قلت: قال النووي ﵀: فجوابه من وجهين:
الأول: أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة، من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال ذو اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت".
والثاني: أن هذا كان خطابًا للنبي ﵇ وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح "أن الجماعة أومئوا" أي: أشاروا: نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا.
قلت: وفي الجواب الأول نظر كما ذكرنا الآن، وقال القاضي: وقد يجاب عن هذا بأن يقال: يمكن أن يجاوبوه إشارة إذ لم يكن استدعى منهم النطق، وفي كتاب أبي داود ما يشير إلى هذا؛ لأنه ذكر أن أبا بكر وعمر أشارا إليه أن يقوم، ولعل أن من روى عنهما أنهما قالا: نعم أي: أشار، فسمى الإشارة قولًا.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: احتج به بعضهم على جواز الترجيح بكثرة العدد، قال القرطبي: لا حجه فيه؛ لأنه إنما استكشف لما وقع له من التوقف في خبره حيث انفرد بالخبر عن ذلك الجمع لكثير وكلهم دواعيهم متوفرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عما وقع، فوقعت الريبة في خبر المخبر لهذا، وجوز أن يكون الغلط والسهو منه لا لأنها شهادة.
الثاني: فيه إشكال على مذهب الشافعي؛ لأن عندهم أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إمامًا كان أو مأمومًا ولا يعمل إلا على يقين نفسه، واعتذر الشيخ محيي الدين النووي: عن هذا بأنه ﵇ سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر
بعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره، لرجع ذو اليدين حين قال النبي ﵇: "لم تقصر ولم أنس".
قلت: هذا ليس بجواب مخلِّص لأنه لا يخلو من الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول ﵇ لا لأجل يقين نفسه، فافهم.
стр. 3292
وقال ابن القصار: اختلفت الرواية في هذا عن مالك، فمرة قال: يرجع إلى قولهم -وهو قول أبي حنيفة- لأنه قال: يبني علي غالب ظنه، وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، كقول الشافعي.
الثالث: استدلت طائفة -منهم: الأوزاعي- على جواز الكلام في الصلاة لمصلحة الصلاة.
الرابع: استدلت به طائفة -منهم: الشافعي ومالك وأحمد- أن الصلاة لا تفسد بالكلام ناسيًا.
وسيجيء الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى.
ص: فذهب قوم إلى أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة، وأن الكلام من الإِمام ومن المأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة، واحتجوا في مذهبهم في كلام المأموم للإمام لما قد تركه من الصلاة بكلام ذي اليدين لرسول الله ﵇[في هذه الآثار التي رويناها، وفي مذهبهم في الكلام السهو على أن لا يقطع الصلاة لقول رسول الله ﷺ ] (١) لذي اليدين: "لم تقصر الصلاة" في هذه الآثار التي رويناها، وفي مذهبهم في الكلام على السهو أنه لا يقطع الصلاة، فقدل رسول الله ﵇ لذي اليدين: "لم تقصر ولم أنس" وهو يرى أنه ليس في الصلاة، قالوا: فلما بني رسول الله ﵇ على ما قد صلى، ولم يكن ذلك قاطعًا عليه ولا على ذي اليدين الصلاة؛ ثبت بذلك أن الكلام لإصلاح الصلاة مباح في الصلاة، وأن الكلام في الصلاة على السهو غير قاطع الصلاة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: ربيعة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: كلام القوم في الصلاة لإمامهم على وجه إصلاحها لا يفسد الصلاة، وكذلك كلام الكل على وجه السهو لا يفسدها.
стр. 3293
وقال أبو عمر بن عبد البر: وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة لا يفسدها، كقول مالك وأصحابه سواء، وإنما الخلاف بينهما أن مالكًا يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلا ما روى عنه في المنفرد، وهو قول أحمد بن حنبل، ذكر الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم يُفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه، وذكر الخرقي عنه: أن مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا بطلت صلاته إلا الإِمام خاصة؛ فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته.
وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم: إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم تتم الصلاة وأنه فيها، أفسد صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة؛ لأنه قد كملها عند نفسه لا تبطل، وأجمع المسلمون طرًّا أن الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك أن الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر. انتهى.
وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، وروي عنه ترك الأخذ به، وأنه كان يستحب أن يعيد ولا يبني، قال: وإنما تكلم النبي ﵇ وأصحابه؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت، ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم، ورواه عنه أبو قرة، وقاله ابن نافع وابن وهب وابن كنانة وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم على خلاف ما قال ابن القاسم عنه، وقالوا: كان هذا أول الإِسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها، وقد اختلف قول مالك وأصحابه في التعمد بالكلام لإصلاح الصلاة من الإِمام والمأموم، ومنع ذلك بالجملة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الظاهر، وجعلوه مفسدًا للصلاة إلا أن أحمد أباح ذلك للإمام وحده، وسوى أبو حنيفة بين العمد والسهو انتهى.
стр. 3294
وقال ابن قدامة في "المغني": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامدًا، وهو لا يريد إصلاح صلاته أن صلاته فاسدة، فأما الكلام لغير ذلك فينقسم خمسة أقسام.
أحدها: أن يتكلم جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، فقال القاضي في "الجامع": لا أعرف عن أحد نصًّا في ذلك، ويحتمل أن لا تبطل صلاته؛ لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة بدليل حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، فلا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه بخلاف الناسي، فإن الحكم قد ثبت في حقه.
القسم الثاني: أن يتكلم ناسيًا وذلك نوعان:
أحدهما: أن ينسى أنه في الصلاة، ففيه روايتان:
إحداهما: لا تبطل الصلاة وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه ﵇ تكلم في حديث ذي اليدين.
والثانية: تفسد صلاته، وهو قول النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي، لعموم أحاديث المنع من الكلام.
النوع الثاني: أن يظن أن صلاته قد تمت فيتكلم، فهذا إن كان سلامًا لم تبطل صلاته -رواية واحدة- لأنه ﵇ وأصحابه فعلوه وبنوا علي صلاتهم، وإن لم يكن سلامًا فالمنصوص عن أحمد في رواية جماعة من أصحابه، أنه إذا تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة أو شيء من شأن الصلاة مثل كلام النبي ﵇ ذا اليدين لم تفسد صلاة، وإن تكلم في شيء من غير أمر الصلاة كقوله: يا غلام اسقني ماء، فسدت صلاته، وفيه رواية ثانية: أن الصلاة تفسد بكل حال، وهذا مذهب أصحاب الرأي، وفيه رواية ثالثة: أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحالٍ سواء كان من شأن الصلاة أو لم يكن، إمامًا كان أو مأمومًا، وهذا مذهب مالك والشافعي؛ لأنه نوع من النسيان، فأشبه التكلم جاهلًا، وتخرج فيه رواية رابعة: وهو أن المتكلم إن كان إمامًا تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد صلاته، وإن تكلم غيره فسدت صلاته.
стр. 3295
القسم الثالث: أن يتكلم مغلوبًا على الكلام، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن تخرج الحروف من فيه من غير اختيار مثل أن يتثاءب فيقول: هاه. أو يتنفس: فيقول: آه. أو يسعل فنطق في السعلة بحرفين وما أشبه هذا أو يغلط في القراءة فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أو يجيئه البكاء فيبكي، ولا يقدر على رده، فهذا لا يفسد صلاته، نص عليه أحمد، وقال القاضي فيمن تثاءب فقال: آه آه، تفسد صلاته.
النوع الثاني: أن ينام فيتكلم، فقد توقف أحمد عن الجواب فيه وينبغي أن لا تبطل صلاته.
النوع الثالث: أن يكره على الكلام، فيحتمل أن يخرج على كلام الناسي والصحيح إن شاء الله أن هذا تفسد صلاته.
القسم الرابع: أن يتكلم بكلام واجب مثل أن يخشى على ضرير أو صبي الوقوع في هلكة، أو يرى حية ونحوها تقصد غافلًا، أو نائمًا، أو يرى نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح، فقال أصحابنا: تبطل الصلاة بهذا، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، ويحتمل أن لا تبطل الصلاة، وهو ظاهر قول أحمد، وهذا ظاهر مذهب الشافعي.
القسم الخامس: أن يتكلم لإصلاح الصلاة، وجملته أن من سلم من نقص في صلاته يظن أنها قد تمت، ثم تكلم، ففيه ثلاث روايات:
إحداهن: أن الصلاة لا تفسد إذا كان الكلام في شأن الصلاة، مثل كلام النبي ﵇ وأصحابه في حديث ذي اليدين.
والثانية: تفسد صلاتهم، وهو قول الخلال ومذهب أصحاب الرأي؛ لعموم أحاديث النهي.
