يكون منه ما يدل على حياته، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يمسى، وعند الطحاوي أن الجنين الميت يغسل، ولم يحك خلافًا، وعن محمَّد: في سقط استبان خلقه: يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرك صلي عليه، وإن خرج أقله لم يصل عليه.
وفي "شرح المهذب": إذا استهل السقط صلي عليه؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "إذا استهل السقط صلي عليه وورث" وهو حديث غريب، وإنما هو معروف من رواية جابر.
ومن رواية جابر بن عبد الله رواه الترمذي (١) وقال: كأن الموقوف أصح، وقال النسائي (٢): الموقوف أولى بالصواب.
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط. وعن مالك: لا يصلى على الطفل إلا أن يختلج أو يتحرك. وعن ابن عمر أنه يصلى عليه وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق.
قال العبدري: إن كان له دون اربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف يعني بالإجماع، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء، وقال أحمد وداود: يصلى عليه.
وقال ابن قدامة: السقط الولد تضعه المرأة ميتًا أو لغير تمام، فأما إن خرج حيًّا واستهل فإنه يصلى عليه بعد غسله بلا خلاف، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلي عليه، وإن لم يستهل قال أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غُسِّلَ وصلي عليه وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحاق، وصلى ابن عمر على ابن لابنه ولد ميتًا، وقال الحسن وإبراهيم والحكم وحماد
стр. 3677
ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يصلي عليه حتى يستهل، وللشافعي قولان كالمذهبين.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "جاءت الأنصار بصبي لهم إلى النبي ﵇ ليصلي عليه، فقلت -أو قيل له-: هنيئًا له يا رسول الله لم يعمل سوءًا قط ولم يدركه، عصفور من عصافير الجنة، قال: أو غير ذلك، إن الله لما خلق الجنة خلق لها أهلًا وهم في أصلاب أبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب أبائهم".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة ﵂.
وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم ورجاله كلهم رجال مسلم، وسفيان هو ابن عيينة، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله القرشية المدنية، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁.
وأخرجه مسلم في كتاب القدر (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: "دعي رسول الله ﵇ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا؛ عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم".
وأخرجه أبو داود، (٢) والنسائي (٣) أيضًا.
قوله: "أو قيل له" شك من الراوي، وفاعل قلت هو عائشة ﵂.
стр. 3678
قوله: "هنيئًا له" أي للصبي المذكور، وانتصاب هنيئًا على أنه اسم جارٍ مجرى المصدر في انتصابه بعامل محذوف، والمعنى: هنؤ له هنيئًا، يقال: هنؤ الطعام يهنؤ هناءة أي صار هنيئًا، وكذلك هنيء الطعام مثل فَقِهَ وفَقُهَ، وكل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنيء، وقد يجيء انتصابه على الحال، نحو قولك: هنيئًا لك المال، والتقدير: ثبت لك المال أو دام حال كونه هنيئًا، وعلى الصفة أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ (١) أي أكلًا هنيئًا وشربًا هنيئًا.
قوله: "عصفور" خبر مبتدأ محذوف، أي هو عصفور.
قوله: "أو غير ذلك" أي أو يكون غير ما ذكرت يا عائشة، وأراد ﵇ بذلك أن أحدًا لا يجزم عليه بأنه من أهل الجنة وإن كان صغيرًا لم يعمل سوءًا قط إلا الأنبياء ﵈؛ فإنهم مقطوع لهم بالجنة، وكذلك من شهد له النبي ﵇ بالجنة.
ويستنبط منه أحكام:
الأول: أنه يدل على أن الطفل يصلى عليه.
فإن قيل: كيف يدل الحديث على ذلك وليس فيه أنه صلى عليه؟
قلت: إنما جاءت الأنصار بصبيهم إلى النبي ﵇ علمًا منهم أنه ﵇ كان يصلي على الأطفال، ولو كانوا علموا خلاف ذلك لما جاءوا به إليه، وأيضًا لو لم يصل عليه لبين ذلك في الحديث؛ فإنهم جاءوا لأجل الصلاة، فلو كان الطفل لا يصلى عليه لأعلمهم النبي ﵇ بذلك.
الثاني: فيه دلالة على أن الأطفال كلهم من المسلمين ومن الكافرين في مشيئة الله تعالى يصيرهم إلى ما شاء من رحمة أو عذاب، وذلك كله عدل منه، وهو أعلم بما كانوا عاملين، وهذا مذهب طائفة من العلماء، واحتجوا في ذلك أيضًا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇: "كل بني آدم يولد على الفطرة ... " الحديث،
стр. 3679
وفيه: "قيل: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" (١).
قال أبو عمر (٢): هذا يقتضي كل مولود لمسلم وغير مسلم، ولحديث أبي هريرة أيضًا قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الأطفال، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين". هكذا قال "الأطفال" لم يخص طفلًا من طفل، وإلى هذا ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم: حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأكثر أصحاب مالك، قال أبو عمر: وليس عن مالك في ذلك شيء مخصوص.
وقالت طائفة: أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار في المشيئة، وحجتهم حديث أبي هريرة وغره عن النبي ﵇ قال: "ما من المسلمين مَنْ يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وآباءهم الجنة بفضل رحمته، يجاء بهم يوم القيامة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا، فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي".
وقالت طائفة: حكم الأطفال كلهم كحكم آبائهم في الدنيا والآخرة، وهو مؤمنون بإيمان آبائهم وكافرون بكفر آبائهم، فأولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحجتهم: حديث سلمة بن يزيد الجعفي قال: "أتيت النبي ﵇ أنا وأختي، فقلنا: يا رسول الله، إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وتفعل وتفعل، فهل ينفعنا من عملها شيء؟ قال: لا، قلنا: فإن أمنا وأدت أختًا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله ﵇: أرأيتم الوائدة والموءودة فإنهما في النار إلا أن تدرك الوائدة الإِسلام فيغفر لها".
стр. 3680
قال أبو عمر: هذا الحديث صحيح من جهة الإسناد، إلا أنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في غير مقصوده، فكانت الإشارة إليها، والله أعلم.
وقالت طائفة: أولاد المسلمين وأولاد المشركين إذا ماتوا صغارًا في الجنة، وحجتهم حديث عائشة ﵂ قالت: "سألت خديجة النبي ﵇ عن أولاد المشركين، فقال: هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ قال: هم على الفطرة أو قال: في الجنة". وذكر ابن سنجر، ثنا هوذة، ثنا عوف، عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثني عمي قال: "قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة". وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﵇: "سألت ربي عن اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم". قال أبو عمر: إنما قال: قيل للأطفال اللاهين؛ لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقد ولا عزم.
وقالت طائفة: أولاد المشركين خدم أهل الجنة، وحجتهم ما رواه الحجاج بن نُصير، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أنس ﵁ عن النبي ﵇ قال: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة". وعن أنس أيضًا قال: قال رسول الله ﵇: "الولدان -أو قال: الأطفال- خدم أهل الجنة".
وذكر البخاري في حديث رجاء العطاردي، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ الحديث الطويل حديث الرؤيا.
وفيه قوله ﵇: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﵇: "وأولاد المشركين".
