← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

ص: باب: الصلاة على الشهداء ش: أي هذا باب في بيان الصلاة على الشهداء، وهو جمع شهيد، وهو في الأصل من قُتِلَ مجاهدًا في سبيل الله، ثم اتسع فيه فأطلق على مَنْ سماه النبي ﵇ من المبطون والغريق والحريق وصاحب الهدم وذات الجنب وغيرهم، وسمي شهيدًا لأن الله وملائكته شهود له بالجنة، وقيل: لأنه حي لم يمت كأنه شاهد حاضر، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده، وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، وقيل: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل، وقيل غير ذلك، فهو فَعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول على اختلاف التأويل. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن ابن شهاب حدثه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن جابر بن عبد الله أخبره: "أن رسول الله ﵇ أمر بدفن قتلى أحد بدمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر قال: "كان النبي ﵇ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم". وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا، وليس لفظة: "ولم يصل عليهم". إلا في رواية البخاري والترمذي فقط.

стр. 3642

وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع الليث من أصحاب الزهري على هذا الإسناد، واختلف عليه فيه، وقال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﵇، وروي عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صُعَيْر، عن النبي ﵇، ومنهم من ذكره عن جابر. قوله: "قتلى أُحُد" القتلى فعلى جمع قتيل، وأُحُد جبل مشهور بالمدينة، سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك، قال السهيلي: وفي أُحُد قبر هارون ﵇ أخي موسى ﵇، وفيه قبض، وَثَمَّ واراه موسى ﵇، وكانا قد مَرَّا بأُحُد حاجّين أو معتمرين، وكانت غزوة أحد في شوال سنة ثلاث، قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومالك ومحمد بن إسحاق، قال ابن إسحاق: في النصف من شوال. وقال قتادة: يوم السبت في الحادي عشر منه. قال مالك: وكانت الوقعة أول النهار. قوله: "بدمائهم" جمع دم وأصله: دَمَو بالتحريك، وإنما قالوا: دَمِيَ يَدْمي بحال الكسرة التي قبل الياء كما قالوا رضي يرضى، وهو من الرضوان، وقال سيبويه: الدم أصله دَمْي على فعل بالتسكين؛ لأنه يجمع على دماء مثل ظَبْي وظباء وظُبْي، ودلو ودلاء ودُلي، قال: ولو كان مثل قفا وعصا لما جمع على ذلك، وقال المبرد: أصله فَعَلَ بالتحريك وإن جاء جمعه مخالفًا لنظائره، والذاهب منه الياء، والدليل عليه قولهم في تثنيته دَمَيان فافهم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: لا يصلى على من قتل من الشهداء في المعركة، ولا على من جرح منهم فمات قبل أن يحمل من مكانه كما لا يغسل، وممن قال ذلك أهل المدينة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق في رواية؛ فإنهم قالوا: الشهيد لا يصلي عليه كما لا يغسل، وإليه ذهب أهل الظاهر.

стр. 3643

وقال ابن حزم في "المحلى": والصلاة على المسلمين فرض حاشى المقتول بأيدي المشركين في سبيل الله في المعركة خاصة؛ فإنه لا يغسل ولا يكفن لكن يدفن بدمه وثيابه، إلا أنه ينزع السلاح عنه، وإن صلي عليه فحسن، وإن لم يُصل عليه فحسن، فإن حمل عن المعركة وهو حي فمات، غسل وكفِّن وصلي عليه. ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: بل يصلى على الشهيد. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة أخرون، وأراد بهم: ابن أبي ليلى والحسن ابن حي وعبيد الله بن الحسن وسليمان بن موسى وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، وأحمد في رواية وإسحاق في رواية؛ فإنهم قالوا: يصلى على الشهيد. وهو قول أهل الحجاز أيضًا. ص: وكان من الحجة لهم على مخالفيهم: أن الذي في حديث جابر إنما هو أن النبي ﵇ لم يصل عليهم، فقد يجوز أن يكون تركه ذلك لأن سنتهم أن لا يصلي عليهم كما كان من سنتهم أن لا يغسلوا، ويجوز أن يكون لم يصل عليهم وصلى عليهم غيره؛ لما كان به حينئذ من ألم الجراح وكسر الرباعية وما أصابه يومئذ من المشركين. فإنه حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي حازم وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن أبي حازم -قال سعيد في حديثه: سمعت سهل بن سعد، وقال ابن أبي حازم-: عن سهل: "أنه سئل عن وجه رسول الله ﵇ يوم أحد بأي شيء دُووي؟ قال سهل: كسرت البيضة على رأسه، وكسرت رباعيته، وجرح وجهه، وكانت فاطمة ﵂ تغسله وكان علي ﵁ يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقتها ولصقتها على جرحه فاستمسك الدم. يختلف لفظ ابن أبي حازم وسعيد في هذا الحديث والمعنى واحد".

стр. 3644

حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن هشام، عن أبي حازم، عن سهل: "أن النبي ﵇ أصيب يوم أحد في وجهه بجرح، وأن فاطمة ابنته ﵂ أحرقت قطعة من حصير فجعلته رمادًا وألصقته على وجهه، وقال النبي ﵇: اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﵇". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: "هشمت البيضة على رأس رسول الله ﵇ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وجرح وجهه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا خالد بن عبد الله، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﵇، وكانوا قد دَمَّوا وجهه يومئذ وهشموا عليه البيضة، وكسروا رباعيته". حدثنا عبد الله بن محمد بن حشيش، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁: "أن رسول الله ﵇ كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه؛ فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله ؟! فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ". ش: أي كان من الدليل للأخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد به الجواب عن حديث جابر الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن ترك النبي ﵇ الصلاة عليهم يومئذ يحتمل وجهين: الأول: أنه يحتمل أنه ﵇ ترك الصلاة عليهم؛ لكون السنة في حقهم ترك الصلاة عليهم كما كانت السنة في حقهم ترك غسلهم فيكون ذلك مخصوصًا بهم. والثاني: يحتمل أن يكون ﵇ لم يصل عليهم لأمرٍ منعه، ولا يسلتزم ذلك نفي صلاة غيره عليهم، وذلك لكون النبي ﵇ مشغولًا بنفسه في ذلك اليوم غير متفرغ

стр. 3645

للصلاة عليهم؛ لما قد حصل له فيه من ألم الجراحة وكسر رباعيته وما أصابه يومئذ من أذى المشركين. والدليل على ذلك: ما روي عن سهل بن سعد وأبي هريرة وأنس بن مالك ﵃. أما حديث سهل فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، واسم أبي حازم سلمة بن دينار المدني، روى له الجماعة. وعن سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحي المدني، روى له مسلم، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلاهما يرويان. عن أبي حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاص الزاهد الحكيم روى له الجماعة، عن سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي له ولأبيه صحبة. وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يعقوب، عن أبي حازم: "أنه سمع سهل بن سعد وهو يُسأل عن جرح رسول الله ﵇، فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﵇ ومن كان يسكب الماء بالمجن، وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله ﵇ تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة ﵂ أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها، فاستمسك الدم، وكُسِرت رباعيته يومئذ، وجُرح وجهه، وكُسرت البيضة على رأسه". وأخرجه مسلم (٢): نا يحيى بن يحيى، قال: نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: "أنه سمع سهل بن سعد يُسأل عن جرح رسول الله ﵇ يوم أحد، فقال: جرح وجه رسول الله ﵇، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت

