← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

والأسباب هي: الفقر والعجز وعدم القدرة على الاكتساب، ونظير ذلك قوله ﵇: "ليس المسكن بالطوّاف ... " (١) الحديث، فإنه لا يدل على أن المسكن الذي يسأل يخرج عن حد المسكنة بحيث لا يجوز له أخذ الصدقة، بل هو مسكين يجوز له أخذ الصدقة، ولكن نفى عنه المسكنة في حالة السؤال؛ للتغليظ والزجر حيث لم يجمع أسباب المسكنة كلها، فالمعنى: المسكن الذي يسأل ليس بمسكين متكامل أسباب المسكنة، فكذلك قوله ﵇: "ولا تحل لذي مرة سويّ" معناه: لا تحل له الصدقة من جميع الأسباب التي تحل بها للفقير الذي لا يقدر على غيرها، وإنما تحل له ببعض تلك الأسباب، وهو كونه فقيرًا مع قطع النظر عن قوته وقدرته على الاكتساب. وقوله ﵇: "ليس المسكين بالطوَّاف ... " إلى آخره قد أخرجه الطحاوي: في باب: "التسمية على الوضوء" عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة ﵄، وقد استوفينا الكلام فيه هناك. قوله: "وإن كانا جميعًا" واصل بما قبله، وجميعًا يعني مُجْتَمِعَيْنِ. قوله: "حتى لا تحل له" بنصب اللام؛ لأنه جواب النفي، وهو قوله: فلم يكن المسكن الذي يسأل. وقوله: "وحتى لا تجزئ" عطف على قوله: "حتى لا تحل له" داخل في حكمه، فافهم. وقد أجاب بعض أصحابنا عنه بأن الصدقة إنما لا تحل لذي مرة سوي إذا سأل وإن لم يسأل يحل له أخذها؛ لأنه فقير كسائر الفقراء، وأن هذا القيد مراد في الحديث، والله أعلم. ص: واحتج أهل المقالة الأولى لمذهبهم أيضًا بما حدثنا أبو أمية، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي، قال:

стр. 3817

حدثنيم رجلان من قومي: "أنهما أتيا النبي ﵇ وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع البصر وخفضه، فرآهما جلدين قويين فقال: إن شئتما، فعلت ولا حق فيها لغني ولا لقويّ مكتسب". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، عن هشام بن عروة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد وهمام، عن هشام ... فذكر بإسناده مثله. فقالوا: فقد قال لهما: "لا حق فيها لقوي مكتسب". فدل ذلك على أن القوي المكتسب لا حظ له في الصدقة ولا تجزى من أعطاه منها شيئًا. ش: أي: احتج أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه أيضًا بما رواه عبيد الله بن عدي عن رجلين من الصحابة ﵃. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث القرشي الكوفي روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي أحد التابعين الكبار المولودين في زمن النبي ﵇، عن رجلين من الصحابة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أخبرني رجلان: "أنهما أتيا النبي ﵇ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب".

стр. 3818

الثانى: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري والليث بن سعد، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحجاج بن منهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة وهمام بن يحيى، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عبد الرحيم وابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: "أخبرني رجلان أتيا النبي ﵇ يسألانه من الصدقة، قال: فرفع البصر وصوبه، فقال: إنكما لجلدان، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". قوله: "جَلْدين". بفتح الجيم وسكون اللام تثنية جَلْد، وهو الرجل القوي، من الجَلَد -بفتح اللام- وهو القوة والصبر، تقول منه: جَلُد الرجل -بالضم- فهو جَلْد وجَلِيد بيِّن الجلَد والجلادة والجلودة. قوله: "فقالوا" أي: أهل المقالة الأولى، "فقد قال" أي: النبي ﵇ "لهما" أي لهذين الرجلين "لا حق فيها" أي في الصدقة "لقوي مكتسب"، فدل على أنه لا حظ له في الصدقة وأن من عليه الصدقة إذا أعطاه منها شيئًا لا يجزئه ذلك. وقال الخطابي: هذا الحديث أصل في أن مَن لم يُعلم له مال فأمره محمول على العدم، وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد دون أن يضم إليه الكسب

стр. 3819

فقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة الكسب، وقد يكون من الناس من يرجع إلى قوة بدنه ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل، فمن كان هذا سبيله لم يمنع الصدقة، بدلالة الحديث، وقد استظهر ﵇ مع هذا في أمرهما بالإنذار، وقلدهما الأمانة فيما بطن من أمرهما. ص: فالحجة للآخرين عليهم في ذلك: أن قوله: "إن شئتما فعلت ولا حق فيها لغني". أي: أن غناكما يخفى عليَّ، فإن كنتما غنيين فلا حق لكما فيها، "وإن شئتما فعلت" لأني لم أعلم بغناكما فمباح لي إعطاؤكا، وحرام عليكما أخد ما أعطيتكما إن كنتما تعلمان من حقيقة أموركما في الغنى خلاف ما أرى من ظاهركما الذي استدللت به على فقركما، فهذا معنى قوله: "إن شئتما فعلت ولا حق فيها لغني". وأما قوله: "ولا لقوي مكتسب" فذلك على أنه لا حق فيها للقوي المكتسب من جميع الجهات التي بها يجب الحكم فيها، فعاد معنى ذلك إلى معنى ما ذكرنا من قوله: "ولا لذي مرة قوي"، وقد يقال: فلان عالم حقًّا إذا تكاملت فيه الأسباب التي بها يكون الرجل عالمًا، ولا يقال: هو عالم حقًّا إذا كان دون ذلك وإن كان عالمًا، فكذلك لا يقال: فقير حقًّا إلا لمن تكاملت فيه الأسباب التي يكون بها الفقير فقيرًا وإن كان فقيرًا؛ ولهذا قال لهما: "ولا حق فيها لقوي مكتسب" أي: ولا حق له فيها حتى يكون به من أهلها حقًّا وهو قوي مكتسب، ولولا أنه يجوز للنبي ﵇ إعطاؤه للقوي المكتسب إذا كان فقيرًا لما قال لهما: دن شئتما فعلت" وهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار؛ لأنها إن حملت على ما حملها عليه أهل المقالة الأولى؛ ضادت سواها مما قد روي عن رسول الله ﵇، فمن ذلك: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن أبي حمزة، عن هلال بن حصن قال: "نزلتُ دار أبي سعيد الخدري ﵁ بالمدينة فضمني وإياه المجلس، فقال: أصبحوا فات يوم وقد عصَّب على بطنه حجرًا من الجوع، فقالت له أمرأته أو أمه: لو أتيت النبي ﵇ فسألته، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه، وأتاه فلان فسأله فأعطاه، فقلت: لا والله حتى أطلب، فطلبت فلم أجد شيئًا، فاستبقت

стр. 3820

إليه وهو يخطب وهو يقول: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه، ومن استعف عنا واستغنى أحب إلينا ممن سألنا. قال: فرجعت فما سألت أحدًا بعد، فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت في المدينة أكثر أموالًا منا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زُريع، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن هلال بن مرة، عن أبي سعيد، قال: "أعوزنا مرةً فأتيت النبي ﵇ فذكرت ذلك له، فقال النبي ﵇: مَن استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومَن سألنا أعطيناه. قال: قُلتُ فلأستعففن فيعفَّني الله، ولأستغنين فيغنيني الله، قال: فوالله ما كان إلا أيام حتى إن رسول الله ﵇ قسم زبيبًا فأرسل إلينا منه، ثم قسم شعيرًا فأرسل منه، ثم سالت علينا الدنيا فغرقتنا إلا من عصم الله". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن هلال بن حِصن -أخي بني مرة بن عُبَاد- عن أبي سعيد، عن النبي ﵇ مثله. قال ابن أبي داود: هذا هو الصحيح. قال أبو جعفر ﵀: فهذا رسول الله ﵇ يقول: "مَن سألنا أعطيناه" ويخاطب بذلك أصحابه، وأكثرهم صحيح لا زمانة به إلا أنه فقير، فلم يمنعهم منها، فقد دل ذلك على ما ذكرنا، وفضل من استعف ولم يسأل على مَن سأل، فلم يسأله أبو سعيد لذلك، ولو سأله لأعطاه، إذ قد كان بذل ذلك له ولأمثاله من الصحابة ﵃. ش: أي: فالدليل للجماعة الآخرين وهم أهل المقالة الثانية "عليهم" أي على أهل المقالة الأولى. وأراد بذلك الجواب عما استدلوا به من حديث عبيد الله بن عدي عن رجلين من الصحابة وهو ظاهر.