وقالت طائفة: يمتحنون في الآخرة، وحجتهم حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇ في الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود، قال: يقول الهالك في
стр. 3681
الفترة: لم يأت كتاب ولا رسول ثم تلى ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ (١) الآية، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا، ويقول: المولود: رب لم أدرك العقل، فترفع لهم نار فيقال: رِدُوها وادخلوها قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل، قال: فيقول الله: إياي عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم؟. ذكره ابن سنجر. قال أبو عمر: من الناس من يوقف هذا الحديث عن أبي سعيد ولا يرفعه، منهم: أبو نعيم الملائي. وقال السمرقندي في "أصوله": مذهب أهل السنة: أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة أحدًا بلا ذنب صدر منه، فلا يلحق صبيان الكفار بهم خلافًا للخوارج، وأما في إدخالهم الجنة أو كونهم من أهل الأعراف، أو أنهم صاروا خدم أهل الجنة فاختلف العلماء فيه، وكذا اختلفوا في دخول الجن في الجنة، والأصح أنهم يدخلون الجنة ولكن درجاتهم دون درجات بني آدم في الجنة، وهو اختيار أبي يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: إن الله تعالى، قال في الجن: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) ولم يذكر دخولهم في الجنة صريحًا فيوقف فيه، قلت: وكذا توقف في أطفال المشركين، وهذا من غايته ورعه ومتانة دينه، وذكر إسحاق بن راهويه قال: ثنا يحيى بن أدم، أنا جرير بن جارية، عن أبي رجاء العطاردي، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: "لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا أو كلمة تشبه هاتين حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر".
فإن قيل: قوله ﵇: "كل مولود يولد على الفطرة" يدل بعمومه على أن أطفال المشركين أيضًا على الفطرة، وأنهم إذا ماتوا ما لم يبلغوا الحنث يكونون مع المسلمين في الجنة.
стр. 3682
قلت: قد اختلف العلماء في ذلك وفي معنى الفطرة.
فقالت طائفة: ليس هذا الكلام عامًّا، والمعنى في ذلك أن كل من ولد على الفطرة وكان أبواه على غير دين الإسلام، هوداه أو نصراه أو مجساه، وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين مولودون على الفطرة ولكن المولود على الفطرة بين الأبوين الكافرين يكفرانه، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين يحكم له بحكمهم في صغره، إن كانا يهوديين فهو يهودي، يرثهما ويرثانه، وكذلك لو كانا نصرانيين أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث، فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه، واحتجوا في ذلك بحديث أُبَيِّ بن كعب ﵁ عن النبي ﵇: "الغلام الذي قتله الخضر ﵇ طبعه الله يوم طبعه كافرًا".
وبما رواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد يرفعه: "ألا إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا".
ففي هذين دلالة على أن قوله: "كل مولود" ليس على العموم وأن المعنى فيه: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان أو نصرانيان؛ فإنهما يهودانه وينصرناه، ثم يصير عند بلوغه إلي ما يحكم به عليه، ودفعوا رواية من روى: "كل بني آدم يولد على الفطرة". قالوا: ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه حجه أيضًا؛ لأن الخصوص يجوز دخوله على هذا اللفظ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) ولم تدمر، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢) ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة، ومثل هذا كثير.
стр. 3683
وقال آخرون: المعنى في ذلك كل مولود من بني آدم فهو يولد على الفطرة أبدًا، وأبواه يحكم له بحكمهما، إن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ممن يعبر عنه لسانه، يدل على ذلك رواية من روى: "كل بني آدم يولد على الفطرة" وحق الكلام أن يجري على عمومه. وأجابوا عن حديث سعيد بن منصور بجوابين:
الأول: أنه ضعيف معلول بعلي بن زيد بن جدعان.
الثاني: لا معارضة بينه وبين معنى العموم في هذا الحديث؛ لأن من ولد مؤمنًا وعاش عليه ومات عليه وكذا عكسه وما أشبهه كله راجع إلى علم الله تعالى، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين والعياذ بالله يكون سبق في علم الله غير ذلك، وكذا من ولد بين كافرين، وإلى هذا أيضًا يرجع غلام الخضر ﵇، وقد روى قتادة عن عكرمة: "أن الغلام الذي قتله الخضر كان رجلًا، وكان قاطع طريق"، والدليل عليه حديث الزهري عن محمد بن عبد الله بن نوفل، عن عبد المطلب بن ربيعة، قال: "اجتمعت أنا والفضل بن عباس ونحن غلامان شابان قد بلغنا في ذكره من كراهية الصدقة لبني هاشم" ورد هذا بأنه كلام خارج عن العرف والمجاز وقد سمى الله الإنسان الذي قتله الخضر غلامًا، فالغلام عند أهل اللغة هو الصبي، يقع عليه عند بعضهم اسم غلام من حين يفطم إلى سبع سنين، وعند بعضهم يسمى غلامًا وهو رضيع إلى سبع سنين، ثم يصير يافعًا ويناعًا إلى عشر سنين، ثم يصير حزورًا إلى خمس عشر سنة، وقد قال بعضهم: لم يقتله الخضر إلا وهو كافر، قد كفر بعد إدراكه وبلوغه، أو عمل عملًا استوجب به القتل فقتله، ورد هذا بأنه تخرص وظن لم يصح في الأثر، ولا جاء به خبر، ولا يعرفه أهل العلم، ولا أهل اللغة؛ فافهم.
ثم اختلف العلماء في معنى الفطرة، فذكر أبو عبيد أنه سأل محمَّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة عن معنى الحديث فما أجابه بأكثر من أن قال: هذا القول من النبي ﵇ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، كأنه حاد عن الجواب إما إشكالًا
стр. 3684
له أو لكراهة الخوض فيه، وقوله: قبل أن يؤمر الناس بالجهاد غير جيد؛ لأن في حديث الأسود بن سريع يبين أن ذلك كان بعد الجهاد، وهو قوله، قال رسول الله ﵇: "ما بال قوم بلغوا في القتل إلى الذرية، إنه ليس مولود إلا وهو يولد على الفطرة، فيعبر عنه لسانه" (١).
ورواه ابن حبان في "صحيحه" (٢) ولفظه: "ما من مولود يولد إلا على فطرة الإِسلام حتى يعرب".
وقال أبو حاتم: يريد الفطرة التي يعتقدها أهل الإسلام حيث أخرج الخلق من صلب آدم ﵇ فاقروا له بتلك الفطرة من الإسلام، فنسب الفطرة إلى الإسلام عند الاعتقاد على سبيل المجاورة.
وقالت طائفة: الفطرة ها هنا الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا كبر وبلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك، قالوا: لأن الفطرة: الخلقة، والفاطر: الخالق، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا وبنيةً، ليس فيها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ثم يعتقدون الإيمان أو غيره إذا ميزوا.
واحتجوا بقوله في الحديث: "كما تنتج البهيمة جمعاء -يعني سالمة- هل تحسون فيها من جدعاء؟ " يعني مقطوعة الأذن، فَمَثَّلَ قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم تجدع بعد ذلك، فكذا قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس بهم كفر حينئذ ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار، مثل البهائم السالمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطن فكفر أكثرهم إلا من عصمه الله تعالى، قالوا: ولو كان
стр. 3685
الأطفال قد فطروا على الكفر أو الإيمان في أول أمرهم ما انتقلوا عنه أبدًا، فقد تجدهم مؤمنين ثم يكفرون ثم يؤمنون، ويستحيل أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئًا؛ لأن الله تعالى أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
قال أبو عمر: هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا، والله أعلم.
وقال الباقلاني: المراد أن كل مولود يولد في دار الإسلام فحكمه حكم الدار، وأنه لاحق بكونه مولدًا موجودًا بأحكام المسلمين في تولي أمره ووجوب الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ومنعه من اعتقاد غير الإسلام إذا بلغ.
وقوله: "فأبواه يهودانه" يريد أنه إذا ولد على فراشهما لحق بأحكامهما في تحريم تولي أمره ولم يرد أنهما يجعلانه يهوديًّا ولا نصرانيًّا.
