← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

السجدتين البناء على اليقين حتى يخرج عن العهدة بيقين. قوله: "تَيْنك" من أسماء الإشارة للمؤنث تقول للمذكر: "ذا" وتدخله "الهاء" فتقول: "هذا"، وللمؤنث "تا" وتلحقه "الهاء" فتقول: "هاتا"، ولتثنية المذكر "ذان" و"هذان" وللمؤنث "تان" و"هاتان"، ولجمعهما جميعا "أولاء" و"هؤلاء". ص: فمما روي عنه في ذلك ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا إسماعيل المكي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: "كنت أذاكر عمر بن الخطاب ﵁ أمرَ الصلاة، فأتى عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﵇؟ قلنا: بلى. قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إذا صلى أحدُكم فشك في النقصان فليصلّ حتى يشك في الزيادة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: "جلست إلى عمر بن الخطاب فقال: يا ابن عباس هل سمعتَ عن رسول الله ﵇ في الرجل إذا نسي صلاته فلم يَدْر أزاد أم نقص ما أمر فيه؟ قلت: ما سمعتَ أنت يا أمير المؤمنين من رسول الله ﵇ فيه شيئًا؟ قال: لا، والله ما سمعتُ فيه شيئًا ولا سألتُ عنه؛ إذ جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ فأخبره عمر ﵁ فقال: سألت هذا الفتى عن كذا فلم أجده عنده علمًا فقال عبد الرحمن: لكن عندي، لقد سمعتُ ذلك من النبي ﵇، فقال عمر- ﵁: أنت عندنا العدل الرِضَا فمإذا سمعتَ؟ فقال: سمعت النبي ﵇ قال: إذا شك في صلاته، فشك في الواحدة والثنتين فليجعلهما واحدةً، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم". ش: أي: فمن الذي روى "عن النبي ﵇ في ذلك" أي فيما زاد على ما احتج

стр. 3222

به أهل المقالة الأولى من الأحاديث المذكورة: "ما حدثنا" وهو في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "فمما روي عنه". وهو ما أخرجه من طريقين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السَّدُوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن إسماعيل بن مسلم المكي أصله بصريّ فسكن مكة، فكثرت مجاورته فيها فقيل له المكي، فيه مقال؛ فعن يحيى: لا شيء وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يكتب حديثه وليس بمتروك. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، روى له الترمذي وابن ماجه. وهو يروي عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة، عن عبد الله بن عباس ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس:"أنه كان يُذاكر عُمر ﵁ شأن الصلاة، فانتهى إليهم عبد الرحمن بن عوف فقال: ألا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﵇؟ قالوا: بلى، قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من صلاةً فشك في النقصان فليصل حتى يشك في الزيادة". وأخرجه الترمذي (٢) معلقًا. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن خالد الوَهْبي الكندي، عن محمد بن إسحاق ... إلى آخره. وهذا إسناد حَسنٌ جيد.

стр. 3223

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسماعيل، نا محمد بن إسحاق، حدثني مكحول، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والثنتين فليجعلهما واحدةً، وإن شك في ثنتين والثلاث فليجعلهما ثنتين، وإن شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم". قال محمد بن إسحاق: وقال لي حسين بن عبد الله: هل أسنده لك؟ فقلت: لا. فقال: لكنه حدثني أن كريبًا مولى ابن عباس حدّثه، عن ابن عباس قال: "جلستُ إلي عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا ابن عباس، إذا اشتبه على الرجل في صلاته فلم يَدْر أزاد أم نقص؟ فقلتُ: والله يا أمير المؤمنين ما أدري، ما سمعت في ذلك شيئًا. فقال عمر ﵁: والله ما أدري. فبَيْنا نحن على ذلك إذْ جاء عبد الرحمن بن عوف وقال: ما هذا الذي تذكران؟ فقال له عمر- ﵁: ذكرنا الرجل يشكُّ في صلاته كيف يصنع؟ فقال: سمعت رسول الله يقول: ... " هذا الحديث. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا. ص: حدثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أنا حَيْوَة، عن محمد بن عجلان أن زيد بن أسلم حدثه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم فلم يَدْر أثلاثًا صلى أم أربعًا فليَبْن على اليقين ويدَعُ الشكَّ، فإن كانت صلاته نقصت فقد أتمها وكانت السجدتان ترغمان الشيطان، وإن كانت صلاته تامة كان ما زاد والسجدتان له نافلة". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد

стр. 3224

عن زيد بن أسلم ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن زيد ... فذكر بإسناده مثله. غير أنه لم يقل: "قبل التسليم". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه. وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا مالك، عن زيد ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر أبا سعيد ﵁. ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزيّ، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحَجْري المصري المؤذن -قال أبو حاتم: محله الصدق- عن حيوة بن شريح بن صفوان بن مالك التجيبي أبي زرعة المصري الفقيه الزاهد العابد روى له الجماعة، عن محمد بن عجلان المدني، عن زيد بن أسلم المدني، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن العلاء، نا أبو خالد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇: "إذا شك أحدكم في صلاته فَلْيُلْقِ الشك وَلْيَبْنِ على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتن، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلة والسجدتين، وإن كانت ناقصةً كانت الركعة تمامًا لصلاته وكانت السجدتان مُرغِمَتَي الشيطان". وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: نا موسى بن داود، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن

стр. 3225

أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وَلْيَبْنِ على اليقين ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربعٍ كانتا ترغيمًا للشيطان". وأخرجه النسائي (١) وابن ماجه (٢) أيضًا. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن هشام بن سعد المدني القرشي يتيم زيد بن أسلم ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): نا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم ... بهذا الإسناد، وفي معناه قال: "يسجد سجدتين قبل السلام" كما قال سليمان بن بلال، وحديث سليمان بن بلال قد مرّ آنفًا. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن الماجشون عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٤): ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا بشر بن الوليد، ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ قال: "إذا لم يَدْر أحدكم كم صلّى، ثلاثًا أو أربعًا فليقم فليصلّ ركعةً ثم يسجد بعد ذلك سجدتي السهو وهو جالس، فإن كان صلى خمسًا شفعتا له صلاته، وإن كانت أربعًا أرغمتا الشيطان".

стр. 3226

الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار ... فذكر الحديث المذكور نحوه، غير أنه لم يذكر في روايته أبا سعيد الخدري فأخرجه مرسلًا. وأخرجه مالك في "موطئه" (١): عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يَدْر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا فليُصلّ ركعةً، وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شافعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان". الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن مالك، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البيهقي (٢) أيضًا نحوه مرسلًا: من حديث مالك. وقال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث عن مالك جميع رواة "الموطأ" عنه، ولا أعلم أحدًا أسنده عن مالك إلا الوليد بن مسلم وتابعه على ذلك يحيى بن راشد -إن صح- عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇، وقد تابع مالكًا على إرساله: الثوري، وحفص بن ميسرة الصَنْعاني، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وداود بن قيس الفراء فيما رواه عنه القطان، وأسنده من الثقات على حسب رواية الوليد بن مسلم له عن مالك: عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن بلال، ومطرف أبو غسان، وهشام ابن سعد، وداود بن قيس في غير رواية القطان، والحديث متصل مسند صحيح لا يضرّه تقصير من قصّر به في اتصاله؛ لأن الذين وصلوه حُفّاظ مقبولة زيادتهم.

