قال إبراهيم بن أبي الوزير: وحدثنا أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح، ورجالها رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة وأبا معشر.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر.
وأخرجه مسلم (١): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يُسبِّح على الراحلة قِبَل أيّ وجه توجه، ويُوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة".
وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فأوترت ثم لحقته" و"خشيت الفجر" عوض: "الصبح".
وأخرجه مسلم (٤): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
стр. 3187
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوْح بن عبادة، وعن إبراهيم بن عمر بن مطرف، وهو إبراهيم بن أبي الوزير الهاشمي المكي، كلاهما عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن إسحاق، عن مالك ... إلي آخره.
قوله: "أبي الحبُاب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره باء، وهو كنية سعيد بن يسار.
قوله: "قال إبراهيم بن أبي الوزير ... " إلى آخره، إشارة إلى طريق آخر عنه، عن أبي معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السِّنْدي المدني، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف. وعنه ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث وليس بالقوي. وروى له الأربعة.
وأخرج البخاري والنسائي من حديث نافع عن ابن عمر.
فقال البخاري (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا جويرية، عن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان النبي ﵇ يُصلِّي في السفر على راحلته حيث توجهت به يُومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته".
وقال النسائي (٣): أنا عبد الله بن سعيد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان يوتر على الراحلة".
ويستفاد من الحديث: جواز التطوع على الراحلة فليس فيه خلاف، قال صاحب "المحيط": الصلاة على الراحلة أنواع ثلاثة: فريضة، وواجب، وتطوع.
стр. 3188
أما الفرض: فلا يجوز على الدابة إلا من ضرورة وهو تعذر النزول لخوف زيادة مرض، أو خوف العدو، أو السبع، فيجوز أن يصلي على الراحلة خارج العصر بإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع.
وكذلك الصلاة الواجبة: كصلاة الجنازة، والتطوع الذي وجب قضاؤه بالإفساد، وكالوتر عند أبي حنيفة، وكذلك الصلاة المنذورة، وسجدة التلاوة متى وجبت على الأرض لا تجوز على الدابة؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بما هو ناقص.
وأما التطوع: فيجوز على الدابة خارج العصر مسافرًا كان أو مقيمًا يومئ حيثما توجهت الدابة ولا يمنعه السرج والركابان ونحاسة الدابة مطلقًا، وأما المصر فلا تجوز فيه عند أبي حنيفة، وعند محمد تجوز وتكره، وعند أبي يوسف تجوز ولا تكره، وبه قال أبو سعيد الإصطخري من أصحاب الشافعي، وهو محكي عن أنس بن مالك.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس أن يصلي المسافر الوتر على راحلته كما يصلي سائر التطوع، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ وبفعل ابن عمر ﵄ من بعده.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسالم بن عبد الله ونافعًا مولى ابن عمر ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم جوّزوا للمسافر أن يصلي الوتر على راحلته واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة وبفعل عبد الله بن عمر من بعد النبي ﵇.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه صلى على راحلته فأوتر عليها، وقال: كان النبي ﵇ يُوتر على راحلته".
стр. 3189
ويروى ذلك أيضًا عن علي وابن عباس ﵃ (١).
وكان مالك يقول: لا يصلى على الراحلة إلا في سفرٍ تقصر فيه الصلاة.
وقال الأوزاعي والشافعي: قصير السفر وطويله في ذلك سواء، يصلي على راحلته.
وقال ابن حزم في "المحلى": ويوتر المرء قائمًا وقاعدًا لغير عذر إن شاء وعلى دابته.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لأحد أن يصلي الوتر على الراحلة، ولكنه يُصليه على الأرض كما يُفعل في الفرائض.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمد بن سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا فإنهم قالوا: لا يجوز الوتر إلا على الأرض كما في الفرائض، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢).
وقال الثوري: "صَلّ الفرض والوتر بالأرض، وإن أوترت على راحلتك فلا بأس".
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يُصلي على راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله ﵇ كذلك كان يفعل".
فهذا خلاف ما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم مما قد رويناه عن ابن عمر عن النبي ﵇.
ش: أي احتج الجماعة الآخرون فيما ذهبوا إليه من عدم جواز الوتر راكبًا على الراحلة بحديث ابن عمر ﵁.
стр. 3190
أخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز البصري شيخ النسائي أيضًا، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي المكي روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره.
قوله: "ويزعم" أي ابن عمر "أن رسول الله ﵇ كذلك كان يفعل" أي كما فعله من الصلاة على الراحلة والإيتار على الأرض كان رسول الله ﵇ يَفْعله.
قوله: "فهذا" أي هذا الحديث خلاف ما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم بجواز الوتر على الراحلة مما روي عن ابن عمر، عن النبي ﵇ المذكور فيما مضى، فإذا كان هذا معارضًا لما رووا من ذلك كان استدلالهم به غير تام.
فإن قيل: إذا لم يتم استدلالهم بما رويتم من خلافه فكذلك لا يتم استدلاكم بما رووا هؤلاء من خلاف ما رويتم؛ لأنكم إذا استدللتم بما رويتم استدل هؤلاء أيضًا بما رَوَوْا.
قلت: فليكن كذلك؛ لأن الغرض من إيراد هذا الحديث بيان ما روي من خلاف حديثهم الذي يخرجه عن إقامة الحجة به، على أنا نستدل على ما ذهبنا إليه بالأحاديث التي تنبئ عن وجوب الوتر وإلحاقه بالفرضية في كون حكمه كحكم الفرائض على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
ص: ثم روي عن ابن عمر ﵄ من غير هذا الوجه من فعله ما يُوافق هذا.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عثمان بن عمر وبكر بن بكار، قالا: ثنا عمر بن ذَرّ، عن مجاهدٍ: "أن ابن عمر- ﵄ كان يُصلّي في السفر على بعيره أينما توجّه به، فإذا كان في السحر نزلَ فأوْتر".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن حماد، عن مجاهد قال: "صحبتُ ابن عمر فيما بين مكة والمدينة ... " فذكر نحوه.
стр. 3191
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر نحوه.
قالوا: ففيما روينا عن ابن عمر عن النبي ﵇، وفيما رويناه عنه من فعله ما يُخالف ما رواه عنه أهل المقالة الأولى.
ش: أراد بذلك تأكيد ما روي عن حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر مخالفًا لما رُوي عن ابن عمر فيما مضى، وأراد: من غير هذا الوجه من غير الطريق المذكور فيما رواه حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
قوله: "مِن فعله" أي من فعل ابن عمر ﵄.
وأخرجه من ثلاث وجوه:
الأول: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عثمان بن عمر بن فارس البصري روى له الجماعة، وبكر بن بكار القيسى وثقه أبو عاصم النبيل وابن حبان، كلاهما عن عمر بن ذرّ بن عبد الله بن زرارة الهمداني روى له الجماعة سوى مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن إسماعيل، عن أيوب، عن سعيد بن جُبير: "أن ابن عمر كان يُصلّي على راحلته تطوعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض".
