ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث وأباحوا الصدقة على بني هاشم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من المالكية وأبا حنيفة في رواية وبعض الشافعية؛ فإنهم أباحوا الصدقة على بني هاشم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
وممن قال بقولهم أبو بكر الأبهري من المالكية، وأبو سعيد الإصطخري من الشافعية.
وتحرير هذه المسألة أن نقول: لا خلاف في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة؛ لقوله ﵇: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس".
رواه مسلم (١).
وعن أبي يوسف والإصطخري والقاضي يعقوب وأبي البقاء من الحنابلة: إن منعوا الخمس أخذوا الزكاة.
وروى أصبغ عن ابن القاسم قال: لا تحل لهم الصدقات الواجبة ولا يحل لهم التطوع.
وعنهم: تحل لهم كلها فرضها ونفلها.
وأما الهاشمي إذا دفع زكاته إلى هاشمي مثله يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف.
وكذلك يجوز صرف صدقة التطوع إليهم على وجه الصلة، وعن مالك: لا يجوز، وكذا عن بعض الحنابلة.
وجزم في "الروضة" بتحريم النفل على بني هاشم ومواليهم، وأن النذور والكفارات كالزكاة، وإن حرمت صدقة التطوع على بني هاشم، فالنبي ﵇ أولى.
стр. 3747
وأما بنو عبد المطلب فيجوز لهم أخذ الزكاة عندنا. وهو رواية عن أحمد، وعنه: لا يجوز. نقلها عبد الله بن أحمد.
وأما موالي بني هاشم فكذلك تحرم عليهم الزكاة. وعن الشافعي في قول ومالك في رواية تجوز، وعن الشافعي كقولنا.
وقال ابن قدامة في "المغني": لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، ولا لمواليهم (١)، وقال أكثر العلماء: تجوز؛ لأنهم ليسوا بقرابة النبي ﵇، فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس، ولأنهم لم يعوضوا عنها بخمس الخمس، فإنهم لا يطعون منه.
فأما بنو المطلب فهل لهم الأخذ من الزكاة؟ على روايتين:
أحداهما: ليس لهم ذلك.
والرواية الثانية: لهم الأخذ منها، وهو قول أبي حنيفة.
وقال عياض في "شرح مسلم": اختلف العلماء في الصدقة المحرمة على آل النبي ﵇، فقيل: الفريضة فقط، وهو قول مالك، وكثير من أصحابه، وأحد قولي أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة أيضًا: إنها كلها حلال لبني هاشم وغيرهم، وإنما كان ذلك محرمًا عليهم إذا كانوا يأخذون سهم ذوي القربى، فلما قطع عنهم، حلَّت لهم، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا، وروي عن أبي يوسف أنها حرام عليهم من غيرهم حلال لهم صدقة بعضهم على بعض.
وحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا أنها تحرم عليهم في التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا منَّة فيها.
стр. 3748
واختلف مَن هم آل محمَّد ﵇؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: هم بنو هاشم خاصةً.
ومثله عن أبي حنيفة، واستثني آل أبي لهب. وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخل فيه بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف.
وفي "الحاوي في فقه أحمد" ولا لبني هاشم يعني: ولا يجوز دفع الزكاة لبني هاشم وإن مُنِعوا الخمس وعندي إن مُنعوا الخمس جاز، ولا لمواليهم ولا أولاد بناتهم، وفي بني المطلب روايتان. ولهم الأخذ من صدقة التطوع في أصح الروايتين.
وقال ابن شاس في "الجواهر": وإذا قلنا بأنهم لا يعطون أي بأن آل الرسول ﵇، فمن هم؟ لا خلاف في عدِّ بني هاشم وعدم عَدِّ مَن فوق ببني غالب، وفي عد مَنْ بنيهما خلاف عندهم أشهب واقتصر ابن القاسم على بني هاشم.
واختلف أيضًا في إعطاء مواليهم منها، فأجازه ابن القاسم ومنعه مطرف وابن الماجشون وابن نافع وأصبغ وابن حبيب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا تجوز الصدقة من الزكوات والتطوع وغير ذلك على بني هاشم، وهم كالأغنياء، فما حرم الأغنياء من الصدقة فهي على بني هاشم حرام، فقراء كانوا أو أغنياء، وكل ما يحل للأغنياء من غير بني هاشم فهو حلال لبني هاشم فقرائهم وأغنيائهم.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا والثوري والنخعي ومالكًا والشافعي وأبا حنيفة في رواية، وأبا يوسف ومحمدًا، وجماهير أهل العلم من الفقهاء وأهل الحديث، فإنهم قالوا: لا تجوز الصدقة على بني هاشم سواء كانت زكاةً أو تطوعًا أو غيرهما.
وهذا الموضع أيضًا يحتاج إلى تحرير، فنقول: قال الخطابي: أما النبي ﵇ فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لا تحل له، وكذلك بنو هاشم في قول أكثر العلماء،
стр. 3749
وقال الشافعي: لا تحل الصدقة لبني المطلب؛ لأن النبي ﵇ أعطاهم من سهم ذوي القربى وأشركهم فيه مع بني هاشم ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عُوضوه بدلًا عما حُرِموه من الصدقة، فما موالي بني هاشم فإنه لا حقالهم في سهم ذوي القربى، فلا يجوز أن يحرموا من الصدقة.
وقال النووي: تحرم الزكاة على النبي ﵇ وعلى آله -وهم بنو هاشم وبنو المطلب- هذا مذهب الشافعي وموافقيه، أن آله ﵇ هم بنو: هاشم وبنو المطلب، وبه قال بعض المالكية. وقال أبو حنيفة ومالك: هم بنو هاشم خاصةً.
قال القاضي: وقال بعض العلماء: هم قريش كلها.
وقال أصبغ المالكي: هم بنو قصي.
وأما صدقة التطوع فللشافعي فيها ثلاثة أقوال، أصحها: أنها تحرم على رسول الله ﵇ تحل لآله، والثاني: تحرم عليه وعليهم، والثالث: وتحل له ولهم.
وأما موالي بني هاشم وبني المطلب فهل تحرم عليهم الزكاة؟ فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: تحرم، والثاني: تحل.
وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية.
وبالإباحة قال مالك.
وادعي ابن بطال المالكي أن الخلاف إنما هو في موالي بني هاشم، وأما موالي غيرهم فتباح لهم بالإجماع.
وليس كما قال، بل الأصح عند أصحابنا: تحريمها على موالي بني هاشم وبني المطلب ولا فرق بينهما.
وذكر الطحاوي أن الصدقة المفروضة والتطوع محرمة على بني هاشم في قول أبي يوسف ومحمد، وعن أبي حنيفة روايتان فيها. قال الطحاوي وبالجواز نأخذ، والله أعلم.
стр. 3750
ص: وليس على أهل هذه المقالة حجة عندنا في الحديث الأول؛ لأنه يجوز أن يكون ما تصدق به النبي من ذلك على أرامل بني عبد المطلب لم يجعله من جهة الصدقة التي تحرم على بني هاشم في قول من يحرمها عليهم، ولكن جعلها من جهة الصدقة التي تحل لهم؛ فإنا قد رأينا الأغنياء من غير بني هاشم قد يُصَدِّق الرجل على أحدهم بداره أو بعبده فيكون ذلك جائزًا حلالًا ولا يحرمه عليه ماله، وكان ما يحرم عليه بماله من الصدقات هو الزكوات والكفارات والصدقات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فأما الصدقات التي يراد بها طريق الهبات وإن سميت صدقات فلا، فكذلك بنو هاشم حرم عليهم؛ لقرابتهم من الصدقات مثل ما حرم على الأغنياء بأموالهم.
