وفي "المغني" لابن قدامة: ويستحب أن يجعل السواك أراكا أو عرجونا أو زيتونا أو عودا ينقي ولا يجرح ولا يتفتت، ولا يستاك بالرياحين ولا الرمّان ولا الأعواد الذكية؛ لأنه رُوي أنَّ السواك بعود الرياحين يحرك عرق الجذام، وقيل: السِّك بعود الرمّان يضر بلحم الفم، فإنْ استاك بإصبعه أو بخرقة لم يُصِبْ السُّنَّة، وقيل: يكون مصيبا. انتهى (١).
وقال صاحب "الهداية": وعند فقده يُعالج بالإصبع.
أيّ عند عدم السواك يزاول بالإصبع.
وروى الطبراني في "الأوسط" (٢): من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن يَسَار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ثنا أصحاب محمَّد ﵇، عن نبي الله ﵇ مثل ذلك.
ش: إسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره، ويحيى بن حماد بن أبي الزناد الشيباني، شيخ البخاري، وأبو عوانة الوضاح، وسليمان هو الأعمش، وعبد الله ابن يَسَار -بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الجهني، وثقه ابن حبان.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عُبَيدة بن حميد، ثنا الأعمش، عن عبد الله بن يَسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بعض أصحاب النبي ﵇ رفعه قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لفرضت على أمتي السواك كما فرضت عليهم الطهور".
стр. 387
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن خلف الطُّفَاوي، قال: نا هشام ابن حسّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، مثله.
ش: عبد الله بن خلف ذكره في "الميزان" وقال: في حديثه وهم ونكارة.
والطُّفَاوِي -بضم الطاء- نسبة إلى طُفاوة حيَّ من قيس غيلان.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا محمد بن صالح بن النطاح، ثنا أرطاة أبو حاتم، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وروى أحمد في "مسنده" (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبي ﵇ قال: "عليكم بالسواك فإنه مَطيبة للفم، ومرضاة للربّ ﵎".
ص: قال أبو جعفر ﵀: هذا حديث غريب ما كتبناه إلَّا عن ابن مرزوق.
ش: أشار به إلى حديث ابن عمر هذا الذي رواه عن إبراهيم بن مرزوق، قال ابن منده: الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث سمي غريبا، وإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزا، وإذا روى الجماعة عنهم حديثا سمي مشهورا.
وقال ابن الصلاح: الحديث الذي ينفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب، وكذلك الحديث الذي ينفرد به بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره، إما في متنه وإما في إسناده، ثم إنَّ الغريب ينقسم إلى صحيح؛ كالأفراد المخرجة في "الصحيح"، وإلى غير صحيح وذلك هو الغالب على الغرائب.
стр. 388
وينقسم الغريب أيضًا من وجه آخر، فمنه ما هو غريب متنا وإسنادا، وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راوٍ واحد، ومنه ما هو غريب إسنادا لا متنا؛ كالحديث متنه معروف مروي عن جماعة من الصحابة إذا انفرد بعضهم بروايته عن صحابي آخر كان غريبا من ذلك الوجه، مع أنَّ متنه غير غريب، ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهذا الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أرى هذا النوع ينعكس فلا يُوجد إذن ما هو غريب مَتْنا وليْس غريبًا إسنادا، إلَّا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرّد به فرواه عنه عددٌ كثيرون، فإنه يصير غريبا مشهورا، وغريبا متنا وغير غريب إسنادا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإنّ إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث: "إنما الأعمال بالنيّات" (١) وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشتهرة، ومُراد الطحاوي ها هنا تفرّد عبد الله بن خلف الطُفاوي، عن هشام بن حسّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وغيره يروي عن هشام عن عبيد الله، عن نافع، عن أبي هريرة ﵁.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن محمد بن [إبراهيم بن] (٢) الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذا إسناد لا بأس به؛ لأن محمد بن إسحاق مدلِّس، ولم يصرّح بالتحديث إلَّا أنَّ الترمذي صححه كما يجيء الآن، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
стр. 389
وأخرجه أبو داود (١): عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجُهني، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وأخرجه الترمذي (٢): عن هنّاد، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه، وزاد: "ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل. قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم لصلاة إلَّا استنّ، ثم يردّه إلى موضعه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه الحاكم أيضًا وصحّحه (٣).
ص: حدثنا عليّ، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سَعيد المَقْبري، عن عطاء مولى أم صُبَيَّة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح؛ صرَّح ابن إسحاق بالتحديث، وعطاء مولى أم صُبَيَّة وثقه ابن حبان.
والحديث أخرجه الجماعة بأسانيد مختلفة على ما نذكرها.
وبهذا الإسناد أخرجه البيهقي (٤): وقال: أنا أبو طاهر، أنا أبو حامد، نا محمَّد ابن يحيى، أنا أحمد بن خالد، نا محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صُبَيَّة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لولا أني أكره أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء".
стр. 390
ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لولا أنْ يُشَقُّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن أبي عقيل عبد الغني.
وأخرجه البيهقي (١): عن أبي الحسن محمَّد بن الحسين بن داود العلوي، عن أبي النضر محمَّد بن محمَّد بن يوسف الفقيه، عن الحارث بن أبي أسامة، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد ... إلى آخره نحوه.
ثم قال: وهكذا رواه الشافعي في رواية حرملة مرفوعا، وهو في الوطأ بهذا الإسناد موقوف دون ذكر الوضوء.
وقال أبو عمر في "التمهيد" (٢): مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة أنه قال: "لولا أنْ يَشُقَّ على أمته لأمرهم بالسِّواك مع كل وضوء" وهذا مُدْخل في المسند عند جميعهم لاتصاله من غير ما وجهٍ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك، وممّن رواه كذلك كما رواه يحيى: أبو المصعب، وابن بُكير، والقعنبي، وابن القاسم، وابن وهب، وابن [نافع] (٣) ورواه معن بن عيسى، وأيوب بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي، وحوثرة، وأبو قرة موسى بن طارق، وإسماعيل بن أبي أويس، ومطرف بن عبد الله اليَساري الأصم، وبشر بن عمر، ورَوْحُ [بن] (٤) عبادة، وسعيد بن عُفَير، عن مالك.
وسحنُون، عن ابن القاسم، عن مالك بإسناده، أنَّ رسول الله ﵇ قال: "لولا أنْ يشُقُّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك مع كل وضوء". وبعضهم يقول: "مع كل صلاة".
стр. 391
قوله: "مع كل صلاة" أيّ عند كل صلاة، وكلمة "مع" أصلها للمصاحبة، وتجيء بمعنى عند، وهو معناها.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا بشر بن عمر، قال ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﵇ قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وقد اختلفت الرواية كما تراها، ففي الأولى: "مع كل صلاة"، وها هنا: "مع كل وضوء".
ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني أنس بن عياض، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لولا أنْ أشق على أمتي. لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
ش: إسناده صحيح، وأنس بن عياض بن ضمرة المدني روى له الجماعة، ومحمد ابن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبد الله المدني، روى له الجماعة -البخاري مقرونا بغيره ومسلم في المتابعات- وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن.
وأخرجه الترمذي (١): عن أبي كريب، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة ... إلى آخره نحوه.
وقال: وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنه روي من غير وجه.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر ... إلى آخره.
стр. 392
وأخرجه ابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن يحيى، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك مع الوضوء، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل -أو شطر الليل-".