الثاني: إسناده صحيح أيضًا، عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله سنْبَر الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن مجاهد ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا هشيم، قال: أنا حُصَين، عن
стр. 3192
مجاهد قال: "صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، فكان يُصلّي على دابته حيث توجهت به، فإذا كانت الفريضة نزل فصلى" انتهى.
ولما كان الوتر فرضًا دخل تحت قوله: "فإذا كانت الفريضة".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مكي بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح أبي الحصين المكي- فيه مقال؛ فعن يحيى القطان، كان وسطًا، لم يكن بذاك. وقال أحمد: ليس به بأس. وعن يحيى كذلك، وعنه: ضعيف. وعن أبي داود: أحاديثه مناكير. وعن النسائي: ليس بثقة. وعنه: ليس بالقوي. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن معمر، عن حميد، عن بكر: "أن ابن عمر ﵄ كان إذا أراد أن يوتر نزل فأوتر بالأرض".
قوله: "قالوا" أي الآخرون "ففيما روينا عن عبد الله بن عمر عن النبي ﵇، وفيما رويناه عن" أي: عن ابن عمر أيضًا "من فعله ما يُخالف ما رواه عنه" أي: عن ابن عمر "أهل المقالة الأولى".
وأشار بذلك إلى أن أحاديثهم معارضة هذه الأحاديث فلا يتبقى لهم حجة، ولا سيما الراوي إذا فعل بخلاف ما روى فإنه يدل على سقوط ما روى، والله أعلم.
ص: فكان من الحجة لأهل المقالة الأولى أنهم لا يعارضون الزهري بحنظلة، وأما ما رواه عن ابن عمر من وتره على الأرض، فقد يجوز يكون فعل ذلك وله أن يوتر على الراحلة كما يصلي تطوعًا على الأرض وله أن يصليه على الراحلة، فصلاته إياه على الراحلة وصلاته إياه على الأرض لا تنفي أن يكون له أن يصليه على الراحلة.
стр. 3193
وقد حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن محمد بن إسحاق، عن نافع قال: "كان ابن عمر يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر على الأرض".
فقد يجوز أن يكون مجاهد رآه يوتر على الأرض ولم يعلم كيف كان مذهبه في الوتر على الراحلة، فأخبر بما رأى منه من وتره على الأرض، وهذا مما لا ينفي أن يكون قد كان يوتر على الراحلة، ثم جاء سالم ونافع وأبو الحباب فأخبروا عنه أنه كان يوتر على راحلته.
ش: لما احتج أهل المقالة الثانية لما ذهبوا إليه بما رواه حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مخالفًا لما رواه الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇، وبما رووه أيضًا من فعل ابن عمر مخالفًا لما روى هؤلاء؛ عارضهم أهل المقالة الأولى بأن قالوا: ما روينا عن ابن عمر عن النبي ﵇ من جواز الوتر على الأرض من طريق محمد بن مسلم الزهري، وما رويتم من خلاف ذلك من طريق حنظلة بن أبي سفيان وحنظلة لا يقاوم الزهري ولا يعادله وإن كان حنظلة ثقة روى له الجماعة، فحينئذٍ لا يعارض حديث الزهري بحديثه.
وقالوا أيضًا: ما رواه حنظلة، عن ابن عمر من وتره على الأرض لا ينافي ما ذهبنا إليه؛ لأنه يجوز أن يكون فعل ذلك والحال أن له أن يوتر على الراحلة، وذلك كما كان له أن يصلي تطوعًا على الأرض كان له أن يصليه على الراحلة، وحاصله أن صلاته الوتر على الأرض لا يستلزم عدم جوازه عنده على الراحلة ولا دلّ دليل على أنه لا يجوز على الراحلة عنده فحينئذٍ لا يتم الاستدلال بما رواه
حنظلة من أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض.
ثم أكد ما ذكروه من ذلك بما رواه عن فهد بن سليمان، عن علي بن مَعْبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: "كان يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر على الأرض".
стр. 3194
فهذا يخبر أنه تارة كان يوتر على الراحلة وتارة على الأرض، فدلّ أن ما رواه حنظلة كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض لا ينافي جواز وتره على الراحلة.
قوله: "فقد يجوز أن يكون مجاهد ... " إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الثانية بما رواه مجاهد، عن ابن عمر: "أنه كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به، فإذا كان في السَّحَر نزل فأوتر".
بيان ذلك أن ما رواه مجاهد لا يدل على عدم جواز الوتر على الراحلة؛ لأنه يجوز أن يكون رآه يوتر على الأرض والحال أنه لم يعلم كيف كان مذهب ابن عمر في الوتر على الراحلة هل يجوز عنده أم لا؟
فغاية ما في الباب أنه أخبر بما شاهد منه من وتره على الأرض، وذلك لا يستلزم نفي جوازه على الراحلة عنده، ومع هذا روى سالم ونافع وأبو الحباب سعيد بن يسار: "أن ابن عمر ﵄ كان يوتر على راحلته" فكما أن رواية هؤلاء لا تستلزم عدم جوازه على الأرض فكذلك رواية مجاهد لا تستلزم عدم جوازه على الراحلة، فظهر أن كلا الأمرين جائز، وأن ما شاهده أحد من الرواة من فعل لا يستلزم نفي صحة ما شاهده غيره من الفعل الآخر إلا بدليل يدلّ عليه، والله أعلم.
ص: والوجه عندنا في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ كان يوتر على الراحلة قبل أن يحكم الوتر ويغلظ أمره ثم أحكم من بعد ولم يُرخِّصْ في تركه فروي عنه ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول ﷺ كان يصلي من الليل وعائشة معترضة بين يديه، فإذا أراد أن يوتر أوْمأ إليها أن تَنَحّي، وقال: هذه صلاة زدتموها".
стр. 3195
حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا موسى بن أيوب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن لهيعة والليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد، عن عبد الله بن أبي قرة، عن خارجة بن حذافة العدوي، أنه قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إن الله قد أمدَّكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم -ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر- الوتر الوتر؛ مرتين".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا ابن لهيعة، أن أبا تميم عبد الله بن مالك الجَيْشاني أخبره، أنه سمع عمرو بن العاص ﵁ يقول: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﵇ أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "إن الله قد زادكم صلاةً فصلوها فيما بين العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر.
ألا وإنه أبو بَصْرة الغفاريّ، قال أبو تميم: فكنتُ أنا وأبو ذر قاعدَين؛ فأخذ أبو ذر بيدي فانطلقنا إلى أبي بَصرة فوجدناه عند الباب الذي يلي دار عمرو بن العاص، فقال له أبو ذر: يا أبا بَصْرة أنت سمعتَ رسول الله ﵇ يقول: إن الله قد زادكم صلاة فصلوها فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر، الوتر الوتر. فقال أبو بصرة: نعم. فقال: أنت سمعته يقوله: قال: نعم. قال: أنت سمعته
يقوله؟ قال: نعم".
