← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وفعلا، أما الأول فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه ﵇ غسل رجليه في الوضوء، ولم تختلف الأمة فيه، فصار ذلك واردا مورد البيان، فإذا ورد فعله على وجه البيان فهو على الوجوب، فثبتَ أن ذلك مراد الله بالآية. وأما الثاني فما روى جابر وأبو هريرة، وعائشة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم: "أن النبي ﵇ رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء" (١) وتوضأ النبي ﵇ مرة فغسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلَّا به" (١) وأيضًا فلو كان المسح جائزا لما أخلاه النبي ﵇ من بيانه إِذ كان مراد الله في المسح كهو في الغسل، فكان يجب أنْ يكون مسحه في وزن غسله، فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده في الغسل؛ ثبت أن المسح غير مراد. وأيضًا فإن القراءتين كالآيتين في أحداهما الغسل وفي الأخرى المسح لاحتمالهما للمعنيين، فإذا وردت آيتان إحداهما توجب الغسل، والأخرى توجب المسح، لما جاز ترك الغسل إلى المسح؛ لأن في الغسل زيادة فعل وقد اقتضاه الأجر بالغسل، فكان يكون حينئذ يجب استعمالها على أعمّهما حكمًا، وأكثرهما فائدة وهو الغسل؛ لأنه يأتي على المسح، والمسح لا يتضمن الغسل، وأيضًا لما حَدّد الرجلين بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دلّ على استيعاب الجميع كما دلّ ذكر الأيدي إلى المرافق على استيعابهما بالغسل، وذكر صاحب "البدائع" ما ملخّصه: أن من قال بالمسح أخذ بقراءة الخفض، ومن قال بالتخيير يقول: إنَّ القراءتين ثابتتان، وقد تعذر الجمع بينهما بأن يجمع الغسل والمسح إِذ لا قائل به من السلف فيتخير، وأيهما فعل يكون آتيا بالمفروض، ومن قال بالجمع يقول: القراءتان في آية واحدة كالآيتين، فيجب العمل بهما جميعًا ما أمكن، وهنا أمكن لعدم التنافي بين الغسل والمسح في محل واحد، فيجب الجمع، ولنا قراءة النصب وأنها ترجح؛ لأنها محكمة في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على المغسول، وقراءة

стр. 352

الخفض محتملة؛ لأنه يحتمل عطفها على الرؤوس حقيقة ومحلها الخفض، وعلى الوجه واليدين حقيقة ومحلها النصب إلَّا أنها خفضت للمجاورة كما في: "جُحْر ضبٍّ خرب"، والخرب نعت للجحر لا للضبّ، فكانت قراءة النصب أرجح، إلَّا أن فيه إشكالا وهو أن الكلام في حد التعارض؛ لأن قراءة النصب محتملة أيضًا في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على اليدين والوجه؛ لأنه يحتمل أنَّهَا معطوفة على الرأس، والمراد بها المسح حقيقة، لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح به مفعول به فصار كأنه: فامسحوا رؤوسكم، والإعراب قد يتبع اللفظ وقد يتبع المعنى، فحينئذ يُصلب الترجيح من وجه آخر، وذلك من وجوه: أحدها: أنَّ الله مدّ الحكم في الأرجل إلى الكعبين، ووجوب المسح لا يمتد إليهما. الثاني: أنَّ الغَسْلَ يتضمن المسح. والثالث: أنه روى عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "ويل للأعقاب من النار" والوعيد لا يُستحق إلَّا بترك الواجب، والحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين، فإنْ أمكن العمل بهما مطلقا يعمل، وإلَّا يعمل بالقدر الممكن، وها هنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحدٍ في حالة واحدةٍ؛ لأنه لم يقل به أحد، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح؛ لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيحمل في حالتين، فتُحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرِّجْلان باديتان، وقراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفن؛ توفيقا بين القراءتين، وعملا بهما بالقدر الممكن. انتهى. فإنْ قيل: لا يستقيم الحمل على هذا الوجه؛ لأن قراءة الجر تقتضي المسح على الرجل دون الخف. قلت: لما أقيم الخف مقامه كان المسح على الخف كالمسح عليه، وإنما أضيف المسح إلى الرجل دون الخف لئلا يوهم جواز المسح على الخف بدون اللبس، وهذا على اختيار بعض المشايخ الذين أثبتوا جواز المسح على الخف بالكتاب، ولكن الجمهور منهم أثبتوه بالسُّنة المشهورة دون الكتاب وقالوا: لو كان ثابتا

стр. 353

بالكتاب لكان مغيًّا إلى الكعبين كالغسل، وليس كذلك، وأجابوا عن قراءة الجرّ بأن الأرجل في محل النصب أيضًا بالعطف على الوجه فيكون مغسولا، فلا تعارض، وإنما صار مجرورا للمجاورة، وقيل: المراد بالمسح في حق الرجل الغسل، ولكن أُطلق عليه لفظ المسح للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١) وقيل: إنما ذكر بلفظ المسح؛ لأن الأرجل من بين سائر الأعضاء مظنة إسراف الماء بالصبّ، فعطف على الممسوح، وإنْ كانت مغسولة على وجوب الاقتصاد في الصبّ لا لتُمْسح، وجيء بالغاية فقيل: إلى الكعبين إماطة لظن ظان يحسبها أنها ممسوحة؛ إذ المسح لم تصرف له غاية، وإليه أشار العلامة الزمخشري في "الكشاف"، واعترض عليه بأنا لا نسلم أنّ العطف لا لتمسح؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقوله: إماطة لظن ... إلى آخره، غير مسلم أيضًا لأن الحكم الشرعي لا يعلم كيفيته وكميته إلَّا بالشرع، فننتهي إلى ما أنهانا الشارع إليه، وما قاله تعليل في معارضة النص، وهو فاسد، وأيضًا لو كان لتعليله أثر لم يُقرأ بالنصب، وقد ظهر فساد علّته لتخلف المعلول عن العلة، على تقدير قراءة النصب، وها هنا سؤال، وهو أنْ يقال: المسح في المعطوف عليه للإصابة حقيقة، وفي المعطوف إذا جعل للغسل مجاز، فيكون جمعا بين الحقيقة والمجاز. وأجيب بأن المسح الذي يُعبّر به عن الغسل هو لفظ المسح المقدر الذي تدل عليه الواو التي في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فحينئذ لا يلزم ذلك في لفظٍ واحدٍ. ص: وقد اختلف في ذلك أصحاب رسول الله ﵇ فمن دونهم، فمما روي عنهم في ذلك ما: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قيس، عن عاصم، عن زِرٍّ: "أنَّ عبد الله بن مسعود ﵁ قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالفتح".

стр. 354

ش: أي وقد اختلف في عطف قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هل هو على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أو على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أصحاب رسول الله ﵇ فمن دونهم من التابعين، فمما روي عن الصحابة: ما روي عن ابن مسعود ﵁. أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن بهدلة الكوفي المقرئ، عن زر بن حُبَيْش، عن عبد الله، وفي قيس خلاف. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): عن أبي بكر أحمد بن علي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله، عن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، عن بُنْدَار، عن أبي داود ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: ثنا عبد الوارث ابن سعيد ووهيب بن خالد، عن خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يعني رجع الأمر إلى الغسل". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو حسن؛ لأن علي بن زيد روى له مسلم مقرونا بثابت البناني (٣).