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: ثنا ابن عُيَيْنة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يرفعه مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، والفريابي محمَّد بن يوسف، وابن عُيينة هو سفيان، وأبو الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
وأخرجه أبو داود (٣): عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يرفعه قال: "لولا أنْ أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة".
وأخرجه مسلم (٤): عن قتيبة وعمرو (بن) (٥) الناقد وزهير بن حرب، كلهم عن سفيان ... إلى آخره نحوه، قال: وفي حديث زهير: "على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
стр. 393
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
والنسائي (٢): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك ... إلى آخره.
قوله: "يرفعه" أيّ يرفع أبو هريرة هذا الحديث إلى رسول الله ﵇ وهذه جملة فعلية وقعت حالًا، وفعلها مضارع مُثْبت، لا يحتاج إلى الواو.
وقال الخطيب: قول التابعي: يرفع الحديث، ويُنْميه، ويبلغ به، كلها كناية عن رفع الصحابي للحديث، وروايته إياه عن رسول الله ﵇ ولا يختلف أهل العلم أنَّ الحكم في هذه الأخبار وفيما صرّح برفعه سواء، في وجوب القبول والتزام العمل.
ثم اعلم أنَّ الطحاوي أخرج حديث السواك عن ستة من الصحابة، وهم: عبد الله بن حنظلة، وعلي بن أبي طالب، وبعض أصحاب النبي ﵇، وعبد الله بن عمر، وزيد بن خالد، وأبو هريرة ﵁.
وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وابن عباس، وحذيفة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، وأبي موسى، وعامر بن ربيعة، وبهز، وربيعة بن أكثم، ومليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده، وسليمان بن صُرَد بن الجَوْن، وسَهل بن سَعْد، وجَابرٍ، وعبد الله بن الزبير، ومُحْرِزٍ، وأسامة، وكَثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وأبي سعيد الخدري، ومعاذ بن جبل، وأبي خَيْرة الصُّبَاحِي، والعباس بن عبد المطلب، وشيخ من الأنصار، وعمَّار بن ياسر، وجبير بن مُطعم، وَوَضِين، وعبد الله بن جَراد، وعبد الله بن عمرو بن حَلْحَلة، ورافع بن خَديج، وعبد الله بن مسعود، وسعيد وعامِر بن واثلة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وتمام بن عباس، وجعفر بن أبي طالب، وعائشة، وأم حبيبة، وزينبْ بنت جحْش، وأم سلمة ﵃.
стр. 394
فحديث أبي بكر ﵁ عند أحمد (١): عن أبي كامل، عن حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق ﵁ أنَّ النبي ﵇ قال: "السِّواك مَطهرة للفم مرضاة للرب".
وحديث ابن عباس عند ابن ماجه (٢): عن سفيان، عن وكيع، عن عثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ يصلي بالليل ركعتن ركعتين، ثم ينصرف فيستاك".
وحديث حذيفة: عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن هُشيم، عن حُصين، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان، قال: "كان رسول الله ﵇ إذا قام فتهجد، يشوص فاه بالسواك".
وأخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥)، وأبو داود (٦)، والنسائي (٧).
وحديث أنس بن مالك: عند البخاري (٨): عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇ ﷺ : "أكثرت عليكم في السواك".
وأخرجه النسائي (٩) أيضًا.
стр. 395
وحديث عبد الله بن عمرو: عند أبي نعيم من حديث إبراهيم بن سليمان بن هشام الإفريقي، عن معاوية بن صالح، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو، أنَّ رسول الله ﵇[قال] (١): "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وحديث واثلة بن الأسقع: عند الطبراني في "الكبير" (٢): عن أبي خليفة، عن علي بن المديني، عن إسماعيل بن إبراهيم وجرير، عن ليث، عن أبي بريدة، عن أبي المليح، عن واثلة قال: قال رسول الله ﵇: "لقد أُمِرْتُ بالسواك حتى لقد خشيت أنْ يُكتب عليّ".
وأخرجه أحمد أيضًا (٣).
وحديث أبي موسى الأشعري ﵁: عند البخاري (٤): بإسناده إليه قال: "أتيت النبي ﵇ فوجدته يستنّ بسواك بيده يقول: أُعْ أُعْ، والسواك في فِيه كأنه يتهوّع".
وأخرجه مسلم (٥)، وأبو داود (٦)، والنسائى (٧): بألفاظ مختلفة.
وحديث عامر بن ربيعة: عند الطبراني (٨): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، وعن علي بن عبد العزيز، عن أبي نُعيم، وعن
стр. 396
سفيان، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله ﵇ يَسْتاك وهو صائم ما لا أُحْصِي".
وحديث بَهْز: عند الطبراني (١): أيضًا بإسناده إليه قال: "كان رسول الله ﵇ يستاك عرضا".
وحديث ربيعة بن أكثم: عند البيهقي في "سننه" (٢): بإسناده إليه قال: "كان رسول الله ﵇ يَسْتاك عرضا ويَشْرَبُ مَصّا ويقى: هو أهنأ وأمرأ".
وحديث مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده عند البزار في "مسند" (٣): بإسناده إلى مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﵇: "خمس من سنن المرسلين: الحياء والعلم والحماسة والسواك والتعطر". وحديث سليمان بن صُرَد: عند الطبراني في "الأوسط" (٤): بإسناده إليه يرفعه: "استاكواو نظفوا ... ".
وحديث سهل بن سعد عنده أيضًا في "الكبير" (٥) و"الأوسط" (٦) بإسناده إليه قال: قال رسول الله ﵇: "أمرني جبريل ﵁ بالسواك حتى ظننتُ أني سأدْرَد".
قلت: هو من دَرِدَ الرجل: إذا سقطت أسنَانُه، فهو أَدْرَدُ.
стр. 397
وحديث جابر: عند البيهقي في سننه (١): من حديث سفيان، عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر قال: "كان السواك من أذن النبي ﵇ موضع القلم من [أذن] (٢) الكاتب".
وحديث عبد الله بن الزبير: عند ابن أبي شيبة (٣): بإسناده إليه عن النبي ﵇ قال: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وحديث محرز -غير منسوب-: عند ابن منده وأبي نُعَيْم (٤) بإسنادهما عن عكرمة قال: "جاءني محرز ذات ليلة عشاء، فدعونا له بعَشاء، فقال محرز: هل عندكم سواك؟ فقلنا: ما تصنع به هذه الساعة؟! فقال: إنَّ رسول الله ﵇ ما نامَ ليلة حتى (تسوّك) (٥) ".
وحديث أسامة: عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦): بإسناده إلى أبي عتيق، عن جابر قال: "كان يَسْتَاكُ إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصبح، قال: فقلت له: قد شقَقْتَ على نفسك بهذا السواك. فقال: إنَّ أسامة أخبرني، أنَّ رسول الله ﵇ كان يستاك هذا السواك".
وحديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده: عند الطبراني في "الأوسط" (٧): بإسناده إلى كثير بن عبد الله بن عَمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : " (تجري الأصابع) (٨) مجرى السواك إذا لم يكن سواك".
стр. 398
وحديث أبي سعيد الخدري: عند أحمد في "مسنده" (١): بإسناده إلى عبد الرحمن ابن سعيد، عن أبيه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك وأنْ يمس من الطيب ما يقدر عليه".
وحديث معاذ بن جبل: عند الطبراني في "الأوسط" (٢): بإسناده إليه قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "نعم السواك الزيتون؛ من شجرة مباركة، يطيب الفم ويُذهب بالحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي".