стр. 3646

فاطمة ابنة رسول الله ﵇ تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادًا، وألصقته بالجرح، فاستمسك الدم". الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن نافع الصائغ القرشي المدني، عن هشام ابن سعد المدني، عن أبي حازم سلمة بن دينار ... إلى آخره. وأخرج الطبراني (١) نحوه: ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، ثنا داود ابن عمرو الضبي، ثنا زهرة بن عمرو بن معبد التيمي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: "شهدت النبي ﵇ حين كسرت رباعيته وجرح وجهه وهشمت البيضة على رأسه؛ وإني لأعرف من يغسل الدم عن وجهه، ومن ينقل عليه الماء، وماذا جعل على وجهه حتى رقأ الدم؛ كانت فاطمة بنت محمد رسول الله ﵇ تغسل الدم عن وجهه، وعلي ﵁ ينقل الماء عليها في مجنة، فلما غسلت الدم عن وجه أبيها أحرقت حصيرًا حتى إذا صارت رمادًا أخذت من ذلك الرماد فوضعته على وجهه حتى رقأ الدم، ثم قال يومئذ: اشتد غضب الله على قوم كَلَمُوا وجه رسول الله، ثم مكث ساعة، ثم قال: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم شيخ البخاري، عن أبي غسان محمَّد بن مطرف الليثي المدني نزيل عسقلان، عن أبي حازم سلمة بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن سهل التميمي، قال: حدثني ابن أبي مريم، قال: ثنا محمَّد يعني ابن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد نحوه. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس السلمي أبي عثمان الواسطي البزاز روى له

стр. 3647

الجماعة، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي الطحان روى له المجماعة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني روى له الجماعة مسلم في المتابعات والبخاري مقرونًا بغيره، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة، عن أبي هريرة ﵁. وأما حديث أنس بن مالك ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن عبد الله ابن محمَّد بن خُشَيْش -بالمعجمات وضم الأول- عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس. وأخرجه مسلم (١): عن القعنبي، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. قوله: "بأي شيء دووي" بواوين، ووقع في بعض النسخ بواو واحدة، فتكون الأخرى محذوفة كما حذفت من داود وطاوس. قوله: "البَيْضة" بفتح الباء، وهي الخوذة. قوله: "رباعيته" بفتح الراء، قال الجوهري: الرباعية مثل الثمانية: السنن الذي بين الثَّنيَّة والناب، والجمع: رباعيات. قوله: "بالمِجَنّ" وبكسر الميم، وهو الترس، والميم زائدة؛ لأنه من الجُنَّه: وهي السترة. قوله: "هُشِّمت" أي كسرت، من الهشم وهو الكسر. قوله: "دَمَّوا" بتشديد الميم بمعنى أدموا، ويروى كذا أيضًا. قوله: "كَلَمُوا" أي جرحوا، من الكَلْم وهو الجرح، ومنه اشتقاق الكلام. قوله: "تسلت الدم" أي تميطه وتمسحه عن خده، يقال سلتت المرأة خضابها عن يَديْها إذا ألقت عنها العُصْم، والعُصم -بضم العين-: بقية كل شيء، وأثره من القطِران والخضاب ونحوهما.

стр. 3648

فإن قيل: ممن كان الشج وكسر الرباعية لرسول الله ﵇؟. قلت: زعم ابن سعد أن عتبة بن أبي وقاص شج النبي ﵇ في وجهه، وأصاب رباعيته. وزعم السهيلي أن عبد الله بن قمئة هو الذي جرح وجه رسول الله ﵇. ص: فيجوز أن يكون ﷺ تخلف عن الصلاة عليهم لألم نزل به، وصلى عليهم غيره. وقد حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب حدثه أن أنس بن مالك حدثه: "أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم". ففي هذا الحديث ما ينفي الصلاة عليهم من رسول الله ﵇ ومن غيره؛ فنظرنا في هذا الحديث كيف هو؟ وهل زيد على ابن وهب فيه شيء، فإذا ابن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: أنا أسامة، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله ﵇ مَرّ يوم أحد بحمزة ﵁ وقد جُدِع ومُثِّل به، فقال: لولا أن تجزع صفية لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع فكفنه في نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه، وإذا خمر رجليه بدا رأسه، فخمر رأسه، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وقال: أنا شهيد عليكم يوم القيامة". ففي هذا الحديث أن النبي ﵇ لم يصل يومئذ على أحد من الشهداء غير حمزة ﵁، فإنه صلى عليه وهو أفضل شهداء أحد، فلو كان من سنه الشهداء أن لا يصلى عليهم، لما صلى على حمزة كما لم يغسله، إذْ كان من سنة الشهداء أن لا يغسلوا وصارمًا في هذا الحديث أن النبي ﵇ صلى على حمزة ولم يصل على غيره، فقد يحتمل أن يكون لم يصل على غيره لشدّة ما به مما ذكرنا، وصلى عليهم غيره من الناس. ش: لما ذكر أن حديث جابر ﵁ يحتمل وجهين، الثاني منهما: أنه يجوز أن يكون ﵇ ترك الصلاة عليهم لشده الألم الذي نزل به، وأن هذا لا ينفي صلاة غيره

стр. 3649

عليهم؛ أو رد عليه حديث أنس؛ فإنه أخبر فيه أنه لم يُصَلّ عليهم، وهو يقتضي ترك الصلاة عليهم من رسول الله ﵇ ومن غيره، فلذلك ذكره أولًا. وأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس. وأخرجه الحاكم (١): عن محمد بن يعقوب، أبنا ابن عبد الحكم، أبنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، أن ابن شهاب حدثه، أن أنشا حدثه: "أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم، ولم يصلّ عليهم". وقال: وهو صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ثم أخرج عن أنس أيضًا بزيادة على حديثه المذكور تدل على أن المراد من قوله في ذاك الحديث "ولم يصلَّ عليهم" غير حمزة، فإنه صلى عليه لكونه أفضل شهداء أحد، ولم يصلي على غيره، لما ذكرنا من أجل شدة الألم الذي نزل به واشتغل به عن الصلاة عليهم، وهو ما رواه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أنس بن مالك ... إلى آخره. وإسناده صحيح. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عباس العنبري، ثنا عثمان بن عمر، نا أسامة، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي ﵇ مر بحمزة وقد مُثِّل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره". وقال أيضًا (٣): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا زيد يعني ابن الحباب.

стр. 3650

ونا قتيبة بن سعيد، نا أبو صفوان يعني المرواني، عن أسامة، عن الزهري، عن أنس المعنى: "أن رسول الله ﵇ مر على حمزة وقد مثل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر من بطونها وقلت الثياب وكثرت القتلى، فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد -زاد قتيبة- ثم يدفنون في قبر واحد، فكان رسول الله ﵇ يسأل أيهم أكثر قرآنًا؟ فيقدمه إلى القبلة". وأخرجه الترمذي (١) وقال: حديث غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه، وفي حديثه: "لم يصل عليهم". وأخرجه الحاكم (٢) أيضًا: ولفظه: "ولم يصل على أحد من الشهداء غيره ... " الحديث. فإن قيل: ذكر الترمذي في "علله" (٣) قال محمد: حديث أسامة عن الزهري عن أنس غير محفوظ، غلط فيه أسامة. وقال الدارقطني (٤): تفرد به أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس بهذه الألفاظ، ورواه عثمان بن عمر، عن أسامة، عن الزهري، عن أنس وزاد فيه حرفا لم يأت به غيره، فقال: "ولم يصل على أحد من الشهداء غيره يعني حمزة". وقال الدارقطني: لم ينقل هذه اللفظة غير عثمان بن عمر البصري، فليس بمحفوظ. قلت: أما أسامة بن زيد فقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري، وأما عثمان بن عمر البصري فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، والزيادة من الثقة مقبولة. والله أعلم.

