← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغُيِّب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرَّ بي نفرٌ من كلب تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى، أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم فأعطيتموها وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنت عنده ورأيت النخل، ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفس، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عمٍ له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله ﵇، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذْ أقبل ابن عمٍ له حتى وقف عليه، فقال فلانٌ: قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لمجمعون على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمةً شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك. قال: قلت: لأي شيء؟ إنما أردت أن استثبته عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﵇ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت: إنه بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا، وتحول رسول الله ﵇ إلى المدينة، ثم جئت به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﵇ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، قال: ثم جئت رسول الله ﵇ وهو ببقيع الغرقد قال: وقد تبع جنازةً

стр. 3782

من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره، وهل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رأني رسول الله ﵇ استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وُصف لي، قال فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفت، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﵇: تحول، فتحولت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله ﵇ أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﵇ بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله ﵇: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أجبيها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله ﵇ لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله ﵇: اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي، قال: ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله ﵇ معي إليها، فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله ﵇ بيده، فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي عليَّ المال، فَاُتيَ رسول الله ﵇ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: ما فعل الفارسي؟ قال: فدُعيت له، فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان، قال: فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليّ؟ قال: خذها فإن الله سيؤدي بها عنك، قال: فأخذتها فوزنت لهم منها -والذي نفس سليمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم وعُتِقْت، وشهدت مع رسول الله ﵇ الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد". قوله: "جَيْ" بالجيم المكسورة والمفتوحة. قوله: "قطن النار" أي: خازن النار. قوله: "لا تخبو ساعةً" أي: لا يتركها تسكن ساعةً.

стр. 3783

قوله: "الأسقف" من السقِّيفى كالخليفة من الخُلِّيفى وهي مرتبة من قِبَل الملك، والسقيف في اللغة: طول في انحناء، ويحتمل أن يسمى أسقفًا لخضوعه وانحنائه. قوله: "سبع قلال" جمع قلة -بضم القاف- وهي معروفة. قوله: "بين حرتين" تثنية حرة -بفتح الحاء المهملة- وهي الأرض ذات الحجارة السود. قوله: "عَذْق" بفتح العين وسكون الذال: النخلة. قوله: "العُرَوَاء" بضم العين المهملة وفتح الراء وهي الحمى النافض، والبُرحاء: الحمى الصالب، والرُّحضاء: الحمى الذي يأخذ بالعرق، والمُطَوَاء: الذي يأخذ بالتميُّل، والثوباء: الذي يأخذ بالتئاؤب. قوله: "بالفقير" بالفاء ثم القاف، قال ابن الأثير: فقير النخلة حفرة تحفر للفسيلة إذا حولت لتغرس فيها. "والوَدِيَّة": بفتح الواو وكسر الدال وتشديد الياء آخر الحروف: إذا خرجت الخلة من النواة فهي غريسة، ثم يقال لها: وَدِيّه ثم فَسِيلة ثم إشاءة. قوله: "فَفُقِّر لها" أي: حُفِرَ لها، وكذا معنى قوله: "ففقرت لها" أي: حفرت لها، ومادة هذه الكلمة بتقديم الفاء على القاف كما قلنا. ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا وهبٌ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي رافع مولى رسول الله ﵇، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها. فقال: حتى أستأذن رسول الله ﵇، فأتى النبي ﵇ فذكر ذلك له، فقال: إن آل محمَّد لا تحل لهم الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم". ش: إسناده صحيح. والحكم هو ابن عتيبة، واسم ابن أبي رافع عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي ﵁. واسم أبي رافع أسلم مولى النبي ﵇، والرجل الذي هو من بني مخزوم هو الأرقم بن أبي الأرقم.

стр. 3784

والحديث أخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح. وأخرجه الحكم أيضًا (٢) وصححه. وقد ذكرناه عن قريب. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ورقاء بن عمر، عن عطاء بن السائب قال: "دخلت على أم كلثوم بنت علي ﵄ فقالت: إن مولى لنا يقال له: هرمز أو كيسان أخبرني أنه مرَّ على رسول الله ﵇ فدعاني فجئت، فقال: يا فلان إنَّا أهل بيتٍ قد نُهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم، فلا تأكل الصدقة". ش: ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري، روى له الجماعة. وعطاء بن السائب ابن مالك أبو محمَّد الكوفي، وكان اختلط، فمن سمع منه قديمًا فهو صحيح، وما سمع منه جرير ليس بصحيح، قاله ابن معين، روى له البخاري حديثًا واحدًا متابعةً والأربعة. وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ ولدت قبل وفاة النبي ﵇، وأمها فاطمة بنت رسول الله ﵇، وتزوجها عمر بن الخطاب ﵁ وأصدقها أربعين ألفً. وهرمز -وقيل: كيسان، وقيل: مهران، وقيل: ميمون- مولى النبي ﵇، وقيل: مولى آل أبي طالب. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣) وقال: مهران: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب قال: "أتيتُ أم كلثوم بنت علي ﵄ بشيء من الصدقة، فردتها وقالت: حدثني مولى للنبي ﵇ يقال له: مهران- أن رسول الله ﵇ قال: إنا آل محمَّد لا تحل لنا الصدقة، ومولى القوم منهم".

стр. 3785

وأخرجه البغوي في "معجم الصحابة" وقال هرمز: ثنا منصور بن أبي مزاحم، ثنا أبو حفص الأبار، عن ابن أبي الزياد، عن معاوية بن قرة قال: "شهد بدرًا عشرون مملوكًا منهم مملوك للنبي ﵇ يقال له: هرمز، فأعتقه النبي ﵇ وقال: إن الله قد أعتقك، وإن مولى القوم منهم، وإنَّا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها". وأخرجه ابن أبي شيبة (١) وقال: كيسان: ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: "أتيت أم كلثوم ابنة علي، فقالت: إن مولى لنبي الله ﵇ يقال له: كيسان قال له النبي ﵇ في شيء من أمر الصدقة: إنَّا أهل بيتٍ نُهينا أن نأكل الصدقة، وإن مولانا من أنفسنا، فلا تأكل الصدقة". وأخرجه عبد الرزاق (٢) وقال: ميمون أو مهران: أبنا الثوري، عن عطاء بن السائب، حدثتني أم كلثوم ابنة علي قالت: أخبرني ميمون أو مهران مولى النبي ﵇ قال: "إنَّا أهل بيتٍ نُهينا عن الصدقة". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوَّار. (ح) محمَّد بن خريمة، قال: ثنا علي بن الجعد. (ح) وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قالوا: ثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرةً من تمر الصدقة فأدخلها في فيه، فقال النبي ﵇: كخْ كخْ، ألقها ألقها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: حسين بن نصر بن المعارك، عن شبابة بن سوَّار الفزاري، روى له الجماعة. عن شعبة، عن محمَّد بن زياد القرشي الجمحي المدني روى له الجماعة.