فأكد في هذه الآثار أمر الوتر ولم يرخص لأحد في تركه، وقد كان قبل ذلك ليس من التأكيد كذلك، فيجوز أن يكون ما روى ابن عمر عن رسول الله ﵇ من وتره على الراحلة كان ذلك من قِبَل تأكيده إياه، ثم أكده من بعد ذلك نسخ.
стр. 3196
ش: هذا جواب عما قاله أهل المقالة الأولى وهو الذي ذكره عنهم بقوله: "فكان من الحجة لأهل المقالة الأولى ... " إلى آخره، تقريره أن يقال: إن الذي ذكرتموه ولئن سلمنا أنه كذلك، ولكن يجوز أن يكون وتر النبي ﵇ على الراحلة قبل أن يحكم أمر الوتر ويغلظ شأنه؛ وذلك لأنه كان أولًا كسائر التطوعات فلذلك كانوا يصلونها على الراحلة، فلما أحكم أمره وشُدّد فصار كالفرض منع من ذلك كالفرض، ولمّا صار كالفرض صار حكمه حكم الفرض، وقد أجمعوا أن الفرض لا يجوز على الراحلة عند القدرة على النزول فكذلك الوتر.
ثم أخرج عن ثلاثة من الصحابة ما يدلّ على وجوب الوتر، وهم: عليّ وخارجة بن حذافة وأبو بَصْرة الغفاري ﵃.
أما حديث عليّ ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين:
أحدهما: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري بَحْشل شيخ مسلم وأبي حاتم والطبريّ أيضًا، عن عمّه عبد الله بن وهب المصري، عن موسى بن أيوب بن عامر الغافقي المصري وثقه أحمد وأبو داود وروى له، وابن ماجه والنسائي في مسند علي ﵁، عن عمه إياس بن عامر الغافقي المصري، وثقه ابن حبان وروى له هؤلاء عن علي بن أبي طالب ﵁.
والآخر: عن عبد الرحمن بن جارود بن عبد الله أبي بشر الكوفي، ثم البغدادي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمّه إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب ﵁.
ويستفاد منه: جواز الصلاة إلى المرأة وجوازها إلى نائم، وأن المرأة لا تقطع الصلاة، وأن الإشارة في الصلاة لا تُفسدها، واستحباب صلاة الليل، ووجوب صلاة الوتر بقوله ﵇: "هذه صلاة زدتموها" وأشار بـ"هذه" إلى صلاة الوتر.
وقوله: "زدتموها" بكسر الزاي من زاد، وهو يتعدّى ولا يَتعدّى، وها هنا مُتعدّ إلى مفعولين: أحدهما: الضمير الذي في زدتم الذي هو ضمير منصوب
стр. 3197
ولكنه ناب عن الفاعل، والثاني: الهاء التي ترجع إلى صلاة الوتر، وينبغي أن تعلم أن لفظة: "زدتم" ها هنا صيغة مجهول وإن كان مثل هذه اللفظة تستوي فيها صيغة المعلوم والمجهول، والفرق بالقرينة، فافهم.
وأما حديث خارجة بن حذافة فأخرجه أيضًا من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري والليث بن سعد المصري كلاهما، عن يزيد بن أبي حبيب سُوَيد المصري روى له الجماعة، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي أبي الضحاك المصري -وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه- عن عبد الله ابن أبي مرة الزَّوْفي المصري -وثقه ابن حبان وروى له هؤلاء- عن خارجة بن حذافة العدوي القرشي الصحابي المصري له هذا الحديث.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمد بن رمح المصري، أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذي (٢) أيضًا: ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث بن سَعْد، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوْفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزَّوْفي، عن خارجة بن حذافة قال: "خرج علينا رسول الله ﵇ فقال: إن الله أمدّكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر".
وقال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث فقال: عبد الله بن راشد الزرقي، وهو وهم.
стр. 3198
وأخرجه البيهقي (١) أيضًا: من حديث الليث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
وقال: ورواه ابن إسحاق عن يزيد فقال: عبد الله بن مرة.
وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": وهو عند ابن لهيعة عن رزين بن عبد الله الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزَّوفي.
ورواه أيضًا أحمد في "مسنده" (٢)، والدارقطني في "سننه" (٣)، والطبراني في "معجمه" (٤)، وابن عدي في "كامله" (٥)، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٦)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه لتفرد التابعي في الصحابي.
قلت: كأنه يشير إلى أن خارجة تفرد عنه ابن أبي مرة، وليس كذلك؛ لما ذكره أبو عبيد الله محمد بن الربيع الجيزي في كتاب "الصحابة" بالبينة، روى عنه أيضًا عبد الرحمن بن جبير قال: ولم يرو عنه غير أهل مصر.
وقال أبو زيد في كتاب "الأسرار": هو حديث مشهور.
ولما أخرجه أبو داود سكت عنه، ومن عادته إذا سكت عن حديث أخرجه يدل على صحته عنده ورضاه به (٧).
стр. 3199
فإن قيل: أعلّ ابن الجوزي في التحقيق هذا الحديث بعبد الله بن راشد، ونقل عن الدارقطني أنه ضعّفه.
وقال البخاري: لا يعرف لإسناد هذا الحديث سماع بعضهم من بعض.
قلت: عبد الله بن راشد وثقه ابن حبان والحاكم. والدارقطني (١) أخرج حديثه هذا ولم يتعرض إليه بشيء، وإنما تعرض إلى الحديث الذي أخرجه عن ابن عباس فقال: ثنا الحسين بن إسماعيل، نا محمد بن خلف المقرئ، نا أبو يحيى الحماني عبد الحميد، ثنا النضر أبو عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ خرج عليهم يُرى البِشْر أو السُّرورُ في وجهه، فقال: إن الله قد أمدكم بصلاة وهي الوتر".
النضر أبو عمر الخزاز ضعيف، وهذا الحديث مما يقوي حديث خارجة المذكور ويزيده قوةً في صحته، فافهم.
الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أبو الوليد الطيالسي وقتيبة بن سعيد المعنى، قالا: ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزَّوفي، عن خارجة بن حذافة، قال أبو الوليد: "خرج علينا رسول الله ﵇ فقال: "قد أمدّكم الله بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر".
قوله: "أمدكم" من الإمداد، يقال: مدّ الله في عمرك وأمدَّ السلطان الجيش يعني بزيادةٍ تلحقهم، ونسب النبي ﵇ زيادة الوتر إلى الله تعالى بأمره وإيجابه،
стр. 3200
ولو لم يكن واجبًا لكان بمنزلة التروايح والسنن التي واظب عليها ولم يجعلها زيادة في الفرائض.
فإن قيل: فقد قال الأعرابي لسيدنا رسول الله ﵇ حين سأله عن الصلوات: "هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع"، وقال لمعاذ ﵁ إذ أرسله إلى اليمن: "أخبرهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات".
قلت: في قوله: "زادكم" إشارة إلى أنها متأخرة عن وجوب الخمس، وأيضًا لم يقل أحدُ بفرضيته والوجوب غير الفريضة.
فإن قيل: لو كان واجبًا لما صلاه ﵇ على الراحلة إذ الفرائض لا تؤدى على الراحلة إلا بشروط.