стр. 3651

قوله: "وقد جُدع" جملة وقعت حالًا من الجدع وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة والمعنى ها هنا أن رسول الله ﵇ مرّ يوم أحد على حمزة والحال أنه وجده وهو مقطوع الأنف. قوله: "ومُثِّل به" من مَثَّلت بالحيوان أمثل مَثْلًا -بالسكون- إذا قطعت أطرافه وشوهت به، ومثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه والاسم المُثْلة ومُثِّل بالتشديد للمبالغة وبابه من نَصَرَ يَنْصُر. قوله: "لولا أن تجزع صفية" وهي أخت حمزة، عمة النبي ﵇ بنت عبد الطلب، وهي أم الزبير بن العوام، ولم يُسلم من عمات النبي ﵇ وكن ستًّا غير صفية، وقيل: عاتكة أيضًا. قوله: "في نَمِرة" بفتح النون وكسر الميم، وهي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب وجمعها نمِار، كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض. قوله: "إذا خمر" أي غطى، ومنه الخمار لتغطيته الرأس، والخمر لتغطيته العقل. قوله: "حتى تأكله العافية" أي السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها، وتجمع على العوافي، وقال ابن الأثير: العافية والعافي كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر، وجمعهما العوافي وقد تقع العافية على الجماعة، يقال: عَفَوْتَه واعتَفَيْته أي أتيته أطلب معروفه. ص: وقد جاء في غير هذا الحديث: أن رسول الله ﵇ صلى يومئذ على حمزة وعلى سائر الشهداء. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ كان يوضع بين يديه يوم أُحُد عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة، ثم يرفع العشرة وحمزة موضوع، ثم توضع عشرة فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم".

стр. 3652

حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﵇ يوم أحد بالقتلى، فجعل يصلي عليهم، فيوضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم سبعًا حتى فرغ منهم". حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يحمض بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله ابن الزبير: "أن رسول الله ﵇ أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم". فهذا ابن عباس وابن الزبير ﵃ قد خالفا أنس بن مالك فيما روينا عنه قبل هذا. ش: أي قد جاء في حديث آخر غير حديث أنس، أنه ﵇ صلى يوم أحد على حمزة وعلى سائر الشهداء، وهو حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ﵃ فإن حديثهما يصرح بأنه ﵇ صلى يوم أحد على جميع من استشهد هناك، فدل أن الشهيد يصلي عليه. فهذا خلاف ما رواه أنس، فهذا أولى من حديث أنس؛ لأنه مثبت، وحديث أنس نافي والمثبت أولى، وكذلك قالوا في حديث جابر لأنه نافي، وقد قيل: إن جابرًا كان يومئذ مشغولًا؛ فإنه قتل أبوه وأخوه وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة، فلم يكن حاضرًا حين صلى النبي ﵇ عليهم، فلهذا روى في روايته ولم يصلي عليهم، ومن شاهد النبي ﵇ قد روى أنه صلى عليهم. وقيل: يجوز أن النبي ﵇ لم يصل عليهم في ذلك اليوم وصلى عليهم في يوم غير ذلك اليوم، ويؤيد ذلك ما جاء في صلاته عليهم بعد ثمان سنين. فإن قيل: الشهيد وُصِفَ بأنه حَيٌّ بالنص، والصلاة شرعت على الميت لا على الحي.

стр. 3653

قلت: الشهيد حي في أحكام الآخرة، فأما في أحكام الدنيا فهو ميت يقسم ميراثه، وتتزوج امرأته والصلاة عليه من أحكام الدنيا. فإن قيل: الصلاة ما شرعت إلا بعد الغسل، فسقوطه دليل على سقوطها. قلت: غسله لتطهيره، والشهادة طهرته فاغنت عن الغسل، كسائر الموتى بعدما غسلوا. أما حديث ابن عباس فأخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي شيخ الشيخين، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ، واسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة أو رؤبة أو مسلم أو خداش أو مطرف أو حماد أو حبيب، والصحيح أن اسمه كنيته، روى له الجماعة مسلم في مقدمة كتابه. عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، احتج به الأربعة، وروى له مسلم مقرونًا بغيره. عن مقسم بن بَجَرَة -بباء موحدة وجيم وراء مفتوحات، وقيل: بضم الباء وسكون الجيم، وقيل: ابن نجدة بالنون والجيم- مولي عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، روي له الجماعة سوى مسلم. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، نا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "أتي بهم رسول الله ﵇ يوم أحد، فجعل يصلي على عشرة عشرة، وحمزة هو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع".

стр. 3654

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن أبي بكر بن عياش إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا العباس بن عبد الله البغدادي، نا أحمد بن عبد الله بن يونس، نا أبو بكر بن عياش، نا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "لما قتل حمزة ﵁ يوم أحد أقبلت صفية تسأل ما صنع؟ فلقيت عليًّا والزبير ﵄ فقالت: يا علي ويا زبير ما فعل حمزة فأوهماها أنهما لا يدريان، قال: فضحك النبي ﵇ وقال: إني أخاف على عقلها، فوضع يده على صدرها ودعا فاسترجعت وبكت، ثم قام عليه وقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من بطون السباع وحواصل الطير، ثم أُتي بالقتلى فجعل يصلي عليهم، فتوضع سبعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة مكانه ثم يجاء فيكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ منهم". وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢)، والطبراني في "معجمه" (٣)، والبيهقي في "سننه" (٤) ولفظهم (٥): "أمر رسول الله ﵇ بحمزة يوم أحد فهيئ للقبلة ثم كبر عليه سبعًا، ثم جُمع إليه الشهداء حتى صلى عليه سبعين صلاة". زاد الطبراني: "ثم وقف عليهم حتى واراهم". وسكت الحاكم عنه، وتعقبه الذهبي فقال: ويزيد بن أبي زياد لا يحتج به.

стр. 3655

وقال البيهقي: هكذا رواه يزيد بن أبي زياد، وحديث جابر أنه لم يصل عليهم أصح. وقال ابن الجوزي في "التحقيق": ويزيد بن أبي زياد منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وتعقبه صاحب "التنقيح" بأن ما حكاه عن البخاري والنسائي إنما هو في يزيد بن زياد، وأما راوي هذا الحديث فهو الكوفي، ولا يقال فيه: ابن زياد، وإنما هو ابن أبي زياد، وهو ممن يكتب حديثه على لينه، وقد روى له مسلم مقرونًا بغيره، وروى له أصحاب السنن، وقال أبو داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وابن الجوزي جعلهما في كتابه الذي في الضعفاء واحدًا، وهو وهم، وغلط (١). قلت: ومما يؤيد حديث [يزيد] (٢) بن أبي زياد هذا ما رواه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق، حدثني من لا أتهم، عن مقسم مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄ قال: "أمر رسول الله ﵇ بحمزة فَسُجِّي ببردة، ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة، وقال السهيلي في "الروض الأنف": قول ابن إسحاق في هذا الحديث حدثني من لا أتهم إن كان هو الحسن بن عمارة كما قاله بعضهم فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره فهو مجهول، ولم يرو عن النبي ﵇ أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا في هذه الرواية ولا في مدة الخليفتين من بعده. انتهى. قلت (١): وقد ورد مصرحًا فيه بالحسن بن عمارة كما رواه الإمام أبو قرة موسى بن طارق الزبيدي في "سننه" عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون من قتلى أحد، أشرف

стр. 3656

رسول الله ﵇ على القتلى، فرأى منظرا أساءه، فرأى حمزة قد شق بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: لولا أن [تحزن] (١) النساء فتكون سنة بعدي لتركته حتى يحشره الله في بطون السباع والطير ولمثلت بثلاثين منهم مكانه، ثم دعى ببردة فغطى بها وجهه فخرجت رجلاه، فغطى بها رجليه فخرج رأسه، فغطى بها رأسه، وجعل على رجليه من الإذخر ثم قدمه فكبر عليه عشرًا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع إلى جنبه فيصلي عليه ثم يرفع، ويجاء بآخر فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى سبعين صلاة، وكانت القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا﴾ (٢) الآية، فصبر ﵇ ولم يقتل ولم يعاقب. انتهى. ولما أخرج البيهقي حديث ابن إسحاق الذي ذكرناه في "سننه" قال: ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ صلى على قتلى أحد" ثم أخرج عن محمود بن غيلان، ثنا أبو داود الطيالسي، قال لي شبعة: ائت جرير بن حازم فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة فإنه كذاب، قال أبو داود: فقلت لشعبة ما علامة كذبه؟ قال: روى عن الحكم أشياء فلم أجد لها أصلًا، قلت للحكم: صلى النبي ﵇ على قتلى أحد؟ قال: لا، وقال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أنه ﵇ صلى على قتلى أحد". قلت: ذكر الرامهرمزي في كتابه "الفاصل" هذه الحكاية عن ابن المديني، عن محمود، عن أبي داود، ثم ذكر عن ابن المديني قال: ثنا عبدان، ثنا محمد بن عبد الله المخرمي، ثنا أبو داود، سمعت شعبة يقول: ألا تعجبون من هذا المجنون؟! جرير بن حازم وحماد بن زياد أتياني يسألان أن أسكت عن الحسن بن عمارة،