والثالثة: أن صلاة الإِمام لا تفسد؛ لأن النبي ﵇ كان إمامًا وبني علي صلاته، وصلاة المأمومين الذين تكلموا تفسد، فإنه لا يصح اقتداؤهم بأبي بكر وعمر
стр. 3296
- ﵄ لأنهما تكلما مجيبين النبي ﵇، وإجابته واجبة عليهما؛ ولا بذي اليدين لأنه تكلم سائلًا عن نقص الصلاة في وقت يمكن ذلك فيها وليس بموجود في زمننا، وهذه الرواية اختيار الخرقي واختص هذا بالكلام في شأن الصلاة، فأما من تكلم في صلب الصلاة من غير سلام ولا ظن تمام، فإن صلاته تفسد، إمامًا كان أو غيره، لمصلحة الصلاة أو غيرها، وذكر القاضي في ذلك الروايات الثلاث ويحتمله كلام الخرقي لعموم لفظه، وهو مذهب الأوزاعي، فإنه قال: لو أن رجلًا قال للإمام وقد جهر بالقراءة في العصر: إنها العصر لم تفسد صلاته، والله أعلم.
قوله: "وإن الكلامَ" بالفتح عطف على قوله: "إلى أن الكلام".
قوله: "واحتجوا في مذهبهم" أي واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه.
قوله: "لِما قد تركه" أي لأجل ما قد تركه الإِمام من الصلاة.
قوله: "وفي مذهبهم" أي واحتج هؤلاء القوم أيضًا في مذهبهم في الكلام على جهة السهو أنه لا يفسد الصلاة، بقول رسول الله ﵇ .... إلى آخره.
قوله: "قالو" أي قال هؤلاء القوم.
قوله: "ثبت" جواب لقوله "فلما بني" فافهم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز الكلام في الصلاة إلا بالتكبير والتهليل وقراءة القرآن، ولا يجوز أن يتكلم فيها لشيء حدث من الإمام فيها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وعبد الله بن وهب وابن نافع من أصحاب مالك، فانهم قالوا: لا يجوز الكلام في الصلاة إلا بالتكبير والتهليل وقراءة القرآن، ولا يجوز أن يتكلم في الصلاة لأجل شيء حدث من الإِمام في الصلاة.
стр. 3297
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمون، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "بينما أنا مع رسول الله ﵇ في صلاة إذ عطس رجل، فقلت: يرحمك الله، فحدقني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أماه، ما لكم تنظرون إليَّ؟! قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت، فلما انصرف النبي ﵇ من صلاته دعاني، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، والله ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ولكن قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التكبير والتسبيح وتلاوة القرآن".
حدثنا يونس وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن هلال ابن علي، عن عطاء بن يسار، عق معاوية بن الحكم ... ثم ذكر نحوه وزاد: "فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك".
أفلا ترى أن رسول الله ﵇ لما عَلَّم معاوية بن الحكم إذ تكلم في الصلاة قال له: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسييح والتكبير وقراءة القرآن" ولما لم يقل له: أو ينوبك فيها شيء مما تركه إمامك فتكلم به، دل ذلك أن الكلام في الصلاة بغير التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن يقطعها.
ش: أي أحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث معاوية بن الحكم السلمي، لأنه ﵇ لما علمه حين تكلم في الصلاة قال له: "إن صلاتنا هذه ... " إلى آخره، دل أن الكلام في الصلاة بغير التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن يقطعها، وإلا لخلا كلامه عن الفائدة وذا لا يجوز.
стр. 3298
ثم إنه أخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الأسكندراني السكري شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، وثقه ابن يونس وغيره.
عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الإِمام المشهور، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، روى له الجماعة. عن هلال بن أبي ميمونة العامري، روى له الجماعة، عن عطاء بن يسار الهلالي أبي محمَّد القاضي المدني روى له الجماعة، عن معاوية بن الحكم السلمي الصحابي ﵁.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي بأتم منه.
وقال مسلم (١): نا أبو جعفر محمَّد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة وتقاربا في اللفظ، قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله ﵇ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله؛ فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﵇ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله ﵇؛ فقلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإِسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان. قال: فلا تأتهم. قال: ومنا رجال يتطيرون. قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم، وقال ابن الصباح: فلا يصدنكم، قال: فقلت: ومنا رجال يخطون،
стр. 3299
قال: كان نَبيٌّ من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قِبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﵇ فأخبرته، فعظَّم ذلك عليَّ، قلت يا رسول الله، أفلا أعتقها! قال: ائتني بها، فأتيت بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة.
وقال: أبو داود (١): ثنا مسدد، ثنا يحيى.
ونا عثمان بن أبي شيبة، نا إسماعيل يعني ابن إبراهيم -المعنى- عن حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه، وفيه اختلاف يسير.
وقال النسائي (٢): أنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: حدثني عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "قلت يا رسول الله، أنا حديث عهد بالجاهلية، فجاء الله بالإِسلام، وإن رجالا منا يتطيرون. قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم، ورجال منا يأتون الكهان، قال: فلا يأتوهم. قال: يا رسول الله ورجال منا يخطون. قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك. قال: وبينا أنا مع رسول الله ﵇ في الصلاة إذ عطس رجل من القوم ... " إلى قوله: "وتلاوة القرآن" نحو رواية الطحاوي، وبعده قال: "ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي من قبل أحد والجوانية، وإني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها من شاة، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، ثم انصرفت إلى رسول الله ﵇ فأخبرته؛ فعظم ذلك عليّ، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها فقال لها رسول الله ﵇ أين الله لأ؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: إنها مؤمنة فأعتقها.
стр. 3300
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري وسليمان بن شعيب الكيساني، كلاهما، عن بشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي ومن رجال البخاري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، حدثني معاوية بن الحكم، قال: "بينا أنا مع رسول الله ﵇ في الصلاة ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة المدني، عن هلال بن علي وهو هلال بن أبي ميمونة المذكور في الحديث السابق، عن عطاء بن يسار المدني ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن يونس، نا عبد الملك بن عمرو، نا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: "قدمت على رسول الله ﵇ عُلِّمت أمورًا من أمور الإِسلام فكان فيما عُلِّمت: أن قيل لي: إذا عطست فأحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله، فقل: يرحمك الله. قال فبينا أنا قائم مع رسول الله ﵇ في الصلاة إذ عطس رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك الله -رافعًا بها صوتي- فرماني الناس بأبصارهم، حتى احتملني ذلك فقلت: ما لكم تنظرون إلي بأعين شزر؟! قال: فسبحوا، فلما قضى النبي ﵇ الصلاة، قال: من المتكلم؟ قيل: هذا الأعرابي؛ فدعاني رسول الله ﵇ فقال: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك، فما رأيت معلمًا قط أرفق من رسول الله ﵇".
قوله: "بينا" أصله "بين" فأشبعت الفتحة فصارت ألفًا، فقيل: "بينا" وقد تدخل فيه الميم فيقال: "بينما" وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى
стр. 3301
جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذْ وإذا، وقد جاء في الجواب كثيرًا تقول: بينما زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو وها هنا جوابه قوله: "إذ عطس".
قوله: "فحدقني القوم" بتخفيف الدال، ومعناه: رموني بأبصارهم وحدقهم، وهي جمع حدقة وهي العين، ويروى: "فحدَّقني" بتشديد الدال، من التحديق: وهو شدة النظر.
قوله: "وا ثكل أماه" الثكل بضم الثاء المثلثة وإسكان الكاف، وبفتحهما جميعًا لغتان كالنُّحْل والنَّحَل، حكاهما الجوهري وغيره، وهو: فقدان المرأة ولدها، وامرأة ثكلى وثاكل، وثَكِلته أمه -بكسر الكاف- وأثكله الله أمه، وثكلت المرأة وأثكلت: فقدت ولدها، والواو في قوله: "وا ثكل" تسمى واو الندبة، نحو وا زيداه، والندبة والندب: لغة من ندبت الميت إذا بكيت عليه، وعددت محاسنه، وأصله من ندبه: إذا حَثَّه، كأن الحزن يحث النادب على مد الصوت باسم الميت، ودعاء الناس إلى التضجر معه، والأولى بالندبة: النساء لضعفهن عن تحمل المصيبة، فيبنى المفرد على ما يرفع، نحو: وا زيداه، وا زيدان وينصب المضاف وشبهه نحو: وا عبد الله، ثم يلحقونه حرف مد ليطول الصوت به فيكون أظهو للغرض، وهو التفجع وإظهار اسم المندوب، فيقال: وا زيداه واختير الألف؛ لأنه أقعد في المد من أختيها، أو لأنها أخف، وزيادتها أكثر، ولا يلحق الألف المضاف عند الإضافة لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه، بل يلحق المضاف إليه نحو: وا عبد اللاه وإن كان المضاف إليه منونًا فسيبويه يحذف تنوينه نحو: وا غلام زيداه، ثم ها هنا.
