← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

ما يجيء وقال ابن عساكر (١): زياد بن النضر أبو الأوبر، ويقال: أبو عائشة، ويقال: أبو عمر الحارثي من أهل الكوفة وقد على يزيد بن معاوية وحدث عن أبي هريرة، روى عنه الشعبي وعبد الملك بن عمير. وقال عبد الرزاق (٢): ثنا ابن التيمي، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو الأوبر: "أنه سمع أبا هريرة ﵁ وقال له رجل: يا أبا هريرة أنت نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة؟ فقال: لا، لعمري ما نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة، غير أني ورب هذه الحرمة -قالها ثلاثًا- لقد سمعت النبي ﵇ يقول: لا يخصن أحدكم يوم الجمعة بصوم إلا أن تصوموا أيامًا أخر، قال: فلم أبرح معه حتى جاءه آخر، فقال: يا أبا هريرة أنت نهيت الناس أن يصلوا في نعالهم [فقال: لا، لعمر الله ما نهيت الناس أن يصلوا في نعالهم] (٣) غير أني ورب هذه الحرمة -حتى قالها ثلاثًا- لقد رأيت نبي ﵇ ها هنا عند المقام يصلي وعليه نعلاه، ثم انصرف وهما عليه". قوله: "ورب هذه الحرمة" أراد بها حرمة الحرم، والحرمة اسم لا يحل انتهاكه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك قال: أخبرني من سمع أبا هريرة يقول: "إن رسول الله ﵇ صلى في نعليه". ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير بن سويد الكوفي، عمن سمع، وهو زياد الحارثي كما ذكرنا. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن زياد الحارثي، قال: سمعت أبا هريرة ... فذكر مثله.

стр. 3712

ش: هذا طريق آخر عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن زياد بن النضر الحارثي الذي ذكرناه. وهذه الرواية تفسير تلكما الروايتين المتقدمتين كما ذكرناه. ص: حدثنا ربيع الجيزي وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا مجمع بن يعقوب الأنصاري، عن محمَّد بن إسماعيل، قال: قيل لعبد الله بن أبي حبيبة: "ما تذكر من رسول الله ﵇؟ قال: رأيت رسول الله ﵇ صلى في نعليه". ش: إسناده جيد، وعبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ الشيخين وأبي داود، ومجمع -بتشديد الميم- بن يعقوب بن مجمع أبو عبد الرحمن المدني، قال يحيى والنسائي: لا بأس به. وروى له أبو داود والنسائي. ومحمد بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري وثقه ابن حبان، وعبد الله بن أبي الأنصاري الأوسي الصحابي شهد بيعة الرضوان، وأبوه أبو حبيبة شهد بدرًا والمشاهد كلها، واسمه الأدرع -وقيل: الأزعر- ابن يزيد بن عطاف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يونس بن محمَّد، نا مجمع بن يعقوب، ثنا محمَّد بن إسماعيل، قال: قيل لعبد الله بن أبي حبيبة: "ما أدركت من رسول الله ﵇؟ قال: جاءنا رسول الله ﵇ في مسجدنا بقباء، فجئت وأنا غلام حتى جلست عن يمينه، ثم دعى بشراب فشرب، ثم أعطانيه فشربت منه، ثم قام يصلي، فرأيته يصلي في نعليه". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ صلى حافيًا ومنتعلًا".

стр. 3713

ش: إسناده حسن جيد، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، وخالد بن عبد الله بن عبد الرحمن [الطحان] (١) روى له الجماعة وحسين بن ذكوان المعلم روى له الجماعة، وعمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المدني، قال العجلي والنسائي: ثقة. وأبوه شعيب بن محمَّد وثقه ابن حبان، ثم الكلام في جده قال الدارقطني: لعمرو بن شعيب ثلاثة أجداد الأدنى منهم محمَّد، والأوسط عبد الله، والأعلى عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب من الأدنى محمَّد، ومحمد لم يدرك النبي ﵇، وسمع من جده عبد الله، فإذا بينه وكشفه فهو صحيح حينئذ، وقد بسطنا الكلام فيه في ترجمة عمرو في كتاب الرجال. والحديث أخرجه أبو داود (٢): نا مسلم بن إبراهيم، نا علي بن المبارك، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت النبي ﵇ يصلي حافيًا ومنتعلًا". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. قوله: "حافيا ومنتعلًا" حالان من الضمير الذي في "صلى" والحافي من حَفِيَ يَحْفَى من باب عَلِم يَعْلَم، وهو الذي يمشي بلا خف ولا نعل، وقال الكسائي: رجل حاف بَيِّن الحفوة والحِفْية والحَفَاية، والحفاء بالمد، وقال: وأما الذي حفى من كثرة المشي أي رقت قدمه أو حافره؛ فإنه حفٍ بَيِّن الحفى مقصور، والمنتعل من انتعلت إذا احتذيت، وكذلك نعلت، ورجل ناعل، أي: ذو نعل، والنعل: الحذاء مؤنثة، وتصغيرها نُعَيْلَة.

стр. 3714

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان الثوري، عن السدي، قال: أخبرني من سمع ابن حريث يقول: "رأيت النبي ﵇ يصلي في نعلين مخصفوتين". ش: فيه مجهول، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي الكوفي شيخ البخاري، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن أبو محمَّد الكوفي روى له الجماعة إلا البخاري، وابن حريث هو عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان المخزومي القرشي الصحابي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سفيان، عن السدي، عمن سمع عمرو بن حريث: "أن النبي ﵇ صلى في نعليه". وأخرجه عبد الرزاق (٢): عن الثوري، عن السدي، قال: أخبرني من سمع عمرو بن حريث يقول: "رأيت رسول الله ﵇ يصلي في نعلين مخصوفتين". قوله: "مخصوفتين" أي: مطرقتين، من قولهم: أطرقت النعل بالجلد والعصب إذا ألبستها، وترس مطرق، وطراق النعل: ما أطبقت فخرزت به. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب وأبو الوليد، قالا: ثنا شعبة، عن النعمان ابن سالم، في حديث وهب: عن ابن عمرو بن أوس، وفي حديث أبي الوليد قال: سمعت رجلًا جده أوس بن أبي أوس قال: "كان جدي يصلي فيأمرني أن أناوله نعليه، فينتعل ويقول: رأيت رسول الله ﵇ يصلي في نعليه". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب ... فذكر مثل ما ذكر أبو بكرة عن وهب. حدثنا نصر، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عمير بن عبد الله، عن عبد الملك يعني ابن المغيرة الطائفي، عن أوس بن أبي أوس، أو

