وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي الشامي، روى له الجماعة.
وربيعة بن يزيد الدمشقي أبو شعيب الإيادي روى له الجماعة.
وأبو كبشة السلولي الشامي قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال أبو حاتم: لا أعلم أنه يسمى، وروى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
وسهل بن الحنظلية هو سهل بن عمرو، والحنظلية أمه، وقيل: أم أبيه، وقيل أم جده، واسمها أم إياس بنت أبان بن دارم، وكان سهل شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﵇ ما خلا بدرًا.
وأخرجه أبو داود (١) مطولًا: ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، نا مسكين، نا محمَّد بن المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، ثنا سهل بن الحنظلية قال: "قدم على رسول الله ﵇ عيينة بن حِصن والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، فأمر معاوية فكتب لهما بما سألاه، فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي ﵇، فقال: يا محمَّد أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلبس؟! فأخبر معاويةُ بقوله رسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: مَن سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار- وقال النفيلي في موضع آخر: من جمر جهنم- فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه- وقال النفيلي في موضع آخر: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ - قال: قدر ما يغديه ويعشيه- وقال النفيلي في موضع آخر: أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم" انتهى.
واختلف الناس في تأويل قوله: "ما يغديهم أو يعشيهم" فقال بعضهم: مَن وجد غداء يوم وعشائه لم تحل له المسألة؛ على ظاهر الحديث.
قلت: قال أصحابنا: ومَن له قوت يوم فسؤاله حرام، وقال بعضهم: إنما هو فيمن وَجَد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة.
стр. 3852
وقيل: هذا منسوخ بما تقدم من الأحاديث والغداء والعشاء تحرم سؤال اليوم، والأوقية يحرم مقدار ما يسد من المسافر للسائل، ويجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء، ويجوز لصاحب الأوقية والخمسن درهمًا أن يسأل ما يحتاج إليه من الزيادة على ذلك والله أعلم.
وقال ابن حزم في "المحلى": وهذا الحديث لا شيء؛ لأن أبا كبشة السلولي مجهول.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيدبن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سأل وله ما يغنيه جاعت شيئا في وجهه يوم القيامة".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
وأبو عمر: حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، نا محمَّد بن عبد الله الرقاشي، ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن [معدان] (٢) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﵇: "مَن سأل وله ما يغنيه فإنه شين في وجهه يوم القيامة".
قوله: "جاءت شينا" الضمير في "جاءت" يرجع إلى المسألة التي يدل عليها قوله: "مَن سأل"، وانتصاب "شينا" على الحال من الضمير الذي في "جاءت".
والشين: العيب والقبح.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن
стр. 3853
أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "مَن سأل شيئًا وله قيمة أوقية فهو ملحف".
ش: إسناده صحيح، وعبد الله بن يوسف [التنيسي] (١) شيخ البخاري.
وابن أبي الرجال هو عبد الرحمن وثقه أحمد ويحيى القطان وروي له النسائي.
وأبو الرجال -بالجيم- اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري.
وعمار بن غزية بن الحارث الأنصاري المدني، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا قتيبة بن سعيد وهشام بن عمار، قالا: ثنا عبد الرحمن ابن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف".
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا.
قوله: "وله قيمة أوقية" حال، أي: والحال أن له شيئًا قيمته أوقية، وهي أربعون درهمًا.
قوله: "فهو ملحف" مِن أَلْحَفَ في المسألة: إذا بالغ فيها وألحَّ، يقال: أَلَحَّ وألحف من الإلحاح والإلحاف، وقيل: ألحف شمل بالمسألة، ومنه اشتق اللحاف.
стр. 3854
واستدل الحسن وأبو عبيد بهذا الحديث على أن حد الغنى المانع من أخذ الصدقة هو أن يملك أربعين درهمًا.
والجواب عنه: أنه محمول على كراهة السؤال، وأن التعفف أولى.
