← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

ابن بحينة: "صلى بنا رسول الله ﵇ صلاة يظن أنها العصر، فقام في الثانية فلم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم سجد سجدتين". وأخرجه الدارقطني أيضًا في "سننه" (١) من هذا الطريق. ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، من محمد بن عجلان مولى فاطمة حدثه، عن محمد بن يوسف مولى عثمان حدثه، عن أبيه: أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم، فقام وعليه جلوس فلم يجلس، فلما كان في آخر السجدة من صلاته سجد سجدتين قبل أن يُسلّم، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﵇ يَصْنع". حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب وابن لهيعة، قالا: ثنا محمد بن عجلان ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان حسنان جيّدان: الأول: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي ثم المصري، المعروف بعلان. قال ابن أبي حاتم: صدوق. عن عبد الله بن صالح المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمد أبي عبد الملك المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث ابن يعقوب المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني نزيل مصر روى له الجماعة، عن محمد بن عجلان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان، وثقه أبو زرعة والدارقطني وروي له النسائي. عن أبيه يوسف القرشي الأموي المدني مولى عثمان وثقه ابن حبان، عن معاوية بن أبي سفيان ﵁.

стр. 3257

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عمرو بن الحارث، عن بكير، عن ابن عجلان مولى فاطمة، عن محمد بن يوسف مولى عثمان حدثه، عن أبيه، أن معاوية ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن سعيد بن الحكم بن محمد المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري وعبد الله بن لهيعة المصري، كلاهما عن محمد بن عجلان ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢): أنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف: "أن معاوية صلى إمامهم، فقام في الصلاة وعليه جلوس، فسبّح الناس، فتمّ على قيامه ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: إني سمعت رسول الله يقول: من نسي شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين". ص: فذهب إلى هذه الآثار قوم، فقالوا: هكذا سجود السهو قبل السلام من الصلاة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري ومكحولًا ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد في رواية" فإنهم قالوا: سجود السهو قبل السلام من الصلاة. وقال ابن قدامة في "المغني": السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإِمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، نصّ هذا في رواية الأثرم.

стр. 3258

وقال القاضي: لا يختلف قول أحمد في هذين الموضعين أنه يسجد لهما بعد السلام، واختلف قوله فيمن سها فصل خمسًا هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ على روايتن، وما عدا هذه المواضع الثلاثة يسجد لها قبل السلام روايةً واحدةً". وبهذا قال سليمان بن داود وأبو خيثمة وابن المنذر. وحكى أبو الخطاب عن أحمد روايتين أخريين: إحداهما: أن السجود كله قبل السلام؛ لحديث ابن بُحَينْة وأبي سعيد. والثانية: أن ما كان من نقصٍ سجد له قبل السلام؛ لحديث ابن بحينة، وما كان من زيادة سجد لها بعد السلام؛ لحديث ذي اليدين وحديث ابن مسعود حين صلى النبي ﵇ خمسًا، وهذا مذهب مالك وأبي ثور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: ما كان من سجود سهو لنقصانٍ كان في الصلاة فهو قبل السلام كما في حديث ابن بُحَينْة، وكما في حديث معاوية. وما كان من سجود سهو وَجَبَ لزيادةٍ زيدت في الصلاة فهو بعد التسليم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون. وأراد بهم: مالكًا وأبا ثور ونفرًا من أهل الحجازة فإنهم قالوا: سجود السهو للنقصان قبل السلام كما في حديثي ابن بحينة ومعاوية، وللزيادة بعد السلام كما في حديث ذي اليدين وغيره مما هو مثله. وقال أبو عمر في "التمهيد": قال مالك وأصحابه: كل سهو كان نقصانًا من الصلاة فالسجود له قبل السلام، وإن كان لزيادة فالسجود له بعد السلام. قال أبو عمر: هو الصحيح في هذا الباب من جهة الآثار؛ لأن في قول مالك ومن تابعه على ذلك استعمال الخبرين جميعًا في الزيادة والنقصان، واستعمال الأخبار على وجوهها أولى من ادعاء النسخ فيها، ومن جهة النظر الفرق بين النقصان في ذلك وبين الزيادة؛ لأن السجود في النقصان إصلاح وجبر، ومحال

стр. 3259

أن يكون الجبر والإصلاح بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة فإنما ذلك ترغيم للشيطان وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ. قلت: هذا الفرق غير سديد؛ لأنه سواء نقص أو زاد كل ذلك نقصان؛ لأن الزيادة في غير محلها نقصان كالإصبع الزائدة، فإذا كان كذلك ينبغي أن يكون قبل السلام في الحالتين على مقتضى ما قاله؛ ولأنه لو سها مرتين إحداهما بالزيادة والأخرى بالنقصان ماذا يفعل، وتكرار سجدتي السهو غير مشروع، وقد روي أن أبا يوسف ألزم مالكًا بين يدي الخليفة بهذا الفصل فقال: أرأيت لو زاد ونقص كيف يصنع؟ فتحير مالك، وقيل: قال: هكذا أدركنا مشايخنا. ص: واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة في خبر ذي اليدين، وبحديث الخرباق وابن عمر ﵃ في سجود سهو النبي ﵇ يومئذٍ بعد السلام. فمن ذلك: ما حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، عن زيد ابن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه سجد يوم ذي اليدين -يعني سجدتي السهو- بعد السلام". وسنذكر حديث ذي اليدين وكيف هو في باب: "الكلام في الصلاة" إن شاء الله تعالى. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أن سجدتي السهو في الزيادة بعد السلام بحديث أبي هريرة في خبر ذي اليدين. وخبر ذي اليدين أخرجه الجماعة كما نذكره في باب: "الكلام في الصلاة" إن شاء الله تعالى. قوله: "وبحديث الخرباق" أي: واحتجوا أيضًا بحديث خرباق السُّلَمي وخرباق هو ذو اليدين على ما يجيء مستقصى إن شاء الله تعالى. قوله: "وابن عمر" أي: واحتجوا أيضًا في ذلك بحديث عبد الله بن عمر.

стр. 3260

أخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمد وأبو كريب وأحمد بن شيبان، قالوا: أنا أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ سها فسلم في الركعتين، فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسِيتَ؟ قال: ما قصرت وما نِسيتُ. قال: إنك صليت ركعتين. قال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فتقدّم، فصلّي ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو". وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا. وأخرجه الطحاوي أيضًا مسندًا في باب: "الكلام في الصلاة" على ما يجيء إن شاء الله تعالى. قوله: "فمن ذلك" أي فمن الذي احتجوا [به] (٣) في ذلك: ما حدثنا ربيع ابن سليمان المؤذن المصري صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن الليث بن سعد المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سُوَيد المصري، عن عراك ابن مالك الغفاري المدني، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (٤): أخبرني عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو، قال: أبنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام".