стр. 3786

وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ قال: "أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﵇: كخ كخ -ليطرحها- ألقها ألقها، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن علي بن الجعد بن عبيد شيخ البخاري وأبي داود واحد أصحاب أبي حنيفة، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٢): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن محمَّد -وهو ابن زياد- سمع أبا هريرة يقول: "أخذ الحسن بن عليّ تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﵇: ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟ ". الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن شعبة، عن ابن زياد، عن أبي هريرة نحوه. قوله: "في فيه" أي: في فمه. قوله: "كَخْ كَخْ" بفتح الكاف وكسرها وسكونا لخاء وتكسر أيضًا، وتنون أيضًا، وهي كلمة تقال لزجر الصبيان عن الشيء يأخذونه ليتركوه. قال الداودي: هي كلمة أعجمية عربتها العرب بمعنى بئس. قال عياض: وفيه أن الصغير من أبناء المسلمين يوقى ما يوقى الكبير من المحاذير والخبائث، وإن كان غير مخاطب فوليه يخاطب بحراسته من ذلك.

стр. 3787

قلت: فعلى هذا لا ينبغي للوالدين أن يلبسا ولدهما الصغير حريرًا ونحوه مما يحرم على الذكور، حتى لو فعلا ذلك أثما، وهوحجة على الشافعي، والله أعلم. ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "كان النبي ﵇، إذا أُتِيَ بالشيء سأل أهدية هو أم صدقة؟ فإن قالوا: هدية بسط يده، وإن قالوا: صدقة قال لأصحابه: كلوا". ش: إسناد حسن. ومكي بن إبراهيم شيخ البخاري. وبهز بن حكيم أبو عبد الملك البصري، وثقه يحيى وابن المديني وأبو داود، وقال أبو زرعة: صالح ولكنه ليس بالمشهور، استشهد به البخاري وروى له في غير "الصحيح"، والأربعة. وأبوه: حكيم معاوية، وثقه العجلي. وجده: معاوية بن حيدة القشيري الصحابي. وأخرجه الترمذي (١): نا محمَّد بن بشار، قال: ثنا مكي بن إبراهيم ويوسف بن يعقوب الضبعي، قالا: ثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "كان رسول الله ﵇ إذا أُتيَ بشيء فقال: أصدقة هو أم هدية؟ فإن قالوا صدقة لم يأكل، وإن قالوا هدية أكل". قال أبو عيسى: حديث بهز بن حكيم حديث حسن غريب. ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "سمعت رسول الله ﵇ يقول في إبل سائمة: في

стр. 3788

كل أربعين بنت لبون، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها [فأنا آخذوها] (١) منه وشطر إبله عزمةً من عزمات ربنا، لا يحل لأحد منا فيها شيء". ش: عبد الله بن بكر السهمي المجري، روى له الجماعة. والحديث أخرجه أبو داود (٢): ثنا موسى بن إسماعيل، نا حماد، أنا بهز بن حكيم، ونا محمَّد بن العلاء، أنا أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵇ قال: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون، ولا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا -قال ابن العلاء: مؤتجرًا بها- فله أجرها، ومن مَنَعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمَّد منها شيء". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. قوله: "مؤتجرًا" أي: طالبًا للأجر، وانتصابه على الحال. قوله: "آخذها منه" أي: آخذ المصدق الزكاة منه، وأخذ أيضًا شطر إبله أي: نصف إبله، وفي رواية أبي داود: "وشطر ماله". والمعنى: يأخذ الزكاة ويأخذ نصف ماله. قوله: "عزمة" نصب بفعل محذوف تقديره: عزم الله علينا عزمةً، والمعنى: إن هذا حق وفرض من فرائض الله. قال الخطابي: اختلف الناس في القول بظاهر هذا الحديث، فذهب أكثر الفقهاء أن الغلول في الصدقة والغنيمة لا يوجب غرامةً في المال، وهو مذهب الثوري

стр. 3789

وأصحاب الرأي، وإليه ذهب الشافعي، وكان الأوزاعي يقول في الغال في الغنيمة: إن للإمام أن يحرق رحله، وكذلك قال أحمد وإسحاق. وقال أحمد في الرجل يحمل الثمرة في أكمامها: فيه القيمة مرتين وضرب النكال. وقال: كل مَن درأنا عنه الحد أضعفنا عليه الغرم. ثم الجواب عن هذا الحديث من وجهين: الأول: بطريق المنع، وهو أن يقال: لا نسلم أن هذا الحديث صحيح؛ لأن الشافعي قال في بهز: ليس بحجة، وقال أبو حاتم الرازي: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا، ولولا حديثه: إنا آخذوه وشطر ماله عزمةً مَن عزمات ربنا لأدخلناه في "الثقات". الثاني: بطريق التسليم، وهو أن يقال: سلمنا أن الحديث صحيح؛ لأن يحيى بن معين وأحمد احتجا بحديث بهز ووثقاه، ولكنا نقول: إن هذا كان في أول الإِسلام ثم نسخ، واستدل الشافعي على نسخه بحديث البراء بن عازب فيما أفسدت ناقته فلم ينقل عن النبي ﵇ في تلك القضية أنه ضَعَّف الغرامة، بل نقل فيها حكمه بالضمان فقط، وقد يجاب بأن هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك، وقيل: معناه أن الحق يُستوفى منه ولا يترك عليه، وإن تلف شطر ماله، كرجل له ألف شاة فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون، فإنه يؤخذ منه عشر شياه كصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي أي: نصفه. وكان إبراهيم الحربي يتأول حديث بهز بن حكيم على أنه يؤخذ منه خيار ماله مثل سن الواجب عليه لا يزاد على السن والعدد ولكن يُنتقى خيار ماله، فتزاد عليه الصدقة بزيادة شطر القيمة. والله أعلم. ص: حدثنا ابن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يمر في الطريق بالتمرة فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة".

стр. 3790

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، قال: ثنا منصور، عن طلحة، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ رأى تمرةً فقال: لولا أني أخاف أن تكون صدقةً لأكلتها". ش: هذان طريقان صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود، كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن حماد ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم -المعنى- قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يمر بالتمرة العائرة فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة". قلت: العاشرة الساقطة التي لا يعرف لها مالك، من عَارَ الفرس يَعير إذا انطلق من مربطه مارًّا على وجهه، وهذا أصل في الورع، وفي أن كل ما لا يستبينه الإنسان مباحًا فإنه يجتنبه. وفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاةً أن له أخذها وأكلها إن شاء، وليس لها حكم اللقطة. والآخر: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن طلحة بن مصرف الكوفي روى له الجماعة، عن أنس ﵁. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، أنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ وجد تمرة فقال: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها".

стр. 3791

وفيه دليل على تحريم الصدقة على النبي ﵇ مطلقًا سواء كانت فرضًا أو تطوعًا؛ لعموم اللفظ. وفيه استعمال الورع؛ لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن الورع تركها. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الحكم بن مروان الضرير. (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قالا: ثنا مُعَرِّف بن واصل السعدي، قال: حدثتنا حفصة في سنة تسعين -قال ابن أبي داود في حديثه: ابنة طلق- تقول: حدثنا رشيد بن مالك أبو عميرة قال: "كنا عند النبي ﵇، فأتي بطبق عليه تمرٌ، فقال: أصدقة أم هدية؟ قال: بل صدقة، فوضعه بين يدي القوم، والحسن يتعفر بين يديه فأخذ الصبي تمرةً فجعلها في فيه، فأدخل رسول الله ﵇ أصبعه فجعل يترفق به فأخرجها فقذفها، ثم قال: إنَّا آل محمَّد لا نأكل الصدقة". ش: هذان طريقان: أحدهما: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن الحكم بن مروان الكوفي الضرير، قال أبو حاتم ويحيى: لا بأس به. عن مُعَرِّف بن واصل السعدي، وثقه أحمد ويحيى والنسائي، وروى له مسلم وأبو داود. عن حفصة بنت طلق قال في "التذكرة": مجهولة. عن رُشَيْد -بضم الراء وفتح الشين المعجمة- بن مالك بن عميرة السعدي التميمي الصحابي، عِدَاده في الكوفيين ويكنى بأبي عَميرة بفتح العين وكسر الميم. وأخرجه الكجي في "مسنده": ثنا الحكم، أبنا معرف بن واصل، حدثتني حفصة بنت طلق قالت: قال أبو عميرة رُشيد بن مالك: "كنا جلوسًا عند النبي ﵇ ذات يوم فجاء رجل معه طبق عليه تمر، فقال له: أهدية أم صدقة؟ قال: صدقة، قال: قربه إلى القوم والحسن بين يدي النبي ﵇ فأخذ تمرةً فجعلها في فيه.