قوله: "وا ثكل أماه" مضاف ومضاف إليه، فدخل الألف في المضاف إليه، وهو أماه، وفي رواية: "أمِّياه" قال المُطرزي: حديث ابن الحكم: "وا ثكل أماه"، وروي "أمِّياه" الأولى بإسقاط ياء المتكلم مع ألف الندبة، والثانية بإثباتها، والهاء للسكت، ثم قيل: إن الميم مكسورة، ولقد سمعت بعض من أثق به من أهل الحديث بضم
стр. 3302
الهمزة وفتح الميم المشددة وكذا وجدته مضبوطًا بخط المطرزي، وقد قلنا: إن الهاء للسكت، دخلت لتتبين بها الألف؛ لأنها حرف خفي، فالوقف عليه يزيدها خفاء.
قوله: "فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم" معناه: فعلوا هذه الفعله ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، قال عياض: يحتمل أنه كان قبل نهي النبي ﵇ عن التصفيق في الصلاة والأمر بالتسبيح، وقد يحتمل أن هذا تصير التصفيق في حديث أبي بكر ﵁ على ما أشار إليه بعضهم.
قوله: "فلما رأيتهم يسكتوني" جواب "لَمَّا" محذوف تقديره: ما خالفتهم لكني سكت.
قوله: "يسكتوني" والأصل فيه: "يسكتونني" بنونين، فحذفت نون الوقاية للتخفيف، ويجوز أن يكون المحذوف "نون" الجمع، على لغة من يري حذفها بدون الجازم والناصب، فافهم.
قوله: "فبأبي وأمي" هو هكذا في رواية النسائي، وفي رواية مسلم: "بأبي هو وأمي" فقوله: "هو" مبتدأ، وخبره قوله: "فبأبي"، وقوله: "أمي" عطف عليه، والمعنى هو مفدَّى بهما، وفي بعض نسخ الطحاوي: "بأبي وأمي هو" ومعناه أيضًا: هو مفدَّى بأبي وأمي، أو: فديته بأبي وأمي، فعلى الأول محل الياء رفع، وعلى الثاني جر، فافهم.
قوله: "ولا كهرني" معناه: ولا انتهرني، ولا أغلظ لي، وقيل: الكهر: استقبالك الإنسان بالعبوس، وقرأ بعض الصحابة (فأما اليتيم فلا تكهر) وقيل: كهره ونهره بمعنى.
قوله: "بالجاهلية" والجاهلية: ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالتهم وفحشها.
стр. 3303
قوله: "يأتون الكُهان" بضم الكاف جمع كاهن، وهو الذي يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل، ويدَّعي معرفة الأسرار.
و"العرَّاف" الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وبهذا حصل الفرق بينهما، وإنما نهى عن إتيان الكهان؛ لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم: أبو محمد البغوي، وقال الخطابي: كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من يزعم أن له رئيسًا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيه، ومنهم من سمي عرافًا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها لمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من يتهم به ونحو ذلك، ومنهم من يسمي المنجم كاهنًا.
قوله: "يتطيرون" من التطير وهو التشاؤم بالشيء، وكذلك الطيرة، وهي مصدر تطير أيضًا، يقال: تطير طيرة كتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرها، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه.
قوله: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم" معناه: أن الطيرة شيء يجدونه في نفوسهم ضرورة ولا عتب عليهم في ذلك؛ فإنه غير مكتسب لهم، فلا تكليف به، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في مقاصدكم.
قوله: "لا يصدهم" أي: فلا يصدهم ذلك عن التصرفات.
قوله: "يخطون" من الخط، هو الضرب في الرمل على ما ذكر في كيفيته وقال ابن الأعرابي في تفسير الخط: كان الرجل يأتي العراف وبين يديه غلام، فيأمره بأن يخط
стр. 3304
في الرمل خطوطًا كثيرة وهو يقول: ابني عيان أسرعا البيان، يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين، ثم ينظر إلى أخر ما يبقى من تلك الخطوط، فإن كان الباقي منها (١) تفسد، وفي "المحيط": رجل عطس فقال المصلى: يرحمك الله، أو يرحمك ربك تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس بمنزلة قوله: أطال الله بقاءك وعافاك الله، ولو قال له: الحمد لله لم تفسد، وإن أراد به الجواب؛ لأن التحميد
لا يستعمل في جواب العاطس، وإذا عطس وخاطب نفسه فقال: يرحمك الله لم يضره؛ لأنه لم يخاطب غيره، وإنما يدعو لنفسه.
وقال: الشيخ محيي الدين النووي: وقال أصحابنا إن قال: يرحمك الله أو يرحمكم الله بكاف الخطاب، بطلت صلاته، وإن قال: يرحمه الله، أو اللهم ارحمه، أو رحم الله فلانًا لم تبطل صلاته؛ لأنه ليس بخطاب، وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله سرًّا هذا مذهبنا وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر والنخعي وأحمد: يجهر به، والأول أظهر.
والخامس: فيه دليل على تحريم الكهانة والعرافة والاتيان إلى الكهان والعرافين وتصديق كلامهم كما قد ذكرناه.
السادس: فيه دليل على تحريم التطير والتشاؤم كما ذكرنا.
السابع: فيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة، دلَّ على ذلك قوله: "فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم"
الثامن: فيه دليل على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر.
التاسع: فيه دليل أن الكافر الذي لا يعتقد دينًا باطلًا ولا يعرف إلا الله إذا أقر بالله وبرسالة نبيه ﵇ يحكم بإيمانه وإسلامه، وأما الكافر الذي يعتقد دينًا من
стр. 3305
الأديان الباطلة أو كتابًا من الكتب السماوية فلا يحكم بإسلامه بمجرد الإقرار بالله ورسوله حتى يتبرأ عما يعتقده من الدين الباطل.
العاضر: فيه سيرة رسول الله ﵇ في التعليم من الرفق بالجاهل، وترك الغضب عليه إذا لم يقصد مخالفة، وفيه تنبيه لغيره أن يسلك مسلكه في تعليم غيره، فافهم.
فإن قيل: استدلا لكم بهذا الحديث لا يتم؛ لأنه لا يدل على أن الكلام ناسيًا في الصلاة يفسدها؛ وذلك لأن النبي ﵇ علمه أحكام الصلاة وتحريم الكلام فيها، ثم لم يأبيه بإعادة الصلاة التي صلاها معه، وقد كان تكلم بما تكلم به، ولا فرق بين
من تكلم جاهلًا بتحريم الكلام عليه، وبن من تكلم ناسيًا لصلاته، في أن كل واحد منهما قد تكلم، والكلام مباح له عند نفسه.
قلت: لا نسلم أن كلام معاوية بن الحكم ﵁ على وجه السهو والنسيان، بل كان عامدًا ولكن كان جاهلًا بتحريم الكلام، وقولكم: ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه، فيحتمل أن يكون أمره بذلك ولم ينقل إلينا، فإذا احتمل عدم أمره بالإعادة وأمره بالإعادة كان الرجوع إلى عموم قوله: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" في دلالته على بطلان الصلاة بالكلام سواء كان عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، فالحديث لا يدل على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، فافهم.
ص: ثم قد علَّم رسول الله ﷺ الناس بعد ذلك ما يفعلون لما ينوبهم ني صلاتهم، حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﵇ قال: "من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله، فإنما التصفيق للنساء والتسييح للرجال".
حدثنا ابن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن المسعودي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي قال: "انطلق رسول الله ﵇ إلى قوم من الأنصار ليصلح بينهم، فجاء حين الصلاة وليس بحاضر، فتقدم أبو بكر ﵁، فبينما هو كذلك إذ جاء رسول الله ﵇، فصفح القوم فأشار إليه رسول الله ﵇ أن يثبت، فأبى
стр. 3306
أبو بكر ﵁ حتى نكص، فتقدم رسول الله ﷺ فصلى، فلما قضى صلاته قال لأبي بكر: ما منعلى أن تثبت كما أمرتك؟! قال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يتقدم أمام رسول الله ﵇، قال: فأنتم ما لكم صفحتم؟! قالوا: لنؤذن أبا بكر، قال: التصفيح للنساء والتسييح للرجال".
حدثنا نصر، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن أبي حازم ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﵇ قال: "من نابه في صلاته شيء فليسبح، فإن التصفيح للنساء".