وحديث أبي خَيْرةَ الصُّباحي: عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (٣): بإسناده إليه قال: "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﵇[من عبد قيس] (٤) فزوَّدنا بالأراك نستاكُ به ... " الحديث.
وحديث العباس بن عبد المطلب ﵁: عند البزار (٥) بإسناده إليه قال: "كانوا يدخلون على رسول الله ﵇ ولم يَسْتاكوا، فقال: تدخلون عليَّ قلحا؟! استاكوا فلولا أنْ أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء".
وأخرجه الطبراني (٦) وأبو يعلى (٧).
قلت: القُلْح -بضم القاف وسكون اللام- جمع أقلح، من قَلِح الرجل -بالكسر قَلَحا- بالتحريك- وهو صفرة في الأسنان.
стр. 399
وحديث شيخ من الأنصار: عند أحمد في "مسنده" (١): نا وكيع، عن سفيان، عن سَعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن شيخ من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ : "حق على كل مسلم: الغسل، والطيب، والسواك، يوم الجمعة".
وحديث عمار بن ياسر: عند أحمد (٢)، وأبي داود (٣)، وابن ماجه (٤): في خصال الفطرة أنَّ رسول الله ﵇ قال: "من الفطرة -أو الفطرة-: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك ... " الحديث.
وحديث جبير بن مطعم: عند ثابت بن أبي ثابت السَّرَقُسْطي في كتاب "الدلائل" له: ثنا موسى بن هارون، ثنا محمَّد بن الصباح، ثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أُمِرْتُ بالسِّواك حتى خشيتُ أنْ يُدَردِرني" وأبو الحويرث ضعيف، والدَرْدرة: ذهاب الأسنان.
وحديث وَضين: عند أبي مسلم اللَيثي في "سننه": عن عبد العزيز بن خطاب، عن مندل، عن أبي رجاء، عن وضين قال: قال رسول الله ﷺ : "طيِّبوا أفواهكم؛ فإنّ أفواهكم طريق القرآن" (٥).
وحديث عبد الله بن جراد: عند أبي نُعَيم: عن يَعلى بن الأشدق، عن عبد الله ابن جراد، عن النبي ﵇ قال: "السِّواكُ من الفطرة".
стр. 400
حديث عبد اللهَ بن عمرو بن حلحلة، ورافع بن خديج: عند أبي نعيم (١): أيضًا من حديث القاسم بن مالك المزني، نا محمَّد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز ابن صهيب قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن حلحلة ورافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : "السِّواك واجب، وغسل الجمعة واجب على كل مسلم".
وحديث عبد اللهَ بن مسعود: عند أبي يعلى الموصلي (٢): من حديث زِرٍّ عنه: "كنت أجتني لرسول الله ﵇ سواكا من أراك ... " ورواه أحمد (٣) أيضًا.
وحديث سعيد وعامر بن واثلة: عند أبي نعيم: أخرجه عن العاص أبي أحمد محمَّد بن أحمد بن إبراهيم، عن علي بن الحسن العجلي، عن محمَّد بن طريف، عن محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد وعامر بن واثلة يرفعانه عن النبي ﵇ قال: "لقد أمرت بالسواك حتى خشيت على فمي".
وحديث أبي أمامة: عند ابن ماجه (٤): عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، أنَّ رسول الله ﵇ قال: "تسوكوا؛ فإنّ السواك مَطهرة للفم، مرضاة للربّ، ما جاءني جبريل ﵇ إلَّا أوصاني بالسواك ولقد خشيت أنْ يفرض على أمتي، ولولا أني أخاف أنْ أشق على أمتي لفرضته عليهم، وإني لأستاك حتى إني لقد خشيت أنْ أحفي مقادم فمي".
وحديث أبي أيوب: عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): ثنا يزيد بن هارون، عن حجاج، عن مكحول، قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله ﵇: "أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحِنّاء".
стр. 401
وحديث تمام بن العباس: عند البزار (١): بسند جيد عن تمام بن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﵇: "ما لي أراكم تدخلون عليّ قلحًا؟! استاكوا". وأعلّه ابن القطان بأبي علي الصَّيْقل في إسناده وليس بجيد؛ لعرفان حاله.
وحديث جعفر بن أبي طالب: عند محمَّد في "آثاره" (٢) وقال: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثني أبوعلي، عن تمام، عن جعفر بن أبي طالب، عن النبي ﵇ أنه قال: "ما لي أراكم تدخلون عليَّ قلحًا؛ استاكوا، ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا عند كل صلاة".
وأخرجه الدارقطني في "الغرائب".
وحديث عائشة ﵂: عند مسلم (٣): نا أبو كريب محمَّد بن العلاء، ثنا ابن بشر، عن مسْعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: "سألت عائشة، قلت: بأيّ شيء كان يبدأ النبي ﵇ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك".
وأخرج أبو يعلى في "مسنده" (٤): بإسناد صحيح، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "السواك مطهرة للفم مرضاة للربّ".
стр. 402
وأخرج البزار في "مسنده": عنها -بإسناد فيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف- عن النبي ﵇ قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وحديث أم حبيبة: عند أحمد في "مسنده" (١): عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني محمَّد [بن]، (٢) طلحة بن يزيد بن ركانة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة أنها حدثته، قالت: سمعت رسول الله ﵇: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وأخرجه أبو يعلى (٣) أيضًا.
وحديث زينب بنت جحش: عند أحمد (٤): أيضًا بإسناد جيد، من رواية أبي الجراح مولى، أم حبيبة، عنها، عن زينب بنت جحش [قالت] (٥) سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضئون".
وحديث أم سلمة: عند الطبراني في "الكبير" (٦): بإسناده إليها أنها قالت: قال رسول الله ﵇: "ما زال جبريل ﵇ يُوصّيني بالسواك حتى خفت على أضراسي".
ص: فثبت بقوله: ﷺ : "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أنَّه لم يأمرهم بذلك، وأنَّ ذلك ليس عليهم، وأَنَّ ارتفاع ذلك عنهم وهو المجعول بدلا من الوضوء لكل صلاة؛ دليل على أنَّ الوضوء لكل صلاة لم يكن عليهم، ولا أُمِروا به، وأنَّ المأمور به النبي ﵇ دونهم، وأنَّ حكمه كان في ذلك غير
стр. 403
حكمهم، فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار وقد ثبت بذلك ارتفاع وجوب الوضوء لكل صلاة.
ش: وجه ثبوت عدم أمره ﵇ إياهم بالسواك ظاهر من ظاهر الحديث، وفي ارتفاع السواك عنهم والحال أنَّه كان بدلا من الوضوء لكل صلاة كما في حديث عبد الله بن حنظلة المذكورة دليل على أنَّ الوضوء لكل صلاة لم يكن واجبا عليهم، ولا أنهم أمروا بذلك بل المأمور به هو النبي ﵇ فإذا كان كذلك يثبت ارتفاع وجوب الوضوء لكل صلاة.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا الوضوء طهارة من حدث، فأردنا أنْ ننظر في الطهارات من الأحداث كيف حكمها؟ وما الذي يَنْقُضُها؟ وجدنا الطهارات التي توجبها أحداثُ على ضربين: فمنها الغسل، ومنها الوضوء، فكان من جَامَع أو أَجْنَبَ وجبَ عليه الغسل، وكان من بالَ أو تغوَّطَ وجبَ عليه الوضوء، فكان الغسلُ الواجبُ بما ذكرنا، لا تنقضه مرور الأوقات ولا تنقضه إلَّا الأحداث، فلما ثبت أنَّ حكم الطهارة من الجماع والاحتلام كما ذكرنا، كان في النظر أيضًا أنْ يكون [حكم] (١) الطهارات من سائر الأحداث كذلك وأنه لا ينقض ذلك مرور الوقت، كما لا ينقض الغسل مرور وقت.