وقال القزاز في "جامعه": قال بعض المفسرين في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" إنما قال: هذا قبل أن تنزل الفرائض؛ لأنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات أبواه قبل أن يهودانه أو ينصرانه لما كان يرثهما ويرثانه، فلما نزلت الفرائض عُلِمَ أنه يولد على دينهما.
وقالت طائفة: الفطرة هنا: الإسلام، وهو المعروف عند السلف من أهل العلم بالتأويل؛ فإنهم أجمعوا في قول الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١) قالوا: هي دين الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم في الطفل.
وقالت طائفة: معنى قوله: "على الفطرة": على البَدْأَة التي ابتدأهم عليها، أي على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم من آبائهم واعتقادهم فكأنه قال: كل
стр. 3686
مولود يولد على ما ابتدأه عليه، قال محمد بن نصر: وقد كان أحمد يذهب إلى هذا القول ثم تركه، قال أبو عمر: مذهب مالك نحو هذا.
وقالت طائفة: معنى ذلك: أن الله تعالى قد فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (١) فقالوا جميعا: بلى، فأما أهل السعادة فقالوا: بل على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة فقالوا: بل كرهًا لا طوعًا، وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٢) وإلى هذا ذهب ابن راهويه.
وقالت طائفة: معناها ما أخذه الله من الميثاق على الذرية، فأقروا جميعًا له تعالى بالروبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مطبوعين علي تلك المعرفة وذلك الإقرار.
وقالت طائفة: الفطرة ما يقلب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء (٣).
الثالث من الأحكام: فيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان؛ ردًّا لما قاله بعض المعتزلة أنهما لم يخلقا الآن وأن الله يخلقهما يوم القيامة.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا حرملة بن يحيى، قال: ثنا ابن هب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه: "أن أبا طلحة دعى رسول الله ﵇ إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي، فأتاهم فصلى عليه رسول الله ﵇، فكان أبو طلحة وراءه، وأم سليم وراء أبي طلحة، لم يكن معهم غيرهم".
стр. 3687
وإنما كان تزويج أبي طلحة أم سليم بعد قدوم النبي ﵇ المدينة بمدّة، وعمير ولده منها في ذلك النكاح توفي وهو طفل، فهذا أخوه عبد الله بن أبي طلحة يذكر أن رسول الله ﵇ صلى عليه.
ش: حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي المصري شيخ مسلم وابن ماجه، قال الحسن بن سفيان: هو صدوق. ويقال: إن الشافعي ﵀ نزل عنده لما قدم مصر وروى عن الشافعي من الكتب ما لم يروه الربيع، وهو ممن أخذ عن الشافعي بمصر وكتب كتبه وتفقه له ولم يخالف مذهبه، ولد سنة ست وستين ومائة، ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين بمصر، وكان أسن أصحاب الشافعي.
وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري روى له الجماعة، وعمرو بن الحارث المصري روى له الجماعة، وعمارة بن غزية بن الحارث الأنصاري المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل، وهو أخو أنس بن مالك لأمه، وأمهما أم سليم بنت ملحان، حنكه النبي ﵇ وسماه عبد الله، ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وروى له مسلم والنسائي.
وأبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي ﵇ وهو أحد النقباء.
واستفيد منه: أن الطفل يُصلى عليه لأن عبد الله بن أبي طلحة ذكر في حديثه هذا أن رسول الله ﵇ صلى على أخيه عمير حين توفي وأن المراة تتأخر عن الرجل في الصلاة ومكانها وراء الرجل، وفيه دلالة على جواز الإعلام بالميت للأئمة وطلبهم إلى الصلاة عليه.
قوله: "وإنما كان تزويج أبي طلحة أم سليم ... " إلى آخره، وأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية أم أنس بن مالك وأخت أم حرام بنت ملحان، لها صحبة، يقال: إنها الغميصاء، ويقال: الرميصاء، كانت تحت مالك بن النضر
стр. 3688
في الجاهلية فولدت له أنسًا، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها، وعرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك، ثم خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري خطبها مشركًا، فلما علم أنه لا سبيل له عليها إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه، فوُلِدَ له منها غلام كان قد أعجب به فمات صغيرًا، فأسف عليه. قاله ابن عبد البر، ويقال: إنه أبو عمير صاحب النغير، ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وقد ذكرناه الآن.
ص: حدثنا عبد العزيز بن معاوية، قال: ثنا إسماعيل بن سعيد الجبري، قال: ثنا أبي، عن زياد بن جبير بن حية، عن أبيه -فيما يحسب عبد العزيز يشك في أبيه خاصة- عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﵇: "الطفل يصلى عليه".
ش: عبد العزيز بن معاوية القرشي قال الدارقطني: لا بأس به.
وإسماعيل بن سعيد بن عبيد الله الجبيري -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة قاله ابن ماكولا- قال أبو حاتم: شيخ. روى له الترمذي.
وهو يروي عن أبيه سعيد بن عبيد الله بن جبير، وثقه يحيى وأبو زرعة، وروى له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وهو يروي عن عمه زياد بن جبير روى له الجماعة، وزياد يروي عن أبيه جبير بن حَيَّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، قاله ابن ماكولا، روى له الجماعة سوى مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا وكيع، عن سعيد بن عبيد الله، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﵇ قال: "الطفل يصلى عليه".
стр. 3689
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمد بن بشار، ثنا روح بن عبادة، نا سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حَيَّة، حدثني عمي زياد بن جبير، حدثني أبي جبير بن حية، أنه سمع المغيرة بن شعبة يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الطفل يصلى عليه".
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام، عن ليث، عن عامر، عن البراء قال: قال رسول الله ﵇: "أحق ما صليتم عليه أطفالكم".
ش: أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، وعبد السلام هو ابن حرب الملائي أبو بكر الكوفي روى له الجماعة، وليث هو ابن أبي سليم روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم مقرونًا بغيره.
وعامر هو ابن شراحيل الشعبي، وفي رواية البيهقي عاصم موضع عامر.
وأخرجه (٢): من حديث عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن عاصم، عن البراء قال: قال رسول الله ﵇: "أحق ما صليتم عليه أطفالكم".
قال الذهبي في "مختصر السنن": ليث لين، وعاصم لا يعرف.
ص: وقد قال عامر الشعبي: إن رسول الله ﵇ قد كان صلى على ابنه إبراهيم ﵇ ولم يكن ليقول ذلك إلا وقد كان ثبت عنده.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي قال: "مات إبراهيم ابن رسول الله ﵇ وهو ابن ستة عشر شهرًا، فصلى عليه النبي ﵇".
حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: حدثني شريك، عن جابر ... فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "وهو ابن ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا".
стр. 3690
ش: أخرج عن الشعبي أولًا معلقًا، ثم أسند عنه من طريقين بالإرسال:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال، وقد تكرر ذكره.
عن عامر بن شراحيل الشعبي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر: "أن النبي ﵇ صلى عليه وهو ابن ستة عشر شهرًا -يعني ابنه إبراهيم-.
وكذا أخرجه عبد الرزاق مرسلًا (٢).
الثاني: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، عن الهيثم بن جميل البغدادي نزيل أنطاكية الثقة الحافظ، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن جابر الجعفي، عن الشعبي ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٣) ثم قال: وكونه صلى عليه هو أشبه بالأحاديث الصحيحة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤) مسندًا متصلًا: ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن البراء قال: "صلى رسول الله ﵇ على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرًا".
وفي "الطبقات الكبير" (٥) لمحمد بن سعد: عن محمَّد بن عمر: "ولد إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة".
стр. 3691
وعن الشعبي (١): "توفي وله ستة عشر شهرًا".
وعن محمود بن لبيد (٢): "توفي وله ثمانية عشر شهرًا".