стр. 3715

أوس بن أوس قال: "أقمت عند رسول الله ﵇ نصف شهر، فرأيته يصلي وعليه نعلان مقابلتان". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن شعبة، عن النعمان بن سالم الطائفي روى له الجماعة سوى البخاري، ففي رواية وهب، عن النعمان، عن ابن عمرو بن أوس قال: "كان جدي يصلي فيأمرني ... " إلى آخره. وفي رواية أبي الوليد، عن النعمان قال: سمعت رجلًا جده أوس بن أبي أوس قال: "كان يصلي ... " إلى آخره. واعلم أن أوسًا هو ابن أبي أوس، واسمه حذيفة الثقفي الصحابي وعمرً ابنه ابن أوس، وابن عمرو هو عثمان، يروي عن أوس ابنه عمرو وابن ابنه عثمان، فالمراد في حديث وهب: "عن ابن عمرو بن أوس" هو عثمان بن عمرو بن أوس، وكذا المراد في حديث أبي الوليد: "سمعت رجلًا" هو عثمان بن عمرو وجده هو أوس. وأخرج ابن أبي شيبة (١) نحو رواية وهب، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن ابن أوس، عن جده: "أن النبي ﵇ صلى في نعليه". انتهى. فهذا ابن ابن أوس هو عثمان، وابن أوس هو عمرو بن أوس. وأخرج أحمد في "مسنده" (٢) نحو رواية أبي الوليد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا شعبة، أنا نعمان بن سالم، قال: سمعت فلانًا جده أوس، قال: "كان جدي يقول لي وهو في الصلاة يومئ إلى: ناولني النعلين، فأناولهما إياه، فيلبسهما ويصلي فيهما، ويقول: رأيت رسول الله ﵇ يصلي في نعليه". انتهى.

стр. 3716

فالمراد من قوله: "فلانًا" هو عثمان بن عمرو بن أوس يروي عن جده أوس كما ذكرنا. الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن عمرو بن أوس قال: "كان جدي يصلي ... " إلى آخره. وبنحوه أخرجه أحمد وقد ذكرنا (١). الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى ثقة، عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث لا يساوي شيئًا. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن عدي: لا بأس به. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. عن عمير بن عبد الله بن بشر الخثعمي وثقه ابن حبان، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي وثقه ابن حبان، عن أوس بن أبي أوس أو أوس بن أوس ... إلى آخره. وشك الراوي فيه يدل على أنهما اثنان، وقال يحيى بن معين: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد. وقال الذهبي: قيل: إن يحيى أخطأ في ذلك؛ لأن أوس بن أبي أوس هو أوس بن حذيفة الثقفي غير أوس بن أوس الثقفي، وقد بسطنا الكلام في ترجمته. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا الحسين بن إسحاق التستري ومحمد بن عبد الله الحضرمي، قالا: ثنا يحيى الحماني، نا قيس بن الربيع، عن عمير بن عبد الله الخثعمي، عن عبد الملك بن مغيرة الطائفي، عن أوس بن أوس قال: "أقمت عند النبي ﵇ نصف شهر، فرأيته يصلي وعليه نعلان مُقابلتان، ورأيته يبزق عن يمينه وعن شماله".

стр. 3717

قوله: "مقابلتان" بفتح الباء، من قابَل نعله إذا عمل لها قبالًا، وكذلك أقبلها، والقِبَال: زمام النعل وهو السير الذي يكون بين الأصبعين، يقال: نعل مقبلة ومقابلة إذا جعلت لها قِبَالًا، ومقبولة إذا سددت قبالها، وذكر في "دستور اللغة" القِبال في باب القاف المكسورة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو ربيعة، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك، عن سعيد بن فيروز، عن أبيه: "أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﵇ قالوا: فرأيناه يصلي وعليه نعلان مقابلتان". ش: أبو ربيعة زيد بن عوف القطعي فيه كلام كثير، والحجاج بن أرطاة بن ثور النخعي الكوفي القاضي روى له مسلم مقرونًا بغيره والأربعة. وعبد الملك بن المغيرة الطائفي ذكر آنفًا، وسعيد بن فيروز الديلمي يروي عن أبيه فيروز الديلمي، ويقال: ابن الديلمي أبي عبد الله اليماني الصحابي قاتل الأسود العنسي الكذاب. وكان قدوم وقد ثقيف بعد مرجع رسول الله ﵇ من تبوك في رمضان سنة تسع من الهجرة. ص: فلما كان دخول المساجد بالنعال غير مكروه، وكانت الصلاة بها أيضًا غير مكروهة، كان المشي بها بين القبور أحرى أن لا يكون مكروهًا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: لما دلت الأحاديث المذكورة على إباحة الصلاة بالنعال، وإباحة دخول المساجد بها، من غير كراهة في ذلك؛ كان المشي بها بين القبور أحرى أن لا يكون مكروهًا، وأجدر أن يكون مباحًا، والله أعلم.

стр. 3718

ص: باب: الدفن بالليل ش: أي هذا باب في بيان دفن الميت بالليل هل يكره أم لا؟. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا مبارك بن فضالة، قال: ثنا نصر بن راشد، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلًا من بني عذرة دفن ليلًا ولم يصل عليه النبي ﵇، فنهى عن الدفن بالليل". ش: مسلم بن إبراهيم أبو عمرو القصاب البصري شيخ البخاري وأبي دود، ومبارك بن فضالة بن أبي أمية القرشي البصري، ضعفه يحيى والنسائي، وعن يحيى: ثقة. وعن ابن المديني: صالح. روى له البخاري مستشهدًا وأبو داود والترمذي وابن ماجه. ونصر بن راشد وثقه ابن حبان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا المبارك بن فضالة، حدثني نصر بن راشد، عمن حدثه عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "توفي رجل على عهد رسول الله ﵇ من بني عذرة فدفن ليلًا، فنهى رسول الله ﵇ أن يقبر الرجل ليلًا حتى يصلي عليه، إلا أن يضطروا إلى ذلك". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن عمران، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا تدفنوا موتاكم بالليل". ش: محمَّد بن عمران بن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي شيخ البخاري في كتاب "الأدب" قال أبو حاتم: كوفي صدوق. روى له الترمذي. وأبوه عمران بن محمَّد بن عبد الرحمن روى له الترمذي وابن ماجه، ووثقه ابن حبان، وقال الأزدي: ليس بذاك.

стр. 3719

وابن أبي ليلى هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي قاضي الكوفة، فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وعن ابن معين: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي. وروى له الأربعة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فكره قوم دفن الموتى في الليل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وأحمد في رواية؛ فإنهم كرهوا دفن الموتى في الليل، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. وقال ابن حزم (١): لا يجوز أن يدفن أحد ليلًا إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلًا منه ﵇ ومن أزواجه وأصحابه ﵃ فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحر على من حضر، وحر المدينة شديد، أو خوف تَغَيُّرٍ، أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلًا، لا يحل أن يظن بهم خلاف ذلك، وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، نا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أنه كره الدفن بالليل". وفي المصنف (٢): ثنا أبو داود، عن أبي حرة، عن الحسن: "أنه كان يكره أن يدفن ليلًا". وفيه أيضًا (٣): "وكان قتادة يكره ذلك" أي الدفن بالليل. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بالدفن في الليل بأسًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه، وأراد بهم: النخعي والزهري والثوري وعطاء وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد -في الأصح- وإسحاق وآخرين من جماهير الفقهاء فإنهم أجازوا دفن الموتى بلا كراهة بالليل والنهار.