ش: لما لم يبين النبي ﵇ في حديث معاوية بن الحكم ماذا يفعلوا إذا نابهم شيء في الصلاة، ومنعه عن الكلام بقوله: "إن صلاتنا هذه ... " الحديث، ودل أن كلام الناس مطلقًا يفسد الصلاة، علَّم بعد هذا ما يفعلون في صلاتهم إذا نابت لهم نائبة، وذلك في حديث سهل بن سعد وغيره.
وأخرجه بأربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم، روى له الجماعة، عن سهل بن سعد الساعدي الصحابي ﵁.
وهذا الإسناد على شرط مسلم.
وأخرجه أحمد في مسنده (١): ثنا سفيان، عن أبي حازم، سمع سهل بن سعد، عن النبي ﵇: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله إنما التصفيح للنساء والتسبيح للرجال".
стр. 3307
وأخرجه البخاري (١): ثنا يحيى، أنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﵇: "التسبيح للرجال، والتصفيح للنساء".
وأخرجه مسلم (٢) نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، عن عبد الله بن يزيد القرشي أبي عبد الرحمن المقرئ القصير شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي وثقه أحمد ويحيى وآخرون، عن أبي حازم ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا عبد الله بن مسلمة، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد ﵁ قال: "خرج النبي ﵇ يصلح بين بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة، فجاء بلال أبا بكر ﵄، فقال: حبس النبي ﵇، فتؤم الناس؟ قال: نعم إن شئتم؛ فأقام بلال الصلاة، فتقدم أبو بكر ﵁ فصلَّى، فجاء النبي ﵇ يمشي في الصفوف يشقِّقها شقًّا حتى قام في الصف الأول، فأخذ الناس بالتصفيح -قال سهل: هل تدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق- وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثروا التفت، فإذا النبي ﵇ في الصف، فأشار إليه: مكانك! فرفع أبو بكر يديه فحمد الله، ثم رجع القهقرى وراءه، وتقدم النبي ﵇ فصلَّى".
وفي رواية للبخاري (٤): "فتقدم رسول الله ﵇ فصلى للناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق! إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله؛ فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت، يا أبا بكر، ما منعلى أن تصلي بالناس حين
стр. 3308
أشرت إليك؟! فقال أبو بكر: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﵇".
وأخرجه مسلم (١): حدثني يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك بن أنس، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: "أن رسول الله ﵇ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﵇ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس من التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﵇ فأشار إليه رسول الله ﵇ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﵇ من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي ﵇ فصلى، ثم انصرف فقال يا أبا بكر! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر ﵁: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﵇. فقال رسول الله ﵇: ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق، من نابه شيء في الصلاة فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي حازم عن سهل بن سعد: "أن رسول الله ﵇ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ... " إلى آخره نحو رواية مسلم.
وأخرجه النسائي (٣): أخبرنا أحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، ثم ذكر كلمة معناها: ثنا أبو حازم، قال سهل بن سعد: "كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي ﵇ فصلى الظهر، ثم أتاهم ليصلح بينهم، ثم قال لبلال: يا بلال، إذا حضر العصر ولم آت فمر أبا بكر فيصل بالناس، فلما حضرت أذن
стр. 3309
بلال، ثم أقام فقال لأبي بكر تقدم، فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة، ثم جاء رسول الله ﵇ فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر وصفح القوم، وكان أبو بكر ﵁ إذا دخل في الصلاة لم يلتفت، فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يمسك عنه التفت، فأومأ إليه رسول الله ﵇ بيده، فحمد الله على قول رسول الله ﵇ له امضه، ثم مشى أبو بكر ﵁ القهقرى على عقبيه، فلما رأى ذلك رسول الله ﵇، تقدم فصلى بالناس فلما قضى صلاته، قال: يا أبا بكر، ما منعك إذْ أومأت إليك أن لا تكون مضيت؟ فقال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله ﵇ وقال للناس: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفح النساء.
الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد البصري، عن أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد. إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في سننه (١).
الرابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي أيضًا، عن قبيصة بن عقبة بن محمد الكوفي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم ... إلى آخره.
وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا يحيى بن حسان، ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي وعبد العزيز محمد، وعبد العزيز بن أبي حازم، وسفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﵇ مثله.
قوله: "من نابه" أي: نزل به شيء من الأمور المهمة، من: نَابَه يَنُوبُه نَوْبًا.
قوله: "التصفيق" مصدر من صفق إذا ضرب على يده، والتصفيح: هو التصفيق يقال: صفح بيده، وصفق، قيل: الذي بالحاء الضرب بظاهر اليدين.
стр. 3310
إحداهما: على باطن الآخرى، وقيل: بإصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، والتصفيق بالقاف: ضرب إحداهما الصفحتين على الأخرى، وهو اللهو واللعب، ولكن لم يرد ها هنا إلا مجرد ضرب اليد على اليد لأجل التنبيه.
قوله: "إلى قوم من الأنصار" هم بنو عمرو بن عوف.
قوله: "فجاء حين الصلاة" أي: صلاة العصر كما صرح بها في رواية النسائي، وكذا صرح بها في إحدى روايات البخاري.
قوله: "فصفح القوم" من التصفيح وقد ذكرنا معناه.
قوله: "أن يثبت" "أن" أتى هذه تفسيرية كما في رواية مسلم: "أن امكث".
قوله: "حتى نكص" أي: رجع صراعه وفي رواية البخاري: "ثم رجع القهقرى".
وفي رواية مسلم: "ثم استأخر" وفي رواية النسائي: "ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه" وفي رواية: نَكِصَ على عقبيه ليصل الصف، ومعنى كله الرجوع.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يثبت أبو بكر ﵁ إذ أشار إليه سيدنا ﵇ بالثبات وظاهره يقتضي المخالفة؟.
قلت: علم أبو بكر ﵁ أنها إشارة تكريم لا إشارة إلزام، والأمور تعرف بقرائنها، ويدل على ذلك شق رسول الله ﵇ الصفوف حتى خلص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى.
قوله: "كما أمرتك" "الكاف" فيه للتعليل و"ما" مصدرية، والمعنى: لأجل أمري إياك بالثبات في مكانك، وقد منع بعضهم كون "الكاف" للتعليل وأجازه بعضهم، وقيده بعضهم بأن تكون الكاف مكفوفة بـ "ما" وذلك كما في قول سيبويه عن العرب: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه، والحق جوازه سواء كان مجردًا عن "ما" أو
стр. 3311
مكفوفا بـ "ما" فالأول كما في قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) أي: أعجب لعدم فلاحهم، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ (٢) قال الأخفش: أي لأجل إرسالي فيكم رسولًا منكم، فاذكروني وكما في قوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٣).
قوله: "لم يكن لابن أبي قحافة" أراد به أبو بكر نفسه؛ لأن أبا قحافة أبوه، واسمه عثمان أسلم يوم الفتح، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة، وكانت وفاة الصديق ﵁ قبله فورث منه السدس.
وهو بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبالفاء.
قوله: "لنؤذن" من الإيذان وهو الإعلام، أي: لنعلم أبا بكر ﵁ بأنك حضرت يا رسول الله ﵇.
ويستنبط من هذا أحكام:
الأول: أن السنة لمن نابه شيء في الصلاة كإعلام من يستأذن عليه، وتنبيه إمامه ونحو ذلك: أن يسبح إن كان رجلًا فيقول: سبحان الله، وأن يصفق إن كانت امرأة فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللهو واللعب، فإن فعلت هذا على وجه اللعب بطلت صلاتها؛ لمنافاته الصلاة، وعن هذا قال صاحب "المحيط": إذ استأذن على المصلى غيره فسبح إعلامًا أنه في الصلاة لا تفسد، ثم قال: والمرأة تصفق للإعلام وروى الحديث المذكور.
الثاني: أن الإمام إذا تأخر عن الصلاة يقدم غيره إذا لم يخف فتنة ولا إنكارا من الإِمام.
стр. 3312
قال السفاقسي: وفيه دليل على جواز استخلاف الإِمام إذا أصابه ما يوجب ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وبه قال عمر وعلي والحسن وعلقمة وعطاء والنخعي والثوري.
وعن الشافعي وأهل الظاهر: لا يستخلف الإمام، وقال بعض المالكية تأخر أبي بكر ﵁ وتقدمه ﵇ من خواص النبي ﵇ لأنهم كانوا تَقَدَّموا النبي ﵇ بالإحرام، ولا يفعل ذلك بعد النبي ﵇.
قلت: هذا الحديث حجة على الشافعي في منعه صحة الاستخلاف، وأصحابنا جوزوا الاستخلاف بهذا الحديث، وبحديث عائشة ﵂: لما مرض مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة فأذن، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس ... " الحديث (١).