فأما ما كان لا يحرم على الأغنياء بأموالهم فإنه لا يحرم على بني هاشم بقرابتهم؛ فلهلما جعلنا ما كان تصدق به رسول الله ﵇ على أراملهم من جهة الهبات وإن سمي ذلك صدقة، وهو الذي ينبغي أن يحمل تأويل ذلك الحديث الأول عليه؛ لأنه قد
روي عن ابن عباس.
ما قد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سعيد وحماد ابنا زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: "دخلنا على ابن عباس فقال: ما اختصنا رسول الله ﵇ بشيء دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنْزي الحمر على الخيل".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: أنا حماد بن زيد، عن أبي جهضم ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجا بن رجاء، عن أبي جهضم ... فذكر بإسناده مثله.
قال أبو جعفر ﵀: فهذا ابن عباس ﵄ يخبر في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ اختصهم أن لا يأكلوا الصدقة، فليس يخلو الحديث من أن يكون على ما ذكرنا
стр. 3751
في الفصل الأول، فيكون ما أباح لهم فيه غير ما حرم عليهم في هذا الحديث الثاني، فيكون معنى كل واحد منهما على ما ذكرنا، أو يكون الحديث الأول نسخ ما منع منه هذا الحديث الثاني، فيكون هذا الحديث الثاني ناسخًا له؛ لأن ابن عباس يخبر فيه بعد موت النبي ﵇ أنهم مخصوصون به دون الناس، فلا يجوز أن يكون ذلك إلا وهو قائم في وقته ذلك.
ش: أي: ليس على أهل المقالة الثانية حجة في الحديث الأول الذي احتجت به أهل المقالة الأولى؛ لأنه يجوز أن يكون المراد من قوله: فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب: أحسن بها عليهن على طريق الهبة والتبرع والإحسان؛ لأن الصدقة قد تذكر ويراد بها الهبة والإحسان كما إذا تصدق رجل على غني بدار أو عبد أو مال معين فإنه يجوز، ويكون ذلك هبةً؛ فغنى ذلك الغني لا يمنع من ذلك؛ لكون ذلك هبة وإحسانًا في المعنى، وكذلك المراد ها هنا الصدقة التي طريقها طريق الهبات وإن سميت صدقةً، وليس المراد بها الصدقة التي طريقها طريق الزكوات والكفارات والصدقات التي يتقرب بها إلى الله تعالى.
قوله: "وهو الذي ينبغي أن يحمل ... إلى آخره". كأنه جواب عما يقال: ما الداعي إلى ذكر هذا التأويل، فَلِمَ لا يستعمل الحديث على ظاهره؟
وتقرير الجواب أن يقال: إن هذا الحديث إذا لم يحمل على هذا المعنى يعارضه حديث آخر، والحال أن الراوي لكليها هو عبد الله بن عباس ﵄ وهو قوله: "وأن لا نأكل الصدقة" وقد أخبر ابن عباس في هذا الحديث أن النبي ﵇ اختصهم بأن لا يأكلوا الصدقة. وبين الحديثين تعارض وتضاد، فنحتاج إلى التوفيق بينهما، وذلك إما بأن نحمل معنى الحديث الأول على ما ذكرنا، وهذا الحديث على ظاهره، فيكون كل منهما لمعنى لا يخالف معنى الآخر.
أو يكون هذا الحديث ناسخًا للحديث الأول؛ لأن ابن عباس ﵄ أخبر فيه بعد موت النبي ﵇ أنهم مخصوصون بثلاثة أشياء: منها: حرمة الصدقة عليهم؛
стр. 3752
فلا يكون ذلك إلا بعد انتساخ حكم حديثه الأول؛ وذلك لأن اختصاصهم بذلك لا يكون إلا بقيامه في وقته ذلك، فيكون هذا النسخ بدلالة التاريخ؛ وذلك لأن الحديث الأول يقتضي الإباحة، والحديث الثاني يقتضي الحظر فلا شك أن الحظر طارئ على الإباحة، فيكون متأخرًا عنه بالضرورة، فافهم.
ثم إنه أسند الحديث المذكور من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن سعيد وحماد ابني زيد، كلاهما عن أبي جهضم موسول بن سالم مولى آل العباس بن عبد المطلب، وثقه يحيى وأبو زرعة، روى له الأربعة عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١) بأتم منه: أنا حميد بن مسعدة، ثنا حماد، عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: "كنت عند ابن عباس فسأله رجل أكان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا، قال: فلعله كان يقرأ في نفسه؟ قال: خمسًا هذه شَرٌّ من الأولى، إن رسول الله ﵇ عبد أمره الله تعالى بأمره فبلغه، والله ما اختصنا رسول الله ﵇ بشيء دون الناس إلا بثلاثة: أُمِرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل".
وقد أخرج الطحاوي ما أخرجه النسائي إلى قوله: "فبلغه" بعين الإسناد المذكور في باب: "القراءة في الظهر والعصر".
الثانى: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن موسى بن سالم، نا عبد الله بن عبيد الله قال: "دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم، فقلنا
стр. 3753
لشاب منا: سل ابن عباس أكان رسول الله ﵇ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، فقيل له: فلعله كان يقول في نفسه؟ فقال خمشًا، هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلَّغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري، عن مرجَّا بن رجاء اليشكري خال أبي عمر الحوضي.
عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسماعيل، نا موسى بن سالم أبو جهضم، حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس، سمع ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ عبدًا مأمورًا بلَّغ -والله- ما أرسل به، وما أختصنا دون الناس بشيء ليس ثلاثًا: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي حمارًا على فرس. قال موسى: فلقيت عبد إلله بن حسن، فقلت: إن عبد الله ابن عبيد الله حدثني بكذا وكذا، فقال: إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة، فأحب أن تكثر فيهم".
قوله: "إسباغ الوضوء" أي: إكماله وإتمامه، من قولهم: شيء سابغ أي: كامل وافٍ، وسُبِغَت النعمة تُسِبُغ -بالضم- سبوغًا: اتسعت، وأسبغ الله عليه النعمة: أتمها.
قوله: "وأن لا نأكل الصدقة" أراد بها الزكاة، وإن كان اللفظ عامًّا.
قوله: "وأن لا ننزي" من أنزي ينزي إنزاءً ويلا فيه نزاء الذكر على الأنثى ينزو نِزَاءً بالكسر. قال في "الصحاح": يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع.
و"الحُمُر" بضم الحاء والميم: جمع حمار.
стр. 3754
وفيه ثلاثة أشياء: إسباغ الوضوء، فإن كان لمراد به كونه فرضًا فوجه التخصيص ظاهر، وإلا فكل الناس مشتركون في استحباب إسباغ الوضوء.
وحرمة الصدقة على بني هاشم.
وإنزاء الحمار على الفرس، وقد جوزه كثير من العلماء؛ لأنه ثبت أنه ﵇ ركب البغلة واقتناها ولو لم يجز لا فعله؛ لأن فيه فتح بابه.
ص: فإن احتج محتج في إباحة الصدقة عليهم بصدقات رسول الله ﵇، فذكر ما حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ أخبرته: "أن فاطمة بنت رسول الله ﵇ أرسلت إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها من رسول الله ﵇ فيما أفاء الله على رسوله".
وفاطمة حينئذٍ تطلب صدقة رسول الله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﵇ قال: إنا لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني -والله- لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﵇ عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله ﵇ "ولأعملن في ذلك بما عمل فيها رسول الله ﵇".
حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح (ح).
وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بُكير، قالا: ثنا الليث قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضري قال: "أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنه قد حضر المدينة أهل أبياتٍ من قومك، وقد أمرنا لهم برضخ فاقسمه فيهم، فبينا أنا كذلك إذ جاءه يرفا، فقال: هذا عثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير -ولا أدري أذكر طلحة أم لا- يستأذنوني عليك، فقال:
стр. 3755
ائذن لهم، قال: ثم مكثنا ساعةً، فقال: هذا العباس وعليُّ يستأذنان عليك، قال: ائذن لهما. فلما دخل العباس فقال: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الرجل -هما حينئذٍ فيما أفاء الله على رسوله ﵇ من أموال بني النضير- فقال القوم: اقض بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فقال عمر ﵁: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ قالوا: قد قال ذلك، ثم قال لهما مثل ذلك، فقالا: نعم، قال: فإني سأخبركم عن هذا الفيء: إن الله قد خص نييه ﵇ بشيء لم يعطه غيره، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (١). فكانت هذه لرسول الله ﵇ خاصةً، ثم والله ما اختارها دونكم ولا أستأثر بها عليكم، ولقد قسمها بينكم وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان منه ينفق منه على أهله زرق سنة، ثم يجمع ما بقي منه، فجمع مال الله ، فلما قبُض رسول الله ﵇ قال أبو بكر ﵁: أنا ولي رسول الله ﵇ بعده، أعمل فيها بما كان رسول الله ﵇ يعمل ... " ثم ذكر الحديث.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو ابن دينار، عن ابن شهاب فذكر مثله بإسناده، وأثبت أن طلحة كان في القوم ولم يقل: "وبثها فيكم".
حدثنا يزيد بن سنان وأبو أمية، قالا: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك بن أنس ... فذكر بإسناده مثله. وقال: "فكان ينفق منها على أهله".
حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن سفيان وورقاء، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة".
стр. 3756
قالوا: ففي حديث أبي هريرة هذا ما يدل على أنها كانت صدقات في عهد رسول الله ﵇؛ لقوله: "بعد مؤنة عاملي" وعامله لا يكون إلا وهو حي، قالوا: ففي هذه الآثار ما قد دل على أن الصدقة لبني هاشم حلال؛ لأن رسول الله ﵇ وأهله -وفيهم فاطمة بنته- قد كانوا يكون من هذه الصدقة في حياة رسول الله ﵇، فدل ذلك على إياحة سائر الصدقات لهم؛ فالحجة عليهم في ذلك أن تلك الصدقة كصدقات الأوقاف، وقد رأينا ذلك يحل للأغنياء، ألا ترى أن رجلًا لو أوقف داره على رجل غني أن ذلك جائز ولا يمنعه ذلك غناه؟ وحكم ذلك خلاف سائر الصدقات من الزكوات والكفارات وما يتقرب به إلى الله ، فكذلك من كان من بني هاشم ذلك لهم حلال، وحكمه خلاف سائر الصدقات التي ذكرنا.
ش: أي: فإن احتج محتج من أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من إباحة الصدقة على بني هاشم بالأحاديث التي رويت عن عائشة وعمر بن الخطاب وأبي هريرة ﵃؛ لأن في هذه الأحاديث ما قد دل على أن الصدقة حلال لبني هاشم، وذلك لأن رسول الله ﵇ وأهله -وفيهم فاطمة الزهراء بنته- قد كانوا يأكلون من هذه الصدقة في حياة رسول الله ﵇، وأجاب عن ذلك بقوله: "فالحجة عليهم في ذلك" أي: فالحجة على أهل المقالة الأولى في احتجاجهم: أن تلك الصدقة التي كانوا يأكلون منها لم تكن كسائر الصدقات من الزكوات والكفارات ونحوهما مما يتقرب به إلى الله وإنما كانت تلك الصدقة كصدقة الأوقاف، وصدقات الأوقاف تحل للأغنياء؛ والدليل على ذلك أن رجلًا إذا وقف داره أو بستانه على رجل غني فإن ذلك جائز، ولا يمنع صحة الوقف غنى الموقوف عليه.
هذا الذي ذكره الطحاوي.
وذكر في "الاختيار": ولا يجوز الوقف على الأغنياء وحدهم؛ لأنه ليس بقربة ولا يستجلب الثواب، فصار كالصدقة، ولو وقف على الأغنياء وهم يحُصون ثم
стр. 3757
مَن بعدهم على الفقراء جاز، ويكون كما شرط؛ لأنه قربة في الجملة بأن انقرض الأغنياء، وفي "فتاوى الحسني": ولو وقف أرضا على أهل بيت النبي ﵇، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه لا تحل لهم الصدقة، ويجب أن يجوز؛ لأنه صدقة التطوع فتحل لهم كما تحل للغني.
أما حديث عائشة ﵂ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبي الوليد المصري أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان مولى الليث بن سعد من فوق، ثقة ثبت، روى له البخاري والترمذي والنسائي، واستشهد به مسلم في حديث واحد.
وهو يروي عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة ﵂.
وأخرجه مسلم (١): ثنا زهير بن حرب وحسن الحلواني، قالا: ثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﵇ أخبرته: "أن فاطمة بنت رسول الله ﵇ سألت أبا بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﵇ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﵇ مما أفاء الله عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، قال: وعاشت بعد رسول الله ﵇ ستة أشهر وكانت فاطمة ﵂ تسأل أبا بكر ﵁ نصيبها مما ترك رسول الله ﷺ من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر ذلك عليها، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﵇ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس ﵄، فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر ﵁ وقال:
стр. 3758
هما صدقة رسول الله ﵇، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى مَن ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم".
الثاني: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود، كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد ابن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، قال: ثنا الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة -زوج النبي ﵇- أنها أخبرته: "أن فاطمة بنت رسول الله ﵇ أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله ﵇ مما أفأء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمَّد من هذا المال، وإني -والله- لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﵇ عن حاله التي كانت عليها في عهد رسول الله ﵇، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﵇ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا".
الثالث: عن روح بن الفرج القطان المصري، شيخ الطبراني، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث بن سعد ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أن فاطمة بنت النبي ﵇ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﵇ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمَّد ﵇ في هذا المال، وإني -والله- لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﵇ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﵇، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله
стр. 3759
- ﵇، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر ﵄ في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ﵇ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ﵁ ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي ﵁ من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر: أن (تأتينا) (١) ولا يأتنا أحد معك كراهية، لمحضر عمر ﵁، فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟! والله لآتينهم، فدخل عليهم أبو بكر ﵁ فتشهد عليٌّ ﵁ فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله تعالى، ولم نَنْفَسْ عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﵇ نصيبنا، حتى فاضت عينا أبي بكر ﵁، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﵇ أحب إليَّ أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آلُ فيها عن الخير، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﵇ يصنعه فيها إلا صنعته.
فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي ﵁ وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذره، ثم استغفر وتشهد علي ﵁ فعظم حق أبي بكر وحدَّث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسةً على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به، ولكنَّا كنَّا نرى لنا في هذا الأمر نصيبًا، فاستبد علينا، فوجدنا في أنفسنا. فسُرَّ بذلك المسلمون وقالوا: أصبت. وكان المسلمون إلى علي ﵁ قريبًا حين راجع الأمر المعروف"، انتهى.
قوله: "فيما أفاء الله على رسوله" أي: ما أعطى الله رسوله من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وهو من الفيء، وهو الغنيمة. قال الجوهري: الفيء: الغنيمة. تقول منه: أفاء الله على المسلمين مال الكفار، يُفيء إفاءةً.