стр. 3657

ولا والله لا أسكت عنه، ثم قال: والله لا أسكت عنه، فذكر وضع الزكاة في صنف ثم قال: وهذا الحسن يحدث عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي: "أنه ﵇ صلى على قتلى أحد وغسلهم" وأنا سألت الحكم عن ذلك فقال: يصلى عليهم ولا يغسلون ... إلى آخره. ثم قال الرامهرمزي: أصل هذه الحكاية من أبي داود وقد خَلَّط فيها أو خُلِّط عليه فيها، والمخرمي أضبط من ابن غيلان، وبين الحكايتين تفاوت شديد، ولا يستدل على تكذيب الحسن بالطريق الذي استدل به شعبة؛ لأنه استفتى الحكم في المسألتين فأفتى بما عنده، وهو أحد فقهاء الكوفة، فلما قال: شعبة عمن قال في إحداهما: هو قول إبراهيم، وفي الأخرى: هو قول الحسن. ولا يلزم المفتى أن يفتي بما روى، ولا يترك رواية ما لا يفتي به، هذا مذهب فقهاء الأمصار، هذا مالك يعمل بخلاف كثير مما روى والزهري، عن سالم، عن أبيه أثبت عند أهل الحديث من الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وقد حدث به مالك، عن الزهري ثم ترك العمل به، وأبو حنيفة روى حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة، ثم قال بخلافه، ويمكن أن يحدث الحكم بما العمل عليه عنده بخلافه، فيسأله شعبة فيجيب بما العمل عليه عنده، والإنصاف أولى بأهل العلم. وأما حديث عبد الله بن الزبير ﵂: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن يوسف بن بُهلول التميمي أبي يعقوب الأنباري نزيل الكوفة، أحد أصحاب أبي حنيفة وثقه الحضرمي والخطيب، عن عبد الله بن إدريس بن يزيد الزعافري الكوفي روى له الجماعة، عن محمد بن إسحاق المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي المدني، وثقه يحيى والنسائي والدارقطني وابن حبان، وروى له الأربعة، عن أبيه عباد بن عبد الله، روى له الجماعة، عن عبد الله بن الزبير ﵄.

стр. 3658

وأخرجه ابن شاهين في كتابه: من حديث ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، أن الزبير ﵁ قال: "صلى النبي ﵇ على حمزة فكبر سبعًا"، وقال البغوي: حفظي أنه قال: عن عبد الله بن الزبير. قوله: "فسُجِّي ببردة" أي غطي بها، وهي الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه خطوط تلبسه الأعراب، وجمعها برد. ص: وروي مثل ذلك أيضًا عن أبي مالك الغفاري: حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، عن حصين ابن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا مالك الغفاري قال: "كان قتلى أحد يؤتي بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلي عليهم رسول الله ﵇ ثم يحملون، ثم يؤتى بتسعة فيصلي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﵇". ش: أي روي عن أبي مالك الغفاري مثل ما روى عن ابن عباس وابن الزبير ﵃. وقد أخرج حديثه بإسناد صحيح، ولكنه مرسل: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس التميمي، شيخ البخاري، واسم أبي إياس عبد الرحمن. عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي ابن عم منصور بن المعتمر، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان الكوفي وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في التابعين الثقات. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا ابن صاعد، نا بندار، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن حصين، عن أبي مالك قال: "كان يجاء بقتلى أحد تسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم النبي ﵇ ثم يرفعون تسعة ويدعون حمزة، ويجاء بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم، فيرفعون التسعة ويدعون حمزة ﵁".

стр. 3659

وأخرجه العسكري: عن محمد بن إبراهيم الشلاباني، عن إسحاق بن إبراهيم الشهيد، عن ابن فضيل، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: "صلى النبي ﵇ على حمزة، فكان يجاء بتسعة معه، فلم يزل كذلك حتى صلى على جماعتهم". وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي يوسف القاضي، نا حصين، عن أبي مالك الغفاري قال: "صلى النبي ﵇ على قتلى أحد ﵃ عشرة عشرة، في كل عشرة منهم حمزة، حتى صلى عليه سبعين صلاة" قال الذهبي في "مختصر السنن": كذا قال، ولعله سبع صلوات؛ إذ شهداء أحد سبعون أو نحوها. وأخرجه البيهقي أيضًا (٢): من حديث شعبة، عن حصين، سمعت أبا مالك الغفاري يقول: "كان قتلى أحد يؤتى بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلى عليهم ... ". وأخرجه أبو داود أيضًا في "المراسيل" (٣). ص: وقد روي أيضًا عن عقبة بن عامر ﵁: "أن النبي ﵇ صلى على قتلى أحد بعد مقتلهم بثمان سنين". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير أخبره، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: "إن آخر ما خطب لنا رسول الله ﵇ أنه صلى على شهداء أحد، ثم رقي على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني لكم فرط، وأنا شهيد عليكم". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله ﵇ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت".

стр. 3660

ففي حديث عقبة أن رسول الله ﵇ صلى على قتلى أحد بعد مقتلهم بثمان سنين فلا تخلو صلاته عليهم في ذلك الوقت من أحد ثلاثة معانٍ: إما أن تكون سنتهم كانت أن لا يصلى عليهم، ثم نسخ ذلك الحكم بَعْدُ بأن يصلى عليهم. أو تكون تلك الصلاة التي صلاها عليهم تطوعًا وليس للصلاة عليهم أصل في السنة والإيجاب. أو يكون من سنتهم أن لا يصلى عليهم بحضرة الدفن ويصلى عليهم بعد طول المدة. لا يخلو فعله ﵇ من هذه المعاني الثلاث، فأعتبرنا ذلك، فوجدنا أمر الصلاة على سائر الموتى هو أن يصلى عليهم قبل دفنهم، ثم تكلم الناس في التطوع عليهم قبل أن يدفنوا أو بعدما يدفنون، فجوَّز ذلك قوم وكرهه آخرون، فأمر السنة فيه أوكد من التطوع؛ لاجتماعهم على السنة واختلافهم في التطوع، فإن كان قتلى أحد ممن تُطوع بالصلاة عليهم فإن في ثبوت ذلك ثبوت السنة في الصلاة عليهم قبل أوان وقت التطوع بها عليهم وكل تطوع فله أصل في الفرض، فإن ثبت أن تلك الصلاة كانت من النبي ﵇ تطوعًا تطوع به فلا يكون ذلك إلا والصلاة عليهم سنة كالصلاة على غيرهم، وإن كانت صلاته عليهم لعلمه نسخ فعله الأول وتركه الصلاة عليهم؛ فإن صلاته هذه عليهم توجب أن من سنتهم الصلاة عليهم، وأن تركه الصلاة عليهم عند دفنهم منسوخ، وإن كانت صلاته عليهم إنما كانت لأن هكذا سنتهم أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة، وأنهم خصوا بذلك، فقد يحتمل أن يكون كذلك حكم سائر الشهداء أن لا يصلي عليهم إلا بعد مضي مثل هذه المدة، ويجوز أن يكون سائر الشهداء تعجل الصلاة عليهم غير شهداء أحد؛ فإن سنتهم كانت تأخير الصلاة عليهم، إلا أنه قد ثبت بكل هذه المعاني أن من سنتهم ثبوت الصلاة عليهم إما بعد حين وإما قبل الدفن ثم كان الكلام بين المختلفين في وقتنا هذا إنما