стр. 3821

قوله: "وأما قوله: ولا لقوي مكتسب ... إلى آخره" فأول بما أول قوله: "ولا لذي مرة سوي" وهو أيضًا ظاهر. قوله: "ولولا أنه يجوز". أي: ولولا أن الشأن يجوز، أراد أن قوله ﵇: "إن شئتما فعلت" يدل على جواز إعطاء الصدقة للقوي المكتسب؛ إذ لو لم يجز لما قال ذلك؛ وذلك لأنه فقير وإن لم يكن جمع أسباب التكامل في الفقر على ما قلنا فيما مضى. قوله: "وهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار ... إلى آخره" جواب عما يقال: ما الداعي إلى هذا التأويل الصارف عن المعنى الظاهر؟ تقريره أن يقال: إن لم تأول هذه الأحاديث بما ذكرنا من التأويل يلزم التضاد والتعارض بينها وبن أحاديث أخر رويت في هذا الباب، منها حديث أبي سعيد الخدري فإن فيه يقول ﵇: "مَن سأل أعطيناه" ويخاطب بذلك أصحابه، ومع هذا كان أكثرهم أصحاء لا زمانة بهم قادرين على الاكتساب إلا أنهم كانوا فقراء فلم يمنعهم من الصدقة، فقد دل ذلك على أن القوي المكتسب تحل له الصدقة ولكن باعتبار جهة الفقر؛ لأنه فيه كسائر الفقراء، وبهذا تتوافق معاني الآثار ويرتفع التضاد، فالحاصل أن حديث أبي سعيد دل على شيئين: أحدهما: جواز دفع الصدقة للقوي المكتسب بالنظر إلى فقرة. وأما معنى قوله في حديث عبيد الله بن عدي: "ولا لقوي مكتسب" يعني: بالنظر إلى قدرته على الاكتساب كما ذكرنا فيما مضى. والآخر: يدل على فضل من استعف وترك السؤال على مَن سأل، فلأجل ذلك ترك أبو سعيد السؤال، ولو سأل رسول الله ﵇ لأعطاه ولما منعه؛ لأنه قد أعطى لأمثاله من الصحابة ﵃. ثم إنه أخرج حديث أبي سعيد من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني الأزدي البصري روى له الجماعة، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي

стр. 3822

المعجمة- القصاب بياع القصب واسمه عمران بن أبي عطاء، وثقه يحيى بن معين وابن حبان، وروى له مسلم، عن هلال بن حِصْن -بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين- وثقه ابن حبان، عن أبي سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر، عن شعبة، قال: سمعت أبا حمزة يحدث، عن هلال بن حصن قال: "نزلت دار أبي سعيد الخدري، فضمني وإياه المجلس، فحدثني أنه أصبح ذات يوم وقد عصَّب على بطنه من الجوع. قال: فأتيت النبي ﵇ فأدركت من قوله وهو يقول: مَن يستعف يعفه الله، ومَن يستغن يُغنه الله، ومَن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه، ومن يستغن أو يستعف عنا خير من أن يسألنا. قال: فرجعت فما سألت شيئًا". الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال الضرير الحافظ البصري شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زُريع العيشي البصري، عن سعيد بن أبي عروبة مهران، عن قتادة بن دعامة، عن هلال بن مرة، عن أبي سعيد. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أحمد بن المقدام العجلي، قال: نا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدث، عن قتادة، عن هلال أخي بني مرة بن عُبَاد، عن أبي سعيد الخدري. ونا هدبة بن خالد، نا أبان بن يزيد، عن قتادة، قال: حدث هلال بن حصن أخو بني مرة بن عُبَاد وهو رجل من أهل البصرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "أعوزنا مرة إعوازًا شديدًا فأمرني أهلي أن آتي رسول الله ﵇ فأسأله شيئًا، فأقبلت فكان أول ما سمعت نبي الله ﵇ يقول: من استغنى أغناه الله، ومن استعفف أعَفَّه الله، ومَن سألنا لم ندخر عنه شيئًا إن وجدناه. قال: قلت في نفسي: لأستعفن فيعفني الله فلم أسأله شيئًا".

стр. 3823

ولا نعلم أسند هلال بن حصن عن أبي سعيد إلا هذا الحديث. وقد رواه عن قتادة جماعة فاقتصرنا على التيمي وأبان. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي أيضًا، عن محمَّد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن هلال بن حصن أخي بني مرة بن عُبَاد، عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن جعفر وحجاج، قالا: ثنا شعبة، سمعت أبا حمزة يحدث، عن هلال بن حصن قال: "نزلت على أبي سعيد الخدري فضمني وإياه المجلس، قال: فحدث أنه أصبح ذات يوم وقد عصب على بطنه حجرًا من الجوع، فقالت له امرأته أو أمه: ائت النبي ﵇ فسله فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه وأتاه فلان فسأله فأعطاه. قال: قلت: حتى ألتمس شيئًا. قال: فالتمست فأتيته -قال حجاج: فلم أجد شيئًا فأتيته -وهو يخطب فأدركت من قوله وهو يقول: من استعف يعفه الله ومن استغن يغنه الله، ومَن سألنا إما أن نبذل له وإما أن نواسيه -أبو حمزة الشاكّ- ومَن يستعف عنا أو يستغني أحبّ إلينا ممن سألنا. قال: فرجعت فما سألته شيئًا، فما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم في الأنصار أهل بيت أكثر أموالًا منا". قوله: "المجلس" مرفوع؛ لأنه فاعل لقوله: "فضمني". قوله: "لا والله حتى أطلب" أي: لا أسأل والله رسول الله ﵇ حتى أطلب شيئًا من غير هذا الوجه، فطلبت فلم أجد شيئًا. قوله: "وهو يخطب". جملة اسمية وقعت حالًا، وكذلك قوله: "وهو يقول". قوله: "إما أن نبدل له" أي: إما أن نعطي له، من البذل وهو العطاء.