стр. 3792

قال: فأدخل النبي ﵇ أصبعه في فيّ الصبي، فأخرج التمرة فقذفها، وقال: إن آل محمَّد لا يأكلون الصدقة". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن مُعَرّف بن واصل ... إلى آخره. قوله: "والحسن يتعفر بن يديه" أي: يتمرغ على التراب؛ وذلك أنه كان صغيرًا يلعب. قوله: "في فيه" أي: في فمه. قوله: "فقذفها" أي: رماها. ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا علي بن حكيم الأودي، قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: "دخلت مع النبي ﵇ بيت الصدقة، فتناول الحسن تمرةً، فأخذها من فيه وقال: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة- أو لا نأكل الصدقة". حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا شريك ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة" ولم يشك. شْ: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن مغيرة الكوفي ثم المصري المعروف بعلان، قال ابن أبي حاتم: صدوق. عن علي بن حكيم بن ذُبيان الأودي أبي الحسن الكوفي شيخ البخاري في "الأدب" ومسلم. عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، روى له الجماعة. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى والد محمَّد بن عبد الرحمن القاضي، روى له الجماعة.

стр. 3793

عن أبيه ليلى -واسمه يسار- بالياء آخر الحروف، وقيل: بلال الصحابي. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا الحسن بن موسى، عن زهير، عن عبد الله بن عيسى، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: "كنت مع النبي ﵇ في بيت الصدقة. قال: فجاء الحسن بن علي فأخذ تمرةً، فأخذها من فيه فاستخرجها، وقال: إنا لا تحل لنا الصدقة". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي في بيتي، فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقةً فألقيها". ش: إسناده صحيح. وأبو نعيم الفضل بن دُكين، شيخ البخاري، وابن المبارك: عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور، عن معمر بن راشد ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن محمَّد بن رافع، [عن عبد الرزاق] (٣)، عن همام، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة نحوه. ص: ثنا أحمد بن عبد المؤمن الخراساني، قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: ثنا عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي يقول: "جاء سلمان الفارسي ﵁ إلى رسول الله ﵇ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فقال رسول الله ﵇: ما هذا يا سلمان؟ قال: صدقة عليك وعلى أصحابك. قال:

стр. 3794

ارفعها فإنا لا نأكل الصدقة، فرفعها، فجاء من الغد بمثله فوضعه بين يديه، فقال: ما هذا يا سلمان؟ قال: هدية، فقال رسول الله ﵇ لأصحابه: انبسطوا". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات قد ذكروا غير مرة. وبُرَيدة-بضم الباء الموحدة- بن الحُصَيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- ابن عبد الله الصحابي. والحديث أخرجه البزار في "مسنده": ثنا عَبدة بن عبد الله، أنا زيد بن الحباب، أنا حسين بن واقد، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه: "أن سلمان الفارسي ﵁ أتى رسول الله ﵇ المدينة لما قدم المدينة- بمائدة عليها رطب، فقال له: ما هذا يا سلمان؟ قال: صدقة تصدقت بها عليك وعلى أصحابك، قال: إنا لا نأكل الصدقة، حتى إذا كان من الغد جاء بمثلها فوضعها بين يديه، فقال: يا سلمان ما هذا؟ قال: هدية، فقال: كلوا وأكل، ونظر إلى الخاتم في ظهره، قال: واشتراه رسول الله ﵇ بكذا وكذا درهمًا من قوم من اليهود على أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل، ويعمل حتل يُطعم. قال: فغرس رسول الله ﵇ النخل إلا نخلة واحدة غرسها غيره، فأطعم النخل من عامه إلا النخلة التي غراسها غيره، فقال رسول الله ﷺ : مَن غرسها؟ قالوا: فلان، فقلعها وغرسها رسول الله ﷺ ، فأطعمت في عامها". ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذه الآثار كلها قد جاءت بتحريم الصدقة على بني هاشم ولا نعلم شيئًا نسخها ولا عارضها إلا ما قد ذكرنا في هذا الباب مما ليس فيه دليل على مخالفتها. ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي أخرجها عن الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة وسلمان الفارسي وأبي رافع مولى النبي ﵇ وهرمز أو كيسان مولى النبي ﵇ وأبي هريرة ومعاوية بن حيدة وأنس بن مالك ورُشيد بن مالك وأبي ليلى وبُريدة بن الخصيب ﵃؛ فانظر إلى

стр. 3795

اتساع رواية الطحاوي وجلالة قدره الذي أخرج في حكم واحد نادر الوقوع بالنسبة إلى غيره عن اثنى عشر صحابيًّا مع استنباط الأحكام والتوغل فيها!. ص: فإن قال قائل: تلك الصدقة إنما هيم الزكاة خاصةً، فأما ما سوى ذلك من سائر الصدقات فلا بأس به لهم. قيل له: في هذه الآثار ما قد دفع ما ذهبت إليه، وذلك في حديث بهز بن حكيم: "أن النبي ﵇ كان إذا أتي بالشيء سأل أهدية أم صدقة؟ فإن قالوا: صدقة، قال لأصحابه: كلوا" واستغن بقول المسئول أنه صدقة عن أن يسأله: صدقة من زكاة أم غير ذلك، فدل ذلك على أن حكم سائر الصدقات في ذلك سواء، وفي حديث سلمان: "فقال: فجئت، فقال: أهدية أم صدقة؟ فقلت: بل صدقة؛ لأنه بلغني أنكم قوم فقراء". فامتنع من أكلها لذلك. وإنما كان سلمان يومئدٍ عبدًا ممن لا تجب عليه زكاة، فدل ذلك على أن كل الصدقات من التطوع وغيره قد كان محرمًا على رسول الله ﵇ وعلى سائر بني هاشم. ش: تقرير السؤال أن يقال: الصدقة المحرمة على بني هاشم في الأحاديث المذكورة هي الزكاة خاصةً، وبقية الصدقات لا بأس بها عليهم. وتقرير الجواب: أن هذا دعوى التخصيص من غير دليل. وهي باطلة، والأصل إجراء الألفاظ العامة على عمومها ولا سيما ها هنا؛ فإن بعض ألفاظ الحديث يدل على العموم وعدم الفرق بين صدقة وصدقة كما في حديث بهز بن حكيم وحديث سلمان ﵁، وقد بُيَّن وجه ذلك في الكتاب. ص: والنظر أيضًا يدل على استواء حكم الفرائض والتطوع في ذلك، وذلك أنا رأينا غير بني هاشم من الأغنياء والفقراء في الصدقات المفروضات والتطوع سواء، من حرم عليه أخذ الصدقة مفروضة، حَرُم عليه أخذ صدقة غير مفروضة، فلما حرم على بني هاشم، أخذ الصدقات غير المفروضة. فهذا هو النظر في هذا أيضًا.