стр. 3227

قوله: "ويدع الشك" أي يتركه، والمعنى إذا شك في صلاته فلم يدر اثنتين صلّى أم ثلاثًا أم أربعًا فليترك الشك وليبن علي اليقين. قوله: "وكانت السجدتان ترغمان الشيطان" أي السجدتان اللتان سجدهما مرغمتي الشيطان أي مغيظتَيْن له ومُذلّتَين له، مأخوذ من الرغام وهو التراب، ومنه: أرغم الله أنفك؛ وذلك لأنها في حالة النقصان جبرٌ له، وفي حالة الزيادة والتمام تكون إرغامًا للشيطان؛ لأنه يبغض السجدة؛ لأنه ما لُعِن إلا من إبائه عن سجود آدم ﵇. قوله: "والسجدتان" عطف على قوله: "ما زاد". وقوله: "نافلةً" بالنصب خبر كان. وقال الخطابي: وفي هذا الحديث بيان فساد قول مَنْ ذهب في من صلّى خمسًا إلى أنه يضيف إليها سادسة إن كان قعد في الرابعة، واعتلوا بأن النافلة لا تكون ركعة واحدة وقد نصّ فيه من طريق ابن عجلان على أن تلك الركعة تكون نافلة، ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها. قلت: بل الفساد فيما قاله؛ لأن أصحابنا ما ألزموا بإضافة الركعة السادسة، بل قالوا: الأولى أن يضيف إليها ركعةً سادسة، ولا نسلم أن المنصوص من طريق ابن عجلان هو أن الركعة وحدها تكون نافلةً، بل ما كانت الركعة نافلة والسجدتين يعني مع السجدتين، فأجاب أصحابنا عن هذا الحديث أنه محمول على ما إذا وقع له مرارًا ولم يقع تحرّيه على شيء، والله أعلم. ص: فهذه الآثار تزيد على الآثار الأُوَل؛ لأن هذه توجب البناء على الأقل والسجدتين بعد ذلك، فهي أولى منها لأنها قد زادت عليها. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي رُويت عن عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد الخدري.

стр. 3228

فقالت أهل المقالة الثانية: في هذه الآثار زيادة على الآثار الأُوَل -وهي الأحاديث التي رويت عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ وهي أنها توجب البناء على الأقل لكونه مُتيقنًا، وتوجب السجدتين بعد ذلك، فهي أولى من الآثار الأُوَل لكونها زائدة عليها، والعمل بما زاد أولى؛ لكونها أكثر فائدة، والله أعلم. ص: وقال آخرون: الحكم في ذلك أن ينظر المصلي إلى أكبر رأيه في ذلك فيعمل على ذلك، ثم يسجد سجدتي السهو بعد التسليم، وإن كان لا رأي له في ذلك بني على الأقل حتى يعلم يقينًا أنه قد صلى ما عليه. ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر بن الهذيل؛ فإنهم قالوا: الحكم فيمن شك ولم يَدْر أصلّى ثلاثًا أم أربعًا: أن ينظر إلى غالب ظنه في ذلك فيعمل بحسب ذلك ثم يسجد سجدتي السهو بعد السلام، وإن كان لا رأي له في ذلك بحيث إنه لا يستقر قلبه على شيء، أخذ في ذلك بالأقل وبنى عليه؛ لأنه هو المتيقن، ليخرج عن عهدة التكليف باليقين. وقد قال أصحابنا الحنفية في كتبهم: إن الشك إن كان عرض له أول مرة يَسْتقبل صلاته وإن كان يَعْرض له كثيرًا بني على أكبر رأيه، وقد طعنت الشافعية والمالكية والحنابلة وأصحابنا في هذا وقالوا: ليس في شيء من الآثار عن النبي ﵇ تفرقة بين أول مرة وغيرها، فلا معنى لقول أبي حنيفة في ذلك. وقال ابن قدامة في "المغني": فأما قولُ أصحاب الرأي فيخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﵇. وقال ابن حزم: تقسيم أبي حنيفة في هذا بأن كان إن عرض له ذلك أول مرة أعاد الصلاة، وإن كثر ذلك يتحرى أغلب ظنه. فاسد باطل؛ لأنه بلا برهان.

стр. 3229

قلت: هذا الطحاويّ أعلم الناس باختلاف العلماء وأعلم أصحاب أبي حنيفة بفقه أبي حنيفة لم يذكر هذه التفرقة، ولو كانت هذه التفرقة عن أبي حنيفة نفسه لذكرها الطحاوي، فظهر من هذا أن ذلك عن أصحاب أبي حنيفة لا عن أبي حنيفة، فكيف يطعنون أبا حنيفة بهذا؟! ولئن سلمنا أن ذلك من أبي حنيفة فمُسْتنده حينئذٍ قوله ﵇: "لا غرار في صلاة ولا تسليم". أخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. و"الغِرار": بكسر الغين المعجمة وتخفيف الراء الأولى: النقصان، وأراد بها: نقصان هيئاتها وأركانها. قوله: "ولا تسليم" روي بالنصب والجرّ، فمن جرّه كان معطوفًا على الصلاة ويكون المعنى: لا غرار في تسليم أيضًا، وغرار التسليم أن يقول المجيب: وعليك، ولا يقول: السلام. ومن نصبه يكون معطوفًا على الغرار، ويكون المعنى: لا نقص ولا تسليم في صلاة؛ لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا سفيان، عن منصور، قال: "سألت سعيد بن جبير عن الشك في الصلاة فقال: أما أنا فإن كانت التطوع استقبلتُ، وإن كانت فريضة سلمتُ وسجدتُ. قال: فذكرته لإبراهيم فقال: ما نَصْنعُ بقول سعيد بن جبير، حدثني علقمة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﵇ قال: "إذا سها أحدكم في صلاته فليتحرّ وليسجُدْ سجدتين". حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وُهَيبٌ، قال: ثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "إذا

стр. 3230

صلى أحدكم فلم يَدْر أثلاثًا صلى أم أربعًا فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليُتّمه، ثم ليُسَلّمْ، ثم ليسجد سجدتين للسهو، ويتشهد ويُسلّم". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن منهال، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، قال: ثنا رَوْح بن القاسم، عن منصور ... فذكر مثله بإسناده، غير أنه لم يقل: "ويتشهد". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن منصور ... فذكر بإسناده مثله. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن مسعود ﵁. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن محمد بن عبد الله بن الزبير أبي أحمد الزبيري الكوفي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن سعيد بن جُبير ﵁. ثم عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس النخعي، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأصل هذا الحديث عند الجماعة. وأخرجه الدارقطني (١) مقتصرًا على ما روي عن النبي ﵇: ثنا القاضي حسين بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا وكيع، ثنا مسعر بن كدام، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﵇: "إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحرّ الصواب ثم يسجد سجدتي السهو". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن يحيى بن حسان، عن وُهَيْبٌ بن خالد البصري، عن منصور ... إلى آخره.