стр. 3824

قوله: "وإما أن نواسيه". شك من أبي حمزة الراوي كما صرح به في رواية أحمد، وهو من المواساة، وأصله من قولهم: آسيته بمالي مواساة. قال الجوهري: وواسيته لغة ضعيفة فيه، ومادة هذه الكلمة: ألف وسين وألف. قوله: "ومَن يستعف عنا" في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "أحب إلينا". قوله: "أعوزنا" أي: افتقرنا. قال الجوهري: الإعواز: الفقر، والعوز: العدم، وأعوزه الشيء إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه، والمعوز: الفقير، وعوز الشيء عوزًا إذا لم يوجد، وعوز الرجل وأعوز افتقر وأعوزه الدهر: أحوجه. قوله: "قال ابن أبي داود: هذا هو الصحيح". أراد أن ما رواه هشام، عن قتادة، عن هلال بن حصن أخي بني مرة بن عباد هو الصحيح، وما رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن هلال بن مرة غير صحيح. أراد أن نسبة هلال إلى حصن هو الصحيح، ونسبته إلى مرة غير صحيح، وإنما حصن أخو بني مرة بن عُباد -بضم العين وتخفيف الباء الموحدة- فافهم. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا من غير هذا الوجه ما يدل على ما ذكرنا. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نُعيم، أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي يقول: "أَمَّرني رسول الله ﵇ على قومي، فقلت: يا رسول الله أعطني من صدقاتهم ففعل، وكتب لي بذلك كتابًا، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله أعطني من الصدقة. فقال رسول الله ﵇: ان الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو من السماء، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتك منها". قال أبو جعفر ﵀: فهذا الصدائي قد أمَّره رسول الله ﵇ على قومه ومحال أن يكون أمره وبه زمانة، ثم قد سأله من صدقة قومه وهي زكواتهم فأعطاه منها، ولم

стр. 3825

يمنعه منه لصحة بدنه، ثم سأله الرجل الآخر بعد ذلك، فقال له رسول الله ﵇: إن كنت من الأجزاء الذين جزأ الله الصدقة فيهم أعطيتك منها، فرد رسول الله ﵇ بذلك حكم الصدقات إلى ما ردها الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١). الآية. فكل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل الصدقة الذين جعلها الله لهم في كتابه، ورسوله في سنته زمِنًا كان أو صحيحًا، وكان أولى الأشياء بنا في الآثار التي رويناها عن رسول الله ﵇ في الفصل الأول من قوله: "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" ما حملناها عليه؛ لئلا يخرج معناها من الآية المحكمة التي ذكرنا، ولا من هذه الأحاديث الآخر التي روينا، ويكون معنى ذلك كله معنى واحدًا يصدق بعضه بعضًا. ش: ذكر حديث زياد بن الحارث الصدائي شاهدًا لما ذكره من التأويل في الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، ولكونه موافقًا في المعنى لحديث أبي سعيد الخدري. بيان ذلك: أن زياد بن الحارث كان ذا مرة سويًّا ولم تكن به زمانة، وقد أمَّره رسول الله ﵇ على قومه وجعل له من صدقاتهم شيئًا، فهذا أدل دليل على صحة التأويل المذكور. ثم لما سأل رسول الله ﵇ ذلك الرجل الآخر قال له ﵇: "إن كنت من الأجزاء الذين جزأ الله الصدقة فيهم -يعني الأصناف الذين قسم الله الصدقة فيهم- أعطيتك منها" وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) الآية، فبيَّن الله تعالى أن كل مَن صدق عليه اسم صنف من تلك الأصناف يكون من أهل الصدقة الذين أثبت الله لهم في كتابه ورسوله في سنته سواء كان زمنًا أو صحيحًا؛ لأن الله تعالى ذكر مطلِقًا ولم يقيد إلا كونه من أهل تلك الأصناف كما هو ظاهر لا يخفى فمتى ما حمل معنى الأحاديث المذكورة في استدلال أهل المقالة الأولى على ما

стр. 3826

حملوه عليه يخالف معناها معنى الآية الكريمة ومعنى الأحاديث الآخر، فإذا حملتا على ما ذكرنا من التأويل تتفق معاني الكتاب والأحاديث كلها، ويصدق بعضها بعضًا، أشار إلى ذلك كله بقوله: "وكان أولى الأشياء بنا ... إلى آخره". قوله: "قد أمَّره". بتشديد الميم، أي: جعله أميرًا. قوله: "ومحال". مرفوع؛ لأنه خبر مبتدأ تقدم عليه، وهو قوله: "أن يكون"، "وأن" مصدرية تقديره: وكون تأمير النبي ﵇ إياه والحال أن به زمانة محال. ثم إنه أخرج حديث زياد بن الحارث عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم -بضم العين- الإفريقي قاضيها، ضعفه الترمذي والنسائي، وقال ابن خراش: متروك. وعن أحمد: ليس بشيء. وعنه: منكر الحديث. قال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم. قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق رجل صالح. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. وهو يروي عن زياد بن نعيم، وهو زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة بن عمرو الحضرمي المصري، قال العجلي: تابعي ثقة. روى له هؤلاء هذا الحديث الواحد. عن زياد بن الحارث الصُّدَائي الصحابي، ونسبته إلى صُداء -بضم الصاد وتخفيف الدال- وهو حيٌّ من اليمن. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله -يعني ابن عمر بن غانم- عن عبد الرحمن بن زياد أنه سمع زياد بن نعيم الحضرمي، أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي، قال: "أتيت رسول الله ﵇ فبايعته ... " فذكر حديثًا طويلًا: "فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له رسول الله ﵇: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك".

стр. 3827

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) مطولًا: ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: "أتيت النبي ﵇ فبايعته، فبلغني أنه يريد أن يرسل جيشًا إلى قومي. فقلت: يا رسول الله ردَّ الجيش وأنا لك بإسلامهم وطاعتهم. فقال: افعل، فكتبت إليهم، فأتى وفدٌ منهم النبي ﵇ بإسلامهم وطاعتهم، فقال: يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك. قلت: بك هداهم الله وأحسن إليهم، قال: أفلا أؤمرك عليهم؟ قلت: بك، فأمَّرني عليهم فكتب لي بذلك كتابًا، وسألته من صدقاتهم ففعل، وكان النبي ﵇ في بعض أسفاره، فنزلنا منزلًا فأعرسنا من أول الليل فلزمته، وجعل أصحابه ينقطعون حتى لم يبق معه رجل منهم غيري، فلما تحين الصبح أمرني فأذَّنت، ثم قال لي: يا أخا صداء معك ماء؟ قلت: نعم، قليل لا يكفيك، قال: صبه في الإناء ثم ائتني به، فأتيته به، فأدخل يده، فيه فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينًا تفور، قال: يا أخا صداء، لولا أني أستحيي من ربي لسقينا واستقينا، نادِ في الناس: مَن كان يريد الوضوء، قال: فاغترف من اغترف، وجاء بلال ليقيم، فقال النبي ﵇: إن أخا صداء أذَّن ومن أذَّن فهو يقيم، فلما صلى الفجر أتاه أهل المنزل يشكون عاملهم ويقولون: يا رسول الله حدثنا بما كان بيننا وبين قومنا في الجاهلية، فالتفت إلى أصحابه وأنا فيهم وقال: لا خير في الإمارة لرجل مؤمن، فوقعت في نفسي، وأتاه سائل فسأله فقال: من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن، قال: فأعطني من الصدقات، فقال: إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى جعلها ثمانية أجزاء، فإن كنت منهم أعطيتك حقك، فلما أصبحت قلت: يا رسول الله أقِل إمارتك فلا حاجة لي فيها. قال: ولمَ؟ قلت: سمعتك تقول: لا خير في الإمارة لرجل مؤمن، وقد آمنت، وسمعتك تقول: مَن سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن، وقد سألتك وأنا غني، قال: هو ذاك فإن

стр. 3828

شئت فخذ وإن شئت فدع. قلت: بل أدع، قال: فدلني على رجل أولِّيه، فدللته على رجل من الوفد فولاه، قالوا: يا رسول الله إن لنا بئرًا إذا كان الشتاء وسِعَنا ملؤها فاجتمعنا عليه، وإذا كان الصيف قلَّ وتفرقنا على مياه حولنا، وإنا لا نستطيع اليوم أن نتفرق، كل مَن حولنا عدو، فادع الله يسعُنا ماؤها، فدعى بسبع حصيات ففركهن في كفيه ثم قال: إذا أتيتموها فألقوا واحدةً واحدةً واذكروا اسم الله، فما استطاعوا أن ينظروا إلى قعرها بعد. انتهى. وقال الخطابي: في قوله: "فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك". دليل على أنه لا يجوز حكم جمع الصدقة كلها في صنف واحد، وأن الواجب تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم، ولو كان في الآية بيان الجُمَل دون بيان الحصص لم يكن للتجزئة معنى، ويدل على صحة ذلك قوله: "أعطيتك حقك" فبين أن لأهل كل جزء على حدة حقًّا. وإلى هذا ذهب عكرمة، وهو قول الشافعي. وقال إبراهيم النخعي: إذا كان المال كثيرًا يحتمل الأجزاء قَسَّمه على الأصناف، وإذا كان قليلًا جاز أن يضع في صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل: تفريقه أولى، ويجزئه أن يجعله في صنف واحد. وقال أبو ثور: إن قسمه الإِمام قسمه على الأصناف الثمانية. وإن تولى قسمَه رب المال فوضعه في صنف واحد رجوت أن يسعه. وقال مالك بن أنس: يجتهد ويتحرى موضع الحاجة منهم ويقدم الأولى فالأولى من أهل الفاقة والخلة، فإن رأى الخلَّة في الفقراء في عام أكثر قدمهم، وإن رآها في أبناء السبيل في عام آخر أكثر حولها إليهم. وقال أصحاب الرأي: هو غير يضعه في أي الأصناف شاء. قلت: كذلك قال الثوري، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح، ويروى ذلك عن ابن عباس.

