الخوف على ولدهما إلى خلفٍ وهو القضاء.
و"المرضع" من أرضعت المرأة ولدها.
قال الجوهري: وامرأة مرضع أي لها ولدٌ ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد قلتَ: مُرضعة، وهو من رَضِعَ الصبيُّ أمّه يَرضَعُها رِضَاعًا مثل سَمِع يَسْمع سَمَاعًا، وأهل نجد يقولون: رَضَعَ يَرْضِعُ مثل ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا.
وأما الثاني: فإسنادة صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجُريري -بضم الجيم- البصري، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري البصري، عن رجل من قومه وهو أنس بن مالك القشيري، وأراد بقومه: بني عامر.
وأخرجه النسائي (١): أنا سُويدٌ، قال: أنا عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي العلاء بن الشخير، عن رجلٍ نحوه.
وأما الثالث: فإسناده جيد حسن، عن نصر بن مرزوق، عن نعيم بن حماد ابن معاوية المروزي الفارض الأعور، عن عبد الله بن المبارك أحد الأئمة الأعلام،
стр. 3153
عن خالد بن مهران الحذاء البصري، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد التابعين الأعلام، عن رجل ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أنا سُوَيد بن نصر، أنا عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن رجلٍ قال: "أتيت النبي ﵇ لحاجة، فإذا هو يتغدى، قال: هلمّ إلى الغداء. فقلت: إني صائم. قال: هلمّ أخبرك عن الصوم؛ إنه وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم، ورخص للحبلى والمرضع".
قوله: "فريضة الصلاة" أراد به الفريضة التي قررت في الحضر وهي الركعتان في ذوات الأربع، وليس المراد منه أنه وضع أصل الفريضة.
قوله: "والصومَ" بالنصب عطفًا على المضاف في قوله: "فريضة الصلاة"، والمعنى: وضع الصوم في السفر تخفيفًا، بمعنى أسْقَط إمساكه إلي خلف لا أنه أسقط أصل الصوم.
وأما الرابع: ففيه مجهول، عن نصر بن مرزوق، عن نُعَيْم بن حماد، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن شيخ من بني قشير، عن عمه وهو أنس بن مالك.
وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن حاتم، قال: أنا حبان، قال: أنا عبد الله، عن ابن علية، عن أيوب، عن شيخ من قشير، عن عمه، حدثنا ثم ألفيناه في إبل، فقال له أبو قلابة: حدثه. فقال الشيخ: حدثني عمي: "أنه ذهب في إبل له فانتهى إلى النبي ﵇ وهو يأكل -أو قال: يطعم- فقال: ادن فَكُلْ -أو قال: ادن فاطعم- فقلت: إني صائم. فقال: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام، وعن الحامل والمرضع".
стр. 3154
قوله: "ثم لقيناه" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى "شيخ" وكذلك في "له"، فافهم.
وأما الخامس: فإسنادُه حسن لا بأس به، عن نصر بن مرزوق، عن نعيم بن حماد، عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن سليم الراسبي، ضعفه البخاري، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس كذلك. وقال النسائي: ليس بالقوي، وعن يحيى: صدوق. عن عبد الله بن سوادة القشيري روى له الجماعة سوى البخاري، عن أنس بن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا أبو هلال الراسبي، قال: نا ابن سوادة القشيري، عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب إخوة بني قشُير قال: "أغارت علينا خيل رسول الله ﵇ فأنتهيت -أو قال: فانطلقت- إلى رسول الله ﵇ وهو يأكل، فقال: اجلس، فأصب من طعامنا هذا. فقلت: إني صائم. فقال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصيام، إن الله وضع شطر الصلاة -أو نصف الصلاة- والصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى. والله لقد قالهما جميعًا أو إحداهما، قال: فتلهفت نفسي ألا أكون أكلت من طعام رسول الله ﵇".
وأخرجه الترمذي (٢): نا أبو كريب ويوسف بن عيسى، قالا: ثنا وكيع، قال: نا أبو هلال، عن عبد الله بن سوادة، عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب قال: "أغارت علينا خيل رسول الله ﵇، فأتيتُ رسول الله ﵇ فوجدته يتغدى، فقال: ادْن فَكُلْ. فقلتُ: إني صائم. فقال: ادْن أحدثك عن الصوم أو الصيام، إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام. والله لقد قالهما النبي ﵇ كليهما أو إحداهما، فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي ﵇".
стр. 3155
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالا: نا وكيع، عن أبي هلال، عن عبد الله بن سوادة، عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الأشهل وقال على بن محمد: من بني عبد الله بن كعب، قال: "أغارت علينا خيلُ رسول الله ﵇ ... " إلى آخره نحوه.
قوله: "من بني عبد الله بن كعب" وقيل: من بني عقيل بن كعب، وقيل: من بني عبد الأشهل كما في رواية ابن ماجه، وقيل: من بني عبد الله بن كعب إخوة بني قشير كما في رواية أبي داود.
قال ابن الأثير: قولهم: إن كعبًا أخو قشير ليس كذلك، فكعب هو أبو قشير، فإنه قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فكيف يقولون: إن كعبًا أخو قشير، والذي جاء في إسناد أبي داود أنه من بني عبد الله بن كعب إخوة قشير فصحيح؛ لأن قشيرًا وعبد الله أَخَوَانِ، وكعب أبو قشير، فقولهم: قشيري وكعبي كقولهم: عباسيّ وهاشمي، وكقولهم: سَعْدي وتميمى، فهاشم جد للعباس وتميم جد لسعد، والله أعلم.
قوله: "أغارت" من أَغَارَ يُغِيرُ إذا أَسْرع في العدو.
و"الخيل": الفرسان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٢) أي بفرسانك ورَجّالتك.
وأما السادس: ففيه مجهول، عن أبي بكرة بكار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق كلاهما، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن هانئ بن عبد الله بن الشخير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش العامري الجَرشي البصري، وثقه ابن حبان، عن رجل من بَلْحريش، عن أبيه قال: "كنا نسافر ... " إلى آخره.
стр. 3156
وأخرجه النسائي (١): أنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام، قال: نا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "من بلحريش" أصله من بني الحريش كما يقال في بني الحارث: بلحارث؛ وذلك لأن "النون" و"اللام" قريبا المخرج، فلما لم يمكنهم الإدغام لسكون "اللام" حذفوا "النون" كما قالوا: ظلَّت، وكذلك يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها "لام" المعرفة نحو بلْعَنْبر وبَلْهُجيم، فأما إذا لم تظهر "اللام" فلا يكون ذلك، وأراد بالرجل المذكور: ابن أنس بن مالك الكعبي المذكور في الروايات السابقة، وذكر ها هنا أنه من بني الحريش؛ لأن بني الحريش قبيلة من بني عامر.
وقال ابن الأثير: أنس بن مالك الكعبي، ويقال له: القُشَيري، والعقيلي، والحرشي، والعامري.
قلت: فلذلك وقع الاختلاف في نسبته والله أعلم، ولذا أيضًا قال ها هنا: عن رجل من بلحريش، عن أبيه، وفي رواية: عن شيخ من بني قشير، عن عمه كما ذكرت فيما مضى، وقد أشار إليه صاحب "التكميل" بقوله: عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبيه أو عن عمه، والله أعلم.
وأما السابع: فإسناده صحيح، عن محمد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي روَى له الجماعة، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، عن أبي أمَية هو أنس بن مالك الكعبي المذكور، وقد قلنا: إنه يكنى بأبي أمية، وأبي أميمة وأبي مَيَّة.
وأخرجه البغوي في "معجم الصحابة" (٢): ثنا شيبان، نا أبان العطار، عن
стр. 3157
يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أمية: "أنه قدم على رسول الله ﵇ من سفر، فلما أراد أن يرجع قال له رسول الله ﵇: ألا تنتظر الغداء؟ قال: إني صائم. ثم قال: ألا أخبرك عن المسافر، إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة"
وقال البغوي في باب "الكنى" منه: أبو ميّة، ويقال: أبو أمية، ويقال: إنه عمر بن أمية، والله أعلم.
وقال البيهقي (١) بعد أن أخرج الحديث المذكور: أبو أمية هو أنس بن مالك القشيري الكعبي.