стр. 3231

وأخرجه مسلم (١): عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن يحيى بن حسان، عن وُهَيبْ ... إلى آخره نحوه. ثم قال: وفي رواية ابن بشر: "فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب" وفي رواية وكيع: "فليتحرّ الصواب"، وفي أخرى: "فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب"، وفي أخرى: "فليتحر الذي يرى أنه الصواب". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن محمد بن منهال التميمي البصري شيخ الشيحين، عن يزيد بن زريع ... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٢) بأتمّ منه: أنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر، قال: ثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا رَوْح بن القاسم، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود ﵁ قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ صلاةً زاد فيها أو نقص منها، فلما أتمّ قلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال: فثَنى رِجليْه، فسجد سجدتين، ثم قال: لو حدث في الصلاة شيء أخبرتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنْسَى كما تَنْسَوْن، فإذا نَسيتُ فذكّروني، وإذا أحدكم شك في صلاته فليتحر الصواب، ولْيَبْن عليه، ثم ليسجد سجدتين". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، عن منصور بن المعتمر ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٣) نحوه. قوله: "فليتحرّ" أمر من التحرّي، وهو: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول.

стр. 3232

قوله: "فلينظر أحرى ذلك" أي أولى ذلك وأقربه إلى الصواب. وفيه من الفوائد: وجوب الأخذ بالتحري عند وقوع الشك بين الثلاث والأربع، وكذلك بين الثنتين والثلاث والواحدة والثنتين، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل والإتيان بالزيادة كما ذهب إليه الخصم. فإن قيل: التحرّي في حديث عبد الله محمول على الأخذ بالأقل الذي هو اليقين؛ لأن التحري هو القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ (١) ومعنى قوله: "فليتحر": فليقصد الصواب فيعمل به، وقصد الصواب هو ما بيّنه في حديث أبي سعيد الخدريّ وغيره على ما مضى ذكره. قلت: حديث أبي سعيد محمول على ما إذا تحرّى ولم يقع تحريه على شيء، فنقول: إذا تحرى ولم يقع تحرِّيه على شيء بني على الأقل. وحديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا؛ لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يَبْني على الأقل؛ بالإجماع. وقول الشيخ محيي الدين النووي ﵀ في دفع هذا: إن تفسير الشك بمستوي الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصولين، وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يُسمّى شكًّا سوى المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يُحمل على اللغة ما لم تكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح؛ لأن المراد الحقيقة العرفية وهي أن الشك ما استوى طرفاه. ولئن سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي فليس معنى الشك في اللغة ما ذكره؛ لأن صاحب "الصحاح" فسر الشك في باب: "الكاف" فقال: الشك خلاف اليقين. ثم فسر اليقين في باب: "النون" فقال: اليقين: العلم. فيكون الشك ضد العلم، وضد العلم الجهل، ولا يُسمّى المتردد بين وجود الشيء وعدمه جاهلًا، بل يُسمّى شاكًا،

стр. 3233

فَعُلِمَ أن قوله: "وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يُسمّى شكًّا" هو الحقيقة العرفية لا اللغوية. وفيه: وجوب سجدتي السهو، وأنهما بعد السلام، وأن سجدتي السهو لهما سلام وتشهد. ص: ففي هذا الحديث العمل بالتحري، وتصحيح الآثار يُوجب ما يَقُولُ أهلُ هذه المقالة؛ لأن هذا إن بطل ووجب أن لا يَعْمل بالتَحْرّي انتفى هذا الحديث، وإن وَجب العمل بالتحري إذا كان له رأي، والبناء على الأقل إذا لم يكن رأي، استوى حديث عبد الرحمن وحديث أبي سعيد وحديث ابن مسعود، فصار كل واحد منها قد جاء في معنى غير المعنى الذي جاء فيه الآخر، وهكذا ينبغي أن تُخرّج الآثار وتحمل على الاتفاق ما قُدِرَ على ذلك، ولا تُحمَل على التضاد إلا أن لا يوجد لها وجه غيره، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي ففي حديث ابن مسعود: الواجب العمل بالتحري؛ للأمر به الدالّ على الوجوب، فتصحيح الأحاديث المتضادة يُوجبُ ما ذهب إليه أهل هذه المقالة، وهم أهل المقالة الثالثة؛ وذلك لأن ما ذهبوا إليه إذا بطل ووجب أن لا يعمل بالتحري لزم إلغاء هذا الحديث، وهو معنى قوله: "انتفى هذا الحديث" أي حديث ابن مسعود ﵁، والحال أنه مما ينبغي أن يُعمل بالآثار كلها مهما أمكن وقُدِر على ذلك؛ لأن الإعمال بجميعها عند الإمكان خير من إعمال بعضها وإهمال بعضها، وها هنا إذا عملنا بالتحري عند وجود الرأي، وبالبناء على الأقل عند عدم الرأي؛ تَسْتَوي أحاديث هذا الباب كلها التي رواها عبد الرحمن بن عوف، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود ﵃، فإذا عملنا هكذا يكون كل واحد من هذه الأحاديث لمعنًى غير معنى الآخر، فلا يكون بين معانيها تضاد، وهكذا ينبغي أن تُخرّج الآثار حملًا على التوافق ودفعًا للتضاد مهما أمكن، اللهم إلا إذا لم يوجد لها وجه غير ذلك كما عرف في موضعه.

