وعمران وأبي هريرة ﵃ كان والكلام مباح في الصلاة، ثم نسخ الكلام فيها، فعلَّم رسول الله ﵇ الناس بعد ذلك ما ذكره عنه معاوية بن الحكم وأبو هريرة وسهل بن سعد ﵃.
ش: أي ومن الذي يدل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله ﵇ بما كلمه به في حديث عمران بن حصين وعبد الله بن عمر وأبي هريرة كان قبل تحريم الكلام في الصلاة.
بيان ذلك: أنه ﵇ أمر بلالًا بالآذان والإقامة للصلاة في حديث معاوية بن خديج، فأذن وأقام، ثم صلى رسول الله ﵇ ما تركه من صلاته، فلم يكن أمره بذلك قاطعًا لصلاته، ولا ما كان من بلال من الأذان والإقامة قاطعًا لصلاته فدل ذلك على أن جميع ما كان من النبي ﵇ في أحاديث هؤلاء قد كان والحال أن الكلام مباح في الصلاة، ثم نسخ الكلام في الصلاة فعلم رسول الله ﵇ الناس بعد هذا الأمر أنهم إذا نزل بهم أمر من النوائب يقولون: سبحان الله، على ما ذكره في حديث معاوية بن الحكم وأبي هريرة وسهل بن سعد ﵃، ثم إن الأمة قد أجمعت على أن السنة أن الإِمام إذا نابه شيء في صلاته أن يسبح به القوم، ولم يسبح ذو اليدين برسول الله ﵇، ولا أنكره ﵇ عليه، فدل على أن ما أمر به ﵇ من التسبيح للنائبة في الصلاة متأخر عما كان من حديث ذي اليدين، والله أعلم.
ثم إنه أخرج حديث معاوية بن حديج، عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري -كل هؤلاء ثقات- عن سويد بن قيس التجيبي المصري -فيه مقال وقد ذكرناه عن قريب- عن معاوية بن حُديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم- قيل: لا صحبة له، والأصح أن له
صحبة والله أعلم.
стр. 3327
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره، عن معاوية بن حديج: "أن رسول الله ﵇ صلى يومًا فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة؛ فرجع فدخل المسجد، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا إلا أن أراه، فمر بي، فقلت: هذا هو؛ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله.
وأخرجه النسائي (٢): عن قتيبة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي متنًا.
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (٣): ولفظه: "صليت مع النبي ﵇ المغرب، فسلم في ركعتين، ثم انصرف، فقال له رجل -يعني طلحة بن عبيد الله- إنك سهوت فسلمت في ركعتين، فأمر بلالًا فأقام الصلاة، ثم أتم تلك الركعة".
قال الحكم: صحيح الإسناد، وقال أبو سعيد بن يونس: هذا أصح حديث معاوية بن حُديج.
قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث معاوية بن حديج.
فإن قيل: الأخبار التي وردت من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر ومعاوية بن حُديج هل هي قضية واحدة أو قضيتان أو أكثر؟.
قلت: الذي يظهر من كلام البخاري أن حديث أبي هريرة وعمران واحد؛ لقوله في إثر حديث أبي هريرة: فربما سألوه -يعني محمد بن سيرين- ثم سلم؟! قال: نبئت أن عمران قال: "ثم سلم" والذي يقوله ابن حبان إنه غيره، قال: لأن في حديث أبي هريرة الذي أعلم النبي ﵇: ذو اليدين، وفي خبر عمران الخرباق، وفي
стр. 3328
خبر معاوية بن حديج طلحة بن عبيد الله، قال: وخبر الخرباق: "سلم في الركعة الثالثة" وخبر ذي اليدين: "من ركعتين" وخبر معاوية: "من الركعتين في صلاة المغرب" فدل أنها ثلاثة أحوال متباينة في ثلاث صلوات لا واحدة، فافهم.
ص: ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان مع رسول الله ﵇ في يوم ذي اليدين، ثم قد حدثت تلك الحادثة في صلاته من بعد رسول الله ﵇ فعمل بخلاف ما كان عمل به رسول الله ﵇ يومئذ.
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: "صلى عمر بن الخطاب ﵇ صحابه فسلم في ركعتين، ثم انصرف فقيل له في ذلك؛ فقال: إني جهزت عيرًا من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات".
فدل ترك عمر ﵁ لما قد كان علمه من فعل رسول الله في مثل هذا وعمله بخلافه على نسخ ذلك عنده، وعلى أن الحكم كان في تلك الحادثة في زمنه بخلاف ما كان في يوم ذي اليدين، وقد كان فعل عمر ﵁ أيضًا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ الذين قد حضر بعضهم فعل رسول الله ﵇ يوم ذي اليدين في صلاته فلم ينكروا ذلك عليه ولم يقولوا له: إن رسول الله ﵇ قد فعل يوم ذي اليدين خلاف ما فعلت، فدل ذلك أيضًا أنهم قد كانوا علموا من نسخ ذلك ما كان عمر ﵁ علمه.
ش: أي ومن الذي يدل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله ﵇ بما ذكر كان والكلام مباح، وأن حديثه منسوخ: أن عمر بن الخطاب عمل بعد رسول الله ﵇ بخلاف ما قد كان ﵇ عمله يوم ذي اليدين، والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عمل بخلاف ما عمل به النبي ﵇.
وأيضًا فإن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان فعل هذا بحضرة الصحابة، وفيهم من قد كان حاضرًا يوم ذي اليدين، فلم ينكروا ذلك عليه، ولم يقولوا: عملت
стр. 3329
بخلاف ما عمل به النبي ﵇ يومئذ، فدل ذلك أنهم علموا أيضًا ما قد علمه عمر ﵁ من النسخ، فصار ذلك منهم إجماعًا.
وأخرج الأثر الذي دل على ذلك، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عثمان بن الأسود بن موسى روى له الجماعة، عن عطاء بن أبي رباح ... إلى آخره.
وهذا مرسل.
قوله: "عيرًا" بكسر العين وسكون الياء آخر الحروف: الإبل بأحمالها من: يعير، إذا سار، وقيل: هي قافلة الحمير، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة، كأنها جمع عير -بفتح العين- وكان قياسها أن تكون فُعْلًا -بالضم- كسُقُف في سَقْف، إلا أنه حوفظ على الياء بالكسرة نحو: عِين.
قوله: "وأحقابها" الأحقاب: جمع حَقَب -بفتحتين- وهو الحبل الذي يشدّ على حقو البعير.
ص: ومما يدل على أن ذلك منسوخ، وأن العمل على خلافه: أن الأمة قد أجمعت أن رجلًا لو ترك إمامه من صلاته شيئًا أنه يسبح به ليعلم إمامه ما قد ترك فيأتي به وذو اليدين لم يسبح برسول الله ﵇ يومئذ، ولا أنكر رسول الله ﵇ كلامه إياه، فدل ذلك أن ما علم رسول الله ﵇ الناس من التسبيح لنائبة تنوبهم في صلاتههم كان متأخرًا عن ذلك.
ش: أي: ومن الذي يدل على أن ما كان من أمر ذي اليدين منسوخ وأن العمل بعده كان على خلافه: أن أمة النبي ﵇ قد أجمعوا ... إلى آخره، وهو ظاهر، وقد ذكرنا نحوًا من ذلك فيما مضى.
قوله: "فدل ذلك أن ما علَّم" بتشديد اللام من التعليم.
قوله: "لنائبة تنوبهم" أي: لحادثة تنزل بهم.
стр. 3330
ص: وفي حديث أبي هريرة أيضًا وعمران ما يدل على النسخ، وذلك أن أبا هريرة قال: "سلم رسول الله ﵇ في ركعتين، ثم انصرف إلى خشبة في المسجد" وقال عمران: "ثم مضى إلى حجرته". فدل ذلك أنه قد كان صرف وجهه عن القبلة وعمل عملًا في الصلاة ليس منها من المشي وغيره، أفيجوز هذا لأحد اليوم أن يصيبه ذلك وقد بقيت عليه من صلاته بقية فلا يخرجه ذلك من الصلاة؟!.
ش: بيانه: أن في نفس حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ﵄ ما يدل على ما ذكرنا من النسخ، وذلك لأن أبا هريرة قال في حديثه: "سلم رسول الله ﵇ في ركعتين، ثم انصرف من صلاته إلى خشبة كانت في المسجد"، وعمران بن حصين قال في حديثه: "ثم مضى إلى حجرته"، يعني ما سلم في ركعتين، ففي هذه الأشياء صرف الوجه عن القبلة والعمل فيها بما ليس من فعلها نحو: المشي والتوجه إلى موضع والكلام، فهذه الأشياء مما تقطع الصلاة اليوم.
أشار إليه بقوله: "أفيجوز هذا لأحد" والهمزة فيه للاستفهام، فدل ذلك كله على انتساخ حديث ذي اليدين.
قوله: "وقد بقيت" الواو للحال.
قوله: "فلا يخرجه" عطف على قوله: "أفيجوز" فافهم.
ص: فإن قال قائل: نعم لا يخرجه ذلك من الصلاة؛ لأنه فعله ولا يرى أنه في الصلاة.