стр. 3661

هو في إثبات الصلاة عليهم قبل الدفن ثم كان الكلام بين المختلفين في وقتنا هذا إنما هو في إثبات الصلاة عليهم قبل الدفن أو في تركها البتة، فلما ثبت في هذا الحديث الصلاة عليهم بعد الدفن كانت الصلاة عليهم قبل الدفن أحرى وأولى. ش: ذكر حديث عقبة هذا لتأكيد صحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من إثبات الصلاة على الشهداء، وشاهدًا لما ذكر من الدلائل الدالة على ذلك. وأخرجه من طريقين: الأول: بإسناد صحيح؛ لأن رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا عبد الله بن لهيعة فهو وإن كان فيه مقال، ولكنه ذكر متابعة، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري. وأخرجه مسلم في فضائل النبي ﵇ (١) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله ﵇ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم ... " الحديث. الثاني: أيضًا بإسناد صحيح؛ لأن رجاله رجال الصحيح ما خلا علي بن معبد فإنه أيضًا ثقة، ويونس بن محمد بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب روى له الجماعة. وأخرجه البخاري في المغازي في غزوة أحد (٢): حدثني عمرو بن خالد، ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: "أن النبي ﵇ خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم، وإني لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح

стр. 3662

خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها". قوله: "ثم رقى" أي صعد، من رقيت في السلم -بالكسر- رَقْيًا ورُقيًّا إذا صعدت، وارتقيت مثله، ورقى عليه ترقية إذا رفع، وترقَّى في العلم أي رقى فيه درجة درجة. قوله: "فَرَط" بفتح الراء هو الذي يتقدم الوارد فيهئ لهم ما يحتاجون إليه، والمراد به ها هنا الثواب والشفاعة، والنبي ﵇ يتقدم أمته ليشفع لهم وكذلك الولد لأبويه يقال: فَرَطَهم يَفْرُطُهم فهو فَارِطٌ وفَرَط، والجمع: فُرَّاط. قوله: "ففي حديث عقبة أن رسول الله ﵇ صلى على قتلى أحد بعد مقتلهم بثمان سنين" وذلك لأن غزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة وكانت صلاته ﵇ عليهم عقيب خطبته التي هي آخر خطبه. قوله: "فلا يخلو ... " إلى آخره، ملخص هذا: أن صلاته ﵇ في ذلك الوقت إما لأن السنة كانت أن لا يصلي عليهم أولًا ثم نسخ ذلك وسير إلى الصلاة حتى صلى عليهم بعد المدة الطويلة. وإما كانت هذه الصلاة تطوعًا من النبي ﵇ وليس للصلاة عليهم أصل لا من حيث السنة ولا من حيث الوجوب. وإما كانت السنة في حقهم أن لا يصلى عليهم بحضرة الدفن بل بعد مدة طويلة، وأمر الصلاة في حق غيرهم أن يكون قبل دفنهم، ولكن اختلفوا في صلاة التطوع عليهم، قبل الدفن أو بعده؟ فمنهم من أجاز ذلك وهو معنى قوله: "فجوز ذلك قوم" وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق، ومنهم من كره ذلك وهو معنى قوله: "وكرهه آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية، ولكن أمر السنة في هذا آكد من التطوع للاتفاق من الكل على السنة والاختلاف منهم في التطوع، ثم لا يخلو قتل أحد إما أن يكونوا

стр. 3663

ممن تطوع عليهم فإن كان هذا ففيه ثبوت السنة من الصلاة عليهم كالصلاة على غيرهم؛ لأن كل تطوع له أصل في الفرض، وإلا فإن كانت صلاته ﵇ عليهم لانتساخ ما كان من الترك ابتداء، ففيه ثبوت سنية الصلاة عليهم في الوقت الذي صلى عليهم، وفيه دليل على نسخ ترك الصلاة عند دفنهم، وإلَّا فإن كانت صلاته لأجل أن السنة أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة، وأخهم مخصوصون بذلك دون سائر القتل، ففيه احتمال أن يكون كذلك حكم سائر الشهداء أن لا يصلى عليهم إلا بعد مضي مثل هذه المدة، ولكنه يجوز تعجيل الصلاة على سائر الشهداء غير شهداء أحد؛ فإن السنة في حقهم تأخير الصلاة عليهم، وأيًاما كان من هذه المعاني ففيه ثبوت الصلاة عليهم إما بعد حين وإما قبل الدفن، والكلام بين المخالفين في هذه الأيام إنما هو في إثبات الصلاة عليهم قبل الدفن كما هو مذهب أهل المقالة الثانية، أو في ترك الصلاة عليهم بالكلية كما هو مذهب أهل المقالة الأولى، وقد أثبتنا بالتقسيمات المذكورة ثبوت الصلاة عليهم بعد الدفن، فإذا كانت بعد الدفن ثابتة على ما دل عليه صريح الحديث، مع أنه مخالف للنظر؛ فثبوتها قبل الدفن أحرى وأجدى، لكونه على وفق النظر والقياس، فافهم. والله أعلم. ص: ثم قد روي عن النبي ﵇ في غير شهداء أحد: أنه صلى عليهم فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: أنا عبد الله بن المبارك، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد أن ابن أني عمار أخبره، عن شداد بن الهاد: "أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﵇ فآمن به واتبعه، وقال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﵇ بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم رسول الله ﵇ فيها أشياء، فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوا إليه، فقال: ما هذا قالوا قسم قسمه لك رسول الله ﵇ فأخذه فجاء به النبي ﵇ فقال: يا محمد ما هذا؟! قال: قسمته لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى ها هنا -وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت وأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا إلى

стр. 3664

العدو، فأتى به النبي ﵇ يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي ﵇ أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه، وكفنه النبي ﵇ في جُبَّة ثم قدمه فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته عليه: اللهم إن هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد عليه". ففي هذا الحديث إثبات الصلاة على الشهداء الذين لا يغسلون؛ لأن النبي ﵇ في هذا الحديث لم يغسل الرجل، وصلى عليه فثبت بهذا أن يكون كذلك حكم الشهيد المقتول في المعركة يصلى عليه ولا يغسل، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح الآثار. ش: ذكر هذا الحديث لمعنيين: أحدهما: شاهدًا لما ذكره من الدلائل في إثبات الصلاة على الشهداء. والثاني: ردًّا على من زعم أنه لم ينقل عن النبي ﵇ أنه صلى على أحد ممن قتل في المعركة في غير غزوة أحد. وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد بن معاوية المروزي الفارض الأعور نزيل مصر، وثقه يحيى والعجلي وروى له الجماعة سوى النسائي لكن مسلمًا في مقدمة كتابه. عن عبد الله بن المبارك روى له الجماعة، عن [عبد الملك بن] (١) عبد العزيز ابن جريج المكي روى له الجماعة، عن عكرمة بن خالد بن العاص المكي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشي المكي، كان يلقب بالقس لعبادته روى له الجماعة سوى البخاري، عن شداد بن الهاد الكناني الصحابي واسم الهاد أسامة بن عمرو، لقب به لأنه كان يوقد النار ليلًا للأضياف.