وفي حديث (٣) بشير ابن أخت مارية: "مات يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر".
ويقال: بلغ ستة عشر شهرًا وثمانية أيام، وقيل: سبعة عشر شهرًا، وقيل: سنة وعشرة أشهر وستة أيام.
وفي "سنن أبي داود" (٤): "توفي وله سبعون يومًا".
وعن (٥) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: "أول من دفن بالبقيع ابن مظعون، ثم اتبعه إبراهيم".
وعن (٦) الزهري، قال رسول الله ﵇: "لو عاش إبراهيم لوضعت الجزية عن كل قبطي".
وعن (٦) مكحول: "أن رسول الله ﵇ قال في إبراهيم: "لو عاش ما رَقَّ له خالٌ".
ص: ففي هذه الآثار إثبات الصلاة على الأطفال، فلما تضادت الآثار في ذلك وجب أن ننظر إلى ما عليه عمل المسلمين الذي قد جرت عليه عاداتهم، فيعمل على ذلك ويكون ناسخًا لما خالفه، فكانت عادة المسلمين الصلاة على أطفالهم، فثبت ما وافق ذلك من الآثار، وانتفى ما خالفه؛ فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
стр. 3692
ش: أراد بهذه الآثار: التي رواها عن عائشة وعبد الله بن أبي طلحة، عن أبي طلحة والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب وعامر الشعبي مرسلًا، وحاصل كلامه: أن أحاديث هؤلاء لما تضادت ما روي عن سمرة وعن عروة عن عائشة اللذين يدلان على نفي الصلاة على الأطفال، أُعْمِلَت العادة في ذلك، فما وافق من الآثار عادات المسلمين ثبت، وما خالف انتفى، وعن هذا قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الطفل إذا عُرِفَت حياته واستهل صُلي عليه.
فإذا كان كذلك يكون الإجماع منعقدًا على العمل بالأحاديث المثبتة للصلاة على الأطفال.
فإن قيل: ما وجه قول الطحاوي ويكون ناسخًا لما خالفه، وما وجه هذا النسخ؟
قلت: لم يُرد بذلك النسخ المصطلح عليه، وإنما أراد بذلك معناه اللغوي، بمعنى ويكون رافعًا لما خالفه من الآثار بسبب انعقاد الإجماع على خلاف ما خالفه.
ص: وأما وجهه من طريق النظر، فإنا رأينا الأطفال يغسلون باتفاق المسلمين، وقد رأينا البالغين كل من غُسِّل منهم صلي عليه، ومن لم يغسل من الشهداء ففيه اختلاف، فمن الناس من يصلى عليه ومنهم من لا يصلى عليه؛ فكان الغسل لا يكون إلا وبعده صلاة، وقد تكون صلاة ولا غسل قبلها، فلما كان الأطفال يغسلون كما يغسل البالغون؛ ثبت أنه يصلى عليهم كما يصلى على البالغين.
فهذا هو النظر في هذا الباب، وقد وافق ما جرت عليه عادة المسلمين من الصلاة على الأطفال، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: أن يقال: كل من يغسل من الموتى يصلى عليه، فالطفل يغسل بالإجماع فيصلى عليه، وكل من لا يغسل لا يصلي عليه إلا الشهيد، فإنه لا يغسل ولكن يصلى عليه، وقد ذكرنا أنه في حكم المغسول فيصلى عليه، ولكن فيه خلاف أشار إليه بقوله: "فمن الناس من يصلي
стр. 3693
عليه" وأراد بهم أبا حنيفة وأصحابه، "ومنهم من لا يصلي عليه" وأراد بهم: الشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم قالوا: لا يصلى عليه.
ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵇:
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، عن يونس، عن نافع، أنه حدثه: "أن عبد الله بن عمر صلى في الدار على مولود له، ثم أمر به فحمل فدفن".
حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن راشد، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن منصور بن أبي منصور، عن أبي هريرة: "أنه استفتي في صبي مولود مات أيصلى عليه؟ قال: نعم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: "رأيت أبا هريرة صلى على منفوس لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: اللهم أعذه من عذاب القبر".
ش: أي قد روي فعل الصلاة على الأطفال عن جماعة من الصحابة ﵃، وأخرج في ذلك عن ثلاثة منهم، وهم: عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة ﵃.
أما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن نافع مولى ابن عمر.
وهؤلاء كلهم رجال مسلم.
وأما أثر جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمَّد بن راشد الخزاعي البصري، أصله شامي وثقه أحمد، وعن يحيى: ثقة صدوق. روى له الأربعة.
عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله.
стр. 3694
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أسباط بن محمَّد، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "إذا استهل صلي عليه وورث، فإذا لم يستهل لا يصلى عليه ولا يورث".
وأخرجه الترمذي (٢) مرفوعًا: ثنا أبو عمار، قال: ثنا محمَّد بن يزيد الواسطي، عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ قال: "الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل".
قال أبو عيسى: هذا حديث قد اضطرب الناس فيه، فرواه بعضهم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ مرفوعًا، وروى الأشعث بن سوار وغير واحد، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفًا، وروى محمَّد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر موقوفًا، وكأن هذا أصح من الحديث المرفوع.
وأما أثر أبي هريرة فأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري روى له الجماعة، عن منصور بن أبي منصور قال في "الميزان": مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عبدة بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة: "أنه كان يقوم على المنفوس من ولده الذي لم يعمل خطيئة فيقول: اللهم من عذاب القبر".
стр. 3695
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: "أنه صلى على المنفوس، ثم قال: اللهم أعذه من عذاب القبر".
وأخرج أيضًا (٢): من حديث نعيم بن حماد، نا ابن المبارك، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة: "أنه كان يصلي على المنفوس الذي لم يعمل خطيئة قط، يقول: اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وذخرًا". قال نعيم: وقيل لبعضهم: "أتصلي على المنفوس الذي لم يعمل خطيئة قط؟ قال: قد صلي على رسول الله ﵇ وكان مغفورًا له بمنزله من لم يعص الله".
قوله: "على منفوس" أي طفل حين يولد.
قوله: "اللهم أعذه من عذاب القبر" يدل على أن عذاب القبر حق ردًّا على من أنكره من المعتزلة، وأنه يعم الصغير والكبير.
فإن قيل: المنفوس الذي لم يعمل خطيئة كيف يعذب في القبر؟
قلت: لما لم يَخْل الصغير عن السؤال في القبر حتى عن نظره إلى الدنيا مرة واحدة أطلق على ذلك العذاب؛ لأن في السؤال نوع عذاب في حقه، والأولى أن يحمل هذا على سؤال الثبات والدوام على ما هو عليه من عدم العذاب في حقه، كما كان رسول الله ﵇ يتعوذ من عذاب القبر مع العلم قطعًا أنه لا يعذب أصلًا.
стр. 3696
ص: باب: المشي بين القبور بالنعال
ش: أي هذا باب في بيان حكم المشي بين القبور بالنعال، وهو جمع نعل، وهو الذي يقال له: التاسومة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا الأسود بن شيبان، قال: ثنا خالد بن سُمَيْر، قال: حدثني بشير بن نهيك، عن بشير بن الخصاصيَّة: "أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا يمشي بين القبور في نعلين، فقال: ويحك يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا وكيع، عن الأسود ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان جيدان:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن الأسود بن شيبان السدوسي البصري مولى أنس بن مالك روى له الجماعة سوى الترمذي ولكن البخاري في غير "الصحيح".
عن خالد بن سُمَيْر السدوسي البصري، وثقه النسائي وروى له أبو داود وابن ماجه.
عن بشير بن نهيك السدوسي البصري، قال العجلي والنسائي: ثقه. وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. روى له الجماعة.