стр. 355

ويوسف بن مهران وثقه أبو زرعة وابن سعد. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: سمعت هشيما يقول: أبنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأها كذلك، وقال: عاد إلى الغسل". ش: هذا طريق آخر وإسناده صحيح. قوله: "قرأها كذلك" يعني وأرجلَكم بالفتح. قوله: "عاد إلى الغسل" أي عاد الأمر أو الحكم إلى غسل الرجلين بمقتضى هذه القراءة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن مجاهد قال: "رجع القرآن إلى الغسل، وقرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. ش: يعقوب: هو ابن إسحاق، وقيس هو ابن الربيع، فيه مقال. وأخرجه البيهقي (١): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس، عن إبراهيم، عن يعقوب بن إسحاق ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن مجاهد ... إلى آخره. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مثله. ش: إسناده صحيح.

стр. 356

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أنه كان يقرأ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢)، يقول رجع الأمر إلى الغسل". وأخرجه البيهقي (٣) نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: [ثنا يعقوب قال] (٤)، ثنا عبد الوارث، قال: ثنا أبو التياح، عن شهر بن حوشب مثله. ش: إسناده صحيح، وأبو التياح اسمُه يزيد بن حُميد الضبعي. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا حماد، عن عاصم، عن الشعبي قال: "نزل القرآن بالمسح، والسُّنَّة بالغسل". ش: إسناده صحيح، ويعقوب هو ابن إسحاق، وحماد هو ابن سلمة، وعاصم هو ابن بَهْدلة، والشعبي اسمُه عامرٌ. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "أما جبريل فقد نزل بالمسح على القدمين". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا حميد الأعرج، عن مجاهد: "أنه قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض. ش: إسناده صحيح، وحميد بن قيس الأعرج المكي، روى له الجماعة.

стр. 357

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قرة، عن الحسن، أنه قرأها كذلك. ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان الطيالسي، وقرة بن خالد السدوسي، والحسن البصري ﵏. ص: وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ أنهم كانوا يغسلون، فمما روي في ذلك ما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الزبير بن عَدِيّ، عن إبراهيم قال: قلت للأسود: "أكان عمر يغسل قدميه؟ فقال: نعم كان يغسلهما غسلا". ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم: الفضل بن دكين، وسفيان هو: الثوري، وإبراهيم هو: النخعي، والأسود هو: ابن يزيد، خال إبراهيم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبد الله بن نمير، عن الحجاج، عن الزبير بن عدي ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "توضأ عمر ﵁ فغسل قدميه". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا روح بن الفرج، ولكنه منقطع؛ لأن إبراهيم لم يسمع من الصحابة شيئا. وأبو الأحوص سلّام بن سُليم الكوفي، ومغيرة هو [ابن] (٢) مقسم الضبي. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أبو ربيعة، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي جَمرة قال: "رأيت ابن عباس يغسل رجليه ثلاثا ثلاثا". ش: أبو ربيعة اسمه زيد بن عوف. القُطَعي، قال الدراقطني: ضعيف. وقال الفلاس: متروك.

стр. 358

وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وأبو جمرة -بالجيم- نصر بن عمران. وما روي عنه: "الوضوء مسحتان وغسلتان" فمحمول على مسح الرجلين وهما في الخف. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابنُ لهيعة، عن عمارة بن غَزِيَّة، عن ابن المُجْمر قال: "رأيت أبا هريرة يتوضأ مرة، وكان إذا غسل ذراعيه كاد أنْ يبلغ نصف العضد، ورجليه إلى نصف الساق، فقلت له في ذلك، فقال: أريد أنْ أُطيل غرتي، إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرّا محجَّلين من الوضوء، ولا يأتي أحد من الأمم كذلك". ش: أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، ثقة. وعبد الله بن لهيعة فيه مقال. وعمارة بن غزية روى له مسلم. وابن المُجْمر هو نعيم بن عبد الله المُجْمِر، بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية، ويقال: بتشديد الميم (١)، ثم هو صفة عبد الله والد نعيم في رواية الطحاوي، وبه جزم ابن حبان في كتاب "الثقات"، وكذلك جزم النووي في شرح مسلم بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق على ابنه نعيم مجازا، قال ذلك مع جزمه أولا بأن نعيما هو كان يُبخِّر المسجد ووقع في رواية البخاري ومسلم عن نعيم المجمر، فوقع المجمر صفة له، والصحيح أنَّ المجمر صفة لأبيه عبد الله، كما في رواية الطحاوي؛ لأنه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب ﵁ إذا خرج إلى الصلاة في رمضان ونعيم هو ابن المجمر، روى له الجماعة. وأخرجه البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: "رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد،

стр. 359

فتوضأ وقال: إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غرّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرته فليفعل لما. وأخرجه مسلم (١): حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبد الله: "أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه (إلى) (٢) المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أنَّ رسول الله ﵇ خرج إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غرٌّ محجلةٌ في خيل بهُمٍ دُهمٍ، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض". قلت: هذا الحديث رواه أيضًا عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو الدرداء (٤): فحديث عبد الله عند ابن أبي شيبة (٥)، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: "قلت: يا رسول الله، كيف تعرف مَنْ لم تر من أمتك؟ قال: هم غُرٌّ [محجلون] (٦) بلق من آثار الوضوء".

стр. 360

وحديث جابر عند البزار (١): عن إسماعيل بن حفص الأيلي، عن يحيى بن اليمان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر قال: "قيل: يا رسول الله، كيف تعرف منْ لم تر من أمتك؟ قال: غُرّا -أحسبه قال-: محجلون من آثار الوضوء". وحديث أبي سعيد عند الطبراني في "الأوسط" (٢): بإسناده إليه قال: "قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غرٌّ محجلون من الوضوء". وحديث أبي أمامة عنده أيضًا في "الكبير" (٣): بإسناده إليه قال: "قلت يا رسول الله، أتعرف أمتك يوم القيامة؟ قال: نعم. قلت: مَنْ رأيت ومَنْ لم تر؟ قال: مَنْ رأيت ومنْ لم أر، قلت: بماذا؟ قال: غرٌّ محجلون من آثار الوضوء". رواه أحمد أيضًا في "مسنده" (٤). وحديث أبي الدرداء عند أحمد (٥) والطبراني (٦) أيضًا: بإسناد فيه ابن لهيعة فقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﵇: "أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يرفع رأسه، فأنظر (بين) (٧) يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي [مثل] (٨) ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، فقال رجل: كيف تعرف أمتك يا رسول الله من بين سائر الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غرّ محجلون من أثر الوضوء ليس لأحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتَون كتُبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيدهم ذريتهم".

стр. 361

قوله: "نصف العضد" يجوز فيه ضُم الضاد وسكونها، وقال الجوهري: العضد الساعد، وهي من المرفق إلى الكتف، فيه أربع لغات: عَضُد، وعَضِد، مثل: حَذُر، وحَذِر، وعَضْد، وعُضْد، مثل: ضَعْف، وضُعْف، وعضدتُه أعضُده -بالضم- أَعَنْتُه، والساق ساق القدم، والجمع سوق وسيقان وأسوق. قوله: "غرتي" الغرة بياض في جبهة الفرس، والحجل بياض في يديها ورجليها، فسُمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرّا وتحجيلا؛ تشبيها بذلك، وقيل: الأغرَّ من الخيل الذي غرته أكثر من الدرهم، قد وسطت جبهته ولم تُصِبْ واحدة من العينين، ولم تمل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفلى، وهي أفشى من القرحة (١)، وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرَّ أقرح؛ لأنك إذا قلت: أَغَرَّ فلا بد من أنْ تصف الغرة بالطول والعرض، والصغر والعِظَمْ والدقة، وكلهن غُرَر، فالغرة جامعة لهن، وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإنْ كان [مُدَوَّرَة فهي] (٢) وتيرة، وإنْ [كانت] (٣) طويلة فهي شادخة. وفي "الصحاح": الوتيرة الوردة البيضاء، ووتَره حقه أبي نقصه. والأغرب الأبيض من كل شيء، وقد غَرَّ وجهه يَغَرّ -بالفتح- غَرَرا، وغُرَّة، وغَرارة: صار ذا غُرَّة. والتحجيل بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أنْ يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى، في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلَّا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلَّا مع الرجلين، والتحجيل بياض قلَّ أو كثُرَ حتى يبلغ نصف الوظيف ويكون سائره ما كان. وفي "الصحاح": يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين، ولا العرقوبين.