وقيل: الظاهر أن هذا وهمٌ من البيهقي؛ لأن النسائي (٢) صرّح في روايته بأبي أمية عمرو بن أمية الضمري حيث قال: أخبرني عَبْدَة بن عبد الرحيم، عن محمد بن شعيب، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: أخبرني عمرو بن أمية الضمري قال: "قدمتُ على رسول الله ﵇ من سفر، فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية. فقلت: إني صائم. فقال: تعال، ادْن مني حتى أخبرك عن المسافر، إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة".
أخبرني عمرو بن عثمان (٣)، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه قال: "قدمتُ على رسول الله ﵇، فقال لي رسول الله ﵇: ألا تنتظر الغداء يا أبا أمية؟ قلت: إني صائم. قال: تعال، أخبرك عن المسافر؛ إن الله وضع عنه -يعني- الصيام ونصف الصلاة".
стр. 3158
أنا إسحاق بن منصور (١)، قال: أنا المغيرة، قال: نا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن أبي أمية الضمري قال: "قدمتُ على رسول الله ﵇ من سفر، فسلمتُ عليه، فلما ذهبتُ لأخرج قال: انتظر الغداء يا أبا أمية. قلتُ: إني صائم يا نبي الله. قال: تعال أخبرك عن المسافر؛ إن الله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة".
أنا أحمد بن سليمان (٢)، قال: أنا موسى بن مروان، قال: ثنا محمد بن حرب، عن الأوزاعي قال: أخبرني يحيى، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني أبو المهاجر، قال: حدثني أبو أمية -يعني الضمرى-: "أنه قدم على النبي ﵇ ... " فذكر نحوه.
أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق (٣)، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني أبو قلابة الجرمي، أن أبا أُميّة الضمري حدثهم: "أنه قدم على رسول الله ﵇ من سفر فقال: انتظر الغداء يا أبا أمية. قلت: إني صائم. قال: إذًا أخبرك عن المسافر؛ إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة".
قلت: ليس هذا بِوَهْمٍ من البيهقي لأنه يجوز أن يكون الحديث مرويًّا عن كليهما، أعني أبا أميّة أنس بن مالك القشيري، وأبا أمية عمرو بن أمية الضمري، على أنه قد قيل: إن أبا أمية -فيما رواه الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي قلابة- قد يحتملُ الوجهين؛ يحتمل أن يكون أنس بن مالك القشيري، ويحتمل أن يكون عمرو بن أمية الضمري على ما أشار إليه أبو القاسم البغوي، فافهم، والله أعلم.
стр. 3159
ص: فهذه الآثار التي رويناها عن رسول ﵇ تدلّ على أن فرض المسافر ركعتان، وأنه في ركعتّيْه كالمقيم في أربعته، فكما ليس للمقيم أن يزيد في صلاته على أربعته شيئًا فكذلك ليس للمسافر أن يزيد في صلاته على ركعتيه شيئًا.
ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها عن عبد الله بن عباس، وعمر ابن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعائشة الصِّديقة، وأنس بن مالك القشيري وعمرو بن أمية الضمري على احتمال، فإن أحاديث هؤلاء تدلّ صريحًا على أن فرض المسافر ركعتان، وأن الركعتين في حقه كالأربع في حق المقيم، فكما لا يجوز للمقيم أن يزيد على الأربع فكذلك لا يجوز للمسافر أن يزيد على الركعتين إلا تطوعًا، فافهم، فإذا كان فرضه ركعتين؛ تفسد صلاته بترك القعدة على رأس الركعتين، كما تفسد صلاة المقيم بتركه القعدة الأخيرة.
فعلم من ذلك أن القصر عزيمة، والإكمال رخصة، وقد قال بعض أصحابنا: هذا التلقيب على أصلنا خطأ؛ لأن الركعتين من ذوات الأربع في حق المسافر ليستا قصرًا حقيقة عندنا، بل هما تمام فرض، والإكمال ليس برخصة في حقه بل هو إساءة ومخالفة للسنة.
كذا رُوي عن أبي حنيفة أنه قال: مَنْ أتم الصلاة في السفر؛ فقد أَثِمَ وأساء وخالف السنة؛ وهذا لأن الرخصة اسم لما تغيّر عن الحكم الأصلي بعارض إلى تخفيف ويُسْر -ما عرف في الأصول- ولم يوجد معنى التغيير في حق المسافر رأسًا؛ إذ الصلاة في الأصل فرضت ركعتين في حق المسافر والمقيم جميعًا، ثم زيدت في حق المقيم ركعتان وأقرت الركعتان على حالهما في حق المسافر كما كانتا في الأصل، فعدم معنى التغيير في حقه أصلًا، وفي حق المقيم وُجد التغيير لكن إلى الغلظ والشدة لا إلى السهولة واليسر، فلم يكن ذلك أيضًا رخصةً في حقه حقيقة، فإن سمّي فإنما سمي مجازًا لوجود بعض معاني الحقيقة، وهو التغيير.
стр. 3160
ص: وكان النظر عندنا في ذلك أنَّا رأينا الفروض المجتمع عليها لابد لمن هي عليه من أن يأتي بها ولا يكون له خيارٌ في أن لا يأتي بما عليه منها، وكان ما أُجْمِع عليه: أن للرجل أن يأتي به إن شاء، وإن شاء لم يأت به، فهو التطوع، إن شاء فعله، وإن شاء تركه، فهذه هي صفة التطوع، وما لا بد من الاتيان به فهو الفرض، وكانت الركعتان لابد من المجيء بهما وما بعدهما ففيه اختلاف، فقوم يقولون: لا ينبغي أن يؤتى به، وقومٌ يقولون: للمسافر أن يجيء به إن شاء وله أن لا يجيء، فالركعتان موصوفتان بصفة التطوع، فهو تطوع، فثبت بذلك أن المسافر فرضه ركعتان، وكان الفرض على المقيم أربعًا فيما يكون فرضه على المسافر ركعتين، فكما لا ينبغي للمقيم أن يصلي بعد الأربع شيئًا بغير تسليم، فكذلك لا ينبغي للمسافر أن يُصلّي بعد الركعتين شيئًا من غير تسليم.
فهذا هو النظر عندنا في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: ملخص هذا: أن ما كان فرضًا بالإجماع لا بد من إتيانه كله وليس له خيار في تركه، وما كان تطوعًا بالإجماع فله الخيار فيه إن شاء أتى به وإن شاء تركه، والركعتان من الرباعية لابد للمسافر من الإتيان بهما بالإجماع وما بعدهما من الآخريين فيه خلاف:
فقدم يقولون: لا ينبغي أن يؤتى به -وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأصحابه- فإن أتى به يكون نفلًا.
وقوم يقولون: له أن يجيء به إن شاء وإن شاء لا يجيء به، وأراد بهم: عطاء، والشافعي، ومالكًا، وأحمد؛ على ما ذكرناه في صدر الباب، فإذا كان الأمر كذلك تكون تلكما الركعتان موصوفتين بصفة التطوع، وما كان موصوفًا بصفة التطوع فهو تطوع، فالركعتان الأخيرتان من الرباعية للمسافر تطوع، فإذا كان كذلك كان ينبغي أن لا يصلي بعد الركعتين الأولين شيئًا من غير تسليم، كما كان لا ينبغي
стр. 3161
للمقيم أن يصلّي بعد الأربع شيئًا بغير تسليم، فهذا هو وجه النظر والقياس، والله أعلم.
ص: فإن قال قائلٌ: فقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يُتمّون، وذكروا في ذلك ما قد فعله عثمان ﵁ بمنًى، وما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا يونس بن بُكير، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم أكملت أربعًا وأُثبتت للمسافر".
قال صالح: فحدثتُ بذلك عمر بن عبد العزيز فقال: عروة حدثني، عن عائشة ﵂: "أنها كانت تصلي في السفر أربعًا".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "استَأْذنتُ حذيفة من الكوفة إلى المدائن، ومن المدائن إلى الكوفة في رمضان، فقال: آذن لك على أن لا تُفْطر ولا تُقصّر. فقلت: وأنا أكفل لك أن لا أُقصر ولا أفطر".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا ابن عون قال: "قدمتُ المدينة، فأدركت ركعةً من العشاء، فصنَعْتُ شيئًا برأيي، فسألت القاسم بن محمد، فقال: كنتَ ترى أن الله يعذبك لو صليت أربعًا؟ كانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تُصلّي أربعًا وتقول: المسلمون يصلون أربعًا".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: "أيُّ أصحاب رسول الله ﵇ كان يُوَفّي الصلاة في السفر؟ فقال: لا أعلمه إلا عن عائشة وسعد بن أبي وقاص ﵂".