стр. 3760
وقال ابن الأثير: أصل الفيء: الرجوع، يقال: فاء يفيء فئةً وفُئْوًا، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.
قوله: "وفدك" بفتح الفاء والدال وفي آخره كاف. وهو اسم قرية بخيبر. وفي "المطالع": فدك مدينة بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاث مراحل.
قوله: "إنا لا نُوَرث" على صيغة المجهول.
قوله: "أن أزيغ" من الزيغ وهو الضلال، وأصله الميل، ومنه: زاغت الشمس أي: مالت إلى الغروب.
قوله: "فوجدت فاطمة على أبي بكر ﵄" أي: غضبت عليه، يقال: وَجَد عليه وَجْدًا ومُوجِدَةً إذا غضب عليه، وَوَجَدْت عليه وَجْدًا: حزنت، وَوَجَدْت من الحب وَجْدًا. كله بالفتح. ووجد من الغني جدةً وَوُجْدًا -بالضم- وَوِجْدًا -بالكسر- لغة. ووجدت ما طلبت وجدانًا ووجودًا.
قوله: "لم نَنْفَس عليك خيرًا" بفتح الفاء، من نَفِشت عليه بالشيء أَنْفَسُ -من باب عَلِمَ يَعْلَمُ- نفاسة إذا لم أره أهلًا، والتنافس: التباغض والتحاسد.
قوله: "استبددت" أي: استقللت.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه أن الأنبياء ﵈ لا يورثون، ولهذا كان النبي ﵇ يأخذ قوت عامه من المواضع التي حَبَّسها في المدينة وفدك ومما بقي من خمس خيبر ثم يجعل ما فضل في الكراع والسلاح. ولا يقول بالميراث والتمليك أحد من أهل السنة إلا الروافض، فإنهم يقولون بذلك، وليس قولهم مما يشتغل به ولا يحكى مثله لما فيه من الطعن علي السلف، والمخالفة لسبيل المؤمنين.
стр. 3761
وقال أبو عمر: وأما علماء المسلمين فعلى قولين:
أحدهما: وهو الأكثر وعليه الجمهور: أن النبي ﵇ لا يورث، وما ترك صدقة.
والآخر: أن نبينا ﵇ لم يورث؛ لأنه خصه الله تعالى بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته كما خصه في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره. وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن علية، وسائر علماء المسلمين على القول الأول.
فإن قيل: كيف سكنت أزواج النبي ﵇ بعد وفاته في مساكنهن اللاتي تركهن رسول الله ﵇ فيهن إن كن لم يرثنه، وكيف لم يخرجن عنها؟
قلت: لأن ذلك كان من مؤنتهن التي كان رسول الله ﵇ استثناها لهن كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال: "لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة".
والدليل على ذلك أن مساكنهم لم يرثها عنهن ورثتهن، ولو كانت تلك ملكًا لهن كان لا شك قد ورثها عنهن ورثتهن، وترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن ملكًا لهن وإنما كان لهن سكنى حياتهن، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه كما جعل كذلك في الذي فضل من نفقتهن في تركة رسول الله ﵇، لما مضين لسبيلهن أضيف إلى أصل المال، فصرف في مصالح المسلمين مما يعم جميعهم نفعه.
فإن قيل: كيف تقول: الأنبياء لا يورثون، وقد قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (١)، وقال أيضًا مخبرًا عن زكرياء: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٢)؟
стр. 3762
قلت: سليمان ﵇ لم يرث من داود ﵇ مالًا خلفه داود ﵇ بعده، وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب هكذا.
وقال أهل العلم بتأويل القرآن والسنة: فورث سليمان من داود الحكمة والنبوة وفضل القضاء، وعلى هذا جماعة أهل العلم وسائر المسلمين إلا الروافض، وكذلك قالوا في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (١) لا يختلفون في ذلك إلا ما روي عن الحسن أنه قال: يرثني مالًا ويرث من آل يعقوب النبوة والحكمة.
والدليل على صحة ما قال علماء المسلمين في تأويل هاتين الآيتين الكريمتين ما ثبت عن النبي ﵇ أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة".
وكل قول يخالف قول رسول الله ﵇ فهو مدفوع مهجور، فتكون كل واحدة من الآيتين مخصوصة بهذا الحديث.
الثاني: فيه دليل على صحة ما ذهب إليه الفقهاء من تجويز الأوقاف في الصدقات المحبَّسة، وأن للرجل أن يُحْبِّس ماله ويوقفه على سبيل من سُبُل الخيرات يجري عليه نفعه من بعد وفاته.
الثالث: فيه دليل على اتخاذ الأموال واكتساب الضياع وما يسعى الإنسان لنفسه وعماله وأهله ونوائبه وما يفضل عن الكفاية.
الرابع: فيه رد على الصوفية ومَن ذَهب مذهبهم في قطع الاكتساب المباح.
الخامس: فيه دليل على أن للقاضي أن يقضي بعلمه؛ لما قضى أبو بكر ﵁ في ذلك بما كان عنده من العلم.
وذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد وأجازا للقاضي أن يقضي بعلمه.
السادس: فيه دليل على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنهم لم يردوا على أبي بكر قوله، ولا رد أزواج النبي ﵇ على عائشة قولها ذلك وحكايتها لهن.
стр. 3763
فإن قيل: لو سلمت فاطمة وعلي والعباس ﵃ ذلك لقول أبي بكر ﵁ ما أتي علي والعباس في ذلك عمر بن الخطاب في خلافته يسألانه ذلك.
قلت: تشاجر علي وعباس واختلافها إلى عمر ﵁ مشهور، لكنهما لم يسألا ذلك ميراثا وإنما سألا ذلك من عمر ﵁ ليكون بأيديهما منه ما كان رسول الله ﵇ يعمل فيه في حياته.
وأما حديث عمر ﵁ فأخرجه أيضًا من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن مهدي بن مالك شيخ الترمذي وابن ماجه، عن عبد الرزاق بن همام صاحب المصنف، عن معمر بن راشد، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري -بالنون والضاد المعجمة- المختلف في صحبته- قال: "أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ ... " إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد- قال ابن رافع: نا، وقال الآخران: أنا- عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: "أرسل إليَّ عمر بن الخطاب فقال: إنه قد حضر أهل أبياتٍ من قومك ... " إلى آخره نحوه.
وقال مسلم أيضًا (٢): حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن مالك بن أوس حدثه قال: "أرسل إليَّ عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالسًا على سرير مفضيًا إلى رماله، متكئًا على وسادة من أدم، فقال لي: يا مال، إنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم برضخ فخذه فأقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟ قال: خذه يا مال. قال: فجاء يرفأ، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان
стр. 3764
وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال: نعم، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه، فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم، فأذن لهما، فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب [الآثم] (١) الغادر الخائن، فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وارحمهم، فقال مالك بن أوس: فخيل إليّ أنهم قد كانوا قدموهم لذلك، فقال عمر ﵁ ابتداءً: أنشدكم بالله الذي [بإذنه] (١) تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﵇ قال: لا نورث ما تركنا مصدقة؟ قالا: نعم. قال: عمر: إن الله كان خصَّ رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدًا غيره، قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٢) -ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا-. قال: فقسم رسول الله ﵇ بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتي بقي هذا [المال] (٣)، فكان رسول الله ﵇ يأخذ منه نفقة سَنِتِه ثم يجعل ما بقي أسوة المال، ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم نشد عباسًا وعليًّا بمثل ما نشد القوم، أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال: فلما توفي رسول الله ﵇ قال أبو بكر: أنا صلي رسول الله ﵇، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها؟! قال أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﵇: لا نورث، ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا [والله يعلم إنه لصادق بارّ راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله ﵇، وولي أبو بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا] (٤) والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا
стр. 3765
وأنتما جميعٌ وأمركما واحد، فقلتما ادفعها إلينا. فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﵇ فأخذتماها بذلك. قال: أكذلك؟ قالا: نعم. قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما ولا والله لا أفضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إليَّ".
الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ أبي داود والبخاري في غير "الصحيح"، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد ابن مسلم الزهري.
وأخرجه مسلم (١): عن ابن أبي شيبة، عن سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر ﵁ قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي ﵇ خاصةً، فكان يُنفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله".
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي أمية محمَّد بن مسلم الطرسوسي، كلاهما عن بشر بن عمر بن الحكم الزهراني البصري، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن مالك بن أوس.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا الحسن بن [علي الخلال] (٣)، قال: نا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: "دخلت على عمر بن الخطاب، ودخل عليه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ثم جاء علي والعباس يختصمان، فقال عمر لهم: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن
стр. 3766
رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ قالوا: نعم قال عمر: فلما توفي رسول الله ﵇ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﵇، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر، تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال أبو بكر: إن رسول الله ﵇ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة. والله يعلم أنه صادق بارّ راشد تابع للحق .... ".
وفي الحديث أبي، قصة طويلة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث مالك بن أنس.
وأخرجه أبو داود (١) أيضًا مطولًا جدًّا: عن الحسن بن علي ومحمود بن يحيى بن فارس، عن بشر بن عمر الزهراني، قال: حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس: "أرسل إليَّ عمر ﵁ أن تعالى النهار فجئته فوجدته جالسًا على سرير مفضيا إلى رماله ... " الحديث نحو رواية مسلم التي ذكرناها.
قوله: "برضخ" بالضاد والخاء المعجمتين، وهو العطية القليلة، قال الجوهري: رضخت له رضخًا وهو العطاء ليس بالكثير.
قوله: "يرفا" بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء، وبالفاء المقصورة، وهو اسم لمولى عمر بن الخطاب، وكان حاجبًا له.
قوله: "أنشدكم الله" يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله وبالله، وناشدتك الله وبالله أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نِشدة ونِشدانًا ومناشدةً، وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيدًا وبزيد وإما أنهم ضمنوه معنى ذكرت، فأما أنشدتك بالله مخطأ.
قوله: "فما أوجفتم عليه" من الإيجاف وهو سرعة السير، وقد أَوَجَف دابته يوجفها إيجافًا إذا حثها، والوجيف ضرب من السير سريع، وقد وَجَفَ البعير يَجِفُ وَجْفًا ووجيفًا.
стр. 3767
فإذا قلت: هذا مما لم يوجف عليه أي: لم يؤخذ بغلبة جيش.
قوله: "حين تعالى النهار" أي: ارتفع.
قوله: "إلى رماله" رمال السير ورمله: ضفر نسجه من وجهه، وسرير مرمول ومرمل منسوج من السعف بالحبال، يقال: رملته وأرملته.
قوله: "يا مال" ترخيم مالك، كما يقال: يا حار في حارث.
قوله: "قد دفَّ" بفتح الدال وتشديد الفاء من الدف وهو سير ليس بالشديد في جماعة، ومنه: دَفَّت دافة.
وأما حديث أبي هريرة ت فأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس وقد ينسب إلى جده، غالبًا شيخ البخاري ومسلم وأبي داود.
عن ابن شهاب الحناط الكوفي الأصغر- واسمه عبد ربه بن نافع الكناني، روى له الجماعة سوى الترمذي.
عن سفيان الثوري. وعن ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي -نزيل المدائن- روى له الجماعة.
كلاهما عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان المدني روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج روى له الجماعة، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الزناد، عن الأعوج، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﵇ قال: "لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة".
وحدثنا محمَّد بن أبي عمر المكي، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد ... بهذا الإسناد نحوه.
стр. 3768
وأخرجه أبو داود (١): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة نحوه.
قوله: "لا يقتسمُ" بضم الميم أي: ليس يقتسم ورثني دينارًا؛ لأنني لا أتخلف دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا. وفي رواية يحيى وابن كنانة: "دنانير" على الجمع، وأما سائر الرواة عن مالك في "المؤطإ" لما يقولون: "دينارًا".
قال أبو عمر: هو الصواب؛ لأن الواحد في هذا الموضع أعم عند أهل اللغة؛ لأنه يقتضي الجنس والقليل والكثير.
قوله: "ومؤنة عاملي" أراد بعامله: خادمه في حوائجه، ووكيله وأجيره ونحو ذلك.
ص: ثم قد جاءت -بعد هذه- الآثار عن رسول الله ﵇ متواترة بتحريم الصدقة على بني هاشم، فمما جاء في ذلك: ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن بُرَيد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: "قلت للحسن بن علي ﵄: ما تحفظ من رسول الله ﵇؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في فيّ، فأخرجها رسول الله ﵇ بلعابها فألقاها في التمر. قال رجل: يا رسول الله، ما كان عليك في هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال: إنا آل محمَّد لا تحل لنا الصدقة".
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عاصم، عن ثابت بن عمارة، عن ربيعة بن شيبان، قال: قلت للحسن ... فذكر نحوه إلا أنه قال في آخره: "ولا لأحد من أهله".
ش: أي: ثم قد جاءت بعد هذه الأحاديث التي احتج بها ذاك المحتج من أهل المقالة الأولى، الآثار الأُخر حال كونها متواترة -أي متكاثرة- بتحريم الصدقة على بني هاشم. فمما جاء في ذلك عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄.
стр. 3769
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن بُريد -بضم الباء وفتح الراء المهملة- ابن أبي مريم، واسمه مالك بن ربيعة السلولي البصري وثقه يحيى وأبو زرعة والنسائي وروي له الأربعة.
عن أبي الحوراء -بالحاء والراء المهملتين- واسمه ربيعة بن شيبان السعدي البصري، وثقه النسائي وابن حبان، وروى له الأربعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني بُريد بن أبي مريم السلولي، عن أبي الحوراء السعدي قال: "قلت للحسن بن علي ﵄: ما تذكر من رسول الله ﵇؟ قال: أذكر أني أخذت تمرةً من تمر الصدقة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله ﵇ بلعابها وألقاها في التمر. فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟! قال: إنا لا نأكل الصدقة".
الثاني: عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن ثابت بن عمارة الحنفي أبي مالك البصري وثقه ابن معين، وقال النسائي: لا بأس به. روى له أبو داود والترمذي والنسائي.
عن ربيعة بن شيبان أبي الحوراء ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا ابن إدريس، قال: نا ثابت بن عمارة، عن ربيعة بن شيبان قال: "قلت للحسن: هل تحفظ عن رسول الله ﵇ شيئًا؟ قال: أدخلني غرفة وأخذت تمرة من تمر الصدقة، فقال: إنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهله". ثم قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن بُريد، ورواه غير واحد بألفاظ مختلفة.
стр. 3770
قوله: "في فيّ" أي: في فمي، وفي الفم تسع لغات: فتح الفاء وكسرها وضمها مع تخفيف الميم والنقص، وفتحها وضمها مع تشديد الميم، وفتحها وضمها وكسرها مع التخفيف والقصر. وحكى ابن الأعرابي في تثنيته: فموان وفميان، وحكى اللحياني أنه يقال: فم وأفمام.