стр. 362

وفي "المغيث" لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العُصمة، يقال: فرس أعصم. قوله: "إنَّ أمتي" الأُمة تطلق على أُمَّه الدعوة، وعلى أمة الأتباع، والمراد ها هنا أمة أتباعه ﵇، جعلنا الله منهم، والأمة في اللغة: الجماعة، قال الأخفش: هو في اللفظ واحدة والمعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وفي الحديث: "لولا أنَّ الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" (١). قوله: "يوم القيامه" يوم: من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حَرْفَيْ علة (٢)، فهو من باب "ويل" و"ويح"، وهو اسم لبياض النهار، وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والقيامة: فعالة من قام يقوم، وأصلها قوامة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. قوله: "غُرّا" بضم الغين جمع أغرّ. ويستفاد منه أحكام: الأول: المراد بالغُرة غسل شيء من مقدم الرأس، وما تجاوز الوجه زائدا على الجزء الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وبالتحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وادعى ابن بطال ثم القاضي عياض ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة، فقد ثبت ذلك من فعل رسول الله ﵇، وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم محجوجون بالإجماع، واحتجاجهم بقوله: ﵇ "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" لا يصح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب

стр. 363

المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأما حد الزيادة فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحاب الشافعي: يستحب إلى نصفهما. وقال البغوي: نصف العضد فما فوقه، ونصف الساق فما فوقه. وقال النووي: اختلف أصحابنا في القدر المستحب على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيف. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين، والأحاديث تقتضي ذلك كله. وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمله أبو هريرة على إطلاقه فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبي ﵇، ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين؛ فلذلك لم يقل به أحد من الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أنَّ حد ذلك نصف العضد والساق. قلت: قوله: "لم يقل به أحد من الفقهاء" غريب على ما قدمنا عنهم آنفا عن أصحاب الشافعي. فإن قيل: لِمَ اقتصر أبو هريرة على قوله: "أريد أنْ أطيل غرتي" ولم يذكر التحجيل؟ قلت: هو من باب الاكتفاء للعلم به، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١) ولم يقل: والبرد؛ للعلم به، والمعنى تقيكم الحر والبرد. وقد قيل: إنَّ هذا من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين على الآخر، وإنْ كانا بسبيل واحد للترغيب فيه. وقد استعمل الفقهاء ذلك وقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل وفيه نظرة لأن التغليب اجتماع الاسمين أو

стр. 364

الأسماء وتغليب أحدهما على الآخر نحو: القمرين والعمرين، وهنا لم يذكر إلَّا اسم واحد، وقد يجاب بأنها خصت بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. فإنْ قيل: الوضوء من خصائص هذه الأمة أم كان أيضًا لأحد من الأمُم؟ قلت: استدلت جماعة من العلماء بهذا الحديث على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جزم الحليمي في "منهاجه"، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بهذه الأُمة، وإنما الذي اختصت به: الغرة والتحجيل، واحتجوا بقوله ﵇: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي"، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه ضعيف. والثاني: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء ﵈ دون أممهم بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم لهم؛ حيث استووا مع الأنبياء ﵈ في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، ولكن ورد في الحديث فيه شأن جريج العابد: "أنه توضأ وصلى" (١)، وفيه دلالة على أنَّ الوضوء كان مشروعا لهم، فعلى هذا تكون خاصية هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح "الرسالة" (٢) عن العلماء: أنَّ الغرة، والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم و [من] (٣) لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحدٌ من أهل القبلة بذنب، إنَّ أهل القبلة كل من آمن به من أمته، سواء صلّى أو لم يصلّ، وهذا نقل غريب، فظاهر الأحاديث يقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم.

стр. 365

الحكم الثاني: استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه، وإسباغه. الثالث: فيه ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. الرابع: فيه دلالة قطعية أنَّ وظيفة الرجلين غسلهما، ولا يجزئ مسحهما، فافهم. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد: "أنه ذكر له المسح على القدمين، فقال: كان ابن عمر ﵄ يغسل رجليه غسلا، وأنا أسكب عليه الماء سكبا". ش: إسناده صحيح، وأبو عوانة: الوضاح، وأبو بشر: جعفر بن أبي وحشية الواسطي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵁ قال: "إني كنت لأسكب عليه الماء فيغسل رجليه". وفيه: إباحة استعانة الغير في الوضوء. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو عامر العَقَدي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجُشَون، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄: "أنه كان يغسل رجليه إذا توضأ". ش: إسناده على شرط الشيخين. وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، والعَقَدي -بفتح العين المهملة والقاف- نسبة إلى العَقَد -بالتحريك- قبيلة من اليمن، وقيل: من بجيلة.

стр. 366

والماجُشِون -بضم الجيم كذا في "العباب" (١) وقال: هي ثياب مُصَبَّغة، وأنشد لأمية الهُذلي. وتخفي بخَيْفاء مُغبّرةٍ ... تَخالُ القَتامَ بها الماجُشونا أي تخفي شخص الرجل لسرعتها، قاله أبو سعيد، وقال غيرُه: الماجشون: السفينة، وماجُشُون من الألقاب، وهو مُعّربُ مَاهُ كوُنْ، ومعناه: المُوَرَّدُ على لون القمر، وهو من الأبنية التي أغفلها سيبويه. انتهى. قلت: "ماه" بالفارسية هو القَمُر، وكوُن: معناه اللون، وقد استَقْصَينا الكلام فيه في كتاب الرجال. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "كان في توضئه يُنَقي رجليه، وينظف أصابع يديه مع أصابع رجليه، ويتتبع ذلك حتى ينقيه". عبد الرزاق (٣)، عن عبد العزيز بن أبي [رواد] (٤)، عن نافع: "أنَّ ابن عمر كان يغسل قدميه بأكثر وضوئه". قال عبد الرزاق: "فوضّأت أنا الثوري فرأيته يفعل ذلك، يغسلهما فيكثر". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا عبد السلام، عن عبد الملك، قال: "قلت لعطاء: أبَلَغَك عن أحدٍ من أصحاب النبي ﵇ أنه مسح على القدمين؟ قال: لا". ش: إسناده صحيح.

стр. 367

ص: وقد زعم زاعم أنَّ النظر يُوجبُ مسح القدمين في وضوء الصلاة لا غسلهما، فقال: لأني رأيت حكمهما بحكم الرأس أشبه؛ لأني رأيتُ الرَجُلَ إذا عدِمَ الماء فصار فرضه التيمم، يَمَّمَ وجهَه وَيَدَيْه ولا يُيَمّم رأسه ولا رجليه، فلما كان عدم الماء يسقط فرض غسل الوجه واليدين إلى فرض آخر -وهو التيمم- ويسقط فرض الرأس، والرجلين لا إلى فرض؛ ثبت بذلك أنَّ حكم الرجلين في حال وجود الماء كحكم الرأس، لا كحكم الوجه واليدين. ش: هذا سؤال من جهة مَنْ يذهب إلى مسح الرجلين، أوردوه من جهة القياس، وهو ظاهر، ومن ذلك قال: ابن حزم في "المحلى": إنا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم كما تسقط الرأس فكان حملهما على ما يسقطان بسقوطه، ويثبتان بثبوته أولى من حملهما على ما لا يثبتان بثبوته. وأيضًا فالرِجْلان مذكوران مع الرأس؛ فكان حملهما على ما ذُكرا معه أولى من حملهما على ما لم يذكرا معه. وأيضًا فالرأس طرف، والرجلان طرف؛ فكان قياس الطرف على الطرف أولى من قياس الطرف على الوسط. وأيضًا فإنهم يقولون بالمسح على الخفين؛ فكان تعويض المسح من المسح أولى من تعويض المسح من الغسل. وأيضًا فإنه لما جاز المسح على ساتر الرجلين، ولم يجز على ساتر دون الوجه والذراعين؛ دلَّ -على أصول أصحاب القياس- أنَّ أمر الرجلين أخف (وأيسر) (١) من أمر الوجه والذراعين، فإذا كان كذلك فليس إلَّا المسح. فهذا أصح قياس في الأرض لو كان القياس حقّا. انتهى.