فإن قيل: أنتم ما تجوزون الاستخلاف إلا فيمن سبقه الحدث، حتى لو تعمد ذلك أو قهقه أو تكلم لا يجوز الاستخلاف، فكيف تستدلون بالحديث؟
قلت: لأن الذي سبقه الحدث عاجز عن المضي في الصلاة فيجوز له الاستخلاف، كما أن أبا بكر ﵁ عجز عن المضي فيها ليكون المضي من باب المتقدم على رسول الله ﵇، وقد قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) فصار هذا أصلًا في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف غيره.
الثالث: قال النووي في تقدمه ﵇: يستدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم في الصلاة بعد الإِمام الأول؛ فإن الصديق ﵁ أحرم بالصلاة أولًا ثم اقتدى بالنبي ﵇ حين أحرم بعده، قال: وهو الصحيح من مذهبنا.
стр. 3313
الرابع: قال ابن الجوزي: فيه دليل على جواز الصلاة بإمامين وذلك أن النبي ﵇ لما وقف عن يسار أبي بكر ﵁ علم أبو بكر أنه نوى الإمامة فعندها نوى أبو بكر الإتمام.
الخامس: قال الطبري: فيه دليل على أن من سبق إمامه بتكبيرة الإحرام، ثم ائتم به في صلاته أن صلاته تامة، وبيان فساد قول من زعم أن صلاته لا تجزئه؛ وذلك لأن أبا بكر ﵁ كان قد صلى بهم بعض الصلاة، وقد كانوا كبروا معه للإحرام، فلما أحرم رسول الله ﵇ لنفسه للصلاة بتكبيرة الإحرام ولم يستقبل القوم صلاتهم بل بنوا عليها مؤتمين به، وقد كان تكبيرهم للإحرام تقدم تكبيره.
والجواب عن هذا: أن إمامهم كان أبا بكر ﵁ أولًا ولم يسبق تكبيرهم على تكبيره، ثم إن النبي ﵇ أتم صلاة أبي بكر ولم يبتدئها من أولها حتى يلزم ما ذكره، وهذا ظاهر لمن يتكلم بالتأمل.
وقال ابن بطال: لا أعلم من يقول إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة، إلا الشافعي بناءً على مذهبه، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإِمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبر قبل إمامه.
السادس: قال السفاقسي: احتج به من الحذاق على أبي حنيفة في قوله: "إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته" ومذهب مالك والشافعي: إذا سبح لأعمى خوفًا لأن يقع في بئر أو من دابة أو حية؛ أنه جائز.
قلت: لا نسلم أن يكون هذا حجة على أبي حنيفة؛ لأن الذي في الحديث: "فصفق الناس" وهو غير التسبيح.
وأما قوله "من نابه شيء في الصلاة فليسبح" فأبو حنيفة أيضًا يعمل به كما بينا ولئن سلمنا ذلك فمراد أبي حنيفة من قوله: "إذا سبح الرجل لغير إمامه لم يجزه" إذا كان على وجه الجواب مثل ما أخبر الرجل لمن في الصلاة بخبر يعجبه، وقال: سبحان الله، وأما إذا كان لا على وجه الجواب لا تفسد صلاته كما في المسأله المذكورة؛ لعموم قوله: "من نابه شيء ... " الحديث.
стр. 3314
السابع: استدل به مالك أن من أخبر في صلاته بسرور فحمد لله لا يضر صلاته؛ لأن أبا بكر ﵁ رفع يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﵇، وقال ابن القاسم: ومن أُخبر بمصيبة فاسترجع، أو أُخبر بشيء فقال: الحمد لله على
كل حال، أو قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لا يعجبني وصلاته مجزئة، وقال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة، وكذلك عند أبي يوسف من أصحابنا إذا أُخْبِر المصلي بما يسوءه فاسترجع، أو أُخبر بما يسره فحمد الله، لا تبطل صلاته، لفعل أبي بكر ﵁.
وقال أبو حنيفة ومحمد: تفسد؛ لأنه خرج مخرج الجواب، ويجاب لهما عن فعل أبي بكر ﵁ بما قاله ابن الجوزي: إنما كان إشارة منه إلى السماء لا أنه تكلم، وفيه نظر لأنه صرح بقوله: فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﵇ والأحسن أن يقال: إن هذا لم يخرج من أبي بكر مخرج الجواب فافهم.
الثامن: ينبغي أن يكون المقدم نيابة عن الإِمام أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به.
التاسع: أن المؤذن وغيره يعرض المتقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه.
العاشر: أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة؛ لقوله: "فصفح القوم".
الحادي عشر: جواز الالتفات في الصلاة للحاجة.
الثاني عشر: استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة.
الثالث عشر: جواز رفع اليدين بالدعاء.
الرابع عشر: جواز المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين.
الخامس عشر: أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه الإكرام وعدم الإلزام، وترك الامتثال لا يكون مخالفة للأمر.
السادس عشر: استحباب ملازمة الآداب مع الكبار.
стр. 3315
السابع عشر: فيه بيان فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ على سائر الصحابة ﵃.
الثامن عشر: أن الإمامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة.
التاسع عشر: جواز خرق الإِمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج لخرقها؛ لخروجه إلى طهارة أو لرعاف ونحوهما ورجوعه، وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذر، وكذا خرقها في الدخول إذا رأى قدامه فُرجةً لأنهم مقصرون بتركها.
العشرون: قال النووي: فيه أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة فهذا هو السنة ولو أقام غيره كان خلاف السنة، ولكن يعتد بإقامته عندنا.
قلت: لا يلزم من ذلك أنه إذا أقام غيره يكون خلاف السنة، وليست ها هنا دلالة على هذه الدعوى.
الحادي والعشرون: قال أيضًا: فيه دليل على تقديم الصلاة لأول وقتها.
قلت: هذا أيضًا لا يدل على فضيلة المتقدم؛ لأنهم ربما كانوا استعجلوا بها خوفًا على فواتها بصبرهم وانتظارهم إلى حضور رسول الله ﵇؛ لأنه ﵇ قد كان ذهب إلى قباء وهي بعيدة من المدينة، وفي مثل هذا نحن أيضًا نقول بالتقديم، والله أعلم.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" قال الأعمش: فذكرت ذلك لأبراهيم، فقال: كانت أمي تفعله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن عوف، قال: ثنا محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 3316
حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".
وأخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
الثاني: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن يعلى بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الكوفي، روي له الجماعة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٥): من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثله.
قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم، فقال: قد كانت أمي تفعله.
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 3317
وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا أحمد بن محمد البرتي، حدثنا أبو سلمة، ثنا أبان، ثنا قتادة أن محمد بن سيرين حدثه، عن أبي هريرة ﵁، أن نبي الله ﵇ قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".
وأخرجه أيضًا: عن أحمد بن منيع، عن مروان بن معاوية، عن عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن يونس بن بكير بن واصل الكوفي الحمال، عن محمد بن إسحاق.
عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفي الحجازي، وثقه أبو حاتم والدارقطني.
عن أبي غطفان بن طريف قيل: اسمه سعد، من رجال مسلم.
عن أبي هريرة.
وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا محمد بن رافع والحسن بن منصور، قالا: ثنا حفص بن عبد الرحمن، ثنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "التسبيح للرجال في الصلاة، والتصفيق للنساء".
ص: فعلمهم رسول الله ﵇ في هذه الآثار في كل نائبة تنوبهم في الصلاة التسبيح ولم يبح غيره، فدل ذلك على أن كلام ذي اليدين لرسول الله ﵇ بما كلمه به في حديث عمران وابن عمر وأبي هريرة ﵃ كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.
ش: أي فعلم رسول الله ﵇ الصحابة في الآثار المذكورة، وهي التي رواها سهل بن سعد وأبو هريرة ومعاوية بن الحكم "في كل نائبة" أي: نازله تنزل بهم في الصلاة أن يقولوا سبحان الله، ولم يبح لهم أن يقولوا شيئًا غير ذلك، فدل ذلك أن كلام ذي اليدين خرباق السلمي لرسول الله ﵇ بقوله: "أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ".
стр. 3318
الذي ذكر في حديث عمران بن الحصين وعبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.
حاصل هذا الكلام: أن حديث ذوإليدين منسوخ، وقد ذكر جماعة من المحققين أن ناسخه حديث عبد الله بن مسعود الذي أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤) بأسانيدهم عن عبد الله قال: "كنا نسلم على النبي ﵇
وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: "إن في الصلاة لشغلًا".
وحديث زيد بن أرقم الذي أخرجه الجماعة (٥) بأسانيدهم عنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه، حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وذلك لأن ذا اليدين قتل يوم بدر، كذا روي عن الزهري وغيره على ما يجيء إن شاء الله، وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر، ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه وهو متأخر الإِسلام عن بدر؛ لأن الصحابي قد يروي ما لا يحضره بأن يسمعه من النبي ﵇ أو صحابي آخر.