ش: ملخصه على وجه التحرير: أنَّ الطهارة من الأحداث على نوعين: طهارة يرى وهو الغسل، وطهارة صغرى وهو الوضوء، فالموجب في الأولى: خروج المني على وجه الدفق، والشهوة، والتقاء الختانين، وفي الثانية: البول والغائط ونحوه.
ثم إنه إذا تطهر في الأولى، لا ترتفع طهارته تلك بمرور الأزمان، إلَّا إذا وُجِدَ الحدث، فكذلك في القياس، ينبغي أنْ يكون في الصغرى كذلك، بألَّا ترتفع بمرور الأزمان إلَّا بالحدث؛ قياسا على الكبرى؛ لأنها أختها ونظيرتها فافهم.
стр. 404
ص: وحجة أخرى: أنّا رأيناهم أجمعوا أنَّ المسافر يُصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يُحدث، وإنما اختلفوا في الحاضر، فوجَدْنا الأحداث من الجماع والاحتلام والغائط والبول وكل ما إذا كان من الحاضر كان حدثًا يوجب به عليه طهارة، فإنه إذا كان من المسافر كان كذلك أيضًا، ووجب عليه من الطهارة ما يجب عليه لو كان حاضرا، رأينا طهارة أخرى يَنقضها خروجُ وقتٍ، وهي المسح على الخفين، فكان الحاضرُ والمسافر في ذلك سواء، ينقضُ طهارتَها خروج وقت ما، وإنْ كان ذلك الوقت في نفسه مختلفا في الحضر والسفر، فلما ثبت أنَّ ما ذكرنا كذلك، وأنَّ ما ينقض طهارة الحاضر من ذلك ينقض طهارة المسافر، وكان خروج الوقت عن المسافر لا ينقض طهارته؛ كان خروجه عن المقيم أيضًا كذلك؛ قياسا ونظرا على ما بَيَّنَّا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: لما ادعت أهل المقالة الأولى وجوب الوضوء لكل صلاة على الحاضرين دون المسافرين، أشار بهذه الحجة إلى بطلان هذا الفرق بالوجه الذي يقتضيه النظر والقياس، تحريره: أنَّ الكل متفقون على أنَّ المسافر يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يُحدث، واختلافهم في الحاضر، ومتفقون على أنَّ كل ما هو حدث في حق الحاضر مما يُوجب عليه الطهارة؛ فإنه في حق المسافر كذلك، ومتفقون أنَّ المسح على الخفين طهارة ينقضها خروج الوقت، يعني تمام المدة، وإنْ كانت المدة في نفسها مختلفة، فإذا ثبت هذا وثبت أنَّ ما ينقض طهارة الحاضر ينقض طهارة المسافر، وكان خروج وقت الصلاة عن المسافرلا ينقض طهارته؛ حتى لم يكن يحتاج إلى الوضوء إلَّا بالحدث، كان خروجه عن المقيم كذلك لا ينقض طهارته ما لم يحدث؛ قياسا عليه ونظرا.
قوله: "فوجدنا الأحداث من الجماع" أيّ الأحداث الحاصلة من الجماع ... إلى آخره.
قوله: "وكلُّ ما إذا كان من الحاضرِ" بالرفع مبتدأ، وخبره: قوله: "فإنه إذا كان من المسافر" ودخلت الفاء لتُضَّمِّن المبتدأ معنى الشرط.
стр. 405
قوله: "خروج وقت ما" أيّ وقت من الأوقات، و"ما" ها هنا نكرة وقعت صفة لوقت.
قوله: "وإنْ كان ذلك الوقت في نفسه مختلفا في الحضر والسفر" لأنه في حق المقيم يوم وليلة، وفي حق المسافر ثلاثة أيام ولياليها.
ص: وقد قال بذلك جماعة بعد رسول الله ﷺ .
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس بن مالك: "أنَّ أصحاب أبي موسى الأشعري توضئوا وصلوا الظهر، فلما حضر العصر قاموا ليتوضئوا، فقال لهم: ما لكم، أحدَثتم؟ فقالوا: لا. قال: الوضوء من غير حدث؟ ليوشك أنْ يَقْتُل الرجل أباه، وأخاه، وعمه، وابن عمه، وهو يتوضأ من غير حدث".
ش: أيّ قال بعدَمِ وُجُوب الوضوء لكل صلاة من غير حدث جماعة من الصحابة والتابعين ﵃ فمن ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري، واسمُه: عبد الله بن قيس، أخرجه الطحاوي عن محمَّد بن خزيمة بإسناد صحيحٍ على شَرْط مسلمٍ.
وحجاجُ هو ابن المنهال، وحمادٌ هو ابن سلمة وأبو عمران اسمُه عبد الملك بن حبيب البصري، روى له الجماعة، والجَوْني نسبة إلى جَوْن -بفتح الجميع، وسكون الواو، وفي آخره نون- أحد الأجداد.
قوله: "ما لكم" استفهام على سبيل الإنكار، أيّ: ما لكم، أو ما أصابكم، فكأنه أنكر عليهم وضوءهم ذلك.
قوله: "أحدثتم" أصله أأحدثتم بهمزة الاستفهام.
قوله: "الوضوءُ من غير حدثٍ" ارتفاع الوضوء بالابتداء، وخبره "من غير حدث" ومتعلقه محذوف، أيّ: الوضوء يفعل من غير حدث؟ وتكون الجملة في موضع الاستفهام على سبيل الإنكار، ويجوز أنْ يكون ارتفاعه بالفعل المحذوف، أيّ: هل يفعل الوضوء من غير حدث؟!
стр. 406
ويجوز أنْ يكون منصوبا على تقدير: هل تفعلون الوضوءَ، أو تتوضئون الوضوءَ من غير حدث؟!
فأنكر عليهم ذلك ونسبهم إلى الجهل، ثم بالغَ في إنكاره بقوله: "ليوشك ... " إلى آخره.
فقوله: "ليُوشِك" بكسر الشين، وفتحها لغة عَاميّة، وهو من أفعال المقاربة.
قال الجوهري: أوشك فلان، يُوشِك إيشاكا، أيّ أسْرع، ومنه قولهم: يوشك أنْ يكون كذا، وفي "المطالع": حكى بعضهم: وَشُك - بضم الشين أيّ أسْرع- وَشْكا وَوَشْكَانا بتثليث الواو فيهما، وأنكر الأصمعي أَوْشَكَ.
وخبرها فعل مضارع مقرون بـ"أنْ" غالبا، كعَسَى، وقد يجيء مجردا من "أنْ" كما فيما روى ابن ماجه في "سننه" (١): أنَّ رسول الله قال: "يُوشك الرجل متكئا على أريكته (يأتيه الأمر من أمري) (٢) ... " الحديث.