стр. 368

قلنا: هذا كله قياس، ونحن ما أثبتنا فرضيّة غسل الرجلين بالقياس حتى يلزمنا ما ذكرتم، وإنما ثبتت فرضيّة ذلك بالنصّ، والأحاديث الدالة على ذلك، وليس للقياس فيه مجال، نعم هذا إنما يَرِدُ علينا لو أنْ أثبتنا الحكم بالقياس ابتداء، وليس كذلك، فافهم. ص: قال أبو جعفر: فكان من الحجة عليه في ذلك: أنَّا رأينا أشياء تكون في حال وجود الماء كحكم الوجه واليدين لا كحكم الرأس، ويكون فرضها الغسل في حال وجود الماء، ثم يسقط ذلك الفرض في حال عدم الماء لا إلى فرض، من ذلك: الجنب عليه أنْ يغسل سائر بدنه عند وجود الماء، وإذا عَدِمَ يمَّمَ الوجه واليدين، ولم يَدُلّ هذا على أنَّ ما عداه لا يجب غسلُه عند القدرة على الماء، فكذلك حكم الرجلين. ش: أيّ فكان من الجواب على هذا الزاعم فيما أورده في السؤال المذكور: أنَّا رأينا ... إلى آخره وهذا أيضًا ظاهر. قوله: "في ذلك" أيْ فيما ذكرنا من قولنا أشياء. قوله: "وإذا عَدِمَ" بكسر الدال أيْ إذا عَدِمَ الماء وهو متعدٍ، يُقال: عَدِمْتُ الشيء -بالكسر- أَعْدَمُه عُدَما وعَدَما بالتحريك على غير قياس، أيْ: فقدته. قوله: "يَمَّمَ الوجه" أيْ استعمل التراب على الوجه واليدين.

стр. 369

ص: باب: الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا ؟ ش: أيّ هذا باب في بيان أنَّ الوضوء يجب لكل صلاة أم يجوز بوضوء واحد صلوات عديدة؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن كلا منهما مشتمل على أحكام الوضوء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سفيان، عن علقمة ابن مرثد، عن سليمان بن بُرَيْدَة، عن أبيه: "أنَّ النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان الفتح صلى الصلوات بوضوءٍ واحد". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو بكرة بكَّار، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي ذكرناه عن قريب في الباب الذي قبله، وبُريدة -بضم الباء الموحدة- ابن الحُصَيْب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- بن عبد الله الصحابي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه أنه قال: "كان رسول الله ﵇ يتوضأ ... " إلى آخره نحوه. قوله: "الفتح" أيّ فتح مكة، فتحت سنة ثمان من الهجرة في شهر رمضان يوم الجمعة لعشر بقين، وأقام بها النبي ﵇ خمس عشرة ليلة. في رواية البخاري (٢)، وفي رواية أبي داود (٣) والترمذي (٤): "أقام ثماني عشر ليلة - لا يصلي إلَّا ركعتين".

стр. 370

ثم ظاهر قوله: "كان يتوضأ لكل صلاة" يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة. وقوله: "فلما كان الفتح ... " إلى آخره، يدل على جواز صلوات كثيرة بوضوء واحد، ثم قيل: إنَّ الحكم الأول قد انتسخ بالحكم الثاني، والصحيح أنَّ مواظبته ﵇ على الوضوء لكل صلاة كان لأجل العمل بالأفضل، وصلاته ﵇ يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد بيان للجواز، والدليل عليه: قوله في الحديث الآتي: "عمدا فعلته يا عمر" فهذا يدل على أنَّ فعله الأول كان للأفضل، وفعله الثاني كان بيانا للجواز، ودليل آخر على ألَّا نسخ ثمة: أنَّ الوجوب إذا نسخ يبقى التخيير، ثم أجمع أهل الفتوى بعد ذلك على أنَّه لا يجب إلَّا على المُحدِث، وأنَّ تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف، على ما يجيء مزيد البيان إنْ شاء الله تعالى. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا أبو عاصم وأبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "صلى رسولُ الله ﵇ يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر ﵁: صنعت شيئًا يا رسول الله لم تكن تصنعه ... قال: عمدا فعلته يا عمر". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وأبو حذيفة النهْدي اسمه موسى بن مسعود البصري شيخ البخاري وغيره، وسفيان هو الثوري. وأخرجه مسلم (١): وقال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: نا أبي، قال: نا سفيان، عن علقمة بن مرثد. وحدثني محمَّد بن حاتم -واللفظ له- قال: أنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني علقمة ... إلى آخره نحوه سواء. وأبو داود (٢): عن مُسدّد، عن يحيى، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.

стр. 371

والترمذي (١)، عن ابن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان ... إلى آخره نحوه، وقال هذا حديث حسن صحيح. ومما يُستفاد منه: جواز المسح على الخفين، وسؤال المفضول الفاضلَ عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة؛ لأنه قد يكون عن نسيان فيرجع عنه، وقد يكون تعمدا لمعنى خَفِي على المفضول ليستفيده. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال ثنا سفيان، قال: ثنا علقمة، عن سليمان، عن أبيه، عن النبي ﵇: "أنَّه كان يتوضأ لكل صلاة. ش: هذا الإسناد بعينه هو إسناد الحديث الأول ولكن فيه اقتصر على قوله: "إنه كان يتوضأ لكل صلاة". وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": عن زهير، عن وكيع، عن سفيان، عن محارب ابن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، نحوه. ص: فذهب قوم إلى أنَّ الحاضرين يجب عليهم أنْ يَتوضئوا لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من الظاهرية، وجماعة من الشيعة فإنهم أوجبوا الوضوء لكل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين، واحتجوا في ذلك بحديث بُريدة المذكور؛ لأنه ﵇ كان يتوضأ لكل صلاة، ثم صلى الصلوات الخمس يوم فتح مكة بوضوء واحد؛ لأنه كان مسافرا. وذهبت طائفة إلى إيجاب الوضوء لكل صلاة مطلقا من غير حَدَثٍ، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعَبِيدة السَّلْمَاني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيّب، إبراهيم، والحسن، وحكى ابن حزم في كتاب "الإجماع" هذا المذهب عن عمرو بن عبيد قال: "وروينا عن إبراهيم النخعي: ألَّا يصلى بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات".