واللغة التاسعة النقص، واتباع الفاء الميم في الحركات الإعرابية تقول: هذا فُمُه، ورأيت فَمَه، ونظرت إلى فمِه.
قلت: فعلى هذا يكون للفم أربع مواد: إحداها: ف م ي. والثانية: ف م و، والثالثة: ف م م، والرابعة: ف وهـ، وكلها أصول.
قوله: "إنا آل محمَّد لا تحل لنا الصدقة" جملة اسمية مؤكدة بالنون، والمبتدأ هو قوله: "نا" في "إنا"، وخبره قوله: "لا تحل لنا الصدقة".
وقوله: "آل محمَّد" منصوب كما في قوله: إنا معشر العرب نفعل كذا، ونحن آل فلان كرماء، وهذا مما يجري على طريقة النداء ويقصد به الاختصاص لا النداء، وحاصل ذلك أن النحاة يقولون لمثل هذا: نصب على المدح. فافهم.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن كثير، قال: ثنا سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "استعمل أرقم بن أبي أرقم على الصدقات، فاستتبع أبا رافع، فإنهى النبي ﵇ فسأله، قال: يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمَّد وآل محمَّد، وإن مولى القوم من أنفسهم".
ش: محمَّد بن كثير العبدي البصري شيخ البخاري وأبي داود.
وابن أبي ليلى هو محمَّد بن أبي ليلى الكوفي الفقيه قاضي الكوفة فعن يحيى: ليس بذاك. وقال العجلي: كان صاحب سنة صدوقًا جائز الحديث. روى له الأربعة.
والحكم هو ابن عتيبة روى له الجماعة، ومقسم بن بَجَرَة -بالباء الموحدة والجيم والراء المفتوحات، مولى ابن عباس، روى له الجماعة سوى مسلم.
стр. 3771
وأخرجه البيهقي (١) نحوه: من حديث سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس .. إلى آخره مثله.
وأخرجه أبو داود (٢): عن محمَّد بن كثير، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع: "أن النبي ﵇ بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها. قال: حتى آتي النبي ﵇ فاسأله، فأتاه فسأله فقال: مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة".
وأخرجه الترمذي (٣): عن محمَّد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة ... إلى آخره نحو رواية أبي داود، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.
وأبو رافع مولى النبي ﵇ اسمه أسلم.
وابن أبي رافع هو عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه الحكم في "مستدركه" (٤): ثنا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن بالويه، نا إسحاق بن الحسن بن ميمون، نا عفان بن مسلم، نا شعبة.
وأنا أحمد بن جعفر القطيعي، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﵇ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله ﵇، فانطلق إلى النبي ﵇ فسأله فقال: إن الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم ... ".
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قوله: "اسْتُعْمل" على صيغة المجهول.
стр. 3772
وأرقم بن أبي الأرقم صحابي متقدم الإسلام. واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي.
قوله: "فاستتبع أبا رافع" أي طلب أرقم من أبي رافع أن يتبعه في سفره ويصحبه.
قوله: "آل محمَّد" أراد به أهله الأدنون وعشيرته الأقربين.
وفيه من الفوائد: حرمة الصدقة على محمَّد ﵇ وعلى آله أيضًا تطهيرًا لهم من أوساخ أموال الناس، وعلى مواليهم أيضًا وهم عتقاؤهم، وأن الإمام ينصب شخصًا لجمع الصدقات وضبطها.
ص: حدثنا ابن في داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا جويرية ابن أسماء، عن مالك، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن أبي ربيعة حدثه، قال: "اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب، فقالا: لو بعثنا هذين الغلامين -لي وللفضل بن العباس- على الصدقة فأديا ما يؤدي الناس وأصاب ما يصيب الناس. قال: فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁ فوقف عليها، فذكرا له ذلك، فقال علي: لا تفعلا؛ فوالله ما هو بفاعل. فقال ربيعة بن الحارث: ما يمنعك من هذا إلا نفاسةٌ علينا، فوالله لقد نلت صهر رسول الله ﵇ فما نفساه عليك. فقال علي: أنا أبو حسن القوم أرسلاهما، فانطلقا واضطجع، فلما صلى رسول الله ﵇ الظهر
سبقناه إلى الحجرة فقمنا عند بابها حتى جاء، فأخد بآذاننا وقال: أخرجا ما تصرِّران، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش ﵄. فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا قال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا
النكاح، وقد جئناك لتؤمرنا على بعض الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدون ونصيب كما يصيبون، فسكت حتى أردنا أن نكلمه وجعلت زينب تُلْمع إلينا من وراء الحجاب: أن لا تكلماه. فقال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمَّد؛ إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
стр. 3773
فجاءاه، فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك -للفضل بن عباس- فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك -لي- فأنكحني، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا".
ش: إسناده صحيح. ورجاله رجال الصحيحين ما خلا إبراهيم بن أبي داود.
وعبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد بن مخارق البصري ابن أخي جويرية بن أسماء شيخ الشيخين وأبي داود.
وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم له صحبة، وهو ابن ابن عم رسول الله ﵇.
وأخرجه مسلم (١): عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، عن جويرية، عن مالك ... إلى أخره نحوه.
قوله: "اجتمع ربيعة بن الحارث" بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، له صحبة.
قوله: "لي وللفضل بن عباس" بيان لقوله: "هذين الغلامين".
قوله: "فوالله ما هو بفاعل" أي النبي ﵇، أراد: أنه لا يسمع كلامكم في هذا ولا يجيب إلى سؤالكم.
قوله: "فانتحاه ربيعة" (٢) ليس في كثير من النسخ، ومعناه: عرض له وقصده، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى علي ﵁.
قوله: "إلا نفاسةً علينا" أي: إلا حسد علينا، من نَفِست الشيء عليه نفاسةً إذا لم تره يستأهله، هذا من باب فعل يَفْعِل بالكسر في الماضي، والفتح في الغابر وأما نَفُس الشيء -بالضم- فمعناه صار مرغوبًا فيه.
стр. 3774
وأما نُفِسَت المرأة فهو بالكسر أيضًا، ويقال نُفِسَت على ما لم يسم فاعله.
قوله: "فما نَفِسْناه" بكسر الفاء وسكون السين أي لم نحسدك فيه.
قوله: "أبو حسن القوم" قال عياض في "شرح مسلم": كذا رويناه عن أبي جعفر بالإضافة، وبالواو، أي: أنا عالم القوم وذو رأيهم ونحو هذا.
ورويناه عن أبي بحر "أنا أبو حسنٍ" بالتنوين وبعده "القوم" بالرفع أي: أنا من علمتم رأيه أيها القوم، وسمعناه على القاضي الشهيد: "القرم" بالراء على النعت، والقرم: السيد، وأصله فحل الإبل، وكذا رويناه عن أبي جعفر من طريق الباجي، وهو الذي صححه الخطابي، قال: أي المقدم في الرأي والمعرفة بالأمور كالفحل.
وقال ابن الأثير: القرم: فحل الإبل، أي أنا فيهم بمنزلة الفحل في الإبل.
قال الخطابي: وأكثر الروايات: "القوم" بالواو، ولا معنى له، وإنما هو بالراء: أي المقدم في المعرفة وتجارب الأمور.
وقوله: "واضطجع" أي: علي ﵁.
قوله: "أخرجا ما تصرران" أي أظهراه واجهرا به، وهو أمر من الإخراج و"ما تصرران" في محل نصب؛ لأنه مفعول لقوله: "أخرجا"، وأصله: ما تصررانه، وحذف المفعول سائغ شائع.