стр. 3796

ش: أي: والقياس أيضًا يدل على أن حرمة الصدقة عليهم مستوية في الفرائض والنوافل، وجه القياس ظاهر. قوله: "في ذلك" إشارة إلى التحريم، أي: في تحريم الصدقة عليهم. وقوله: "وذلك" إشارة على استواء حكم الفرائض والتطوع. ص: وهو قول أبي يوسف ومحمد، وقد اختلف عن أبي حنيفة في ذلك، فروي عنه أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها إلى بني هاشم، وذهب في ذلك -عندنا- إلى أن الصدقات إنما كانت حرمت عليهم من أجل ما جُعل لهم في الخُمس من سهم ذوي القربى، فلما انقطع ذلك عنهم ورجع إلى غيرهم بموت رسول الله ﵇ حل لهم بذلك ما قد كان محرمًا عليهم من أجل ما قد كان أحل لهم. وقد حدثني سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمَّد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة في ذلك مثل قول أبي يوسف، فبهذا نأخذ. ش: أي: وجه النظر الذي هو عموم التحريم قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله. وعن أبي حنيفة روايتان. إحداهما: عموم الإباحة، أشار إليها بقوله: لا بأس بالصدقات كلها إلى بني هاشم. والأخرى: عموم الحرمة، أشار إليها بقوله: حدثني سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني ... إلى آخره. قوله: "وذهب في ذلك" أي: ذهب أبو حنيفة فيما قاله من عموم الإباحة، وأراد بذلك بيان وجه هذه الرواية عن أبي حنيفة ﵁ ولكن لا يخلو عن نظر؛ لأنه ﵇ علل في منع الصدقة على بني هاشم فيما مضى من قوله: "إنما هي أوساخ الناس".

стр. 3797

أخرجه مسلم (١) وغيره، فكانت العلة كونها أوساخ الناس، فهي موجودة في كل وقت سواء وصل إليهم ما جعل لهم في الخمس من سهم ذوي القربى أو لم يصل. قوله: "فبهذا نأخذ" أي: بقول أبي يوسف ﵀. ص: فإن قال قائل: أفتكرهها على مواليهم؟ قلت: نعم؛ لحديث أبي رافع الذي قد ذكرناه في هذا الباب، وقد قال ذلك أبو يوسف في كتاب "الإملاء"، وما علمت أحدًا من أصحابنا خالفه في ذلك. فإن قال: أفتكره للهاشمي أن يعمل على الصدقة؟ قلت: لا. فإن قال: لِمَ؟ وفي حديث ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس ﵃ الذي ذكرت منع النبي ﵇ إياهما من ذلك. قلت: ما فيه منع لهما من ذلك؛ لأنهم سألوه أن يستعملهم على الصدقة ليسدوا بذلك فقرهم فسد رسول الله ﵇ فقرهم بغير ذلك. وقد يجوز أيضًا أن يكون أراد بمنعهم أن يوكلهم على العمل على أوساخ الناس، لا لأن ذلك يحرم عليهم؛ لاجتعالهم منه عمالتهم عليه. وقد وجدنا ما يدل على هذا: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن أبي رزين، عن أبي رزين، عن علي ﵁ قال: "قال لي العباس: قل للنبي ﵇ يستعملك على الصدقة. فسألته، فقال: ما كنت لأستعملك على غُسالة ذنوب الناس". أفلا ترى أنه إنما كره له الاستعمال على غسالة ذنوب الناس لا لأنه حرم ذلك عليه لحرمة الاجتعال منه عليه؟.

стр. 3798

ش: أي: فإن قال القائل: هل تكره الصدقة على موالي بني هاشم؟ والباقي ظاهر. قوله: "فإن قال: أفتكره للهاشمي أن يعمل" أي: هل تكره للهاشمي أن يكون عاملًا على الصدقة ويأخذ العمالة منها؟. قوله: "أن يُوكلهم على العمل" بالتخفيف من وَكَلَ فلانًا على شيء: إذا صرف أمره إليه، وكذا وَكَل فلان إليَّ كذا، ويجوز بالتشديد أيضًا. قوله: "لاجتعالهم منه عمالتهم" من جعلت له جُعلًا. وهو الأجرة ها هنا، و"العُمَالة" بالضم حيث وقعت، وهي أجرة العامل على عمله. قوله: "ما يدل على هذا" وفي بعض النسخ: ما يدلك على هذا، وأشار به إلى قوله: "وقد يجوز أيضًا أن يكون ... " إلى آخره. قوله: "حدثنا أبو أمية" بيان لقوله: وقد وجدنا. وأبو أمية اسمه محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، يروي عن قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة الهمداني الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن عبد الله بن أبي رزين الأسدي وثقه ابن حبان، عن أبيه أبي رزين مسعود بن مالك- روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، وله ذكر فيه. وأخرجه البزار في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا محمَّد بن عمارة بن صبيح، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن أبي رزين، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: "قلت للعباس: سل رسول الله ﵇ لنا الحجابة، فسأله فقال: أعطيكم السقاية ترزؤكم ولا ترزؤونها. قال: وقلت للعباس: سَلْ رسول الله ﵇ يستعملك على الصدقات، فقال: ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس".

стр. 3799

وهذا الحديث لا نعلم له إسنادًا عن علي ﵁ إلا هذا الإسناد. ص: وقد كان أبو يوسف: يكره لبني هاشم أن يعملوا على الصدقة إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من مال المتصدق إلى الأصناف التي سماها الله تعالى، فيملك المتصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج في ذلك أيضًا بحديث أبي رافع حين سأله المخزومي أن يخرج معه ليصيب منها، ومحال أن يصيب منها شيئًا إلا لعمالته عليها واجتعاله منها. ش: مذهب أبي يوسف أنه يكره أن يكون الهاشمي عاملًا على الصدقة إذا كان يأخذ الأجرة على عمله منها؛ وذلك لأن الصدقة تخرج من مال المتصدق فتقع في يد العامل، ولما حصل في يد العامل حصلت الصدقة مؤداة حتى لو هلك المال في يده تسقط الزكاة عن صاحبها، فإذا كان كذلك تكون في يده غسالة أموال الناس، ويكون عند قبض العمالة منها متناولًا منها، وذلك لا يحل له، ولأن للعُمالة شبهًا بالصدقة وأنها من أوساخ الناس فيجب صيانة الهاشمي من ذلك كرامة له وتعظيمًا للرسول ﵇. قوله: "واحتج في ذلك أيضًا" أي: احتج أبو يوسف فيما ذهب إليه أيضًا بحديث أبي رافع مولى النبي ﵇ حين سأله المخزومي، وهو أرقم بن أبي الأرقم المذكور فيما مضى. ص: وخالف أبا يوسف في ذلك، آخرون فقالوا: لا بأس أن يجتعل منها الهاشمي؛ لأنه إنما يجتعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناهم الصدقة، كان كذلك أيضًا في النظر لا يحرم على بني هاشم الذين يحرم عليهم نسبهم الصدقة. ش: أي: خالف أبا يوسف فيما ذهب إليه جماعة آخرون، وهم: مالك والشافعي في قول، وأحمد في رواية، ومحمد بن الحسن، فإنهم قالوا: لا بأس أن يكون العامل هاشميًّا ويأخذ عُمالته منهاث لأن ذلك على عمله، ألا ترى أن الغنى