فإن قيل: قد روي في بعض روايات مسلم في قصة ذي اليدين أن أبا هريرة قال: "بينا أنا أصلي مع النبي ﵇ صلاة الظهر، فسلم رسول الله ﵇ في الركعتين، فقام رجل من بني سليم ... " الحديث وهذا تصريح منه أنه حضر تلك الصلاة، فانتفى بذلك ما ذكرته وما ذكره الطحاوي أيضًا من التأويل الذي أوله، على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
стр. 3319
قلت: يحتمل أن بعض رواة هذا الحديث فهم من قول أبي هريرة في إحدى رواياته: "صلى بنا" أنه كان حاضرًا فروى الحديث بالمعنى على زعمه وقال: "بينا أنا أصلي" هذا وإن كان فيه بعد إلا أنه يقربه ما ذكرنا من الدليل على أن ذلك كان قبل بدر، ويدل عليه أيضًا أن في حديث أبي هريرة: "ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها" وفي حديث عمران بن حصين: "ثم دخل منزله" ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القبلة ويمشي وقد بقي عليه شيء من الصلاة فلا يخرجه ذلك عنها.
فإن قيل: فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة.
قلت: فيلزم على هذا لو أكل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى أنه في الصلاة أنه لا يخرجه ذلك منها، وأيضًا فقد أخبر النبي ﵇ ذو اليدين، وخبر الواحد يجب العمل به، ومع ذلك تكلم ﵇ وتكلم الناس معه مع إمكان الإيماء؛ فدل على أن ذلك كان والكلام مباح في الصلاة ثم نسخ.
فإن قيل: قد جاء في رواية حماد بن زيد أنهم أومئوا.
قلت: قد اختلف على حماد في هذه اللفظة، قال البيهقي في "المعرفة": هذه اللفظة ليست في رواية مسلم عن أبي الربيع، عن حماد، وإنما هي في رواية أبي داود عن محمد بن عبيد.
فإن قيل: قد سجد النبي ﵇ سجدتي السهو في حديث ذي اليدين، ولو كان الكلام حينئذ مباحًا كما قلتم لما سجدهما.
قلت: لم تتفق الرواية على أنه ﵇ سجدهما بل اختلفوا في ذلك، فقال البيهقي: لم يحفظها الزهري لا عن أبي سلمة ولا عن جماعة، حدثوه بهذه القصة عن أبي هريرة، وخرج الطحاوي ﵀-على ما يأتي- عن الزهري قال: "سألت أهل العلم بالمدينة، فما أخبرني أحد منهم أنه صلاهما -يعني سجدتي السهو- يوم ذي اليدين" فإن ثبت أنه لم يسجدهما فلا إشكال، وإن ثبت أنه سجد نقول: الكلام في
стр. 3320
الصلاة وإن كان مباحًا حينئذٍ، لكن الخروج منها بالتسليم قبل التمام لم يكن مباحًا، فلما فعل ﵇ ذلك ساهيًا، كان عليه السجود لذلك.
فإن قيل: قال البيهقي: "باب ما يستدل به على أنه لا يجوز أن يكون حديث ابن مسعود في تحريم الكلام ناسخًا لحديث أبي هريرة وغيره في كلام الناسي" وذلك لتقدم حديث عبد الله وتأخر حديث أبي هريرة وغيره، قال ابن مسعود فيما روينا عنه في تحريم الكلام: "فلما رجعنا من أرض الحبشة" ورجوعه من أرض الحبشة كان قبل هجرة النبي ﵇، ثم هاجر إلى المدينة وشهد مع النبي ﵇ بدرًا، فقصة التسليم كانت قبل الهجرة.
قلت: ذكر أبو عمر في "التمهيد" أن الصحيح في حديث ابن مسعود أنه لم يكن إلا بالمدينة، وبها نهي عن الكلام في الصلاة، وقد روى حديث ابن مسعود بما يوفق حديث زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام" وهو حديث صحيح صريح في أن تحريم الكلام كان بالمدينة؛ لأن صحبة زيد ﵁ لرسول الله ﷺ إنما كانت بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، ثم ذكر حديث ابن مسعود من جهة شعبة، ولم يقل: إنه كان حين انصرافه من الحبشة، ثم ذكره من وجه آخر بمعنى حديث زيد سواء، ولفظه: "إن الله حدث أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وأن تقوموا لله قانتين .... " ثم ذكر حديثًا، ثم قال: ففيه وفي حديث ابن مسعود دليل على أن المنع من الكلام كان بعد إباحته.
فإن قيل: حديث ابن مسعود في سنده عاصم بن بهدلة، قال البيهقي في كتاب "المعرفة": صاحبا الصحيح توقيا روايته لسوء حفظه. وقال أبو عمر في "التمهيد": من ذكر في حديث ابن مسعود: "إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصلاة"، وقد وهم ولم يقل ذلك غير عاصم وهو عندهم سيء الحفظ كثير الخطأ.
стр. 3321
قلت: الحديث رواه ابن حبان في "صحيحه" والنسائي في "سننه" وقال: البيهقي ورواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود، وتداوله الفقهاء إلا أن صاحبي الصحيح يتوقيان روايته لسوء حفظه، فأخرجا من طريق آخر ببعض معناه. وقال أبو عمر: وقد روي حديث ابن مسعود بما يوافق حديث زيد بن أرقم كما ذكرناه، وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال، ثم إن حديث عاصم ليس فيه فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى مكة بل يحتمل أن يريد فلما رجعنا من أرض الحبشة إلى المدينة ليتفق حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم، وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن مسعود لما عاد من الحبشة إلى مكة رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله ﵇ بالمدينة وهو يتجهز لبدر، وذكر البيهقي فيما بعد في هذا الباب من كلام الحميدي: أن إتيان ابن مسعود ﵁ من الحبشة كان قبل بدر، وظاهر هذا يؤيد ما قلنا، وكذا قول صاحب "الكمال" وغيره: هاجر ابن مسعود إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة. ولهذا قال الخطابي: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة.
وهذا يدل على اتفاق حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم على أن التحريم كان بالمدينة كما تقدم من كلام صاحب "التمهيد".
وقد أخرج النسائي في "سننه" (١): من حديث ابن مسعود قال: "كنت آتي النبي ﵇ وهو يصلي فأسلم عليه، فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم، فقال: "إن الله حدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين". فظاهر قوله: "وأن تقوموا لله قانتين" يدل على أن ذلك كان بالمدينة بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٢) موافقًا لحديث زيد بن أرقم، فظهر بهذا كله أن قصة التسليم كانت بعد الهجرة بخلاف ما ذكره البيهقي، ثم إنه استدل على ما ذكره بحديث أخرجه عن ابن مسعود قال: "بعثنا
стр. 3322
رسول الله ﵇ إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلًا -وفي آخره قال:- فجاء ابن مسعود فبادر، وشهد بدرًا".
قلت: ليس فيه أنه جاء إلى مكة كما زعمه، بل ظاهره أنه جاء من الحبشة إلى المدينة؛ لأنه جعل مجيئه وشهوده هذا عقيب هجرته إلى الحبشة بلا تراخ، ثم خرج عن موسى بن عقبة أنه قال: وممن يذكر أنه قدم على النبي ﵇ بمكة من مهاجرة أرض الحبشة الأولى، ثم هاجر إلى المدينة فذكرهم، وذكر فيهم ابن مسعود، قال: وكان ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﵇، وهكذا ذكره سائر أهل المغازي بلا خلاف.
قلت: أما قول ابن عقبة: "قدم على النبي ﵇ بمكة من مهاجرة الحبشة" أراد به الهجرة الأولى؛ فإنه ﵇ كان بمكة حينئذ ولم يرد هجرة ابن مسعود الثانية فإنه ﵇ لم يكن بمكة حينئذ بل بالمدينة، فلم يرد ابن عقبه بقوله: "ثم هاجر إلى المدينة" أنه هاجر إليها من مكة بل من الحبشة في المرة الثانية.
وأما قول البيهقي: وهكذا ذكره سائر أهل أهل المغازي، إن أراد به شهود ابن مسعود بدرًا فهو مسلَّم، ولكن لا يثبت به مدعاه أولًا، وإن أراد به ما فهمه من كلام ابن عقبة أن رجوعه في المرة الثانية كان إلى مكة، وأنه هاجر منها إلى المدينة ليستدل بذلك على أن تحريم الكلام كان بمكة، يقال له: كلام ابن عقبة يدل على خلاف ذلك كما قررناه، ولئن أراد ابن عقبة ذلك فليس هو مما اتفق عليه أهل المغازي كما تقدم عن ابن الجوزي وغيره.