стр. 3720

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا محمَّد ابن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: "رُئِيَ في المقبرة ليلًا نار فإذا النبي في قبر وهو يقول: ناولوني صاحبكم". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثثا محمَّد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني جابر بن عبد الله أو سمعت جابر بن عبد الله ... مثله، وزاد: "هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالقرآن". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث جابر ﵁. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي، عن محمَّد بن مسلم بن سوسن الطائفي، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه الحكم (١) وصححه، وقال النووي: سنده صحيح. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن حاتم بن بزيع، نا أبو نعيم، عن محمَّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني جابر بن عبد الله أو سمعت جابر بن عبد الله قال: "رأى ناس نارًا في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله ﵇ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن محمَّد بن مسلم بن سوسن ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث محمَّد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: "رأى ناس نارًا في المقبرة فأتوها، فإذا

стр. 3721

رسول الله ﵇[في القبر] (١) وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم، وإذا هو الذي كان يرفع صوته بالذكر". وفيه من الفقه: جواز الدفن بالليل، وإيقاد النار في المقبرة. ص: ففي هذا الحديث: إباحة الدفن في الليل، وقد يجوز أن يكون النهي الذي ذكرنا في الباب الأول ليس من طريق كراهة الدفن، ولكن لإرادة رسول الله ﵇ أن يصلي على جميع موتى المسلمين؛ لما يكون لهم في ذلك من الفضل والخير بصلاته عليهم؛ فإنه حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، عن خارجة بن زيد، عن يزيد بن ثابت ﵁: "أن رسول الله ﵇ قال: لا أعرفن أحدًا من المؤمنين مات إلا آذنتموني للصلاة عليه؛ فإن صلاتي عليهم رحمة". وكما حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇: "أنه دخل المقبرة فصلى على رجل بعدما دفن، وقال: ملئت هذه المقبرة نورًا بعد أن كانت مظلمة عليهم". فيكون رسول الله ﵇ أراد بنهيه عن دفن الموتى في الليل ليكون هو الذي يصلي عليهم، فيصيبون بصلاته ما وصفنا من الفضل. ش: أي ففي حديث جابر هذا إباحة دفن الموتى بالليل، بخلاف ما في الحديث الأول. قوله: "وقد يجوز ... " إلى آخره، جواب عن الحديث المذكور، بيانه: أن النهي المذكور في الحديث الأول ليس لأجل كراهة الدفن بالليل لكونه بالليل، بل إنما كان لإرادة رسول الله ﵇ أن يصلي على كل من مات من المسلمين؛ لينالوا بذلك بركة النبي ﵇ وفضله وخيره؛ لأن صلاته عليهم رحمة كما قد صرح ﵇ بذلك بقوله: "فإن صلاتي عليهم رحمة". في حديث يزيد بن ثابت أخي زيد بن ثابت، ولأن

стр. 3722

صلاته ﵇ عليهم نور في قبورهم كما جاء بذلك في حديث أبي هريرة، فلأجل ذلك نهاهم ﵇ عن الدفن بالليل حتى لا يحرموا هذه الفضائل العظيمة. قوله: "فإنه حدثنا" "الفاء" للتعليل والضمير للشأن. وإسناد هذا الحديث صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا عليًّا. ويزيد بن ثابت -بالياء آخر الحروف في أوله- هو أخو زيد بن ثابت وهو أكبر من زيد، يقال: إنه شهد بدرًا مع النبي ﵇. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) بأتم منه: ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا هشيم، نا عثمان بن حكيم، ثنا خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت -وكان أكبر من زيد- قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه فقالوا: فلانة فعرفها، فقال: ألا آذنتموني؟ فقالوا: كنت قائلا صائمًا فكرهنا أن نؤذيك، قال: فلا تفعلوا، لا أعرفن ما مات منكم ميت -ما كنت بين أظهركم- إلا آذنتموني؛ فإن صلاتي عليه رحمة، ثم أتى القبر فصففنا خلفه، فكبر عليه أربعًا". وأخرجه النسائي، (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. قوله: "ألا آذنتموني" أي ألا أعلمتموني من الإيذان وهو الإعلام، وفيه دليل لأصحابنا في تقديم الوالي على الولي في الصلاة على الميت، وأن الحق فيها للإمام الأعظم. وحديث أبي هريرة كذلك إسناده صحيح، والحماني هو يحيى بن عبد الحميد، وقد تكرر ذكره، وثابت هو البناني، وأبو رافع الصائغ المدني اسمه نفيع بن الحارث روى له الجماعة.

стр. 3723

وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الربيع الزهراني وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري -واللفظ لأبي كامل- قالا: نا حماد وهو ابن زيد، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد أو شابًا، ففقدها رسول الله ﵇ فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني فيقال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: دلوني على قبره فدلوه، فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم. وفيه من الأحكام: جواز الصلاة على القبر، ودفن الميت بالليل، والقبر له ظلمة على الموتى، وأنها تنور ببركة صلاة النبي ﵇ عليهم، وفي معنى ذلك الأعمال الصالحة، وافتقاد الأحياء الأموات بالخير، مثل: الذكر، وقراءة القرآن، والصدقة، ونحوها. ص: وقد قيل: إنه إنما نهى عن ذلك لمعنى غير هذا. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن حمران، عن أشعث، عن الحسن: "أن قومًا كانوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم ليلًا، فنهى رسول الله ﵇ عن دفن الليل". فأخبر الحسن أن النهي إنما كان لهله العلة؛ لا لأن الليل يكره الدفن فيه. ش: القائل هو الحسن البصري؛ فإنه أخبر أن قومًا كانوا يقصرون في أكفان موتاهم ويجحفون فيها ويدفنونهم بالليل حتى لا يطلع على ذلك أحد من الناس، فمنعهم النبي ﵇ عن الدفن بالليل لذلك لا لأجل الدفن بالليل مكروه. أخرج ذلك عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عبد الله بن حمران بن عبد الله بن حمران بن أبان القرشي الأموي البصري، عن يحيى بن معين: صدوق صالح. ووثقه ابن حبان، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 3724