وقال ابن حزم في "المحلى": عمارة بن غزية ضعيف، وأشار بذلك إلى تضعيف الحديث، وقد قلنا: إن عمارة بن غزية أخرج له مسلم والأربعة واحتجوا به، واستشهد به البخاري.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا محمَّد بن الفضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سأل الناس أموالهم تكثرًا؛ فإنما هو جمرٌ، فليستقلَّ منه أو ليكثر".
ش: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي ثم البغدادي تكلم النسائي فيه لأجل التشيع وروى له في "مناقب علي" ﵁ حديثًا واحدًا، وقال أبو زرعة: صدوق.
ومحمد بن غزوان الكوفي روى له الجماعة.
وعمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، روى له الجماعة.
وأبو زرعة بن عمرو بن جبير البجلي اسمه هرم أو عبد الله أو عبد الرحمن أو عمرو أو جرير، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه مسلم (١): حدثنا أبو كريب وواصل بن عبد الأعلى، قالا: ثنا ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل الناس أموالهم تكثرًا فإنما يسأل جمرًا، فليستقل وليستكثر".
قوله: "تكثرًا" نصب على التعليل، أي: لأجل التكثير.
قوله: "فإنما هو" أي: فإنما سؤاله جمرٌ يوم القيامة.
стр. 3855
قوله: "فليستقل" من الاستقلال من القلة، و"ليكثر" من الإكثار، وهو الأمر من قبيل التهكم والتوبيخ.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: "نزلتُ أنا وأهلي ببقيع الغرقد، فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله ﵇ فسله لنا شيئًا نأكله، وجعلوا يذكرون حاجتهم فذهب إلى رسول الله ﵇ فوجد عنده رجلًا يسأله، ورسول الله ﷺ يقول: لا أجد ما أعطيك، فولى الرجل وهو مغضَب وهو يقول: لعمري إنك لتفضل مَن شئت، فقال رسول الله ﷺ : إنه ليغضب عليَّ، لا أجد ما أعطيه، مَن سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا. قال الأسدي: فقلت: لَلَقْحَة خيرٌ من أوقية -قالوا: والأوقية أربعون درهمًا- قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله ﵇ بعد ذلك شعير وزيت، فقسم لنا منه حتى أغنانا الله".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وطعن ابن حزم في هذا الحديث بقوله: "فيه مَن لم يسم ولا يدري صحة صحبته" باطل ساقط؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث، وقد عرف ذلك عند أهل الحديث.
وأخرجه أبو داود (١): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
غير أن في روايته: "إنك لتعطي من شئت".
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا.
قوله: "ببقيع الغرقد" وهو مدفن أهل المدينة، والبقيع: المكان المتسع من الأرض، وقيل: لا يسمى بقيعًا إلا إذا كان فيه شجر أو أصول شجر من ضروب شتى، والغرقد -بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وفي آخره دال
стр. 3856
مهملة- من شجر العِضَاه، والعِضَاه: شجر له شوك، وقيل: الطلح والسدر، وكان فيه غرقد فذهب وبقي اسمه.
وفي "الموعب": الغرقد شجر له شوك كان ينبت هناك، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للموضع.
وفي "الجامع" (١): للقزاز سمي بذلك لاختلاف ألوان شجره.
وقال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن عثمان بن مظعون ﵁، فسمي بقيع الغرقد لذلك.
وفي "المحكم": وربما قيل له: الغرقد من غير ذكر البقيع.
وقال ياقوت: وبالمدينة أيضًا بقيع الزبير وبقيع الخيل عند دار زيد بن ثابت، وبقيع الخَبْجَبَة -بفتح الخاء المعجمة وباء موحدة ثم جيم مفتوحة وباء أخرى- كذا ذكره السهيلي، وغيره يقول: الجبجبة -بجيمن- وبقيع الخضمات.
وقال أبو حنيفة: الغرقد واحدها غرقدة، وإذا عظمت العَوسجة فهي غرقدة، والعوسج من شجر الشوك، له ثمر أحمر مدور كأنه خرز العقيق.
وقال أبو الجراح الأعرابي: العوسجة ذات الشوك وهي قصيرة ولكنها ربما طالت فهي تعد من العِضَاه، وإذا طالت وعظمت فهي غرقدة.