قلت: أنتم تقولون بفرضيته على النبي ﵇ على ما هو الصحيح عندكم، وقال ابن عقيل: صح أن الوتر كان واجبًا عليه.
فإن قالوا: قال القرافي في "الذخيرة ": الوتر في السفر ليس واجبًا عليه، وصلاته إياه على الراحلة كانت في السفر.
يقال لهم: يكفي في هذا أنه قول بغير استناد إلى سنة صحيحة ولا ضعيفة، هذا ابن عمر- ﵁ يروي عنه الطحاوي أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله كان يفعل ذلك.
وقال الدارقطني (١): ثنا عبد الله بن سليمان، ثنا عيسى بن حماد، ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أن رسول الله كان لا يوتر على راحلته".
وسنده صحيح على شرط مسلم.
فإن قيل: قال الخطابي: قوله: "أمدكم بصلاة " يدل على أنها غير لازمة لهم،
стр. 3201
ولو كانت واجبة لخرج الكلام فيه على صيغة لفظ الإلزام فيقول: ألزمكم أو فرض عليكم أو نحو ذلك من الكلام.
وقد رُوي أيضًا في هذا الحديث: "إن الله قد زادكم صلاة"، ومعناه الزيادة في النوافل؛ وذلك أن نوافل الصلوات شفع لا وتر فيها فقيل: أمدكم بصلاة وزادكم صلاةً لم تكونوا تصلونها قبل ذلك على تلك الصورة والهيئة وهي الوتر.
وفيه: دليل على أن الوتر لا يقضى بعد طلوع الفجر، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد، وهو قول عطاء، وقال سفيان الثوري وأصحابه: يقضي الوتر وإن كان قد صلى الفجر. وكذلك قال الأوزاعي.
قلت: لا نسلم أن قوله: "أمدكم بصلاة" يدل على أنها غير لازمة؛ بل يدل على أنها لازمة؛ وذلك لأنه نسب ذلك إلى الله تعالى، فلا يكون ذلك إلا واجبًا، وتعين العبارة ليس بشرط في الوجوب، وقوله: "ومعناه الزيادة في النوافل" غير صحيح؛ لأن الزيادة من الله لا تكون نفلًا وإنما يكون ذلك إذا كان من النبي ﵇ بشرط عدم المواظبة؛ فحينئذٍ سقط قوله أيضًا: وفيه دليل على أن الوتر لا يقض بعد طلوع الفجر، بل الأحاديث التي تدل على وجوبه تدل على أنه يُقضى، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: لا قضاء عليه، وعن محمد: أحبّ إليّ أن يقضيه، وعن الشافعي: لا يجب عليه القضاء، وعن أحمد وأبي مصعب واللخمي المالكي: لا يقضي بعد الفجر.
فإن قيل: لم يقل بوجوب الوتر غير أبي حنيفة؟ حتى قال القاضي أبو الطيب: إن العلماء كافة قالت إن الوتر سنة حتى أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وحده: هو واجب.
وقال أبو حامد في "تعليقه": الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ولا واجب، وبه قالت الأمة كلها إلا أبا حنيفة.
стр. 3202
قلت: لا نسلم انفراد أبي حنيفة بهذا القول.
هذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سحنون وأصبغ بن الفرج وجوبه، وحكى ابن حزم أن مالكًا قال: من تركه أُدِّب وكانت حرجة في شهادته.
وفي "المصنف" (١) بسند صحيح: عن مجاهد: "هو واجب ولم يكتب".
وحكى ابن بطال وجوبه عن يوسف بن خالد السَّمْتي شيخ الشافعي، ووجوبه على أهل القرآن عن ابن مسعود وحذيفة وإبراهيم النخعي.
وحكاه ابن أبي شيبة أيضًا: عن ابن المسيب (٢) وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (٣) والضحاك (٤).
وفي "المغني": قال أحمد: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة.
وذكر في بعض شروح "الهداية": لو اجتمع أهل قرية على ترك الوتر أدّبهم الإِمام وحبسهم، فإن امتنعوا قاتلهم.
قوله: "من حمر النَّعَم" النَّعَم -بفتحتين-: واحد الأنعام وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل.
قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، يقولون: هذا نعم وارد، ويجمع على نعمان مثل حَمَل وحُملان، والأنعام يذكر ويؤنث.
"والحُمْر" بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر، ولما كانت الإبل الحُمْر أعز الأموال عند العرب ذكر ذلك ﵇.
قوله: "ما بين صلاة العشاء" خبر مبتدأ محذوف، أي: هي ما بين صلاة
стр. 3203
العشاء، وأراد: وقتها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وعن هذا قال أصحابنا: لو صلى الوتر قبل صلاة العشاء لا يجوز وعليه أن يعيده بعد أن يصلي العشاء.
وفي "المغني" لابن قدامة: فلو أوتر قبل العشاء لم يصح وتره.
وقال الثوري وأبو حنيفة: إن صلاه قبل العشاء ناسيًا لم يُعده، وخالفاه صاحباه فقالا: يعيد، وكذلك قال مالك والشافعي.
وفي بعض شروح البخاري: اختلف الناس في أول وقت الوتر، فالصحيح المشهور أنه يدخل بفراغه من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، وسواء أوتر بركعة أو بأكثر، فإن أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره.
قال النووي في "شرح المهذب" (١): سواء تعمده أو سها.
الثاني: يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء.
قال إمام الحرمين وغيره وقطع به أبو الطيب، وله أن يصليه قبلها، قالوا: سواء تعمده أم سها.
الثالث: أنه إن أوتر بأكثر من ركعة دخل وقته بفعل العشاء وإن أوتر بركعة فشرط صحتها أن يتقدمها نافلة بعد فريضة العشاء، فإن أوتر بركعة قبل أن يتقدمها نفل لم يصح وتره.
قال إمام الحرمين: ويكون تطوعًا.
стр. 3204
وقال أصحابنا: أول وقته عندهما بعد العشاء، وعند الإمام إذا غاب الشفق.
وفي "مختصر الطحاوي": وقته وقت العشاء فمَنْ صلاّه في أول الوقت أو آخره يكون مؤدّيًا لا قاضيًا.
وأما آخر وقته: فذكر ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر.
وزعم ابن التين أن أول وقته انقضاء صلاة العشاء، فإن ذكر الوتر وهو في صلاة الصبح فهل يقطعها؟
فقيل: يقطع مطلقا سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو فذًّا، وقيل: لا يقطع مطلقًا، وقيل: يقطع الإِمام والفذّ، وقيل: يقطع الفذ خاصةً، وقيل: إن تذكر قبل أن يعقد ركعة قطع وإلا فلا.
قوله: "الوترُ الوترُ" مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي الوتر، ويجوز الجر على أنه بدلًا من قوله: "بصلاة" وكرر "الوتر" للتأكيد، فافهم.
وأما حديث أبي نضرة: فأخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت السَّدُوسي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة، فهو وإن كان فيه مقال ولكنه ثقة عند أحمد والطحاوي، عن أبي تميم عبد الله بن مالك الجَيشاني الرعيني المصري، روى له الجماعة سوى البخاري، أبو داود في "القدر".