عن أشعث بن عبد الملك الحمراني، وثقه النسائي وغيره، روى له البخاري تعليقًا والأربعة عن الحسن البصري. وهذا مرسل صحيح. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله نحوًا من ذلك. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "خطب النبي ﵇ يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلًا، فزجر أن يقبر رجل ليلًا لكي يصلي عليه، إلا أن يضطر إلى ذلك، وقال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه". فجمع هذا الحديث العلتين اللتين قيل: إن النهي كان من أجلهما، فلا بأس بالصلاة على الموتى بالليل ودفنهم فيه أيضًا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي قد روي عن جابر ما يشبه ما ذكر من العلتين في نهي النبي ﵇ عن الدفن بالليل؛ لأن النبي ﵇ نهى أن يقبر رجل ليلًا في حديث جابر المذكور أولا؛ لأجل أن يصلي عليه هو؛ لينال الرحمة من صلاته عليه، فهذه إحدى العلتين في النهي عن الدفن بالليل. والثانية هي أنهم دفنوا ذلك الرجل في كفن غير طائل، فلذلك منعهم من الدفن بالليل المذكور فيما روي عن الحسن، وهذا معنى قوله: "فجمع هذا الحديث العلتين ... " إلى آخره. بإسناد هذا الحديث وإن كان معلولًا بعبد الله بن لهيعة فالحديث صحيح. وأخرجه مسلم (١): نا هارون بن عبد الله وحجاج بن الشاعر، قالا: نا حجاج ابن محمَّد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله

стр. 3725

يحدث: "أن النبي ﵇ خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقُبِرَ ليلًا، فزجر النبي ﵇ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﵇: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: نا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﵇: "أنه خطب يومًا ... " إلى آخره نحوه. وأبو الزبير اسمه محمَّد بن مسلم المكي. قولى: "غير طائل" يقال: هذا أمر لا طائل تحته أو لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء ومزيَّة يقال ذلك في التذكير والتأنيث، ولا يتكلم به إلا في الجحد وذكره الجوهري في باب الطول فدل على أن أصله واوي. قوله: "فزجر أن يقبر" أي منع ونهى أن يدفن، يقال: قُبِرَ إذا دفن وأقبر إذ جعل له قبر. قوله: "لكي يصلي عليه" أي لكي يصلي على النبي ﵇ على الميت، وهذه هي العلة في زجره عن الدفن بالليل، وقال النووي: النهي عن الدفن قبل الصلاة. قلت: الدفن قبل الصلاة منهي عنه مطلقا سواء كان بالليل أو بالنهار والمعنى الذي يفهم من التركيب أنه نهى عن الدفن بالليل لكي يصلي هو عليه. وفيه من الفوائد: استحباب تحسين الكفن ومراعاة السنة فيه في الرجال والنساء. ص: وقد فعل ذلك برسول الله ﵇ فدفن بالليل. حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن فاطمة بنت محمَّد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: "ما علمنا بدفن رسول الله ﵇ حتى سمعنا صوت المساحي في

стр. 3726

آخر الليل ليلة الأربعاء وهذا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ لا ينكره أحد منهم". فدل ذلك على أن ما كان من نهي النبي ﵇ عن الدفن ليلًا إنما كان لعارض، لا لأن الليل يكره الدفن فيه إذا لم يكن ذلك للعارض، وقد قال عقبة بن عامر ﵁: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﵇ ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغيب". وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم من كتابنا هذا، فدل ذلك أن ما سوى هذه الأوقات بخلافها في الصلاة على الموتى ودفنه في الكراهة. ش: أي وقد فُعِلَ الدفن بالليل برسول الله ﵇ على ما روته عائشة ﵂. أخرجه عن فهد بن سليمان، عن يوسف بن بهلول التميمي شيخ البخاري واحد أصحاب أبي حنيفة، عن عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي روى له الجماعة، عن محمَّد بن إسحاق المدني الثقة، عن فاطمة بنت محمَّد مجهولة، عن عائشة ﵂. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه سواء. وفي آخره قال محمَّد: "والمساحي: المرور". قلت: هي مِسحاة -بكسر الميم- وهي المجرفة من الحديد، والميم زائدة؛ لأنه من السحو وهو الكشف، والمرور جمع مر -بفتح الميم وتشديد الراء- وهي المسحاة ويسمى بالفارسية بِيل. قوله: "وقد قال عقبة بن عامر ... " إلى آخره. قد أخرجه الطحاوي مسندًا في باب: "مواقيت الصلاة" وقال: ثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو عامر العقدي، قال: ثنا موسى بن عُلَيِّ بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهمي قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﵇ ... " الحديث.

стр. 3727

وأخرجه مسلم (١)، وأبو داود (١)، والترمذي (١)، وابن ماجه، وقد بسطت الكلام عليه هناك. ص: وقد حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، عن عقيل. (ح) وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسحاق بن الضيف، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، قالا جميعًا: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "دفن علي بن أتيت طالب فاطمة ﵂ ليلًا. فهذا علي ﵁ لم ير بالدفن في الليل بأسًا، ولم ينكر ذلك أبو بكر وعمر ﵂ ولا أحد من أصحاب رسول الله ﵇. ش: هذان طريقان صحيحان رجالهما ثقات، والليث هو ابن سعد، وعُقَيْل -بضم العين- بن خالد الأيلي، وإسحاق بن الضيف، ويقال: إسحاق بن إبراهيم ابن الضيف أبو يعقوب الباهلي العسكري البصري شيخ أبي داود، قال أبو زرعة: صدوق. والزهري هو محمَّد بن مسلم بن شهاب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن عليًّا دفن فاطمة ليلًا". ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "دفن أبو بكر ﵁ ليلًا". ش: إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "مات أبو بكر ليلة الثلاثاء ودفن ليلة الثلاثاء".

стр. 3728

قلت: مات أبو بكر بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وكان رسول الله ﵇ أسن منه بمقدار سِنِيِّ خلافته، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، فغسلته وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن في الحجرة إلى جانب النبي ﵇ وتولى الخلافة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وهو ثاني يوم مات النبي ﵇، وكان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر إلا أيامًا، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وقال ابن الأثير: كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر. ص: حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرى، قال: ثنا موسى ابن عُلَي، قال: سمعت أبي، عن عقبة: "أن رجلًا سأله أيقبر بالليل؟ قال: نعم قبر أبو بكر ﵁ بالليل، فلا نرى بالدفن بالليل بأسًا". وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي الفقيه، وأبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد القرشي القصير شيخ البخاري، وموسى بن عُلَيّ -بضم العين- ابن رباح اللخمي أبو عبد الله المصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". وأبوه عُلَيّ بن رباح بن قصير اللخمي روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". وعقبة بن عامر الجهني الصحابي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بأتم منه: ثنا وكيع، عن موسى بن علي، عن أبيه قال: "كنت عند عقبة بن عامر فسئل عن التكبير على الميت، فقال: أربع، قلت: الليل والنهار سواء؟ قال: الليل والنهار سواء، قلت: يدفن الميت بالليل؟ قال: قبر أبو بكر ﵁ بالليل".