وقال بعضهم: الغَرقد من نبات القفّ.
وقال أبو العلاء المعري في "الرسالة الإغريضية": هو نَبْت من نبات السَهْل.
وقال أبو زيد الأنصاري في كتاب "الشجر" تأليفه: والغرقد نبت بكل مكان خلا حر الرمل.
стр. 3857
وذكر ابن البيطار في "جامعه" أن الغرقد اسم عربي سَمّى به بعض العرب النوع الأبيض الكبير من العوسج، وفي "الجامع" للقزاز: قال أبو عمر: والغرقد شجر يشبه العوسج وليس به، وعوده أغلظ من عود العوسج، ومضغه مر.
وفي الحديث في ذكر الدجال: "كل شجر يواري يهوديًّا ينطق إلا الغرقد؛ فإنه من شجرهم فلا ينطق".
وقال الأصمعي: الغرقد من شجر الحجاز.
قوله: "وهو مغضب" جملة حالية، ومُغضب -بفتح الضاد- مفعول من الإغضاب.
قوله: "لعمري" بفتح العن، وهو العُمْر -بالضم- ولكن لا يقال في القسم إلا بالفتح، ومعناه: وحق بقائي وحياتي، وكذا معنى قولهم: لعمر الله، أي: أحلف ببقاء الله، و"اللام" فيه للتأكيد.
قوله: "أو عَدْلها" بفتح العين، يريد قيمتها، يُقال: هذا عَدْل الشيء أي: ما يساويه في القيمة، وهذا عِدله -بكسر العين- أي: نظيره ومثله في الصورة والهيئة.
قوله: "لَلَقْحة لنا" "اللام" فيه للتأكيد. اللَّقحة بفتح اللام: الناقة المرية، وهي التي تمرى أي تحلب، وجمعها: لِقَاح، وارتفاعها بالابتداء، وتخصص بالصفة، وخبره قوله: "خيرٌ من أوقية" وقد مر تفسير الأوقية.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "الأيدي ثلاث، فيد الله العُليا، ويد المُعْطي التي تليها، ويد السائل السفلي إلى يوم القيامة، فاستعفف ما استطعت ولا تعجز عن نفسك ولا تُلام على كفافٍ، وإذا آتاك الله خيرًا فلْيُرَ عليك".
ش: أبو بكرة بكار القاضي، ومؤمل هو ابن إسماعيل القرشي.
وسفيان هو الثوري، وإبراهيم هو ابن مسلم الهجري، ضعفه ابن معين والنسائي، وقال ابن عدي: إنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبي الأحوص عن عبد الله، وعامتها مستقيمة. وقال الأزدي: هو صدوق لكنه رفَّاع كثير الوهم.
стр. 3858
وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك الأشجعي الكوفي، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث علي بن عاصم، أنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵇: "الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها ويد السائل أسفل إلى يوم القيامة فاسْتَعِفُّوا من السؤال ما استطعتم ومَن أعطاه الله خيرًا فليُرَ عليه، وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلام على كفافٍ، ولا تعجز عن نفسك".
ثم قال البيهقي: تابعه إبراهيم بن طهمان، عن الهجري مرفوعًا، ورواه جعفر بن عون، عن الهجري فوقفه.
وأخرج أبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل، نا عبيدة بن حميد التيمي، حدثني أبو الزعراء، عن أبي الأحوص، عن أبيه مالك بن نضلة قال: قال رسول الله ﷺ : "الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى، فأعطه الفضل ولا تعجز عن نفسك".
قوله: "الأيدي ثلاث" كذا في رواية الطحاوي بدون التاء وهو الأظهر.
قوله: "فيد الله العليا" المراد بها قدرته الباهرة الباسطة، والمراد من يد المعطي هو يد المتصدق، وقد جعل فيه اليد العليا لله تعالى، ثم للمعطي وهي يد المنفق، ويؤيد هذا ما قاله الجمهور من أن اليد العليا هي المنفقة، وكذا وقع في "صحيحي" (٣) البخاري ومسلم: "اليد العليا المنفقة".