стр. 3665

وأخرجه النسائي (١): أنا سويد بن نصر، قال: أنا عبد الله، عن ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن ابن أبي عمار أخبره، عن شداد بن الهاد: "أن رجلًا من الأعراب ... " إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه، غير أن في روايته: "فلما كانت غزوة خيبر -أو غزوة حنين- غنم رسول الله ﵇ ... ". وقال أبو عبد الرحمن: ما أعلم أحدًا تابع ابن المبارك على هذا، والصواب: ابن أبي عمار، عن ابن شداد بن الهاد، وابن المبارك أحد الأئمة ولعل الخطأ من غيره. وقال في موضع آخر: هذا خطأ والصواب عندنا: عن ابن شداد مرسل. قلت: تخطئة عبد الله بن المبارك بلا دليل خطأ، وعدم متابعة أحد إياه لا تضر صحة حديثه لجلالة قدره، ولئن سلمنا أنه مرسل فهو حجة! قوله: "من الأعراب" وهم سكان البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه والنسبة إليه: عربي، وإلى الأعراب أعرابي، وليس الأعراب جمعًا للعرب، وإنما العرب اسم جنس، والأعراب خاص، فلا يكون جمعًا للجنس؛ فافهم. والعرب العاربة هم الخُلَّص منهم وأُخِذَ من لفظه كقولك ليلٌ أليل، وربما قالوا: العرب العرباء، والعرب المستعربة: هم الذين ليسوا بخلص، وكذلك المتعربة. قوله: "وكان يرعى ظهورهم" أي إبلهم، قال ابن الأثير: الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب، يقال: عند فلان ظهر: أي إبل. قوله: "أن أرمى" على صيغة المجهول. قوله: "أهو هو" بهمزة الاستفهام في هو الأول وفي بعض نسخ النسائي: "أهو أهو" بهمزة الاستفهام في الموضعين، والصحيح الأول.

стр. 3666

قوله: "إن تَصْدُقِ الله" بنصب لفظة "الله"، من صَدَقَهُ الحديث، بالتخفيف. قوله: "يَصْدُقْكَ" بتخفيف الدال أيضًا. قوله: "صدق الله" بنصب لفظة "الله" أيضًا، وتخفيف الدال. قوله: "في جبته" أي في جبة النبي ﵇ ويروى: "وكفنه النبي ﵇ في جبة النبي ﵇". ص: وأما النظر في ذلك: فإنا رأينا الميت حتف أنفه يُغَسَّل ويصلى عليه، ورأيناه إذا صُلي عليه ولم يغسل كان في حكم من لم يصل عليه، فكانت الصلاة عليه مضمنة بالغسل الذي يتقدمها، فإن كان الغسل قد كان جازت الصلاة عليه، وإن لم يكن غسل لم تجز الصلاة عليه، ثم رأينا الشهيد قد سقط عنه أن يغسل؛ فالنظر على ذلك أن يسقط ما هو مضمن بحكم الغسل، ففي هذا ما يوجب ترك الصلاة عليه، إلا أن في ذلك معنى، وهو أنا رأينا غير الشهيد يغسل ليطهر، وهو قبل أن يغسل في حكم غير الطاهر لا تنبغي الصلاة عليه ولا دفنه على حاله تلك حتى ينقل عنها بالغسل، ثم رأينا الشهيد لا بأس بدفنه على حاله تلك قبل أن يغسل، وهو في حكم سائر الموتى الذين قد غسلوا؛ فالنظر على ذلك أن يكون في الصلاة عليهم في حكم سائر الموتى الذين غسلوا؛ هذا هو النظر في هذا الباب مع ما قد شهد له من الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ش: ملخص هذا الكلام: أن النظر والقياس يشهد لا قاله أهل المقالة الأولى؛ لأن الصلاة على الميت مترتبة على الغسل، ألا ترى أن الميت حتف أنفه إذا لم يغسل لا يصلى عليه؟ فالقياس على ذلك أن لا يصلى على الشهيد؛ لأنه لا يغسل بلا خلاف، ولكن فيه معنى آخر ينظر إليه، وهو أن غير الشهيد إنما يغسل ليطهر لأجل الصلاة عليه والشهيد في حكم الموتى الذين غسلوا؛ لأن السيف قد طهَّره، فكأنه مغسول، حقيقة فيصلى عليه. قوله: "مُضَمَّنة بالغسل" بفتح الميم الثانية.

стр. 3667

قوله: "يُغَسل ليطهر وهو قبل أن يغسل في حكم غير الطاهر" فيه بحث، وهو أن الميت هل يتنجس بالموت أم لا؟ فيه أقوال: فقال العراقيون من أصحابنا: يجب الغسل لنجاسة الميت لا بسبب الحدث؛ لأن للآدمي دمًا سائلًا كالحيوانات الباقية فيتنجس بالموت قياسًا على غيره منها، ألا ترى أنه إذا مات في البئر نجسها ولو حمله المصلي لم تجز صلاته ولو لم يكن نجسًا لجازت، كما لو حمل مُحْدِثا ويجوز أن تزول نجاسته بالغسل كرامة. وقال الآخرون: الآدمي لا ينجس لا حيًّا ولا ميتًا، وإنما وجب الغسل لحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسة تحل به إذْ لو كان يتنجس بالموت لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات. وقال الآخرون: هو أمر تُعبِّدنا به كرامة للميت إذ المؤمن مكرم حيًّا وميتًا. فإن قيل: فعلى القول الثاني كان ينبغي أن يقتصر في الغسل على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة. قلت: نعم كان القياس ذلك، ولكن لما حل الحدث في سائر بدنه وجب غسل جميعه، وليس فيه حرج؛ لأن الحدث بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة لا يكتفى فيها بغسل الأعضاء الأربعة بخلاف حالة الحياة، حيث اكتفي فيها بالأعضاء الأربعة للحرج فيما يتكرر كل يوم، فافهم. فإن قيل: أي قول من هذه الأقوال أصوب؟ قلت: قول من قال: إن الميت لا يتنجس بالموت. وذلك لما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: "لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا".

стр. 3668

وأخرجه الحكم مرفوعًا (١) وقال: صحيح على شرطهما. وأخرج الحكم أيضًا (٢): من حديث عمرو بن أبي عمرو، عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس عليكم من غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه؛ فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم". وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري، وفيه رفض لحديث مختلف فيه على محمَّد بن عمرو بأسانيد: "من غسل ميتًا فليغتسل". فإن قيل: روي عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت". وهو حديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣) وقال البيهقي (٤): رواته كلهم ثقات. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ". أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٥) وقال الترمذي (٦): حديث حسن. قلت: قال الحاكم: قال محمد بن يحيى الذهلي: لا نعلم فيمن غسل ميتًا فليغتسل حديثا ثابتًا، ولو ثبت للزمنا استعماله، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث أبي هريرة موقوف، رفعه خطأ لا يرفعه الثقات (٧).

стр. 3669

وقال أبو داود في "سننه": (١) هذا منسوخ، وذكر ابن حبيب، عن مالك أن حديث الغسل من غسل الميت ضعفه بعضهم. وقال ابن العربي: قالت جماعة أهل الحديث: هو حديث ضعيف. وروى الدارقطني في "سننه" (٢): حديثًا صحيحًا، عن ابن عمر: "فمنا من يغتسل، ومنا من لم يغتسل". وقال ابن التين حمله بعضهم على الاستحباب لا الوجوب، وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوب الغسل منه وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه. ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الخطاب بن عثمان الفوزي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن عبد الله قال: "سمعت مكحولًا يسأل عبادة بن أوفى النميري عن الشهداء أيصلى عليهم؟ فقال عبادة: نعم" فهذا عبادة بن أوفى ﵁ يقول هذا ومغازي أصحاب رسول الله ﵇ بعد رسول الله ﵇ إنما كان جلها هناك نحو الشام، فلم يكن يخفي على أهله ما كانوا يصنعون بشهدائهم من الغسل والصلاة وغير ذلك. ش: ذكر هذا تأكيدًا لما ذكره من الدلائل الموجبة للصلاة على الشهيد، وذلك لأن أكثر غزوات الصحابة بعد النبي ﵇ كانت في الشام، وعبادة بن أوفى ممن سكن الشام، ولما سأله مكحول عن الصلاة على الشهداء أيصلى عليهم؟ قال: نعم، وذلك لأنه لم يكن يخفى عليه ما كانوا يفعلون بشهدائهم من الغسل والصلاة ونحوهما، فلو كانوا لا يصلى عليهم لقال: لا؛ فحيث أجاب بنعم دَلَّ على أن الصحابة وغيرهم كانوا يصلون على الشهداء، وفعلهم من غير إنكار واحدٍ عليهم يدل على الإجماع على ذلك.