قيل له: لزمه أن يقول: لو طعم أيضًا أو شرب وهذه حالته لم يخرجه ذلك من الصلاة، وكذلك إن باع أو اشترى أو جامع أهله، فكفى بقوله فسادًا أن يلزم هذا قائله، فإن كان شيء مما ذكرنا يخرج الرجل من صلاته إن فعله على أنه يرى أنه ليس فيها، كذلك الكلام الذي ليس فيها يخرجه من صلاته، وإن كان قد تكلم به وهو لا يرى أنه فيها.
стр. 3331
ش: تقدير السؤال أن يقال: لا نسلم أن المصلي يخرج من صلاته بما ذكر في حديث ذي اليدين؛ لأنه فعل ذلك والحال أنه لا يرى أن نفسه في الصلاة، وإنما كان يخرجه ذاك أن لو رأى أنه في الصلاة.
وتقرير الجواب أن يقال: إذا التزمت ذلك لزمك أن تقول: لو طعم -بكسر العين- أي: كل في الصلاة أو شرب، والحال: أنه لا يرى أنه في الصلاة أن ذلك لا يخرجه من الصلاة، وكذلك لو باع أو اشترى، أو جامع امرأته، والحال: أنه لا يرى أنه في الصلاة، كان لزمك أيضًا أن تقول: إن هذه الأشياء لا تخرجه من الصلاة، فكفى بذلك فسادًا.
قوله: "فإن كان شيء ... إلى آخره" مقدمه يترتب عليها صحة ما ادعينا من انتساخ حديث ذي اليدين، بيان ذلك: أن شيئًا مما ذكرنا من الأكل في الصلاة أو الشرب أو البيع أو الشراء أو الجماع فيها إن كان يخرج الرجل من صلاته وإن كان يرى هو أنه ليس في الصلاة، فالقياس على هذا يقتضي أن يكون الكلام الذي ليس من أعمال الصلاة يخرجه من الصلاة، وإن كان قد تكلم به، والحال أنه لا يرى أنه في الصلاة، فالخصم بالضرورة يلتزم صحة المقدمة المذكورة فعليه يلزمه صحة ما يترتب عليها مما قد ذكرناه.
ص: وقد زعم القائل بحديث ذي اليدين: أن خبر الواحد تقوم به الحجة، ويجب به العمل، فقد أخبر ذو اليدين رسول الله ﵇ بما أخبره به، وهو رجل من أصحابه مأمون، فالتفت بعد إخباره إياه بذلك إلى أصحابه فقال: أقصرت الصلاة؟ فكان متكلمًا بذلك بعد علمه بأنه في الصلاة على مذهب هذا المخالف لنا، فلم يكن ذلك مخرجًا له من الصلاة، فقد لزمه بهذا على أصله أن ذلك الكلام كان قبل نسخ الكلام في الصلاة.
ش: القائل بحديث ذي اليدين هو ربيعة ومالك والشافعي وأحمد، وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، فإذا كان معمولًا به فلا يكون منسوخًا، وإن كان كلام النبي ﵇ كان على يقين
стр. 3332
أنه أتم الصلاة، وكلام ذي اليدين على ظن أنه قصر الصلاة، وكلام القوم كان لوجوب إجابة النبي ﵇ أو على تأويل ذي اليدين، أو لعلهم لم يسمعوا جواب النبي ﵇ له، وعلى كل حال لم يكن كدام كل منهم قاطعًا للصلاة انتهى.
ثم اعلم أن مذهب فقهاء الأمصار أن خبر الواحد تقوم به الحجة ويجب به العمل في أمور الدين، ولكن لا يثبت علم اليقن، وعند بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين، ثم منهم من اعتبر فيه عدد الشهادة ليكون حجة، ومنهم من اعتبر أقصى عدد الشهادة وهو أربعة، فإذا كان الأمر كذلك فقد قال القائل بخبر ذي اليدين: إن خبر الواحد تقوم به الحجة ويجب به الحمل، فقال الطحاوي ﵀ في جواب هذا: فقد أخبر ذو اليدين رسول الله ﵇ بما أخبره به أي بالذي أخبر رسول الله ﵇ به "وهو رجل" أي: والحال أنه رجل "من أصحابه مأمون"، "فالتفت" أي: النبي ﵇ "بعد إخباره إياه" أي: بعد إخبار ذي اليدين "إياه" أي: النبي ﵇ "بذلك"، وقوله "إلى أصحابه" يتعلق بقوله: "فالتفت" فقال ذو اليدين للنبي ﵇: "أقصرت الصلاة؟ فكان متكلمًا بذلك" أي: بقوله: "أقصرت الصلاة" بعد علمه بأنه في الصلاة، على مذهب هذا المخالف" وهو القائل بحديث ذي اليدين "فلم يكن ذلك" أي: قوله: "أقصرت الصلاة" مخرجًا له من الصلاة، فقد لزمه أي: إذا كان الأمر كذلك فقد لزم هذا المخالف بهذا أي: بالذي ذكرناه على أصله: أن ذلك الكلام كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، وأنه كان حين كان الكلام مباحًا.
ص: وحجة أخرى: أن رسول ﵇ لما أقبل على الناس فقال: "أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم" وقد كان يمكنهم أن يومئوا إليه بذلك، فيعلمه منهم، فقد كلموه بما كلموه به مع علمهم أنهم في الصلاة، فلم ينكر ذلك عليهم، ولم يأمرهم بالإعادة، فدل ذلك أن ما ذكرنا مما في حديث ذي اليدين كان قبل نسخ الكلام.
ش: أشار به إلى جواب آخر عما قاله القائل بحديث ذي اليدين، بيانه: أنه ﵇ لما أقبل على الناس بعد أن قال له ذو اليدين ما قاله، فقال: "أصدق ذو اليدين؟
стр. 3333
فقالوا: نعم". فتكلموا صريحًا، "وقد كان يمكنهم أن يومئوا" أي: أن يشيروا برأسهم "إليه" أي: إلى النبي ﵇ "فيعلمه منهم" أي: فيعلم النبي ﵇ ما سأله "منهم" أي: من الصحابة، ومع هذا هم كلموا النبي ﵇ بالذي كلموه به مع علمهم أنهم في الصلاة ولم يخرجوا منها بعد، "فلم ينكر" النبي ﵇ "ذلك" أي: كلامهم بقولهم: "نعم"، ولم يأمرهم بإعادة صلاتهم، فدل ذلك كله أن ما ذكر في حديث ذي اليدين كان حين كان الكلام مباحًا، وأن الكلام ما حرم فيها إلا بعده، فحينئذ يكون حديث ذي اليدين منسوخًا.
ص: فإن قال قائل: فكيف يجوز أن يكون هلما قبل نسخ الكلام في الصلاة وأبو هريرة ﵁ قد كان حاضرًا ذلك، وإسلام أبي هريرة إنما كان قبل وفاة النبي ﵇ بثلاث سنين؟ وذُكِر في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هريرة فقلنا: حدثنا! فقال: "صحبت النبي ﵇ ثلاث سنين" قالوا: فأبو هريرة إنما صحب رسول الله ﵇ ثلاث سنين، وهو حضر تلك الصلاة، ونسخ الكلام في الصلاة كان والنبي ﵇ بمكة، فدل ذلك على أن ما كان في حديث ذي اليدين من الكلام في الصلاة مما لم ينسخ بنسخ الكلام في الصلاة إذ كان متأخرًا، عن ذلك.
قيل له: أما ما ذكرت من وقت إسلام أبي هريرة فهو كما ذكرت، وأما قولك: إن نسخ الكلام في الصلاة كان والنبي ﵇ يومئذ بمكة فمن روى لك هذا وأنت لا تحتج إلا بمسند ولا تسوغ خصمك الحجة عليك إلا بمثله؟ فمن أسند لك هذا وعن من رويته؟ وهذا زيد بن أرقم الأنصاري ﵁ يقول: "إنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأمرنا بالسكوت، وقد روينا عنه في غير هذا الموضع من كتابنا، هذا وصحبة زيد لرسول الله ﵇ إنما كانت بالمدينة، فقد
стр. 3334
ثبت بحديثه هذا أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد قدوم رسول الله ﵇ من مكة، مع أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة مع رسول الله ﵇ أصلًا؛ لأن ذا اليدين قتل يوم بدر مع رسول الله ﵇ وهو أحد الشهداء؛ قد ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره وقد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ ما يوافق ذلك.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا الليث بن سعد، قال: حدثني عبد الله بن وهب، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أنه ذكر له حديث ذي اليدين، فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين".