وقال الخطابي: اليد العليا هي المتعففة. وقال غيره: اليد العليا: الآخذة، والسفلى: المانعة. حكاه القاضي.
стр. 3859
قلت: هو قول المتصوفة، ذهبوا إلى أن اليد العليا هي الآخذة لأنها نائبة عن يد الله تعالى.
وحديث ابن مسعود صريح في الرد عليهم.
فإن قيل: ما معنى علوّ يد المعطي؟
قلت: معناه علوّ الفضل والمجد ونيل الثواب.
قوله: "ولا تعجز عن نفسك" وصية بترك العجز والكسل في الصدقة، ووصية أيضًا بترك العجز في الاكتساب حتى لا تضطر إلى السؤال؛ لأن ترك السؤال والتعفف خير من السؤال مع القدرة على الاكتساب.
قوله: "ولا يلام على كفاف" إشارة إلى أنه إذا كان به حاجة وفقر فإنه يَسأل قدر كفايته، ولا يلام على ذلك لكونه مضرورًا فيه وإنما يلام إذا سأل زيادةً للتكثر.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكانت المسألة التي أباحها رسول الله ﵇ في هذه الآثار كلها هي للفقر لا لغيره، وكان تصحيح هذه الآثار عندنا يوجب أن مَنْ قصد إليه النبي ﵇ بقوله: "لا تحل الصدقة لذي مرة سوي" هو مَنْ استثناه من ذلك في حديث وهب بن خَنْبَش، بقوله: "إلا من فقر مدقع أو غرم مفظع"، وأنه الذي يريد بمسألته أن يكثر ماله ويستغني بمال الصدقة حتى تصحَّح هذه الآثار وتتفق معانيها ولا تتضاد، وهذا المعنى الذي حملنا عليه وجوه هذه الآثار هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن العلة في إباحة السؤال هي الفقر والحاجة لا غير، وإنما يحرم إذا كان للتكثر والاستغناء بمال الصدقة.
وهذا هو وجه تصحيح معاني الأحاديث المذكورة، وإن لم يحمل معناها على ما ذكرنا يلزم التضاد بين معانيها والاختلاف، فلذلك قلنا: إن قوله ﵇: "لا تحل الصدقة لذي مرَّة سويّ" الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور في أول الباب؛ محمول على ما إذا سأل تكثرًا، وهو غير من استثناه ﵇ بقوله: "إلا من فقر
стр. 3860
مدقع أو غرم مقطع" الذي رواه وهب بن خَنْبَش وبهذا التوفيق تتفق معاني الأحاديث المذكورة ويرتفع الخلاف.
ثم اعلم أنه صرَّح أن وهبًا الذي أخرج عنه فيما مضى هو ابن خَنْبَش، وقد ذكرنا الاختلاف فيه، والله أعلم.
ص: فإن سأل سائل عن معنى حديث عمر ﵁ المروي عنه عن رسول الله ﵇ في نحوٍ من هذا، وهو ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب، عن الزهري، قال: ثنا السائب بن يزيد، أن حويطب بن عبد العزى أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره: "أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا، فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقال: نعم. فقال عمر ﵁: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إن لي أفراشا وأعبدًا وأنا أتَّجر، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين. فقال عمر ﵁: فلا تفعل، فإني قد كنت أردت، الذي أردت فقد كان النبي ﵇ يعطيني العطاء فأقول: إعطه مَن هو إليه أفقر مني، حتى أعطاني مرةً مالًا فقلت له ذلك، فقال النبي ﵇: خذه فتموله فما جاءك من هذا وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك".
ففي هذا تحريم المسألة أيضًا.