стр. 3261

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل سهو وجب في الصلاة لزيادة أو نقصان فهو بعد السلام. ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: سجدتا السهو بعد السلام سواء كانت لزيادة أو نقصان، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وسَعْد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعمار بن ياسر وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك ﵃. وذهبت طائفة أخرى أن الاحتياط في هذا أن يتتبع ظواهر الأخبار على الأحاديث؛ إن نهض من ثنتين سجد قبل السلام على حديث ابن بُحَينة، وإذا شك فرجع إلى اليقين سجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري، وإذا سلم من اثنتين سجد بعد السلام على حديث أبي هريرة، وإذا شك فكان ممن يرجع إلى التحري سجد بعد السلام على حديث ابن مسعود، وكل سهو يدخل عليه سوى ما ذكرناه يسجد قبل السلام سوى ما روي عن النبي ﵇، وإليه ذهب أحمد في رواية وسليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي وأبو خيثمة. وقال أهل الظاهر: لا يَسْجد إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله ﵇ فقط، وغير ذلك إن كان فرضًا أتي به، وإن كان ندبًا فليس عليه شيء، وكذا قاله ابن سيرين وقتادة، وهو قولى غريب عن الشافعي، وجمهور العلماء على أن التطوع كالفرض. فإن قيل: لو سجد في السهو قبل السلام كيف يكون حكمه عند الحنفية؟ قلت: قال القدوري: لو سجد للسهو قبل السلام جاز عندنا. هذا في رواية الأصول، وروي عنهم أنه لا يجوز؛ لأنه أدّاه قبل وقته.

стр. 3262

وفي "الهداية": وهذا الخلاف في الأولوية، وكذا قاله الماوردي في "الحاوي" وابن عبد البر وغيرهم. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا المسعودي، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ فسها فنهض في الركعتين، فسبَّحنا به، فمضى، فلما أتم الصلاة وسلم سجد سجدتي السهو". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن زياد بن علاقة قال: "أَمَّنا المغيرة بن شعبة ... " فذكر نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا بكر بن بكار، قال: ثنا علي بن مالك الرؤاسي من أنفسهم، قال: سمعت عامرًا يحدث: "أن المغيرة سها في السجدتين الأولين، فسُبِّح به، فاستتم قائمًا حتى صلى أربعًا، ثم سجد سجدتي السهو وقال: هكذا فعل رسول الله ﵇". حدثنا مبشر، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن جابر بن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة ... مثله. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن المغيرة بن شُبَيْل، عن قيس بن أبي حازم قال: "صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين فسبّح الناس خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما قضى صلاته سلّم وسجد سجدتي السهو، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استتم أحدكم قائمًا فليصل وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة ابن شُبَيْل، عن قيس بن أبي حازم قال: "صلّى بنا المغيرة بن شعبة فقام من

стр. 3263

الركعتين قائمًا، فقلنا: سبحان الله، فأومَأَ وقال: سبحان الله، فمضى، فلما قضى صلاته وسلم سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: صلى بنا رسول الله ﵇ فاستوى قائمًا من جلوسه فمضى في صلاته، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس فإن لم يستتم قائمًا فليجلس وليس عليه سجدتان، فإن استوى قائمًا فليمض في صلاته وليسجد سجدتين وهو جالس". فهذا المغيرة ﵁ يحكي عن رسول الله ﵇ أنه سجد للسَّهو لِمَا نقصه من صلاته بعد السلام، وهذه الأحاديث قد تحتمل وجوهًا، فقد يجوز أن يكون ما ذكرنا من حديث ابن بُحْيَنة ومعاوية من سجود رسول الله ﵇ للسهو قبل السلام على كل سهو وجب في الصلاة من نقصان أو زيادة، ويجوز أن يكون ما في حديث المغيرة من سجود رسول الله ﵇ بعد السلام على كل سهوٍ أيضًا يكون في الصلاة يجب له السجود من نقصان أو زيادة، ويجوز أن يكون ما في حديث عمران وأبي هريرة وابن عمر ﵃ من سجود النبي ﵇ لِمَا زاده في الصلاة ساهيًا يكون كذلك كل سجود وجب لسهو فهناك يسجد، ولا يكون قصد بذلك إلى التفرقة بين السجود للزيادة وبين السجود للنقصان، ويجوز أن يكون قد قصد بذلك إلى التفرقة بينهما. فنظرنا في ذلك فوجدنا عمر بن الخطاب ﵁ قد حضر سجود سهو النبي ﵇ في يوم ذي اليدين للزيادة كان زادها في صلاته من تسليمه فيها، وكان سجوده ذلك بعد السلام، فوجدناه قد سجد بعد النبي ﵇ لنقصانٍ كان منه في الصلاة بعد السلام. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جَوْس الحنفي، عن عبد الله ابن حنظلة بن الراهب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى صلاة المغرب فلم

стр. 3264

يقرأ في الركعة الأولى شيئًا فلما كانت الثالثة قرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة مرتين، فلما سلَّم سجد سجدتي السهو". فصار سجود رسول الله ﵇ الذي قد علمه عمر- ﵁ للزيادة التي كان زادها في صلاته، وسجوده لها بعد السلام، دليلًا عنده على أن حكم كل سهو في الصلاة مثله. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث المغيرة بن شعبة ﵁؛ فإنه يحكي في حديثه عن رسول الله ﵇ أنه سجد للسهو لأجل نقصانه من صلاته بعد السلام، ولما لم يتم الاستدلال بهذا لكونه صريحًا في أن سجود السهو بعد السلام لأجل النقصان، ومذهب هؤلاء أنه بعد السلام مطلقًا، أشار إلى تمام الاستدلال لمذهبهم مع بيان التوفيق بين أحاديث هذا الباب حيث قال: وهذه الأحاديث قد تحتمل وجوهًا، وأراد بها الأحاديث المذكورة في هذا الباب وغيره، وهي أحاديث: عبد الله بن بحَينة، ومعاوية ابن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وعمران بن الحصين، وأبي هريرة، وعبد الله ابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن عوف، وثوبان مولى النبي ﵇، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، والمنذر بن عمرو، وعمر بن عبيد الله بن أبي الرّقاد، وعبد الله بن مسعود، وعائشة (١) ﵃. ولكن الطحاوي ما ذكر في تصحيح معاني هذه الأحاديث إلا أحاديث ابن بحينة ومعاوية والمغيرة وعمران وأبي هريرة وابن عمر ﵃ حيث قال: فقد يجوز أن يكون ما ذكرنا في حديث ابن بحينة ... إلى آخره. بيانه: أن حديث عبد الله بن بُحَينة وحديث معاوية بن أبي سفيان يحتمل أن يكون يصرفه على كل سهو وجب في الصلاة من نقصان أو زيادة، وكذلك يجوز