стр. 3234

فإن قيل: المصير إلى التحري لضرورة، ولا ضرورة ها هنا؛ لأنه يمكنه إدراك اليقين بدونه بأن يبني على الأقل فلا حاجة إلى التحري. قلت: قد يتعذر عليه الوصول إلى ما اشتبه عليه بدليل من "الدلائل" والتحري عند عدم الأدلة مشروع كما في أمر القبلة. فإن قيل: يستقبل. قلت: لا وجه لذلك؛ لأنه عسى أن يقع له ثانيًا وثالثًا إلى ما لا يتناهى. فإن قيل: يبني على الأقل. قلت: لا وجه لذلك أيضًا؛ لأن ذلك لا يوصله إلى ما عليه فلا يبني على الأقل إلا عند عدم وقوع تحريه على شيء كما ذكرنا، والله أعلم. ص: ومما يُصحح ما ذهبوا إليه: أن أبا هريرة ﵁ قد روينا عنه عن النبي ﵇ في أول هذا الباب ما ذكرنا، ثم قال هو برأيه أنه يتحرّى. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا شيخٌ أحسبه أبا زيد الهروي، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني إدريس، عن أبيه سمعه يُحدث، قال: "قال أبو هريرة في الوهم: يتحرى". ش: أي ومن الذي يصحح ما ذهب إليه أهل المقالة الثالثة -وهم: أبو حنيفة وأصحابه ﵏ من وجوب التحري عند وجود الرأي: أن أبا هريرة روي عنه أنه روى عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا جاء أحدكم الشيطان فخلط عليه صلاته فلا يدري كم صلى؛ فليسجد سجدتين وهو جالس". ثم قال أبو هريرة برأيه من نفسه: "أنه يتحرى". ولو لم يكن التحري معمولًا به عند وجود الرأي لما قال به أبو هريرة مع كون حديثه ثابتًا عنده. وأبو زيد الهروي اسمه سعيد بن الربيع الجرشي العامري البصري كان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها، قال أبو حاتم: صدوق. وروى له مسلم والترمذي والنسائي.

стр. 3235

وإدريس هو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْدي الزعافري من أهل الكوفة والد عبد الله بن إدريس، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يروي عن أبيه، عن أبي هريرة. وأبوه يزيد بن عبد الرحمن أبو داود الأوْدي، ذكره ابن حبان في "الثقات". قوله: "في الوهم" من وهمت في الحساب بالكسر أوهم وَهْمًا إذا غلطت فيه وسهوت، وأما وهمت في الشيء فهو بالفتح أهَم وَهْمًا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تُريد غيرَه، وتوهمتُ أي ظننتُ. ص: وقد روي عن أبي سعيد مثل ذلك أيضًا. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: ثنا سفيان بن عُيَيْنة، قال: ثنا عمرو بن دينار، قال: "سُئل ابن عمر وأبو سعيد الخدريّ ﵄ عن رجل سَهَا فلم يَدْر كم صلّى ثلاثًا أم أربعًا فقالا: يتحرّى أصوَبَ ذلك فيُتمّه، ثم يسجد سجدتين وهو جالس". حدثنا أبو أميّة، قال: ثنا شبابةُ بن سَوار، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن سليمان اليَشكرِي، عين أبي سعيد الخدري: "أنه قال في الوهم: يتحرى. قال: قلت: عن النبي ﵇؟ قال: عن النبي ﵇". فدلّ ما ذكرنا أن ما رواه أبو سعيد عن النبي ﵇ إنما هو إذا كان لا يدري أثلاثًا صلّى أم أربعًا ولم يكن أحدهما أغلب في ظنّه من الآخر، وأما إذا كان أحدُهما أغلب في قلبه من الآخر عمل على ذلك، فقد وافق ما روي عن أبي سعيد لما جُمعَ ما رواه عن النبي ﵇ وما أجاب به الذي سأله بعد النبي ﵇ ما قال أهل هذه المقالة الآخرة لا ما قال مَنْ خالفهم. ش: أي قد روي عن أبي سعيد الخدري سَعْد بن مالك ﵁ مثل ما رُوي عن أبي هريرة من قوله في الوَهْم: "يتحرى"، ولما سأله سليمان اليشكري: أهو عن النبي ﵇؟ قال: عن النبي ﵇، فدلّ هذا أن ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ إنما هو

стр. 3236

محمول على ما إذا كان لا يدري أثلاثًا صلّى أم أربعًا ولم يكن أحدهما أغلب في ظنه من الآخر، وأما إذا كان أحدهما -أي: أحد الأمرين وهما الشك في الثلاث والأربع- أغلب في قلبه من الآخر عمل على ذلك، أراد أنه يعمل به على ما صرّح به من قوله: "فليبن علي اليقين ويدع الشك"، فإذا كان الأمر كذلك فقد وافق ما روي عن أبي سعيد ﵁ لما جُمِعَ -أي حين جُمِعَ- ما رواه عن النبي ﵇ وما أجاب به الرجل الذي سأله بعد النبي ﵇ ما قال أهل المقالة الآخرة وهم أهل المقالة الثالثة. فقوله: "ما روي" فاعل لقوله: "فقد وافق"، وقوله: "ما قال أهل هذه المقالة" مفعوله، والعامل في "لما جُمع" هو قوله: "وافق" و"جُمِع" على صيغة المجهول وهو مسند إلى قوله: "ما رواه" أي: ما رواه أبو سعيد. وقوله: "وما أجاب به" عطف على قوله: "ما رواه" أي: والذي أجاب به أبو سعيد لمن سأله بعد النبي ﵇. ص: وقد روي عن أنس بن مالك ﵁ في التحري مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أنا حماد بن سلمة وأبو عوانة، عن قتادة، عن أنس مثله. ش: أي مثل ما روي عن أبي سعيد الخدري. أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ البخاري وأبي عوانة الوضاح اليشكري كلاهما، عن قتادة، عن أنس. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا عبيد الله بن سعيد، ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁: "إذا وهم الرجل في صلاته فلم يَدْر كم صلّى، قال: ينتهي إلى وهمه ويسجد سجدتين".

стр. 3237

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي معاوية، عن زياد بن سعد، عن ضمرة بن سَعْد، عن أنس: "أنه سجد سجدتي السهو بعد السلام". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن عمر بن محمد بن زَيْد، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخّ الذي يظنُّ أنه نسيَ من صلاته فليصلّه وليَسْجد سجدتين وهو جالس". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن محمد، عن سالم ... ثم ذكر مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن النسيان في الصلاة يقول: ليتوخ أحدُكم الذي ظن أنه قد نسي من صلاته فليصلّه". حدثنا محمد بن العباس بن الربيع، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل ابن عُلية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في التحري في الشك في الصلاة مثل ما في حديث ابن وهب، عن مالك، عن عمر بن محمد، وعن ابن وهب، عن عمر نفسه. ش: هذه أربع طرق صحاح، ورجاله قد ذكروا غير مرة. ويونس هو ابن عبد الأعلى، وابن وهب هو عبد الله، وأيوب هو السختياني. والأثر أخرجه مالك في "موطئه" (٢). وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: "يتوخى الذي يرى أنه قد نقص فيُتمّه".