فهذا عطاء قد حكى عن سَعْد، وقد رُوي عنه خلاف ذلك في حديث الزهري، وحبيب بن أبي ثابت.
стр. 3162
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا شعبة، عن حيان البارقي، قال: قلت لابن عمر: "إني من بَعْث أهل العراق، فكيف أُصلي؟ قال: إن صليت أربعًا فأنت في مصْر، وإن صليتَ ركعتين فأنت مسافر".
فهذا عثمان بن عفان، وحديفة بن اليمان وعائشة وابن عمر ﵃، قد رُوي عنهم في إتمامهم الصلاة في السفر ما قد ذكرنا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم وإن رويتم أحاديث تدلّ على القصر ولكن لا نزاع لنا فيه، وإنما النزاع في الإتمام، وقد روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتمون صلاتهم في السفر.
وأخرج في ذلك عن عثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان وعائشة وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ﵃.
أما مارُوي عن عثمان ﵁: فسيجيء إن شاء الله تعالى مع بيان معناه.
وأما ما رُوي عن عائشة ﵂: فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي ... إلى آخره.
ورجاله كلهم ثقات قد ذُكِرُوا غير مرة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبد الله بن صالح، حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد، حدثني ربيعة، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة: "أن الصلاة حين فرضت كانت ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر على ركعتين، وأتمت صلاة الحضر أربعًا".
قال صالح: فأخبرت عمر بن عبد العزيز فقال: إن عروة قد أخبرني: "أن عائشة كانت تصلي أربع ركعات في السفر".
стр. 3163
قال: فوجدت عروة عنده يومًا، فقلتُ: كيف أخبرتني عن عائشة؟ فحدّث بما حدثني به، فقال عمرُ ﵁: أليس حدثتني أنها كانت تُصلّي أربعًا في السفر؟ قال: بلى".
قوله: "وأثبتت" أي قررت ركعتين للمسافر مثل ما فرضت ركعتين.
قوله: "قال صالح" هو صالح بن كيْسان الراوي.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوْح بن عبادة، عن عبد الله بن عون البصري قال: "قدمتُ المدينة ... " إلى آخره.
الثالث: فيه عن سَعْد أيضًا، أخرجه عن أبي بكرة أيضًا، عن روح بن عبادة أيضًا، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي ... إلى آخره.
قوله: "فهذا عطاء" أي: عطاء بن أبي رباح، قد حكى عن سعد هذا، والحال أنه قد روي عنه خلاف ذلك في حديث محمد بن مسلم الزهري وحبيب بن أبي ثابت.
أما حديث الزهري فهو ما رواه أن رجلًا أخبره عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة: "أن سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانوا جميعًا في سفرٍ، فكان سَعْد يقصّر الصلاة ويفطر" (١).
وأما حديث حبيب بن أبي ثابت فهو ما رواه عن عبد الرحمن بن المسْور قال: "كنا مع سَعْد بن أبي وقاص في قريةٍ من قرى الشام فكان يصلي ركعتين" (١).
وأما ما روي عن حذيفة بن اليمان ﵁: فأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم ابن عُتيبة، عن إبراهيم بن يزيد التيمي روى له الجماعة، عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي -تيم الرباب- الكوفي روى له الجماعة.
стр. 3164
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "كنت مع حذيفة بالمدائن، فاستأذنته أن آتي أهلي بالكوفة، فأذن لي وشرط عليّ أن لا أفطر ولا أصلي ركعتين حتى أرجع إليه، وبين الكوفة والمدائن سبعة وعشرون فرسخًا".
وأما ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ فأخرجه بإسناد حسن جيد، عن أبي بكرة، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن حَيّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- بن إياس البارقي الأزدي، ذكره بن حبان في "الثقات"، ونسبته إلى بارق جبل باليمن نزله سَعْد بن عدي بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء.
قوله: "من بَعْث أهل العراق" أي من جيشهم، والبعوث: الجيوش، يقال: كنت في بعث فلان، أي: في جيشه الذي بُعث معه.
ص: ولكل واحدٍ منهم في مذهبه الذي ذهب إليه معنًى سنُبيّنهُ في هذا الباب ونذكر مع ذلك ما يجب له من طريق النظر وما يجب عليه أيضًا من طريق النظر إن شاء الله تعالى.
فأما عثمان بن عفان ﵁ فالذي ذكرنا عنه من ذلك هو إتمامه الصلاة بمنى، فلم يكن ذلك لأنه أنكر التقصير في السفر، كيف يتُوهم ذلك عليه وقد قال الله ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية.
فأباح الله لهم القصر في هذه الآية إذا خافوا أن يفتنهم الذين كفروا، ثم أخبرهم رسول الله ﵇ أن ذلك واجبٌ لهم، وإن أمنوا في حديث يعلى بن مُنية الذي روينا عنه عن عمر- ﵁ في أول هذا الباب، وصلى رسول الله ﵇ بمنى
стр. 3165
ركعتين وهم أكثر ما كانوا وآمنه وعثمان ﵁ معه، فلم يكن إتمامه الصلاة بمنًى لأنه أنكر التقصير في السفر ولكن لمعنًى قد اختلف فيه.
فحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري قال: "إنما صلى عثمان بمنى أربعًا لأنه أزمع على المقام بعد الحج".
فأخبر الزهري في هذا الحديث أن إتمام عثمان ﵁ إنما كان لأنه نوى الإقامة، فصار إتمامُه ذلك وهو مقيم قد خرج مما كان فيه من حكم السفر ودخل في حكم الإقامة، فليس في فعله ذلك دليل على مذهبه كيف كان في الصلاة في السفر هل هو الإتمام أو التقصير؟
وقد قال الزهري أيضًا غير ذلك.
فحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، عن حماد بن سلمة، قال: أنا أيوب، عن الزهري قال: "إنما صلى عثمان ﵁ بمنى أربعًا لأن الناس كانوا أكثر في ذلك العام، فأحبّ أن يخبرهم أن الصلاة أربعٌ".
فهذا يخبر أنه فعل ما فعل ليُعلمَ الأعراب أن الصلاة أربع، فقد يحتمل أن يكون لما أراد أن يُريَهم ذلك نوى الإقامة، فصار مقيمًا فرضه أربع فصلى أربعًا وهو مقيم بالسبب الذي حكاه معمر عن الزهري في الفصل الذي قبل هذا، ويحتمل أن يكون فعل هذا وهو مسافر لتلك العلة.
والتأويل الأول أشبه عندنا، والله أعلم؛ لأن الأعراب كانوا بالصلاة وأحكامها في زمن رسول الله ﵇ أجهل منهم منها وبحكمها في زمن عثمان ﵁، وهم بأمر الجاهلية حينئذٍ أحدث عهدًا، فهم كانوا في زمن رسول الله ﵇ إلى العلم بفرض الصلاة أحوج منهم إلى ذلك في زمن عثمان ﵁، فلما كان رسول الله ﵇ لم يُتمّ الصلاة لتلك العلة ولكنه قصرها ليصلّوا معه صلاة السفر على حكمها ويعلمهم صلاة الإقامة على حكمها ويُعلِّمهم كيف حكمها في
стр. 3166
الحضر، فقد عاد حكم معنى ما صحّ من تأويل حديث أيوب عن الزهري إلى معنى حديث معمر عن الزهري.
وقد قال آخرون: إنما أتم الصلاة لأنه كان يَذهَبُ إلى أنه لا يقصرها إلا مَنْ حَلّ وارتحل، واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا قتادة، قال: قال عثمان بن عفان ﵁: "إنما يقصر الصلاة من حمل الزاد والمزاد وحل وارتحل".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عباس بن عبد الله: "أن عثمان بن عفان ﵁ كتب إلى عُمَّاله أن لا يُصَلّين الركعتين جابي ولا نائي ولا تاجر، وإنما يصلي الركعتين من كان معه الزاد والمزاد".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روحٌ وأبو عمر، قالا: ثنا حماد بن سلمة، أن أيوب السختياني أخبرهم، عن أبي قلابة الجرمي، عن عمه أبي المهلب قال: "كتب عثمان بن عفان ﵁ أنه بلغني أن قومًا يخرجون إما لتجارة واما لجباية وإما لجشر ثم يقصرون الصلاة، وإنما يَقْصر الصلاة مَنْ كان شاخصًا أو بحضرة عدو. فقالوا: فكان مذهب عثمان ﵁ أن لا يقصر الصلاة إلا من كان يحتاج إلى حمل الزاد والمزاد ومن كان شاخصًا، فأما من كان في مصر مستغنٍ به عن حمل الزاد والمزاد فإنه يُتم الصلاة.