стр. 372

ص: وخالفهم في ذلك أكثر العلماء فقالوا: لا يجب الوضوء إلَّا مِنْ حدَث. ش: أيّ خالف القوم المذكورين أكثر العلماء من الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأكثر أصحاب الحديث، وغيرهم، فقالوا: لا يجب الوضوء إلَّا من أجل حدَث، وذلك لأن آية الوضوء نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة؛ لأن قوله: تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون. وقال الإِمام أبو بكر الرازي ما ملخصه: إنَّ ظاهر الآية يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة؛ لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الصلاة، وحكم الجزاء تأخره عن الشرط، ولا خلاف بين السلف والخلف أنَّ القيام إلى الصلاة ليس بسبب لإيجاب الطهارة، وأنَّ سبب وجوبها شيء آخر غيره، وقد بُيِّن ذلك في حديث أسماء بنت زيد: "أنَّ رسول الله ﵇ أُمِرَ بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلَّا من حدَثٍ" (٢) فدلّ هذا أنَّ وجوب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة. هذا ما ذكره. قلت: اختلفوا في سبب وجوب الوضوء؛ فقالت الظاهرية: هو القيام إلى الصلاة، وكل من قام إليها فعليه أنْ يتوضأ وإنْ كان على الوضوء، لظاهر الآية. وقال أهل الطَّرْدِ: وسببه الحدث؛ لدورانه معه وجودا وعدما، وقال أبو بكر الرازي: سببه الحدث عند القيام إلى الصلاة. كما ذكرنا الآن، وكل ذلك فاسد، أما الأول فلحديث بُريدة أنَّه ﵇ يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، ولأن فيه تسلسلا على ما لا يخفى وهو باطل، وأما الثاني والثالث فكذلك لأنَّا

стр. 373

لا نسلم أنَّ الدوران دليل العليَّة، ولئن سلّمنا ذلك لا نسلم أنَّ الدوران وجودا موجود؛ لأنه قد يوجد الحدث ولا يجب الوضوء ما لم تجب الصلاة بالبلوغ ودخول الوقت، وقد يقال: السبب ما يكون مفضيًا إلى الشيء ويجتمع معه، والحدث رافع للطهارة، فكيف يكون سببا لها؟! والصحيح في المذهب: أنَّ سبب وجوب الوضوء الصلاة؛ لأنه نسب إليها، ويقوم بها، ويجب بوجوبها، ويسقط بسقوطها، وهو شرطها فيتعلق بها، حتى لم يجب قصدا لكن عند إرادة الصلاة، والحدث شرطه، فإنْ قلت: لا يجوز أنَّ تكون الصلاة سببًا لأنه لا بد حينئذ يكون الوضوء حكما وشرطا للصلاة، وهو فاسد؛ لأن المتقدم متأخر والمتأخر متقدم. قلت: الوضوء شرط الجواز، والصلاة سبب الوجوب، وبينهما مغايرة. فافهم. وإنما قلنا: إنَّ الحدث شرطه لأن الأمر بالوضوء أمر بالتطهير وهو يقتضي النجاسة لا محالة إما حقيقة أو حكمًا، والأول منتفٍ بالإجماع، فتعين الثاني، وإلَّا يلزم إلغاء النص عن الفائدة، وأنَّ القيام المذكور بإطلاقه يتناول كل قيام، وهو غير مراد بالإجماع، فتعين أخصّ الخصوص وهو القيام إلى الصلاة وهو محدث، قد يكون تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. أو إذا قمتم إلى الصلاة عن المنام. والنوم دليل الحدث، فإنْ قلت: قد صرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء فما الفائدة فيه؟ قلت: ليعلم أنَّ الوضوء يكون سُنّة وفرضا، والحدث شرط في الفرض دون السُّنَّة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور (١)، والغسل على الغسل والتيميم

стр. 374

على التيمم ليس كذلك، فإنْ قلت: أليس هذا التقدير زيادة تُقَيِّد إطلاق الكتاب بخبر الواحد؟ وأنتم تأبون ذلك كما أبيتم زيادة تعيين الفاتحة على القراءة وزيادة الطهارة على الطواف بخبر الواحد. قلت: بين الزيادتين فرق، وهو أنَّ هذه الزيادة لو لم تكن فيما نحن فيه يلزم منه فساد بيِّن وحرجٌ ظاهر، وكلاهما منتفٍ، وقد نفاهُ الشارعُ بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) وحججه لا تتناقض، فكانت الزيادة ثابتة بالنصّ الذي ينفي الحرج وخبر الواحد وقع موافقا له، وربما يقال: إنَّ هذه الزيادة ثبتت بقراءة ابن مسعود ﵁: "وأنتم محدثون" ورواية ابن بريدة "أنَّه خطاب للمحدثين" ومثله عن ابن عباس، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعُبَيْدة، وأبي موسى، وجابر، وأبي العالية، وسعيد بن المسيّب، وإبراهيم، والحسن، والضحاك، وعليه إجماع التابعين والفقهاء. وعند الشافعية في موجب الوضوء ثلاثة أوجه حكاها المتولي والشاشي عنهم. أحدها: وجوبه بالحدث، فلولاه لم يجب. والثالث: وجوبه بالقيام إلى الصلاة، فإنه لا يتعين الوضوء قبله. والثالث: وهو الصحيح عند المتولي وغيره: يجب بالحدث والقيام إلى الصلاة جميعا. والأوجه الثلاثة جارية في موجب الغسل هل هو الإنزال والجماع، أم القيام إلى الصلاة، أم كلاهما؟ ص: وكان مما رُوِي عن النبي ﵇ ما يوافق ما ذهبوا إليه في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد وابن جريج وابن سمعان، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "ذهب رسول الله ﷺ إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية، فأكل وأكلنا ثم حانت

стр. 375

الظهر، فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر، فصلى ولم يتوضأ". قال أبو جعفر ﵀: إنه صلى الظهر والعصر بوضوئِه الذي كان في وقت الظهر. ش: "ما يوافق" في محل الرفع لاستناد "روي" إليه. وقوله: "ما حدثنا" اسم لكان وخبره "مما رُوي". وقوله: "ما ذهبوا إليه" في محل النصب؛ لأنه مفعول "يوافق" أيّ ما يوافق ما ذهب إليه أكثر العلماء. وقوله: "في ذلك" أيّ في أنَّ الوضوء لا يجب إلَّا مِنْ حدث. وإسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم، وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وابن جريج هو عبد الملك بن جريج. وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان، كذَّبَه أبو داود، وتركه النسائي، ولا يضر هذا صحة الإسناد؛ فإنّ ابن وهب رواه عن أسامة وابنُ جريج، وهما كافيان لصحة الإسناد، ولا يلتفت إلى ابن سمعان بينهم. وأخرجه الترمذي (١): ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله -قال سفيان: وحدثنا محمَّد ابن المنكدر، عن جابر- قال: "خرج رسول الله ﵇ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) نحو: رواية الطحاوي، وقال النووي في شرح المهذب: إسناد هذا الحديث صحيح على شرط مسلم.

стр. 376

وأخرج أبو داود (١): ثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي، قال: نا حجاج، قال: نا ابن جريج، أخبرني محمَّد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "قربتُ للنبي ﵇ خبزا ولحما. فأكل، ثم دعى بوَضوء فتوضأ، ثم صلى الظهر، ثم دعى بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ". قوله: "إلى امرأة من الأنصار" هي عمرة بنت حزم أخت عَمرو بن حزم، قاله ابن منده وأبو عمر، وقال أبو نعيم: عمرة بنت حزام، وكانت تحت سعد بن الربيع. فقتل عنها يوم أحد، وقال ابن الأثير: روى يحيى بن أيوب، عن محمَّد بن ثابت البناني، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر، عن عمرة بنت حَزْم: "أنها جعلت النبي ﵇ في صُوْر نخل كَنَسَتْه ورَشَّتْه، وذبحتْ له شاة، فأكل منها وتوضأ وصلى الظهر، ثم قدّمت له من لحمها فأكل، وصلى العصر ولم يتوضأ" رواه أبو نعيم (٢)، عن الطبراني، عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن عمرو بن الربيع ابن طارق، عن يحيى بإسناده، وقال: عمرة بنت حزام. ورواه ابن منده بإسناده: عن محمَّد بن إسحاق الصاغاني، وأبي حاتم الرازي، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن محمَّد فقالا: عمرة بنت حَزم. قوله: "فقرّبت" بتشديد الراء. قوله: "مصلية" أيّ مشويّه، يقال: صَلَيْت اللحم -بالتخفيف- أيّ شَوَيْتُه، فهو مَصليٌّ، فأما إذا أحرقته وألقيته في النار. قلتَ: صلَّيتُه -بالتشديد- وأصْلَيْتُه. قوله: "ثم حانت الظهر" أيّ آنت يعني حضرت، من الحين، وهو الوقت. قوله: "فأتته بقِنَاع" بكسر القاف، وهو الطبق الذي يؤكل عليه، ويقال له القُنْعٍ -بالكسر والضم- وقيل: القناع جمعه.