стр. 3238

قوله: "فليتوخ" أي فليقصد، من توخّيت الشيء أتوَخَّاه توخّيًّا إذا قصدت إليه وتعمدت فعله وتحريت فيه. قوله: "مثل ما في حديث ابن وهب" أراد به الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس المذكور آنفًا. قوله: "وعن ابن وهب، عن عمر نفسه" أي وبمثل ما في حديث يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب نفسه، وأشار به إلى طريق آخر عن يونس، عن ابن وهب، عن عمر نفسه. ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأينا الأصل في ذلك: أن هذا الرجل قبل دخوله في الصلاة قد كان عليه أن يأتي بأربع ركعات، فلما شك في أن يكون جاء ببعضها؛ وجب النظر في ذلك ليُعلم كيف حكمه؟ فرأيناه لو شك في أن يكون قد صلى؛ لكان عليه أن يُصلّي حتى يَعلم يقينًا أنه قد صلى، ولا يعمل في ذلك بالتحري. فكان النظر على هذا أن يكون كذلك هو في كل شيء من صلاته، كل ذلك عليه فرض، وعليه أن يأتي به حتى يعلم يقينًا أنه قد جاء به. ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: هو أنَّا رأينا الأصل في هذا الباب: أن هذا الرجل الذي شك في صلاته أصلّى ثلاثا أم أربعًا، كان الواجب عليه قبل دخوله في الصلاة أن يأتي بأربع ركعات، فكذلك إذا دخل وشكّ في أنه قد أتي ببعضها؛ لأن الشيء على أصله المعروف حتى يزيله يقينٌ لا شك معه، وأن الذي يدخل في شيء بيقين لا يجوز له أن يخرج عنه إلا بيقين أنه قد حل له الخروج من ذلك الشيء، ولما جاء الشكّ في إتيان بعضها؛ وجب النظر فيه لنعلم كيف حكمه.

стр. 3239

فرأينا المصلي لو شك في أنه هل صلى أم لا كان الواجب عليه أن يصلي حتى يعلم يقينًا أنه قد صلى، ولا يجوز العمل في ذلك بالتحري؛ لما قلنا: إن الشيء مبنيّ على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك معه. فالنظر والقياس على ذلك: أن يكون حكمه كذلك في كل جزء من أجزاء صلاته؛ لأن كل ذلك فرض عليه، وعليه أن يأتي بكل ذلك حتى يتيقن أنه قد أتى به، ألا ترى أن العلماء قد أجمعوا أن مَنْ أيقن بالحدث وشك في الوضوء أن شكه لا يفيده فائدة، وأن عليه الوضوء فرضًا، وهذا يدلك أن الشك ملغي، وأن العمل على اليقين عندهم، وهذا أصل كبير في الفقه، ألا ترى إلى قوله ﵇: "وإذا أتى أحدكم الشيطان وهو في صلاته فقال له: إنك قد أحدثت، فلا ينصرف حتى يسمع بأذنيه صوته أو يجد ريحه بأنفه"، فإنه ﵇ لم يَنْقله من يقين طهارته إلى شكٍّ، بَلْ أمره أن يبني على يقينه في ذلك حتى يصحّ عنده يقينٌ يصيرُ إليه. ص: فإن قال قائل: إن الفرض عليه غيرُ واجب حتى يعلم يقينًا أنه واجبٌ. قيل له: ليس كذلك وجدنا العبادات كلها؛ لأنَّا تُعبدْنا أنه إذا أغمي علينا في يوم ثلاثين من رمضان فاحتمل أن يكون من شهر رمضان فيكون علينا صومه، واحتمل أن يكون من شوال فلا يكون علينا صومُه، أمرنا أن نصومه حتى نَعْلمَ يقينًا أنه ليس علينا صومه، فكان من دخل في شيء بيقين لم يخرج منه إلا بيقين، فالنظر على ذلك أن يكون أول من دخل في صلاته بيقين أنها عليه، لم يحل له الخروج منها إلا بيقين أنه قد حلّ له الخروج منها. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد فرضتم على الذي شك في صلاته أصلى ثلاثًا أم أربعًا مثلًا أن يأتي به حتى يعلم يقينًا أنه قد جاء به، والفرض عليه غير واجب حتى يعلم يقينًا أنه واجب، وأراد أن الفرضية لا تثبت إلا باليقين.

стр. 3240

وتقرير الجواب أن يقال: ليس الأمر كذلك في جميع العبادات، بل في بعضها يثبت الوجوب وإن لم يكن ثمة يقين، ألا ترى أنه إذا أغمي عليهم في يوم ثلاثين من رمضان فإنه يقع فيه الشك؛ لأنه إن كان هذا اليوم من رمضان يجب عليهم صومه، وإن كان من شوال يحرم عليهم صومه؛ لأنه يوم عيد، ومع هذا يجب عليهم صومُه حتى يعلموا يقينًا أنه ليس عليهم صومه بأن يعلموا أنه من شوال حقيقةً، وكذلك إذا أغمي عليهم الهلال في اليوم الثلاثين من شعبان، فإنه إن كان يحتمل أنه من شعبان فلا يجب الصوم، وإن كان من رمضان فيجب الصوم، فلا يجب حتى يتحققوا أنه من رمضان. قوله: "فكان من دخل في شيء بيقين ... " إلى آخره مترتب على قوله: "وعليه أن يأتي به حتى يَعلم يقينًا أنه قد جاء به". وقوله: "فالنظر على ذلك" نتيجة تلك المقدمة، فافهم. ص: وقد جاء ما استشهدنا به من حكم الإغماء في شعبان وشهر رمضان عن النبي ﵇ متواترًا كما ذكرنا، فمما روي عنه في ذلك: ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا زكرياء، عن عمرو بن دينار، أن محمد بن جُبَير أخبره، أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: "إني لأعجب من الذين يصومون قبل رمضان، إنما قال رسول الله ﵇: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بَشّار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو، عن محمد، عن ابن عباس قال: سمعته يقول ... فذكر مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي ﵇. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن بكر وروح، قالا: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب قال: "دخلت على عكرمة فقال: سمعت ابن عباس يقول: سمعتُ رسول الله ﵇ يقول ... فذكر مثله.

стр. 3241

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: نا وَهْبٌ، عن شعبة، عن عمرو، عن أبي البختري، قال: "رأينا هلال رمضان، فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس فسأله، فقال: قال رسول الله ﵇: إن الله قد مدّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فكملوا العده". ش: لما استشهد في جواب السؤال المذكور بمسألة إغماء الهلال في اليوم الثلاثين من شعبان ورمضان، ذكر ما رُويَ فيه عن النبي ﵇ متواترًا، وانتصابه على أنه صفة لمصدر محذوف أي جاء مجيئًا متواترًا، أراد به متكاثرًا؛ وليس المراد به التواتر المصطلح عليه. وأخرج في ذلك عن ابن عباس من ستة طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن روح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة، عن زكرياء بن إسحاق المكي روى له الجماعة، عن عمرو بن دينار المكي روى له الجماعة، عن محمد بن جبير بن مطعم المدني روى له الجماعة، عن عبد الله بن عباس. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث روح ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "إني لأعجب من هؤلاء" أراد ابنُ عباس من كلامه هذا الإنكار على مَن كان يصوم قبل رمضان بيوم من غير رؤية الهلال ولا عدّ شعبان ثلاثين يومًا. قوله: "إذا رأيتم الهلال" أي هلال رمضان، والهلال أول ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمرٌ، والجمع: الأهلة. قال الكسائي: يُقال أَهلّ الهلال وأُهل الهلال واستُهل الهلال، ولا يقال: هلّ ولا أهللنا الهلال، والعرب تقول: أهلّ الشهر واستهل لا يقال غيره، والعرب تقول: أهلّ الصبي واستهل ولا تقول غيره.