قالوا: ولهذا أتم هو الصلاة بمنًى؛ لأن أهلها في ذلك الوقت كثروا حتى صاروا مصرًا يستغنى من صلى به عن حمل الزاد والمزاد. وهذا المذهب عندنا فاسدٌ؛ لأن مني لم تصر في زمن عثمان أعمر من مكة في زمن رسول الله ﵇ فقد كان رسول الله ﵇ يُصلّي بها ركعتين، ثم صلى بها أبو بكر بعده كذلك، ثم صلى بها عمر بعد في بكر ﵁ كذلك، فإذا كانت مكة مع عدم احتياج مَنْ حلّ بها إلى حمل الزاد والمزاد تقصر فيها الصلاة، فما دونها من المواطن أَحْرى أن يكون كذلك.
стр. 3167
فقد اتفقت هذه المذاهب كلها لفسادها عن عثمان ﵁ أن يكون من أجل شيء منها قصر الصلاة غير المذهب الأول الذي حكاه معمر عن الزهري، فإنه يحتمل أن يكون من أجله أتمها، وفي ذلك الحديث أن إتمامه كان لنية الإقامة على ما روينا فيه وعلى ما كشفنا من معناه.
ش: أي لكل واحد من الصحابة المذكورين الذين أتموا صلاتهم في السفر معنًى فيما ذهب إليه من الإتمام في السفر.
وأراد بهذا الكلام الجواب عما رُوي عن هؤلاء من الإتمام في السفر؛ فلذلك شرع فيه بكلمة "أما" التفصيلية بقوله: "فأما عثمان ﵁ ... " إلى آخره.
تقرير ذلك أن عثمان ﵁ لم يتم صلاته بناءً على أنه كان ينكر التقصير في السفر، وكيف يتوهم ذلك في حقه وقد شاهدَ التنزيل يخبر أن الله تعالى قد أباح لهم القصر عند خوفهم من فتنة الكفار، وأن رسول الله ﵇ أخبرهم أن القصر واجب لهم وإن كانوا في حالة الأمن بقوله: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وذلك في حديث يعلى بن كمية الذي ذكر في أول الباب، وأيضًا لما صلى رسول الله ﵇ بمنى ركعتين والناس أكثر ما كانوا وآمنه أي آمن ما كانوا، كان عثمان معه ﵇، فكيف يتوهم حينئذٍ أنه كان ينكر التقصير؟! فإذا بطل هذا؛ تعين تأويلُ إتمامه وحمله على معنًى من المعاني.
وقد اختلف العلماء فيه، فقال الزهري وجماعة: إنما أتم لأنه عزم على الإقامة بعد الحج.
أخرج ذلك بإسنادٍ رُواتها ثقات ولكنه منقطع عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن مهدي بن مالك البصري شيخ الترمذي وابن ماجه، عن عبد الرزاق صاحب "المسند" و"المصنف"، عن معمر بن راشد الأزدي، عم محمد بن مسلم الزهري.
стр. 3168
وأخرجه أبو داود (١): ثنا ابن العلاء، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري: "أن عثمان ﵁ إنما صلّى بمنًى أربعًا؛ لأنه أجمع على الإقامة بعد الحج".
فقد أخبر الزهري فيه أن إتمامه ﵁ إنما كان لأنه أزمع على المقام، يقال: أزمَع على أمر كذا إذا ثبت عليه، وقال الفراء: يقال: أزمعته وأزمعتُ عليه بمعنًى مثل أجمعته وأجمعت عليه.
وقال ابن فارس: هذا له وجهان:
أحدهما: أن يكون مقلوبًا من عزم.
والآخر: أن تكون الزاي بدلًا من الجيم كأنه من إجماع الرأي.
وقال الكسائي: أزمعت الأمر ولا يقال أزمعت عليه. وما ورد في الأثر يردُّ عليه.
فإذا كان كذلك كان إتمام عثمان ﵁ والحال أنه مقيم قد خرج بذلك عن حكم السفر ودخل في حكم الإقامة، ولكن ليس فيه دليل على مذهبه كيف كان في صلاته في السفر؟ هل هو يرى الإتمام أو يرى القصر؟
وقد رُوي عن الزهري معنى آخر في إتمام عثمان غير المعنى الذي ذكره.
أخرجه أيضًا برواةٍ ثقات ولكنه منقطع أيضًا عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمد بن مسلم الزهري.
وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا: عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن أيوب، عن الزهري: "أن عثمان ﵁ أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب؛ لأنهم كثروا عامئذٍ، فصل بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع".
стр. 3169
فهذا المعنى خلاف المعنى المذكور أولًا، ولكن له احتمالان:
أحدهما: أن يكون لما أراد أن يُريَهم ذلك نوى الإقامة، فصار حينئذٍ مقيمًا، فصار فرضه أربعًا، فصل أربعًا.
والآخر: يحتمل أن يكون فعل ما فعل والحال أنه مسافر لتلك العلة المذكورة.
ثم قال الطحاوي ﵀: والتأويل الأول أشبه عندنا، والله أعلم. [٣/ ق ٢٠٨ - أ] (١)
ثم بيّن وجه ذلك بقوله: "لأن الأعراب ... " إلى آخره.
فإن قيل: بل التأويل الثاني أشبه وأقرب إلى الصواب.
والدليل عليه ما قاله البيهقي في "المعرفة" (٢): قد روينا بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه: "أن عثمان أتمّ بمنى، ثم خطب الناس فقال: أيها الناس، إن السنة سنة رسول الله ﵇ وسنة صاحبيه، ولكن حدث العام من الناس فخفت أن يستنوا".
ثم قال البيهقي: وهذا يؤيد رواية أيوب عن الزهري: "أن عثمان أتم بمنى لأجل الأعراب لأنهم كثروا عامئذٍ" ويُضعّف ما رواه معمر عنه: "أن عثمان ﵁ إنما صلى بمنى أربعًا لأنه أجمع الإقامة بعد الحج".
وقال أبو عمر: قال ابن جريج: "إن أعرابيًّا نادى عثمان في مني: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام الأول صليتها ركعتين، فخشي عثمان ﵁ أن يظن جهال الناس أن الصلاة ركعتان".
قلت: الذي يظهر لي أن كلاًّ من التأويلين بعيد.
стр. 3170
أما الأول: فلأن الإقامة بمكة حرام على المهاجر فوق ثلاثة أيام، ويعارضه أيضًا ما قاله أبو عمر بن عبد البر: المعروف عن عثمان أنه ما كان يطوف للإفاضة والوداع إلا ورواحله قد رُحّلت، فهذه الحالة ليست حالة من ينو الإقامة.
وأما الثاني: فلما ذكرنا من إتمامه لو كان للعلة التي ذكرت لكان النبي ﵇ أولى به؛ لأن جهالة الأعراب كانت أشد وأكثر في زمن النبي ﵇، وكانوا أحوج إلى ذلك في زمنه من زمن عثمان ﵁؛ لأن أمر الصلاة أشتهر في زمنه أكثر مما كان في زمن النبي ﵇ ومع هذا لم يتم النبي ﵇.
وقال جماعة آخرون في تأويل إتمام عثمان ما أشار إليه الطحاوي بقوله: "وقد قال آخرون ... " إلى آخره، وأراد بهم: محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وقتادة؛ فإنهم قالوا: المعنى في إتمام عثمان الصلاة بمنى: من أجل أنه كان يذهب إلى أنه لا يقصر الصلاة إلا من حل وارتحل، وأراد به المسافر الذي يحل في أرض -أي: ينزل- ثم يرتحل ويحمل معه الزاد والمزاد فإنه هو الذي يقصر الصلاة، وأما الذي يدخل مصرًا من الأمصار ويستغني عن حمل الزاد والمزاد فإنه لا يقصر، وقد يقال: المراد من الحال المرتحل: المغازي الذي لا يقفل عن غزوٍ إلا عقّبه آخر.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما قالوا من المعنى في إتمام عثمان الصلاة بما رواه قتادة وعباس بن عبد الله وأبو المهلب.