стр. 3670

وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن الخطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبي عمرو الحمصي شيخ البخاري وكان يعد من الأبدال، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي ثقة، قال دحيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين. وروى له الأربعة. عن سعيد بن عبد الله الأغطش الخزاعي الشامي وثقه ابن حبان، عن مكحول الدمشقي الفقيه روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن عبادة بن أوفى وقيل: ابن أبي أوفى بن حنظلة بن عمرو بن رياح بن جَعْونة بن الحارث بن نمير ابن عامر بن صعصعة أبي الوليد النميري، اختلف في صحبته وهو شامي سكن قنسرين وقيل: دمشق، والله أعلم.

стр. 3671

ص: باب: الطفل يموت، أيصلى عليه أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان الطفل يموت، هل يصلى عليه أم لا؟ قال الجوهري: الطفل المولود، وولد كل وحشية أيضًا طفل، والجمع: أطفال، ويكون الطفل واحدًا وجمعًا مثل الجنب، قال تعالى: ﴿الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ (١). ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا أبو خيثمة، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ دفن ابنه إبراهيم ولم يصل عليه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا يعقوب ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان رجالهما ثقات: الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي نزيل مصر، عن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شداد شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵃ القرشي الزهري المدني روى له الجماعة، عن أبيه إبراهيم بن سعد روى له الجماعة، عن محمَّد بن إسحاق المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية روى لها الجماعة، عن أم المؤمنين عائشة ﵂. وأخرجه أبو داود (٢): نا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت

стр. 3672

عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: "مات إبراهيم ابن النبي ﵉ وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصل عليه رسول الله ﵇". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري والأربعة، عن يعقوب بن إبراهيم ... إلى آخره. وأخرجه أحمد، (١) والبزار، وأبو يعلى في مسانيدهم. وقال حنبل: قال لنا أبو عبد الله: هذا حديث منكر جدًّا، وأجابوا عنه بوجوه: الأول: شغل النبي ﵇ بصلاة الكسوف، وهذا ضعيف. الثاني: أنه استغنى بفضيلة نبوة النبي ﵇ عن الصلاة كما استغنى الشهداء بفضيلة الشهادة عن الغسل والصلاة عليه عند قوم. الثالث: أنه لا يُصلي نبي على نبي، وقد جاء أنه لو عاش لكان نبيًّا. الرابع: أنه لم يصلي عليه بنفسه وصلى عليه غيره. الخامس: أن جماعة رووا عن النبي ﵇ أنه صلى عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى، فخبر المثبت أولى، وهذا أولى الأجوبة وأحسنها على ما لا يخفى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا يصلى على الطفل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سويد بن غفلة وسعيد بن جبير وعمرو بن مرة؛ فإنهم قالوا: لا يصلي على الطفل. واحتجوا بالحديث المذكور، ويروى ذلك عن الزبير بن العوام. وقال ابن حزم في "المحلى" (٢): وروي عن الزبير بن العوام أنه مات ابن له قد لعب مع الصبيان واشتد ولم يبلغ الحلم اسمه عمر؛ فلم يصل عليه.

стр. 3673

وقال أيضًا (١): وتستحب الصلاة على المولود حيًّا ثم يموت، استهل أو لم يستهل، وليس الصلاة عليه فرضًا ما لم يبلغ، أما الصلاة فإنها فعل خير لم يأتي عنها نهي، وأما ترك الصلاة عليه فلما روينا من طريق أبي داود، وروى الحديث المذكور، ثم قال: هذا خبر صحيح، ولكن إنما فيه ترك الصلاة وليس فيه نهي عنها، وقد جاء أثران مرسلان بأنه ﵇ صلى عليه، والمرسل لا حجة فيه. ص: ورووا في ذلك أيضًا عن سمرة بن جندب، حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عقبة بن سيار، قال: حدثني عثمان بن جحاش، وكان ابن أخي سمرة بن جندب قال: "مات ابن لسمرة قد كان سقي ماء، فسمع بكاء فقال: ما هذا؟ فقالوا: على فلان مات، فنهى عن ذلك، ثم دعى بطست أو نقير فغسل بين يديه، وكفن بين يديه، ثم قال لمولاه فلان: انطلق به إلى حفرته، فإذا وضعته في لحده فقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله، ثم أطلق عقد رأسه، وعقد رجليه، وقيل: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، قال: ولم يصل عليه". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن جُلاس، عن ابن جحاش، عن سمرة بن جندب: "أن صبيًّا لهم مات، فقال: ادفنوه ولا تصلوا عليه؛ فإنه ليس عليه إثم، ثم ادعوا الله لأبويه أن يجعله لهما فرطًا وسلفًا". ش: أي روى هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه أيضًا عن سمرة بن جندب، وأخرج حديثه من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن أبي معمر عبد الله ابن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد التميمي أبي عبيدة البصري روى له الجماعة، عن عقبة بن سيار أبي الجلاس الشامي نزيل البصرة وثقه يحيى وابن حبان وروى له أبو داود،

стр. 3674

عن عثمان بن جحاش ابن أخي سمرة بن جندب وثقه ابن حبان، عن سمرة بن جندب ﵁. وأخرجه البيهقي (١): من حديث عبد الوارث، عن عقبة بن سيار، حدثني عثمان ابن أخي سمرة قال: "مات ابن لسمرة -وفيه- قال: انطلق به إلى حفرته، فإذا وضعته في لحده فقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله ﵇، ثم أطلق عقد رأسه وعقد رجليه". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن جلاس -بضم الجيم وتخفيف اللام- وهو أبو الجلاس عقبة بن سيار، وقال شعبة في روايته: حدثني جلاس بدون ذكر أبي. وقال ابن ماكولا: أبو الجُلاس عقبة بن سيار، وقيل: ابن يسار بتقديم الياء آخر الحروف، ويقال: ابن شماس، يروي عن عثمان بن جحاش روى عنه شعبة فلم يضبط اسمه، فقال: حدثني الجُلاس، وروى عنه عبد الوارث فضبطه، وجُلاس أو أبو جُلاس يروي عن ابن جحاش وهو عثمان بن جحاش ابن أخي سمرة بن جندب ووقع في رواية ابن أبي شيبة: علي بن جحاش حيث قال: ثنا غندر، ثنا شعبة، قال: ثنا جُلاس السلمي، قال: سمعت علي بن جحاش قال: سمعت سمرة بن جندب ومات ابن له صغير فقال: "اذهبوا به فادفنوه، ولا تصلوا عليه؛ فإنه ليس عليه إثم، وادعوا الله لوالديه أن يجعله لهما فرطًا وأجرًا". قوله: "ثم دعى بطست" وهو التور، وهو إناء من صُفْر ويقال فيه بفتح الطاء وكسرها، ويقال: طس أيضًا بالفتح والكسر، ويقال: طَسَه أيضًا بالفتح والكسر، وأصل طست: طس، والتاء فيه بدل من السين بدليل جمعه على طسوس، وطساس والعامة يقولونه بالشين المعجمة.