وإنما قول أبي هريرة عندنا: "صلى بنا رسول الله ﵇" يعني: بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، وقد روي مثل هذا عن النزال بن سبرة:
حدثنا فهد وأبو زرعة الدمشقي، قالا: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : إنا وإياكم كنا ندعى بنو عبد مناف، وأنتم اليوم بنو عبد الله، ونحن بنو عبد الله يعني لقوم النزال" فهذا النزال يقول: "قال لنا رسول الله ﷺ " وهو لم ير رسول الله ﵇ يريد بذلك: قال لقومه، وقد روي عن طاوس أنه قال: قدم علينا معاذ بن جبل ﵁ فلم يأخذ من الخضروات شيئًا، وطاوس لم يدرك ذلك؛ لأن معاذًا ﵁ إنما قدم اليمن في عهد رسول الله ﵇ ولم يولد طاوس حينئذ، فكان معني قوله: "قدم علينا" أي: قدم بلدنا. وروي عن الحسن أنه قال: خطبنا عتبة بن غزوان" يريد خطبته بالبصرة والحسن لم يكن بالبصرة حينئذ؛ لأن قدومه لها إنما كان قبل صفين بعام.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن أبي رجاء قال: "قلت للحسن: متى قدمت البصرة؟ قال: قبل صفين بعامٍ، فكان معنى قول النزال: "قال لنا رسول الله ﵇" ومعنى قول طاوس: "قدم علينا معاذ" ومعنى قول الحسن: "خطبنا عتبة بن غزوان" إنما يريدون بذلك قومهم وبلدتهم لا أنهم حضروا ذلك ولا شهدوه، فكذلك قول أبي هريرة ﵁ في حديث
стр. 3335
ذي اليدين: "صلى بنا رسول الله ﵇" إنما يريد صلى بالمسلمين لا على أنه شهد ذلك ولا حضره، فانتفى بما ذكرنا أن يكون في قوله: "صلى بنا رسول الله ﵇" في حديث ذي اليدين ما يدل على أن ما كان من ذلك، بعد نسخ الكلام في الصلاة.
ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف تقولون: إن ما كان من أمر ذي اليدين إنما كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، والحال أن أبا هريرة قد كان حاضرًا قضية ذي اليدين، وإسلام أبي هريرة إنما كان قبل وفاة النبي ﵇ بثلاث سنين؟
وذكروا في ذلك ما أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز البجلي الكوفي، عن قيس بن أبي حازم حصين البجلي الكوفي.
قوله: "قالوا: فأبو هريرة" أي قال أولئك القوم الذين ذهبوا إلى أن حديث ذي اليدين غير منسوخ: فأبو هريرة إنما صحب النبي ﵇ ثلاث سنين وقد حضر تلك الصلاة؛ لأنه قال في حديثه: "صلى بنا رسول الله ﵇" ونسخ الكلام في الصلاة كان والحال أن النبي ﵇ كان بمكة، فإذا كان الأمر كذلك؛ فقدثبت أن ما كان من أمر ذي اليدين في الصلاة مما لم ينسخ بنسخ الكلام في الصلاة؛ إذ كان متأخرًا، أي: لأنه كان متأخرًا عن ذلك، أي: عن نسخ الكلام.
وتقرير الجواب مشتمل على ثلاثة أشياء:
الأول: أن ما ذكرتم من وقت إسلام أبي هريرة مسلم لا نزل لنا فيه.
الثاني: أن دعوى نسخ الكلام في الصلاة وقت كون النبي ﵇ بمكة ممنوع غير مسلّم، وأيّ دليل يدل عليه، ومثل هذا لا يثبت إلا بسند صحيح؟ فمن أين الإسناد في هذا وعمن روي حتى ننظر فيهم؟ فهل هذا إلا مجرد دعوى بلا برهان؟ ثم كد
الطحاوي بطلان دعواهم وصحة دعوى من يدعي أن نسخ الكلام كان والنبي ﵇ بالمدينة بما رواه في باب: "الصلاة الوسطى" عن علي بن شيبة، عن يزيد بن
стр. 3336
هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأمرنا بالسكوت" وكانت صحبة زيد بن أرقم الأنصاري ﵁ لرسول الله ﵇ بالمدينة بلا خلاف، فثبت بحديثه: أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة بعد قدوم النبي ﵇ من مكة.
الثالث: أن أبا هريرة لم يكن حاضرًا قضية ذي اليدين، أشار إليه بقوله: "مع أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة مع رسول الله ﵇ أصلًا" ثم برهن عليه بقوله: "لأن ذا اليدين قتل يوم بدر مع رسول الله ﵇ وهو معدود في جملة شهداء بدر، قد ذكر ذلك محمد بن إسحاق بن يسار المدني صاحب "المغازي" حيث قال في تسمية من حضر غزوة بدر: فقال ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، حليف لبني زهرة، قتل يومئذ شهيدًا.
وقال ابن هشام: اسمه عمير، وإنما قيل له ذو الشمالين؛ لأنه كان أعسر.
وقد بينا فيما مضى أن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وأن كليهما لقبان عليه، ولهذا كان الزهري يقول: إن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر، حكاه معمر وغيره عن الزهري، قال الزهري: "ثم استحكمت الأمور بعد".
قوله: "وغيره" أي: وغير محمد بن إسحاق مثل أبي معشر، قال ابن عبد البر: قال أبو معشر: إن ذا اليدين قتل يوم بدر.
قوله: "وقد روي عن عبد الله بن عمر ب ... إلى آخره" تأكيد لصحة ما ذكره من عدم حضور أبي هريرة قضية ذي اليدين؛ لأن ابن عمر ب قال: "كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين" فبالضرورة لم يكن أبو هريرة حاضرًا قضيته.
стр. 3337
أخرج ذلك بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وذكره ابن عبد البر في التمهيد (١): من حديث عبد الله بن وهب، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر: "أن إسلام أبي هريرة كان بعد موت ذي اليدين". فبطل بهذا قول من قال: إن ذا اليدين تأخر إلى زمن معاوية وروى عنه المتأخرون، وثبت أن أبا هريرة قد كان أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل: "من أدرك الفجر جنبًا فلا صوم له" وكان كثير الإرسال.
قوله: "وإنما قول أيضًا هريرة ... إلى آخره" جواب عما يقال: كيف تقولون: إن قضية ذي اليدين كانت قبل بدر، وأن موت ذي اليدين كان قبل إسلام أبي هريرة، وأن أبا هريرة لم يحضر صلاته ولا شهدها، وأبو هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله ﵇" فهذا إخبار عن نفسه أنه كان حاضرًا تلك الصلاة مع النبي ﵇، وتقرير الجواب أن يقال: إن كلام أبي هريرة ليس على حقيقته، وإنما معنى قوله: "صلى بنا" صلى بالمسلمين، ومثل هذا سائغ زائغ في اللغة، شائع بين الناس، وذلك كما في قول النزال بن سبرة قال: "قال رسول الله ﵇ إنا وإياكم ... " الحديث أراد به: قال لقومنا؛ لأن النزال بن سبرة الهلالي العامري الكوفي من كبار التابعين، والأصح أنه لم ير النبي ﵇، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، من كبار التابعين، وروايته عن النبي ﵇ مرسلة، روى له الجماعة سوى مسلم، الترمذي في "الشمائل".
وقد أخرج حديثه الطحاوي عن فهد بن سليمان وأبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين الملائي الكوفي الأحول شيخ البخاري، عن مسعر بن كدام الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي الكوفي الزراد روى له الجماعة.
стр. 3338
وكذلك روى عن طاوس بن كيسان اليماني أنه قال: "قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضروات شيئًا" أراد به: قدم بلدتنا؛ لأن طاوسًا لم يدرك معاذًا، لأن معاذًا توفي سنة ثماني عشر في طاعون عمواس بناحية الأردن، وقبره بغور بيسان في شرقيه، وكان عمره حين مات ثمانيًا وثلاثين سنة، ومولد طاوس بعد ذلك بزمان كثير؛ لأن وفاته سنة إحدى ومائة، وقيل: سنة ست ومائة بمكة، وكان عمره بضعًا وسبعين سنة.
وأخرجه الطحاوي معلقًا، وكذلك روي عن الحسن البصري أنه قال: "خطبنا عتبة بن غزوان" وأراد به خطبته بالبصرة، والحسن لم يكن بالبصرة حينئذ؛ لأن قدومه إلى البصرة إنما كان قبل وقعة صفين بعام واحد.
أخرج ذلك عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس الأودي، عن شعبة بن الحجاج، عن أي رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وكل هؤلاء أئمة أثبات.
واعلم أن الحسن البصري ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي ﵇ الممتل، واسم أبيه يسار، يقال: إنه من ميسان، وقع إلى المدينة فاشترته الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك فأعتقته، ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان فصيحًا، رأى علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وعائشة، ولم يصح له سماع منهم، وحضر يوم الدار وله أربع عشرة سنة، وقال ابن حبان في كتاب "الثقات": احتلم الحسن سنة سبع وثلاثين، وخرج من المدينة ليالي صفين ولم يلق عليًّا ﵁، وقد أدرك بعض صفين، ورأى مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﵇ وما شافه بدريًّا قط إلا عثمان بن عفان، وعثمان لم يشهد بدرًا، مات في شهر رجب سنة عشر ومائة، وقد ذكر أبو رجاء العطاردي، عن الحسن أنه قال: "قدمت البصرة قبل صفين بعام وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين من الهجرة، ثم إن الحسن لقي عتبة بن غزوان ﵁ ولكن لم يحضر خطبته؛ لأن خطبته كانت بالبصرة قبل قدوم الحسن إليها؛ وذلك لأنه هو
стр. 3339
الذي اختط البصرة، وأول من نزلها في أيام عمر بن الخطاب ﵁، ومات سنة سبع عشرة بطريق البصرة وهو ابن سبع وخمسين سنة، وقيل: مات بالربذة سنة خمس عشرة، وقيل: سنة أربع عشرة، وقيل: سنة عشرين، والله أعلم.