стр. 3729

قوله: "أَيُقْبَرُ" الهمزة فيه للاستفهام، ويُقْبَر على صيغة المجهول، أي هل يدفن الميت بالليل؟ "قال: نعم" يدفن بالليل. "قُبِرَ أبو بكر" أي دفن. قوله: "فلا يرى بالدفن ... " إلى آخره من كلام الطحاوي.

стр. 3730

ص: باب: الجلوس على القبور ش: أي هذا باب في بيان حكم الجلوس على القبور هل يجوز أم لا؟. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا صدقة بن خالد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثناعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أنه سمع بسر بن عبيد الله الحضرمي ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن بسر، أنه سمع واثلة بن الأسقع ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله يقول: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول ذلك. ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن يحيى بن حسان التنيسي روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن صدقة بن خالد القرشي الدمشقي روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي روى له الجماعة، عن بُسر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- ابن عبيد الله الحضرمي الشامي روى له الجماعة، عن أبي إدريس عائذ الله بن عبد الله العوذي

стр. 3731

الخولاني من أكابر علماء الشام وعبادهم وقرائهم روى له الجماعة، عن واثلة بن الأسقع الليثي الصحابي، عن أبي مرثد الغنوي واسمه كناز بن الحصين. وأخرجه مسلم (١): ثنا حسن بن الربيع البجلي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا. الثاني: عن روى بن الفرج القطان، عن حامد بن يحيى بن هانئ البلخي شيخ أبي داود، عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): حدثني علي بن حجر السعدي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بُسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﵇: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". الثالث: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن بشر بن بكر التنيسي البجلي من رجال البخاري، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤) نحوه. الرابع: عن عبد الله بن محمَّد بن خشيش -بالمعجمات وضم الخاء- عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص المعروف بالعيشي شيخ أبي داود، عن عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور الحجة، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره.

стр. 3732

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، نا نعيم بن حماد. (خ) وحدثنا زكرياء بن يحيى الساجي، ثنا العباس بن الوليد النرسي، قالا: نا ابن المبارك، ثنا ابن جابر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله يحدث، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا تجلسوا إلى القبور ولا تصلوا إليها". وأخرجه الترمذي نحوه (٢). ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن النضر بن عبيد الله السلمي ثم الأنصاري، عن عمرو بن حزم قال: "رآني رسول الله ﵇ على قبر، فقال: انزل عن القبر؛ لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك". ش: يحيى بن عبد الله شيخ البخاري ﵀، وابن لهيعة هو عبد الله فيه مقال، وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني روى له الجماعة، والنضر -بالنون والضاد المعجمة- بن عبد الله السلمي ثم الأنصاري روى له النسائي، وعمرو بن حزم بن زيد الأنصاري الصحابي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا حسن، نا ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "رآني رسول الله ﵇ جالسًا على قبر"، وفي لفظة له: "وأنا متكئ على قبر".

стр. 3733

وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن عبد الله بن الحكم، عن شعيب، قال: نا الليث، قال: نا خالد، عن ابن أبي هلال، عن أبي بكر بن حزم، عن النضر بن عبد الله السلمي، عن عمرو بن حزم، عن رسول الله ﵇ قال: "لا تقعدوا على القبور". قوله: "لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك" أي صاحب القبر، ومعنى الأذى من طرف الحي أنه إذا جلس على قبر الميت فكأنه جلس عليه وهو حيّ؛ لأن حرمة المسلم لا تختلف بالحياة والممات، ولهذا لا يجوز كسر عظم الميت ولو كان كافرًا، ولا نبش قبر المسلم، وأما من جهة الميت فلأنه ربما تفوح رائحته فيتأذى به الجالس عليه أو تحصل له وحشة فيتأذى بسببها. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم، عن ابن جريج، عن ابن الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حفص، عن ابن جربج ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن نصر بن راشد، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ نهى أن يجلس على القبور". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- أبي معاوية الضرير روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره.

стр. 3734

وأخرجه الجماعة غير البخاري. فقال مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه". وقال أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، نا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يقول: "سمعت رسول الله ﵇ نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص، وأن يبنى عليه". وقال الترمذي (٣): ثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري، قال: نا محمَّد ابن ربيعة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال النسائي (٤): أنا عمران بن موسى، قال: نا عبد الوارث، قال: نا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﵇ عن تجصيص القبور". وقال ابن ماجه (٥): ثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد، قالا: ثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن تجصيص القبور". وفي رواية: "أن يكتب على القبر شيء" (٦). وفي رواية: "نهى أن يبنى على القبر" (٧).

стр. 3735

الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد شيخ البخاري، عن حفص بن غياث، عن عبد الملك بن جريج ... إلى آخره. وأخرجه مسلم بهذا الطريق، وقد ذكرناه. الثالث: عن محمَّد بن خزيمة ... إلى آخره. هذا بعينه مر في أول باب "الدفن بالليل" إلا أن المتن مختلف، ومسلم هو ابن إبراهيم القصاب شيخ البخاري. وفيه من الأحكام: كراهة تجصيص القبور؛ لأن القبر للبلى لا للبقاء، والتجصيص من الجص -بفتح الجيم وكسرها وتشديد الصاد المهملة- وهو الكلس، ويقال له: الجير، وبالفارسية: كج، وكذلك القص بالقاف. وكراهة الكتابة، وعن الحسن أنه يكره أن يجعل اللوح على القبر. وكراهة البناء، وسئل أحمد عن تطيين القبور، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، ورخص في ذلك الحسن والشافعي، قاله ابن قدامة، وعن مكحول أنه يكره. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن سهيل بن أبي صالح. (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة حتى تحرق ثيابه وتخلص إلى جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي السراج، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.

стр. 3736

وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لأن يجلس ... " إلى آخره، غير أن في لفظه: "فتحرق" بدل: "حتى تحرق". أبو داود (٢): عن مسدد، عن خالد، عن سهيل نحوه. الثانى: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سهيل ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا محمَّد بن عبد الله بن المبارك، عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٤): نا سويد بن سعيد، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لأن يجلس أحدكم على جمرة تحرقه؛ خير له من أن يجلس على قبر". قوله: "لأن يجلس" في محل الرفع على الابتداء، و"أن" مصدرية، والتقدير: لجلوس أحدكم، وخبره قوله: "خير". قوله: "وتخلص" أي وتصل، يقال: خلص فلان إلى فلان إذا وصل إليه، وخلص أيضًا إذا سلم ونجى، وهو من باب نَصَرَ يَنْصُر. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقلدوها، وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومكحولًا وأحمد وإسحاق وأبا سليمان؛ فإنهم كرهوا الجلوس على القبور، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.