стр. 3675

و"النقير" بفتح النون وكسر القاف أصله النخل ينقر وسطه وينبذ فيه التمر أيضًا. قوله: "فلانٍ" بالجر لأنه بدل من قوله: "لمولاه" والمراد به مولاه الأسفل وهو الذي تحت رقه، أو أعتق منه. قوله: "لا تحرمنا" من حَرَمَه الشيء يَحْرِمه حَرِمًا، من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ، والحَرِم بكسر الراء نحو سَرَقَ سَرِقًا بكسر الراء، ونحوه حرمه حَرِيمة وحرمانًا، وأحرمه أيضًا إذا منعه إياه، وقد تقدم تفسير الفَرَط، والسَّلَف من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين: السَّلَف الصالح. ويستفاد منه أحكام: النهي عن البكاء على الميت ولكن هذا فيما إذا كان بصوت. وأما إذا كان بدون صوت فلا بأس به. وأن الطفل يغسل وأنه يكفن وأنه لا يصلى عليه. وأن السنة لواضع الميت في قبره أن يقول: بسم الله وعلى سنة رسول الله، وأنه يحل العقد من رأسه ورجليه؛ لأنه إنما كان لخوف انتشار الكفن، وقد حصل الأمن عنه بعد وضعه في القبر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يصلى على الطفل. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن أبي ليلى وابن المسيب وابن سيرين والزهري والنخعي والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا يوسف ومحمدًا ﵏؛ فإنهم قالوا: يصلي على الطفل. وإليه ذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال أصحابنا: إذا استهل المولود ميتًا سمي وغسل وصُلي عليه، وكذا إذا استهل ثم مات لحينه، والاستهلال أن

стр. 3676

يكون منه ما يدل على حياته، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يمسى، وعند الطحاوي أن الجنين الميت يغسل، ولم يحك خلافًا، وعن محمَّد: في سقط استبان خلقه: يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرك صلي عليه، وإن خرج أقله لم يصل عليه. وفي "شرح المهذب": إذا استهل السقط صلي عليه؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "إذا استهل السقط صلي عليه وورث" وهو حديث غريب، وإنما هو معروف من رواية جابر. ومن رواية جابر بن عبد الله رواه الترمذي (١) وقال: كأن الموقوف أصح، وقال النسائي (٢): الموقوف أولى بالصواب. ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط. وعن مالك: لا يصلى على الطفل إلا أن يختلج أو يتحرك. وعن ابن عمر أنه يصلى عليه وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق. قال العبدري: إن كان له دون اربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف يعني بالإجماع، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء، وقال أحمد وداود: يصلى عليه. وقال ابن قدامة: السقط الولد تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًّا واستهل فإنه يصلى عليه بعد غسله بلا خلاف، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه، وإن لم يستهل قال أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غُسِّلَ وصلي عليه وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحاق، وصلى ابن عمر على ابن لابنه ولد ميتًا، وقال الحسن وإبراهيم والحكم وحماد

стр. 3677

ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يصلي عليه حتى يستهل، وللشافعي قولان كالمذهبين. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "جاءت الأنصار بصبي لهم إلى النبي ﵇ ليصلي عليه، فقلت -أو قيل له-: هنيئًا له يا رسول الله لم يعمل سوءًا قط ولم يدركه، عصفور من عصافير الجنة، قال: أو غير ذلك، إن الله لما خلق الجنة خلق لها أهلًا وهم في أصلاب أبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب أبائهم". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة ﵂. وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم ورجاله كلهم رجال مسلم، وسفيان هو ابن عيينة، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله القرشية المدنية، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁. وأخرجه مسلم في كتاب القدر (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: "دعي رسول الله ﵇ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا؛ عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم". وأخرجه أبو داود، (٢) والنسائي (٣) أيضًا. قوله: "أو قيل له" شك من الراوي، وفاعل قلت هو عائشة ﵂.

стр. 3678

قوله: "هنيئًا له" أي للصبي المذكور، وانتصاب هنيئًا على أنه اسم جارٍ مجرى المصدر في انتصابه بعامل محذوف، والمعنى: هنؤ له هنيئًا، يقال: هنؤ الطعام يهنؤ هناءة أي صار هنيئًا، وكذلك هنيء الطعام مثل فَقِهَ وفَقُهَ، وكل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنيء، وقد يجيء انتصابه على الحال، نحو قولك: هنيئًا لك المال، والتقدير: ثبت لك المال أو دام حال كونه هنيئًا، وعلى الصفة أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ (١) أي أكلًا هنيئًا وشربًا هنيئًا. قوله: "عصفور" خبر مبتدأ محذوف، أي هو عصفور. قوله: "أو غير ذلك" أي أو يكون غير ما ذكرت يا عائشة، وأراد ﵇ بذلك أن أحدًا لا يجزم عليه بأنه من أهل الجنة وإن كان صغيرًا لم يعمل سوءًا قط إلا الأنبياء ﵈؛ فإنهم مقطوع لهم بالجنة، وكذلك من شهد له النبي ﵇ بالجنة. ويستنبط منه أحكام: الأول: أنه يدل على أن الطفل يصلى عليه. فإن قيل: كيف يدل الحديث على ذلك وليس فيه أنه صلى عليه؟ قلت: إنما جاءت الأنصار بصبيهم إلى النبي ﵇ علمًا منهم أنه ﵇ كان يصلي على الأطفال، ولو كانوا علموا خلاف ذلك لما جاءوا به إليه، وأيضًا لو لم يصل عليه لبين ذلك في الحديث؛ فإنهم جاءوا لأجل الصلاة، فلو كان الطفل لا يصلى عليه لأعلمهم النبي ﵇ بذلك. الثاني: فيه دلالة على أن الأطفال كلهم من المسلمين ومن الكافرين في مشيئة الله تعالى يصيرهم إلى ما شاء من رحمة أو عذاب، وذلك كله عدل منه، وهو أعلم بما كانوا عاملين، وهذا مذهب طائفة من العلماء، واحتجوا في ذلك أيضًا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇: "كل بني آدم يولد على الفطرة ... " الحديث،

стр. 3679

وفيه: "قيل: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (١). قال أبو عمر (٢): هذا يقتضي كل مولود لمسلم وغير مسلم، ولحديث أبي هريرة أيضًا قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الأطفال، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين". هكذا قال "الأطفال" لم يخص طفلًا من طفل، وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم: حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأكثر أصحاب مالك، قال أبو عمر: وليس عن مالك في ذلك شيء مخصوص. وقالت طائفة: أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في المشيئة، وحجتهم حديث أبي هريرة وغره عن النبي ﵇ قال: "ما من المسلمين مَنْ يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وآباءهم الجنة بفضل رحمته، يجاء بهم يوم القيامة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي". وقالت طائفة: حكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم في الدنيا والآخرة، وهو مؤمنون بإيمان آبائهم وكافرون بكفر آبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحجتهم: حديث سلمة بن يزيد الجعفي قال: "أتيت النبي ﵇ أنا وأختي، فقلنا: يا رسول الله، إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وتفعل وتفعل، فهل ينفعنا من عملها شيء؟ قال: لا، قلنا: فإن أمنا وأدت أختًا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله ﵇: أرأيتم الوائدة والموءودة فإنهما في النار إلا أن تدرك الوائدة الإِسلام فيغفر لها".

стр. 3680

قال أبو عمر: هذا الحديث صحيح من جهة الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في غير مقصوده، فكانت الإشارة إليها، والله أعلم. وقالت طائفة: أولاد المسلمين وأولاد المشركين إذا ماتوا صغارًا في الجنة، وحجتهم حديث عائشة ﵂ قالت: "سألت خديجة النبي ﵇ عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال: هم على الفطرة أو قال: في الجنة". وذكر ابن سنجر، ثنا هوذة، ثنا عوف، عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثني عمي قال: "قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة". وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵇: "سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم". قال أبو عمر: إنما قال: قيل للأطفال اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم. وقالت طائفة: أولاد المشركين خدم أهل الجنة، وحجتهم ما رواه الحجاج بن نُصير، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس ﵁ عن النبي ﵇ قال: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة". وعن أنس أيضًا قال: قال رسول الله ﵇: "الولدان -أو قال: الأطفال- خدم أهل الجنة". وذكر البخاري في حديث رجاء العطاردي، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ الحديث الطويل حديث الرؤيا. وفيه قوله ﵇: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﵇: "وأولاد المشركين". وقالت طائفة: يمتحنون في الآخرة، وحجتهم حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇ في الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود، قال: يقول الهالك في
следующие страницы →