стр. 3265

أن ما في حديث المغيرة من سجود رسول الله ﵇ على كل سهو أيضًا سواء كان لنقصان أو زيادة، وكذلك يجوز أن يكون ما في أحاديث عمران وأبي هريرة وابن عمر ﵃ من سجوده لأجل زيادته في صلاته ساهيًا على كل سجود وجب للسهو فيسجد هناك، ولا يقصد بذلك التفرقة بين السجود للزيادة وبين السجود للنقصان، ويحتمل أيضًا أن يكون قد قصد بذلك إلى التفرقة بينهما، ولكن رأينا عمر بن الخطاب ﵁ قد حضر سجود سهو النبي ﵇ في يوم ذي اليدين، وكان ذلك لأجل الزيادة التي زادها في صلاته وهي تسليمه فيها، وكان سجوده ذلك بعد السلام، ثم رأينا عمر بن الخطاب ﵁ قد سجد بعد النبي ﵇ لأجل نقصان كان منه في الصلاة بعد السلام، فدلّ ذلك أن سجود رسول الله ﵇ بعد السلام الذي قد كان عمر- ﵁ علمه لأجل الزيادة التي كان زادها في صلاته على حكم كل سهو في الصلاة سواء كان للزيادة أو للنقصان، والله أعلم. وأخرج الأثر المذكور بإسناد حسن جيد، عن سليمان بن شعيب الكيْساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي وثقه أبو حاتم وغيره، عن شعبة بن الحجاج، عن عكرمة بن عمار العجلي اليمامي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن ضمضم بن جَوْس -بالجيم المفتوحة والواو الساكنة والسين المهملة- وثقه ابن حبان وروى له الأربعة- عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب أبي عبد الرحمن المدني، له رؤية من النبي ﵇، وأبوه حنظلة غِسيل الملائكة غسلته يوم أحد؛ لأنه قُتِل وهو جنب. فهذا الذي ذكره الطحاوي من تصحيح معاني الآثار فنقول: أما حديث ابن بحينة ومعاوية فإنهما وإن كانا قد صرّحا بأنه قد سجد للسهو قبل السلام ولكن حديث المغيرة بن شعبة يعارض حديثهما؛ لأنه يدل على أنه ﵇ قد سجد للسهو بعد السلام، فكل واحد من أحاديث هؤلاء يجوز أن يكون على

стр. 3266

سهو وجب في الصلاة من نقصان أو زيادة، فصارت رواية الفعل متعارضة، فبقي لنا رواية القول سالمة من التعارض وهي رواية ثوبان ﵁. وأخرجها أبو داود (١) وابن ماجه (٢)، وأحمد (٣) وعبد الرزاق (٤) والطبراني (٥). قال أبو داود (٦): ثنا عمرو بن عثمان والربيع بن نافع وعثمان بن أبي شيبة وشجاع بن مخلد -بمعنى الإسناد- أن ابن عياش حدثهم، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير -يعني: ابن سالم العنسي- عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير -قال عمرو وحده-: عن أبيه، عن ثوبان، عن النبي ﵇ قال: "لكل سهو سجدتان بعد ما يُسلّم". ولم يذكر عن أبيه غير عمرو. واستدل صاحب "الهداية" من أصحابنا بهذا الحديث في قوله: يسجد للسهو للزيادة والنقصان سجدتين بعد السلام ثم يتشهد ثم يسلم. فإن قيل: ذكر البيهقي هذا الحديث ثم قال: إسناده فيه ضعف. قلت: سكوت أبي داود يدل على أن أقل أحواله أن يكون حسنًا عنده على ما عرف (٧)، وليس في إسناده من تُكلم فيه سوى ابن عياش، وبه علل البيهقي الحديث في كتاب "المعرفة" فقال: تفردّ به إسماعيل بن عياش وليس بالقوي.

стр. 3267

قلنا: هذه العلة ضعيفة فإن ابن عياش روى هذا الحديث عن شامي وهو عبيد الله الكلاعي، وقد قال البيهقي في باب: "ترك الوضوء من الدم" (١): ما روى ابن عياش عن الشاميين صحيح. فلا نَدْري من أين حصل الضعف لهذا الإسناد. ثم معنى قوله: "لكل سهو سجدتان" أي سواء كان من زيادة أو نقص كقولهم: لكل ذنب توبة، وحمله على هذا أولى من حمله على أنه كلما تكرر السهو ولو في صلاة واحدة لكل سهو سجدتان كما فهمه البيهقي حتى لا تتضاد الأحاديث، وأيضًا فقد جاء هذا التأويل مصرّحًا به في حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵇: "سجدتا السهو تجزئان عن كل زيادة ونقصان". ذكره البيهقي في باب: "من كثر عليه السهو" (٢)، على أن البيهقي فهم من هذا اللفظ أيضًا ما فهمه في هذا الباب، وبهذا لا يظهر لك أنه لا اختلاف بين حديث ثوبان وبين حديث أبي هريرة وعمران وغيرهما. فإن قيل: روايات القول أيضًا متعارضة، ألا ترى إلى ما رواه عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إذا كنت في صلاةٍ فشككت في ثلاث وأربع وأكبر ظنك على أربع؛ تشهدت ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضًا، ثم تسلم". أخرجه أبو داود (٣). قلت: لا يضر ما ذكرت؛ لأن هذا الخلاف في الأولوية فللمصلي أن يختار أي قولٍ شاء؛ لأن الأحاديث صحّت في الأقوال والأفعال جميعًا، على أن صاحب "البدائع" قد ذكر أن ما رواه الخصم من أنه سجد للسهو قبل السلام مجمل،

стр. 3268

يحتمل أنه سجد قبل السلام الأول ويحتمل أنه سجد قبل السلام الثاني، وما رويناه نحن محكم، فينصرف ما رواه إلى موافقة المحكم، وهو أنه سجد قبل السلام الأول وبعد السلام الأول؛ ردًّا للمحتمل إلى المحكم. قلت: حديث عبد الله بن مسعود هذا رواه عنه ابنه أبو عبيدة، وقد قالوا: إنه لم يسمع من أبيه، وقال أبو داود عقيب ذكره هذا الحديث: وكذا رواه عبد الواحد عن خُصيف ولم يرفعه. ووافق عبد الواحد أيضًا سفيان وشريك وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث ولم يسندوه. وقال البيهقي: هذا الحديث غير قوي واختلفوا في رفعه ومتنه. وأما حديث عمران بن حصين: فأخرجه الطحاوي في الباب الذي يلي هذا الباب على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وأما حديث أبي هريرة: فقد أخرجه الطحاوي على ما مرّ. وأما حديث عبد الله بن عمر: فأخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢)، وقد ذكرناه فيما مضى. وأما حديث أبي سعيد الخدري: فقد ذُكر في الباب الذي قبله. وأما حديث عبد الله (٣).