أما ما رواه قتادة: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص ابن عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، عن قتادة ... إلى آخره.
وهو منقطع.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن ابن
стр. 3171
سيرين قال: "كانوا يقولون في السفر الذي تقصر فيه الصلاة: الذي يحمل فيه الزاد والمزاد".
قلت: "الزاد" معروف وهو الذي يتزود به المسافر أي يتقوّت.
و"المَزَاد": بفتح الميم: جمع مزادة وهي الراوية، وقال أبو عبيد: لا يكون إلا من جلدين يُقام بجلد ثالث بينهما ليتسع.
قال الجوهري: وكذلك السطيحة والشعيب، والجمع: المزاد والمزايد.
وقال ابن الأثير: المزادة الظرف الذي يحمل فيه الماء كالراوية والقربة والسطيحة، والجمع المزاود والميم زائدة.
وأما ما رواه عباس بن عبد الله: فأخرجه أيضًا عن أبي بكرة، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عباس بن عبد الله الجشمي، هكذا وقع في رواية الطحاوي عباس -بالباء الموحدة- وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين وقال: يروي عن عثمان وأبي هريرة، وروى عنه قتادة، وفي "الكمال": روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١)، وفي روايته: "عياش" بالياء آخر الحروف وبالشين المعجمة من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عياش ابن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: "أن عثمان بن عفان ﵁ كتب إلى عماله لا يصلي الركعتين جابيًا ولا تانيًا، إنما يصلي الركعتين مَنْ كان معه الزاد والمزاد".
قال علي: التاني هو صاحب الضيعة.
قال علي: هكذا في كتابي، والصواب عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.
قلت: الصواب ما قاله الطحاوي.
стр. 3172
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (١): عن معمر، عن قتادة: "أن عثمان ﵁ كتب إلى بعض عماله: أنه لا يصلي الركعتين المقيم ولا التاني ولا التاجر، إنما يصلي الركعتين من معه الزاد والمزاد".
قلت: هذا منقطع وما رواه الطحاوي متصل.
قوله: "جابي" فاعل من الجباية، وهو استخراج الأموال من مظانّها.
قوله: "ولا تاني" من تَنَاءَ، ذكره الجوهري في باب المهموز، وقال: تناءت بالبلد تُنوءًا إذا أقمت به وقطنته، والتاني من ذلك، وهم تُنَاء البلد.
وأما ما رواه أبو المهلب: فأخرجه عن أبي بكرة أيضًا، عن روح بن عبادة وابن عمر حفص بن عمر الضرير كلاهما، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي الملهب الجرمي عم أبي قلابة، قال النسائي: أبو المهلب عمرو بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية. وقال غيره: اسمه معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢): من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن المهلب: "أن عثمان بن عفان كتب: إنه بلغني أن رجالًا يخرجون إما لجباية وإما لتجارة وإما لجشر ثم لا يتمون الصلاة، فلا تفعلوا فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا أو بحضرة عدوٍّ".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: حدثني رجل ممن قرأ كتاب عثمان ﵁ أو قرئ عليه فقال: "أما بعد، فإنه بلغني أن رجالًا منكم يخرجون إلى سوادهم إما في جَشْر وإما في جباية وإما
стр. 3173
في تجارة فيقصرون الصلاة -أو لا يتمون الصلاة- لا تفعلوا، فإما يقصر الصلاة من كان شاخصًا أو بحضرة عدو".
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (١): عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: أخبرني من قرأ كتاب عثمان أو قرئ عليه: "أن عثمان ﵁ كتب إلى أهل البصرة: أما بعد، فإنه بلغني أن بعضكم يكون في جشره أو في تجارته أو يكون جابيًا فيقصر الصلاة، إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا أو بحضرة عدو".
قوله: "وإما لجَشْرٍ" قال ابن الأثير: الجَشَر قوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت، فربما رأوه سفرًا فقصروا الصلاة، فنهاهم عثمان عن ذلك؛ لأن المقام في المراعي وإن طال فليس بسفر".
وقال الجوهري: قال الأصمعي: يقال: أصبح بنو فلان جَشَرًا إذا كانوا يبيتون مكانهم في الإبل لا يرجعون إلى بيوتهم، قال: وكذلك قال: جشر: يرعى في مكانه ولا يرجع إلى أهله، قال: يقال جشرنا دوابنا: أخرجناها إلى المرعى نجشرها جشرًا بالإسكان ولا تروح، وخيل مجشرة بالحمى أي مرعيّة.
قلت: قوله: "وإما لجشر" بفتح الجيم وسكون الشين المعجمة مصدر من جشر كما أشار إليه الجوهري وقول ابن الأثير: الجَشَر قوم -بفتحتين- وكذلك قول الأصمعي: أصبح بنو فلان جَشَرًا. فافهم.
قوله: "من كان شاخصًا" أي مسافرًا، وشخوص المسافر خروجه عن منزله.
قوله: "فقالوا" أي: فقال هؤلاء الآخرون الذين قالوا: إنما أتم الصلاة لأنه كان يذهب إلى أنه لا يقصرها إلا مَن حلّ وارتحل.
قوله: "وهذا المذهب" أشار به إلى مذهب هؤلاء الآخرين، وفساده ظاهر.
стр. 3174
قوله: "فقد انتفت" أي: إذا كان الأمر كذلك فقد انتفت، من الانتفاء ومن النفي، والباقي ظاهر.
وقد ذكر آخرون في إتمام عثمان ﵁ صلاته وجوهًا أُخَر.
مِنْها: ما قاله بعضهم: إن عثمان ﵁ إنما أتم بمنى لأنه تأهل بمكة شرفها الله تعالى، وروى عبد الله بن الحارث بن أبي ذباب، عن أبيه، وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب ﵁ قال: "صلى بنا عثمان أربع ركعات فلما سلّم أقبل على الناس فقال: إني تأهلت بمكة وقد سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: من تأهل ببلدة فهو من أهلها فليُصلَّ أربعًا".
وفي مسند محمد بن سنجر بِسَندٍ ضعيف: "أن عثمان ﵁ لما أنكروا عليه قال: أيها الناس إني لما قدمتُ تأهلتُ بها، إني سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: إذا تأهل الرجل ببلدٍ فليصلّ بهم صلاة المقيم".
ورُدَّ هذا بأنه كان يسافر بزوجاته ويُقصّر، وأيضًا المسافر إذا دخل مصرًا وتزوج بها لا يصير مقيمًا بنفس التزوج بخلاف المرأة، نصَّ عليه صاحب "الغنية" أيضًا.
ومنها: ما قاله بعضهم: كان أهله بمكة فلذلك أتمها.
ورُدَّ هذا أيضًا بما ذكرناه.
ومنها: ما قاله ابن حزم: قيل: إنه تأول أنه إمام الناس فحيث حلّ هو منزله. ورُدَّ هذا أيضًا بأن النبي ﵇ كان أولى بذلك ولم يفعله.
ومنها: ما ذكره القرطبي: أن الوجه في أمر عثمان أنه هو وعائشة ﵄ تأولا أن القصر رخصة غير واجب فأخذ بالأكمل الأتم، ولولا ذلك ما أقروا عثمان عليه.
стр. 3175
وفيه نظر؛ لما في "صحيح مسلم" (١) عن ابن عمر ﵄: "صحبتُ رسول الله ﵇ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبُض، وصحبتُ أبا بكر ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبُض، وصحبتُ عمر- ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبض، وصحبتُ عثمان ﵁ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله".
وفي "صحيح ابن خزيمة" (٢): "سافرتُ مع النبي ﵇ ومع أبي بكر ومع عمر وعثمان ﵃ فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين لا يصلون قبلها ولا بعدها".
فإن قيل: هذا مخالف لما رواه البخاري (٣): عن ابن عمر: "صحبت عثمان ﵁ فكان يصلي ركعتين صدرًا من خلافته".
قلت: وجه التوفيق بين الروايتين: أن ابن عمر أخبر عن عثمان في أسفاره كلها إلا بمنى فإن عثمان ﵁ إنما أتم بمنى لا في أسفاره كلها على ما فسره عمران بن حصين ﵁، على ما رواه الترمذي (٤): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا هشيم، قال: أنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، قال: سئل عمران بن حصين ﵁ عن صلاة المسافر فقال: "حججتُ مع رسول الله ﵇ فصلى ركعتين، وحججتُ مع أبي بكر- ﵁ فصلى ركعتين، ومع عمر ﵁ فصلى ركعتين، ومع عثمان ﵁ ست سنين من خلافته -أو ثماني سنين- فصل ركعتين".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ومنها: ما قاله أبو عمر بن عبد البر: قال قوم: أخذ عثمان ﵁ بالمباح في ذلك؛ إذ للمسافر أن يقصر ويتم كما له أن يصوم ويفطر.