стр. 3737

ويروى ذلك عن عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر ﵃، وإليه ذهبت الظاهرية، وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يحل لأحد أن يجلس على قبر، وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول، وذلك جائر في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، جلس فلان للبول. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالكًا وعبد الله بن وهب وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا يكره الجلوس على القبر إلا إذا جلس لقضاء الحاجة، وقالوا: ما روي عن النهي فمحمول على ما ذكرنا، ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ﵃. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا عمرو بن علي، عن عثمان بن حكيم، عن أبي إمامة، أن زيد بن ثابت قال: "هلم يا ابن أخي أخبرك، إنما نهى النبي ﵇ عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول". فبين زيد ﵁ في هذا الجلوس المنهى عنه في الآثار الأُوَل ما هو. ش: أي احتج الآخرون فيما قالوا: أن المراد من الجلوس المنهي عنه هو الجلوس للغائط أو البول بحديث زيد بن ثابت؛ فإنه بَيَّن في حديثه أن الجلوس المنهي عنه في الأحاديث التي سلفت هو الجلوس للغائط أو البول، وقال مالك في "موطئه": إنما نهى عن القعود على القبور -فيما نرى- للمذهب. ورجال حديثه ثقات. وعمرو بن علي بن بحر بن كنيز أبو حفص البصري الفلاس الحافظ شيخ الجماعة، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف واسمه أسعد، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة.

стр. 3738

قوله: "هلم" أي تعال، وقد مر الكلام فيه مستقصى عن قريب. ص: وقد روي عن أبي هريرة نحو من ذلك: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني محمَّد بن أبي حميد، أن محمَّد بن كعب القرظي أخبرهم، قال: إنما قال أبو هريرة: قال رسول الله ﵇: "من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة نار". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا سليمان بن داود، قال: ثنا محمَّد بن أبي حميد، عن محمَّد بن كعب، عن أبي هريرة، أن النبي ﵇ قال: "من قعد على وقبر فتغوظ عليه أو بال، فكأنما قعد على جمرة". ش: أي قد روي عن أبي هريرة مثل ما روي عن زيد بن ثابت في حمل معنى النهي عن الجلوس على القبور للغائط أو البول. وأخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد ابن أبي حميد إبراهيم الزرقي الأنصاري المدني فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء. وقال الجوزجاني: واهي الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له الترمذي وابن ماجه. وهو يروي عن محمَّد بن كعب القرظي المدني روى له الجماعة، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": ثنا محمَّد بن أبي حميد ... إلى آخره نحوه، وقال في آخره: قال ابن وهب: قال لي مالك: إنما نهى عن القعود فيما نرى للمذهب. وقال ابن قدامة: ذكر لأحمد تأويل مالك هذا فقال: ليس هذا بشيء، ولم يعجبه رأي مالك. قلت: مالك لم يتفرد بهذا التأويل، وقد نقل هذا عن مثل زيد بن ثابت وكفى به حجة، ولعل أحمد لم يبلغ إليه ما قاله زيد بن ثابت ﵁.

стр. 3739

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء ابن مقدم المقدمي شيخ البخاري ومسلم، عن سليمان بن داود الطيالسي، عن محمَّد بن أبي حميد بن إبراهيم الأنصاري ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١). ص: فثبت بذلك أن الجلوس المنهى عنه في الآثار الأُوَل هو هذا الجلوس، فأما الجلوس لغير ذلك فلم يدخل في ذلك النهي، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي فثبت بما ذكر من التأويل المذكور أن الجلوس المنهي عنه في الأحاديث الأُوَل التي احتجت بها أهل المقالة الأولى هو هذا الجلوس، يعني الجلوس للغائط أو البول، فأما الجلوس لغير ذلك من الوجوه فليس بداخل تحت النهي المذكور، وهو اختيار الطحاوي، ومذهب أبي حنيفة وصاحبيه. قلت: فعل هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطأ القبور حرام، وكذا النوم عليها ليس كما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة. فإن قلت: قال صاحب "البدائع" وغيره: كره أبو حنيفة أن يوطأ قبر أو يجلس عليه أو ينام عليه أو تقضى عليه حاجة من بول أو غائط لما روي عن النبي ﵇ أنه نهى عن الجلوس على القبر. قلت: هذا أيضًا مخالف لما ذكره الطحاوي؛ لأنه أخذ في الدليل بظاهر الحديث وسلك مسلك أهل المقالة الأولى، ولم يذهب إلى ما قاله أهل المقالة الثانية، والقول ما قاله الطحاوي. إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام

стр. 3740

ص: وقد روي ذلك عن علي وابن عمر ﵁ عنهم. حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن يحيى بن أبي محمَّد حدثه، أن مولى لآل علي ﵁ حدثه: "أن علي بن أبي طالب كان يجلس على القبور، وقال المولى: كنت أبسط له في المقبرة فيتوسد قبرًا ثم يضطجع". حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر، عن عمرو، عن بكير، أن نافعًا حدثه: "أن عبد الله بن عمر كان يجلس على القبور". ش: أي وقد روي ما ذكرنا من إباحة الجلوس على القبور على الوجه المذكور، عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ﵃. ورجال الأثرين كلهم ثقات غير أن مولى لآل علي مجهول. وعبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، وبكر بن مضر بن محمَّد أبو عبد الملك المصري مولى شرحبيل بن حسنة روي له الجماعة سوى ابن ماجه. وبكير بن عبد الله بن الأشج روى له الجماعة. يحيى بن أبي محمَّد هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن بلتعة روى له الجماعة غير البخاري. وأثر ابن عمر أخرجه البخاري (١) معلقًا، وقال: قال نافع: "كان ابن عمر يجلس على القبور". والله أعلم.

стр. 3741

ص: كتاب الزكاة ش: أي هذا كتاب في أحكام الزكاة، وجه المناسبة بين الكتابين: أن الزكاة ثالثة الإيمان وثانية الصلاة في الكتاب والسنة، قال: الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) وقال ﵇: "بني الإِسلام على خمس ... " (٢) الحديث. والزكاة لغةً: النماء. يقال: زكى الزرع، إذا نمى، وفي "المحكم": الزكاء ممدود النماء، والريع يقال: زكي يزكو زكاءً وزكوا وأزكى، والزكاء: ما أخرجته الأرض من الثمر، والزكاة: الصلاح، ورجل زكي من قوم أزكياء، وقد زكى زكاءً، والزكاة: ما أخرجته من مالك؛ لتطهره، وقال أبو علي: الزكاة صِفوة الشيء، وفي "الجامع": زكت النفقة أي بورك فيها. وقال ابن العربي -في كتابه "المدارك"-: تطلق الزكاة على الصدقة أيضًا وعلى الحق والنفقة والعفو، ويقال: الزكاة عبارة عن الطهارة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٣) أي تطهير، ومعناها الشرعي: إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى الفقير الغير هاشمي. ثم لها ركن وسبب وشرط وحكم وحكمة. فركنها: جعلها الله تعالى بالإخلاص. وسببها: المال. وشرطها نوعان: شرط السبب، وشرط من تجب عليه، فالأول ملك النصاب النامي الحولي، والثاني العقل والبلوغ والحرية.