стр. 3269

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي ص: باب: الكلام في الصلاة لما يحدث فيها من السهو ش: أي هذا باب في بيان أن الكلام في أثناء الصلاة لأمر يحدثُ فيها من السَّهو هل يبطل الصلاة أم لا، وكيف الحكم في ذلك؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا شيخ أحسبه أبا زيد الهروي قال: ثنا شعبة، عن خالد الحذاء، قال: سمعت أبا قلابة يحدث، عن عمه أبي المهلب، عن عمران ابن حصين: "أن رسول الله ﷺ صلى بهم الظهر ثلاث ركعات، ثم سلم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله، إنك صليت ثلاثًا، قال: فجاء فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلم". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح قال: ثنا وهيب، عن خالد الحذاء ... فذكر بإسناده مثله إلا أنه قال: "فقام إليه الخرباق وزعم أنها صلاة العصر". حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا معلَّى بن أسد، قال: ثنا وهيبٌ عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "سلم رسول ﵇ في ثلاث ركعات، فدخل الحجرة مُغضَبًا، فقام الخرباق -رجل بسيط اليدين- فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: فخرج يجر رداءه فسأل؛ فأخبر؛ فصلى الركعة التي كان ترك وسلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي زيد الهروي، واسمه سعيد بن الربيع الجرشي العامري البصري، روى له مسلم والترمذي والنسائي.

стр. 3270

عن شعبة بن الحجاج، عن خالد الحذاء روى له الجماعة، عن أبي قلابة عبد الله ابن زيد الجرمي أحد الأئمة الأحناف روى له الجماعة، عن عمه أبي المُهلّب الجرمي البصري واسمه عمرو بن معاوية قاله النسائي. وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو، روى له الجماعة: البخاري في غير "الصحيح". عن عمران بن الحصين ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "صلى رسول الله ﵇ الظهر أو العصر ثلاث ركعات، ثم سلم فقال رجل من أصحاب النبي ﵇ يقال له الخرباق: أقصرت الصلاة؟ فسأل النبي ﵇ فإذا هو كما قال، قال: فصل ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم". الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه أبو حاتم. عن وهيب بن خالد البصري، عن خالد الحذاء ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "صلى رسول الله ﵇ العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، فقال: يا رسول الله، فذكر له الذي صنع، فخرج مغضبًا يجرُّ رداءه حتى إنتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم؛ فصلى تلك الركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم.

стр. 3271

الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن معلى بن أسد البصري شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد البصري عن [...] (١) مسلم (٢) قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا خالد -وهو الحذاء- عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: "سلم رسول الله ﵇ في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام ودخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم". وبقي الكلام فيه من وجوه: الأول: في خِرْباق -وهو بكسر الخاء المعجمة- ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين أيضًا، وكلاهما لقب عليه، وقال السمعاني في "الأنساب": ذو اليدين ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعًا، وقال ابن حبان في "الثقات": ذو اليدين ويقال له: ذو الشمالين أيضًا ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، وقال أبو عبد الله العدني في "مسنده" قال: أبو محمد الخزاعي، ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر. وقال: ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): حدثنا ابن فَضيل، عن حصين، عن عكرمة قال: "صلى النبي ﵇ بالناس ثلاث ركعات ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات، فقال: كذلك يا ذا اليدين -وكان يسمى ذا الشمالين- قال: نعم؛ فصلى ركعة، وسجد سجدتين".

стр. 3272

وقال ابن الأثير في "معرفة الصحابة": ذو اليدين اسمه الخرباق من بني سليم كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذو الشمالين، ذو الشمالين خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، وشهده أبو هريرة لما سهى رسول الله في الصلاة فقال ذو اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟ " وكان الزهري يقول: إنه ذو الشمالين المقتول ببدر وإن قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر ثم أحكمت الأمور بعد ذلك. قال القاضي عياض: وأما حديث ذي اليدين فقد ذكر مسلم (١) في حديث عمران بن حصين أن اسمه الخرباق، وكان في يديه طول وفي الرواية الأخرى: "بسيط اليدين". وفي حديث أبي هريرة (٢): "رجل من بني سليم" ووقع للعذري: "سلم" وهو خطأ وقد جاء في حديث عبيد بن عمير مفسرًا فقال فيه: "ذو اليدين أخو بني سليم" وفي رواية الزهري: "ذو الشمالين رجل من بني زهرة، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قالوا: لأن ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير وهو من بني سليم، فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم وإن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق وهو رجل أخر حليف بني زهره اسمه عمير بن عبد عمرو من خزاعة بدليل رواية أبي هريرة حديث اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: "صلى بنا رسول الله ﵇ ... " وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخيبر بعد يوم بدر بسنتين، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من وهمه، وقد عدّهما بعضهم حديثين في نازلتين وهو الصحيح؛ لاختلاف صفتهما؛ لأن في حديث الخرباق ذي الشمالين أنه سلم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين من

стр. 3273

اثنتين، وفي حديث الخرباق أنها العصر، وفي حديث ذي اليدين الظهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله انتهى. وقال أبو عمر: ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل ما في حديث أبي هريرة، وأما قول الزهري في هذا الحديث: إنه ذو الشمالين فلم يتابع عليه. قلت: الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع. أنه وقع في كتاب النسائي (١) أيضًا: أنا هارون بن موسى الفرويّ، حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: "نسي رسول الله ﵇ في سجدتين، فقال: ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال رسول الله: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فقام رسول الله ﵇ فأتم الصلاة". وهذا أيضًا سند صحيح. صرح فيه أيضًا (٢): أن ذو الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس، أنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى يومًا فسلم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة، ولم أنس، فقال: بلى والذي بعثك بالحق، قال: رسول الله ﵇ أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم فصلى بالناس ركعتين". وهذا سند صحيح على شرط مسلم: وأخرج نحوه الطحاوي عن ربيع المؤذن عن شعيب بن الليث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب .... إلى آخره على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

стр. 3274

فثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك وأن المخاطب للنبي هو ذو الشمالين، وأن من قال ذلك لم يهم ولا يلزم مق عدم تخريج ذلك في الصحيحين عدم صحته، فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع. فإن قيل: أخرج البيهقي (١) حديثًا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النبي ﵇ فقال: الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف بني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي ﵇ بسهوه فإنه بقي بعد النبي ﵇. كذا ذكره شيخنا (٢) أبو عبد الله الحافظ ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان قال: حدثني شعيب بن مطير، عن أبيه ومطير حاضر فصدقه، قال شعيب: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خشب، فأخبرك أن رسول الله ﵇ ... " ثم قال البيهقي: وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله أقصرت الصلاة؟ وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك، فقد أخطأ، فإن ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب، وليس له راو. قلت: سنده ضعيف؛ لأن فيه معدي بن سليمان، فقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يحدث عن ابن عجلان. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، والملزوقات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وفي سنده أيضًا شعيب لم يعرف حاله، وولده مطير قال فيه ابن الجارود: سمع ذا اليدين، روى عنه ابنه شعيب، لم يصح حديثه، وفي "الضعفاء" للذهبي: لم يصح حديثه. وفي "الكاشف": مطير بن سليم عن ذي الزوائد وعنه ابناه شعيب وسليم لم يصح حديثه.