стр. 3800

يحل له ذلك إذا كان عاملًا مع كون الصدقة حرامًا عليه؛ لأنه إنما يأ خذ حينئذٍ على عمله وتفرغه لذلك، فكذلك الهاشمي. قوله: "كان كذلك أيضًا في النظر ... إلى آخره" لقائل أن يقول: هذا القياس ليس بصحيح؛ لأن الغني إذا عاملًا يكون متفرغًا لذلك صارفًا نفسه وحابسها لأجل ذلك، فيستحق الجُعالة في مقابلة هذا الفعل، وذلك في الحقيقة يكون لحاجته إلى ذلك فيصير كابن السبيل تباح له الصدقة وإن كان غنيًّا، بخلاف الهاشمي فإنه إنما تحرم عليه الصدقة لكونها أوساخ الناس، ولأجل لحوق الذلة والهوان بشرف نسبه، فهذا المعنى موجود دائمًا سواء كان الذي يأخذه من الصدقة على وجه الاعتمال والاجتعال أو غير ذلك، فافهم. ص: وقد روي عن النبي ﵇ فيما تصدق به على بريرة أنه أكل منه وقال: هو عليا صدقة ولنا هدية. حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "دخل عليّ النبي ﵇ وفي البيت رجل شاة معلقة، فقال: ما هذه؟ فقلت: تُصُدق به على بريرة فأهدته لنا، فقال: هو عليها صدقة وهو لنا هدية، ثم أمر بها فسويت". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﵇ والبرمة تفور بلحمٍ، فقرب إليه خبز وأدمٌ من أدم البيت، فقال رسول الله ﵇: ألم أرَ برمةً فيها لحم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، ولكن ذاك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة. فقال رسول الله ﵇: هو صدقة عليها وهو لنا هدية". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 3801

حدثنا علي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "تصدق على بريرة بصدقة فأهدت منها لعائشة، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: هو لنا هدية ولها صدقة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن عُبيد بن السباق، عن جويرية بنت الحارث قالت: "تصدق على مولاةٍ لي بعضو من لحم، فدخل عليَّ النبي ﵇ فقال: هل عندكم مِن عشاء؟ فقلت: يا رسول الله مولاتي فلانة تُصدق عليها بعضو من لحم فأهدته لي، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: قد بلغت محلها فهاتيه، فأكل منها رسول الله ﵇". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد بن السباق، عن جويرية مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: "دخل النبي ﵇ على عائشة فقال: هل عندكم شيء؟ قالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نُسَيْبَة من الشاة التي بُعِثت إليها من الصدقة، فقال النبي ﵇: إنها قد بلغت محلها". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن أبي معن يزيد بن يسار، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن عبد الله بن وهب، عن أم سلمة زوج النبي ﵇: "أن رسول الله ﵇ قسم غنمًا من الصدقة فأرسل إلى زينب الثقفية بشاةٍ منها، فأهدت زينب من لحمها لنا، فدخل علينا رسول الله ﵇ فقال: هل عندكم شيء تطعمونا؟ قلنا: لا والله يا رسول الله، فقال: ألم أَرَ لحمًا آنفا أدخل عليكم؟ قلنا: يا رسول الله ذاك من الشاة التي أرسلت إلى زينب من الصدقة وأنت لا تأكل الصدقة، فلم نحب أن نمسك ما لا تأكل منه، فقال رسول الله ﵇: لو أدركته لأكلت منه".

стр. 3802

فلما كان ما تصدق به على بريرة جائزًا للنبي ﵇ أكله؛ لأنه إنما ملكه بالهدية، جاز أيضًا للهاشمي أن يجتعل من الصدقة؛ لأنه إنما يملكه بعلمه لا بالصدقة، فهذا هو النظر، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف في ذلك. ش: أخرج هذه الأحاديث إعضادًا لما ذهب إليه الآخرون، بيان ذلك: أن الفقير إذا تُصدق عليه بصدقة فإنه يملكها، ثم إنه إذا أهداها إلى غني جاز له أكلها؛ لأنه يملكها بالهدية، فبتغير الصفة كأن الذات قد تغيرت، والدليل عليه: قضية بريرة، فإنه لماتصدق بذلك اللحم عليها جوَّز النبي ﵇ أكله؛ لأنه ملكه بالهدية، فكذلك الهاشمي إذا اجتعل شيئًا من الصدقة تَمَلَّكَه بعمله لا من حيث الصدقة فيحل له حينئذٍ أكله. ثم إنه أخرج الأحاديث المذكورة عن عائشة وابن عباس وجويرية بنت الحارث وأم عطية وأم سلمة ﵃. أما حديث عائشة فأخرجه من ثلاثة طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة. وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، وأراد مواليها أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبي ﵇ فقال لها النبي ﵇: اشتريها فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: وأتي النبي ﵇ بلحم فقلت: هذا ما تصدق به على بريرة، قال: هو لها صدقة ولنا هدية". وأخرجه مسلم (٢): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة.

стр. 3803

وثنا محمَّد بن مثنى وابن بشار -واللفظ لابن مثنى- قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أتي النبي ﵇ بلحم بقر، فقيل: هذا مما تصدق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية". قوله: "معلقة" بالرفع، صفة للرِّجْل لا للشاة، فافهم. قوله: "به" أي: بِرِجل الشاة، وإنما ذكر الضمير باعتبار المذكور، وكذلك قوله: "أهدية" قوله: "هو" في الموضعين. الثانى: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. ورجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه مالك في "موطأه" (١)، والبخاري (٢)، ومسلم (٣) في "صحيحيهما". قوله: "والُبْرمة تفور" بضم الباء الموحدة وسكون الراء، وهي القِدَرة من الحجر. و"تفور" من فارت القدرة: إذا غلت. وقال أبو عمر في شرح هذا الحديث: فيه إباحة كل اللحم ردًّا على قول من كرهه من الصوفية والعباد، وقد روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "سيد إدام الدنيا والآخرة اللحم"، "وكان للحسن كل يوم لحم بنصف درهم". وأما قول عمر ﵁: "إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر" ففي حق مَن يواظب عليه ويمعن فيه؛ لأن كثرته تؤدي إلى كثرة الشهوة المؤدية إلى الفساد. الثالث: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة ﵂.