стр. 3176
قلت: هذا عندي أقربُ وأوجه وأشبه بالصواب، والله أعلم.
ص: وأما ما رويناه عن حذيفة ﵁ فليس فيه دليل أيضًا على الإتمام في السفر، كان ذلك السفر طاعةً أو غير طاعة؛ لأنه قد يجوز أن يكون من رأيه أن لا يقصر الصلاة إلا حاجٌّ أوْ معتمرٌ أو مجاهدٌ.
كما قد روي عن ابن مسعود ﵁ فإنه قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شُعبةُ، قال: ثنا سليمان، عن عمارة بن عمير، عن الأسود قال: "كان عبد الله لا يرى التقصير إلا لحاج أو مجاهد".
فقد يجوز أن يكون مذهب حذيفة كذلك، فأمر التَّيْمي إذ كان يُريد سفرًا لا لحج ولا لجهاد أن لا يقصر الصلاة، فانتفى أن يكون في حديثه ذلك حجة لمِنْ يرى للمسافر إتمام الصلاة في السفر".
ش: هذا عطف على قوله: "فأما عثمان بن عفان ﵁ فالذي ذكرناه عنه ... " إلى آخره، وأراد بذلك الجواب عما رُوي عن حذيفة بن اليمان ﵁ المذكور فيما مضى، وهو ظاهر.
قوله: "كما قد روي عن ابن مسعود" أي كما ذكر روي عن عبد الله بن مسعود.
أخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة، عن رَوْح، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي روى له الجماعة، عن الأسود بن يزيد النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمد بن فضيل وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: "لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد".
стр. 3177
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (١): عن معمر، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، أن ابن مسعود قال: "لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد" انتهى.
وإليه ذهب عطاء وطاوس وإبراهيم النخعي.
وروى عبد الرزاق (٢): عن ابن جريج، عن عطاء قال: "ما أرى أن تُقْصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الله".
وقد كان قبل ذلك لا يقول هذا القول، كان يقول: تقصر في كل ذلك. قال: وكان طاوس يسأله الرجل فيقول: أسافر لبعض حاجتي أقصر الصلاة؟ فسكت، وقال: إذا خرجنا حجاجًا أو عمّارًا صلينا ركعتين.
وقال ابن أبي شيبة (٣): ثنا هشيم، عن العوام قال: "كان إبراهيم لا يرى القصر إلا في حج أو جهاد أو عمرة".
قوله: "فأمرَ التيمي" وهو يزيد بن شريك بن طارق التيمي تيم الرباب- وقد ذكرناه.
قوله: "إذ كان يريد سفرًا" أي حين كان يريد سفرًا.
ص: وأما ما روينا عن ابن عمر ﵄ فإن حديث حيان هو على أنه سأله وهو في مصر من الأمصار فقال له: "إني من بَعْث أهل العراق فكيف أصلي؟ فأجابه ابن عمر ﵄ فقال: فإن صليت أربعًا فأنت في مصر، وإن صليت اثنتين فأنت مسافر".
فذلك أن مذهبه كان في صلاة المسافر في الأمصار هكذا، وقد روى عنه صفوان بن محرز حين سأله عن الصلاة في السفر، فكان جوابه له أن قال: "هي ركعتان، من خالف السنة فقد كفر".
стр. 3178
فذلك على الصلاة في غير الأمصار حتى لا يتضاد ذلك وما روى حيان، فيكون حديث حيان على صلاة المسافر في الأمصار وحديث صفوان على صلاته في غير الأمصار وسنبين الحجة في هذا الباب في آخره إن شاء الله تعالى.
ش: هذا عطف على قوله: "وأما ما رويناه عن حذيفة ﵁" وأراد بذلك الجواب عما رواه حيان بن إياس البارقي المذكور فيما مضى.
تقريره: أن يقال: إن حيان البارقي إنما سأل عبد الله بن عمر ﵄ والحال أنه كان في مصر من الأمصار فقال له: "كيف أصلي وأنا من جيش أهل العراق؟ فقال له عبد الله بن عمر: إن صليت أربع ركعات فأنت في مصر، وإن صليت ركعتين فأنت مسافر".
وإنما قال ذلك لأن مذهب ابن عمر أن المسافر إنما كان له أن يقصر ما دام في السفر، فإذا دخل مصرًا من الأمصار فلا يقصر وإن كان هو على سفره، وإليه ذهب جماعة أيضًا من السلف كالحسن البصري وقتادة وطاوس، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن في هذا حجة لمن يرى الإتمام في السفر.
قوله: "وقد روى عنه صفوان بن محرز ... " إلى آخره، إشارة إلى وجه التوفيق بين رواية حيّان البارقي ورواية صفوان بن محرز لأن بينهما تضادًّا من حيث الظاهر؛ وذلك لأن حديث حيّان يدل على أنه يُتم في مصر ويقصر في سفر، وحديث صفوان مطلق يدل على أن المسافر يقصر سواء كان في مصر أو سفر.
ووجه التوفيق: أن حديث صفوان محمول على الصلاة في غير الأمصار؛ لأنه سأله عن الصلاة في السفر فكان جوابه له: "هي ركعتان، من خالف السنة فقد كفر" وحديث حيان البارقي محمول على صلاة المسافر وهو في مصر من الأمصار، فكان جوابه له: "إن صليت أربعًا فأنت في مصر، وإن صليت ركعتين فأنت مسافر"، فافهم.
стр. 3179
ص: وأما ما روي عن عائشة ﵂ في ذلك فإن أبا بكرة حدثنا، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا ابن جريج، قال: أنا ابن شهاب، قال: "قلت لعروة: ما كان يحمل عائشة ﵂ على أن تُصلّي في السفر أربعًا؟ قال: تأولت ما تأول عثمان ﵁ إتمام الصلاة بمنى".
وقد ذكرنا ما تأول في إتمام عثمان الصلاة بمنى، فكان ما صحّ من ذلك هو أنه كان من أجل نيته للإقامة، فإن كان من أجل ذلك كانت عائشة تبع الصلاة؛ فإنه يجوز أن يكون كانت لا تحضرها صلاة إلا نَوَتْ إقامةً في ذلك المكان يجب عليها بها إتمام الصلاة، فتتم الصلاة لذلك، فيكون إتمامها وهي في حكم المقيمين لا في حكم المسافرين.
ش: هذا عطف على قوله: "وأما ما روينا عن ابن عمر ﵄"، وأراد بذلك الجواب عما رُوي عن عائشة في إتمامها الصلاة في السفر.
وقوله: "فإن أبا بكر" جواب "أما"، وتقريره ما أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن علي بن خشرم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
قال الزهري: فقلت لعروة: "ما بال عائشة ﵂ تتم في السفر؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان ﵂".
وقال عياض في "شرح مسلم": وأشبه ما يقال في فعل عثمان وفعل عائشة: أنهما تأولا أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأتم والأكمل، ومن تأول أنها اعتقدت أنها أمّ المؤمنين، وعثمان أنه إمامهم فحيث حلاّ فكأنهما في منازلهم؛ يرده
стр. 3180
أن النبي ﵇ كان أولى بذلك ولم يتم، وما ذكر في إتمام عائشة أيضًا أنها كانت لا ترى القصر إلا في الخوف فهو بعيدة؛ لأنها أتقى لله أن تخرج في سفرٍ لا يرضاه، وإنما خرجت مجتهدةً محتسبةً في خروجها للدين أصابت أو أخطأت.
قوله: "فكان ما صح من ذلك" أي مما تأول في إتمام عثمان الصلاة بمنى هو أنه كان من أجل نيته للإقامة، وأشار بذلك إلى أنه اختار هذا الوجه من التأويلات التي أوَّلُوها في إتمام عثمان الصلاة بمنى.
فإن قيل: كيف اختار هذا وحكم بصحته، وقد ردُّوا هذا بأن الإقامة للمهاجر بمكة أكثر من ثلاثٍ حرام؟
قلت: لا يلزم من صحة نية الإقامة الإقامة، فإذا كانت النية صحيحة يكون الإتمام في حال الإقامة.