стр. 3242

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي وثقه ابن حبان، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن عبد الله بن زيد، قال: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن جبير، عن ابن عباس قال: "عجبتُ ممن يتقدم الشهرَ وقد قال رسول الله ﵇: إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء وهو ثقة بصري أخو أبي العالية، قال: أنا حبان بن هلال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن عبد الله بن بكر السهمي البصري روى له الجماعة، وروح بن عبادة، كلاهما عن حاتم بن أبي صغيرة روى له الجماعة، وأبو صغيرة أبو أمّه، وقيل: زوج أمه، وهو حاتم بن مسلم أبو يونس القيسيري، وهو يروي عن سماك بن حرب بن أوس الكوفي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣) بأتم منه: من حديث عبد الله بن بكر، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك قال: "دخلت على عكرمة في يوم قد أُشْكِلَ عليَّ

стр. 3243

أَمِنْ رمضان هو أَمْ منْ شعبان؟ فأصبحت صائمًا، فقلت: إن كان من رمضان لم يسبقني، وإن كان من شعبان كان تطوعًا، فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزًا وبقلًا ولبنًا، فقال: هلم إلى الغداء. قلتُ: إني صائم. فقال: أحْلِف بالله لتفطرنه. قلتُ: سبحان الله. قال: أحلف بالله لتفطرنه. فلما رأيته لا يستثني أفطرتُ، فغدوتُ ببعض الشيء وأنا شبعان ثم قلت: هات. فقال: سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حَالَ بينكم وبينه سحابة أو غياية فأكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا، لا تستقبلوا رمضان بيومٍ من شعبان". وأخرجه النسائي (١) مختصرًا: أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، قال: حدثنا ابن عباس، عن رسول الله ﵇ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا". الخامس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري -بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق- واسمه سعيد بن فيروز الطائي الكوفي روى له الجماعة. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البختري قال: "أهللنا رمضان ونحن بذات عرق، فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس يسأله فقال ابن عباس: قال رسول الله ﵇: "إن الله قد أمدّه لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا العده".

стр. 3244

السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا محمد بن مخلد، ثنا علي بن أبي داود، ثنا آدم بن أبي إياس، نا شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البختري الطائي يقول: "أهللنا هلال رمضان ونحن بذات الشقوق، فشككنا في الهلال، فبعثنا رجلًا إلى ابن عباس، فسأله فقال ابن عباس، عن النبي ﵇: "إن الله أمده لرؤيته، فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا". صحيح عن شعبة، ورواه حصين وأبو خالد الدالاني، عن عمرو بن مرة، ولم يقل فيه: "عدة شعبان" غير آدم، وهو ثقة. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﵇: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا". حدثنا يونس، قال: أنبأنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 3245

ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن نصر بن مرزوق ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر -قال يحيى: أنا. وقال الآخرون: ثنا- إسماعيل -وهو ابن جعفر- عن عبد الله ابن دينار، أنه سمع عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "الشهر تسع وعشرون ليلة، لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تَرَوْهُ إلا أن يغم عليكم، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له". وأخرجه البخاري (٢) أيضًا. قوله: "فاقدروا" أي قدّروا له عدد الشهر حتى تكملوا ثلاثين يومًا، وقيل: قدّروا له منازل القمر فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون، قال ابن سريج: هذا خطاب لمن خصَّه الله بهذا العلم. وقوله: "فأكملوا العدة" خطاب للعامة التي لم تعن به، يقال: قدرتُ الأمر أَقدُرُهُ وأقَدِره -بضم الدال وكسرها- إذا نظرت فيه ودبرته. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (٣): عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله قال: "الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له". الثالث: عن يونس أيضًا ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤) نحوه.

стр. 3246

الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو الرِّقّي، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه النسائي (١): أنا عمرو بن علي، قال: نا يحيى، قال: نا عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له". وأخرجه مسلم (٢): عن زهير بن حرب، عن إسماعيل عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله: "إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له". الخامس: عن محمد بن حميد الرعيني، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، عن النبي ﵇. وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا أبو مروان محمد بن عثمان العثماني، نا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له. وكان ابن عمر يصوم قبل الهلال بيوم". ص: حدثنا ابن معبد، قال: ثنا رَوحٌ، قال: ثنا زكرياء، قال: ثنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﵇ ... فذكر مثله، غير أنه قال: "فعدّوا له ثلاثين".

стр. 3247

ش: إسناده صحيح، وابن مَعْبد هو علي بن معبد بن نوح المصري، وروح هو ابن عبادة، وزكرياء هو ابن إسحاق المكي روى له الجماعة، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث زكرياء بن إسحاق، ثنا أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: قال رسول الله ﵇: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين يومًا". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا إبراهيم بن حُمَيْد الرؤاسي، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "إذا جاء رمضان فصم ثلاثين إلا أن ترى الهلال قبل ذلك". ش: إسناده حسن، والحسن بن الربيع بن سليمان البجلي القَسْري الكوفي شيخ البخاري ومسلم، وإبراهيم بن حميد بن عبد الرحمن أبو إسحاق الكوفي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، والرؤاسي بضم الراء نسبة إلى بني رُؤاس قبيلة. ومجالد بن سعيد بن عمير أبو سعيد الكوفي فيه مقال، روى له مسلم -مقرونًا بغيره- والباقون سوى البخاري، والشعبي هو عامر بن شراحيل. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا على بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع الكوفي ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن ألى هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فعُدّوا ثلاثين".