والجيشاني -بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- نسبة إلى جَيْشان بن عَيْدان بن حجر بن ذي رُعَيْن، عن عمرو بن العاص ﵁، عن أبي بصرة -بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة- واسمه حُمَيل بن بصرة -بضم الحاء المهملة وفتح الميم- وهو الصواب، وقيل: جَميل -بفتح الجيم وكسر الميم- وقال الترمذي: لا يصح.
стр. 3205
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، أن أبا تميم الجيشاني عبد الله بن مالك أخبره، أنه سمع عمرو بن العاص يقول: أخبرني رجل من أصحاب رسول الله ﵇، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "إن الله قد زادكم صلاة فصلُّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر الوتر ... " إلي آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
قوله: "زادكم صلاة" يدل على وجوب الوتر؛ لأن الزيادة والإمداد يكونان من جنس اللاحق به كما قلنا فيما مضى: إنه يقال: أمدّ السلطان الجيش إذا زادهم من جيشهم.
قوله: "الوتر، الوتر" بالتكرار للتأكيد، يجوز فيه الرفع والنصب كما ذكرنا أن الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأن النصب على أنه بدل من قوله "صلاة".
قوله: "ألا وإنه" كلمة "ألا" للتنبيه، كأنه ينبّه السامع على ما يأتي ليكون على أُهبْة من تحفّظه، والضمير في "وأنه" يرجع إلى الرجل في قوله: "أخبرني رجل من أصحاب النبي ﵇".
واعلم أن الترمذي (٢) لما أخرج حديث خارجة بن حذافة في الوتر قال: وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وبُرَيدة وأبي بصرة الغفاري.
قلت: وفي الباب عن ابن عباس وعائشة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل وأبي برزة الأسلمي وعلي بن أبي طالب وأبي أيوب الأنصاري، وسليمان بن ورد وعقبة بن عامر وعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أوفى ﵃.
стр. 3206
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد في ["مسنده" (١)] (٢) بسند جيد: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من لم يوتر فليس منّا".
وأما حديث عبد الله بن عمرو: فأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٣): من رواية المثنى بن الصباح وفيه ضعف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "إن الله تعالى زادكم صلاةً فحافظوا عليها وهي الوتر". فكان عمرو بن شعيب يَري أن يُعَاد الوتر ولو بعد شهر.
وأما حديث أبي بُرَيدة: فأخرجه أبو داود (٤): ثنا محمد بن المثنى، نا أبو إسحاق الطالقاني، نا الفضل بن موسى، عن عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد الله ابن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الوتر حق فمَنْ لم يُوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا".
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٥): وقال: هذا حديث صحيح.
فإن قيل: كيف يكون صحيحًا وفي إسناده أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله وقد تكلم فيه البخاري وغيره؟!
قلت: قال الحاكم: هو ثقة. وكذا قال ابن مَعين، وقال أبو حاتم: هو صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء.
وأخرج أبو بكر الرازي هذا الحديث، ولفظه: "الوتر حق واجب".
قوله: "حق" أي: واجب ثابت، والدليل على هذا المعنى قوله: "فمن لم يوتر
стр. 3207
فليس منا" وهذا وعيد شديد، ولا يقال مثل هذا إلا في حق تارك فرض أو واجب ولا سيما وقد تأكد ذلك بالتكرار ثلاث مرات، ومثل هذا الكلام بهذه التأكيدات لم يأت في حق السنن.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الدارقطني (١) بإسناده عنه: "أن النبي ﵇ خرج عليهم يُرى البِشْر أو السرور في وجهه، فقال: إن الله قد أمدكم بصلاة وهي الوتر"، وقد ذكرناه عن قريب.
وأما حديث عائشة ﵂: فأخرجه أبو زيد الدبوسي في كتاب "الأسرار" أنها قالت: قال النبي ﵇: "أوتروا يا أهل القرآن، فمَنْ لم يوتر فليس منا".
وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢)
بإسناده إلى أبي سعيد، قال: قال رسول الله: "مَن نام عن وتره أو نَسِيَه فليصلِّه إذا أصبح أو ذكره".
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ونقل تصحيحه ابن الحصار أيضًا عن شيخه.
وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا.
وأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁: فأخرجه ابن ماجه (٤): من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه قال: "إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن. فقال أعرابي: ما تقول؟ فقال: ليس لك ولا لأصحابك".
стр. 3208
وأخرجه أبو داود (١) أيضًا.
وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄: فأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥): أن النبي ﵇ قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا".
فقد أمر بجعل الوتر، والأمر للوجوب.
وأما حديث معاذ بن جبل ﵁: فأخرجه أحمد في "مسنده" (٦): من رواية عبيد الله بن زحر، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية: "أن معاذ بن جبل قدم الشام وأهل الشام لا يوترون، [فقال لمعاوية: ما لي أرى أهل الشام لا يوترون؟!] (٧) فقال معاوية: وواجبٌ ذلك عليهم؟ قال: نعم، سمعتُ رسول الله ﵇ يقول: زادني ربي صلاةً وهي الوتر فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر".
قلت: عبد الله بن زحر ضعيف جدًّا، ومعاوية لم يتأمَّر في حياة معاذ ﵁، فافهم.
وأما حديث أي بَرْزة: فأخرجه أبو عمر في "الاستذكار" (٨): أن رسول الله قال: "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا".
وأما حديث علي بن أبي طالب ﵁: فأخرجه أبو داود (٩): ثنا إبراهيم بن موسى، أنا عيسى، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي ﵁
стр. 3209
قال: قال رسول الله ﵇: "يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر".
وأخرجه الترمذي (١) وقال: حديث حسن.
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا.
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٤) والحاكم في "مستدركه" (٥) وصححه أيضًا أبو محمد الإشبيلي، وحسّنه الطوسي.
فإن قيل: قال الخطابي: تخصيصه أهل القرآن بالأمر فيه يدل على أن الوتر غير واجب، ولو كان واجبًا لكان عامًّا، وأهل القرآن في عرف الناس هم القراء والحفاظ دون العَوَامّ.
قلت: أهل القرآن بحسب اللغة يتناول كل من معه شيء من القرآن ولو كان آية، فيدخل فيه الحفاظ وغيرهم، على أن القرآن كان في زمنه ﵇ مفرقًا بين الصحابة، وبهذا التأويل الفاسد لا يبطل مقتضى الأمر الدالّ على الوجوب.
وأما حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: فأخرجه الدارقطني في "سننه" (٦):
ثنا إسماعيل بن العباس الوراق، نا محمد بن حسان الأزرق، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب، عن النبي ﵇ قال: "الوتر حق واجب، فمن شاء أن يوتر بثلاث فليوتر، ومن شاء أن يوتر بواحدة فليوتر بواحدة".
قوله: "واجب" ليس بمحفوظ، لا أعلم تابع ابن حسان عليه أحدٌ.