فإن قيل: كيف ينو عثمان ﵁ الإقامة بمكة مع علمه بأن الإقامة فيها أكثر من ثلاثة أيام حرام للمهاجرين وهو منهم ومن خيارهم؟
قلت: يمكن أن تكون نيته للإقامة بمدة لا تنتهي إلى المدة التي يحرم على المهاجرين الإقامة فيها.
فإن قيل: هذا الذي ذكرته إنما يكون إذا كانت نيته للإقامة أقل من ثلاثة أيام، والمسافر إذا نوول الإقامة في بلده أقل من خمسة عشر يومًا لا تصح نيته، ولا يصير بذلك مقيمًا.
قلت: هذا على مذهبك، أما على مذهب غيرك فتجوز نية الإقامة في أقل من ذلك حتى عند الشافعي ومالك وأحمد، وأبي ثور يجوِّز نية الإقامة بأربعة أيام، وعن سعيد بن المسيب: تصح نية الإقامة بثلاثة أيام، وعن ربيعة: بيومٍ وليلةٍ، وعن سعيد بن جبير: "إذا وضعت رحلك بأرض فأتم" وروي ذلك عن ابن عباس وعائشة وطاوس ﵃.
стр. 3181
قوله: "فإن كان من أجل ذلك" أي: فإن كان إتمام عثمان الصلاة بمنى من أجل نيته للإقامة وكانت عائشة ﵂ لا تحضرها صلاة إلا وهي تنوي الإقامة في ذلك المكان فتتم الصلاة لذلك، فإذا كان كذلك يكون إتمامها والحال أنها في حكم المقيمين لا في حكم المسافرين، ومَنْ كانت حالته حالة المقيمين يتم صلاته، والله أعلم.
ص: وقد قال قومٌ: كان ذلك منها لمعنًى غير هذا المعنى، وهو أني سمعت أبا بكرة يقول: قال أبو عمر: "كانتْ عائشة أمَّ المؤمنين ﵂، فكانت تقول: كل موضع أنزله فهو منزل بعض بنا، فتعتدّ ذلك منزلا لها وتتم الصلاة من أجله، وهذا عندي فاسد؛ لأن عائشة وإن كانت هي أم المؤمنين فإن رسول الله ﷺ أبو المؤمنين وهو أولى بهم من عائشة بهم، فقد كان ينزلُ في منازلهم فلا يخرج بذلك من حكم السفر الذي تُقصر فيه الصلاة إلى حكم الإقامة التي تكمل فيها الصلاة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا عمر حفص بن عمر الضرير شيخ البخاري وأبي بكرة بكار القاضي وغيرهما ومن تبعه؛ فإنهم قالوا: كانت عائشة أم المؤمنين ... إلى آخره، وهو ظاهر.
وقوله: "أمَّ المؤمنين" بنصب "أم"؛ لأنه خبر كانت وليس بصفة لعائشة ها هنا لفساد المعنى.
قوله: "وهذا عندي فاسد" أي هذا التأويل عندي فاسد، وبيّن وجه الفساد بقوله: "لأن عائشة ﵂ ... " إلى آخره، وهو ظاهر.
وقد ذكرنا أن ابن حزم نقل هذا الوجه عن طائفة من السلف، ثم رده بما ذكره الطحاوي ﵀.
ص: وقال قومٌ: كان مذهب عائشة ﵂ في قصر الصلاة أنه يكون لمن حمل الزاد والمزاد على ما روينا عن عثمان ﵁، وكانت تسافر بعد النبي ﵇ في كفايةٍ من ذلك؛ فتركت لهذا المعنى قصر الصلاة.
стр. 3182
ش: أراد بالقوم: هؤلاء: عطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين وقتادة وإبراهيم النخعي؛ فإنهم قالوا: كان مذهب عائشة ﵂ في قصر الصلاة في السفر: أنه إنما كان يكون لمن حمل الزاد والمزاد، فلذلك كانت تتم الصلاة؛ لأنها كانت في كفاية من ذلك بعد النبي ﵇، وهؤلاء الجماعة ذهبوا إلى هذا المذهب أيضًا كما ذكرناه.
ص: فلما تكافأت هذه التأويلات في فعل عثمان وعائشة- ﵂ لَزِمَنا أَنْ ننظر حكم قصر الصلاة ما يُوجِبُه فكان الأصل في ذلك أنا رأينا الرجل إذا كان مقيمًا في أهله فحكمه في الصلاة حكم الإقامة، وسواء كانت إقامته في طاعة أو مَعْصية لا يتغير لشيء من ذلك حكمه، فكان حكم إتمام الصلاة يجب عليه بالإقامة خاصةً لا بطاعةٍ ولا بمَعْصيةٍ، ثم إذا سافر فخرج بذلك من حكم الإقامة فقد جرى في هذا من حكم الاختلاف ما قد ذكرنا.
فقال قوم: لا يجب له حكم التقصير إلا أن يكون ذلك السفر سفر طاعةٍ.
وقال آخرون: يجب له حكم التقصير في الوجهين جميعًا، فلما كان حكم الإتمام يجب له في الإقامة بالإقامة خاصةٍ لا بطاعةٍ ولا غيرها، كان كذلك يجيء في النظر أن يكون حكم التقصير يجب له في السفر خاصةً لا بطاعةٍ ولا بغيرها؛ قياسًا على ما بيّنا وشرحنا، ولما ثبت أن التقصير إنما يجب له بحكم السفر خاصة لا بغيره، ثبت أنه يقصر ما كان مسافرًا في الأمصار وغيرها؛ لأن العلة التي لها تُقصّر هي السفر الذي لم يخرج منه بدخوله الأمصار، وجميع ما بَيّنا في هذا الباب وصححنا قولُ أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي لما تساوت التأويلات المذكورة في إتمام عثمان وعائشة الصلاة في السفر، ولم يقم دليلٌ قاطع على ترجيح أحد التأويلات على الآخَر؛ لزمنا أن ننظر حتى نعلم السبب الموجب لقصر الصلاة في السفر، ما هو؟
стр. 3183
فنظرنا في ذلك، فرأينا حكم المقيم في أهله إتمام الصلاة بسبب الإقامة خاصةً لا بسبب كونه مطيعًا أو عاصيًا، فالنظر والقياس على ذلك أن يكون حكمه إذا خرج إلى السفر قصر صلاته بسبب السفر خاصةً لا بسبب كونه مطيعًا أو عاصيًا.
قوله: "فقد جرى في هذا من حكم الاختلاف" أي: فقد جرى فيما إذا سافر المقيم وخرج بسبب سفره عن حكم الإقامة من حكم الاختلاف ما ذكرنا، ثم بيّن ذلك بالفاء التفسيرية بقوله: "فقال قومٌ: لا يجب له حكم التقصير إلا أن يكون ذلك السفر سفر طاعة لما وأراد بهم: الشافعي ومالكًا وأحمد والطبري وأصحابهم؛ فإنهم ذهبوا إلى أن السفر المبيح للقصر هو سفر الطاعة كالسفر الواجب والمندوب، والمباح كسفر التجارة، ولا يرخص له في سفر المعصية كالإباق وقطع الطريق والتجارة في الخمر والمحرمات.
وفي "المغني": وفي سفر التنزه والتفرج روايتان: إحداهما تبيح الترخص، والثانية لا يترخص فيه.
قال أحمد: إذا خرج الرجل إلى بعض البلدان متنزهًا وليس في طلب حديث ولا حج ولا عمرة ولا تجارة فإنه لا يقصر الصلاة، فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص؛ لأنه نُهيَ عن السفر إليها. والصحيح إباحته وجواز القصر فيه.
إذا كان السفر مباحًا فغيَّر نيته إلى المعصية انقطع الترخص لزوال سببه، ولو سافر لمعصية فغيَّر نيته إلى مباح صار سفره مباحًا وأبيح له ما يباح في السفر المباح، وتعتبر مسافة السفر من حين غير النية. انتهى.
وقال عياض: وكره مالك التقصير للمتصيّد للهوٍ، وحُكي عنه المنع فيه في سفر النزهة.
стр. 3184
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون؛ وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم ذهبوا إلى أن السفر هو المبيح لقصر الصلاة والإفطار مطلقًا سواء كان سفر طاعة أو سفر معصية وهو معنى قوله: "في الوجهين جميعًا" لعموم الآية، وهو رواية عن مالك، وإليه ذهب أكثر الظاهرية.