وقد عُلم أنَّ أحد استعمالي "عسى" أنْ يُذكر لها مرفوع فقط، فيستغني عن الخبر لاستعمال الإسم على المنسوب والمنسوب إليه، فكذلك "يوشك" ها هنا ذكر لها مرفوع فقط، وهو قوله: "أنْ يقتل الرجل أباه" كما تقول "عسى أنْ يخرج زيد" و"أنْ" مصدرية، والتقدير: قَرُب قتل الرجل أباه من الجهل، وهو يتوضأ من غير حدث، وهذه الجملة حال، أيّ حال كونه متوضئا من غير حدث، وهذه مبالغة عظيمة في غاية الإنكار، حتى جعل التوضؤ من غير حدث كقتل الوالد والأخ من الجهل، فإنْ قلت: هذا الإنكار العظيم يدل على أنَّ الوضوء من غير حدث ذنب عظيم؟ قلت: إنكار أبي موسى ﵁ إنما كان لأجل فعلهم بالجهل، واعتقادهم أنَّ بوضوء واحد لا تجوز إلا صلاة واحدة، والدليل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن مَعمر، عن قتادة، عن يونس بن
стр. 407
جُبَير أبي غلّاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: "كنا مع أبي موسى الأشعري ﵁ في جيش على ساحل دجلة، إذ حضرت الصلاة، فنادى مناديه للظهر، فقام الناس إلى الوضوء، فتوضأ ثم صلى بهم، ثم جلسوا حِلَقا، فلما حضرت العصر نادى منادي العصر، فَهَبَّ الناسُ للوضوء أيضًا، فأمَر منادِيه: ألا لا وضوء إلَّا على مَنْ أَحْدَث، قال: أوْشك العلم أنْ يذهبَ، ويَظهر الجهل، حتى يضرب الرجل أمه بالسيف من الجهل". انتهى.
فهذا صريح على أنَّ إنكاره إنما كان على فعلهم بالجهل، فلذلك أكد كلامه في الإنكار باللام، وتشبيه حال من يتوضأ من غير حدث بالجهل؛ بحال مَن يقتل أباه أو أخاه بالجهل، ثم إنه خص الأب والأخ والعم وابن العم، ولم يُشبّه بقتل النفس مطلقا بالجهل، وإنْ كان القتل بالجهل كله حراما؛ زيادة للمبالغة أيضًا؛ لأن قتل هؤلاء أعظم في النفس من قتل غيرهم، مع حرمان الإرث، ومن الدليل على ما قلنا أيضًا:
ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: "الوضوء من غير حدثٍ اعتداء".
أيّ ظلم، إذا كان عن جهل مثل ما ذكرنا، وإلَّا فالوضوء على الوضوء نور على نور، وقد ذكرنا ما رواه الطحاوي والترمذي من حديث عبد الله بن عمر "من توضأ على طهر؛ كتب الله له بذلك عشر حسنات" (٢). ولكن ذكروا أنَّ هذا الثواب إنما يحصل إذا فصل بين الوضوءين بصلاة، أيّ صلاة كانت؛ لأنه لم ينقل عنه ﵇ أنَّه توضأ لصلاة واحدة مرتين، قال أبو عمر في "التمهيد": لم يحفظ عنه ﵇ قط أنَّه توضأ لصلاة واحدة مرتين، وإنْ كان توضأ لكل صلاة.
стр. 408
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنسا يقول: "كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نُحْدث".
ش: إسناده صحيح، وأبو داود سليمان الطيالسي، وذكره الطحاوي هنا في هذا الباب بأتم منه حيث قال: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (١) أيضًا بنحوه، وقد ذكرناه.
وأخرجه البخاري (٢) ثنا محمَّد بن يوسف، قال: نا سفيان، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنسا.
ونا مُسَدّد، قال: نا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني عمرو بن عامر، عن أنس قال: "كان النبي ﵇ يتوضأ عند كل صلاة. قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث" وقد قال بعض شراح البخاري: المراد من سفيان هو الثوري؛ لأنّا لم نجد لابن عيينة عن عمرو رواية.
قلت: قد صرح الترمذي في روايته بأنه هو سفيان الثوري حيث قال: نا محمَّد بن بشار، نا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر ... إلى آخره.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني مسعود بن علي، عن عكرمة: "أنَّ سَعْدا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يُحْدِث".
ش: مَسعود بن علي وثقه ابن حبان، وسعدٌ هو ابن أبي وقاص ﵁.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن يحيى بن سعيد، عن مسعود بن علي، عن عكرمة، قال: قال سَعْدٌ: "إذا توضأت، فصلّ بوضوئك ما لم تُحْدِث".
стр. 409
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله، غيرَ أنَّه لم يذكر عكرمة، وزاد: "وكان عليّ ﵁ يتوضأ لكل صلاة ويتلو: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ " (١).
ش: أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا يحيى بن سعيد، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: قال سَعد: "إذا توضأت فصل بوضوئك ما لم تُحدث". وقال عليّ ﵁: "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ".
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن رجل من أهل مصر، قال: أخبرني فُضيل بن مرزوق الهمداني: "أنَّ عليّا ﵁ كان يتوضأ لكل صلاة".
قلت: هذا يرد كلام ابن شاهين حيث يقى: لم يبلغنا أنَّ أحدا من الصحابة والتابعن كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة إلَّا ابن عمر.
ويرده أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة (٤): نا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمَّد قال: "كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضئون لكل صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست".
ثنا (٥) وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة".
ص: قال أبو جعفر ﵀: وليس في هذه الآية عندنا دليل على وجوب الوضوء لكل صلاة؛ لأنه قد يجوز أنْ يكون قوله ذلك على القيام وهم محدثون، ألا ترى أنهم قد أجمعوا أنَّ حكم المسافر هو هذا؟ وأنَّ الوضوء لا يجب عليه حتى يحدث، فلما ثبت أنَّ هذا حكم المسافر في هذه الآية، وقد خوطب بها كما خوطب الحاضر؛ ثبت
стр. 410
أنَّ حكم الحاضر فيها كذلك أيضًا، وقد قال ابن الفَغْوَاء: إنهم كانوا إذا أحدثوا لم يتكلموا حتى يتوضئوا، فنزلت هذه الآية ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) فأخبر أنَّ ذلك إنما هو لقيام إلى الصلاة بعد حدثٍ.
ش: هذا جواب عَمّا رُوي من فعل علي ﵁ أنَّه كان يتوضأ لكل صلاة، ويحتج بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (٢) وتحريره: أنَّ أهل المقالة الأولى احتجوا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عليّ ﵁ وليس في ذلك دليل على ما قالوا؛ لأنه قد يجوز أنْ يكون المراد من قوله: هو القيام في حالة الحدث، ونحن أيضًا نقول: إذا قام إلى الصلاة وهو محدث فعليه أنْ يتوضأ، وإنْ تعدّد قيامه مع الحدث، ثم أوضح ذلك بقوله: "ألا ترى أنهم قد أجمعوا، أيّ أهل المقالتين أجمعوا أنَّ حكم المسافر هو أنَّه لا يجب عليه الوضوء إلَّا بالحدث، وإنْ مضى عليه أوقات، والحال أنَّه مخاطب بالآية كما أن المقيم مخاطب بها، فإذا ثبت حكم المسافر على ما ذكرنا كان حكم الحاضر كذلك؛ لشمول الخطاب إياهما، ثم أكد ما ذكره من قوله: إنَّ المراد هو القيام إلى الصلاة وهم محدثون، بما قال ابن الفغواء، أنهم -أيّ الصحابة- كانوا إذا أصابهم الحدث، لم يتكلموا حتى يتوضئوا؛ فنزلت هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (١) فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك لأجل القيام إلى الصلاة بعد حدث لا لمطلق القيام، على ما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم.