стр. 3248

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: قال أبو القاسم ﷺ ... فذكر مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوُحاظيّ، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن ابن خزيمة. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا إبراهيم بن سعد ... إلى آخره نحوه سندًا ومتنًا، غير أن في لفظه: "فصوموا ثلاثين يومًا". وأخرجه البخاري (٢) والنسائي (٣) أيضًا. الثاني: عن ابن خزيمة أيضًا. وأخرجه مسلم (٤): ثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي، قال: ثنا الربيع -يعني ابن مسلم- عن محمد وهو ابن زياد، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن عَمِي عليكم فأكملوا العدد". وثنا (٥) عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن عمِيَ عليكم الشهر فعُدّوا ثلاثين". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن يحيى بن صالح الوُحاظيّ

стр. 3249

شيخ البخاري، عن سليمان، بن بلال، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا ابن صاعد وابن غيلان، قالا: ثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "لا تعجلوا شهر رمضان بيوم ولا يومين، فعدوا ثلاثين ثم أفطروا". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن حسان، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: سمعت رجلًا قال: "يا رسول الله، أرأيت اليوم الذي يُختلف فيه تقول فرقة: من شعبان وتقول فرقة: من رمضان؟ فقال رسول الله ﵇ ... " ثم ذكره مثله. ش: أصبغ بن الفرج، الفقيه المصري، وراق عبد الله بن وهب، شيخ البخاري، مصري ثقة. وحاتم بن إسماعيل المدني روى له الجماعة. ومحمد بن جابر بن سيّار الحنفي اليمامي فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، كان أعمى، اختلط عليه حديثه، وقال أبو زرعة: ساقط الحديث عند أهل العلم. وقال أبو داود: ليس بشيء وقال النسائي: ضعيف. روي له أبو داود وابن ماجه حديثا واحدًا في مسّ الذكر. وقيس بن طلق بن علي بن المنذر الحنفي اليمامي، روى عن أبيه طلق بن علي الصحابي، قال العجلي: تابعي ثقة. روى له الأربعة.

стр. 3250

والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث محاضر، ثنا هشام بن حسان، عن قيس بن طلق، عن أبيه، "سمعت رجلًا سأل النبي ﵇ عن اليوم الذي يشكُّ فيه، فيقول بعضهم: هذا من شعبان، وبعضهم: هذا من رمضان، فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يومًا". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا لُوَينٌ، ثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، قال: قال رسول الله: "جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين". محمد بن جابر ليس بالقوي. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﵇، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تتقدموا هذا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة". ش: إسناده حسن جيد، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، وثقه أبو حاتم. وزهير هو ابن معاوية، ومنصور هو ابن المعتمر، وربعي بن حراش، -بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وفي آخره شيخ معجمة- روى له الجماعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه": ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا عبيد بن حميد التيمي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ ... إلى آخره نحوه سواء.

стр. 3251

ص: فلما لم يأمر النبي ﵇ بالخروج من الإفطار الذي قد دخلوا فيه إلا بيقين أنهم قد خرجوا منه، ثم لم يخرجهم بعد ذلك أيضًا من الصوم الذي قد دخلوا فيه إلا بيقين أنهم قد خرجوا منه؛ كذلك أيضًا يجيء في النظر أن يكون كذلك مَنْ دخل في صلاته وهو متيقن أنها عليه أن لا يخرج منها إلا بيقين منه أنها ليست عليه. ش: هذا مترتب على قوله: "من دخل في شيء بيقين لم يخرج منه إلا بيقين"؛ وذلك لأن اليقين لا يزيله إلا اليقين مثله، والشك لا يعارض اليقين ولا يزيله، والله أعلم.

стр. 3252

ص: باب: سجود السهو في الصلاة هل هو قبل التسليم أو بعده ؟ ش: أي: هذا باب في بيان سجود السهو في الصلاة هل يكون قبل السلام أو بعده؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفى. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن مالك -هو ابن بُحَينة-: "أنه أبْصر النبي ﵇ قام في الركعتين ونسي أن يقعد، فمضى في قيامه، ثم سجد سجدتين بعد الفراغ من صلاته". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بُحَينة، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان بإسناد صحيح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي البصري روى له الجماعة، وعبد الله بن مالك بن القِشْب الأزدي الصحابي صحب النبي ﵇ قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، وبُحَينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح النون وفي آخره هاء، وهي أم عبد الله، وهي بنت الأرتّ وهو الحارث بن المطلب بن عبد مناف. وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا معاذ بن المثنى، نا أبو عمر الحوضي، ثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأعرج، عن ابن بُحَيْنة: "أن النبي ﵇ قام في الركعتين ... " إلى آخره نحوه. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره.

стр. 3253

وأخرجه مالك في "موطئه" (١). ويستفاد منه: أن في السهو سجدتين. وأن التشهد الأول والجلوس له ليْسا بركنين في الصلاة؛ إذ لو كانا ركنين لم يَجْبرهما السجود وغيره، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور. وقال أحمد في طائفة قليلة: هما ركنان، وإذا سها جبَرهما بالسجود على مقتضى الحديث. وأن سجدة السهو ثنتان كسجدة الصلاة وليست بواحدة كسجدة التلاوة. ص: ولم يُبَيّن في هذا الحديث الفراغ ما هو، فقد يجوز أن يكون الفراغ هو السلام، وقد يجوز أن يكون الفراغ من التشهد قبل السلام. فنظرنا في ذلك فإذا يونس قد حدثنا، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب أخبرهم، عن عبد الرحمن الأعرج، أن عبد الله بن بُحَيْنة حدثه، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه قال: "فلما قضى صلاته سجد سجدتين، كبّر في كل سجدةٍ وهو جالسٌ قبل أن يُسلّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالكٌ وعمرو، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحَينة، عن رسول الله ﵇ نحوه. حدثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا أسَدٌ، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبد الله بن بُحَينة قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاةً يظن أنها العصر، فقام في الثانية ولم يجلسْ، فلما كان قبل أن يُسلّم سجد سجدتين وهو جالسٌ.

стр. 3254

قال أبو جعفر ﵀: فثبت بما ذكرنا في هذه الأحاديث أن الفراغ المذكور في الأحاديث التي في أول هذا الباب هو قبل السلام. ش: أي لم يُبَيّن في حديث عبد الله بن بحينة في الطريقين المذكورين الفراغ المذكور في قوله: "بعد الفراغ من صلاته" ما هو؟ فهل هو الفراغ الذي هو السلام؟ أو هو الفراغ من التشهد قبل السلام؟ قد ما احتمل الأمرين نظرنا فيه، فوجدنا رواية أخرى تدل على أن الفراغ المذكور هو الفراغ من التشهد قبل السلام. وأخرجها من أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بُحَيْنة. وأخرجه الترمدي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة الأسدي حليف بني عبد المطلب: "أن النبي ﵇ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، يكبّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يُسلّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس". الثاني: عن يونس أيضًا، عن ابن وهب أيضًا، عن مالك بن أنس وعمرو ابن الحارث المصري، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبد الله بن بُحَينة، عن رسول الله ﵇. وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بُحَينة قال: "صلى بنا

стр. 3255

رسول الله ﵇ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل السلام، ثم سلَّم". وأبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب. والنسائي (٢): عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه. والبخاري (٣): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن الأعرج، عن عبد الله بن بُحَيْنة أنه قال: "إن رسول الله ﵇ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلَّم بعد ذلك". الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزي المصري الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٤): ثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة وهشام بن عمار، قالوا: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن الأعرج، عن ابن بُحَيْنة: "أن النبي ﵇ صلى صلاةً أظن أنها العصر، فلما كان الثانية قام قبل أن يجلس، فلما كان قبل أن يسلِّم سجد سجدتين". الرابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في مسنده" (٥): ثنا سفيان، عن الزهري، عن الأعرج، عن