стр. 3804

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١). وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن علي بن عبد الرحمن، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة بن دعامة، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) بأتم منه: ثنا عفان، نا همام، نا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يسمى مغيثًا، قال: كنت أراه يتبعها في سكك المدينة يعصر عينيه عليها، قال: وقضى النبي ﵇ فيها أربع قضيات: أن مواليها اشترطوا الولاء فقضى النبي ﵇ الولاء لمن أعتق، وخيرها فاختارت نفسها فأمرها أن تعتد، قال: وتُصدق عليها بصدقة فأهدت منها إلى عائشة فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: هو عليها صدقة وإلينا هدية". وأما حديث جويرية بنت الحارث فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى الكندي الوهبي الحمصي، شيخ البخاري في غير "الصحيح"، وثقه أبو زرعة وابن معين. عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد بن السبَّاق الثقفي المدني روى له الجماعة، عن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية أم المؤمنين ﵂. وأخرجه مسلم (٣): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث. وثنا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، أن عبيد بن السباق حدثه، قال: إن جويرية زوج النبي ﵇ أخبرته: "أن رسول الله ﵇ دخل عليها

стр. 3805

فقال: هل من طعام؟ قالت: لا والله يا رسول الله ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطيته مولاتي من الصدقة، فقال: قربيه قد بلغت محلها". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد بن السباق، عن جويرية. وأخرجه مسلم (١) أيضًا نحوه: عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وإسحاق ابن إبراهيم، جميعًا عن ابن عيينة، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه. وأما حديث أم عطية فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ... إلى آخره. وأم عطية اسمها نُسَيْبة بنت كعب -ويقال: بنت الحارث- الأنصارية الصحابية. والحديث أخرجه البخاري (٢): ثنا علي بن عبد الله، نا يزيد بن زريع، نا خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية قالت: "دخل النبي ﵇ على عائشة فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت: لا، إلا شيء بعثت به نُسيبة من الشاة التي بعثتَ بها من الصدقة، فقال: إنها بلغت محلها". وأخرجه مسلم (٣) نحوه. ونُسَيْبَة -بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة- وهي أم عطية المذكورة. قوله: "قد بلغت محلها" يعني قد وقعت الصدقة في محلها، ثم خرجت عن حكم الصدقة؛ لأن المتصدق عليها قد ملكتها.

стр. 3806

وفيه بيان أن الأشياء المحرمة لعلل معلومة إذا ارتفعت عنها تلك العلل حَلَّت، وأن التحريم في الأشياء ليس لعينها. وأما حديث أم سلمة ﵄ فأخرجه عن روح بن الفرج القطان المصري، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحنظلي أبي الحسن الجزري الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال- عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود القرشي الأسدي المدني، يتيم عروة، روى له الجماعة. عن أبي معن يزيد بن يسار [...] (١) عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. عن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، وهو عبد الله بن وهب الأصغر، وأخوه عبد الله بن وهب الأكبر وثقه ابن حبان. عن أم سلمة أم المؤمنين واسمها هند بنت أبي أمية ﵂.

стр. 3807

ص: باب: ذي المرة السويّ الفقير هل تحل له الصدقة أم لا ؟ ش: أي: هذا باب في بيان ذي المرة السوي هل يجوز له أخذ الصدقة أم لا يجوز؟ ويجيء الآن تفسير المرة والسويّ. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني سعد بن إبراهيم، قال: سمعت ريحان بن يزيد -وكان أعرابيًّا صدوقًا- قال: قال عبد الله بن عمرو: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرةٍ سوي قوي". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد، عن رجل من بني عامر، عن عبد الله بن عمرو، يقول ذلك. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه أربع طرق: الأول: موقوف، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحجاج بن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، روى له الجماعة- عن ريحان بن يزيد العامري البدوي وثقه يحيى وابن حبان، وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، روى له أبو داود والترمذي هذا الحديث الواحد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ورواه الترمذي (١) معلقًا، وقال: وقد روى شعبة عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه.

стр. 3808

الثاني: موقوف أيضًا: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن رجل من بني عامر -وهو ريحان بن يزيد- عن عبد الله بن عمرو بن العاص. الثالث: مرفوع، وهو حسن: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى ابن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵇. وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: نا سفيان، عن سعد. وثنا محمود بن غيلان قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ". وقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢) وسكت عنه. الرابع: مرفوع أيضًا، عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا عباد بن موسى الختلي الأبناوي، نا إبراهيم -يعني ابن سعد- أخبرني أبي، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ". وقال البيهقي: ورواه إبراهيم بن سعد، عن أبيه، فاختلف عليه في رفعه، ووقفه شعبة مرة.

стр. 3809

قوله: "ولا لذي مرة سويّ" المِرَّة: بكسر الميم وتشديد الراء: القوة. والسوي: الصحيح الأعضاء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن سماك أبي زُميل، عن رجل من بني هلال، قال: سمعت رسول الله ﵇ ... فذكر مثله. ش: إسناده حسن جيد، ورجاله ثقات. وعكرمة بن عمار اليمامي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. وسماك هذا هو ابن الوليد اليمامي أبو زُميل -بضم الزاي المعجمة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام- روى له الجماعة البخاري في "الأدب". والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، نا عكرمة، نا أبو زُميل سماك، حدثني رجل من بني هلال، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا تصلح الصدقة لغنيّ ولا لذي مرة سويّ". ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن معلى بن منصور الرازي روى له الجماعة، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحناط -بالنون- المقرئ ففي اسمه أقوال، والصحيح أن اسمه كنيته، روى له الجماعة مسلم في مقدمة كتابه.

стр. 3810

عن أبي حَصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، واسمه عثمان بن عاصم الكوفي، روى له الجماعة، عن أبي صالح السمان ذكوان روى له الجماعة. وقال البيهقي (١): ورواه غير ابن مجشر، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وقال الذهبي في "مختصر السنن": ما سمى المؤلف راويَه عن أبي بكر. قلت: هذا مسمى في رواية الطحاوي، وهو معلى بن منصور. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد الأشجعي الكوفي، روى له الجماعة، واسم أبي الجعد رافع، عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا محمد بن الصباح، أنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ". قال صاحب "التنقيح": رواته ثقات، إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة. قلت: قال غيره: سمع منه. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (٣): ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سالم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ".

стр. 3811

وأخرجه الحكم من طريق آخر في "مستدركه" (١): أنا أبو بكر أحمد بن سليمان الموصلي، ثنا علي بن حرب، ناسفيان. وحدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه -واللفظ له- أنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة يبلغ به: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه البزار في "مسنده": عن إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي هريرة. وقال البزار: وهذا الحديث رواه ابن عيينة، عن منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، والصواب حديث إسرائيل، وقد تابع إسرائيل على روايته أبو حصين فرواه عن سالم، عن أبي هريرة. ولما أخرج الترمذي حديث عبد الله بن عمرو المذكور قبل حديث أبي هريرة قال: وفي الباب عن أبي هريرة وحبشي بن جنادة وقبيصة بن مخارق. قلت: وفي الباب عن جابر وطلحة بن عبيد الله ورجلين، عن النبي ﵇. أما حديث أبي هريرة فقد مر ذكره. وأما حديث حبشي وقبيصة والرجلين، عن النبي ﵇ فسيذكره الطحاوي. وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني (٢) عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن

стр. 3812

جابر بن عبد الله قال: "جاءت رسول الله ﵇ صدقة فركبه الناس، فقال: إنها لا تصلح لغني ولا لصحيح سوي، ولا لعاقل قوي". وقال ابن حبان: الوازع بن نافع يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته. ورواه أيضًا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في "تاريخ جرجان" (١): من حديث محمَّد بن الفضل بن حاتم، نا إسماعيل بن بهرام الكوفي، حدثني محمَّد بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن جابر مرفوعًا: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ". وأما حديث طلحة فأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٢): من حديث إسماعيل بن يحيى بن أمية الثقفي، عن نافع، عن أسلم مولى، عمر، عن طلحة بن عبيد الله، عن النبي ﵇ قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سويّ". ورواه ابن عدي في "الكامل" (٣) وقال: لا أعلم أحدًا رواه بهذا الإسناد غير أبي أمية بن يعلى، وضعفه عن ابن معين والنسائي، وليَّنه عن البخاري، ووثقه عن شعبة، ثم قال: وهو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الصدقة لا تحل لذي المرة السوي وجعلوه فيها كالغني، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد في رواية وإسحاق وبعض المالكية وأبا عبيد القاسم بن سلام؛ فإنهم قالوا: ذو المرة السوي كالرجل الغني في حرمة الصدقة عليهما. واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث المذكورة.