وابن الفغواء هو عمرو بن الفغواء، ويقال: ابن أبي الفغواء، والد عبد الله بن عمرو بن الفغواء، له صحبة، وهو بالفاء ثم الغين المعجمة.
وقد قال أبو بكر الرازي: الآية غير مستعملة على حقيقتها؛ لأن فيها مضمرا يتعلق إيجاب الطهارة به، وهو النوم، والتقدير: إذا قمتم من النوم، وأراد به نوم
стр. 411
النائم المضطجع؛ لأن من نام قاعدا، أو ساجدا، أو راكعا، لا يقال: إنه قام من النوم؛ لأن السلف وسائر فقهاء الأمصار اتفقوا على نفي إيجاب الوضوء على من نام قاعدا، غير مستندٍ إلى شيء، وروى عطاء عن ابن عباس ﵁: "أنَّ رسول الله ﵇ أخّر صلاة العشاء ذات ليلة حتى نام الناسُ، ثم استيقظوا، فجاء عمر- ﵁ فقال: الصلاة يا رسول الله، فخرج وصل" (١) ولم يذكر أنهم توضأوا.
وروى قتادة، عن أنس ﵁ قال: "كنا نجيء إلى مسجد رسول الله ﵇ ننتظر الصلاة، فمنا مَنْ نعس، ومنّا منْ نام، ولا نُعيد وضوءا".
وروى نافع عن ابن عمر قال: "لا يجب عليه الوضوء حتى يضع جنبه وينام" ثم إنما كان نوم المضطجع حدثا؛ لاسترخاء مفاصله، فلا يؤمن منه خروج الريح، فإذا كانت العلة هذا يدخل في مضمر الآية إيجاب الوضوء من الريح، والغائط، والبول، والمذي، والمني، ودم الاستحاضة، فكل هذه أحداث، يشتمل عليها مضمر الآية، ويؤخذ من هذا أنَّ النوم حدث، وبه قال علماء الأمة، إلَّا ما روي عن أبي موسى الأشعري أنَّه لم يكن يراه حدثا، ولم يثبت ذلك ... انتهى.
واعلم أنَّ العلماء اختلفوا في النوم هل ينقض الوضوء أم لا؟ على مذاهب:
أحدها: أنَّ النوم لا ينقض الوضوء بحال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيّب، وأبي مجلز، وحميد بن عبد الرحمن، والأعرج، قال ابن حزم: وإليه ذهب الأوزاعي، وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وغيرهم، منهم: ابن عمر، ومكحول، وعَبِيدَة السَلْماني.
وادّعى بعضهم الإجماع على خلافه، وهو غير جيد؛ لِمَا روى أنس: "كان أصحاب رسول الله ﵇ ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقومون إلى الصلاة".
стр. 412
قال ابن القطان: رواه قاسم بن أصبغ، عن محمَّد بن عبد السلام، ثنا ابن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة وهو كما ترى صحيح من رواته (١).
وعند البزار "يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ". ولما ذكر الأثرم لأبي عبد الله هذا، تبسّم وقال: هذا لمن لا يضعون جنوبهم.
وقال الطبري: فبان بهذا الحديث أنَّ من استغرق في نومه مضطجعا أو جالسا توضأ.
وزاد أحمد بن عبيد في "مسنده": من جهة يحيى بن سعيد، عن قتادة، عنه: "على عهد رسول الله ﵇ وعند البيهقي (٢): "كان الصحابة يوقَظُون للصلاة وإني لأسمع غطيطا، ثم يصلون ولا يتوضئون" وفي آخره قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس.
قال البيهقي وعلى هذا حمله عبد الرحمن بن مهدي والشافعي.
وذكره أيضًا الطبري في "التهذيب": عن هُشَيْم. ولكن يعارضه ما رواه أبو عيسى" (٣): من حديث أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية عن ابن عباس: "أنَّه رأى رسول الله ﵇ نام وهو ساجد حتى غطّ -أو نفخ- ثم قام فصل، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت. قال: إنَّ الوضوء لا يجب إلَّا على من نام مضطجعا؛ فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله".
قال أبو عيسى (٤): رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه.
стр. 413
وفي "مسند دعلج": سمعت موسى بن هارون يقول: هذا حديث منكر، لا نعلم أحدا رواه إلَّا الدالانيّ.
ولفظه عند "البيهقي" (١): "لا يجب الوضوء على من نام جالسا أو قائما أو ساجدا؛ حتى يضع جنبه؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله". وقال: تفرّد به على هذا الوجه الدالانيُّ.
وقال أبو داود (٢): قوله: "الوضوء على من نام مضطجعا" هو منكر.
قال: وذكرته لأحمد بن حنبل، فقال: ما للدالاني يُدِخل على أصحاب قتادة، ورأيته لا يعبأ بهذا الحديث، زاد في "التفرد": لم يسمع قتادة هذا من أبي العالية، ولم يجىء به إلَّا يزيد. انتهى.
وذكر الدارقطني له متابعا (٣) -مع قوله أيضًا: تفرد به- وهو مقاتل بن سليمان، ويعقوب بن عطاء، فلا تفرد إذن على هذا، والله أعلم.
وقال شعبة (٤): إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث ليس هذا منها.
وقال البخاريُّ (٥): هذا لا شيء، ولا نعرف لأبي خالد سماعا من قتادة.
وقال الدارقطني (٦): تفرد به الدالاني ولا يصح.
стр. 414
وقال البيهقي: أنكره على أبي خالد جميع الحفاظ. وقال ابن الحصَّار: هذا منكر، وليس بمتصل الإسناد.
وقال ابن المنذر: لا يثبت.
وقال ابن أبي داود: هذا الحديث معلول، لم يسمع قتادة من أبي العالية إلَّا أربع أحاديث معروفة ليس هذا منها، وهذا مرسل من قتادة.
وقال أبو عمر: حديث أبي خالد هذا عند أهل الحديث منكر.
وفي كتاب البيهقي (١) عن أبي هريرة "من استحق النوم؛ فقد وجب عليه الوضوء؛ فسئل عن استحقاق النوم، فقال: هو أنْ يضع جنبه". قال البيهقي: ورُوي مرفوعًا أيضًا ولا يصح.
ولفظه عند ابن عدي (٢): "إذا وضع أحدكم جنبه فليتوضأ".
وقال الحربي: هذا حديث منكر.
وعند الدراقطني (٣): من حديث يعقوب بن عطاء -وهو ضعيف- عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله ﵇ قال: "من نام جالسا فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء".
وعند البيهقي (٤) مُضَعَّفا: عن حذيفة مرفوعا: " ... حتى تضع جنبك".
قال ابن حزم: وبه قال داود: إنَّ النوم لا ينقض الوضوء إلَّا نوم المضطجع فقط، وهو قول رُوي عن عمر بن الخطاب وابن العباس، ولم يصح عنهما، وعن ابن عمر وصَحّ عنه، وصح عن النخعي، وعطاء، والليث، والثوري، والحسن بن حيّ.
стр. 415
الثاني: أنَّ النوم ينقض الوضوء على كل حال، وهو مذهب الحسن، والمزني، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهوية.
قال ابن المنذر: وهو قول غريب للشافعي، قال: وبه أقول، قال: ورُوي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة.
وقال ابن حزم: النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُرَ، قاعدا أو قائما، في صلاة أو غيرها، أو راكعا أو ساجدا، أو متكئا، أو مضطجعا، أيقن من حواليه أنَّه لم يحدث أو لم يوقنوا، برهان ذلك حديث صفوان.