عن بَشير -بفتح الباء- بن الخصاصيَّة الصحابي، والخصاصيَّة أمه، وقد اختلف في نسبه، فقيل: بشير بن نذير، وقيل: بشير بن معبد بن شراحيل والخَصَاصِيَّة: بالخاء المعجمة، وتخفيف الصاد المهملة، وكسر الثانية، وتشديد الياء آخر الحروف.
стр. 3697
وأخرجه الحاكم (١) وصححه، وكذا صححه ابن حزم (٢) والطحاوي أيضًا على ما يأتي، وقال أحمد: إسناده جيد.
وأخرجه أبو داود بأتم منه (٣): ثنا سهل بن بكار، ثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير السدوسي، عن بشير بن نهيك، عن بشير مولى رسول الله ﵇ وكان اسمه في الجاهلية: زحم بن معبد، فهاجر إلى رسول الله ﵇، فقال: "ما اسمك؟ قال: زحم، فقال: بل أنت بشير، قال: بينما أنا أماشي رسول الله ﵇ مر بقبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا -ثلاثًا- ثم مر بقبور المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا، وحانت من رسول الله ﵇ نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك، ألق سبتيتيك، فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﵇ خلعهما فرمى بهما".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن وكيع، عن الأسود بن شيبان ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٤): أنا محمَّد بن عبد الله بن المبارك، قال: نا وكيع، عن الأسود بن شيبان وكان ثقه، عن خالد بن سُمَيْر، عن بَشير بن نهيك، أن بشير بن الخصاصية قال: "كنت أمشي مع رسول الله ﵇، فمر على قبور المسلمين فقال: لقد سبق هؤلاء شرًّا كثيرًا، ثم مر على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيرًا كثير، فحانت منه التفاتة فرأى رجلًا يمشي بين القبور في نعليه، فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما".
стр. 3698
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، نا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، عن بشير بن نهيك، عن بشير بن الخصاصية قال: "بينا أنا أمشي مع رسول الله ﵇ فقال: يا ابن الخصاصية ما تنقم على الله؟ أصبحت تماشي رسول الله، فقلت: يا رسول الله ما أنقم على الله شيئًا، كل خير قد أتانيه الله، فمر على مقابر المسلمين فقال: أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا، ثم مر على مقابر المشركين فقال: سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا، قال: فالتفت فرأى رجلًا يمشي بين المقابر في نعليه، فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما".
قوله: "ويحك" كلمة ترحم، كما أن "ويلك" كلمة دعاء بالهلاك.
و"السِّبْتيَّة" بكسر السين وسكون الباء الموحدة نسبة إلى السِّبْت، وهو جلود البقر المدبوغة بالقرظ تتخذ منها النعال سميت بذلك؛ لأن شعرها قد سبت عنها أي حلق وأزيل، وقيل: لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت، وإنما أطلق ﵇ على النعل المتخذ من السبت سِبْتِيًّا بالنسبة، وقد جاء في بعض الروايات بدون النسبة: "يا صاحب السِّبْتين" فهذا من قِبَل قولهم: فلان يلبس الصوف والإبْرَيْسَم وأراد به الثياب المتخذة منها، وهذا على طريق الاتساع والمجاز.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فكرهوا المشي بالنعال بين القبور.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر؛ فإنهم كرهوا المشي بالنعال بين القبور.
وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يحل لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وهما اللذان لا شعر فيهما، فإن كان فيهما شعر جاز ذلك، فإن كانت إحداهما بشعر والأخرى بلا شعر جاز المشي فيهما.
стр. 3699
وفي "المغني": وتخلع النعال إذا دخل المقابر هذا مستحب، ثم روى الحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﵇ أمر ذلك الرجل بخلع النعلين لا لأنه كره المشي بين القبور بالنعال، لكن لمعنى آخر من قذر رأه فيهما يقذر القبور، وقد رأينا رسول الله ﵇ صلى وعليه نعلاه، ثم أُمِرَ بخلعهما فخلعهما وهو يصلي، فلم يكن ذلك على كراهة الصلاة في النعلين، ولكنه للقذر الذي فيهما.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري ومحمد بن سيرين والنخعي والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وجماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم؛ فإنهم أباحوا المشي بين القبور في النعال إذا كانت طاهرة، وقال ابن قدامة: وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسًا.
قوله: "فقالوا" أي هؤلاء الآخرون، وأراد به الجواب عن الحديث المذكور، بيانه: أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ أمر صاحب السِّبْتيِتَين بالخلع لا لكون المشي بين القبور بالنعال مكروهًا، ولكن لما رأى ﵇ قذرًا فيهما يقدر القبور فلذلك أمر بخلعهما.
وقال ابن الأثير: إنما اعترض عليه بالخلع احترامًا للمقابر لأنه كان يمشي بينها، أو لاختياله في مشيه، ومنه حديث ابن عمر: "إنك تلبس النعال السِّبتية" إنما اعترض عليه لأنها نعال أهل النعمة والسعة.
وقال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيه من الخيلاء؛ لأنها من لباس أهل السرف والتنعيم، فأحب أن يكون دخوله المقبرة على زي التواضع والخشوع.
وقال ابن الجوزي: هذا تكلف من الخطابي؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يلبس النعال السبتية ويتوخى التشبه بسيدنا رسول الله ﵇ في نعاله؛ لأن نعاله كانت
стр. 3700
سبتية، أو لأن السبتية كانت تشبهها، وما كان ابن عمر يقصد التنعيم بل يقصد السنة، وليس في هذا الحديث سوى الحكاية عمن يدخل المقابر، وذلك لا يقتضي إباحة ولا تحريمًا، ويدل على أنه أمره بخلعهما احترامًا للقبور؛ لأنه نهى عن الاستناد إلى القبر والجلوس عليه. انتهى.
وفيه ذهول عما ورد في بعض الأحاديث: أن صاحب القبر كان يُسأل، فلما سمع صرير السبتيتين أصغى إليه فكاد يهلك لعدم جواب الملكين، فقال له النبي ﵇: "ألقهما لئلا تؤذي صاحب القبر". ذكره أبو عبد الله الترمذي.
قوله: "وقد رأينا رسول الله ﵇ صلى وعليه نعلاه" ذكره شاهدًا لما قاله من قوله: "لكن لمعنى آخر ... "، إلى آخره، أي صلى والحال أن نعليه في رجليه، ثم أُمِرَ بخلعهما فخلعهما، والحال أنه يصلي، فلم يكن ذلك الأمر بخلع نعليه لأجل كراهة الصلاة فيهما، ولكنه للقذر الذي كان فيهما، وهذا أيضًا كذلك.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على إباحة المشي بين القبور بالنعال:
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇ ... فذكر حديثًا طويلًا في المؤمن إذا دفن في قبره: "والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالهم حين تولوا عنه مدبرين".
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن عمرو ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حميد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه، مثله.
فهذا يعارض الحديث الأول؛ إذ كان معناه على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، ولكنا لا نحمله على المعارضة ونجعل الحديثين صحيحين، فنجعل النهي الذي كان في حديث بشير للنجاسة التي كانت في النعلين؛ لئلا تنجس القبور، كما قد نُهِيَ أن
стр. 3701
يتغوط عليها أو يبال، وحديث أبي هريرة على إباحة المشي بالنعال التي لا قذر فيها بين القبور.
فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
ش: ذكر حديث أبي هريرة لكونه حجة لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، ووفق أيضًا بينه وبين حديث بشير بن الخصاصية؛ لأنه يقع بينهما التعارض إذا حمل معنى حديث بشير على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر.