وقال الترمذي (١): لا نعرف للحسن سماعًا من عتبة بن غزوان بن جابر المازني ﵁.
ص: ومما يدل على نسخ الكلام في الصلاة، وأنه كان بالمدينة أيضًا:
ما حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نرد السلام في الصلاة حتى نهينا عن ذلك".
وأبو سعيد فلعله في السنن أيضًا دون زيد بن أرقم بدهر طويل، بل هو كذلك، فها هو ذا يخبر أنه قد كان أدرك إباحة الكلام في الصلاة.
ش: أي: ومن الذي يدل على نسخ الكلام في الصلاة بعد حديث ذي اليدين، وأن نسخه كان بالمدينة: حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن صالح، شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان المدني، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عنه.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: "أن رجلًا سلم على النبي ﵇ وهو في الصلاة، فرد عليه النبي ﵇ إشارة، فلما سلم قال له النبي ﵇: إنا كنا نرد السلام في صلاتنا، فنهينا عن ذلك".
стр. 3340
قوله: "وأبو سعيد فلعله ... " إلى آخره، بيان ذلك: أن أبا سعيد الخدري أصغر من زيد بن أرقم؛ لأنه استصغر يوم أحدا وأول مشاهده الخندق، وزيد بن أرقم غزا مع رسول الله ﵇ سبع عشرة غزوة، وأول مشاهده المريسيع، والله أعلم.
وكانت غزوة أحد سنة ثلاث من الهجرة في شهر شوال، وكانت غزوة الخندق في سنة خمس من الهجرة في شوال أيضًا، وكانت غزوة المريسيع، في سنة ست، قاله محمد بن إسحاق، وعن الواقدي: أنها كانت في سنة خمس من الهجرة، وهي غزوة بني المصطلق، ويقال: كانت في سنة أربع، والله أعلم.
فإذا كان كذلك يكون أبو سعيد الخدري أصغر من زبد بن أرقم في العمر بكثير، ومع هذا يخبر أنه قد كان أدرك إباحة الكلام في الصلاة، فدل ذلك أن الكلام كان مباحًا يوم ذي اليدين.
ومما يستفاد من الحديث: عدم جواز رد السلام في الصلاة، حتى لو رد السلام وهو في الصلاة بطلت صلاته.
وقال ابن قدامة في "المغني": إذا سُلِّم على المصلّي لم يكن له ردّ السلام بالكلام؛ فإن فعل بطلت صلاته، روي نحو ذلك عن أبي ذرّ عطاء والنخعي، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأسًا، وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك، وقال إسحاق: إن فعله متأولًا جازت صلاته.
ثم قال: ويرد السلام بالإشارة، وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وإن رد عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن، روي هذا عن عطاء والنخعي وداود.
وفي "البدائع": ولا ينبغي للرجل أن يسلم على المصلي ولا للمصلي أن يرد عليه بإشارة ولا غير ذلك، ولو رد بالإشارة لا تفسد صلاته ولكنه يكره.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن ابن مسعود ﵁:
ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال:
стр. 3341
ثنا عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: "كنا نتكلم في الصلاة، ونأمر بالحاجة، فقدمت على النبي ﵇ من الحبشة وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته، قلت: يا رسول الله! نزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء".
حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا سفيان عن عاصم ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "وإن مما أحدث: قضى أن لا تكلموا في الصلاة".
فقد أخبر رسول الله ﵇ أن الله قد نسخ الكلام في لصلاة ولم يستثن من ذلك شيئًا، فدل ذلك على كل الكلام الذي كانوا يتكلمون في الصلاة، فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: أي: وقد روي فيما يدل على نسخ الكلام في الصلاة بعد حديث ذي اليدين، وأن نسخه كان بالمدينة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن حماد ابن سلمة، عن عاصم بن بهدلة المقرئ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله ابن مسعود.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله ﵇ وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﵇ الصلاة قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام.
стр. 3342
وأخرجه النسائي (١) أيضًا.
الثاني: عن المزني صاحب الشافعي وخال الطحاوي، عن الإِمام محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم بن بهدلة ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢) بهذه الزيادة كما ذكرناه.
فإن قلت: كيف قلت: من طريقين صحيحين وفيهما عاصم بن بهدلة، وقد قال البيهقي في "المعرفة" صاحبا الصحيح توقيا روايته لسوء حفظه.
قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣): وحكم عليه بصحته، ولما أخرجه أبو داود سكت عنه، فدل على صحته عنده، وهذا القدر كاف في صحة الاستدلال.
قوله: "فقدمت على النبي ﵇ من الحبشة" وهو رجوعه من الحبشة إلى المدينة، قال ابن الجوزي: إن ابن مسعود لما عاد من الحبشة إلى مكة، رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي، ثم قدم على رسول الله ﵇ بالمدينة وهو يتجهز لبدر.
قوله: "ما قدُم وما حدُث" بضم الدال فيهما، قال ابن الأثير: يعني همومه وأفكاره القديمة والحديثة، يقال: حدث الشيء -بالفتح- يَحَدُثُ حُدُوثًا، فإذا قرن بـ"قَدُم" ضُمّ للازدواج بـ"قَدُم".
قوله: "أن لا تكلموا" أصله: أن لا تتكلموا، فحذفت إحدى التاءين للتخفيف، كما في: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ (٤) أصله تتلظى.
قوله: "فقد أخبر رسول الله ﵇ ... إلى آخره" إشارة إلى أن حديث ابن مسعود هذا ناسخ لحديث ذي اليدين، وقد مر الكلام فيه مستقصى.
стр. 3343
قوله: "فدل ذلك على كل الكلام" أراد به كلام الناسي والعامد والساهي والجاهل؛ فإن ذلك كله سواء في إفساد الصلاة.
وقوله: ﵇ "فلم يردّ عليّ" أعمّ من عدم الرد باللسان وبالإشارة، فدل أنه لا يرد السلام بالإشارة أيضًا.
ومما يستنبط منه: أنه يرد بعد الفراغ من الصلاة، دل عليه رواية أبي داود.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا أشياء يدخل فيها العباد تمنعهم من أشياء.
فمنها: الصلاة تمنعهم من الكلام والأفعال التي لا تفعل فيها.
ومنها: الصيام يمنعهم من الجماع والطعام والشراب.
ومنها: الحج والعمرة، تمنعانهم من الجماع والطيب واللباس.
ومنها: الاعتكاف يمنعهم من الجماع والتصرف.
فكان من جامع في صيامه أو أكل أو شرب ناسيًا مختلفًا في حكمه، فقوم يقولون: لا يخرجه ذلك من صيامه بتقليد آثار رووها، وقوم يقولون: قد أخرجه ذلك من صيامه.
وكل من جامع في حجته أو عمرته أو اعتكافه متعمدًا أو ناسيًا فقد خرج بذلك مما كان فيه من ذلك، فكان ما يخرجه من هذه الأشياء إذا فعل ذلك متعمدًا فهو يخرجه منها إذا فعله غير متعمد.
وكان الكلام في الصلاة يقطع الصلاة إذا كان على التعمد. لذلك فالنظر على ما ذكرنا من ذلك أن يكون أيضًا يقطعها إذا كان على السهو، ويكون حكم الكلام فيها على العمد والسهو سواء، كما كان حكم الجماع في الاعتكاف والحج والعمرة على العمد والسهو سواء، فهذا هو النظر أيضًا في هذا الباب، وقد وافق ما صححنا عليه معاني الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 3344
ش: ذكر في وجه هذا النظر والقياس أربعة أشياء إذا دخل فيها الرجل تمنعه عن أشياء:
الأول: الصلاة: فإنها تمنع مَنْ يدخل فيها عن الكلام والأفعال التي تنافيها.
الثاني: الصوم: فإنه يمنع مَنْ يدخل فيه عن المفطرات الثلاث وهي الأكل والشرب والجماع.
الثالث: الحج والعمرة؛ فإنهما يمنعان من يدخل فيهما عن الجماع، واستعمال الطيب واللباس ونحوهما.
الرابع: الاعتكاف: فإنه يمنع من يدخل فيه عن الجماع والتصرف، وقد استوى العمد والنسيان في الفصلين بلا خلاف وهما فصل الحج والاعتكاف، ووقع الخلاف في فصل الصوم، فقال: بعضهم ليس النسيان فيه كالعمد؛ فإنه إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا لا يفسد صومه، فلا يجب عليه القضاء والكفارة، أشار إليه بقوله: "فقوم يقولون: لا يخرجه ذلك من صيامه". وأراد بهم: الأوزاعي، والليث، والثوري، وأبا حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد في رواية؛ ومالكًا في رواية أيضًا، وبعض أهل الظاهر، فإنهم ذهبوا إلى أن من فعل شيئًا من هذه الأشياء ناسيًا لا يفسد صومه، وليس عليه شيء، قال القاضي عياض: إلا أن مالكًا قال: يلزمه القضاء لا غير، وهو مشهور مذهب مالك، وهو قول جميع أصحابه، وقول ربيعة وعطاء، وقال بعضهم: العمد والنسيان فيه سواء، حتى إنه إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا؛ فإنه يفسد صومه أشار إليه بقوله: "وقوم يقولون: قد أخرجه ذلك من صيامه" وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح، ومالكًا في رواية، وأحمد في رواية، وبعض الظاهرية.