стр. 377

وقال الجوهري: القناع: الطبق من عُسُب النخل، وكذلك القِنع. وفي "الدستور": هو طبق الفاكهة، وبالفارسية: طبق مِرِه. قوله: "بِعُلالة"، بضم العين المهملة أيّ ببقية لحم الشاة ويقال لبقية اللبن في الضرع، وبقية قوة الشيخ، وبقية جري الفرس: علالة، وقيل: عُلالة الشاة: ما يُتَعَلَّل به شيئًا بعد شيء، من العَلَل: الشرب بعد الشرب. قوله: "صَوْر" بفتح الصاد وسكون الواو، وهو النخل المجتمع الصغار، لا واحد له، ويجمع على صِيران. ويُستفادُ منه ما ذكره الطحاوي، وجواز العود إلى فضلة الطعام، وجواز ترك الوضوء مما مسَّته النار. ص: وقد يجوز أنْ يكون وضوءه ﵇ لكل صلاة -على ما روى بُريْدة- كان ذلك على التماس الفضل لا على الوجوب. ش: أشار بهذا إلى أنَّ حديث بريدة لا تقوم به حجة لهؤلاء القوم للاحتمال المذكور، على ما ذكرناه في أول الباب. ص: فإنْ قيل: فهل في هذا من فضل فيلتمس؟ قيل له: نعم، قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي غطيف الهذلي، قال: "صليتُ مع عبد الله بن عمر بن الخطاب الظهر، فانصرف في مجلس في داره، فانصرفت معه حتى إذا نُودي بالعصر دعى بوَضوء فتوضأ ثم خرج وخرجت معه، فصلى العصر، ثم رجع إلى مجلسه ورجعت معه حتى إذا نودي بالمغرب دعى بوضوء فتوضأ فقلت له: أيّ شيء هذا يا أبا عبد الرحمن، الوضوء عند كل صلاة؟! فقال: وقد فطنت لهذا مني؟ ليست سُنّة إنْ كان لكافيا وضوئي لصلاة الصبح وصلواتي كلها ما لم أُحدث، ولكني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من توضأ على طُهر كتب الله له بذلك عشر حسناتٍ، ففط ذلك رغبت يا ابن أخي".

стр. 378

فقد يجوز أنْ يكون رسول الله ﵇ إنما فعل ذلك -[ما روى] (١) عنه بُريدةُ- لأصابة الفضل لا لأن ذلك كان واجبا عليه. ش: إيراد هذا السؤال على قوله: كان [يفعل] (٢) ذلك طلبا للفضل. قوله: "فيلتمسُ" بالرفع أيّ فهو يلتمس؟ قوله: "حدثنا" بيان لما قاله من قوله المذكور. ويونس هو ابن عبد الأعلى، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قاضيها، فيه مقال، روى له الأربعة. وأبو غُطَيْف -بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة- ويقال: غُضَيف، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): مختصرا وقال: ثنا عبدة بن سليمان، عن الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من توضأ على طهرٍ، كتب له عشر حسنات". وقال الترمذي (٤): ورُوي في حديث عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنَّه قال: "من توضأ على طُهرٍ؛ كتب الله له عشر حسنات" وروى هذا الحديث الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ حدثنا بذلك الحسن بن حُريث المروزي، قال: ثنا محمَّد بن يزيد الواسطي، عن الأفريقي، وهو إسناد ضعيف. قوله: "دعى بوَضوء" بفتح الواو في الموضعين، وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: "يا أبا عبد الرحمن الوُضُوء" هذا بضم الواو. قوله: "وقد فَطِنْتَ" من الفطنة، وهو الفهم، تقول: فَطَنْتُ الشيء -بالفتح- ورجل فَطِن وفَطُن، وقد فَطِنَ -بالكسر- فطنة وفطانة وفطانية.

стр. 379

قوله: "إنْ كان لكافيا" إنْ هذه مخففة، من المثقلة، وأصله: إنه كان كافيا، أيّ: إنَّ الشأن كان وضوئي لكافيا، و"كافيا" خبر كان، مقدم على اسمه، وهو قوله: "وضوئي". فإنْ قلتَ: ما الحكمة في تنصيص هذا العدد بالعَشْر؟ قلتُ: قالوا: إنَّ هذا أمر شرعي لا مجال للعقل فيه، وسنح بخاطري من الأنوار الربانية في حكمة هذا العدد أنَّ بالوضوء الأول حصل له خمس حسنات باعتبار أنه يمكن أنْ يصلي به خمس صلوات ثم بالوضوء الثاني تضاعف الأجر فيصير عشر حسنات!! ص: وقد رُوي عن أنس بن مالك ﵁ أيضًا ما يدل على ما ذكرنا. حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا وهب بن جرير، قال ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك قال: "أُتي رسول الله ﵇ بوضوءٍ فتوضأ منه، فقلت لأنس: أكان رسول الله ﷺ يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء". فهذا أنسن ﵁ قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله ﵇ ولم يُردِ ذلك فرضا على غيره. ش: أيّ قد روي عن أنس أيضًا ما يدل على ما ذكرنا من أنَّ النبي ﵇ فعل ما رواه بريدة لإصابة الفضل لا لأنه كان واجبا، وقد علم أنس أنَّه النبي ﵇ إنما كان يتوضأ عند كل صلاة لإصابة الفضل، وإلَّا لما كان وسعه ولا لغيره أنْ يخالفوه، وإسناد الحديث المذكور صحيح. وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ابن مهدي، قالا: نا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان النبي ﵇ يتوضأ عند كل صلاة. قلت: وأنتم، ما كنتم

стр. 380

تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نُحدِثْ" قال هذا حديث حسن صحيح. ص: وقد يجوز أيضًا أنْ يكون رسول الله ﵇ كان يفعل ذلك وهو واجب ثم نسخ، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئًا من الآثار يدل على هذا المعنى؟ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: "أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّ ذلك؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب، أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها، أنَّ رسول الله ﵇ أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمِرَ بالسِّواك لكل صلاة، وكان ابن عمر ﵁ يرى أنَّ به على ذلك قوة، وكان لا يدع الوضوء لكل صلاة. ففي هذا الحديث: أنَّ رسول الله ﵇ كان أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك، فثبت بما ذكرنا أنَّ الوضوء يجزئ ما لم يكن الحدث. ش: هذا جواب آخر عن حديث بريدة، أنَّه ﵇ كان يتوضأ لكل صلاة وهو طاهر. قوله: "أنْ يكون" فاعل "يجوز" و"رسول الله ﵇" اسم "يكون". وقوله: "كان يفعل ذلك" خبره. وقوله: "وهو واجب" جملة حالية، وذلك إشارة إلى توضئه ﵇ لكل صلاة، وإسناد الحديث المذكور جيد حسن. والوَهْبيّ هو أحمد بن خالد بن موسى الكندي، ونسبته إلى وهب والد عبد الله المصري. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق.