стр. 3742

وحكمها: سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الآخرة. وحكمتها: كثيرة منها: التطهر عن دنس الذنوب والبخل، ومنها ارتفاع الدرجة والقربة، ومنها الإحسان إلى المحتاجين، ومنها استرقاق الأحرار، فإن الإنسان عبد للإحسان. وقال ابن المنذر: انعقد الإجماع على فرضية الزكاة، وهي الركن الثالث للإسلام قال ﵇: "بني الإِسلام على خمس" (١)، وفيه قال: "وإيتاء الزكاة" وقال ابن بطال: فمن جحد واحدة من هذه الخمس فلا يتم إسلامه، ألا ترى أن أبا بكر ﵁ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقال ابن الأثير: من منعها منكرًا وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، ولم يعلم وجوبها. وقال أبو الفتح القشيري: من جحدها كفر، وأجمع العلماء أن مانعها تؤخذ قهرًا منه، وإن نصب الحرب دونها قتل، كما فعل أبو بكر ﵁ بأهل الردة. وفي "المغني": فمن أنكر وجوبها جهلًا به، وكان ممن يجهل ذلك إما لحداثة عهده بالإسلام، وإما أنه نشأ ببادية نائية عن الأمصار عرف وجوبها ولم يحكم بكفره؛ لأنه معذور، وإن كان مسلمًا ناشئًا ببلاد الإِسلام بين أهل العلم، فهو مرتد تجرى عليه أحكام المرتدين ويستتاب ثلاثًا فإن تاب وإلا قتل وإن منعها معتقدًا وجوبها وقدر الإمام على أخذها منه أخذها وعزره، ولم يأخذ زيادة عليها في قول أكثر أهل العلم منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وكذلك إن غلَّ ماله فكتمه حتى لا يأخذ الإِمام زكاته فظهر عليه، وقال إسحاق بن راهوية وأبو بكر عبد العزيز: يأخذها وشطر ماله، وإذا كان مانع الزكاة خارجًا عن قبضة الإِمام قاتله؛ لأن الصحابة ﵃

стр. 3743

قاتلوا مانعيها، فإن ظفر به وبماله أخذها من غير زيادة أيضًا ولم يَسْبِ ذريته؛ لأن الجناية من غيرهم، وإن ظفر به دون ماله دعاه إلى أدائها واستتابه ثلاثًا، فإن تاب وأدى وإلا قتل ولم يحكم بكفره، وعن أحمد ما يدل على أنه يكفر بقتاله عليها، فروي عنه: إذا منعوا الزكاة كما منعوا أبا بكر ﵁ وقاتلوا عليها لم يورَّثوا ولم يصل عليهم.

стр. 3744

ص: باب: الصدقة على بني هاشم ش: أي هذا باب في بيان الصدقة على بني هاشم هل تجوز أم لا؟. والصدقة أعم من الزكاة وبنو هاشم هم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب. وهاشم هو ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا شريك، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "قدمت عير المدينة، فاشترى منه النبي ﵇ متاعًا فباعه بربح أواقي فضة، فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب، ثم قال: لا أعود أن أشتري بعدها شيئًا وليس ثمنه عندي". ش: إسناده صحيح، وسعيد بن سليمان شيخ البخاري وأبي داود. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا [علي بن عبد العزيز، نا عمرو بن عون الواسطي] (٢)، نا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ اشترى عيرًا قدمت فيها أواق من ذهب، فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب، وقال: لا أشتري شيئًا ليس عندي ثمنه". قوله: "عير" بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وهي: الإبل بأحمالها، وقيل: هي قافلة الحمير، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة.

стр. 3745

قوله: "بربح أواقي" بالياء، وفي بعض النسخ بلا ياء، وكلاهما صحيح، وهي جمع أوقية، والأوقية -بضم الهمزة وتشديد الياء- وجمعها أواقي -بتشديد الياء وتخفيفها- وأواق -بحذفها- قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحده مشددً جاز في جمعه التشديد والتخفيف كالأوقية والأواقيّ والأواقي، والسريّة والسراريّ والسراري، والبختي والبخاتيّ والبخاتي، والأثفية والأثافيّ والأثافي ونظائرها، وأنكر الجمهور أن يقال في الواحدة: وقية -بحذف الهمزة- وحكى الجبائي جوازها بفتح الواو وتشديد الياء، وجمعها: وقايا، مثل ضحيَّة وضحايا. وأجمع أهل الحديث والفقه واللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز. وفي كتاب "المكاييل" عن الواقدي، عن سعيد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: "كان لقريش أوزان في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أقرت على ما كانت عليه، الأوقية: أربعون درهمًا، والرطل: اثنى عشر أوقية فذلك أربعمائة وثمانون درهمًا، وكان لهم النش: وهو عشرون درهمًا، والنواة: وهي خمسة دراهم، وكان المثقال: اثنين وعشرين قيراطًا إلا حبة، وكانت العشرة دراهم وزنها سبعة مثاقيل والدرهم خمسة عشر قيراطًا، فلما قدم سيدنا رسول الله ﵇ كان يسمي الدينار لوزنه دينارًا، وإنما هو تبر، ويسمي الدرهم لوزنه درهمًا، وإنما هو تبر، فأقرت موازين المدينة على هذا، فقال النبي ﵇: "الميزان ميزان أهل المدينة". وروى الدارقطني (١) بإسناده إلى جابر ﵁ رفعه: "والأوقية أربعون درهمًا". ويستفاد من الحديث: جواز الصدقة على بني هاشم كما ذهب إليه جماعة، وجواز المرابحة في البيوع، وكراهة الشراء بالدين إذا لم يكن عنده شيء، وذلك لخوف غائلة الدين ولحوق ضرره.

стр. 3746

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث وأباحوا الصدقة على بني هاشم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من المالكية وأبا حنيفة في رواية وبعض الشافعية؛ فإنهم أباحوا الصدقة على بني هاشم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. وممن قال بقولهم أبو بكر الأبهري من المالكية، وأبو سعيد الإصطخري من الشافعية. وتحرير هذه المسألة أن نقول: لا خلاف في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة؛ لقوله ﵇: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس". رواه مسلم (١). وعن أبي يوسف والإصطخري والقاضي يعقوب وأبي البقاء من الحنابلة: إن منعوا الخمس أخذوا الزكاة. وروى أصبغ عن ابن القاسم قال: لا تحل لهم الصدقات الواجبة ولا يحل لهم التطوع. وعنهم: تحل لهم كلها فرضها ونفلها. وأما الهاشمي إذا دفع زكاته إلى هاشمي مثله يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف. وكذلك يجوز صرف صدقة التطوع إليهم على وجه الصلة، وعن مالك: لا يجوز، وكذا عن بعض الحنابلة. وجزم في "الروضة" بتحريم النفل على بني هاشم ومواليهم، وأن النذور والكفارات كالزكاة، وإن حرمت صدقة التطوع على بني هاشم، فالنبي ﵇ أولى.