стр. 3210
وأما حديث سليمان بن صُرَد ﵁: فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١): من رواية إسماعيل بن عمرو الحلبي، عن الحسن بن صالح، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن ورد قال: قال النبي ﵇: "استاكوا وتنظفوا وأوتروا فإن الله وتر يحب الوتر".
وإسماعيل بن عمرو وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني وابن عدي.
وأما حديثا عقبة بن عامر وعمرو بن العاص: فأخرجهما الطبراني في "الكبير" و "الأوسط" (٢) من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني، عن رسول الله ﵇ قال: "إن الله زادكم صلاة خيرٌ لكم من حمر النعم، الوتر، وهي فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر".
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى: فأخرجه البيهقي في "الخلافيات": من رواية أحمد بن مصعب، ثنا الفضل بن موسى، ثنا أبو حنيفة، عن أبي يعفور، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي ﵇: "إن الله زادكم صلاةً وهي الوتر".
ص: وقد رأينا الأصل المجتمع عليه أن الصلاة المفروضة ليس للرجل أن يصليها قاعدًا وهو يُطيق القيام، وليس له أن يُصلّيها على راحلته في سفره وهو يطيق النزول، ورأيناه يصلي التطوع على الأرض قاعدًا وهو يطيق القيام، ويصليه في سفره على راحلته، فكان الذي يصليه قاعدًا وهو يطيق القيام هو الذي يصليه في السفر على راحلته، والذي لا يُصليه قاعدًا وهو يطيق القيام هو الذي لا يصليه في السفر على راحلته، هكذا الأصول المتفق عليها، ثم كان الوتر باتفاقهم لا يصليه الرجل على الأرض قاعدًا وهو يطيق القيام؛ فالنظر على ذلك أن لا يصليه في السفر على راحلته وهو يطيق النزول، فمن هذه
стр. 3211
الجهة -عندي- ثبت نسخ الوتر على الراحلة، وليس في هذا دليل على أنه فريضة أو تطوع.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذه إشارة إلى بيان وجه النظر والقياس، بيانه: أنا الصلاة المفروضة لا يجوز أداؤها قاعدًا مع القدرة على القيام، فكذا لا يجوز أداؤها في السفر على الراحلة عند القدرة على النزول، والصلاة التطوع يجوز أداؤها قاعدًا مع القدرة على القيام، فكذا يجوز أداؤها في السفر على الراحلة مع القدرة على النزول، هذا أصلُ مجمع عليده، ثم الوتر لا يجوز أداؤه قاعدًا على الأرض مع القدرة على القيام بلا خلاف، فالقياس على ذلك أن لا يُصلَّي في السفر على الراحلة مع القدرة على النزول؛ لأن كل ما له أن يصل قاعدًا مع القدرة على القيام كان له أن يصليه في السفر على الراحلة، وكل ما ليس له أن يصليه قاعدًا مع القدرة على القيام ليس له أن يصليه في السفر على الراحلة، فافهم.
قوله: "فمن هذه الجهة" أشار به إلى جهة النظر الذي ذكره.
فإن قيل: ما حقيقة وجه نسخ الوتر على الراحلة حتى قال: فمن هذه الجهة عندي ثبت نسخ الوتر على الراحلة.
قلت: وجه ذلك أن يكون بدلالة التاريخ وهو أن يكون أحد النصين موجبًا للمنع والآخر موجبًا للإباحة، فإن التعارض بينهما ثابت من حيث الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ وهو أن النص الموجب للمنع يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى وأحق.
بيان ذلك: أن الآثار التي احتجت بها أهل المقالة الأولى توجب إباحة الوتر على الراحلة، والآثار التي احتجت بها أهل المقالة الثانية توجب منع ذلك، وذلك لأنها تخبر عن وجوب الوتر وإلحاقه بالفرائض، وكان الحكم في الفرائض أن لا تُصلّى على الراحلة عند القدرة على النزول، فكذلك يكون حكم ما أُلحق
стр. 3212
بها، فتكون الآثار المذكورة دالة على انتساخ ما رُوي من جوازه على الراحلة من هذه الجهة، وهو تحقيق ما ذكره الطحاوي.
فإن قيل: كيف يكون النسخ وقد صح عن ابن عمر أنه كان يوتر على راحلته بعد النبي ﵇ ويقول: "كان رسول الله يفعل ذلك".
قلت: يجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوع، فحينئذٍ له أن يصلي على الراحلة إن شاء وإن شاء على الأرض كما في التطوع.
على أن مجاهدًا قد رُوي عنه أنه كان ينزل للوتر، فعلى هذا يجوز أن يكون ما فعله من وتره على الراحلة قبل علمه بالنسخ ثم لمّا علمه رجع إليه وترك الوتر على الراحلة، فافهم.
قوله: "وليس في هذا دليل على أنه ... " أي أن الوتر فريضة أو تطوع، وأشار بذلك إلى أن الوتر له منزلة بين المنزلتين وهو أنه ليس بفرض قطعيّ كسائر الفرائض القطعية ولا هو يقصو عن السنن المؤكدة ولهذا يجب قضاؤه أبدًا ولا يكفر جاحده.
وعن هذا قال أبو حنيفة: الوتر فرض عملًا -واجبٌ علمًا- سُنّةُ سببًا، والله أعلم.
стр. 3213
ص: باب: الرجل الذي يشك في صلاته فلا يدري أثلاثًا صلّى أم أربعًا
ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة الرجل الذي يَشكُّ في صلاته ولا يعلم هل صلّى ثلاث ركعات حتى يضيف إليها رابعةً أو صلى أربعًا حتى يقعد ويتشهد ويُسلِّم؟
"الشك" في اللغة خلاف "اليقين"، وفي الاصطلاح: الشكّ: ما يستوي فيه طرف العلم والجهل، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما، فإذا قوي أحدهما وترجح على الآخر ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر فهو ظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن وغالب الرأي، فيكون الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان.
وجه المناسبة بين البابين أن فيما مضى بيان الصلوات المقطوعة وفي هذا بيان الصلاة المشكوكة، فالمناسبة من حيث التضاد.
ص: حدثنا محمد بن علي بن محرز، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد وأتيت سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا جاء أحدَكم الشيطانُ فخلط عليه صلاته فلا يَدْري كم صلى؛ فليسجد سَجْدتين وهو جالسٌ".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن ابن شهاب، عن أتيت سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا إدريس بن يحيى، عن بكر بن مضر، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم فلم يَدْر أثلاثًا صلى أم أربعًا ... " فذكر مثله.
стр. 3214
حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: حدثني أبو سلمة ... ثم ذكر بإسناده مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عمرو بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: ثنا أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله وزاد: "ثم يسلم".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن عبد ربه ابن سعيد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "إن الشيطان إذا ثُوّب بالصلاة وَلَّى وله ضراط، فإذا أقيمت الصلاة يَلْتمسُ الخِلاط، فإذا أتى أحدكم مَنَّاه، وذكّره من حاجته ما لم يكن يذكر حتى لا يدري كم صلّى، فإذا وَجَد ذلك أحدكم فلْيَسجُد سجدتين وهو جالس".