فإن قيل: فقد ذكر في كتاب "المعرفة" عن الشافعي أن في حديث ابن مسعود أنه مر على النبي ﵇ بمكة، قال: فوجدته يصلي في فناء الكعبة ... " الحديث.
قلت: لم يذكر ذلك أحد من أهل الحديث غير الشافعي، ولم يذكر سنده لينظر فيه، ولم يجد له البيهقي سندًا مع كثرة تتبعه وانتصاره لمذهب الشافعي، وذكر الطحاوي في "أحكام القرآن": أن مهاجرة الحبشة لم يرجعوا إلا إلى المدينة، وأنكر
стр. 3323
رجوعهم إلى دار قد هاجروا منها؛ لأنهم منعوا من ذلك، واستدل على ذلك بقوله ﵇ في حديث سعد: "ولا تردوهم على أعقابهم" ثم ذكر البيهقي عن الحميدي أنه حمل حديث ابن مسعود على العمد، وإن كان ظاهره يتناول العمد والنسيان، واستدل على ذلك فقال كان إتيان ابن مسعود من أرض الحبشة قبل بدر، ثم شهد بدرًا بعد هذا القول، فلما وجدنا إسلام أبي هريرة ﵁ والنبي ﵇ بخيبر قبل وفاته بثلاث سنين، وقد حضر صلاة رسول الله ﵇ وقول ذي اليدين، ووجدنا عمران بن حصين شهد صلاة رسول الله ﵇ مرة أخرى وقول الخرباق، وكان إسلام عمران بعد بدر، ووجدنا معاوية بن حديج حضر صلاة رسول الله ﵇، وقول طلحة بن عبيد الله: "وكان إسلام معاوية قبل وفاة النبي ﵇ بشهرين" ووجدنا ابن عباس يصوب ابن الزبير في ذلك ويذكر أنها سنة رسول الله ﵇ وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي ﵇، ووجدنا ابن عمر ﵄ روى ذلك، وكان إجازة النبي ﵇ ابن عمر يوم الخندق بعد بدر، علمنا أن حديث ابن مسعود خُصَّ به العمد دون النسيان، ولو كان ذاك الحديث في النسيان والعمد يومئذ، لكانت صلاة رسول الله ﵇ ناسخة له لا بعده.
قلت: ليس للحميدي دليل على أن ابن مسعود شهد بدرًا بعد هذا القول، وعلى تقدير صحة ذلك نقول: هذا القول كان بالمدينة قبل بدر، وقضية ذي اليدين أيضًا كانت قبل بدر، لكن قضية ذي اليدين كانت متقدمة على حديث ابن مسعود وابن أرقم، فنسخت بههما، يدل على ذلك ما رواه البيهقي في آخر باب.
"من قال يسجدهما قبل السلام في الزيادة والنقصان" بإسناد جيد: من حديث معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان، عن أبي هريرة، فذكر صلاة النبي ﵇ وسهوه، ثم قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور بعد فهذا يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة؛ لتأخر إسلامه عن هذا الوقت، وأيضًا فإن ذا اليدين قتل ببدر وأما عمران بن حصين ﵁ فليس في شيء من كتب الحديث التي في أيدي الناس أنه حضر تلك الصلاة،
стр. 3324
ولم يذكر البيهقي ذلك مع كثرة سوقه للطرق، بل في كتاب النسائي، عن عمران: إنه ﵇ صلى بهم وسهى، فسجد ثم سلم وكذا في "صحيح مسلم" وغيره بمعناه، والأظهر أن ذلك مختصر من حديث ذي اليدين، فظاهر قوله: "صلى بهم" أنه لم يحضر تلك الصلاة.
وأما حديث معاوية بن حديج ففي إسناده سويد بن قيس المصري التجيبي قال: الذهبي في كتابه "الميزان" و"الضعفاء": مجهول تفرد عنه يزيد بن أبي حبيب.
وفي حديث معاوية هذا مخالفة لحديث ذي اليدين من وجوه تظهر لمن ينظر فيه، وفيه: "أنه ﵇ أمر بلالًا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة" وأجمعوا على العمل بخلاف ذلك، وقالوا: إن فعل الإقامة ونحوها يقطع الصلاة، وأما تصويب ابن عباس لابن الزبير ﵃ في ذلك فقد ذكره البيهقي من طريقين في أحدهما حماد بن سلمة عن عسل بن سفيان، وقال: في باب: "من مرَّ بحائط إنسان": ليس بالقوي، وعِسْل ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري وغيرهم.
وفي الطريق الثاني: الحارث بن عبيد أبو قدامة، قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أحمد: مضطرب الحديث. وعنه قال: لا أعرفه. وقال البيهقي في باب: "سجود القرآن إحدى عشرة" ضعفه ابن معين.
فأما قوله: "وكان ابن عباس ابن عشر سنين حين قبض النبي ﵇" فكأنه أراد بذلك استبعاد قول من يقول: إن قضية ذي اليدين كانت قبل بدر؛ لأن ظاهر قول ابن عباس ما أماط سنة نبيه ﵇ يدل على أنه شهد تلك القضية، وقبل بدر لم يكن ابن عباس من أهل التمييز وتحمل الرواية لصغره جدًّا ونحن بعد تسليم دلالته على أنه شهد القضية نمنع كون سنه كذلك، بل قد روى عنه أنه قال: توفي النبي ﵇ وأنا ابن خمس عشرة سنة، وصوب أحمد بن حنبل هذا القول، ويدل عليه ما روي في الصحيح عن ابن عباس أنه قال في حجة الوداع، وكنت يومئذ قد ناهزت الحلم، ولا يلزم من رواية ابن عمر ذلك وإجازته بعد بدر أن لا تكون القضية قبل بدر؛ لأنه كان عند ذلك من أهل التحمل.
стр. 3325
وقوله: "علمنا أن حديث ابن مسعود خصّ به العمد دون النسيان" قلنا: لم يكن الكلام الذي صدر من ذي اليدين سهوًا، وكذا من النبي ﵇ وأصحابه؛ لأن ذا اليدين لما قال: "بلى قد كان بعض ذلك" علم ﵇ أن النسيان قد وقع فابتدأ عامدًا فسأل الناس فأجابوه أيضًا عامدين؛ لأنهم علموا أنها لم تقصر وأن النسيان قد وقع.
ثم خرّج البيهقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: كان إسلام معاوية بن الحكم في آخر الأمر، ثم قال: فلم يأمره النبي ﵇ النبي ﵇ بإعادة الصلاة، فمن تكلم في صلاته ساهيًا أو جاهلًا مضت صلاته.
والجواب أن الوليد بن مسلم مدلس ولم يصرح ها هنا بالسماع من الأوزاعي، وكان معاوية جاهلًا بتحريم الكلام.
ثم قال البيهقي: الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو بن نضلة حليف لبني زهرة من خزاعة، وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي ﵇ بسهوه فإنه بقي بعد النبي ﵇ كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله، فقد ذكرنا الجواب عن هذا الفصل مستوفى فيما مضى.
ص: ومما يدل على ذلك أيضًا: أن ربيعًا المؤذن حدثنا، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن خديج: "أن رسول الله ﵇ صلى يومًا وانصرف، وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: بقيت من الصلاة ركعة، فرجع إلى المسجد فأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: أتعرف الرجل؟ فقلت: لا إلا أن أراه، فمر بي فقلت: هو هذا؛ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله".
ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة، ثم صلى ما كان ترك من صلاته، ولم يكن أمره بلالًا بالأذان والإقامة قاطعًا لصلاته، ولم يكن أيضًا ما كان من بلال من أذانه وإقامته قاطعًا لصلاته، وقد أجمعوا أن فاعلًا لو فعل هذا الآن وهو في الصلاة كان به قاطعًا للصلاة؛ فدل ذلك أن جميع ما كان من رسول الله ﵇ في صلاته في حديث معاوية بن خديج هذا، وفي حديث ابن عمر
стр. 3326
وعمران وأبي هريرة ﵃ كان والكلام مباح في الصلاة، ثم نسخ الكلام فيها، فعلَّم رسول الله ﵇ الناس بعد ذلك ما ذكره عنه معاوية بن الحكم وأبو هريرة وسهل بن سعد ﵃.
ش: أي ومن الذي يدل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله ﵇ بما كلمه به في حديث عمران بن حصين وعبد الله بن عمر وأبي هريرة كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.