стр. 3829

روى الطبري (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٢) الآية: أنا عمران بن عيينة عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٢) الآية، قال: "في أي صنف وضعته أجزأك". وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) عن جرير، عن ليث، عن عطاء، عن عمر بن الخطاب أنه قال: " ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٢) الآية. قال: أيما صنف أعطيته من هذا أجزأك". وكذلك أخرج (٤) عن حذيفة وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي وأبي العالية وميمون بن مهران بأسانيد صحيحة. ولا نسلم صحة ما ادعاه الخطابي؛ لأن قول ﵇: "فإن كنت من تلك الأجزاء ... " الحديث. يبين أنه إن كان موصوفا بما وصف به أحد الأصناف الثمانية فإنه يستحق من الصدقات شيئًا؛ لأن الآية لبيان الأصناف التي يتعين الدفع إليهم دون غيرهم، وليس فيها ما يقتضي حصرها عليهم جملة واحدةً فافهم. وقال الخطابي أيضًا: إن في قوله: "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها" دليلًا على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين: أحدهما: ما تولى الله بيانه في كتابه العزيز وأحكم فرضه فيه فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي ﵇ وبيان شهادة الأصول.

стр. 3830

والوجه الآخر: ما ورد ذكره في الكتاب مجملًا ووُكِل بيانه إلى النبي ﵇ فهو يفسره قولًا وفعلًا أو يتركه على إجماله ليبينه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطًا واعتبارًا بدلائل الأصول، وكل ذلك بيان مصدره عن الله تعالى وعن رسوله ﵇. ص: ثم قد روى قبيصة بن المخارق عن النبي ﵇ ما قد دل على ذلك أيضًا. حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نُعيم، عن قبيصة بن المخارق: " [أنه تحمل بحمالة، فأتى النبي ﵇ فيها، فقال: نخرجها عنك من إبل الصدقة أو نَعم الصدقة، يا قبيصة إن] (١) المسألة حرمت إلا في ثلاث: رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت بماله فحلت له المسألة حتى يُصيب قِوامًا من عيش أو سِدادًا من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن قد حلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش ثم يمسك، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن المخارق، عن النبي ﵇ نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب ... فذكر بإسناده مثله. وزاد: "رجل تحمل حمالة عن قومه أراد بها الإصلاح". فأباح رسول الله ﵇ في هذا الحديث لذي الحاجة أن يسأل لحاجته حتى يصيب قِوامًا من عيش أو سِدادًا من عيش، فدل ذلك أن الصدقة لا تحرم بالصحة إذا أراد بها الذي تُصدق بها عليه سد فقره، وأنها تحرم عليه إذا كان يريد بها غير ذلك من التكثر ونحوه، ومَن يريد بها ذلك فهو ممن يطلبها لسوى المعاني الثلاثة التيم ذكرها رسول الله ﵇ في حديث قبيصة الذي ذكرنا، فهي عليه سحت.

стр. 3831

ش: أي: قد روى قبيصة عن النبي ﵇ ما قد دل على ما ذكرنا من التأويل في قوله ﵇: "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي"، وفي قوله ﵇: "ولا لقوي مكتسب". وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: موقوف، إسناده صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن هارون بن رِئَاب -بكسر الراء بعدها همزة وفي آخره باء موحدة- التميمي أبي الحسن البصري، وثقه النسائي وغيره، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي. عن كنانة بن نعيم العدوي أبي بكر البصري، وثقه العجلي وابن حبان، وروى له هؤلاء المذكورون عن قبيصة [بن] (١) المخارق الهلالي الصحابي ﵁. الثاني: مرفوع بإسناد على شرط مسلم: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن هارون ... إلى آخره. وروي أيضًا عن حماد بن سلمة، عن هارون. وأخرجه مسلم (٢) ثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد -قال يحيى: أنا حماد بن زيد- عن هارون بن رئاب، قال: حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: "تحملت حمالة، فأتيت رسول الله ﵇ أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. قال: ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش -أو قال: سِدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجل من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قِوامًا من عيش -أو قال: سِدادًا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا".

стр. 3832

الثالث: أيضًا مرفوع بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحجاج بن منهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب ... إلى آخره. وأخرج أبو داود (١): عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب ... إلى آخره نحو رواية مسلم. وأخرجه النسائي (٢) والدارقطني (٣) والطبراني (٤) وابن أبي شيبة (٥) نحوه أيضًا. قوله: "رجلٌ" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأول: رجل. قوله: "تحمل حمالةً" الحمالة -بفتح الحاء وتخفيف الميم-: هي المال الذي يتحمله الإنسان أي: يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البَيْن، كالإصلاح بين القبيلتين ونحو ذلك. وقال الخطابي: الحمالة: الكفالة، والحميل: الكفيل والضمين، وتفسير الحمالة: أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، وتجذب بسببه العداوة والشحناء، ويخاف منها الفتن العظيمة، فيتوسط الرجل بينهم ويسعى في إصلاح ذات البَيْن ويضمن ما لأصحاب الدم أو المال يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم الألفة. فهذا رجل صنع معروفًا وابتغى بما أتاه إصلاحًا، فليس من المعروف أن تورك الغرامة عليه في ماله، ولكن يُعان على أداء ما تحمله منه، ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته ويخرج عن عهدة ما تضمنه. قوله: "ثم يمسك" عن السؤال.

стр. 3833

قوله: "جائحة" بالجيم أولًا ثم بالحاء المهملة، وهي في غالب العرف ما ظهر أمره من الآفات كالسَّيْل يغرق متاعه، والنار تحرقه، والبرد يفسد زرعه وثماره، ونحو ذلك. فإذا أصاب الرجل شيء من ذلك وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها. قوله: "قِوامًا" بكسر القاف وهو ما يقوم بحاجته ويستغني به. و"السداد": بكسر السين المهملة: ما يُسد به خلته، والسِّداد -بالكسر أيضًا- كل شيء سددت به حالًا، ومنه سداد الثغر وسداد القارورة، والسَّداد بالفتح إصابة المقصد. قوله: "حاجة" أي: فقر وفاقة. قوله: "من ذوي الحجى". بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم مقصور، وهو العقل، وقال النووي: إنما شرط الحجى تنبيهًا على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا يقبل من مغفل، وأما اشتراط الثلاثة فقال بعض أصحابنا: هو شرط في بينة الإعسار فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث. وقال الجمهور: يُقبل مِن عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال. وقال الخطابي.: وليس هذا من باب الشهادة لكن من باب التبين والتعرف؛ وذلك لأنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه أو من ذوي الخبرة بشأنه: إنه صادق فيما يدَّعيه؛ أعطي الصدقة. قلت: الصواب ما قاله الخطابي؛ لأنه أراد أن يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق انتشار الخبر واشتهاره، وأن القصد بالثلاثة ها هنا الجماعة التي أقلها أقل الجمع لا نفس العدد.