ووجه التوفيق الذي ذكره: هو أن حديث بشير محمول على أنه كانت فيه نجاسة، وكان النهي لذلك لا لأنه كره المشي بين القبور بالنعال كما قد ذكرناه، وهذا معنى قوله: "فهذا يعارض الحديث الأول" أي حديث أبي هريرة هذا يعارض حديث بشير "إذ كان معناه" أي حين كان معناه على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، وهو الحمل على المنع مطلقًا، والباقي ظاهر.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن نصر بن مرزوق، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التميمي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره ومسلم في المتابعات، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة، عن أبي هريرة.
وأخرجه أحمد بن منيع في "مسنده" (١): حدثنا عباد بن عباد المهلبي ويزيد بن هارون -واللفظ لفظ عباد- قالا: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -قال أحمد: دخل أحدهما في حديث الآخر- في الميت إذا وضع في قبره، قال: "إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه ... " الحديث بطوله.
стр. 3702
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف البصري، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ... فذكر الحديث بإسناده نحوه.
وأخرجه الحاكم (١): ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، ثنا محمَّد بن إسحاق الصغاني، ثنا سعيد بن عامر، ثنا محمَّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين ... " الحديث بطوله.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن حميد الطريثيثي أبي الحسن الكوفي شيخ البخاري، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الأسدي الكوفي الأعور روى له الجماعة إلا البخاري، كان يقعد في سدة باب الجامع بالكوفة، فسمى السدي.
عن أبيه عبد الرحمن بن أبي كريمة مولى قيس بن مخرمة، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه قال: "إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين".
ص: وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله ﵇ بما قد ذكرنا عنه في صلاته في نعليه ومن خلعه إياهما في وقت ما خلعهما للنجاسة التي كانت فيهما، ومن إباحته للناس الصلاة في النعال، فمن ذلك:
ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "خلع النبي ﵇ نعليه
стр. 3703
وهو يصلي، فخلع من خلفه، فقال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل ﵇ أخبرني أن في إحداهما قذرًا، فخلعتهما لذلك، فلا تخلعوا نعالكم".
ش: لما ذكر فيما مضى وقد رأينا رسول الله ﵇ صلى وعليه نعلاه ... إلى آخره شرع بين ذلك، فقال: "وقد جاءت الآثار" أي الأحاديث "متواترة" أي متكاثرة "عن رسول الله ﵇ بما قد ذكرنا عنه" أي عن النبي ﵇ "من صلاته في نعليه ... " إلى آخره.
قوله: "فمن ذلك" أي فمن مجئ الآثار في ذلك ما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو غسان وهو مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، قال: ثنا زهير بن معاوية بن حُديج روى له الجماعة، قال: ثنا أبو حمزة -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- واسمه ميمون قاله البزار. وفي "التكميل": ميمون أبو حمزة الأعور القصاب الكوفي الراعي، قال: فيه مقال كثير، فعن أحمد: ضعيف. وعنه: متروك.
وهو يروي عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن ابن مسعود ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا يوسف بن موسى، نا مالك بن إسماعيل، ثنا زهير، ثنا أبو حمزة، قال: ثنا إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "خلع رسول الله ﵇ فخلع من خلفه، فقال: ما حملكم على أن خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: إن جبريل ﵇ أخبرني أن فيها قذرًا فخلعتهما لذلك، فلا تخلعوا نعالكم". قال إبراهيم: "كانوا لا يخلعونها"، قال: "ورأيت إبراهيم يصلي في نعليه"، وهذا الحديث لا نعلمه يروى من حديث إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله إلا من حديث أبي حمزة عنه.
стр. 3704
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أنه يدل على إباحة الصلاة في النعلين، فإذا كان تجوز الصلاة فيهما في المسجد، فالمشي فيهما في القبور بالطريق الأولى.
والثاني: ذكر الخطابي أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه.
قلت: قال أصحابنا: ولو رأى في ثوبه نجاسة ولم يدر متى أصابته لا يعيد صلاته حتى يتحقق، بالإجماع، وفي رواية: "يعيد صلاة يوم وليلة".
فإن قيل: هذا إذا علم بها بعد أن صلى، وأما إذا علم بها وهو في الصلاة، فلا خلاف فيه أنه تفسد صلاته وعليه أن يستأنفهما، فكيف يكون الجواب عن الحديث؛ لأنه ﵇ علم بالنجاسة وهو في الصلاة بإخبار جبريل ﵇ ومع هذا لم يعدها؟
قلت: الجواب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن الحظر مع النجاسة نزل حينئذ.
والثاني: يحتمل أنه كان أقل من قدر الدرهم، وهذا لا يمشي إلا على مذهب الحنفية، فافهم.
الثالث: أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة وهو الذي لا يحتاج فيه إلى استعمال اليدين.
الرابع: ذكر الخطابي أن الاقتداء برسول الله ﵇ في أفعاله واجب كهو في أقواله، وهو أنهم لما رأوا رسول الله ﵇ خلع نعله خلعوا نعالهم، وقد قال الشيخ جلال الدين في كتابه "المغني": إن الأمر يتوقف على الصيغة عندنا خلافًا للشافعي؛ حتى لا تكون أفعال النبي ﵇ موجبة لأنه يصح أن يقال: فلان يفعل كذا ويأمر بخلافه، ولو كان الفعل أمرًا لكان هذا تناقضًا، انتهى.
стр. 3705
قلت: كأنه بني على هذا الاختلاف أن أفعال النبي ﵇ غير موجبة.
فإن قيل: يرد عليه أن النبي ﵇ إذا فعل فعلًا وواظب عليه من غير تركه مرة؛ تكون واجبة مع أنه لم توجد فيه صيغة الأمر.
قلت: يمكن أن يقال: المواظبة أمر زائد على نفس الفعل، والنزاع ليس فيه، ثم تحرير الخلاف في هذا الموضع: أنه إذا نقل إلينا فعل من أفعاله ﵇ التي ليست بسهوٍ مثل الزلات، ولا طبعٍ مثل الأكل والشرب، ولا من خصائصه مثل وجوب التهجد والضحى، ولا بيان لمجمل مثل المسح على الناصية، هل يسعنا أن نقول فيه: أمر النبي ﵇ بكذا، وهل يجب علينا في ذلك اتباعه أم لا؟ فعند مالك في رواية وبعض الشافعية يصح إطلاق الأمر عليه بطريق الحقيقة، ويجب علينا الاتباع، وعندنا: لا، من وجوه ثلاثة:
الأول: يلزم التناقض في قولنا: فلان يفعل كذا ويأمر بخلافه، على تقدير كون الفعل أمرًا والتناقض محال، وكل تقدير يلزم منه المحال فهو محال.
الثاني: لو كان الأمر حقيقة في الفعل لاطرد في كل فعل؛ إذ الاطراد من غير مانع من أمارات الحقيقة ولكنه لم يطَّرد إذ لا يقال: الآكل أو الشارب آمرًا فوجب أن لا يكون حقيقة فيه؛ لأن كل مقصود من مقاصد الفعل كالماضي والحال والاستقبال مختصة بصيغ وضعت لها، والمراد بالأمر من أعظم المقاصد لحصول الابتلاء به فاختصاصه بالعبارة أحق من غيره، فإذا ثبت أصل الموضوع كان حقيقة، ولا يكون حقيقة في غيره، وإلا يلزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل، ويؤيد هذا كله أنه ﵇ لما خلع نعليه في الصلاة خلع الناس نعالهم، فقال ﵇ منكرًا عليهم بعد فراغه من الصلاة: "ما حملكم على خلع نعالكم؟ " فلو كان الفعل موجبًا وأمرًا لصار كأنه أمر بخلع النعال ثم أنكر عليهم وهو باطل، وفيه نظر؛ لأنه ﵇ علل الإنكار في خلع النعال بأن جبريل ﵇ قد أتاه وأخبره بأن في إحداهما قذرًا، فالإنكار وقع لأمر زائد على الاتباع وكيف يجو الإنكار على نفس الاتباع وقد أمرنا
стр. 3706
بالاتباع والتأسي به لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ (١)، ولقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، ولقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣)، وفعله مما أتى به.