стр. 3275

ولضعف هذا السند قال: البيهقي في كتابه "المعرفة": ذو اليدين بقي بعد النبي ﵇ فيما يقال، ولقد أنصف وأحسن في هذه العبارة، ثم إن قول شيخه أبي عبد الله: "كل من قال ذلك فقد أخطأ" هو خطأ غير صحيح. روى مالك في "موطأه" (١): عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي حثمة بلغني: "أن رسول الله ﵇ ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار -الظهر أو العصر- فسلم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين -رجل من بني زهرة بن كلاب- أقَصرت الصلاة ... " الحديث، وفي آخره: مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك. فقد صرّح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين، وأنه من بني زهرة. فإن قيل: هو مرسل. قلت: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أنه يتصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرناه مما رواه النسائي آنفًا، ثم قول الحاكم، عن ذي الشمالين: "لم يعقب" يفهم من ظاهره أن ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك فيما قد علمناه، والله أعلم. فإن قيل: إن ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا على شخص واحد على ما زعمتم فحينئذ يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة، وذلك لأن ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله ﵇ إحدى صلاتي العشي إما الظهر أو العصر .... " الحديث، وفيه: "فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله ... ". أخرجه مسلم (٢) وغيره، وفي رواية: "صلى لنا رسول الله ﵇ صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين ... " الحديث.

стр. 3276

قلت: الجواب عن هذا الإشكال ما ذكره الطحاوي في هذا الباب على ما يجيء عن قريب إن شاء الله أن معناه: صلى بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة كما روي عن النزال بن سبرة قال: "قال لنا رسول الله: إنَّا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف ... " الحديث، والنزال لم يَرْ رسول الله ﵇، وإنما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاوس قال: "قدم علينا معاذ بن جبل ﵁ فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا" وإنما أراد: قدم بلدنا؛ لأن معاذًا إنما قدم اليمن في عهد رسول الله ﵇ قبل أن يولد طاوس ﵁، ومثله ما ذكره البيهقي في باب "البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة": عن مجاهد قال: "جاءنا أبو ذرٍّ ... " إلى آخره ثم قال البيهقي: مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: "جاءنا" أي جاء بلدنا، فافهم. الوجه الثاني: فيه دليل على أن سجود السهو سجدتان. الثالث: فيه حجة لأصحابنا أن سجدتي السهو بعد السلام، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في أنها قبل السلام. الرابع: أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه هل يصح؟ فظاهر الحديث يدل على أنه يصح؛ لأنه قال: "فجاء فصلى ركعة"، وفي رواية غيره من الجماعة: "فرجع رسول الله ﵇ مقامه". ولكن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة: فعند الشافعية فيها وجهان أصحهما: أنه يصح؛ لهذا الحديث؛ لأنه ثبت في "صحيح مسلم": "أنه مشى إلى الجذع وخرج السرعان"، وفي رواية: "دخل منزله"، وفي رواية: "دخل الحجرة ثم خرج، ورجع الناس وبنى على صلاته. والوجه الثاني وهو المشهور عندهم: أن الصلاة تبطل بذلك، وقال: النووي وهذا مشكل وتأويل الحديث صعب على من أبطلها، ونقل عن مالك: أنه ما لم ينتقض وضوءه يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بهذا الحديث ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: إذا سلم ساهيًا على الركعتين

стр. 3277

وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم، يعود إلى القضاء لما عليه ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه. أما إذا صرف وجهه عن القبلة فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك؛ لأن المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر لا يعود وتفسد صلاته. وأما إذا كان في الصحراء فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمن أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه وإلا فلا، وإن مشى أمامه لم يذكره في الكتاب. وقيل: إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلا فلا، وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل: إذا جاوز موضع سجوده لا يعود وهو الأصح، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة، فإن كان، يعود ما لم يجاوزها؛ لأن داخل السترة في حكم المسجد والله أعلم، وأجابوا عن الحديث أنه منسوخ على ما يجيء إن شاء الله تعالى. قوله: "مُغْضَبًا" بفتح الضاد. قوله: "يجر رداءه" جملة حالية. قوله: "فأخبر" على صيغة المجهول، أي: أخبر النبي ﵇ أن الأمر كما قاله الخرباق. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﵇ صلى للناس ركعتين، فسهى فسلم، فقال له ذو اليدين ... " فذكر مثل حديث ابن عون وهشام، وحديثهما أنه قال: "أقصرت الصلاة يا رسول الله، قال: لا، قال: فصلى ركعتين أخراوين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلم". ش: إسناده صحيح، وأبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي المدني، روى له الجماعة.

стр. 3278

وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي المدني، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو أسامة ... إلى آخره سواء. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا: ثنا علي بن محمد وأبو كريب وأحمد بن سنان، قالوا: نا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله سهى فسلم في الركعتين فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: ما قصرت وما نسيت. قال: إنك صليت ركعتين. قال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم؛ فتقدَّم فصل ركعتين ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو". انتهى. قلت: ابن عون هو عبد الله بن عون المزني أبو عون البصري، روى له الجماعة، وهشام هو ابن حسان الأزدي البصري روى له الجماعة، وكلاهما رويا هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وسيجيء حديثهما إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر -وأكثر ظني أنه ذكر الظهر- فصلى الركعتين ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها إحداهما على الأخرى، فعرف في وجهه الغضب، قال: وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي الناس أبو بكر وعمر ﵄ فهاباه أن يكلماه، فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله ﵇ سماه ذا اليدين فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنْسَ ولم تقصرْ الصلاة، قال: بلى نسيت يا رسول الله، فأقبل على القوم فقال: أصدقَ ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين ثم سلم، ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر".

стр. 3279

حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن أيوب وابن عون وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ نحوه. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أيوب بن أبي تميمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة؟ ... " ثم ذكر نحو ما بعد ذلك من حديث حماد بن زيد، ولم يذكر في هذا الحديث ما ذكره حماد في حديثه من قول أبي هريرة: "صلى بنا رسول الله ﵇". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا، وهيبٌ، قال: ثنا هشام بن حسَّان، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن سيرين، قال: قال أبو هريرة: "صلى النبي ﵇ إحدى صلاتي العشي ... " ثم ذكر نحوه، ولم يقل أبو بكرة في هذا الحديث: "صلى بنا". حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير قال: ثنا أبو سلمة، قال: ثنا أبو هريرة قال: "صلى لنا رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).