стр. 3834

قوله: "من قومه" إنما قال هذا لأن قومه من أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرًا بصاحبه. قوله: "فهو سحت" أي: حرام. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن السؤال عند عدم الحاجة حرام وأخذه سحت. الثاني: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش وسداد الخلة، وذلك يُعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ليس فيه حد معلوم. الثالث: أن مجرد دعوى الإعسار لا تقبل، اللهم إلا إذ كان مشهورًا بين قومه بالفقر والفاقة؛ فإن القول قوله حينئذٍ. الرابع: فيه دليل على وجوب المساعدة من أصحاب الأموال والنظر في حق من ابتلي بالحاجة، أو أصيب بالجائحة، أو تحمل بالحمالة. الخامس: أنه يدل على أن الصدقة تحل للفقير الصحيح القادر على الاكتساب؛ لأنه لم يشترط في هذه الصور الثلاث التي يحل فيها السؤال: أن يكون السائل عاجزًا عن الكسب لأجل الزمانة ونحوها، وإليه أشار بقوله: فأباح رسول الله ﵇ في هذا الحديث ... إلى آخره. قوله: "فدل ذلك أن الصدقة" أي: دلَّ ما أباحه النبي ﵇ من السؤال لذي الحاجة إلى أن يصيب قوامًا من عيش أو سداد من معيشة على أن الصدقة لا تحرم بالصحة والقدرة على الاكتساب، ولكن بشرط أن يكون مراد المتصدق عليه: سدّ الفقر ودفع الحاجة، وأما إذا أراد بها التكثر والتجمل وغير ذلك فهو حرام؛ لأنه يكون ممن يطلب الصدقة لغير المعاني الثلاثة المذكورة في الحديث. ص: وقد روى سمرة ﵁، مثل ذلك عن رسول الله ﵇.

стр. 3835

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، قال: سمعت سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ قال: "المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومَن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو يسأل [في] (١) أمرٍ لا يجد منه بدًّا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو عَوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، عن رسول الله ﵇ مثله. قال أبو جعفر ﵀: فقد أباح هذا الحديث المسألة في كل أمرٍ لا بد من المسألة فيه، فدخل في ذلك ما أبيحت فيه المسألة في حديث قبيصة، وزاد هذا الحديث عليه ما سوى ذلك من الأمور التي لا بد منها، وفي ذلك إباحة المسألة بالحاجة الخاصة لا بالزمانة. ش: أي: قد روى سمرة بن جندب ﵁ حديث قبيصة بن المخارق في دلالته على عدم تقييد جواز السؤال بزمانة ونحوها، بل زاد سمرة في حديثه على حديث قبيصة، فإن حديثه أباح المسألة في كل أمر لا يجد منه بدًّا، فقد دخل فيه ما في حديث قبيصة وزاد عليه ما هو من الأمور التي لا بد منها، وفي هذا أيضًا إباحة السؤال بالحاجة خاصةً لا بالزمانة ونحوها، فافهم. ثم إنه أخرج حديث سمرة من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مُسلم الصفار، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير بن سُويد القرشي الكوفي، عن زيد بن عقبة الفزاري وثقه العجلي والنسائي وابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي والترمذي. عن سمرة بن جندب ﵁.

стр. 3836

وأخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر النمري، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا وكيع، نا سفيان وابن جعفر، قالا: نا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﵇: "إن هذه المسائل كدّ يكد بها أحدكم وجهه، وقال ابن جعفر: كدوح يكدح بها الرجل إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا بد منه". وأخرجه النسائي (٤) أيضًا. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة، عن عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي، روى له الجماعة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا عارم أبوالنعمان، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن عقبة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﵇: "هذه المسائل كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا".

стр. 3837

قوله: "المسائل" مبتدأ، وخبره قوله: "كدوح". أي: كدوح في وجهه، كما في حديث آخر: "جاءت مسألته كدوحًا في وجهه" (١). فإن قيل: كيف تكون عين المسائل كدوحًا؟ قلت: التقدير: المسائل جالبة للكدوح، فلما كانت المسائل جالبة للكدوح قطعًا جعلت عين الكدوح للمبالغة، كما في قولهم: رجل عدل. والكدوح: جمع كدح، وهو كل أثرٍ من خدشٍ أو عضٍّ، ويجوز أن يكون مصدرًا سمي به الأثر، فعلى هذا تقدير الكلام: المسائل كادحة، ذُكر المصدر وأريد به الفاعل للمبالغة. فإن قيل: ما معنى تخصيص الوجه بالذكر من بين سائر الأعضاء؟ قلت: لأن السائل أول ما يستقبل بوجهه فلذلك اختص بهذا الفعل؛ ولأن الكدوح في الوجه أبشع وأفظع. قوله: "إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان" أي: ذا يد وقوة، مثل الخلفاء والملوك ومَن يلي من جهتهم. قوله: "لا يجد منه بدًّا" أي: فراقًا أراد أمرًا لا يستغني عنه. ويستفاد منه: حرمة السؤال لغير الحاجة والضرورة، وأنه حرامٌ وعذابٌ يوم القيامة. وجواز السؤال من ذي سلطان وإن كان غنيًّا. قال الخطابي: وهو أن يسأل حقه من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض السلاطين من غصب أموال الناس. قلت: اللفظ عام، يدل على أن الرجل إذا سأل سلطانًا ومَن في معناه يباح له ذلك،

стр. 3838

سواء كان حقه من بيت المال أو من غيره بعد أن يعرف أن غالب أمواله من وجه حِلّ، وكذلك يجوز قبول هدية السلاطن والأمراء إذا كان غالب أموالهم حلالًا. وأما إذا كان غالب أموالهم حرامًا أو كلها لا يجوز السؤال منهم ولا قبول هديتهم. ص: وقد روي عن أنس، عن النبي ﵇ في هذا المعنى ما قد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﵇ فسأله، فقال: إن المسألة لا تصلح إلا لثلاث: لغرم موجع، أو دمٍ مفظع، أو فقر مدقع". قال أبو جعفر ﵀: وكل هذه الأمور مما لا بد منه، فقد دخل ذلك أيضًا في معنى حديث سمرة. ش: أي: قد روي عن أنس بن مالك ﵁ في معنى حديث سمرة، لأن الأشياء الثلاثة المذكورة في حديث أنس داخلة في قوله: "أوْ يسأل في أمرٍ لا يجد منه بدًّا" في حديث سمرة، غاية ما في الباب صرَّح في حديث أنس ببعض عَمَّ في حديث سمرة إما لكثرة وقوعها، وإما لشدة أمرها أو نحو ذلك. ثم إنه أخرج حديث أنس بإسناد حسن عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري شيخ البخاري، عن الأخضر بن عجلان الشيباني البصري وثقه ابن معين، وضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: ليس بمشهور (١)، وروى له الأربعة. عن أبي بكر الحنفي الكبير واسمه عبد الله، وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة عن مالك بن أنس.

стр. 3839

وأخرجه أبو داود (١) مطولًا: ثنا عبد الله بن مسلمة، نا عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك ﵁: "أن رجلًا من الأنصار أتى النبي ﵇ يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى، حلس نلبس بضعه ونبتسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء. قال: ائتني بهما. فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﵇ بيده وقال: مَن يشتري هذين؟ قال رجل: أنا أخذهما بدرهم، قال مَن يزيد علي درهم؟ -مرتين أو ثلاثًا- فقال رجل: آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري، وقال: اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني بها. فأتاه بها، فشد فيه رسول الله ﵇ عودًا بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله ﵇: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقرٍ مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع". وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان. قوله: "إلا لثلاث" أي: لثلاث خلال. قوله: "لِغُزم موجع" الغُرم -بضم الغين وسكون الراء- وهو الدَّيْن ونظير ذلك في الوزن العُدْم -بضم العين وسكون الدال- وهو الفقر، وكذلك العَدَم -بفتحتين- وهما كالرُّشْد والرَّشَد والحُزْن والحَزَن.