قيل له: ليس هذا على أموال الصدقات، إنما هذا على الأموال التي يقسمها على الناس فيقسمها على أغنيائهم وفقرائهم كما فرض عمر ﵁ لأصحاب رسول الله ﵇ حين دوَّن الدواوين، ففرض للاغنياء منهم وللفقراء، وكانت تلك الأموال التي يعطاها الناس لا من جهة الفقر ولكن لحقوقهم فيها، فكره رسول الله ﵇ لعمر ﵁ حسن أعطاه الذي كان أعطاه منها قوله: "أعطه مَن هو أفقر إليه مني" أي: إني لم أعطك ذلك لأنك فقير إنما أعطيتك ذلك لمعنى آخر غير الفقر، ثم قال له: "خذه فتموله". فدل ذلك أيضًا أنه ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقير لا ينبغي له أن يأخذ من
стр. 3861
الصدقات ما يتخله مالًا، كان ذلك عن مسألة منه أو غير مسألة، ثم قال: "فما جاءك من هذا المال، الذي هذا حكمه "وأنت غير مشرف" أي: تأخذه لغير إشراف، والإشراف: أن تريد به ما قد نهيتَ عنه، وقد يحتمل قوله: "ولا سرف" أي: ولا تأخذ من الأموال أكثر مما يجب لك فيها، فيكون ذلك سرفًا فيها، "ولا سائل". أي: سائلًا منها ما لا يجب لك.
فهذا أوجه هذا الباب عندنا، والله أعلم.
فأما ما جاء في أموال الصدقات فقد أتينا بمعاني ذلك فيما تقدم من هذا الباب.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إن رسول الله ﷺ قد أباح السؤال في الأحاديث المذكورة إذا كان للفقر، وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ تحريم السؤال، فهذا ينافي ما ذكرتم.
وتقرير الجواب أن يقال: إن قوله: "ولا سائل" ليس على أموال الصدقات، وإنما هو على الأموال التي كان الناس يعطونها لا لأجل الفقر وإنما هو لأجل حقوقهم فيها من الأموال التي كانت تقسم على أغنيائهم وفقرائهم، كما كان عمر ﵁ قد فرض لأصحاب رسول الله ﵇ حين دوَّن الدواوين، وكان قد فرض للأغنياء والفقراء، ولم يخص فقراء دون الأغنياء، فافهم.
ثم إسناد الحديث المذكور صحيح، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع شيخ البخاري، وشعيب هو ابن أبي حمزة دينار الحمصي، روى له الجماعة، والزهري هو محمَّد بن مسلم، روى له الجماعة.
وفيه اجتمعت أربعة من الصحابة وهو أحد الأحاديث التي جاءت كذلك:
الأول: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن عبد الله الكندي ويقال: الأسدي، له ولأبيه صحبة.
الثاني: حويطب بن عبد العزي بن أبي قيس العامري، وهو من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم.
стр. 3862
الثالث: عبد الله بن السعدي واسمه عمرو، وقيل: قدامة؛ وقيل له: السعدي لأنه كان مسترضعًا في بني سعد، ويقال: ابن الساعدي، وله صحبة.
وقد وقع في مسلم من رواية قتيبة قال (١): عن ابن الساعدي المالكي.
وقال النووي: قوله: "المالكي" صحيح، منسوب إلى مالك بن حسل بن عامر.
وأما قوله: "الساعدي" فأنكروه عليه وقالوا: صوابه السعدي كما رواه الجمهور، منسوب إلى سعد بن بكر.
وقال المنذري: لم يكن سعديًّا وإنما قيل لأبيه: السعدي لأنه كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر.
وأما الساعدي فنسبة إلى بني ساعدة من الأنصار من الخزرج، لا وجه له ها هنا إلا أن يكون له نزول أو حلفٌ أو خؤلة أو غير ذلك.
الرابع: عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني السائب بن يزيد ابن أخت نمر، أن حويطب بن عبد العزي أخبره، أن عبد الله بن السعدي أخبره: "أنه قدم على عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، فقال له عمر ﵁ ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس ... ". إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (١) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) بأسانيد وألفاظ مختلفة، فقال مسلم (١): ثنا هارون بن [معروف] (٦) قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال:
стр. 3863
وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "قد كان رسول الله ﵇ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرةً مالًا. فقلت: أعطه أفقر إليه مني. فقال رسول الله ﵇: خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك".