стр. 3280

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "سلم رسول الله ﵇ في ركعتين، فقيل له: يا رسول الله، أقصرت الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ فأخبر بما صنع، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم سجد سجدتين وهو جالس". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ صلى يومًا فسلم في ركعتين ثم أنصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص ولم أنس. فقال: بلى والذي بعثك بالحق، فقال رسول الله ﵇: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فصلى للناس ركعتين". حدثنا إبراهيم بن منقد، قال: ثنا إدريس، عن عبد الله بن عياش، عن ابن هرمز، عن أبي هريرة مثله، وزاد: "وسجد سجدتي السهو بعد السلام". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ انصرف من ركعتين ... " فذكر نحو ذلك غير أنه لم يذكر السلام الذي قبل السجود. ش: هذه ثلاثة عشر طريقًا كلها صحاح. الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (١): عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- قال: صلى بنا ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع

стр. 3281

[يديه] (١) عليها -إحداهما على الأخرى- يعرف في وجهه الغضب، ثم خرج سرعان الناس وهم يقولون: قصرت الصلاة [قصرت الصلاة] (٢) وفي الناس أبو بكر وعمر ﵄ فهاباه أن يكلماه فقام رجل كان رسول الله ﵇ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر الصلاة، قال: بل نسيت يا رسول الله؛ فأقبل رسول الله ﵇ على القوم فقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومئوا: أي نعم؛ فرجع رسول الله ﵇ إلى مقامه فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر، ثم كبر [وسجد] (٢) مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر". قال: فقيل لمحمد: سلم في السهو؟ فقال: لم أحفظ من أبي هريرة، ولكن نبئت عن عمران بن حصين ﵁ قال: "ثم سلم". وأخرجه مسلم (٣): عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة مثله. الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخطيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني وعبد الله بن عون المزني البصري وسلمة بن علقمة التميمي البصري ثلاثتهم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وأخرجه البخاري (٤): من حديث ابن عون، عن ابن سيرين فقال: ثنا إسحاق، ثنا ابن شميل، أنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصل بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد

стр. 3282

فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كله اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر ﵄ فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر؟ فقال كما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم؛ فتقدم فصل ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وبر، فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم". وأخرجه النسائي (١) أيضًا: عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة: "صلى النبي ﵇ إحدى صلاتي العشي -قال: أبو هريرة: ولكني نسيت- قال: فصلى بنا ركعتين ... " الحديث. وأخرجه أبو داود (٢): من حديث سلمة بن علقمة، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ ... " بمعنى حديث حماد كله إلى آخر قوله: "نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم، قال: قلت: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد، وأَحَبَّ إلى أن يتشهد". ولم يذكر: "كان يسميه ذا اليدين" ولا ذكر: "فأومئوا" ولا ذكر الغضب" انتهى. قلت: حديث حماد بن زيد هو الذي ذكرناه، عن أبي داود عن قريب فافهم. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٣): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك بن أنس، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇

стр. 3283

انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﵇: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم. فقام رسول الله ﵇ فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده وأطول". وأخرجه النسائى (١): عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن عيسى والحسن بن قزعة قالا: ثنا عبد الأعلى، نا هشام، عن محمد، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ صلى بهم إحدى صلاتي العشي -وأكبر ظني أنها الظهر- ثم انصرف إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يديه عليها -إحداهما على الأخرى- قال: وفي الناس أبو بكر وعمر ﵄ فهاباه أن يكلماه، قال: وخرج سرعان الناس فقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، قال: فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله ﵇ يسميه ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر الصلاة، قال: بك يا رسول الله، قال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. قال: فرجع فصل بنا الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر وهو جالس وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. الخامس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحجاج بن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سير بن، قال: قال أبو هريرة ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا حفص بن عمر، ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمد، عن أبي هريرة قال: "صلى النبي ﵇ إحدى صلاتي العشاء- قال محمد: وأكثر ظني

стр. 3284

العصر- ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس فقالوا: قصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين فقال: أنسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر. قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر. السادس: عن محمد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي لبيد الثقفي المدني من رجال مسلم، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه السراج في "مسنده" نحوه. السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان اسمه قزمان -قاله الدارقطني- مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي روى له الجماعة. عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١)، والنسائي (٢): كلاهما عن قتيبة، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: "صلى لنا رسول الله صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﵇: كل ذلك لم يكن. فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله؛ فأقبل رسول الله ﵇ على الناس، فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فأتم رسول الله ﵇ ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم".

стр. 3285

الثامن: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري البصري، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١): حدثني حجاج بن الشاعر، قال: نا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: نا يحيل، قال: ثنا أبو سلمة، قال: ثنا أبو هريرة: "أن رسول الله صلى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلم فأتاه رجل من بني سليم فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ .... " وساق الحديث. التاسع: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان أيضًا، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن سعد، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه صلى الظهر -يعني النبي ﵇ فسلم في الركعتين، فقيل له: نقصت الصلاة؟ فصلى ركعتين، ثم سجد سجدتين". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا: عن سليمان بن عبيد الله، عن بهز بن أسد، عن شعبة ... إلى آخره. العاشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): ثنا آدم، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "صلى بنا النبي ﵇ الظهر أو العصر، فسلم، فقال له ذو

стр. 3286

اليدين: الصلاة يا رسول أنقصت؟ فقال النبي ﵇: أحقٌّ ما يقول؟ قالوا: نعم. فصل ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين". الحادي عشر: عن ربيع بن سليمان المؤذن شيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن شعيب بن الليث من رجال مسلم، عن يزيد بن أبي حبيب من رجال الجماعة، عن عمران بن أبي أنس المصري من رجال مسلم، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (١): عن عيسى بن حماد، عن الليث ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢): عن شبابة، عن ليث إلى آخره نحوه. وهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أن ذا اليدين وذا الشمالين كلاهما واحد وأنهما لقبان على خرباق السلمي كما قد ذكرناه، وفيه ردّ على من قال: إن الزهري وهم في قوله: "أن ذا اليدين وذا الشمالين"، واحد وأنه تفرد به، وقد مضى الكلام فيه مستقصى. الثاني عشر: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، عن إدريس بن يحيى الخولاني المصري، عن عبد الله بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة-بالشين المعجمة- ابن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القتباني المصري، فهو وإن كان النسائي قد ضعفه فهو من رجال مسلم، وثقه ابن حبان وغيره. وهو يروي، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. الثالث عشر: عن ربيع بن سليمان المؤذن -صاحب الشافعي- عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁.

стр. 3287

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ سلم في ركعتين، فقالوا: يا رسول الله، نسيت أو قصرت الصلاة؟ فقال رسول الله ﵇: لم أنس ولم تقصر الصلاة. قالوا: يا رسول الله نسيت، فركع ركعتين أخريين وسجد سجدتين". انتهى. قوله: "الظهر أو العصر" شك من الراوي، وهو ابن سيرين، والدليل عليه ما جاء في رواية البخاري: "صلى بنا رسول الله ﵇ إحدى صلاتي العشي قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا". قوله: "وأكبر ظني أنه ذكر الظهر" هو قول ابن سيرين أي: أكبر ظني أن أبا هريرة ذكر صلاة الظهر، وكذا ذكره البخاري في كتاب "الأدب" وأطلق على الظهر والعصر صلاة العشي؛ لأن العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى الصباح، وفي "الصحاح": العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة. قلت: الذي قاله الجوهري هو أصل الوضع، وفي الاستعمال: يطلق على ما ذكرنا. قوله: "مقدم المسجد" بفتح الدال المشددة. قوله: "إحداهما على الأخرى" قد فسره في رواية أخرى بقوله: "وشبك بين أصابعه ... ". قوله: "ثم خرج سرعان الناس" بفتح السين والراء والعين المهملات، أي أخفاؤهم والمستعجلون منهم وأوائلهم ويلزم الأعراب "نونه" في كل وجه، هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير: "السَّرعان" -بفتح السنن والراء- أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعه، ويجوز تسكين الراء.