стр. 3840

وأما كون الغرم موجعًا فظاهر؛ لأن المديون دائمًا موجوع القلب. قوله: "أو دم مفظع" من أفظع، يقال: أفظعني الأمر إذا اشتد علي، والأمر الفظيع هو الشديد والشنيع الذي جاوز المقدار، وكون الدم فظيعًا شديدًا ظاهر. قوله: "أو فقر مدقع" من أَدْقع من الدَّقع، وهو الفقر الشديد، وأصله من الدقعاء وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يفضي به إلى التراب لا يكون عنده ما يقيه من التراب. وقال ابن الأعرابي: الدقع: سُوء احتمال الفقر. ص: وقد روي عن أبي سعيد الخدري في ذلك أيضًا ما حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن عمران البارقي، عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني إلا أن تكون في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو يكون له جار فيتصدق عليه فيهدي له أو يدعوه". حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﵇ مثله. فأباح رسول الله ﵇ الصدقة للرجل إذا كان في سبيل الله أو ابن السبيل، فقد أجمع ذلك الصحيح وغير الصحيح؛ فدل ذلك أيضًا على أن الصدقة إنما تحل بالفقر، كانت معه الزمانة أو لم تكن. ش: أي: وقد روي عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري، عن النبي ﵇ فيما ذكرنا من أن الصحة والقدرة على الكسب لا تمنع حلّ الصدقة إذا كان سؤاله عن حاجة. وأخرجه من طريقين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان القسري الكوفي شيخ الجماعة غير الترمذي، عن أبي إسحاق الفزاري واسمه إبراهيم بن محمَّد بن

стр. 3841

الحارث الكوفي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن عمران البارقي وثقه ابن حبان، وروي له أبو داود عن عطية بن سعد بن جُنادة العوفي ضعفه النسائي وأحمد وأبو حاتم، وعن يحيى: صالح. وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن عوف الطائي، ثنا الفريابي، عن سفيان، عن عمران البارقي، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك". والثاني: عن عبد الرحمن بن الجارود بن عبد الله الكوفي، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن يحيى: ليس بذاك. وعنه لين. روى له الأربعة. عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا وكيع، نا ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵇: "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة: في سبيل الله، وابن السبيل، ورجل كان له جار فتصدق عليه، فأهدى له". قوله: "في سبيل الله" هو منقطع الغزاة عند أبي يوسف؛ لأنه المتفاهم عند الإطلاق وعند محمَّد: منقطع الحاج. قوله: "أو ابن السبيل" وهو مَن له مال في وطنه وهو في مكان لا شيء له فيه، وإنما سمي ابن السبيل لأنه لزم السفر، ومَن لزم شيئًا نُسب إليه، كما يقال: ابن الغني وابن الفقير. قوله: "فَيُتَصدق عليه" على صيغة المجهول.

стр. 3842

قوله: "فيهدي" أي: فيهدي ذلك الجار الذي يتصدق عليه له -أي: للغني- أو يدعوه إلى ضيافته. قوله: "فقد أباح رسول الله ﵇ ... إلى آخره" بيانه: أنه ﵇ أباح الصدقة لمن يكون في سبيل الله أو ابن السبيل، ولم يقيد ذلك بالصحة، بل جمع بين الصحيح وغيره؛ فدلَّ ذلك أن الصدقة إنما تحل للفقر سواء كانت معه زمانة أو لم تكن، وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة أصناف: الأولان: يجوز لهما أخذ الصدقة وإن كانا غنيين في الواقع، ولكنهما فقيران في الحال. وأما الثالث: فكذلك يجوز له أخذ الصدقة وإن كان غنيًّا؛ لأنها خرجت من ملك المتصدق بقبول الفقير، فخرجت عن حكم سائر الصدقات، فحل للغني حينئذٍ أن يقبل ذلك إذا أهدي إليه، أو يأكل منها أن عُزِم عليه، فافهم. ص: وقد روي عن وهب بن خَنْبَش، عن النبي ﵇ ما قد حدثنا أبو أمية، قال: ثنا المعلى بن منصور، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، قال: أخبرني مجالد، عن الشعبي، عن وهب قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﵇ وهو واقف بعرفة، فسأله رداءه فأعطاه إياه، فذهب به، ثم قال النبي ﵇: إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع، أو غرم مُفظِع، ومن سأل الناس ليثري به ماله، فإنه خموشٌ في وجهه، ورضفٌ يأكله من جهنم إن قليل فقليل، وإن كثير فكثير". فأخبر النبي ﵇ أيضًا في هذا الحديث: أن المسألة تحل بالفقر والغرم، فذلك دليل على أنها تحل بهذين المعنيين خاصةً ولا يختلف في ذلك حال الزمن وغيره. ش: أخرج هذا أيضًا شاهدًا لما ذكره من أن المسألة تحل بالفقر ولا تقيد بالزمانة ونحوها. عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن المعلى بن منصور الرازي

стр. 3843

أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة، والبخاري روى عنه في غير "الصحيح" وله ذكر في كتاب "الهداية". عن يحيى بن سعيد القطان روى له الجماعة، عن مجالد بن سعيد الكوفي، فيه مقال؛ فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف واهي الحديث. وقال النسائي: ثقة. روى له مسلم مقرونًا بغيره والأربعة. عن عامر الشعبي، عن وهب، قيل: هذا هو وهب بن خَنْبَش الطائي الكوفي الصحابي، وممن صرَّح بذلك الطحاوي على ما يأتي، وقيل: وهب هذا غير منسوب. والدليل عليه ما أخرجه أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (١) في ترجمة وهب بن خنبش: ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع، ونا زيد بن أخزم، ثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، قالا: نا سفيان، عن بيان، عن الشعبي، عن وهب بن خَنْبش، عن النبي ﵇ قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة". ثم قال: وهب -ولم يُنْسَب- حدثني ابن الأموي، حدثني أبي، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن وهب قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﵇ وهو واقف بعرفة فسأله رداءه ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "إلا مِن فقر مدقع أو غرمٍ مفظع" قد مرَّ تفسير ذلك عن قريب. قوله: "لُيثْري" من الإثراء، وهوَّ الإكثار، ومعناه: ومن سأل الناس ليكثر بسؤاله ماله، والثروة: العدد الكثير. وفي الحديث: "ما بعث الله نبيًّا بعد لوط ﵇ إلا في ثروة من قومه" (٢).