стр. 3747

وأما بنو عبد المطلب فيجوز لهم أخذ الزكاة عندنا. وهو رواية عن أحمد، وعنه: لا يجوز. نقلها عبد الله بن أحمد. وأما موالي بني هاشم فكذلك تحرم عليهم الزكاة. وعن الشافعي في قول ومالك في رواية تجوز، وعن الشافعي كقولنا. وقال ابن قدامة في "المغني": لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، ولا لمواليهم (١)، وقال أكثر العلماء: تجوز؛ لأنهم ليسوا بقرابة النبي ﵇، فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس، ولأنهم لم يعوضوا عنها بخمس الخمس، فإنهم لا يطعون منه. فأما بنو المطلب فهل لهم الأخذ من الزكاة؟ على روايتين: أحداهما: ليس لهم ذلك. والرواية الثانية: لهم الأخذ منها، وهو قول أبي حنيفة. وقال عياض في "شرح مسلم": اختلف العلماء في الصدقة المحرمة على آل النبي ﵇، فقيل: الفريضة فقط، وهو قول مالك، وكثير من أصحابه، وأحد قولي أبي حنيفة. وقال أبو حنيفة أيضًا: إنها كلها حلال لبني هاشم وغيرهم، وإنما كان ذلك محرمًا عليهم إذا كانوا يأخذون سهم ذوي القربى، فلما قطع عنهم، حلَّت لهم، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا، وروي عن أبي يوسف أنها حرام عليهم من غيرهم حلال لهم صدقة بعضهم على بعض. وحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا أنها تحرم عليهم في التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا منَّة فيها.

стр. 3748

واختلف مَن هم آل محمَّد ﵇؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: هم بنو هاشم خاصةً. ومثله عن أبي حنيفة، واستثني آل أبي لهب. وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخل فيه بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف. وفي "الحاوي في فقه أحمد" ولا لبني هاشم يعني: ولا يجوز دفع الزكاة لبني هاشم وإن مُنِعوا الخمس وعندي إن مُنعوا الخمس جاز، ولا لمواليهم ولا أولاد بناتهم، وفي بني المطلب روايتان. ولهم الأخذ من صدقة التطوع في أصح الروايتين. وقال ابن شاس في "الجواهر": وإذا قلنا بأنهم لا يعطون أي بأن آل الرسول ﵇، فمن هم؟ لا خلاف في عدِّ بني هاشم وعدم عَدِّ مَن فوق ببني غالب، وفي عد مَنْ بنيهما خلاف عندهم أشهب واقتصر ابن القاسم على بني هاشم. واختلف أيضًا في إعطاء مواليهم منها، فأجازه ابن القاسم ومنعه مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ وابن حبيب. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا تجوز الصدقة من الزكوات والتطوع وغير ذلك على بني هاشم، وهم كالأغنياء، فما حرم الأغنياء من الصدقة فهي على بني هاشم حرام، فقراء كانوا أو أغنياء، وكل ما يحل للأغنياء من غير بني هاشم فهو حلال لبني هاشم فقرائهم وأغنيائهم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا والثوري والنخعي ومالكًا والشافعي وأبا حنيفة في رواية، وأبا يوسف ومحمدًا، وجماهير أهل العلم من الفقهاء وأهل الحديث، فإنهم قالوا: لا تجوز الصدقة على بني هاشم سواء كانت زكاةً أو تطوعًا أو غيرهما. وهذا الموضع أيضًا يحتاج إلى تحرير، فنقول: قال الخطابي: أما النبي ﵇ فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لا تحل له، وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء،

стр. 3749

وقال الشافعي: لا تحل الصدقة لبني المطلب؛ لأن النبي ﵇ أعطاهم من سهم ذوي القربى وأشركهم فيه مع بني هاشم ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عُوضوه بدلًا عما حُرِموه من الصدقة، فما موالي بني هاشم فإنه لا حقالهم في سهم ذوي القربى، فلا يجوز أن يحرموا من الصدقة. وقال النووي: تحرم الزكاة على النبي ﵇ وعلى آله -وهم بنو هاشم وبنو المطلب- هذا مذهب الشافعي وموافقيه، أن آله ﵇ هم بنو: هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصةً. قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها. وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي. وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة أقوال، أصحها: أنها تحرم على رسول الله ﵇ تحل لآله، والثاني: تحرم عليه وعليهم، والثالث: وتحل له ولهم. وأما موالي بني هاشم وبني المطلب فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: تحرم، والثاني: تحل. وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية. وبالإباحة قال مالك. وادعي ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالإجماع. وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا: تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب ولا فرق بينهما. وذكر الطحاوي أن الصدقة المفروضة والتطوع محرمة على بني هاشم في قول أبي يوسف ومحمد، وعن أبي حنيفة روايتان فيها. قال الطحاوي وبالجواز نأخذ، والله أعلم.

стр. 3750

ص: وليس على أهل هذه المقالة حجة عندنا في الحديث الأول؛ لأنه يجوز أن يكون ما تصدق به النبي من ذلك على أرامل بني عبد المطلب لم يجعله من جهة الصدقة التي تحرم على بني هاشم في قول من يحرمها عليهم، ولكن جعلها من جهة الصدقة التي تحل لهم؛ فإنا قد رأينا الأغنياء من غير بني هاشم قد يُصَدِّق الرجل على أحدهم بداره أو بعبده فيكون ذلك جائزًا حلالًا ولا يحرمه عليه ماله، وكان ما يحرم عليه بماله من الصدقات هو الزكوات والكفارات والصدقات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فأما الصدقات التي يراد بها طريق الهبات وإن سميت صدقات فلا، فكذلك بنو هاشم حرم عليهم؛ لقرابتهم من الصدقات مثل ما حرم على الأغنياء بأموالهم. فأما ما كان لا يحرم على الأغنياء بأموالهم فإنه لا يحرم على بني هاشم بقرابتهم؛ فلهلما جعلنا ما كان تصدق به رسول الله ﵇ على أراملهم من جهة الهبات وإن سمي ذلك صدقة، وهو الذي ينبغي أن يحمل تأويل ذلك الحديث الأول عليه؛ لأنه قد روي عن ابن عباس. ما قد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سعيد وحماد ابنا زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: "دخلنا على ابن عباس فقال: ما اختصنا رسول الله ﵇ بشيء دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنْزي الحمر على الخيل". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: أنا حماد بن زيد، عن أبي جهضم ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجا بن رجاء، عن أبي جهضم ... فذكر بإسناده مثله. قال أبو جعفر ﵀: فهذا ابن عباس ﵄ يخبر في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ اختصهم أن لا يأكلوا الصدقة، فليس يخلو الحديث من أن يكون على ما ذكرنا
следующие страницы →