بيان ذلك: أنه ﵇ أمر بلالًا بالآذان والإقامة للصلاة في حديث معاوية بن خديج، فأذن وأقام، ثم صلى رسول الله ﵇ ما تركه من صلاته، فلم يكن أمره بذلك قاطعًا لصلاته، ولا ما كان من بلال من الأذان والإقامة قاطعًا لصلاته فدل ذلك على أن جميع ما كان من النبي ﵇ في أحاديث هؤلاء قد كان والحال أن الكلام مباح في الصلاة، ثم نسخ الكلام في الصلاة فعلم رسول الله ﵇ الناس بعد هذا الأمر أنهم إذا نزل بهم أمر من النوائب يقولون: سبحان الله، على ما ذكره في حديث معاوية بن الحكم وأبي هريرة وسهل بن سعد ﵃، ثم إن الأمة قد أجمعت على أن السنة أن الإِمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به القوم، ولم يسبح ذو اليدين برسول الله ﵇، ولا أنكره ﵇ عليه، فدل على أن ما أمر به ﵇ من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان من حديث ذي اليدين، والله أعلم.
ثم إنه أخرج حديث معاوية بن حديج، عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري -كل هؤلاء ثقات- عن سويد بن قيس التجيبي المصري -فيه مقال وقد ذكرناه عن قريب- عن معاوية بن حُديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم- قيل: لا صحبة له، والأصح أن له
صحبة والله أعلم.
стр. 3327
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن حديج: "أن رسول الله ﵇ صلى يومًا فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؛ فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا إلا أن أراه، فمر بي، فقلت: هذا هو؛ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.
وأخرجه النسائي (٢): عن قتيبة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي متنًا.
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (٣): ولفظه: "صليت مع النبي ﵇ المغرب، فسلم في ركعتين، ثم انصرف، فقال له رجل -يعني طلحة بن عبيد الله- إنك سهوت فسلمت في ركعتين، فأمر بلالًا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة".
قال الحكم: صحيح الإسناد، وقال أبو سعيد بن يونس: هذا أصح حديث معاوية بن حُديج.
قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث معاوية بن حديج.
فإن قيل: الأخبار التي وردت من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر ومعاوية بن حُديج هل هي قضية واحدة أو قضيتان أو أكثر؟.
قلت: الذي يظهر من كلام البخاري أن حديث أبي هريرة وعمران واحد؛ لقوله في إثر حديث أبي هريرة: فربما سألوه -يعني محمد بن سيرين- ثم سلم؟! قال: نبئت أن عمران قال: "ثم سلم" والذي يقوله ابن حبان إنه غيره، قال: لأن في حديث أبي هريرة الذي أعلم النبي ﵇: ذو اليدين، وفي خبر عمران الخرباق، وفي
стр. 3328
خبر معاوية بن حديج طلحة بن عبيد الله، قال: وخبر الخرباق: "سلم في الركعة الثالثة" وخبر ذي اليدين: "من ركعتين" وخبر معاوية: "من الركعتين في صلاة المغرب" فدل أنها ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات لا واحدة، فافهم.
ص: ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان مع رسول الله ﵇ في يوم ذي اليدين، ثم قد حدثت تلك الحادثة في صلاته من بعد رسول الله ﵇ فعمل بخلاف ما كان عمل به رسول الله ﵇ يومئذ.
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: "صلى عمر بن الخطاب ﵇ صحابه فسلم في ركعتين، ثم انصرف فقيل له في ذلك؛ فقال: إني جهزت عيرًا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات".
فدل ترك عمر ﵁ لما قد كان علمه من فعل رسول الله في مثل هذا وعمله بخلافه على نسخ ذلك عنده، وعلى أن الحكم كان في تلك الحادثة في زمنه بخلاف ما كان في يوم ذي اليدين، وقد كان فعل عمر ﵁ أيضًا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ الذين قد حضر بعضهم فعل رسول الله ﵇ يوم ذي اليدين في صلاته فلم ينكروا ذلك عليه ولم يقولوا له: إن رسول الله ﵇ قد فعل يوم ذي اليدين خلاف ما فعلت، فدل ذلك أيضًا أنهم قد كانوا علموا من نسخ ذلك ما كان عمر ﵁ علمه.
ش: أي ومن الذي يدل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله ﵇ بما ذكر كان والكلام مباح، وأن حديثه منسوخ: أن عمر بن الخطاب عمل بعد رسول الله ﵇ بخلاف ما قد كان ﵇ عمله يوم ذي اليدين، والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عمل بخلاف ما عمل به النبي ﵇.
وأيضًا فإن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان فعل هذا بحضرة الصحابة، وفيهم من قد كان حاضرًا يوم ذي اليدين، فلم ينكروا ذلك عليه، ولم يقولوا: عملت
стр. 3329
بخلاف ما عمل به النبي ﵇ يومئذ، فدل ذلك أنهم علموا أيضًا ما قد علمه عمر ﵁ من النسخ، فصار ذلك منهم إجماعًا.
وأخرج الأثر الذي دل على ذلك، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عثمان بن الأسود بن موسى روى له الجماعة، عن عطاء بن أبي رباح ... إلى آخره.
وهذا مرسل.
قوله: "عيرًا" بكسر العين وسكون الياء آخر الحروف: الإبل بأحمالها من: يعير، إذا سار، وقيل: هي قافلة الحمير، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة، كأنها جمع عير -بفتح العين- وكان قياسها أن تكون فُعْلًا -بالضم- كسُقُف في سَقْف، إلا أنه حوفظ على الياء بالكسرة نحو: عِين.
قوله: "وأحقابها" الأحقاب: جمع حَقَب -بفتحتين- وهو الحبل الذي يشدّ على حقو البعير.
ص: ومما يدل على أن ذلك منسوخ، وأن العمل على خلافه: أن الأمة قد أجمعت أن رجلًا لو ترك إمامه من صلاته شيئًا أنه يسبح به ليعلم إمامه ما قد ترك فيأتي به وذو اليدين لم يسبح برسول الله ﵇ يومئذ، ولا أنكر رسول الله ﵇ كلامه إياه، فدل ذلك أن ما علم رسول الله ﵇ الناس من التسبيح لنائبة تنوبهم في صلاتههم كان متأخرًا عن ذلك.
ش: أي: ومن الذي يدل على أن ما كان من أمر ذي اليدين منسوخ وأن العمل بعده كان على خلافه: أن أمة النبي ﵇ قد أجمعوا ... إلى آخره، وهو ظاهر، وقد ذكرنا نحوًا من ذلك فيما مضى.
قوله: "فدل ذلك أن ما علَّم" بتشديد اللام من التعليم.
قوله: "لنائبة تنوبهم" أي: لحادثة تنزل بهم.
стр. 3330
ص: وفي حديث أبي هريرة أيضًا وعمران ما يدل على النسخ، وذلك أن أبا هريرة قال: "سلم رسول الله ﵇ في ركعتين، ثم انصرف إلى خشبة في المسجد" وقال عمران: "ثم مضى إلى حجرته". فدل ذلك أنه قد كان صرف وجهه عن القبلة وعمل عملًا في الصلاة ليس منها من المشي وغيره، أفيجوز هذا لأحد اليوم أن يصيبه ذلك وقد بقيت عليه من صلاته بقية فلا يخرجه ذلك من الصلاة؟!.
ش: بيانه: أن في نفس حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ﵄ ما يدل على ما ذكرنا من النسخ، وذلك لأن أبا هريرة قال في حديثه: "سلم رسول الله ﵇ في ركعتين، ثم انصرف من صلاته إلى خشبة كانت في المسجد"، وعمران بن حصين قال في حديثه: "ثم مضى إلى حجرته"، يعني ما سلم في ركعتين، ففي هذه الأشياء صرف الوجه عن القبلة والعمل فيها بما ليس من فعلها نحو: المشي والتوجه إلى موضع والكلام، فهذه الأشياء مما تقطع الصلاة اليوم.
أشار إليه بقوله: "أفيجوز هذا لأحد" والهمزة فيه للاستفهام، فدل ذلك كله على انتساخ حديث ذي اليدين.
قوله: "وقد بقيت" الواو للحال.
قوله: "فلا يخرجه" عطف على قوله: "أفيجوز" فافهم.
ص: فإن قال قائل: نعم لا يخرجه ذلك من الصلاة؛ لأنه فعله ولا يرى أنه في الصلاة.
قيل له: لزمه أن يقول: لو طعم أيضًا أو شرب وهذه حالته لم يخرجه ذلك من الصلاة، وكذلك إن باع أو اشترى أو جامع أهله، فكفى بقوله فسادًا أن يلزم هذا قائله، فإن كان شيء مما ذكرنا يخرج الرجل من صلاته إن فعله على أنه يرى أنه ليس فيها، كذلك الكلام الذي ليس فيها يخرجه من صلاته، وإن كان قد تكلم به وهو لا يرى أنه فيها.