стр. 3844

قوله: "فإنه خموش" أي فإن سؤاله خموش في وجهه يوم القيامة، والخموش إما جمع خَمَش، أو مصدر من خَمَشَت المرأة وجهها تَخْمِشُه خَمْشا وخُموشًا إذا خدشت، وهو من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ، ثم إن جعلناه جمعًا يكون المعنى: فإن سؤاله يصير خموشًا في وجهه، وإن جعلناه مصدرًا يكون المعنى: فإن سؤاله خامشٌ وجهه يوم القيامة، فأفهم. قوله: "ورَضْفٌ" بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة، وهو الحجارة المحماة على النار. قوله: "من جهنم" كلمة "من" فيه بيانية. قوله: "إن قليل فقليل" مرفوعان بمحذوف، تقديره: إن وجد من سؤاله قليل فجزاؤه من الخمش وأكل الرضف قليل، فيكون ارتفاع "قليلٌ" الأول بالفاعلية، وارتفاع "قليلٌ" الثاني بأنه خبر مبتدأ محذوف، وكذلك الكلام في إعراب قوله: "وإن كثير فكثير" ويجوز فيه النصب "القليل" الأول "والكثير" الأول، والمعنى: إن كان سؤاله قليلًا فجزاؤه قليل، وإن كان كثيرًا فكثير نحو قولهم: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مُخَوَّل بن إبراهيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي بن جنادة، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل ... فذكر بإسناده مثله. فهذا حبشي قد حكى هذا عن النبي ﵇، فوافق ما حكى من ذلك ما حكاه الآخرون: أن المسألة إنما تحل بالفقر. ش: هذان طريقان: أحدهما: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مُخَوَّل بن إبراهيم بن مُخَوَّل

стр. 3845

النهدي الكوفي ذكره في "الميزان" وقال: رافضي بغيض، صدوق في نفسه (١). يروي عن إسرائيل بن يونس، عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن حبشي بن جنادة الصحابي. وأخرجه ابن الأثير (٢) في ترجمة حبشي: من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبيشي بن جنادة قال: قال رسول الله ﵇: "من سأل من غير فقر فإنما يأكل الجمر". الثاني: إسناده صحيح. عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حبشي ... إلى آخره. وأخرج الترمذي (٣) عن حبشي بن جنادة من وجه آخر: ثنا علي بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن مجالد، عن الشعبي، عن حبشي بن جنادة السلولي قال: "سمعت رسول الله ﵇ في حجة الوداع وهو واقف بعرفة أتاه أعرابي فأخذ بطرف ردائه فسأله إياه فأعطاه وذهب، فعند ذلك حرمت المسألة، فقال رسول الله ﷺ : إن المسألة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، إلا لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع، ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة، ورضفًا يأكله من جهنم، فمن شاء فَلْيُقِلّ ومن شاء فَلْيُكْثِر". ص: وقد جاءت الآثار أيضًا عن رسول الله ﵇ بذلك متواترة: حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي. (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قالا جميعًا: عن سفيان، عن حكيم ابن جبير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، عن أبيه، عن ابن مسعود

стр. 3846

قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل عبدٌ مسألة وله ما يُغنيه إلا جاءت شيئًا أو كدوحا أو خدوشًا في وجهه يوم القيامة. قيل: يا رسول الله وماذا غناه؟ قال: خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب". حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: ثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان ... فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "كدوحا في وجهه" ولم يشك وزاد: "فقيل لسفيان: لو كانت عن غير حكيم! فقال: حدثناه زُبيْد عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد مثله". ش: أي: قد جاءت الأحاديث أيضًا عن رسول الله ﵇ بما ذكرنا، أن الاعتبار في السؤال وحلّ الصدقة هو الفقر والحاجة لا غير. قوله: "متواترة" أي: متكاثرة وانتصابها على الحال من الآثار، ولم يُرد به التواتر المصطلح عليه. ثم إنه أخرج حديث عبد الله بن مسعود من ثلاث طرق: الأول: عن الحسن بن نصر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، ضعفه أحمد، وعن يحيى: ليس بشيء. وقال إبراهيم السعدي: كذاب. وقال الدارقطني: متروك. وروى له الأربعة. عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعي الكوفي وثقه يحيى وابن حبان وروى له الأربعة- عن أبيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، نا يحيى بن آدم، نا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال

стр. 3847

رسول الله تعالى: "مَن سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خموش -أو كدوح أو خدوش- في وجهه. فقيل يا رسول الله وما الغنى؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن حكيم بن جبير ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة وعلي بن حُجر -قال قتيبة: ثنا شريك، وقال علي: أنا شريك والمعنى واحد- عن حكيم بن جبير ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. وقال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. الثالث: عن أحمد بن خالد البغدادي، عن أبي هشام الرفاعي محمَّد بن يزيد شيخ مسلم، عن يحيى بن آدم بن سليمان القرشي شيخ أحمد، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا الحسن بن علي الخلال، نا يحيى بن آدم، ثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﵇: "مَن سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خدوشًا أو خموشًا أو كدوحا في وجهه. قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب". فقال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: فقد حدثناه زُبيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال أبو داود: قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير. فقال سفيان: فقد حدثناه زُبيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد.

стр. 3848

وقال الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان، عن حكيم بن جبير بهذا الحديث، فقال له عبد الله بن عثمان صاحب شعبة: لو غير حكيم حدَّث بهذا [قال: وما لحكيم لا يحدث عن شعبة؟! قال: نعم، قال سفيان: سمعت زُبيدًا يحدث بهذا] (٢) عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم. قالوا: أما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده وإنما قال: فقد حدثناه زبيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد، حسب. وحكي الإمام أحمد عن يحيى بن آدم، أن الثوري قال يومًا: قال أبو بسطام يُحَدِّث -يعني شعبة- هذا الحديث عن حكيم بن جبير. قيل له: قال: حدثني زُبيد، عن محمَّد بن عبد الرحمن ولم يزد عليه. قال أحمد: كأنه أرسله أو كره أن يحدِّث به. قلت: حكى الترمذي أن سفيان صرَّح بإسناده فقال: سمعت زُبيدًا يحدث بهذا عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقد ذكرنا آنفًا. وحكاه ابن عدي أيضًا، وحكي أيضًا أن الثوري قال: أخبرنا به زُبَيد. وهذا يدل على أن الثوري حدَّث به مرتين: مرةً لا يصرح فيه بالإسناد، ومرة يسنده. وقال النسائي: لا نعلم أحدًا قال في هذا الحديث زُبَيد غير يحيى بن آدم، ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جبير، وحكيم بن جُبير ضعيف، وسئل شعبة عن حديث حكيم بن جبير فقال: أخاف النار. وقد كان روى عنه قديمًا. وسئل يحيى بن معين: يَرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى: نعم، يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد ولا أعلم أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدم وهذا وهم، لو كان كذا لحدَّث الناس به جميعًا عن سفيان، ولكنه حديث منكر. هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه.

стр. 3849

قلت: زُبيد هذا -بضم الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- ابن الحارث الأيامي، روى له الجماعة. قوله: "وله ما يغنيه" جملة وقعت حالًا. قوله: "إلا جاءت" أي: مسألته. "شينًا". أي: عيبًا، يقال: شانه يشُينُه، وتفسير الكدوح والخدوش قد مرَّ. قوله: "قلت لسفيان" قد عرفت القائل هو عبد الله بن عثمان وهو غير مذكور في متن الحديث. ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق. قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحل له الصدقة. قال: ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جبير ووسعوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهما أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم. وقال ابن قدامة: استدل الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق وأحمد بهذا الحديث: أن مَن ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فإنه يحرم عليه السؤال، ولا تحل له الصدقة. قلت: قال أصحابنا: الغني الذي يحرم به أخذ الصدقة وقبولها هو الذي تجب به صدقة الفطر والأضحية، وهو أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حوائجه، وتبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم من الثياب والفرش والدور والحوانيت والدواب والخدم، زيادة على ما يحتاج إليه كل ذلك للابتذال والاستعمال لا للنماء والإسامة، فإذا فضل من ذلك ما تبلغ قيمته مائتي درهم وجب عليه صدقة الفطر والأضحية وحرم عليه أخذ الصدقة (١).