стр. 381

ومحمد بن يحيى بن حَبّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن منقذ بن عمرو بن مالك الأنصاري. وأسماء ابنة زيد بن الخطاب أخت عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، من التابعيات. وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب واسمه عبد عمرو بن صيفي بن زيد بن أميّة الأنصاري، أبو عبد الرحمن المدني، له رؤية من النبي ﵇ ويقال: توفي النبي ﵇ وهو ابن سبع سنين. وروى له أبو داود هذا الحديث (١) فقط: عن محمَّد بن عوف الطائي، عن أحمد بن خالد، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه بسواء. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من طريق أبي داود. قوله: "أرأيت" معناه أَخْبِرْني. قوله: "طاهرا"، نصب على أنَّه خبر "كان" مقدما عليه. قوله: "أُمِرَ بالوضوء" على صفة المجهول، أيّ: أمره الله تعالى، وكذلك "أُمِرَ" الثاني. قوله: "فلما شق ذلك عليه" أيّ: لما ثقل التوضؤ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر على النبي ﵇ "أُمِرَ بالسواك" أيّ باستعماله؛ لأن نفس السواك لا يؤمر به. قوله: "يرى أنَّ به قوة" أيّ يظن أنَّ به طاقة يتحمل الوضوء لكل صلاة. قوله: "وكان لا يدع" أيّ: لا يترك، وهذا من الألفاظ التي أماتوا ماضيها، كذا قالوا، وليس بشيء؛ فإنه قرئ قوله: تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ (٣) بالتخفيف.

стр. 382

ص: فإنْ قال قائل: معنى هذا الحديث إيجاب السواك لكل صلاة، فكيف لا توجبون ذلك وتعملون بكل الحديث إذْ كنتم قد عملتم ببعضه؟ قيل له: قد يجوز أنْ يكون النبي ﵇ خُصَّ بالسواك لكل صلاة دون أمته، ويجوز أنْ يكون هو وجميع أمته في ذلك سواء، وليس يوصل إلى حقيقة ذلك إلَّا بالتوقيف، فاعتبرنا ذلك، هل نجد شيئًا يدلنا على شيء من ذلك؟ فإذا علي بن معبد قد حدثنا، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عمي عبد الرحمن ابن يسار، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن علي ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كل صلاة". ش: تحرير السؤال: أنَّ حديث عبد الله بن حنظلة دَلَّ على إيجاب السواك لكل صلاة، لقوله: "أُمِرَ بالسواك" ومقتضى الأمر الوجوب، فإذا كان كذلك فلِمَ لا توجبون السواك؟ وَلِمَ لا تعملون بكل الحديث؟ تعملون بعضه وتتركون بعضه؟! قوله: "إذْ كنتم" أيّ "حين كنتم" ويصح أنْ تكون "إذ" للتعليل، كما في قوله: تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ (١). وتحرير الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّه قد يجوز أنْ يكون النبي ﵇ مخصوصا بالسِّواك لكل صلاة، ولا يكون ذلك لأمته، فلا يجب على غيره، فلا يمكن العمل بكل الحديث، والأصل فيه أنَّ فعل النبي ﵇ إذا علمت صفته أنَّه فعله واجبا أو ندبا أو مباحا فإنه يتتبع فيه بتلك الصفة، وإنْ لم يعلم فإنه تثبت له صفة الإباحة، ثم لا يكون الاتباع فيه ثابتا إلَّا بقيام الدليل على كونه مخصوصا بصفته، وهذا هو المذهب الصحيح في أفعال النبي ﵇. فإنْ قلت: قد علمت هنا صفته أنَّه كان واجبا لقوله: "أُمِرَ بالسواك".

стр. 383

قلت: قد يحتمل أنْ يكون ذلك الأمر خاصا به كما في الضحى ونحوه، ويحتمل أنْ يَعُمّ هو وأمته كما قال في الجواب الثاني بقوله: ويجوز أنْ يكون هو وجميع أمته في ذلك سواء، ولكن لهذين الاحتمالين يجب التوقيف حتى يقوم الدليل على ترجيح أحدهما، فاعتبرنا ذلك، فوجدنا حديث عليّ ﵁ قد دلَّ على أنه ليس بواجب -على ما يجيء إنْ شاء الله تعالى-. وإسناد حديث عليّ حسنٌ، بل صحيح؛ لأن ابن إسحاق ثقة ولكنه مدلس، ولكن قد صرّح هنا بالتحديث. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه (١) وقال: حدثني عقبة بن مكرم الكوفي، نا يونس بن بُكير، نا محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة. وعن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ ﵁ قال: قال: رسول الله ﵇: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢) ولفظه: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". قوله: "لولا" كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك، أيّ لولا زيد موجود، والمعنى ها هنا: لولا مخافة أنْ أشق لأمرتهم أمر إيجاب. وإلَّا لانعكس معناها إذ الممتنع: المشقة، والأمر موجود، وقد استدلت جماعة من الفقهاء على سُنية السواك بهذا الحديث، فإنْ قلتَ: كيف تثبت بهذا؟ قلتُ: لما امتنع الوجوب لوجود المشقة، ثبت ما دون الوجوب وهو السُّنَّة، لعدم المانع، وهو المشقة؛ لأنه بسبيل في ترك السُّنَّة.

стр. 384

قوله: "بالسواك" أيّ باستعمال السواك؛ لأن نفس الخشبة التي تسمى سواكا ومِسْواكا أيضًا ليست بسنة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ لأمنِ اللبس، كما في قوله: "خير خلال الصائم السواك" (١)، أيّ استعماله. قال أبو زيد: السواك يجمع على سُوُك، ككِتَاب وكُتب، وسَوَّكَ فاه تَسْوِيكا، وإذا قلت: اسْتَاك أو تَسَوَّكَ لم تذكر الفم. وفي "النهاية" لابن الأثير: السِّواك بالكسر والمِسْواك: ما تدلك به الأسنان من العيدان، يقال: سَاكَ فاه يَسُوكَهُ إذا دلّكه بالسِّواك، فإذا لم تذكر الفم، قلت: أستاكَ. قوله: "عند كل صلاة" يشُعرُ بأنه مستحب عند كل صلاة، وما روي من حديث أبي هريرة الذي رواه الطحاوي عن مالك -على ما يأتي- يشعر بأنه مستحب [عند] (٢) كل وضوء، وأكثر أصحابنا ذكروه عند الوضوء، كذا في "المحيط" و"شرح مختصر الكرخي" و"الطحاوي" و"التحفة" و"الغُنية" وقال صاحب "البدائع": ومن سنن الوضوء: السواك، ولكن المنقول عن أبي حنيفة على ما ذكره صاحب "المفيد" أنَّه من سنن الدين، فحينئذ تستوي فيه كل الأحوال، ولا سيما تتأكد سُنِّيَتَهُ عند تَغَيُّر الفم، وفي شرح الطحاوي: أنَّه سُنة، رطبا كان أو يابسا، مبلولا بالماء أو لا، في جميع الأوقات على أيّ حال كان. وقال أبو عمر: فضل السواك مجمع عليه، لا خلاف فيه، والصلاة عند الجميع به أفضل منها بغيره، حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء. ويتأكد طلبه عند إرادة الصلاة، وعند الوضوء، وقراعة القرآن، والاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم، ويستحب بين كل ركعتين من صلاة الليل، ويوم الجمعة، وقبل النوم، وبعد الوتر، وعند الأكل، وفي السحر.