يعني المذكور عند ابن خزيمة في "صحيحه" (١) وكذلك عند ابن حبان (٢).
وقال الحاكم (٣): صحيح على شرط الشيخين وإنما لم يخرجاه لتفرد عاصم به عن زرّ، عن صفوان: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلَّا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم". انتهى كلامه.
وفيه نظر؛ لأنا قد رأينا غير عاصم رواه عن زرّ، وهو المنهال بن عمرو -فيما ذكره ابن السكن في كتاب "الحروف"- وحبيب بن أبي ثابت عند الطبراني (٤).
قال ابن حزم: وهو قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة، وعطاء، والحسن، وابن المسيب، وعكرمة، ومحمد بن شهاب في آخرين.
الثالث: كثير النوم ينقض وقليله لا ينقض بكل حال. قال ابن المنذر: وهو مذهب الزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين.
стр. 416
وعند الترمذي (١): قال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء. وبه يقول إسحاق.
الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لا ينتقض وضوءه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، فإنْ نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه انتقض، وهو قول أبي حنيفة، وداود، وقول غريب للشافعي، وقاله أيضًا حماد بن أبي سليمان، وسفيان.
قال ابن حزم: احتجوا بحديث لا يثبت رواه ابن عباس. وقد ذكرناه.
الخامس: لا ينقض إلَّا نوم الساجد، رُوي عن أحمد.
السادس: لا ينقض إلَّا نوم الراكع، وهو قول عن أحمد ذكره ابن التين.
السابع: من نام ساجدا في مصلاه فليس عليه وضوء، فإنْ نام ساجدا في غير مصلاه توضأ، فإنْ تعمد النوم ساجدا في الصلاة فعليه الوضوء، وهو قول ابن المبارك.
الثامن: لا ينقض النوم في الصلاة، وينقض خارج الصلاة، وهو قول للشافعي.
التاسع: إذا نام جالسا مُمَكِّنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قلّ أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي.
وقال ابن العربي: هذا كله في حقنا، فأما سيدنا رسول الله ﵇ فمن خصائصه: ألَّا ينقض وضوءه بالنوم مضطجعا ولا غير مضطجع.
ص: وحدثنا ابن مرزوق مرة أخرى، قال: ثنا عبد الصمد وبشْر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن مَسْعود بن علي ... بذلك ولم يذكر عكرمة.
ش: أشار بهذا إلى أنَّ إبراهيم بن مرزوق أسمعهم هذا الأثر مرتين، وليس فيهما ذكر عكرمة، كما ذكره أبو بكرة بكَّار القاضي في روايته حيث قال: ثنا أبو داود،
стр. 417
قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني مسعود بن علي، عن عكرمة: "أنَّ سعدا ... " غير أنَّه زاد في طريقه الواحد: "وكان علي ﵁ يتوضأ ... " إلى آخره.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمَّد: "أنَّ شريحا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد".
ش: إسناده صحيح، وأيوب هو السختياني، ومحمد هو ابن سيرين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "قلت لشريح: أأتوضأ لكل صلاة؟ قال: انظر ماذا يصنع الناس".
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن: "أنَّه كان لا يرى بذلك بأسا".
ش: إسناده صحيح، ويزيد بن إبراهيم التستري، أبو سعيد البصري، روى له الجماعة.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: "يصلي الرجل الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث، وكذلك التيمم".
قوله: "كان لا يرى بذلك بأسا" أيّ: بأن يصلي الصلوات بوضوء واحدٍ ما لم يحدث.
وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٣): ثنا حفص، عن ليث، عن عطاء والحسن ومجاهد: "أنهم كانوا يصلون الصلوات كلها بوضوء واحدٍ".
ثنا (٤) أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود قال: "كان له قعب يتوضأ به، ثم يُصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها".
стр. 418
ثنا (١) حفص، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة: "أنَّه كان يصلي الصلوات بوضوءٍ واحدٍ".
ثنا (٢) يحيى بن سعيد، عن مجالد، قال: "رأيت الشعبي يُصلي الصلوات بوضوءٍ واحدٍ".
ثنا (٣) وكيع، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم قال: "إني لأصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوءٍ واحدٍ، إلَّا أنْ أُحدث، أو أقول منكرا".
ثنا (٤) وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر قال: "تصلي الصلوات كلها بطهور واحد".
ثنا (٥) ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن: "أنَّه صلى الظهر والعصر -ولا أعلمه إلَّا قال: صلى المغرب- ولم يَمسَّ ماء" والله أعلم.
стр. 419
ص: باب: الرجل يخرج من ذكره المذي كيف يفعل ؟
ش: أيّ هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يخرج من ذكره المذي، كيف يكون حكمه؟ ولما فرغ من أحكام الوضوء، شرع في بيان ما ينقضه، والمذي -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة- ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل. قاله في الصحاح. يقال: مذى الرجل -بالفتح- وأمذى- بالألف مثله، ويقال: كل ذكر يُمذِي، وكل أنثى تَقْذِي من قَذتِ الشاة: إذا ألقت من رحمها بياضا.
وقال ابن الأثير: المذي -بسكون الذال مخفف الياء-: البَلَل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يجب فيه الغُسل، وهو نجس يجب غسله، وينقض الوضوء، ورجل مَذَّاء: فَعَّال للمبالغة في كثرة المذي، وقد مَذى الرجل، يَمْذِي، وأَمْذى، والمِذاء: المُمَاذاة فَعَال منه.
وفي "المطالع": هو ماء رقيق، يخرج عند التذكر أو الملاعبة، بسكون الذال وكسرها، يقال: مَذى، وأمذى، ومَذَّى.
وقال عياض: فيه وجهان: مَذْي بالتخفيف، ومَذِيّ بالتشديد.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أميّه بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا رَوْحُ بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: "أنَّ عليّا ﵁ أمَر عمَّارا أنْ يسأل رسول الله ﷺ عن المَذْي، قال: يَغْسلُ مذاكيره ويتوضأ".
ش: أميّة بن بسطام بن المنتشر أبو بكر البصري، ابن عم يزيد بن زريع، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي.
وابن أبي نجيح هو عبد الله بن أبي نجيح، روى له الجماعة.
وعطاء بن أبي رباح.
стр. 420
وإياس بن خليفة البكري قال الذهبي: لا يكاد يُعرف. قال العُقيلي: في حديثه وهم، روى له النسائي.
وأخرجه النسائي (١): عن عثمان بن عبد الله، عن أميّة بن بسطام ... إلى آخره نحوه.
قوله: "مذاكيره" جمع ذكر على غير قياس.
قال الجوهري: كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل وبين الذكر الذي هو العضو في الجمع.
وقال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له مثل العباديد، والأبابيل.
ويُستفاد منه: وجوب الوضوء من المذي دون الغسل، واستنابة الصحابة بعضهم بعضا، وتعاونهم في العلم والتعلم، وحسن التعلم مع الصهر، واستعمال الحياء في أمثال هذه الأمور ما لم يقدح في الدين، ويؤدي إلى تضييع ما يلزم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنَّ غسل المذاكير واجب [على الرجل] (٢) إذا أمْذى، وإذا بال، واحتجوا في ذلك بهذا الأثر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وبعض المالكية والحنابلة؛ فإنهم أوجبوا غسل المذاكير إذا أمذى وإذا بال، وقد اختلف أصحاب مالك، منهم من أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده.