وحدثني أبو الطاهر (١) قال: أنا ابن وهب، قال عمرو: حدثني ابن شهاب بمثل ذلك عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﵇.
وقال أبو داود (٢): نا أبو الوليد الطيالسي، نا ليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي قال: "استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه، أمر لي بعمالة، فقلت: [إنما عملت لله، وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت؛ فإني قد عملت على عهد رسول الله ﷺ ، فعملني، فقلت] (٣) مثل قولك، فقال لي رسول الله ﵇: إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأله فكل وتصدق".
قوله: "ألم أُحدَّث" على صيغة المجهول أي: لم أُخْبَر.
قوله: "العُمَالة" بضم العين هو المال الذي يُعطاه العامل على عمله.
قوله: "وأنت غير مشرف" جملة اسمية وقعت حالًا من الإشراف -بالشين المعجمة- يقال: أشرفت على الشيء: علوته، وأشرفت عليه: اطلعت عليه من فوق.
стр. 3864
أراد: ما جاءك منه وأنت غير متطلع إليه، ولا طامع فيه، ولا سائل منه، فخذه ولا ترده لأنه خير ساقه الله إليك من غير سؤال ولا تعب.
قوله: "وما لا فلا تتبعه نفسك" أي: فلا تعلقها بطلبه واتباعه.
قوله: "ولا سرف" بالسين المهملة اسم من الإسراف الذي هو بمعنى التبذير.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه استحباب قبول المال الذي يجيء من غير سؤال.
قال النووي: اختلف العلماء فيمن جاءه مال من غير سؤال هل يجب قبوله أم يُندب؟ على ثلاثة مذاهب حكاها ابن جرير الطبري وآخرون.
الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه مستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان فحرمها قوم وأباحها قوم وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في السلطان حرمت، وكذا إن أعطي ما لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ.
وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره.
وقال غيره: اختلف العلماء فيما أمر به النبي ﵇ عمر من ذلك بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقيل: هو أمر ندب من النبي ﵇ لكل من أعطي عطية، كانت من سلطان أو من عاميّ، صالحًا كان أو فاسقًا، بعد أن يكون ممن تجوز عطيته، حكى ذلك غير واحد، وقيل: ذلك من النبي ﵇ ندب إلي قبول عطية غير السلطان، فبعضهم منعها وبعضهم كرهها.
وقال آخرون: ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره، ورجح بعضهم الأول؛ لأن النبي ﵇ لم يخصص وجهًا من الوجوه.
الثانى: فيه فضيلة عمر ﵁ وزهده وقلة حرصه على الدنيا والتكثر منها، وإيثار غيره على نفسه.
стр. 3865
الثالث: فيه دليل على جواز أخذ الأجرة على أعمال المسلمين وولاياتهم الدينية والدنيوية من الإمارة والصدقات والقضاء والحسبة وغيرها.
الرابع: فيه دليل على جواز إعطاء الإِمام مَنْ غَيْرُه أفقر منه؛ لوجه رآه من المصلحة. قاله المهلب، والله أعلم.
стр. 3866
ص: باب: المرأة هل يجوز لها أن تعطي زوجها من زكاة مالها أم لا ؟
ش: أي: هذا باب في بيان أن المرأة إذا دفعت زكاة مالها لزوجها الفقير هل يجوز ذلك أم لا يجوز؟
ص: حدثنا فهد، ثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله.
قال: فذكرته لإبراهيم، فحدثني إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله مثله سواء.
قالت: "كنت في المسجد فرآني رسول الله ﵇ في المسجد فقال: تصدقن ولو من حليكن، وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها. قال: فقالت لعبد الله: سَلْ رسول الله ﵇، أيجزئ عني إن أنفقت عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ قال: سلي كنت رسول الله ﵇. فانطلقت إلى رسول الله ﵇ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها.
مثل حاجتي فمر علينا بلال فقلت: سل لنا رسول الله ﵇ هل يجزئ عني أن أتصدق على زوجي أو أيتام في حجري من الصدقة؟ وقلنا: لا تخبر بنا.