وأما الصلاة فلم يختلفوا في أن من فعل فيها شيئًا مما هو مناف لها عمدًا -الكلام- فإنه يقطعها، فالنظر والقياس على الفصلين اللذين ليس فيهما خلاف في استواء العمدية والنسيانية، أن يكون حكم الصلاة كذلك في استواء العمدية والنسيانية.
فإن قيل: لم لا يقاس على فصل الصوم؟
قلت: لأنه مختلف فيه، وما قيس عليه متفق عليه، وهو أجدر بذلك.
стр. 3345
وأيضًا فإن في الصلاة حالة مذكرة، فقياسها على لما فيه حالة مذكرة، هو الصواب؛ فافهم.
قوله: "بتقليد آثار رووها" يتعلق بقوله: "يقولون: لا يخرجه ذلك من صيامه" وأراد بالآثار: الأحاديث التي وردت في هذا الباب.
منها: ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢): عن أبي هريرة: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
ومنها: ما أخرجه الترمذي (٣) عنه: "من أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله".
ومنها ما أخرجه أبو داود (٤) عنه: "أن رجلًا جاء إلى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، أكلت وشربت ناسيًا وأنا صائم، فقال: الله أطعمك وسقاك".
ص: فإن سأل سائل عن المعنى الذي يأمر رسول الله ﵇ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة لما تكلم فيها.
قيل له: ذلك لأن الحجة لم تكن قد قامت عنده قبل ذلك بتحريم الكلام في الصلاة، فلم يأمره رسول ﵇ بإعادة الصلاة، وقد يجوز أن يكون أمره النبي ﵇ بإعادة الصلاة، ولكن لم ينقل ذلك في حديثه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد سويتم في فساد الصلاة بالكلام بين ما إذا كان عامدًا أو ناسيًا وجاهلًا، وحكمتم بانتساخ حديث ذي اليدين، وأن ذلك كان بالمدينة، فلو كان الأمر كذلك لكان النبي ﵇ أمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته
لما تكلم فيها، حيث قال للعاطس: يرحمك الله، ومع هذا لم يأمره بذلك، فدل على
стр. 3346
أن الكلام فيها جاهلًا لا يفسد صلاته، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، فدل ذلك على التفرقة بين الأحوال.
وتقرير الجواب من وجهين:
الأول: أن إسلام معاوية بن الحكم كان في آخر الأمر، وكان جاهلًا بتحريم الكلام الذي كان مباحًا في حديث ذي اليدين، فلذلك لم يأمره ﵇ بإعادة الصلاة.
الثاني: أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ أمره بالإعادة، ولكنه لم ينقل ذلك في حديثه؛ لأن سكوت الحديث عنه لا ينفي أمره بالإعادة؛ فافهم.
ص: وقد قال قوم: إن رسول الله ﵇ لم يسجد يوم ذي اليدين.
حدثنا بذلك ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: "سألت أهل العلم بالمدينة فما أخبرني أحدٌ منهم أنه صلاها -يعني سجدتي السهو- يوم ذي اليدين، فمعنى هذا عندنا -والله أعلم- أنه إنما يجب سجود السهو في الصلاة إذا فعل بها ما لا ينبغي أن يفعل فيها، مثل القيام عن القعود أو القعود في غير مواضع القعود، أو ما أشبه ذلك مما لو فعل على العمد كان فاعله مسيئًا، فأما ما فعل فيها مما ليس بمكروه فيها فليس فيه سجود سهو، وكان حكم الصلاة يوم ذي اليدين لا بأس بالكلام فيها والتصرف، فلما فعل ذلك على السهو فيها وكان فاعله على العمد غير مسيء، كان فاعله على السهو غير واجب عليه سجود السهو، فهذا مذهب الذين ذهبوا إلى أن رسول الله ﵇ لم يسجد يومئذ، وهذا حجة لأهل المقالة التي ثبتناها في هذا الباب، وكان مذهب الذين ذكروا أنه سجد يومئذ: أن الكلام في الصلاة والتصرف وإن كانا مباحين في الصلاة يومئذ، فلم يكن من المباح يومئذ أن يسلم في الصلاة قبل أوان التسليم، فلما سَلَّم النبي ﵇ فيها سلامًا أراد به الخروج منها، على أنه قد كان أتمها، وكان ذلك مما لو فعله فاعل على العمد كان مسيئًا، وجب فيه سجود السهو، فهذا مذهب أهل هذه المقالة في هذا الحديث.
стр. 3347
ش: أراد بهذا بيان الاختلاف في سجود النبي ﵇ للسهو يوم ذي اليدين، وبيان حجة كل واحد من الفريقين، وأراد بالقوم هؤلاء: محمد بن مسلم الزهري، وطائفة من علماء المدينة؛ فإنهم قالوا: لم يسجد النبي ﵇ يوم ذي اليدين، وأسند ذلك عن الزهري بقوله: "حدثنا بذلك" أي: بما قال هؤلاء القوم ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.
ثم بَيَّن معنى ما قال هؤلاء بقوله: "فمعنى هذا عندنا والله أعلم ... " إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "ثبتناها" من التثبيت.
قوله: "وكان مذهب الذين ذكروا أنه سجد يومئذ ... إلى آخره" وأراد بهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، وهو أيضًا ظاهر.
قوله: "والتصرف" بالنصب عطف على قوله: "الكلام" في قوله: "أن الكلام في الصلاة".
قوله:"وإن كانا مباحين" واصل بما قبله، وقال مسلم في "التمييز" قول ابن شهاب: إنه لم يسجد يوم ذي اليدين، خطأ وغلط، وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو من روايات الثقات.
وقال أبو عمر: كان الزهري يقول: إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها، ليس عليه سجدتا السهو انتهى.
قلت: كيف يغلط مسلم الزهري وقد أخرج ابن عدي في "الكامل" (١): أنا أبو يعلى، ثنا ابن معين، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا ليث وابن وهب، عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو"؟
стр. 3348
ص: باب: الإشارة في الصلاة
ش: أي هذا باب في بيان حكم الإشارة في الصلاة، والمناسبة بين البابين ظاهرة، وهي أن الإشارة المفهمة في الصلاة حكمها حكم الكلام فيها عند البعض، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا يونس بن بكير، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان بن طريف، عن في هريرة قال: قال: رسول الله ﵇ "التسبيح للرجال والتصفيح للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تفهم منه فليعدها".
ش: ذكر هذا الحديث بعينه متنًا وسندًا في الباب الذي قبله، ولكن فيه زيادة ها هنا وهي قوله: "ومن أشار ... إلى آخره" والتبويب عليها.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن سعيد، ثنا يونس بن بكير ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "فليعد لها" ثم قال: وهذا الحديث وهم.
وقال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان مجهول. وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: سئل أحمد عن حديث "من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد الصلاة" فقال: لا يثبت إسناده، ليس بشيء. وكذا قال ابن الجوزي في "التحقيق" وأعله بابن إسحاق، وقال: أبو غطفان مجهول.
قلت: قال صاحب "التنقيح": أبو غطفان هو ابن طريف، ويقال: ابن مالك المري، قال عباس الدوري: سمعت ابن معين يقول فيه: ثقة. وقال النسائي في "الكنى": أبو غطفان ثقة قيل اسمه سعد. وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له مسلم في "صحيحه" فحينئذ يكون إسناد الحديث صحيحًا، وأبو داود لم يبين كيفية الوهم، فلا يبنى عليه شيء، فإن كان قوله "هذا الحديث وهم" من جهة أبي غطفان،
стр. 3349
فقد بينا حال أبي غطفان، وتعليل ابن الجوزي بابن إسحاق ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور.
ص: فذهب قوم إلى أن الإشارة التي تفهم إذا كانت من الرجل في الصلاة قطعت عليه صلاته، وحكموا لها بحكم الكلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: إن المصلي إذا أشار في صلاته إشارة مفهمه تفسد صلاته، فيكون حكمها حينئذ كحكم الكلام، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا تقطع الإشارة الصلاة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن أبي ليلى والثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثورة فإنهم قالوا: الإشارة لا تقطع الصلاة.
ويحكى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وعائشة ﵃.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (١) عن معمر، عن ثابت البناني، عن أبي رافع قال: "رأيت أصحاب رسول الله ﵇ وإن أحدهم ليشهد على الشهادة وهو يصلي".
قال معمر: وحدثني بعض أصحابنا: "أن عائشة ﵂ كانت تأمر خادمها أن يقسم المرقة، فتمر بها وهي في الصلاة، فتشير إليها أن زيدي".
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ أتى قباء، فسمعت به الأنصار فجاءوا يسلمون عليه وهو يصلي، فأشار إليهم بيده باسط كفه وهو يصلي".
حدثنا يونس، قال أنا ابن وهب، عن هشام، عن نافع، عن ابن عمر، مثله غير أنه قال: "فقلت لبلال أو صهيب: كيف رأيت رسول الله ﵇ يرد عليهم وهو يصلي؟ قال: يشير بيديه".