وعن الزهري: لا تغسل الأنثيين من المذي إلَّا أنْ يكون أصابهما شيء.
وقال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله، سمعته لا يرى في المذي إلَّا الوضوء، ولا يرى فيه الغُسل، وهذا قول أكثر أهل العلم.
стр. 421
وفي "المغني" لابن قدامة: المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا عند الشهوة، فيكون على رأس الذكر، واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنَّه لا يوجب [إلَّا] (١) الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية: يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء. انتهى.
وقال ابن حزم في "المحلى": المذي تطهيره بالماء؛ يغسل مخرجه من الذكر وينضح بالماء ما مسّ من الثوب.
وقال مالك: يغسل الذكر كله.
وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول، أو لا بد من الماء؟ واختلف القائلون بغسل الذكر من المذي هل يجزئ أنْ يغسل منه ما يغسل من البول أو لا بد من غسل جميعه؟ واختلفوا أيضًا هل يفتقر إلى نية في غسل ذكره أم لا؟
وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة أبردةٍ وزمانةٍ، فإن كان كذلك فهو أيضًا كالبول عند جميعهم، فإنْ كان سَلَسا لا ينقطع، فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا، إلَّا أنَّ طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة؛ قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه، وأما المذي العهود المتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله؛ لما يجري من اللذة أو لطول عزْبة، فعل هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي ﵁ وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع، لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، إيجاب غسله لنجاسته.
стр. 422
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم يكن ذلك من رسول الله ﵇[علي] (١) إيجاب غسل المذاكير، ولكنه ليتقلص المذي فلا يخرج، قالوا: ومن ذلك ما أُمر به المسلمون في الهدي إذا كان له لبن أنْ ينضح ضرعه بالماء؛ ليتقلص ذلك فيه فلا يخرج.
ش: أيّ خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالكا في رواية، وأحمد كذلك؛ فإنهم قالوا: لم يكن ذلك أيّ قوله: ﵇: "يغسل مذاكيره" إيجاب غسل ولكنه ليتقلص أيّ ليرتفع ويزول، من قلص الشيء، تقلص قلوصا: ارتفع. يقال: قلص الظلّ، وقَلَص الماء: إذا ارتفع في البئر فهو ماء قَالِصٌ، وقَلاص، وقَلِيص، وقَلَص، وقَلَّص وتَقَلَّص: كله بمعنى واحد. أيّ: انضم وانزوى، يقال: قلصت شفته: إذا انزوت، وقلص الثوب بعد الغسل، وشفة قالصة، وظل قالص: إذا نقص.
قوله: "ومن ذلك" أيّ من القبيل المذكور: مسألة الهدي إذا كان لها لبن يُدِرُّ، فإنه ينضح بالماء ليتقلص، أيّ: ليرتفع لبنها وينقطع، فإنّ هذا في الحديث ليس على الإيجاب. ومن خاصيَّة الماء البارد أنَّه يقطع اللبن ويردّه إلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين رَدَّ المذي وكسره، و"النضح" -بالضاد المعجمة، والحاء المهملة-: الرش.
ص: وقد جاءت الآثار متواترة بما يدل على ما قالوا، فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود وابن أبي عمران، قالا: حدثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: نا عَبيدةُ بن حميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال علي ﵁: "قد كنت رجلًا مذاء، فأمرتُ رجلًا، فسأل النبي ﵇ فقال: فيه الوضوء".
стр. 423
ش: أيّ قد جاءت الآثار حال كونها متكاثرة متتابعة بما يَدلُّ على ما قال الآخرون، من أنَّ قوله ﵇: "يغسل مذاكيره" ليس على إيجاب غسلها؛ ولكن ليتقلص المذي كما ذكرنا.
فمن ذلك ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وأحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، كلاهما عن عمرو بن محمَّد شيخ الشيخين وغيرهما، عن عَبيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- بن حميد بن صُهيب الضبي، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (١): من حديث عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس قال: قال علي ﵁: "أرسلت المقداد ابن الأسود إلى رسول الله ﵇ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟! قال رسول الله ﵇: توضأ وانضح فرجك".
قوله: "مذاء"، فعَّال بالتشديد، وهو صيغة المبالغة في كثرة خروج المذي، وكان علي ﵁ كثير المذي جدّا.
حتى قال البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن جريج، عن عطاء: "أنَّ عليّا كان يدخل الفتيلة في إحليله من كثرة المذي".
قوله: "فأمرت رجلًا" قد فسره في رواية مسلم بأنه المقداد.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أبنا هُشيم، قال: أبنا الأعمش، عن منذر بن يعلى الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، قال: سمعته يُحدِّث عن أبيه قال: "كنت أجد مذيا؛ فأمرت المقداد أنْ يسأل النبي ﵇ عن ذلك، واستَحْييتُ أنْ أسأله؛ لأن ابنته عندي، فقال: إن كل فحل يُمْذي، فإذا كان المني فعليه الغسل، وإذا كان المذي فعليه الوضوء".
стр. 424
ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهشيم هو ابن بشير، والأعمش هو سليمان، ومحمد بن الحنفية هو محمَّد بن علي بن أبي طالب ﵄ المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر.
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى ... إلى آخره، نحوه، ولفظه: "فكنت أستحي أنْ أسأل رسول الله لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ".
وأخرجه البخاري (٢) أيضًا بنحوه.
قوله: "واستحييت"، بيائين، وفيه لغة أخرى: بياء واحدة، وقرأ ابن كثير: ﴿إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا﴾ (٣) بياء واحدة كراهة للجمع بين حرفي لين. قاله ابن خالويه.
قوله: "كل فحل" أيّ كل ذكر من بني آدم يخرج من ذكره مذي.
قوله: "فإذا كان المني" أيّ وُجدَ المني و"كان" ها هنا تامة؛ فلهذا لم تحتج إلى الخبر، وهذا لم يذكر فيه وجوب غسل الذكر، وكل موضع ذكر فيه ذلك فالمراد غسل موضع الإصابة، لا جميع الذكر.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، وكانت عندي ابنة النبي ﵇ فأرسلتُ إلى رسول الله ﵇ فقال: توضأ واغسله".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
وأبو حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي.
стр. 425
وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السلمي الكوفي.
وأخرجه البخاري (١): ثنا الوليد، ثنا زائدة، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذَّاء، فأمرت رجلًا أنْ يسأل النبي ﵇ لمكان ابنته، فسأله فقال: توضأ واغْسل ذكرك".
وأخرجه النسائي (٢) وقال: أنا هنّاد بن السري، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال عليّ: "كنت رجلًا مذاء، وكانت ابنة النبي ﵇ تحتي، فاستحييت أنْ أسأله فقلت لرجل جالس إلى جَنْبي: سَلْه. فسأله فقال: فيه الوضوء".
ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا يزيدُ بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁ قال: "سئل النبي ﵇ عن المذي، قال: فيه الوضوء، وفي المني الغسل".
ش: هذا طريق آخر وهو جيد حسن، ورجاله ثقات، وسعيد هو ابن منصور.
وأخرجه الترمذي (٣) نا محمَّد بن عمرو السواق البلخي، ثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، قال: ونا محمود بن غيلان، قال: نا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: "سألت النبي ﵇ عن المذي، فقال: من المذي الوضوء ومن المني الغسل".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، وكنت إذا أمزيت اغتسلتُ، فسألت النبي ﵇ فقال: فيه الوضوء".