ش: هذه ثمان طرق:
الأول: عن محمد بن علي بن محرز البغدادي، وثقه ابن يونس، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي الزبيري الكوفي روى له الجماعة، عن زمعة بن صالح الجندي اليماني، فيه مقال، فقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، كثير الغلط عن الزهري. وعن أحمد: صويلح الحديث. روى له مسلم مقرونًا بمحمد بن أبي حفصةً وروى له الأربعة، أبو داود في "المراسيل".
وهو يروي عن محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة.
стр. 3215
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أحمد بن عَبْدة، أنا سفيان بن عُيَيْنة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "يأتي أحدَكم الشيطان فيُلَبِّس عليه صلاته حتى لا يَدْري كم صلّى، فمن وجد منكم من ذلك شيئًا فَليسْجد سجدتين وهو جالس".
وأخرجه الجماعة على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: "فخلط عليه صلاته" من خلطت الشيء لغيره خلطًا فاختلط، وهو من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ.
وفي "الدُسْتور": خلط: معناه مزج، والمراد ها هنا: لبّس عليه كما في رواية البخاري وغيره، وهو من اللَّبْس بفتح اللام.
قوله: "وهو جالس" جملة اسمية في محل النصب على الحال.
الثاني: بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن مالك، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇.
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إن أحدكم إذا قام يصلّي جاءه الشيطان فلبَس عليه حتى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس".
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
стр. 3216
والنسائي (١): عن قتيبة، عن مالك.
قوله: "لبَس عليه" بتخفيف الباء كما في قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٢) وضبطها بعضهم بالتشديد لأجل التكثير، والتخفيف أفصح.
الثالث: بإسناد حسن جيد، عن إبراهيم بن منقذ العُصفري، عن إدريس ابن يحيى بن إدريس الخَوْلاني المصري، عن بكر بن مُضر بن محمد المصري، عن عمرو بن الحارث المصري، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلى (٣) في "مسنده".
الرابع: بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٤): ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "إذا نودي بالصلاة أَدْبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع النداء، فإذا قُضي النداء أقبل، فإذا ثُوِّب بها أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، حتى يقول: اذكر كذا ما لم يذكر، فإذا لم يَدْر أحدكم صلى ثلاثًا أو أربعًا فليسجد سجدتن وهو جالس".
الخامس: بإسناد صحيح أيضًا، عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني السكري شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة.
стр. 3217
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من طريق الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه.
السادس: بإسناد صحيح أيضًا، عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد ابن يوسف الفِرْيَابي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن مسكين، نا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "إذا نادى المنادي أدبر الشيطان له ضراط، فإذا قضي -يعني النداء- أقبل، فإذا ثوّب بها أدبر، فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الرجل وبين نفسه فيقول: اذكر كذا وكذا لما لم يذكر حتى لا يدري ثلاثًا صلى أو أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا فليسجد سجدتين وهو جالس".
قلت: هذا موقوف.
وأخرجه أيضًا مرفوعًا: عن بشر، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه.
السابع: بإسناد صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عمر بن يونس ابن القاسم الحنفي، عن عكرمة بن عمار العجلي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر بن بكر، ثنا محمد بن مرزوق، ثنا عمر بن يونس، ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى ابن أبي كثير، ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله: "إذا صلى أحدكم فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يُسلّم".
стр. 3218
الثامن: بإسناد صحيح أيضًا، عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): حدثني حرملة بن يحيى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، عن عبد ربه بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إن الشيطان إذا ثوب بالصلاة ولى وله ضراط ... " فذكر نحوه.
قوله: "يلتمس الخِلاط" بكسر الخاء أي الخلط، والمعنى يخالط قلب المصلي بالوسوسة، وهو مصدر من خَالطَهُ يُخَالِطُهُ مُخَالَطَةً وخِلَاطًا.
قوله: "منّاه" بالتشديد من التمني وهو تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون وما لا يكون.
قوله: "وذكَّره" بالتشديد أيضًا من التذكير.
ص: حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد الخدري، قال: قال لنا رسول الله ﵇: "إذا صلى أحدكم فلم يَدْر أثلاثًا صَلّى أم أربعًا فليسجد سجْدَتَيْن وهو جالس".
ش: إسناده حسن جيد، وهلال بن عياض ويقال له عياض بن هلال ذكره ابن حبان في الثقات وقال: عياض بن هلال، ومن قال أنه هلال بن عياض فقد وهم.
وفي "التكميل": عياض بن هلال وقيل: هلال بن عياض، وقيل: عياض ابن عبد الله، وقيل: عياض بن أبي زهير.
стр. 3219
وقال محمد بن يحيى الذهلي: الصواب عياض بن هلال.
وقال أبو حاتم: وهو أشبه.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عياض -يعني ابن هلال- قال: قلت لأبي سعيد: "أحدُنا يُصلّي فلا يدري كيف صلّى؟ فقال: قال رسول الله ﵇: إذا صلى أحدكم فلم يَدْر كيف صلى فليسجد سجدتين وهو جالس".
وقال: حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي هذا الحديث من غير وجه.
ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هذا حكم من دخل عليه الشك في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص سجد سجدتين وهو جالس ثم يُسلِّم ليس عليه غير ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وعطاء بن أبي رباح وأبا عبيدة معمر بن المثنى؛ فإنهم قالوا: من شكّ في صلاته ولم يدر أزاد أم نقص سجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم، وليس عليه شيء غير ذلك، واحتجوا في ذلك بظاهر الأحاديث المذكورة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يَبْني على الأقل حتى يعلم أنه أتى بما عليه يقينًا، وقالوا: ليس في الحديث دليل على أنه ليس على المصلي غير تَيْنك السجدتين؛ لأنه روي عنه ما قد زاد على ذلك وأوجب عليه قبل السجدتين البناء على اليقين حتى يعلم يقينًا زوال ما كان قد علم وجوبه عليه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وسعيد ابن جبير، وسالم بن عبد الله، وربيعة وعبد العزيز بن أبي سلمة، والثوري والأوزاعي ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: مَنْ شك في صلاته ولم يَدْر أزاد أم نقص يبني على الأقل؛ لأنه متيقن، والمعنى أنه إذا كان الشك
стр. 3220
بين الواحدة والثنتين يجعلها واحدةً، وإذا كان بين الثنتين والثلاث يجعلها ثنتين، وإذا كان بين الثلاث والأربع يجعلها ثلاثًا.
وقال ابن قدامة في "المغني": ومن كان إمامًا فشكّ فلم يَدْر كم صلّى تحرّى فبنى على أكثر وهمه ثم سجد بعد السلام.
قوله: "على أكثر وهمه" أي على ما يغلب على ظنه أنه صلاها، وهذا في الإِمام خاصة.
وعن أبي عبد الله رواية أخرى: أنه يبني على غالب ظنّه إمامًا كان أو منفردًا، "إنما يبني على اليقين إذا استوى عنده الأمران ولم يكن له غالب ظن سواء كان إمامًا أو منفردًا، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن مسعود، وبنحوه قال النخعي، وقاله أصحابُ الرأي إن تكرّر ذلك عليه، وإن كان أول ما أصابه أعاد الصلاة.