стр. 3350
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان، قال: أنا هشام بن سعد ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "فقلت لبلال كيف كان يردُّ عليهم؟ ".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
عن هشام بن سعد المدني روى له الجماعة إلا البخاري، عن نافع، عن ابن عمر ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا حسين بن عيسى الخراساني الدامغاني، ثنا جعفر بن عون، نا هشام بن سعد، نا نافع، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: "خرج رسول الله ﵇ إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال ﵁ كيف رأيت رسول الله ﵇ يردّ عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا؛ وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق". انتهى.
قوله: "قباء" بضم القاف وبالباء الموحدة، تمد وتقصر، وهي قرية على ميلين من المدينة، وهناك مسجد التقوى.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر قال: "خرج رسول الله ﵇ إلى قباء، فجاءت الأنصار يسلمون عليه، فإذا هو يصلي، فقال ابن عمر: يا بلال، كيف رأيت رسول الله ﵇ يرد عليهم وهو
стр. 3351
يصلي؟ قال: هكذا بيده كلها، يعني يشير" هكذا رواه وكيع وجعفر بن عون عنه، وقال ابن وهب عنه: بلال أو صهيب، ثم يقول ابن وهب في آخره، وبلغني في غير هذا الحديث أن صهيبًا الذي سأله ابن عمر.
قال الترمذي: كلا الحديثين عندي صحيح، قد رواه ابن عمر عن صهيب وبلال ﵃.
الثالث: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان الملقب بقراد، عن هشام بن سعد ... إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: نا وكيع، قال: ثنا هشام بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر قال: "قلت لبلال: كيف كان رسول الله ﵇ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده".
قال: أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد (ح)
وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قالا: ثنا الليث بن سعد، عن بكير، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب قال: "مررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه وهو يصلي، فرد إليّ إشارة" قال ابن مرزوق في حديثه: قال ليث: أحسبه قال: "بإصبعه".
ش: هذان طريقان حسنان:
أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن بكير بن الأشج، عن نابل -بالنون في أوله، ثم الباء الموحدة بعد الألف- صاحب العباء، ويقال صاحب الشمال جمع شملة، وثقه ابن حبان.
عن عبد الله بن عمر، عن صهيب بن سنان الرومي ﵃.
стр. 3352
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا ليث بن سعد ... إلى آخره نحوه سواء.
والآخر: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن بكير ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، ثنا الليث، عن بكير، عن نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، عن صهيب صاحب رسول الله ﵇ قال: "مررت برسول الله ﵇ وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد عليّ إشارة -ولا أعلم إلا أنه قال: بأصبعه-".
ورواه أبو داود (٣)، والترمذي (٤).
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رجلًا سلم على النبي ﵇ في الصلاة، فرد عليه إشارة، قال: وكنا نرد السلام في الصلاة؛ فنهينا عن ذلك".
ش: ذكر هذا الحديث في الباب الذي قبله بعين هذا الإسناد، ولكن مقتصرًا على قوله: "كنا نرد السلام في الصلاة، فنهينا عن ذلك".
وأخرجه البزار في "مسنده" وقد ذكرناه هناك.
ص: ففي هذه الآثار ما قد دل أن الإشارة لا تقطع الصلاة، وقد جاءت مجيئًا متواترًا، غير مجيء الحديث الذي خالفها، فهي أولى منه، وليست الإشارة في النظر من الكلام في شيء؛ لأن الإشارة إنما هي حركة عضو، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد في الصلاة لا تقطع الصلاة، فكذلك حركة اليد.
стр. 3353
ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها عن عبد الله بن عمر وصهيب وبلال وأبي سعيد الخدري ﵃ وقوله: "ما دل" في محل الرفع على الابتداء وخبره قوله: "ففي هذه الآثار" وقوله: "وقد جاءت" أي هذه الآثار مجيئًا متواترًا، أي مقبولًا عند أهل الحديث، ولم يُرِدْ به التواتر الاصطلاحي، وأراد أن هذه الآثار أقوى طريقًا وأصح مجيئًا وأكثر ورودًا من الحديث الذي ذهب إليه أهل المقالة الأولى، وهو حديث أبي غطفان عن أبي هريرة، وأن هذا لا يساوي تلك الأحاديث ولا يقاومها، على أن أحمد بن حنبل قد قال: حديث أبي غطفان ليس بشيء كما ذكرناه فيما مضى.
قوله: "وليست الإشارة ... " إلى آخره، إشارة إلى بيان وجه النظر والقياس، وهو أن الإشارة لا تشابه الكلام ولا تماثله؛ لأنها حركة عضو، والكلام نطق مسموع مفهم، فلو حرك المصلي من أعضائه غير اليد في صلاته فإنه لا يقطع صلاته ولا يضرها، فكذلك لو حرك يده، نظرًا وقياسًا عليه.
ص: فإن قال قائل: فإذا كانت الإشارة في المسألة عندكم قد ثبت أنها بخلاف الكلام، وأنها لا تقطع الصلاة كما يقطعها، واحتججتم في ذلك بهذه الآثار التي رويتموها عن رسول الله ﵇، فَلِمَ كرهتم رد السلام من المصلى بالإشارة؟ وقد فعل ذلك رسول الله ﵇ فيما رويتموه في هذه الآثار، لئن كان ذلك حجة لكم في أن الإشارة لا تقطع الصلاة، فإنه حجة عليكم في أن الإشارة لا بأس بها:
قيل له: أما ما احتججنا بهذه الآثار من أجله وهو أن الإشارة لا تقطع الصلاة فقد ثبت ذلك بهذه الآثار على ما احتججنا به منها.
وأما ما ذكرت من إباحة الإشارة في الصلاة في رد السلام فليس فيها دليل على ذلك، وذلك أن الأمر الذي هو فيها هو أن رسول الله ﵇ أشار إليهم فلو قال لنا رسول الله ﵇: إن تلك الإشارة أردت بها ردّ السلام على من سلم علي ثبت بذلك أن كذلك حكم المصلي إذا سُلم عليه في الصلاة، ولكنه لم يقل من ذلك شيئًا، فاحتمل أن يكون الإشارة كانت ردًا منه للسلام كما ذكرتم، واحتمل أن تكون
стр. 3354
كانت منه نهيًا لهم عن السلام عليه هو يصلي، فلما لم يكن في هذه الآثار من هذا شيء، واحتمل من التأويل ما ذهب إليه كل واحد من الفريقين؛ لم يكن ما تأول أحد الفريقين أولى منها مما تأوله الآخر إلا بحجة يقيمها على مخالفه، إما من كتاب، وإما من سنة، وإما من إجماع.
ش: ملخص السؤال: أن هذه الأحاديث وإن كانت حجة لكم في أن الإشارة في الصلاة غير قاطعة لها، فهي حجة عليكم في كراهتكم رد السلام من المصلي بالإشارة؛ لأنه ﵇ قد فعل ذلك.
وملخص الجواب: أن إشارة النبي ﵇ تحتمل وجهين: أحدهما ما ذهب إليه المخالف في أن إشارته كانت ردًّا منه للسلام.
والآخر يحتمل أن تكون إشارته تلك نهيًا منه إياهم عن السلام عليه وهو في الصلاة، فإذا كان كذلك لم يكن لأحد الفريقين أن يرجح أحد الاحتمالين إلا بمرجح من الكتاب أو السنة أو الإجماع وإلا فمتى ذهب أحد الفريقين إلى أحد الاحتمالين يذهب إلى الآخر، فافهم، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: فما دليلكم على كراهة ذلك؟
قيل له: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: "كنا نتكلم في الصلاة ونأمر بالحاجة ونقول: السلام على الله وعلى جبريل وميكائيل وعلى كل عبد صالح يُعْلم اسمُه في السماء والأرض، فقدمت على النبي ﵇ من الحبشة وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد، وأخذني ما قَدُم وما حَدُث، فلما قفنى صلاته، قلت: يا رسول الله، أنزل فيّ شيء؟ قال: لا ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرئيل، عن أبي إسحاق، عن في الأحوص، عن عبد الله قال: "خرجت في حاجة ونحن نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فلما رجعت فسلمت فلم يرد عليّ وقال: إن في الصلاة شغلًا".
стр. 3355
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن حماد، عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: "قدمت من الحبشة وعهدي بهم وهم يسلمون في الصلاة ويقضون الحاجة، فأتيت رسول الله ﵇ -فسلمت عليه وهو يصلي فلم يرد عليّ فلما قضى صلاته قال: إن الله لا يحدث الشيء من أمره ما شاء، وقد أحدث لكم أن لا تكلموا في الصلاة، وأما أنت أيها المسلم فالسلام عليك ورحمة الله".
حدثنا: فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن أبي الرضراض، عن عبد الله قال: "كنت أسلم على النبي ﵇ في الصلاة فيرد عليّ فلما كان ذات يوم سلمت عليه فلم يرد عليّ فوحدت في نفسي فذكرت ذلك له، فقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء".
ففي حديث أبي بكرة عن أبي داود أن رسول الله ﵇ سلم على الذي سلم عليه بعد فراغه منها، فذلك دليل أنه لم يكن منه في الصلاة رد السلام؛ لأنه لو كان ذلك منه، لأغناه عن الرد عليه بعد الفراغ من الصلاة، كما يقول الذي يرى الرد في الصلاة بالإشارة، وأن المصلى إذا فعل ذلك لمن يسلم عليه في صلاته فلا يجب عليه الرد بعد فراغه من الصلاة.