стр. 3288

قلت: وكذا نقل القاضي عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في "المغازي" -بضم السين وإسكان الراء- ووجهه أنه جمع سريع كفقير وفقران وكثيب وكثبان، ومن قال: "سِرَعان" بكسر السين فهو خطأ، وقيل: يقال أيضًا: سِرْعان -كسر السين وسكون الراء-وهو جمع سريع كرعيل ورعلان وأما قولهم: سرعان ما فعلت، ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، مع إسكان الراء والنون مفتوحة أبدًا. قوله: "فقام رجل طويل اليدين" وفي رواية: "فقام ذو اليدين" وفي رواية: "رجل من بني سليم" وفي رواية: "رجل يقال له: الخرباق بن عمرو وكان في يده طول". وفي رواية: "رجل بسيط اليدين". هذا كله رجل واحد، واسمه: الخرباق ابن عمرو، ولقبه: ذو اليدين، وذو الشمالين، كما ذكرناه فيما مضى مستقصى. قوله: "لم أنس ولم تقصر الصلاة" وفي رواية مسلم: "كل ذلك لم يكن" وفي رواية أبي داود: "كل ذلك لم أفعل" قال النووي: فيه تأويلان: أحدهما: أن معناه لم يكن المجموع ولا ينفي وجود أحدهما. والثاني: وهو الصواب معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أني كملت الصلاة أربعًا، ويدل على صحة هذا التأويل وأنه لا يجوز غيره، أنه جاء في رواية للبخاري في هذا الحديث أن النبي ﵇ قال: "لم تقصر ولم أنس" ويقال: "لم أنس" يرجع إلى السلام، أي: لم أسْهُ فيه، إنما سلمت قصدًا، ولم أَسْهُ في نفس السلام، وإنما سهوت، عن العدد؛ قال القرطبي: "وهذا فاسد؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سئل عنه، ويقال: بين النسيان والسهو فرق؛ فقيل: كان النبي ﵇ يسهو ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأن فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي. وقال القشيري: يبعد الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه يتلوح من اللفظ، على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض، وقال القرطبي: لا نسلم الفرق، ولئن سلم فقد

стр. 3289

أضاف ﵇ النسيان إلى نفسه في غير مما موضع بقوله: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" (١). وقال القاضي: إنما أنكر ﵇ نسيت المضافة إليه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيت كذا، ولكنه نُسَّي" (٢) وقد قال أيضًا: "لا أُنَسَّى" على النفي ولكن أنسى" (٣). وقد شك بعض الرواة في روايته فقال: "أنس، أو أنسَّي" وأن "أو" للشك أو للتقسيم، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يُغلب ويجبر عليه؛ فلما سأله السائل بذلك أنكره وقال: "كل ذلك لم يكن" وفي الأخرى "لم أنس ولم تقصر" أما القصر فبين، وكذلك "لم أنس" حقيقة من قبل نفسي ولكن الله أنساني، ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أن النهي في الحديث عن إضافة نسيت إلى الآية الكريمة؛ لأنه يفتح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النهي الخاص النهي عن إضافته إلى كل شيء؛ فافهم. وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز فيها النسيان. قلت: تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله: "لم أنس ولم تقصر الصلاة" مثل قوله: "كل ذلك لم يكن" والمعنى: كل من القصر والنسيان لم يكن، فيكون في معنى: لاشيء منهما بكائن، عك شمول النفي وعمومه لوجهين: أحدهما: أن السؤال عن أحد الأمرين بـ"أم" يكون لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم لا على التعيين، فجوابه إما بالتعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة

стр. 3290

للمستفهم، لا ينفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنه عارف بأن الكائن أحدهما. والثاني: لما قال: "كل ذلك لم يكن" قال له ذو اليدين: "قد كان بعض ذلك" ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع. وقوله "قد كان بعض ذلك" موجبة جزئية، ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي، وها هنا قاعدة أخرى وهي: أن لفظة كل إذا وقعت في حيز النفي كان النفي موجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: ما جاء كل القوم، ولم آخذ كل الدراهم، وقوله: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد؛ لقوله ﵇: "كل ذلك لم يكن". قوله: "فقالوا: نعم" وفي رواية البخاري: "فقال الناس: نعم" وفي رواية أبي داود: "فأومئوا: نعم" كما ذكرنا، وأكثر الأحاديث: "قالوا: نعم" ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعضهم أومأ، وبعضهم تكلم، ثم إذا كان كلامًا لا إشارة كان إجابة للرسول ﵇ وهي واجبة قال الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) وقال بعض المالكية: لا يلزم أن تكون الإجابة بالقول، بل يكفي فيها الإيماء، وعلى تقدير أن تجب بالقول لا يلزم منه الحكم بصحة الصلاة، لجواز أن تجب الإجابة، ويلزمهم الاستئناف، أو يكون النبي ﵇ تكلم معتقدًا للتمام والصحابة تكلموا مجوزين النسخ. انتهى. ويضعف هذا قول ذي اليدين: "قد كان بعض ذلك" وقولهم: "نعم" بعد قوله: "أصدق ذو اليدين" فقد تكلموا بعد العلم بعدم النسخ. فإن قيل: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم بعد في الصلاة؟.

стр. 3291

قلت: قال النووي ﵀: فجوابه من وجهين: الأول: أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة، من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال ذو اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت". والثاني: أن هذا كان خطابًا للنبي ﵇ وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح "أن الجماعة أومئوا" أي: أشاروا: نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا. قلت: وفي الجواب الأول نظر كما ذكرنا الآن، وقال القاضي: وقد يجاب عن هذا بأن يقال: يمكن أن يجاوبوه إشارة إذ لم يكن استدعى منهم النطق، وفي كتاب أبي داود ما يشير إلى هذا؛ لأنه ذكر أن أبا بكر وعمر أشارا إليه أن يقوم، ولعل أن من روى عنهما أنهما قالا: نعم أي: أشار، فسمى الإشارة قولًا. ويستفاد منه أحكام: الأول: احتج به بعضهم على جواز الترجيح بكثرة العدد، قال القرطبي: لا حجه فيه؛ لأنه إنما استكشف لما وقع له من التوقف في خبره حيث انفرد بالخبر عن ذلك الجمع لكثير وكلهم دواعيهم متوفرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عما وقع، فوقعت الريبة في خبر المخبر لهذا، وجوز أن يكون الغلط والسهو منه لا لأنها شهادة. الثاني: فيه إشكال على مذهب الشافعي؛ لأن عندهم أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إمامًا كان أو مأمومًا ولا يعمل إلا على يقين نفسه، واعتذر الشيخ محيي الدين النووي: عن هذا بأنه ﵇ سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر بعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره، لرجع ذو اليدين حين قال النبي ﵇: "لم تقصر ولم أنس". قلت: هذا ليس بجواب مخلِّص لأنه لا يخلو من الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول ﵇ لا لأجل يقين نفسه، فافهم.