стр. 385

وفي "المغني" لابن قدامة: قال أبو القاسم: السِّواك سُنة مستحبة عند كل صلاة، لا يعلم في هذا خلاف، غير ما حكي عن إسحاق وداود أنهما قالا بوجوبه استدلالا بالأمر به، وقول سائر أهل العلم أصح. وقال ابن حزم: هو سُنّة، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، وهو يوم الجمعة فرض لازم. وحكى أبو حامد الإسفرائيني والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه، وهو غير جيِّد، الفهم إلَّا إذا أراد به يوم الجمعة، وعن إسحاق: أنه واجب، إنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وزعم النووي أنَّ هذا لم يصح عن إسحاق. ثم أصحابنا قالوا: الأولى أنْ يكون السواك من شجر مُرٍّ في غلظ الخنصر، وطول الشِّبر، وأنْ يستاك طولا وعرضا، وقد ورد في حديث أبي موسى (١) الاستياك طولا، وورد في حديث بَهْز (٢)، وربيعة بن أكثم (٣) وغيره الاستياك عرضا، وحديث عائشة ﵂ "كان ﵇ يستاكُ عرضا ولا يستاك طول" ذكره أبو نعيم (٤). وفي "مراسيل أبي داود" (٥): "إذا استكتم فاستاكوا عرضا".

стр. 386

وفي "المغني" لابن قدامة: ويستحب أن يجعل السواك أراكا أو عرجونا أو زيتونا أو عودا ينقي ولا يجرح ولا يتفتت، ولا يستاك بالرياحين ولا الرمّان ولا الأعواد الذكية؛ لأنه رُوي أنَّ السواك بعود الرياحين يحرك عرق الجذام، وقيل: السِّك بعود الرمّان يضر بلحم الفم، فإنْ استاك بإصبعه أو بخرقة لم يُصِبْ السُّنَّة، وقيل: يكون مصيبا. انتهى (١). وقال صاحب "الهداية": وعند فقده يُعالج بالإصبع. أيّ عند عدم السواك يزاول بالإصبع. وروى الطبراني في "الأوسط" (٢): من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن يَسَار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ثنا أصحاب محمَّد ﵇، عن نبي الله ﵇ مثل ذلك. ش: إسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره، ويحيى بن حماد بن أبي الزناد الشيباني، شيخ البخاري، وأبو عوانة الوضاح، وسليمان هو الأعمش، وعبد الله ابن يَسَار -بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الجهني، وثقه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عُبَيدة بن حميد، ثنا الأعمش، عن عبد الله بن يَسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بعض أصحاب النبي ﵇ رفعه قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لفرضت على أمتي السواك كما فرضت عليهم الطهور".

стр. 387

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن خلف الطُّفَاوي، قال: نا هشام ابن حسّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، مثله. ش: عبد الله بن خلف ذكره في "الميزان" وقال: في حديثه وهم ونكارة. والطُّفَاوِي -بضم الطاء- نسبة إلى طُفاوة حيَّ من قيس غيلان. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا محمد بن صالح بن النطاح، ثنا أرطاة أبو حاتم، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وروى أحمد في "مسنده" (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبي ﵇ قال: "عليكم بالسواك فإنه مَطيبة للفم، ومرضاة للربّ ﵎". ص: قال أبو جعفر ﵀: هذا حديث غريب ما كتبناه إلَّا عن ابن مرزوق. ش: أشار به إلى حديث ابن عمر هذا الذي رواه عن إبراهيم بن مرزوق، قال ابن منده: الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث سمي غريبا، وإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزا، وإذا روى الجماعة عنهم حديثا سمي مشهورا. وقال ابن الصلاح: الحديث الذي ينفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب، وكذلك الحديث الذي ينفرد به بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره، إما في متنه وإما في إسناده، ثم إنَّ الغريب ينقسم إلى صحيح؛ كالأفراد المخرجة في "الصحيح"، وإلى غير صحيح وذلك هو الغالب على الغرائب.

стр. 388

وينقسم الغريب أيضًا من وجه آخر، فمنه ما هو غريب متنا وإسنادا، وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راوٍ واحد، ومنه ما هو غريب إسنادا لا متنا؛ كالحديث متنه معروف مروي عن جماعة من الصحابة إذا انفرد بعضهم بروايته عن صحابي آخر كان غريبا من ذلك الوجه، مع أنَّ متنه غير غريب، ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهذا الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أرى هذا النوع ينعكس فلا يُوجد إذن ما هو غريب مَتْنا وليْس غريبًا إسنادا، إلَّا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرّد به فرواه عنه عددٌ كثيرون، فإنه يصير غريبا مشهورا، وغريبا متنا وغير غريب إسنادا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإنّ إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث: "إنما الأعمال بالنيّات" (١) وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشتهرة، ومُراد الطحاوي ها هنا تفرّد عبد الله بن خلف الطُفاوي، عن هشام بن حسّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وغيره يروي عن هشام عن عبيد الله، عن نافع، عن أبي هريرة ﵁. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن محمد بن [إبراهيم بن] (٢) الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذا إسناد لا بأس به؛ لأن محمد بن إسحاق مدلِّس، ولم يصرّح بالتحديث إلَّا أنَّ الترمذي صححه كما يجيء الآن، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.

стр. 389

وأخرجه أبو داود (١): عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجُهني، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وأخرجه الترمذي (٢): عن هنّاد، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه، وزاد: "ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل. قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم لصلاة إلَّا استنّ، ثم يردّه إلى موضعه". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم أيضًا وصحّحه (٣). ص: حدثنا عليّ، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سَعيد المَقْبري، عن عطاء مولى أم صُبَيَّة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح؛ صرَّح ابن إسحاق بالتحديث، وعطاء مولى أم صُبَيَّة وثقه ابن حبان. والحديث أخرجه الجماعة بأسانيد مختلفة على ما نذكرها. وبهذا الإسناد أخرجه البيهقي (٤): وقال: أنا أبو طاهر، أنا أبو حامد، نا محمَّد ابن يحيى، أنا أحمد بن خالد، نا محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صُبَيَّة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لولا أني أكره أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء".

стр. 390

ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لولا أنْ يُشَقُّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن أبي عقيل عبد الغني. وأخرجه البيهقي (١): عن أبي الحسن محمَّد بن الحسين بن داود العلوي، عن أبي النضر محمَّد بن محمَّد بن يوسف الفقيه، عن الحارث بن أبي أسامة، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد ... إلى آخره نحوه. ثم قال: وهكذا رواه الشافعي في رواية حرملة مرفوعا، وهو في الوطأ بهذا الإسناد موقوف دون ذكر الوضوء. وقال أبو عمر في "التمهيد" (٢): مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة أنه قال: "لولا أنْ يَشُقَّ على أمته لأمرهم بالسِّواك مع كل وضوء" وهذا مُدْخل في المسند عند جميعهم لاتصاله من غير ما وجهٍ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك، وممّن رواه كذلك كما رواه يحيى: أبو المصعب، وابن بُكير، والقعنبي، وابن القاسم، وابن وهب، وابن [نافع] (٣) ورواه معن بن عيسى، وأيوب بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي، وحوثرة، وأبو قرة موسى بن طارق، وإسماعيل بن أبي أويس، ومطرف بن عبد الله اليَساري الأصم، وبشر بن عمر، ورَوْحُ [بن] (٤) عبادة، وسعيد بن عُفَير، عن مالك. وسحنُون، عن ابن القاسم، عن مالك بإسناده، أنَّ رسول الله ﵇ قال: "لولا أنْ يشُقُّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك مع كل وضوء". وبعضهم يقول: "مع كل صلاة".
следующие страницы →