وفي حديث أبي بكرة أيضًا عن مؤمل: "فلم يرد عليّ فأخذني ما قَدُم وما حَدُث" ففي ذلك دليل أنه يكن منه ردٌّ أصلًا بالإشارة؛ لأنه لو رد عليه بالإشارة يقل: لم يرد عليّ، ولقال: رد علي إشارة، ولما أصابه من ذلك ما أخبر أنه أصابه مما قَدُم وما حَدُث.
وفي حديث علي بن شيبة: "فقال: رسول الله ﵇ إن في الصلاة شغلًا" فذلك دليل على أن المصلي معذور بذلك الشغل عن رد السلام على المسلم عليه، ونهي لغيره عن السلام عليه.
ش: تقدير السؤال أن يقال: إنكم قد قلتم فلما احتمل الوجهين لم يكن لأحد الفريقين أن يرجح أحدهما إلا بمرجح من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فما دليلكم على أنكم كرهتم رد السلام بالإشارة في الصلاة؟ وما الذي رجح ما ذهبتم إليه؟
стр. 3356
وتقرير الجواب أن يقال: أحاديث عبد الله بن مسعود رجحت ما ذهبنا إليه؛ وذلك لأن في بعض أحاديثه -وهو الذي رواه أبو بكرة عن أبي داود الطيالسي- سلم على الذي سلم عليه بعد فراغه منها، وذلك دليل على أنه لم يكن منه في الصلاة رد السلام لا باللفظ ولا بالإشارة؛ لأنه لو كان ذلك منه؛ لا غناه عن الرد عليه بعد الفراغ من صلاته فحيث ردّ ﵇ بعد فراغه من الصلاة؛ دل على أنه لا رد في نفس الصلاة لا لفظًا ولا إشارة.
وفي بعضها -وهو الذي رواه أبو بكرة عن مؤمل بن إسماعيل- فلم يرد عليّ". وهو عام يتناول الرد باللسان والرد بالإشارة ولأنه لو رد عليه بالإشارة لما قال عبد الله: "فأخذني ما قَدُم وما حَدُث" فدل أنه لم يكن منه ردٌّ أصلًا لا باللسان ولا بالإشارة.
وفي بعضها -وهو الذي رواه علي بن شيبة عن عبيد الله بن موسى: "إن في الصلاة شغلًا" أي ما يشغل المصلي عن مباشرة ما ليس من الصلاة؛ فدل على أنه معذور بذلك الشغل عن رد السلام على المسلّم عليه -بكسر اللام- والضمير في "عليه" يرجع إلى المصلي، وفيه دليل أيضًا على النهي لغيره عن السلام على المصلي فافهم.
ثم إنه أخرج حديث عبد الله بن مسعود من أربع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة المقرئ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، وقد ذكر هذا في الباب الذي قبله إسنادًا ومتنًا، غير أنه زاد ها هنا. قوله: "ونقول السلام على الله وعلى جبريل وميكائيل وعلى كل عبد صالح يُعلم اسمُهُ في السماء والأرض" وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية.
الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، عن عبد الله بن مسعود.
стр. 3357
وأخرجه ابن ماجه (١): نا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا النضر بن شميل، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا نسلم في الصلاة، فقيل لنا: إن في الصلاة شغلًا" انتهى أي شغلًا للمصلي، معناه وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبر ما يقوله ولا يعرج على غيرها، ولا يرد سلامًا ولا غيره.
الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي.
وهذا مرسل لأن إبراهيم لم يسمع من أحد من الصحابة ﵃ وقال العجلي: لم يحدث عن أحد من أصحاب النبي ﵇ وقد أدرك منهم جماعة، ورأى عائشة ﵂ رؤيا. وقال: يحيى بن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلى من مراسيل الشعبي.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢).
وأخرج السراج في "مسنده": ثنا عبيد الله بن سعيد، ثنا عبد الرحمن (ح)
وحدثنا عبد الله بن عمر، ثنا حسين بن علي، جميعًا عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله قال: "كنا نتكلم في الصلاة ويسلم بعضنا على بعض ويومئ أحدنا بالحاجة، قال: فجئت ذات يوم والنبي ﵇ يصلي، فسلمت عليه فلم يرد علي، قال: فأخذني ما قَدُم وحَدُث، فلما فرغ قال: إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإنه قد أحدث أن لا يتكلموا في الصلاة، وأما أنت أيها المسلم قال: فرد عليّ". انتهى.
استدّل عطاء والنخعي والثوري بهذا الحديث على أن المصلي إذا سُلم عليه يرده بعد فراغه من الصلاة، وقالت طائفة -منهم أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة وإسحاق-: يرده في الصلاة نطقًا.
стр. 3358
وقال الشافعي ومالك: يرده إشارة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يرده لا نطقًا ولا إشارة بكل حال، وعن أبي حنيفة: يرده في نفسه. وعن محمد: يرده بعد الصلاة؛ لظاهر هذا الحديث. وعن أبي يوسف: لا يرده لا في الحال ولا بعد الفراغ.
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، عن مطرف بن طريف الحارثي الكوفي، عن أبي الجهم سليمان بن الجهم الحارثي الجوزجاني مولى البراء بن عازب، وثقه ابن حبان.
عن أبي الرضراض بن أسعد، ويقال: رضراض بن أسعد، وثقه ابن حبان.
عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن فضيل، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن أبي الرضراض، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنت أسلم على رسول الله ﵇ في الصلاة فيرد علي، فلما كان ذات يوم سلمت عليه فلم يرد علي؛ فوجدت في نفسي، فلما فرغ قلت: يا رسول الله، كنت إذا سلمت عليك في الصلاة رددت عليّ، قال: فقال: إن الله يحدث في أمره ما يشاء".
ص: وقد روي عن عبد الله من قوله بعد رسول الله ﵇ ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: "أنه كره أن يسلم على القوم وهم في الصلاة".
ش: أي قد روي عن عبد الله بن مسعود من قول نفسه بعد رسول الله ﵇ أنه كره السلام على المصلي.
أخرجه بإسناد رجاله ثقات ولكنه مرسل، عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره.
стр. 3359
وأخرج محمد بن الحسن في "آثاره": عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، نحوه.
ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله في ذلك نظير ما روي عن ابن مسعود عن النبي ﵇.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: "كنا مع النبي ﵇ في سفر، فبعثني في حاجة فانطلقت إليها ثم رجعت إليه وهو على راحلته، فسلمت عليه فلم يرد علي ورأيته يركع ويسجد، فلما سلم رد علي".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل:"فلم يرد علي" وقال: "فلما فرغ من صلاته قال: أما إنه لم يمنعني أن أرّد عليك إلا أني كنت أصلي".
فهذا جابر بن عبد الله أيضًا قد أخبر أن رسول الله ﵇ لم يرد عليه، وأنه لما فرغ من صلاته ردّ عليه، فالكلام في هذا مثل الكلام فيما رويناه قبله عن ابن مسعود، وفي حديث جابر أن رسول الله ﵇ -قال: "أما إنه لم يمنعني أن أرّد عليك إلا أني كنت أصلي" فأخبر رسول الله ﵇ أنه لم يكن رد عليه شيء، فذلك ينفي أن يكون رد عليه بإشارة أو غيرها.
وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ بعثه لبعض حاجته فجاء وهو يصلي على راحلته، فسلم عليه فسكت، ثم أومئ بيده، ثم سلم عليه فسكت -ثلاثًا- فلما فرغ قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي".
فهذا جابر ﵁ قد أخبر في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أومأ إليه بيده حين سلم، ثم قال: رسول الله ﵇ بعد ما فرغ من الصلاة: "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي". فأخبر رسول الله ﵇ أنه لم يكن رد عليه في الصلاة، فدل
стр. 3360
ذلك أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن ردًّا، وإنما كانت نهيًا، وهذا جابر فقد روى هذا عن النبي ﵇ كما ذكرنا، وقد روي عنه ما حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي قال: نا الأعمش، قال: حدثني أبو سفيان، قال: سمعت جابرًا يقول: "ما أحب أن أسلم على الرجل وهو يصلي، ولو سلم علي لرددت عليه".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن إشكاب، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، فذكر بإسناده مثله.
فهذا جابر بن عبد الله قد كره أن يسلم على المصلي، وقد كان سلم على رسول الله ﵇ وهو يصلي، فأشار إليه، فلو كانت الإشارة التي كانت من النبي ردًا للسلام عليه إذا لما كره ذلك؛ لأن رسول الله ﵇ لم ينهى عنه، ولكنه إنما كره ذلك؛ لأن إشارة النبي ﵇ تلك كانت عنده نهيًا منه له عن السلام عليه وهو يصلي.
ش: أي قد روي عن جابر بن عبد الله في كراهة رد السلام على المسلم في الصلاة مثل ما روي عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا.
وأخرج عنه من خمس طرق: ثلاثة منها مرفوعة، واثنان موقوفان عليه:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن إسماعيل بن إبراهيم وهو إسماعيل بن علية روى له الجماعة، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره.