والرواية الثالثة عن أحمد: أنه يبني على اليقين ويسجد قبل السلام إمامًا كان أو منفردًا اختارها أبو بكر، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وعبد الله ابن عمرو وشريح والشعبي وعطاء وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله وهو قول ربيعة ومالك وعبد العزيز بن أبي سلمة والثوري والشافعي والأوزاعي وإسحاق، انتهى.
قلت: وروي عن الشعبي والأوزاعي وجماعة كبيرة من السلف: إذا لم يدر كم صلّى لزمه أن يعيد الصلاة مرة أخرى أبدًا حتى يستيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه.
قوله: "وقالوا ... " إلى آخره، أي قال هؤلاء الآخرون: ليس في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري دليل على أنه ليس على من يشك في صلاته ولم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا غير هاتين السجدتين؛ وذلك لأنه قد روي عن النبي ﵇ ما قد زاد على ذلك على ما يجيء الآن في الأحاديث الآتية أنه أوجب عليه قبل
стр. 3221
السجدتين البناء على اليقين حتى يخرج عن العهدة بيقين.
قوله: "تَيْنك" من أسماء الإشارة للمؤنث تقول للمذكر: "ذا" وتدخله "الهاء" فتقول: "هذا"، وللمؤنث "تا" وتلحقه "الهاء" فتقول: "هاتا"، ولتثنية المذكر "ذان" و"هذان" وللمؤنث "تان" و"هاتان"، ولجمعهما جميعا "أولاء" و"هؤلاء".
ص: فمما روي عنه في ذلك ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا إسماعيل المكي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: "كنت أذاكر عمر بن الخطاب ﵁ أمرَ الصلاة، فأتى عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﵇؟ قلنا: بلى. قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إذا صلى أحدُكم فشك في النقصان فليصلّ حتى يشك في الزيادة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: "جلست إلى عمر بن الخطاب فقال: يا ابن عباس هل سمعتَ عن رسول الله ﵇ في الرجل إذا نسي صلاته فلم يَدْر أزاد أم نقص ما أمر فيه؟ قلت: ما سمعتَ أنت يا أمير المؤمنين من رسول الله ﵇ فيه شيئًا؟ قال: لا، والله ما سمعتُ فيه شيئًا ولا سألتُ عنه؛ إذ جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ فأخبره عمر ﵁ فقال: سألت هذا الفتى عن كذا فلم أجده عنده علمًا فقال عبد الرحمن: لكن عندي، لقد سمعتُ ذلك من النبي ﵇، فقال عمر- ﵁: أنت عندنا العدل الرِضَا فمإذا سمعتَ؟ فقال: سمعت النبي ﵇ قال: إذا شك في صلاته، فشك في الواحدة والثنتين فليجعلهما واحدةً، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم".
ش: أي: فمن الذي روى "عن النبي ﵇ في ذلك" أي فيما زاد على ما احتج
стр. 3222
به أهل المقالة الأولى من الأحاديث المذكورة: "ما حدثنا" وهو في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "فمما روي عنه".
وهو ما أخرجه من طريقين:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السَّدُوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن إسماعيل بن مسلم المكي أصله بصريّ فسكن مكة، فكثرت مجاورته فيها فقيل له المكي، فيه مقال؛ فعن يحيى: لا شيء وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يكتب حديثه وليس بمتروك. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، روى له الترمذي وابن ماجه.
وهو يروي عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة، عن عبد الله بن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس:"أنه كان يُذاكر عُمر ﵁ شأن الصلاة، فانتهى إليهم عبد الرحمن بن عوف فقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﵇؟ قالوا: بلى، قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من صلاةً فشك في النقصان فليصل حتى يشك في الزيادة".
وأخرجه الترمذي (٢) معلقًا.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن خالد الوَهْبي الكندي، عن محمد بن إسحاق ... إلى آخره.
وهذا إسناد حَسنٌ جيد.
стр. 3223
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسماعيل، نا محمد بن إسحاق، حدثني مكحول، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين فليجعلهما واحدةً، وإن شك في ثنتين والثلاث فليجعلهما ثنتين، وإن شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم". قال محمد بن إسحاق: وقال لي حسين بن عبد الله: هل أسنده لك؟ فقلت: لا. فقال: لكنه حدثني أن كريبًا مولى ابن عباس حدّثه، عن ابن عباس قال: "جلستُ إلي عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا ابن عباس، إذا اشتبه على الرجل في صلاته فلم يَدْر أزاد أم نقص؟ فقلتُ: والله يا أمير المؤمنين ما أدري، ما سمعت في ذلك شيئًا. فقال عمر ﵁: والله ما أدري. فبَيْنا نحن على ذلك إذْ جاء عبد الرحمن بن عوف وقال: ما هذا الذي تذكران؟ فقال له عمر- ﵁: ذكرنا الرجل يشكُّ في صلاته كيف يصنع؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: ... " هذا الحديث.
وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا.
ص: حدثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أنا حَيْوَة، عن محمد بن عجلان أن زيد بن أسلم حدثه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فلم يَدْر أثلاثًا صلى أم أربعًا فليَبْن على اليقين ويدَعُ الشكَّ، فإن كانت صلاته نقصت فقد أتمها وكانت السجدتان ترغمان الشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد والسجدتان له نافلة".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد
стр. 3224
عن زيد بن أسلم ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن زيد ... فذكر بإسناده مثله. غير أنه لم يقل: "قبل التسليم".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه.
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا مالك، عن زيد ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر أبا سعيد ﵁.
ش: هذه خمس طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزيّ، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحَجْري المصري المؤذن -قال أبو حاتم: محله الصدق- عن حيوة بن شريح بن صفوان بن مالك التجيبي أبي زرعة المصري الفقيه الزاهد العابد روى له الجماعة، عن محمد بن عجلان المدني، عن زيد بن أسلم المدني، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن العلاء، نا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇: "إذا شك أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشك وَلْيَبْنِ على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتن، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلة والسجدتين، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تمامًا لصلاته وكانت السجدتان مُرغِمَتَي الشيطان".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: نا موسى بن داود، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن
стр. 3225
أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وَلْيَبْنِ على اليقين ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطان".
وأخرجه النسائي (١) وابن ماجه (٢) أيضًا.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن هشام بن سعد المدني القرشي يتيم زيد بن أسلم ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم ... بهذا الإسناد، وفي معناه قال: "يسجد سجدتين قبل السلام" كما قال سليمان بن بلال، وحديث سليمان بن بلال قد مرّ آنفًا.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن الماجشون عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٤): ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا بشر بن الوليد، ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ قال: "إذا لم يَدْر أحدكم كم صلّى، ثلاثًا أو أربعًا فليقم فليصلّ ركعةً ثم يسجد بعد ذلك سجدتي السهو وهو جالس، فإن كان صلى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كانت أربعًا أرغمتا الشيطان".