стр. 3256

ابن بحينة: "صلى بنا رسول الله ﵇ صلاة يظن أنها العصر، فقام في الثانية فلم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم سجد سجدتين". وأخرجه الدارقطني أيضًا في "سننه" (١) من هذا الطريق. ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، من محمد بن عجلان مولى فاطمة حدثه، عن محمد بن يوسف مولى عثمان حدثه، عن أبيه: أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فقام وعليه جلوس فلم يجلس، فلما كان في آخر السجدة من صلاته سجد سجدتين قبل أن يُسلّم، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يَصْنع". حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب وابن لهيعة، قالا: ثنا محمد بن عجلان ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان حسنان جيّدان: الأول: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي ثم المصري، المعروف بعلان. قال ابن أبي حاتم: صدوق. عن عبد الله بن صالح المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمد أبي عبد الملك المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث ابن يعقوب المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر روى له الجماعة، عن محمد بن عجلان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان، وثقه أبو زرعة والدارقطني وروي له النسائي. عن أبيه يوسف القرشي الأموي المدني مولى عثمان وثقه ابن حبان، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁.

стр. 3257

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عمرو بن الحارث، عن بكير، عن ابن عجلان مولى فاطمة، عن محمد بن يوسف مولى عثمان حدثه، عن أبيه، أن معاوية ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن سعيد بن الحكم بن محمد المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري وعبد الله بن لهيعة المصري، كلاهما عن محمد بن عجلان ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢): أنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف: "أن معاوية صلى إمامهم، فقام في الصلاة وعليه جلوس، فسبّح الناس، فتمّ على قيامه ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: إني سمعت رسول الله يقول: من نسي شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين". ص: فذهب إلى هذه الآثار قوم، فقالوا: هكذا سجود السهو قبل السلام من الصلاة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري ومكحولًا ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد في رواية" فإنهم قالوا: سجود السهو قبل السلام من الصلاة. وقال ابن قدامة في "المغني": السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإِمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، نصّ هذا في رواية الأثرم.

стр. 3258

وقال القاضي: لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين أنه يسجد لهما بعد السلام، واختلف قوله فيمن سها فصل خمسًا هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ على روايتن، وما عدا هذه المواضع الثلاثة يسجد لها قبل السلام روايةً واحدةً". وبهذا قال سليمان بن داود وأبو خيثمة وابن المنذر. وحكى أبو الخطاب عن أحمد روايتين أخريين: إحداهما: أن السجود كله قبل السلام؛ لحديث ابن بُحَينْة وأبي سعيد. والثانية: أن ما كان من نقصٍ سجد له قبل السلام؛ لحديث ابن بحينة، وما كان من زيادة سجد لها بعد السلام؛ لحديث ذي اليدين وحديث ابن مسعود حين صلى النبي ﵇ خمسًا، وهذا مذهب مالك وأبي ثور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: ما كان من سجود سهو لنقصانٍ كان في الصلاة فهو قبل السلام كما في حديث ابن بُحَينْة، وكما في حديث معاوية. وما كان من سجود سهو وَجَبَ لزيادةٍ زيدت في الصلاة فهو بعد التسليم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون. وأراد بهم: مالكًا وأبا ثور ونفرًا من أهل الحجازة فإنهم قالوا: سجود السهو للنقصان قبل السلام كما في حديثي ابن بحينة ومعاوية، وللزيادة بعد السلام كما في حديث ذي اليدين وغيره مما هو مثله. وقال أبو عمر في "التمهيد": قال مالك وأصحابه: كل سهو كان نقصانًا من الصلاة فالسجود له قبل السلام، وإن كان لزيادة فالسجود له بعد السلام. قال أبو عمر: هو الصحيح في هذا الباب من جهة الآثار؛ لأن في قول مالك ومن تابعه على ذلك استعمال الخبرين جميعًا في الزيادة والنقصان، واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء النسخ فيها، ومن جهة النظر الفرق بين النقصان في ذلك وبين الزيادة؛ لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال

стр. 3259

أن يكون الجبر والإصلاح بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة فإنما ذلك ترغيم للشيطان وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ. قلت: هذا الفرق غير سديد؛ لأنه سواء نقص أو زاد كل ذلك نقصان؛ لأن الزيادة في غير محلها نقصان كالإصبع الزائدة، فإذا كان كذلك ينبغي أن يكون قبل السلام في الحالتين على مقتضى ما قاله؛ ولأنه لو سها مرتين إحداهما بالزيادة والأخرى بالنقصان ماذا يفعل، وتكرار سجدتي السهو غير مشروع، وقد روي أن أبا يوسف ألزم مالكًا بين يدي الخليفة بهذا الفصل فقال: أرأيت لو زاد ونقص كيف يصنع؟ فتحير مالك، وقيل: قال: هكذا أدركنا مشايخنا. ص: واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة في خبر ذي اليدين، وبحديث الخرباق وابن عمر ﵃ في سجود سهو النبي ﵇ يومئذٍ بعد السلام. فمن ذلك: ما حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، عن زيد ابن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه سجد يوم ذي اليدين -يعني سجدتي السهو- بعد السلام". وسنذكر حديث ذي اليدين وكيف هو في باب: "الكلام في الصلاة" إن شاء الله تعالى. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أن سجدتي السهو في الزيادة بعد السلام بحديث أبي هريرة في خبر ذي اليدين. وخبر ذي اليدين أخرجه الجماعة كما نذكره في باب: "الكلام في الصلاة" إن شاء الله تعالى. قوله: "وبحديث الخرباق" أي: واحتجوا أيضًا بحديث خرباق السُّلَمي وخرباق هو ذو اليدين على ما يجيء مستقصى إن شاء الله تعالى. قوله: "وابن عمر" أي: واحتجوا أيضًا في ذلك بحديث عبد الله بن عمر.

стр. 3260

أخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمد وأبو كريب وأحمد بن شيبان، قالوا: أنا أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ سها فسلم في الركعتين، فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسِيتَ؟ قال: ما قصرت وما نِسيتُ. قال: إنك صليت ركعتين. قال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فتقدّم، فصلّي ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو". وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا. وأخرجه الطحاوي أيضًا مسندًا في باب: "الكلام في الصلاة" على ما يجيء إن شاء الله تعالى. قوله: "فمن ذلك" أي فمن الذي احتجوا [به] (٣) في ذلك: ما حدثنا ربيع ابن سليمان المؤذن المصري صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن الليث بن سعد المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سُوَيد المصري، عن عراك ابن مالك الغفاري المدني، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (٤): أخبرني عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو، قال: أبنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام".
следующие страницы →