وأخرجه مسلم (١): عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "أرسلني رسول الله ﵇ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده هكذا -وأومأ زهير بيده- ثم كلمته، فقال لي هكذا-
стр. 3361
فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض -وأنا أسمعه يقرأ يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك له؛ فإنه لم يمنعني أن كلمك إلا أني كنت أصلي".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (١): عن محمد بن رمح المصري، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "بعثني النبي ﵇ لحاجة، ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت علي آنفًا وأنا أصلي".
وأخرجه مسلم (٢): عن محمد بن رمح أيضًا نحوه، وفي آخره: "وهو موجه حينئذ قبل المشرق".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر ﵁.
وهذه الأسانيد كلها صحاح.
وأخرجه البيقهي في "سننه" (٣): من حديث سليمان بن حرب، عن يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن جابر، نحوه.
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع القرشي الإسكاف، عن جابر ابن عبد الله.
الخامس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن أحمد بن إشكاب الحضرمي شيخ البخاري، عن أبي معاوية محمد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان ... عن جابر ... إلى آخره.
стр. 3362
وإسنادهما صحيح.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي- زاد أبو معاوية: ولو سلُم علي لرددت عليه".
قوله: "فهذا جابر بن عبد الله ... " إلى آخره إشارة إلى تصحيح معاني هذه الأحاديث التي رويت عن جابر نظير ما روي عن عبد الله بن مسعود؛ بيانه: أن جابرًا أخبر في حديثه أن رسول الله ﵇ لم يرد لما سلم عليه، وأنه إنما رد عليه بعد فراغه من صلاته، كما قد أخبر عبد الله بن مسعود في حديثه كذلك، وأخبر جابر أيضًا في حديثه أنه ﵇ قال: "أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي" فهذا بعمومه يتناول عدم الرد مطلقًا سواء كان بإشارة أو غيرها، وأخبر جابر أيضًا في حديثه الآخر أنه ﵇ أومأ إليه بيده حين سلم، ثم قال له بعد أن فرغ من صلاته: "أما أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي". فأخبر ﵇ أنه لم يكن رد عليه في الصلاة، فدل ذلك أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن لأجل رد السلام عليه؛ وإنما كانت لأجل النهي عن السلام على المصلي ". وهذا جابر ﵁ قد روى هكذا عن النبي ﵇، ثم قد روي عنه من نفسه أنه قال: "ما أحب أن أسلم على المصلي، ولو سُلم علي وأنا في الصلاة لرددت عليه". وقد كره السلام على المصلي، والحال أنه قد سلم على رسول الله ﵇ وهو يصلي فأشار إليه رسول الله ﵇ فلو كانت تلك الإشارة التي كانت من النبي ﵇ ردًّا لسلام جابر عليه إذًا -أي حينئذ- لما كره جابر السلام على المصلي؛ لأن رسول الله ﵇ لم ينهه عن ذلك، ولكنه إنما كره ذلك لأن إشارته تلك كانت عنده نهيًا منه له -أي لجابر ﵁ عن السلام عليه في الصلاة.
стр. 3363
ص: فإن قال قائل: فقد قال جابر ﵁ في حديثكم هذا: "ولو سُلِّم علي لرددت".
قيل له أفقال جابر: لرددت في الصلاة؟ قد يجوز أن يكون أراد بقوله: "لرددت" أي بعد فراغي من الصلاة، وقد دل على ذلك من مذهبه: ما حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام، قال: سأل سليمان بن موسى عطاء: أسالت جابرًا عن الرجل يسلم عليك وأنت تصلي فقال: لا ترد عليه حتى تقضي صلاتك؟ فقال: نعم". قال أبو جعفر ﵀: فدل ذلك أن الرد الذي أراد جابر في الحديث الأول هو الرد بعد الفراغ من الصلاة، فقد وافق ذلك ما روى عن رسول الله ﵇، ودل في معناه على ما ذكرنا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: في حديث جابر الذي احتججتم به لِمَا ذهبتم إليه: "ولو سُلِّم عليّ لرددت" وهو يدل على أنه ينبغي أن يرد السلام، وأنتم قد تركتم هذا حيث منعتم الرد في الصلاة مطلقًا.
وتقرير الجواب أن يقال: لم يقل جابر: لرددت عليه في الصلاة، وإنما قال: "لرددت" مطلقًا، فيجوز أن مراده: لرددت بعد فراغي من الصلاة، وقد دل على أن مراده بعد الصلاة: ما أخرجه عن علي بن زيد بن عبد الله الفرضي الطرسوسي، عن موسى بن داود الضبي من رجال مسلم، عن همام بن يحيى البصري من رجال الجماعة، عن سليمان بن موسى القرشي الأموي الدمشقي الأشدق فقيه أهل الشام في زمانه، ثقة كبير، روى له الجماعة إلا البخاري.
عن عطاء بن أبي رباح المكي ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن عطاء نحوه.
قوله: "أفقال جابر" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "وقد دل على ذلك" أي على ما ذكرنا من التأويل.
стр. 3364
ص: وقد روي عن ابن عباس ﵄ في هذا نحو من ذلك.
حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشيش، قال: ثنا عارم، قال: ثنا جرير بن حازم، عن قيس، عن عطاء: "أن ابن عباس سلم عليه رجل وهو يصلي فلم يرد عليه شيئًا، وغمز بيده". فهذا ابن عباس ﵄ إنما لم يردُّ في صلاته على الذي سلم عليه وهو فيها، ولكنه غمز بيده على الكراهية منه لما فعل فلما كان عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وقد كانا سلما على النبي ﵇ وهو يصلي قد كرها من بعد رسول الله ﵇ السلام على المصلي فثبت بذلك أن ما كان من إشارة النبي ﵇ التي علماها لم تكن ردًا وإنما كانت نهيًا؛ لأن الصلاة ليست بموضع سلام؛ لأن السلام كلام، فجوابه أيضًا كذلك، فلما كانت الصلاة ليست بموضع كلام؛ لم تكن أيضًا بموضع لرد سلام، ولما لم تكن موضعًا لرد سلام لم تكن موضعًا للإشارة لرد السلام، وذلك لأن رسول الله ﵇ قد أمر بتسكين الأطراف في الصلاة.
حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن جابر بن سمرة قال: "دخل رسول الله ﵇ المسجد فرأى قومًا يصلون وقد رفعوا أيديهم، فقال مالي أراكم ترفعون أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة".
فلما أمر رسول الله ﵇ بالسكون في الصلاة، وكان رد السلام بالإشارة فيه خروجًا من ذلك لأن فيه رفع اليد وتحريك الأصابع، ثبت بذلك أنه قد دخل فيما أمر به رسول الله ﵇ من تسكين الأطراف في الصلاة، وهذا القول الذي بَيَّنَّا في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس ﵄ -فيما ذكرنا من إشارة النبي ﵇ في الصلاة حين سلم عليه عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله كانت نهيًا عن ذلك ولم تكن ردًّا للسلام- نحو من ذلك، أي مثل ونظير لما ذكرنا، بيانه: أن ابن عباس لما سُلم عليه وهو في الصلاة لم يرد عليه وغمز بيده لأجل كراهته هذا الفعل منه، فثبت من ذلك أن الإشارة في الصلاة لأجل رد السلام مكروهة لا ينبغي أن تفعل،
стр. 3365
ألا ترى أن عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله سلما على النبي ﵇ وهو في الصلاة ثم كرها من بعد رسول الله ﵇ السلام على المصلي، وذلك لكونهما قد علما أن الإشارة التي كانت من النبي ﵇ حين سلما عليه وهو في الصلاة لم تكن لأجل الرد وإنما كانت لأجل النهي عن ذلك الفعل، وذلك لأن الصلاة ليست بمحل للسلام؛ لأن السلام كلام، فجوابه أيضًا يكون كلامًا، فلما ثبت أن الصلاة ليست بمحل للكلام، لم تكن أيضًا بمحل لرد السلام؛ لأنه كلام كالسلام، فإذا ثبت أنها ليست بمحل لرد السلام لم تكن أيضًا بمحل للإشارة التي تكون لرد السلام؛ لأنها تكون كرد السلام، وقد قلنا: إن ردَّ السلام كالكلام، فالكلام ممنوع فالسلام مثله، ورده كذلك سواء كان قولًا أو إشارة، والدليل على ذلك أيضًا أن النبي ﵇ قد أمر المصلي بتسكين أطرافه في الصلاة كما في حديث جابر بن سمرة، ورد السلام بالإشارة تحريك للأطراف؛ لأن فيها رفع اليد وتحريك الأصابع، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﵇، وذلك لا يجوز، والله أعلم.
ثم إسناد أثر ابن عباس صحيح، وقد مر غير مرة أن خُشَيْشا بضم الخاء وفتح الشين الأولى وسكون الياء آخر الحروف، وكلها معجمات، وعارم -بالعين المهملة- لقب محمد بن الفضل شيخ البخاري، وقيس هو ابن سعد من رجال مسلم، وعطاء هو ابن أبي رباح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح: "أن رجلًا سلم على ابن عباس وهو في الصلاة فأخذ بيده فصافحه، وغمز بيده".
وقال أيضًا (٢): ثنا حفص، عن ليث، عن عطاء قال: "سلمت على ابن عباس وهو في الصلاة فلم يردّ عليّ، وبسط يده إليّ وصافحني".