قلت: الصحيح المختار عند فخر الإسلام وشمس الأئمة ما قاله أبو بكر الرازي الجصاص: أن ما علمنا من أفعال النبي ﵇ واقعًا على صفة من كونها واجبة أو مندوبة أو مباحة علينا اتباعه، والاقتداء على تلك الصفة، وما لم نعلم من أفعاله على أي صفة فعلها فلنا متابعته على أدنى منازل أفعاله وهي الإباحة؛ لأن الاتباع والاقتداء برسول الله ﵇ هو الأصل لما تلونا، والله أعلم.
ص: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: "سألت أنس بن مالك كان النبي يصلي في النعلين؟ فقال: نعم".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي عقيل هو عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك أبو جعفر شيخ أبي داود أيضًا، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي وثقه ابن حبان، وأبو مسلمة سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزدي ويقال: الطاحي البصري القصير روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (٤): ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، قال: أنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه مسلم، (٥) والترمذي، (٦) والنسائى (٧) أيضًا.
стр. 3707
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن علقمة بن قيس ولم يسمعه منه: "أن عبد الله بن مسعود أتى أبا موسى الأشعري، فحضرت الصلاة فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدم سنًّا وأعلم، فقال: تقدم فإنما أتيناك في منزلك ومسجدك فأنت أحق، فتقدم أبو موسى فخلع نعليه، فلما سلم قال: ما أردت إلى خلعهما؟ أبالواد المقدس طوى أنت؟! لقد رأينا رسول الله ﵇ يصلي في الخفين والنعلين".
ش: أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، وزهير هو ابن معاوية بن حديج روى له الجماعة، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، ولم يسمع أبو إسحاق من علقمة بن قيس فيكون الحديث منقطعًا، ويقال: سمع منه فيكون متصلًا.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حسن بن موسى، ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس ولم يسمعه منه ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أنه ليس في روايته لفظة "طوى".
قوله: "ما أردت إلى خلعهما" كلمة "إلى" ها هنا مرادف "اللام" نحو الأمر إليك، ويجوز أن تكون لانتهاء الغاية على أصلها نحو قولهم: "أحمد إليك الله سبحانه" أي أنهي حمده إليك، والمعنى ها هنا: لأي شيء تنهي قصدك إلى خلعهما.
قوله: "أبالواد المقدس" إنكار منه على خلعه نعليه، على سبيل التعجب، أي: هل أنت في الواد المقدس حتى تخلع نعليك؟! أراد أن الله تعالى أمر موسى ﵇ بخلع نعليه بالواد المقدس وأنت لست هناك حتى تخلعهما؛ وذلك لأن موسى عليه ﵇ أمر بخلع النعلين ليباشر الوادي بقدميه متبركًا به، وقيل: لأن الحفوة تواضع لله ومِنْ ثَمَّ طاف السلف بالكعبة حافين، ومن ذلك استعظم بعضهم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا وقع منه الدخول منتعلًا تصدق، والمقدس معناه المطهر، من
стр. 3708
القدس وهو الطهر، ومنه قيل للجنة: حظيرة القدس، وروح القدس: جبريل ﵇، والتقديس: التطهير، وتقدس أي: تطهر، والأرض المقدسة: المطهرة، وهي أرض بيت المقدس، وقيل: الشام، وقيل: الطور وما حوله، وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن، والمراد بالواد المقدس هو وادي الطور.
قوله: "طوى" أي طوي مرتين، أي: قدس، وقال الحسن: نبتت فيه البركة والتقديس مرتين. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (١) طوى بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة، وقيل: مرتين نحو ثنى، أي: نودي نداءين، أو قدس الوادي كرة بعد كرة، قال الجوهري: "طوى" اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم، ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله اسم وادٍ ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة.
ويستفاد منه: جواز الصلاة في النعلين وفي الخفين، وأن الأحق بالإمامة أسن القوم وأعلمهم، وأن صاحب المنزل أولى بالإمامة من غيره.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن كان فيهما أذى أو قذر فليمسحهما ثم ليصل فيهما".
ش: إسناده صحيح وابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، وأبو نعامة عبد ربه البصري روى له الجماعة، وأبو نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك العبدي البصري روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك ﵁.
стр. 3709
وأخرجه داود (١): نا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "بينا رسول الله ﵇ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﵇: إن جبريل ﵇ أتأني فأخبرني أن فيهما قذرًا، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما".
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، (٢) إلا أنه لم يقل فيه: "وليصل فيهما" ورواه عبد بن حميد (٣)، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي (٤) في مسانيدهم.
قوله: "أذى" أي نجاسة وكذلك القذر، والفرق بينهما من حيث اللغة: أن الأذى اسم لكل شيء يتأذى الشخص منه وهو يعم النجاسة وغيرها، وفي الحديث: "أدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٥) وهو ما يؤدي فيها كالشوك والحجر والنجاسة ونحو ذلك، وفي حديث العقيقة: "أميطوا عنه الأذى" (٦) يريد الشعر والنجاسة وما يخرج على رأس الصبي حيئ يولد، يحلق عنه يوم سابعه، والقذر اسم لضد النظافة، قال الجوهري: القذر ضد النظافة، ويقال: قَذَرْتُ الشي أَقْذِرُه إذا كرهته واجتنبته.
стр. 3710
ويستفاد منه: أن النجاسة إذا أصابت النعلين أو الخفين فدلكهما بالأرض ومسحهما يطهران سواء كانت رطبة أو يابسة، وسواء كان لها جرم أو لم يكن؛ لإطلاق الحديث، وإليه ذهب أبو يوسف وبه أفتى مشايخ ما وراء النهر لعموم البلوى، وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى النجاسة العينية اليابسة؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح انتشارًا وتلوثًا، وقال محمَّد: لا تطهر إلا بالغسل، وبه قال زفر والشافعي ومالك وأحمد، والحديث حجة عليهم.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك ابن عمير، عن رجل من بني الحارث بن كعب قال: "كنت جالسًا مع أبي هريرة، فقال رجل: يا أبا هريرة أنت نهيت الناس أن يصلوا في نعالهم؟ فقال: ما فعلت غير أني ورب هذه الحرمة رأيت النبي ﵇ صلى إلى هذا المقام، وإن نعليه عليه".
ش: أبو الوليد مضى الآن، وأبو عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة، وعبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي الكوفي روى له الجماعة، ورجل من بني الحارث بن كعب مفسر في روايته الأخرى وهو زياد بن النضر أبو عائشة الحارثي.
وكذا جاء مفسرًا في رواية ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد الحارثي، عن أبي هريرة قال: "رأيت النبي ﵇ صلى وهما عليه، وخرج وهما عليه" يعني: نعليه.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) أيضًا: بأتم منه وكناه بأبي [الأوبر] (٣) على
стр. 3711
ما يجيء وقال ابن عساكر (١): زياد بن النضر أبو الأوبر، ويقال: أبو عائشة، ويقال: أبو عمر الحارثي من أهل الكوفة وقد على يزيد بن معاوية وحدث عن أبي هريرة، روى عنه الشعبي وعبد الملك بن عمير.