стр. 3850

ثم قدر الحاجة ما ذكره الكرخي في "مختصره" فقال: لا بأس أن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله، وخادم، وفرس، وسلاخ وثياب البدن، وكتب العلم إن كان من أهله، فإن كان له فضل عن ذلك تبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة، لما روي عن الحسن البصري أنه قال: "كانوا يعطون من الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من السلاخ والفرس والدار والخادم". وقوله: "كانوا" كناية عن أصحاب رسول الله ﵇. وذكر في "الفتاوى" فيمن له حوانيت ودور الغلة لكن غلتها لا تكفيه لعياله، أنه فقير ويحل له أخذ الصدقة عند محمَّد، وعند أبي يوسف لا يحل، وعلى هذا إذا كان له كرم، لكن غلته لا تكفيه لعياله، وإن كان عنده طعام للقوت يساوي مائتي درهم فإن كان كفاية شهر، يحل له أخذ الصدقة، وإن كان كفاية سنة قال بعضهم: لا يحل، وقال بعضهم: يحل. ثم جواب أصحابنا عن الحديث المذكور: أنه محمول على حرمة السؤال، معناه: لا يحل سؤال الصدقة لمن له خمسون درهمًا أو عوضها من الذهب، أو يحمل ذلك على كراهة الأخذ؛ لأن مَن له سداد من العيش فالتعفف أولى. ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أيوب بن سويد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، قال: حدثني سهل بن الحنظلية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن سأل الناس عن ظهر غنًى فإنما يستكثر من جمر جهنم. قلت: يا رسول الله وما ظهر غنًى؟ قال: أن يعلم أن عند أهله ما يُغديهم أو ما يعشيهم". ش: أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي، وأيوب بن سويد أبو مسعود الحميري السيباني -بفتح السين المهملة وبعد الياء آخر الحروف باء موحدة- فيه مقال؛ فقال أحمد: ضعيف. وقال يحيى: ليس بشيء يسرق الأحاديث. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.

стр. 3851

وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي، روى له الجماعة. وربيعة بن يزيد الدمشقي أبو شعيب الإيادي روى له الجماعة. وأبو كبشة السلولي الشامي قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال أبو حاتم: لا أعلم أنه يسمى، وروى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. وسهل بن الحنظلية هو سهل بن عمرو، والحنظلية أمه، وقيل: أم أبيه، وقيل أم جده، واسمها أم إياس بنت أبان بن دارم، وكان سهل شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﵇ ما خلا بدرًا. وأخرجه أبو داود (١) مطولًا: ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، نا مسكين، نا محمَّد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، ثنا سهل بن الحنظلية قال: "قدم على رسول الله ﵇ عيينة بن حِصن والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، فأمر معاوية فكتب لهما بما سألاه، فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي ﵇، فقال: يا محمَّد أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلبس؟! فأخبر معاويةُ بقوله رسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: مَن سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار- وقال النفيلي في موضع آخر: من جمر جهنم- فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه- وقال النفيلي في موضع آخر: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ - قال: قدر ما يغديه ويعشيه- وقال النفيلي في موضع آخر: أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم" انتهى. واختلف الناس في تأويل قوله: "ما يغديهم أو يعشيهم" فقال بعضهم: مَن وجد غداء يوم وعشائه لم تحل له المسألة؛ على ظاهر الحديث. قلت: قال أصحابنا: ومَن له قوت يوم فسؤاله حرام، وقال بعضهم: إنما هو فيمن وَجَد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة.

стр. 3852

وقيل: هذا منسوخ بما تقدم من الأحاديث والغداء والعشاء تحرم سؤال اليوم، والأوقية يحرم مقدار ما يسد من المسافر للسائل، ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسن درهمًا أن يسأل ما يحتاج إليه من الزيادة على ذلك والله أعلم. وقال ابن حزم في "المحلى": وهذا الحديث لا شيء؛ لأن أبا كبشة السلولي مجهول. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيدبن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سأل وله ما يغنيه جاعت شيئا في وجهه يوم القيامة". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وأبو عمر: حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، نا محمَّد بن عبد الله الرقاشي، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن [معدان] (٢) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﵇: "مَن سأل وله ما يغنيه فإنه شين في وجهه يوم القيامة". قوله: "جاءت شينا" الضمير في "جاءت" يرجع إلى المسألة التي يدل عليها قوله: "مَن سأل"، وانتصاب "شينا" على الحال من الضمير الذي في "جاءت". والشين: العيب والقبح. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن

стр. 3853

أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "مَن سأل شيئًا وله قيمة أوقية فهو ملحف". ش: إسناده صحيح، وعبد الله بن يوسف [التنيسي] (١) شيخ البخاري. وابن أبي الرجال هو عبد الرحمن وثقه أحمد ويحيى القطان وروي له النسائي. وأبو الرجال -بالجيم- اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري. وعمار بن غزية بن الحارث الأنصاري المدني، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا قتيبة بن سعيد وهشام بن عمار، قالا: ثنا عبد الرحمن ابن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. قوله: "وله قيمة أوقية" حال، أي: والحال أن له شيئًا قيمته أوقية، وهي أربعون درهمًا. قوله: "فهو ملحف" مِن أَلْحَفَ في المسألة: إذا بالغ فيها وألحَّ، يقال: أَلَحَّ وألحف من الإلحاح والإلحاف، وقيل: ألحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف.

стр. 3854

واستدل الحسن وأبو عبيد بهذا الحديث على أن حد الغنى المانع من أخذ الصدقة هو أن يملك أربعين درهمًا. والجواب عنه: أنه محمول على كراهة السؤال، وأن التعفف أولى. وقال ابن حزم في "المحلى": عمارة بن غزية ضعيف، وأشار بذلك إلى تضعيف الحديث، وقد قلنا: إن عمارة بن غزية أخرج له مسلم والأربعة واحتجوا به، واستشهد به البخاري. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا محمَّد بن الفضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سأل الناس أموالهم تكثرًا؛ فإنما هو جمرٌ، فليستقلَّ منه أو ليكثر". ش: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي ثم البغدادي تكلم النسائي فيه لأجل التشيع وروى له في "مناقب علي" ﵁ حديثًا واحدًا، وقال أبو زرعة: صدوق. ومحمد بن غزوان الكوفي روى له الجماعة. وعمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، روى له الجماعة. وأبو زرعة بن عمرو بن جبير البجلي اسمه هرم أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عمرو أو جرير، روى له الجماعة. والحديث أخرجه مسلم (١): حدثنا أبو كريب وواصل بن عبد الأعلى، قالا: ثنا ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقل وليستكثر". قوله: "تكثرًا" نصب على التعليل، أي: لأجل التكثير. قوله: "فإنما هو" أي: فإنما سؤاله جمرٌ يوم القيامة.

стр. 3855

قوله: "فليستقل" من الاستقلال من القلة، و"ليكثر" من الإكثار، وهو الأمر من قبيل التهكم والتوبيخ. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: "نزلتُ أنا وأهلي ببقيع الغرقد، فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله ﵇ فسله لنا شيئًا نأكله، وجعلوا يذكرون حاجتهم فذهب إلى رسول الله ﵇ فوجد عنده رجلًا يسأله، ورسول الله ﷺ يقول: لا أجد ما أعطيك، فولى الرجل وهو مغضَب وهو يقول: لعمري إنك لتفضل مَن شئت، فقال رسول الله ﷺ : إنه ليغضب عليَّ، لا أجد ما أعطيه، مَن سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا. قال الأسدي: فقلت: لَلَقْحَة خيرٌ من أوقية -قالوا: والأوقية أربعون درهمًا- قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله ﵇ بعد ذلك شعير وزيت، فقسم لنا منه حتى أغنانا الله". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. وطعن ابن حزم في هذا الحديث بقوله: "فيه مَن لم يسم ولا يدري صحة صحبته" باطل ساقط؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث، وقد عرف ذلك عند أهل الحديث. وأخرجه أبو داود (١): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. غير أن في روايته: "إنك لتعطي من شئت". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. قوله: "ببقيع الغرقد" وهو مدفن أهل المدينة، والبقيع: المكان المتسع من الأرض، وقيل: لا يسمى بقيعًا إلا إذا كان فيه شجر أو أصول شجر من ضروب شتى، والغرقد -بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وفي آخره دال
следующие страницы →