стр. 3813

وقال عياض: قيل: الشاب القوي على الكسب أنه لا يحل له أخذ الصدقة ولا يجزئ وهو قول بعض أصحابنا، وقاله الشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وقال الترمذي: مَن ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فالصدقة عليه حرام. وبه يقول الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق. وقال قوم: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة. وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم والفقه. وفي "المغني" واختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها. ونقل عن أحمد فيه روايتان: إحداهما: وهي أظهرهما: ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو تجارة أو أجر عقار، أو نحو ذلك ولو من العروض، أو الحبوب أو السائمة أو العقار، ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيًّا وإن ملك نصابا. هذا الظاهر من مذهبه، وهو قول الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق. والرواية الثانية: أن الغنى ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له الصدقة وإن ملك نصابًا والأثمان وغيرها في هذا سواء. وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العكبري، وقول مالك والشافعي. وقال الحسن وأبو عبيد: الغِنى ملك أوقية وهي أربعون درهمًا. وقال ابن حزم في "المحلى": من كان له مال مما تجب فيه الزكاة كمائتي درهم أو أربعين مثقالًا أو خمس من الإبل أو أربعين شاةً أو خمسين بقرة، أو أصاب خمسة أوسق من بر أو شعير أو تمر وهو لا يقوم معه بعولته لكثرة عياله، أو لغلاء السعر فهو مسكين يعطى من الصدقة المفروضة، ويؤخذ منه فما وجبت فيه من ماله.

стр. 3814

وروينا عن الحسن أنه يُعطي من الصدقة الواجبة من له الدار والخادم إذا كان محتاجًا. وعن إبراهيم نحو ذلك، وعن سعيد بن جبير: يُعطَى منها مَن له الفرس والدار والخادم. وعن مقاتل بن حيان: يُعطَى منها مَن له العطاء في الديوان وله فرس. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل فقير من قويّ وزمن فالصدقة له حلال. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية، ومالكًا وابن جرير الطبري؛ فإنهم قالوا: كل مَن كان فقيرًا فالصدقة له حلال سواء كان صحيحًا ذا قوة أو زمنًا أو مقعدًا. وحاصل هذا: أن مَن لم يملك مائتي درهم فصاعدًا يجوز له أخذ الصدقة؛ لأن المراد من الغِنى هو الغنى الشرعي وهو أن يملك نصابًا فما فوقه، وقال أصحابنا: المراد من قوله: "لذي مرة سويّ": هو أن يسأل مع قدرته على اكتساب القوت، وأما إذا أُعطي من غير سؤال فلا يحرم له أخذها؛ لدخوله في الفقراء، وقد ثبت بالنص أن أحد المصارف الفقراء. ص: وذهبوا في تأويل هذه الآثار المتقدمة إلى أن قول النبي ﵇: "لا تحل الصدقة لذي مرة سويّ" أنها لا تحل له كما تحل للفقير الذي لا يقدر على غيرها فيأخذها على الضرورة وعلى الحاجة من جميع الجهات منه إليها، فليس مثله ذو المرة السوي القادر على اكتساب غيرها في حلها له؛ لأن الزمن الفقير تحل له من قِبل الزمانة ومِن قِبل عدم قدرته على غيرها، وذو المرة السوي إنما تحل له من جهة الفقر خاصة وإن كانا جميعًا قد يحل لهما أخذها؛ فإن الأفضل لذي المرَّة السويّ تركها والاكتساب بعمله، وقد يغلظ الشيء من هذا فيقال: لا يحل أو لا يكون كذا على أنه غير متكامل للأسباب التي بها يحل ذلك المعنى، وإن كان ذلك المعنى قد يحل بها دون تكامل تلك الأسباب.

стр. 3815

فمن ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: "ليس المسكين بالطواف ولا بالذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن للسكين الذي لا يسأل ولا يُفطن له فيتصدق عليه". فلم يكن المسكين الذي يسأل خارجًا من أسباب المسكنة وأحكامها حتى لا يحل له أخذ الصدقة، وحتى لا يجزئ من أعطاه منها شيئًا مما أعطاه من ذلك، ولكن ذلك على أنه ليس بمسكين متكامل أسباب المسكنة، فكذا قوله: "لا تحل الصدقة لذي مرَّة سوي" أي أنها لا تحل له من جميع الأسباب التي تحل بها الصدقة وإن كانت قد تحل له ببعض تلك الأسباب. ش: أي: وذهب الآخرون وهم أهل المقالة الثانية في تأويل الأحاديث المذكورة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وأشار بهذا إلى أن استدلالهم بالأحاديث المذكورة غير تام؛ لأنهم صرفوها عن تأويلها الذي هو المراد، وهو أن قوله ﵇: "لا تحصل الصدقة لذي مرة سوي" معناه: لا تحل له كما تحل للفقير الذي لا يقدر على غير الصدقة وإنما يأخذها لأجل ضرورته وحاجته إليها من سائر الجهات بخلاف ذي المرة السوي؛ فإنه قادر على اكتساب غير الصدقة. وحاصله: أن ذا المرة السوي له جهتان: جهة الفقر، وجهة القوة والقدرة على الاكتساب، فقوله ﵇: "لا تحل لذي مرة سوي قوي" مصروف إلى هذه الجهة يعني بالنظر إلى قوته وقدرته على الاكتساب تحرم له الصدقة، وأما بالنظر إلى الجهة الأخرى وهي جهة الفقر يحل له أخذها؛ لأنه في هذه الجهة كسائر الفقراء، وهو معنى قوله: لأن الزمِن الفقير تحل له من قبل الزمانة، ومن قِبَل عدم قدرته على غير الصدقة، وذو المرة السوي إنما تحل له من جهة الفقر خاصةً يعني لا مِن جهة القوة والقدرة على الاكتساب وإن كانا جميعًا قد يحل لهما أخذها أي: أخذ الصدقة، يعني بالنظر إلى جهة الفقر والاحتياج، فيكون قوله ﵇: "لا تحل لذي مرة سوي" من باب التغليظ والتشديد؛ لأنه لم يجمع أسباب المسكنة كلها التي بها تحل الصدقة، فلم يكن كالفقير الذي جمع أسباب حل أخذ الصدقة.