стр. 3292

وقال ابن القصار: اختلفت الرواية في هذا عن مالك، فمرة قال: يرجع إلى قولهم -وهو قول أبي حنيفة- لأنه قال: يبني علي غالب ظنه، وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، كقول الشافعي. الثالث: استدلت طائفة -منهم: الأوزاعي- على جواز الكلام في الصلاة لمصلحة الصلاة. الرابع: استدلت به طائفة -منهم: الشافعي ومالك وأحمد- أن الصلاة لا تفسد بالكلام ناسيًا. وسيجيء الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى. ص: فذهب قوم إلى أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة، وأن الكلام من الإِمام ومن المأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة، واحتجوا في مذهبهم في كلام المأموم للإمام لما قد تركه من الصلاة بكلام ذي اليدين لرسول الله ﵇[في هذه الآثار التي رويناها، وفي مذهبهم في الكلام السهو على أن لا يقطع الصلاة لقول رسول الله ﷺ ] (١) لذي اليدين: "لم تقصر الصلاة" في هذه الآثار التي رويناها، وفي مذهبهم في الكلام على السهو أنه لا يقطع الصلاة، فقدل رسول الله ﵇ لذي اليدين: "لم تقصر ولم أنس" وهو يرى أنه ليس في الصلاة، قالوا: فلما بني رسول الله ﵇ على ما قد صلى، ولم يكن ذلك قاطعًا عليه ولا على ذي اليدين الصلاة؛ ثبت بذلك أن الكلام لإصلاح الصلاة مباح في الصلاة، وأن الكلام في الصلاة على السهو غير قاطع الصلاة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: ربيعة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: كلام القوم في الصلاة لإمامهم على وجه إصلاحها لا يفسد الصلاة، وكذلك كلام الكل على وجه السهو لا يفسدها.

стр. 3293

وقال أبو عمر بن عبد البر: وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة لا يفسدها، كقول مالك وأصحابه سواء، وإنما الخلاف بينهما أن مالكًا يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلا ما روى عنه في المنفرد، وهو قول أحمد بن حنبل، ذكر الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم يُفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه، وذكر الخرقي عنه: أن مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا بطلت صلاته إلا الإِمام خاصة؛ فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته. وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم: إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم تتم الصلاة وأنه فيها، أفسد صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة؛ لأنه قد كملها عند نفسه لا تبطل، وأجمع المسلمون طرًّا أن الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك أن الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر. انتهى. وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، وروي عنه ترك الأخذ به، وأنه كان يستحب أن يعيد ولا يبني، قال: وإنما تكلم النبي ﵇ وأصحابه؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت، ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم، ورواه عنه أبو قرة، وقاله ابن نافع وابن وهب وابن كنانة وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم عنه، وقالوا: كان هذا أول الإِسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها، وقد اختلف قول مالك وأصحابه في التعمد بالكلام لإصلاح الصلاة من الإِمام والمأموم، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر، وجعلوه مفسدًا للصلاة إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده، وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو انتهى.

стр. 3294

وقال ابن قدامة في "المغني": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا، وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، فأما الكلام لغير ذلك فينقسم خمسة أقسام. أحدها: أن يتكلم جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، فقال القاضي في "الجامع": لا أعرف عن أحد نصًّا في ذلك، ويحتمل أن لا تبطل صلاته؛ لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة بدليل حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، فلا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه بخلاف الناسي، فإن الحكم قد ثبت في حقه. القسم الثاني: أن يتكلم ناسيًا وذلك نوعان: أحدهما: أن ينسى أنه في الصلاة، ففيه روايتان: إحداهما: لا تبطل الصلاة وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه ﵇ تكلم في حديث ذي اليدين. والثانية: تفسد صلاته، وهو قول النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي، لعموم أحاديث المنع من الكلام. النوع الثاني: أن يظن أن صلاته قد تمت فيتكلم، فهذا إن كان سلامًا لم تبطل صلاته -رواية واحدة- لأنه ﵇ وأصحابه فعلوه وبنوا علي صلاتهم، وإن لم يكن سلامًا فالمنصوص عن أحمد في رواية جماعة من أصحابه، أنه إذا تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة أو شيء من شأن الصلاة مثل كلام النبي ﵇ ذا اليدين لم تفسد صلاة، وإن تكلم في شيء من غير أمر الصلاة كقوله: يا غلام اسقني ماء، فسدت صلاته، وفيه رواية ثانية: أن الصلاة تفسد بكل حال، وهذا مذهب أصحاب الرأي، وفيه رواية ثالثة: أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحالٍ سواء كان من شأن الصلاة أو لم يكن، إمامًا كان أو مأمومًا، وهذا مذهب مالك والشافعي؛ لأنه نوع من النسيان، فأشبه التكلم جاهلًا، وتخرج فيه رواية رابعة: وهو أن المتكلم إن كان إمامًا تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد صلاته، وإن تكلم غيره فسدت صلاته.

стр. 3295

القسم الثالث: أن يتكلم مغلوبًا على الكلام، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: أن تخرج الحروف من فيه من غير اختيار مثل أن يتثاءب فيقول: هاه. أو يتنفس: فيقول: آه. أو يسعل فنطق في السعلة بحرفين وما أشبه هذا أو يغلط في القراءة فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أو يجيئه البكاء فيبكي، ولا يقدر على رده، فهذا لا يفسد صلاته، نص عليه أحمد، وقال القاضي فيمن تثاءب فقال: آه آه، تفسد صلاته. النوع الثاني: أن ينام فيتكلم، فقد توقف أحمد عن الجواب فيه وينبغي أن لا تبطل صلاته. النوع الثالث: أن يكره على الكلام، فيحتمل أن يخرج على كلام الناسي والصحيح إن شاء الله أن هذا تفسد صلاته. القسم الرابع: أن يتكلم بكلام واجب مثل أن يخشى على ضرير أو صبي الوقوع في هلكة، أو يرى حية ونحوها تقصد غافلًا، أو نائمًا، أو يرى نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح، فقال أصحابنا: تبطل الصلاة بهذا، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، ويحتمل أن لا تبطل الصلاة، وهو ظاهر قول أحمد، وهذا ظاهر مذهب الشافعي. القسم الخامس: أن يتكلم لإصلاح الصلاة، وجملته أن من سلم من نقص في صلاته يظن أنها قد تمت، ثم تكلم، ففيه ثلاث روايات: إحداهن: أن الصلاة لا تفسد إذا كان الكلام في شأن الصلاة، مثل كلام النبي ﵇ وأصحابه في حديث ذي اليدين. والثانية: تفسد صلاتهم، وهو قول الخلال ومذهب أصحاب الرأي؛ لعموم أحاديث النهي. والثالثة: أن صلاة الإِمام لا تفسد؛ لأن النبي ﵇ كان إمامًا وبني علي صلاته، وصلاة المأمومين الذين تكلموا تفسد، فإنه لا يصح اقتداؤهم بأبي بكر وعمر
следующие страницы →