وقال ابن حزم في "المحلى": وكون الصلوات المذكورة في السفر ركعتين فرض، سواء كان سفر طاعة أو معصية أو لا طاعة ولا معصية أمْنًا كان أو خوفًا، فمن أتمها أربعًا عامدًا فإن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته، وإن كان ساهيًا سجد للسهو بعد السلام فقط.
وقال ابن حزم أيضًا: واحتج من خصّ بعض الأسفار بذلك بأن سفر المعصية محرم فلا حكم له.
فقلنا: أما محرم فنعم هو محرم، ولكنه سفر فله حكم السفر، وأنتم تقولون: إنه محرّم، ثم تجعلون فيه التيمم عند عدم الماء وتجيزون الصلاة فيه وترونها فرضًا، فأي فرق بين ما أجزتم من الصلاة والتيمم لها وبين ما منعتم من تأديتها ركعتين كما فرضها الله في السفر، ولا سبيل إلي فرق، وكذلك الزنا محرم وفيه من الغسل كالذي في الحلال؛ لأنه إجناب ومجاوزة ختان لختان.
قوله: "ولما ثبت أن التقصير ... " إلى آخره، بيان للوعد الذي ذكره فيما مضى بقوله: "وسنبين الحجة في هذا الباب في آخره إن شاء الله تعالى".
قوله: "وجميع ما بيَّنَّا" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "قول أبي حنيفة ﵀".
стр. 3185
ص: باب: الوتر هل يُصلّى في السفر على الراحلة أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان الوتر هل يجوز فعله على الراحلة في السفر أم لا يجوز؟ والراحلة: الناقة التي يصحّ أن ترحّل، وكذلك الرحول، ويقال: الراحلة: المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى. قاله الجوهري، وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورَحْله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عُرفت.
والمناسبة بين البابين ظاهرة وهي اشتمال كل منهما على حكم صلاةٍ في السفر.
ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يُصلّي على ظهر الراحلة قِبَل أيّ وَجْهٍ توجّه وهو عليها، غير أنه لا يصلّي عليها المكتوبة".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن أبي بكر بن عمر ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن سعيد بن يسار أنه قال: "كنتُ أَسيرُ مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلتُ فأوترتُ، فقال عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلتُ: خشيتُ الفجر فنزلتُ فأوترتُ. فقال: أوليس لك في رسول الله ﵇ أسوة؟ قلتُ: بلى والله. قال: فإن رسول الله ﵇ كان يوتر على البعير".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة وإبراهيم بن أبي الوزير، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن أبي بكر بن عبيد العمري، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه كان يُوتر على راحلته".
стр. 3186
قال إبراهيم بن أبي الوزير: وحدثنا أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح، ورجالها رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة وأبا معشر.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر.
وأخرجه مسلم (١): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يُسبِّح على الراحلة قِبَل أيّ وجه توجه، ويُوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فأوترت ثم لحقته" و"خشيت الفجر" عوض: "الصبح".
وأخرجه مسلم (٤): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
стр. 3187
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوْح بن عبادة، وعن إبراهيم بن عمر بن مطرف، وهو إبراهيم بن أبي الوزير الهاشمي المكي، كلاهما عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن إسحاق، عن مالك ... إلي آخره.
قوله: "أبي الحبُاب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره باء، وهو كنية سعيد بن يسار.
قوله: "قال إبراهيم بن أبي الوزير ... " إلى آخره، إشارة إلى طريق آخر عنه، عن أبي معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السِّنْدي المدني، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف. وعنه ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث وليس بالقوي. وروى له الأربعة.
وأخرج البخاري والنسائي من حديث نافع عن ابن عمر.
فقال البخاري (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا جويرية، عن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان النبي ﵇ يُصلِّي في السفر على راحلته حيث توجهت به يُومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته".
وقال النسائي (٣): أنا عبد الله بن سعيد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر على الراحلة".
ويستفاد من الحديث: جواز التطوع على الراحلة فليس فيه خلاف، قال صاحب "المحيط": الصلاة على الراحلة أنواع ثلاثة: فريضة، وواجب، وتطوع.
стр. 3188
أما الفرض: فلا يجوز على الدابة إلا من ضرورة وهو تعذر النزول لخوف زيادة مرض، أو خوف العدو، أو السبع، فيجوز أن يصلي على الراحلة خارج العصر بإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع.
وكذلك الصلاة الواجبة: كصلاة الجنازة، والتطوع الذي وجب قضاؤه بالإفساد، وكالوتر عند أبي حنيفة، وكذلك الصلاة المنذورة، وسجدة التلاوة متى وجبت على الأرض لا تجوز على الدابة؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بما هو ناقص.
وأما التطوع: فيجوز على الدابة خارج العصر مسافرًا كان أو مقيمًا يومئ حيثما توجهت الدابة ولا يمنعه السرج والركابان ونحاسة الدابة مطلقًا، وأما المصر فلا تجوز فيه عند أبي حنيفة، وعند محمد تجوز وتكره، وعند أبي يوسف تجوز ولا تكره، وبه قال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي، وهو محكي عن أنس بن مالك.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس أن يصلي المسافر الوتر على راحلته كما يصلي سائر التطوع، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ وبفعل ابن عمر ﵄ من بعده.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسالم بن عبد الله ونافعًا مولى ابن عمر ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم جوّزوا للمسافر أن يصلي الوتر على راحلته واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة وبفعل عبد الله بن عمر من بعد النبي ﵇.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه صلى على راحلته فأوتر عليها، وقال: كان النبي ﵇ يُوتر على راحلته".
стр. 3189
ويروى ذلك أيضًا عن علي وابن عباس ﵃ (١).
وكان مالك يقول: لا يصلى على الراحلة إلا في سفرٍ تقصر فيه الصلاة.
وقال الأوزاعي والشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، يصلي على راحلته.
وقال ابن حزم في "المحلى": ويوتر المرء قائمًا وقاعدًا لغير عذر إن شاء وعلى دابته.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لأحد أن يصلي الوتر على الراحلة، ولكنه يُصليه على الأرض كما يُفعل في الفرائض.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمد بن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا فإنهم قالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض كما في الفرائض، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢).
وقال الثوري: "صَلّ الفرض والوتر بالأرض، وإن أوترت على راحلتك فلا بأس".
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يُصلي على راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله ﵇ كذلك كان يفعل".
فهذا خلاف ما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم مما قد رويناه عن ابن عمر عن النبي ﵇.
ش: أي احتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه من عدم جواز الوتر راكبًا على الراحلة بحديث ابن عمر ﵁.
стр. 3190
أخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز البصري شيخ النسائي أيضًا، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي المكي روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره.
قوله: "ويزعم" أي ابن عمر "أن رسول الله ﵇ كذلك كان يفعل" أي كما فعله من الصلاة على الراحلة والإيتار على الأرض كان رسول الله ﵇ يَفْعله.
قوله: "فهذا" أي هذا الحديث خلاف ما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم بجواز الوتر على الراحلة مما روي عن ابن عمر، عن النبي ﵇ المذكور فيما مضى، فإذا كان هذا معارضًا لما رووا من ذلك كان استدلالهم به غير تام.
فإن قيل: إذا لم يتم استدلالهم بما رويتم من خلافه فكذلك لا يتم استدلاكم بما رووا هؤلاء من خلاف ما رويتم؛ لأنكم إذا استدللتم بما رويتم استدل هؤلاء أيضًا بما رَوَوْا.
قلت: فليكن كذلك؛ لأن الغرض من إيراد هذا الحديث بيان ما روي من خلاف حديثهم الذي يخرجه عن إقامة الحجة به، على أنا نستدل على ما ذهبنا إليه بالأحاديث التي تنبئ عن وجوب الوتر وإلحاقه بالفرضية في كون حكمه كحكم الفرائض على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
ص: ثم روي عن ابن عمر ﵄ من غير هذا الوجه من فعله ما يُوافق هذا.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عثمان بن عمر وبكر بن بكار، قالا: ثنا عمر بن ذَرّ، عن مجاهدٍ: "أن ابن عمر- ﵄ كان يُصلّي في السفر على بعيره أينما توجّه به، فإذا كان في السحر نزلَ فأوْتر".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن حماد، عن مجاهد قال: "صحبتُ ابن عمر فيما بين مكة والمدينة ... " فذكر نحوه.