стр. 3816

والأسباب هي: الفقر والعجز وعدم القدرة على الاكتساب، ونظير ذلك قوله ﵇: "ليس المسكن بالطوّاف ... " (١) الحديث، فإنه لا يدل على أن المسكن الذي يسأل يخرج عن حد المسكنة بحيث لا يجوز له أخذ الصدقة، بل هو مسكين يجوز له أخذ الصدقة، ولكن نفى عنه المسكنة في حالة السؤال؛ للتغليظ والزجر حيث لم يجمع أسباب المسكنة كلها، فالمعنى: المسكن الذي يسأل ليس بمسكين متكامل أسباب المسكنة، فكذلك قوله ﵇: "ولا تحل لذي مرة سويّ" معناه: لا تحل له الصدقة من جميع الأسباب التي تحل بها للفقير الذي لا يقدر على غيرها، وإنما تحل له ببعض تلك الأسباب، وهو كونه فقيرًا مع قطع النظر عن قوته وقدرته على الاكتساب. وقوله ﵇: "ليس المسكين بالطوَّاف ... " إلى آخره قد أخرجه الطحاوي: في باب: "التسمية على الوضوء" عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة ﵄، وقد استوفينا الكلام فيه هناك. قوله: "وإن كانا جميعًا" واصل بما قبله، وجميعًا يعني مُجْتَمِعَيْنِ. قوله: "حتى لا تحل له" بنصب اللام؛ لأنه جواب النفي، وهو قوله: فلم يكن المسكن الذي يسأل. وقوله: "وحتى لا تجزئ" عطف على قوله: "حتى لا تحل له" داخل في حكمه، فافهم. وقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأن الصدقة إنما لا تحل لذي مرة سوي إذا سأل وإن لم يسأل يحل له أخذها؛ لأنه فقير كسائر الفقراء، وأن هذا القيد مراد في الحديث، والله أعلم. ص: واحتج أهل المقالة الأولى لمذهبهم أيضًا بما حدثنا أبو أمية، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي، قال:

стр. 3817

حدثنيم رجلان من قومي: "أنهما أتيا النبي ﵇ وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع البصر وخفضه، فرآهما جلدين قويين فقال: إن شئتما، فعلت ولا حق فيها لغني ولا لقويّ مكتسب". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، عن هشام بن عروة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد وهمام، عن هشام ... فذكر بإسناده مثله. فقالوا: فقد قال لهما: "لا حق فيها لقوي مكتسب". فدل ذلك على أن القوي المكتسب لا حظ له في الصدقة ولا تجزى من أعطاه منها شيئًا. ش: أي: احتج أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه أيضًا بما رواه عبيد الله بن عدي عن رجلين من الصحابة ﵃. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث القرشي الكوفي روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي أحد التابعين الكبار المولودين في زمن النبي ﵇، عن رجلين من الصحابة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبرني رجلان: "أنهما أتيا النبي ﵇ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب".

стр. 3818

الثانى: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري والليث بن سعد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحجاج بن منهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة وهمام بن يحيى، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عبد الرحيم وابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: "أخبرني رجلان أتيا النبي ﵇ يسألانه من الصدقة، قال: فرفع البصر وصوبه، فقال: إنكما لجلدان، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". قوله: "جَلْدين". بفتح الجيم وسكون اللام تثنية جَلْد، وهو الرجل القوي، من الجَلَد -بفتح اللام- وهو القوة والصبر، تقول منه: جَلُد الرجل -بالضم- فهو جَلْد وجَلِيد بيِّن الجلَد والجلادة والجلودة. قوله: "فقالوا" أي: أهل المقالة الأولى، "فقد قال" أي: النبي ﵇ "لهما" أي لهذين الرجلين "لا حق فيها" أي في الصدقة "لقوي مكتسب"، فدل على أنه لا حظ له في الصدقة وأن من عليه الصدقة إذا أعطاه منها شيئًا لا يجزئه ذلك. وقال الخطابي: هذا الحديث أصل في أن مَن لم يُعلم له مال فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد دون أن يضم إليه الكسب

стр. 3819

فقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة الكسب، وقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة، بدلالة الحديث، وقد استظهر ﵇ مع هذا في أمرهما بالإنذار، وقلدهما الأمانة فيما بطن من أمرهما. ص: فالحجة للآخرين عليهم في ذلك: أن قوله: "إن شئتما فعلت ولا حق فيها لغني". أي: أن غناكما يخفى عليَّ، فإن كنتما غنيين فلا حق لكما فيها، "وإن شئتما فعلت" لأني لم أعلم بغناكما فمباح لي إعطاؤكا، وحرام عليكما أخد ما أعطيتكما إن كنتما تعلمان من حقيقة أموركما في الغنى خلاف ما أرى من ظاهركما الذي استدللت به على فقركما، فهذا معنى قوله: "إن شئتما فعلت ولا حق فيها لغني". وأما قوله: "ولا لقوي مكتسب" فذلك على أنه لا حق فيها للقوي المكتسب من جميع الجهات التي بها يجب الحكم فيها، فعاد معنى ذلك إلى معنى ما ذكرنا من قوله: "ولا لذي مرة قوي"، وقد يقال: فلان عالم حقًّا إذا تكاملت فيه الأسباب التي بها يكون الرجل عالمًا، ولا يقال: هو عالم حقًّا إذا كان دون ذلك وإن كان عالمًا، فكذلك لا يقال: فقير حقًّا إلا لمن تكاملت فيه الأسباب التي يكون بها الفقير فقيرًا وإن كان فقيرًا؛ ولهذا قال لهما: "ولا حق فيها لقوي مكتسب" أي: ولا حق له فيها حتى يكون به من أهلها حقًّا وهو قوي مكتسب، ولولا أنه يجوز للنبي ﵇ إعطاؤه للقوي المكتسب إذا كان فقيرًا لما قال لهما: دن شئتما فعلت" وهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار؛ لأنها إن حملت على ما حملها عليه أهل المقالة الأولى؛ ضادت سواها مما قد روي عن رسول الله ﵇، فمن ذلك: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، عن هلال بن حصن قال: "نزلتُ دار أبي سعيد الخدري ﵁ بالمدينة فضمني وإياه المجلس، فقال: أصبحوا فات يوم وقد عصَّب على بطنه حجرًا من الجوع، فقالت له أمرأته أو أمه: لو أتيت النبي ﵇ فسألته، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه، وأتاه فلان فسأله فأعطاه، فقلت: لا والله حتى أطلب، فطلبت فلم أجد شيئًا، فاستبقت

стр. 3820

إليه وهو يخطب وهو يقول: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه، ومن استعف عنا واستغنى أحب إلينا ممن سألنا. قال: فرجعت فما سألت أحدًا بعد، فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت في المدينة أكثر أموالًا منا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن هلال بن مرة، عن أبي سعيد، قال: "أعوزنا مرةً فأتيت النبي ﵇ فذكرت ذلك له، فقال النبي ﵇: مَن استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومَن سألنا أعطيناه. قال: قُلتُ فلأستعففن فيعفَّني الله، ولأستغنين فيغنيني الله، قال: فوالله ما كان إلا أيام حتى إن رسول الله ﵇ قسم زبيبًا فأرسل إلينا منه، ثم قسم شعيرًا فأرسل منه، ثم سالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن هلال بن حِصن -أخي بني مرة بن عُبَاد- عن أبي سعيد، عن النبي ﵇ مثله. قال ابن أبي داود: هذا هو الصحيح. قال أبو جعفر ﵀: فهذا رسول الله ﵇ يقول: "مَن سألنا أعطيناه" ويخاطب بذلك أصحابه، وأكثرهم صحيح لا زمانة به إلا أنه فقير، فلم يمنعهم منها، فقد دل ذلك على ما ذكرنا، وفضل من استعف ولم يسأل على مَن سأل، فلم يسأله أبو سعيد لذلك، ولو سأله لأعطاه، إذ قد كان بذل ذلك له ولأمثاله من الصحابة ﵃. ش: أي: فالدليل للجماعة الآخرين وهم أهل المقالة الثانية "عليهم" أي على أهل المقالة الأولى. وأراد بذلك الجواب عما استدلوا به من حديث عبيد الله بن عدي عن رجلين من الصحابة وهو ظاهر.
следующие страницы →