قال: فدخل فسأله فقال: مَن هما؟ قال: زينب. قال: أي الزنايب هي؟ قال: امرأة عبد الله. قال: نعم يكون لها أجر القرابة وأجر الصدقة".
ش: عمر بن حفص شيخ البخاري ومسلم.
وأبوه حفص بق غياث بن طلق النخعي قاضي الكوفة، أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة.
والأعمش هو سليمان بن مهران، روى له الجماعة.
وشقيق هو ابن سلمة، روى له الجماعة.
стр. 3867
وعمرو بن الحارث بن المصطلق، قال الترمذي: عمرو بن الحارث بن المصطلق ابن أخي زينب امرأة عبد الله قال: وقال أبو معاوية في حديثه: عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب وهو وهم، والصحيح إنما هو عمرو بن الحارث ابن أخي زينب.
وقال ابن القطان: رواه حفص بن غياث في رواية وعبد الله بن هشام بن حسان العبدي فقالا: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو، عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله، عن زينب. ثم قال: وقول الترمذي فيه عندي نظر؛ لأن عمرو بن الحارث خزاعيّ، وزينب امرأة عبد الله ثقفية، فلا يتجه أن يكون ابن أخيها إلا لأم وشيء من ذلك لم يتحقق، وتوهم حافظ في زيادة زادها لا معنى له إلا لَوْصرَّح الناس بمخالفته، وهم لم يصرحوا وإنما سكتوا عن شيء جاء به هو، وذكر الإسماعيلي أن رواية إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن زينب، تصحح رواية من لم يُدخل بين عمرو بن الحارث وزينب ابن أخيها.
قلت: هذا يقوي ما قاله الترمذي، فافهم.
وزينب امرأة عبد الله بن مسعود يقال: إن اسمها رائطة، وقيل: ريطة بنت عبد الله بن معاوية الثقفية، وقيل: إن رائطة لقب لها.
قوله: "قال: فذكرته لإبراهيم" أي: قال الأعمش: فذكرت الحديث لإبراهيم ابن يزيد النخعي "فحدثني إبراهيم، عن أبي عبيدة" بضم العين، وهو عامر بن عبد الله بن مسعود.
والحديث أخرجه البخاري (١): ثنا عمر بن حفص، ثنا أبي، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا حسن بن الربيع، قال: ثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال
стр. 3868
رسول الله ﵇: "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن. قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك لرجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﵇ قد أمرنا بالصدقة، فائته فسَلْهُ، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفته إلى غيركم.
قالت: فقال لي عبد الله: بل ائته أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﵇ حاجتى حاجتها. قالت: وكان رسول الله ﵇ قد ألقيت عليه المهابة. قالت: فخرج علينا بلال ﵁ فقلنا له: أثبت رسول الله فأخبره أن امرأتين على الباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله ﵇ فأخبره أن امرأتين بالباب، فقال: مَن هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﵇: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله ﵇: لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة".
وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) مختصرًا.
قوله: "ولو مِن حُلِيِّكُنَّ" أي: ولو كانت الصدقة من حُليِّكن، الحُلِّي -بضم الحاء وكسر وتشديد اللام- جمع حَلْي -بفتح الحاء وسكون اللام- وهو كل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، وأما الحلية فتجمع على حِلًى -بكسر الحاء وفتح اللام المخففة نحو لحية ولحًى، وربما ضُمَّ- وتطلق الحلية على الصفة أيضًا.
قوله: "في حَجْرها" بفتح الحاء، من حَجْر الثوب وهو طرفه المقدم؛ لأن الإنسان يربي ولده في حَجْره، والوليّ كذلك؛ لأنه يقوم بأمره في حجره. قال الجوهري: حجر الإنسان وحجره -بالفتح والكسر- والجمع الحجور.