ومعنى ما تصرران: ما تجمِّعانه في صدوركما من الكلام، وكل شيء جمعته، فقد صررته، وأصله من الصّر وهو الشد، ومنه الصرَّة التي تشد فيها الدراهم والدنانير.
وقال عياض: وروايتنا عن أكثر شيوخنا: تسرران -بالسين- من السرّ خلاف الجهر.
قال: ورويناه من طريق السمرقندي: تصدران ووجهه بعيد، ورواه الحميدي في "صحيحه": تصوران أي: ما تزورانه من صورة حديثكما.
قوله: "فتواكلنا الكلام" أي وكل بعضنا إلى بعض، وحاصله أن يرمي بعضهم على بعض في الكلام.
стр. 3775
قوله: "وقد بلغنا النكاح" أي: الحلم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (١).
قوله: "تلمع إلينا من وراء الحجاب" أي: تشير إلينا من خلف الستارة، يقال: لمع وألمع: إذا أشار بثوبه أو بيده.
قوله: "إنما هي أوساخ الناس" بيان العلة في تحريم الصدقة عليهم، وإنما سماها أوساخًا لأنها تطهير لأموالهم.
قوله: "ادعوا لي محمية" أي: أطلباه لي.
ومَحْمَّية -بفتح الميم الأولى وسكون الحاء المهملة وكسر الميم الثانية وفتح الياء آخر الحروف- ابن جزء -بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة- بن عبد يغوث الزُّبيدي -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وبالدال المهملة- وكان ﵇ استعمله على الأخماس.
قوله: "ونوفل بن الحارث" بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله ﵇، أُسِر يوم بدر كافرًا وفداه عمه العباس، وأسلم وأعان رسول الله ﵇ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، توفي بالمدينة سنة خمس عشرة.
قوله: "أصدق عليهما" بفتح الهمزة وسكون الصاد وكسر الدال، معناه: أمهر عنهما من الخمس كذا وكذا درهمًا أو دينارًا ولم يبين مقداره.
ويستفاد منه أحكام:
تحريم الصدقة على آل محمَّد، وقال عياض: قوله: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد" دليل على أنها لا تحل لهم بوجه وإن كانوا عاملين عليها، كما لم يحل لهم إذا كانوا محتاجين لها إكرامًا لهم عنها، وإلى هذا ذهب أبو يوسف.
وذهب آخرون إلى أنها تجوز للعالمين منهم؛ لأنها أجرة لعملهم، وإليه ذهب الطحاوي، وسيجيء الكلام فيه- إن شاء الله تعالى.
стр. 3776
وفي "المغني": وظاهر كلام الخرقي أن ذوي القربى يمنعون الصدقة وإن كانوا عاملن. وذكر في باب: "قسم الفيء والصدقة" ما يدل على إباحة الأخذ لهم عمالةً، وهو قول أكثر أصحابنا.
وقال صاحب "البدائع": ولو كان العامل هاشميًّا لا تحل له عندنا، وعند الشافعي تحل، واحتج بما روي "أنه ﵇ بعث عليًّا ﵁ إلى اليمن مصدقًا وفرض له" ولو لم تحل للهاشمي لما فرض له؛ ولأن العمالة أجرة العمل بدليل أنها تحل للغني، فيستوي فيها الهاشمي وغيره، ثم استدل صاحب "البدائع" لأصحابنا بالحديث المذكور، وأجاب عن حديث علي ﵁ بأنه لا حجة له فيه؛ لأن فيه أنه فرض له، وليس فيه بيان المفروض أنه من الصدقات، فيحتمل أنه كان فرض له من بيت المال؛ لأنه كان قاضيًا، والله أعلم.
وفيه دلالة على جواز تبرع الرجل عن صداق المرأة إذا تزوجها رجل، وأنه يسقط عن الزوج.
وأن الرجل إذا رأى غيره يسعى فيما لا ينبغي يمنعه من ذلك ويردعه؛ لأنه في الحقيقة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه إشارةإلى فضيلة علي بن أبي طالب ﵁.
ص: فإن قال قائل: فقد أصدق عنهما من الخمس وحكمه حكم الصدقات.
قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك من سهم ذوي القربى في الخمس، وذلك خارج من الصدقات المحرمة عليهم؛ لأنه إنما حرم عليهم أوساخ الناس، والخمس ليس كذلك.
ش: تقرير السؤال من جهة أهل المقالة الأولى: إنكم قلتم: إن الصدقة حرام على بني هاشم وقد قال ﵇ لمحمية بن جزء: "أصدق عنهما" فقد أصدق عنهما أي: عن الفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث من الخمس، وحكم الخمس حكم الصدقات. والجواب ظاهر.
стр. 3777
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا شريك، عن عبيد الُمكَتِّب، عن أبي الطفيل، عن سلمان ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ بصدقة فردها، وأتيته بهدية فقبلها".
ش: إسناده صحيح.
ومحمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، وشريك بن عبد الله النخعي، وعبيد ابن مهران المُكتِّب الكوفي، وثقه يحيى وأبو حاتم والنسائي وروي له، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي وسلمان الفارسي الصحابي ﵄.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن إسحاق، أنا شريك، عن عبيد المكتِّب، عن أبي الطفيل، عن سلمان قال: "كان النبي ﵇ يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بُهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، قال: حدثني سلمان الفارسي ... وذكر حديثًا طويلًا ذكر فيه: "أنه كان عبدًا قال: فلما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﵇ وهو بقباء -فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه- فقلت له: إنه بلغني أنه ليس بيدك شيء وأن معك أصحابًا لك، وأنتم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة، فيما ذكر لي مكانبهم رأيتكم أحق به، ثم وضعته له، فقال رسول الله ﷺ : "كلوا وأمسك هو، ثم أتيته بعد أن تحول إلى المدينة وقد جمعت شيئًا، فقلت: رأيتك لا تأكل الصدقة وقد كان عندي شيء أحببت أن كرمك به كرامةً ليس بصدقة، فأكل وأصحابه".
ش: إسناده صحيح.
стр. 3778
ويوسف بن بهلول التميمي أبو يعقوب الأنباري نزيل الكوفة، شيخ البخاري وأحد أصحاب أبي حنيفة ﵁.
وعبد الله بن إدريس بن يزيد الزعافري الكوفي شيخ أحمد وابن أبي شيبة، روى له الجماعة.
ومحمد بن إسحاق المدني، روى الجماعة، البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات.
وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري الظفري، روى له الجماعة.
ومحمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأنصاري، ولد في حياة النبي ﵇ ولم تصح له رؤية ولا سماع من النبي ﵇، وعن البخاري أن له صحبة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) مطولًا جدًّا: ثنا يعقوب، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن عبد الله بن عباس ﵃، حدثني سلمان الفارسي قال: "كنت رجلًا فارسيًّا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها: جَيْ، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قَطِن النار [الذي] (٢) يوقدها لا يتركها تخبو ساعةً. قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم وعن ضيعتي فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلماه مررت بهم، وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها
стр. 3779
فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله. قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بُني ليس في ذلك الدين خين دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركبٌ من الشام تجارٌ من النصارى فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركبٌ من الشام تجارٌ من النصارى، قال: فأخبروني بهم. قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: مَن أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في
الكنيسة، قال: فجئته فقلت: إني رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك. قال: فادخل، فدخلت معه قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء كثيرة اكتنزها لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق. قال: وأبغضته بغضا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، قال: فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه
مكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببته حبًّا لم أحبه مَنْ قبله فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت
стр. 3780
معك، وأحببتك حبًّا لم أحبه من قبلك، وقد جاءك ما ترى من أمر الله فإلى من توصي به وما تأمرني؟ قال: أيْ بني والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجل بالموصل، وهو فلان فهو على ما كنت عليه، فالحق به، قال: فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن أحلق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث إلى أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، قال: فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بنصيبين [وهو فلان فالحق به، قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين] (١)، فجئته فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي، قال: فأقم عندي، فأقمت عنده ووجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثت أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى مَن توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بعمورية فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فإنه على أمرنا، قال: فلما مات وغُيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى صارت لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله ، فلما حضر قلت: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: يا بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم ﵇ يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين
стр. 3781
حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغُيِّب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفرٌ من كلب تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى، أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم فأعطيتموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنت عنده ورأيت النخل، ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفس، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عمٍ له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله ﵇، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذْ أقبل ابن عمٍ له حتى وقف عليه، فقال فلانٌ: قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لمجمعون على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمةً شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. قال: قلت: لأي شيء؟ إنما أردت أن استثبته عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﵇ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت: إنه بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته
إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا، وتحول رسول الله ﵇ إلى المدينة، ثم جئت به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﵇ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، قال: ثم جئت رسول الله ﵇ وهو ببقيع الغرقد قال: وقد تبع جنازةً
стр. 3782
من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، وهل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رأني رسول الله ﵇ استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وُصف لي، قال فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفت، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﵇: تحول، فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله ﵇ أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﵇ بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﵇: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أجبيها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله ﵇ لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله ﵇: اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي، قال: ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﵇ معي إليها، فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله ﵇ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي عليَّ المال، فَاُتيَ رسول الله ﵇ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: ما فعل الفارسي؟ قال: فدُعيت له، فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان، قال: فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليّ؟ قال: خذها فإن الله سيؤدي بها عنك، قال: فأخذتها فوزنت لهم منها -والذي نفس سليمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم وعُتِقْت، وشهدت مع رسول الله ﵇ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد".
قوله: "جَيْ" بالجيم المكسورة والمفتوحة.
قوله: "قطن النار" أي: خازن النار.
قوله: "لا تخبو ساعةً" أي: لا يتركها تسكن ساعةً.
стр. 3783
قوله: "الأسقف" من السقِّيفى كالخليفة من الخُلِّيفى وهي مرتبة من قِبَل الملك، والسقيف في اللغة: طول في انحناء، ويحتمل أن يسمى أسقفًا لخضوعه وانحنائه.
قوله: "سبع قلال" جمع قلة -بضم القاف- وهي معروفة.
قوله: "بين حرتين" تثنية حرة -بفتح الحاء المهملة- وهي الأرض ذات الحجارة السود.
قوله: "عَذْق" بفتح العين وسكون الذال: النخلة.
قوله: "العُرَوَاء" بضم العين المهملة وفتح الراء وهي الحمى النافض، والبُرحاء: الحمى الصالب، والرُّحضاء: الحمى الذي يأخذ بالعرق، والمُطَوَاء: الذي يأخذ بالتميُّل، والثوباء: الذي يأخذ بالتئاؤب.
قوله: "بالفقير" بالفاء ثم القاف، قال ابن الأثير: فقير النخلة حفرة تحفر للفسيلة إذا حولت لتغرس فيها.
"والوَدِيَّة": بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء آخر الحروف: إذا خرجت الخلة من النواة فهي غريسة، ثم يقال لها: وَدِيّه ثم فَسِيلة ثم إشاءة.
قوله: "فَفُقِّر لها" أي: حُفِرَ لها، وكذا معنى قوله: "ففقرت لها" أي: حفرت لها، ومادة هذه الكلمة بتقديم الفاء على القاف كما قلنا.
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع مولى رسول الله ﵇، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: حتى أستأذن رسول الله ﵇، فأتى النبي ﵇ فذكر ذلك له، فقال: إن آل محمَّد لا تحل لهم الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم".
ش: إسناده صحيح. والحكم هو ابن عتيبة، واسم ابن أبي رافع عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي ﵁. واسم أبي رافع أسلم مولى النبي ﵇، والرجل الذي هو من بني مخزوم هو الأرقم بن أبي الأرقم.
стр. 3784
والحديث أخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح.
وأخرجه الحكم أيضًا (٢) وصححه. وقد ذكرناه عن قريب.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ورقاء بن عمر، عن عطاء بن السائب قال: "دخلت على أم كلثوم بنت علي ﵄ فقالت: إن مولى لنا يقال له: هرمز أو كيسان أخبرني أنه مرَّ على رسول الله ﵇ فدعاني فجئت، فقال: يا فلان إنَّا أهل بيتٍ قد نُهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم، فلا تأكل الصدقة".
ش: ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري، روى له الجماعة. وعطاء بن السائب ابن مالك أبو محمَّد الكوفي، وكان اختلط، فمن سمع منه قديمًا فهو صحيح، وما سمع منه جرير ليس بصحيح، قاله ابن معين، روى له البخاري حديثًا واحدًا متابعةً والأربعة.
وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ ولدت قبل وفاة النبي ﵇، وأمها فاطمة بنت رسول الله ﵇، وتزوجها عمر بن الخطاب ﵁ وأصدقها أربعين ألفً.
وهرمز -وقيل: كيسان، وقيل: مهران، وقيل: ميمون- مولى النبي ﵇، وقيل: مولى آل أبي طالب.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣) وقال: مهران: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب قال: "أتيتُ أم كلثوم بنت علي ﵄ بشيء من الصدقة، فردتها وقالت: حدثني مولى للنبي ﵇ يقال له: مهران- أن رسول الله ﵇ قال: إنا آل محمَّد لا تحل لنا الصدقة، ومولى القوم منهم".
стр. 3785
وأخرجه البغوي في "معجم الصحابة" وقال هرمز: ثنا منصور بن أبي مزاحم، ثنا أبو حفص الأبار، عن ابن أبي الزياد، عن معاوية بن قرة قال: "شهد بدرًا عشرون مملوكًا منهم مملوك للنبي ﵇ يقال له: هرمز، فأعتقه النبي ﵇ وقال: إن الله قد أعتقك، وإن مولى القوم منهم، وإنَّا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها".
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) وقال: كيسان: ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: "أتيت أم كلثوم ابنة علي، فقالت: إن مولى لنبي الله ﵇ يقال له: كيسان قال له النبي ﵇ في شيء من أمر الصدقة: إنَّا أهل بيتٍ نُهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولانا من أنفسنا، فلا تأكل الصدقة".
وأخرجه عبد الرزاق (٢) وقال: ميمون أو مهران: أبنا الثوري، عن عطاء بن السائب، حدثتني أم كلثوم ابنة علي قالت: أخبرني ميمون أو مهران مولى النبي ﵇ قال: "إنَّا أهل بيتٍ نُهينا عن الصدقة".
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوَّار. (ح)
محمَّد بن خريمة، قال: ثنا علي بن الجعد. (ح)
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالوا: ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرةً من تمر الصدقة فأدخلها في فيه، فقال النبي ﵇: كخْ كخْ، ألقها ألقها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: حسين بن نصر بن المعارك، عن شبابة بن سوَّار الفزاري، روى له الجماعة. عن شعبة، عن محمَّد بن زياد القرشي الجمحي المدني روى له الجماعة.