وقال عبد الرزاق (٢): ثنا ابن التيمي، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو الأوبر: "أنه سمع أبا هريرة ﵁ وقال له رجل: يا أبا هريرة أنت نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة؟ فقال: لا، لعمري ما نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة، غير أني ورب هذه الحرمة -قالها ثلاثًا- لقد سمعت النبي ﵇ يقول: لا يخصن أحدكم يوم الجمعة بصوم إلا أن تصوموا أيامًا أخر، قال: فلم أبرح معه حتى جاءه آخر، فقال: يا أبا هريرة أنت نهيت الناس أن يصلوا في نعالهم [فقال: لا، لعمر الله ما نهيت الناس أن يصلوا في نعالهم] (٣) غير أني ورب هذه الحرمة -حتى قالها ثلاثًا- لقد رأيت نبي ﵇ ها هنا عند المقام يصلي وعليه نعلاه، ثم انصرف وهما عليه".
قوله: "ورب هذه الحرمة" أراد بها حرمة الحرم، والحرمة اسم لا يحل انتهاكه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك قال: أخبرني من سمع أبا هريرة يقول: "إن رسول الله ﵇ صلى في نعليه".
ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير بن سويد الكوفي، عمن سمع، وهو زياد الحارثي كما ذكرنا.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن زياد الحارثي، قال: سمعت أبا هريرة ... فذكر مثله.
стр. 3712
ش: هذا طريق آخر عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن زياد بن النضر الحارثي الذي ذكرناه.
وهذه الرواية تفسير تلكما الروايتين المتقدمتين كما ذكرناه.
ص: حدثنا ربيع الجيزي وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا مجمع بن يعقوب الأنصاري، عن محمَّد بن إسماعيل، قال: قيل لعبد الله بن أبي حبيبة: "ما تذكر من رسول الله ﵇؟ قال: رأيت رسول الله ﵇ صلى في نعليه".
ش: إسناده جيد، وعبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود، ومجمع -بتشديد الميم- بن يعقوب بن مجمع أبو عبد الرحمن المدني، قال يحيى والنسائي: لا بأس به. وروى له أبو داود والنسائي.
ومحمد بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري وثقه ابن حبان، وعبد الله بن أبي الأنصاري الأوسي الصحابي شهد بيعة الرضوان، وأبوه أبو حبيبة شهد بدرًا والمشاهد كلها، واسمه الأدرع -وقيل: الأزعر- ابن يزيد بن عطاف.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يونس بن محمَّد، نا مجمع بن يعقوب، ثنا محمَّد بن إسماعيل، قال: قيل لعبد الله بن أبي حبيبة: "ما أدركت من رسول الله ﵇؟ قال: جاءنا رسول الله ﵇ في مسجدنا بقباء، فجئت وأنا غلام حتى جلست عن يمينه، ثم دعى بشراب فشرب، ثم أعطانيه فشربت منه، ثم قام يصلي، فرأيته يصلي في نعليه".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ صلى حافيًا ومنتعلًا".
стр. 3713
ش: إسناده حسن جيد، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، وخالد بن عبد الله بن عبد الرحمن [الطحان] (١) روى له الجماعة وحسين بن ذكوان المعلم روى له الجماعة، وعمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المدني، قال العجلي والنسائي: ثقة.
وأبوه شعيب بن محمَّد وثقه ابن حبان، ثم الكلام في جده قال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدنى منهم محمَّد، والأوسط عبد الله، والأعلى عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من الأدنى محمَّد، ومحمد لم يدرك النبي ﵇، وسمع من جده عبد الله، فإذا بينه وكشفه فهو صحيح حينئذ، وقد بسطنا الكلام فيه في ترجمة عمرو في كتاب الرجال.
والحديث أخرجه أبو داود (٢): نا مسلم بن إبراهيم، نا علي بن المبارك، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت النبي ﵇ يصلي حافيًا ومنتعلًا".
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا.
قوله: "حافيا ومنتعلًا" حالان من الضمير الذي في "صلى" والحافي من حَفِيَ يَحْفَى من باب عَلِم يَعْلَم، وهو الذي يمشي بلا خف ولا نعل، وقال الكسائي: رجل حاف بَيِّن الحفوة والحِفْية والحَفَاية، والحفاء بالمد، وقال: وأما الذي حفى من كثرة المشي أي رقت قدمه أو حافره؛ فإنه حفٍ بَيِّن الحفى مقصور، والمنتعل من انتعلت إذا احتذيت، وكذلك نعلت، ورجل ناعل، أي: ذو نعل، والنعل: الحذاء مؤنثة، وتصغيرها نُعَيْلَة.
стр. 3714
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان الثوري، عن السدي، قال: أخبرني من سمع ابن حريث يقول: "رأيت النبي ﵇ يصلي في نعلين مخصفوتين".
ش: فيه مجهول، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي الكوفي شيخ البخاري، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن أبو محمَّد الكوفي روى له الجماعة إلا البخاري، وابن حريث هو عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي الصحابي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سفيان، عن السدي، عمن سمع عمرو بن حريث: "أن النبي ﵇ صلى في نعليه".
وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن السدي، قال: أخبرني من سمع عمرو بن حريث يقول: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في نعلين مخصوفتين".
قوله: "مخصوفتين" أي: مطرقتين، من قولهم: أطرقت النعل بالجلد والعصب إذا ألبستها، وترس مطرق، وطراق النعل: ما أطبقت فخرزت به.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب وأبو الوليد، قالا: ثنا شعبة، عن النعمان ابن سالم، في حديث وهب: عن ابن عمرو بن أوس، وفي حديث أبي الوليد قال: سمعت رجلًا جده أوس بن أبي أوس قال: "كان جدي يصلي فيأمرني أن أناوله نعليه، فينتعل ويقول: رأيت رسول الله ﵇ يصلي في نعليه".
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب ... فذكر مثل ما ذكر أبو بكرة عن وهب.
حدثنا نصر، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عمير بن عبد الله، عن عبد الملك يعني ابن المغيرة الطائفي، عن أوس بن أبي أوس، أو
стр. 3715
أوس بن أوس قال: "أقمت عند رسول الله ﵇ نصف شهر، فرأيته يصلي وعليه نعلان مقابلتان".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن شعبة، عن النعمان بن سالم الطائفي روى له الجماعة سوى البخاري، ففي رواية وهب، عن النعمان، عن ابن عمرو بن أوس قال: "كان جدي يصلي فيأمرني ... " إلى آخره.
وفي رواية أبي الوليد، عن النعمان قال: سمعت رجلًا جده أوس بن أبي أوس قال: "كان يصلي ... " إلى آخره.
واعلم أن أوسًا هو ابن أبي أوس، واسمه حذيفة الثقفي الصحابي وعمرً ابنه ابن أوس، وابن عمرو هو عثمان، يروي عن أوس ابنه عمرو وابن ابنه عثمان، فالمراد في حديث وهب: "عن ابن عمرو بن أوس" هو عثمان بن عمرو بن أوس، وكذا المراد في حديث أبي الوليد: "سمعت رجلًا" هو عثمان بن عمرو وجده هو أوس.
وأخرج ابن أبي شيبة (١) نحو رواية وهب، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن ابن أوس، عن جده: "أن النبي ﵇ صلى في نعليه". انتهى.
فهذا ابن ابن أوس هو عثمان، وابن أوس هو عمرو بن أوس.
وأخرج أحمد في "مسنده" (٢) نحو رواية أبي الوليد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا شعبة، أنا نعمان بن سالم، قال: سمعت فلانًا جده أوس، قال: "كان جدي يقول لي وهو في الصلاة يومئ إلى: ناولني النعلين، فأناولهما إياه، فيلبسهما ويصلي فيهما، ويقول: رأيت رسول الله ﵇ يصلي في نعليه". انتهى.