قوله: "أتجزى عني" الهمزة فيه للاستفهام. أي: أيكفي عني ويغني عني الإنفاق عليك وعلى الأيتام من الصدقة؟
стр. 3869
قوله: "فوجدت امرأةً من الأنصار" وهي أيضًا اسمها زينب امرأة أبي مسعود الأنصاري.
واستفيد منه أحكام:
الأول: استدلت به جماعة على جواز دفع المرأة زكاتها لزوجها الفقير، وسيجيء الكلام فيه مستقصى إن شاء الله.
الثاني: استدل به أصحابنا على وجوب الزكاة في الحليّ، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وابن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد والزهري.
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس.
وروي عن جابر بن عبد الله وعائشة وابن عمر في رواية أنهم لم يروا فيه الزكاة.
وإليه ذهب القاسم بن محمَّد والشعبي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال الخطابي: الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومَن أسقطها ذهب إلى النظر ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها.
الثالث: استدل به أبو يوسف: أن مَن عَال يتيما فجعل يكسوه ويطعمه وينوي به عن زكاة ماله يجوز، وقال محمَّد: ما كان من كسوة يجوز، وفي الطعام لا يجوز إلا ما دفع إليه. وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن مراد أبي يوسف ليس هو الطعام على طريق الإباحة بل على وجه التمليك.
ثم إن كان اليتيم عاقلًا يدفع إليه، وإن لم يكن عاقلًا يقبض منه بطريق النيابة، ثم يطعمه ويكسوه؛ لأن قبض الولي كقبض الصبي لو كان عاقلًا.
الرابع: فيه دليل على أن لا يمنع النساء من دخول المساجد.
الخامس: فيه أن الإِمام يأمر النساء أيضًا بإعطاء زكاتهن وصدقاتهن، كما يأمر بذلك للرجال.
стр. 3870
السادس: فيه أن النساء يجب عليهن السؤال عن أمور دينهن.
السابع: فيه أن الزوج يباح له أن يأذن لامرأته بالذهاب إلى أهل العلم لأجل الاستفتاء إن لم يَقُم هو به.
الثامن: فيه جواز إتيان النساء إلى أبواب العلماء لتعلم أمور الدين والاستفتاء فيها.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلي أن المرأة جائز لها أن تعطي زوجها من الزكاة مالها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد في رواية، وأبا ثور وأبا عبيد وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها الفقير، واحتجوا في ذلك بحديث زينب المذكور وإليه ذهب أشهب من المالكية وأهل الظاهر.
وأجمعوا أنه لا يجوز للزوج أن يدفع زكاته إلى زوجته. وهذا لا خلاف فيه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، منهم أبو حنيفة. وقالوا: لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاة مالها كما لا يجوز له أن يعطيها من زكاة ماله.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن والثوري وأبا حنيفة ومالكًا وأحمد في رواية، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة.
ويروي ذلك عن عمر ﵁؛ وذلك لكمال الاختلاط بين الزوجين فتنتفع بدفعها إليه؛ لأن مال كل واحد منها يعد مالًا للآخر.
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في حديث زينب الذي احتجوا به عليهم: أن تلك الصدقة التي حضَّ عليها رسول الله ﵇ في ذلك الحديث إنما كانت من غير الزكاة، وقد بيَّن ذلك ما قد حدثنا يونس قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: أنا الليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن رائطة
стр. 3871
بنت عبد الله امرأة عبد الله بن مسعود وكانت امرأةً صنعًا وليس لعبد الله بن مسعود مال، وكانت تنفق عليه وعلى ولده منها، فقالت: لقد شغلتني والله أنت وولدك عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق معكم بشيء. فقال: ما أحب إن لم يكن لك في ذلك أجر إن تفعلي، فسألت رسول الله ﵇ هي وهو، فقالت: يا رسول الله إن امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس لولدي ولا لزوجي شيء، فشغلوني فلا أتصدق، فهل لي فيهم أجرٌ؟ فقال: لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم، فأنفقي عليهم.
ففي هذا الحديث أن تلك الصدقة مما لم تكن فيه زكاة، ورائطة هذه هي زينب امرأة عبد الله لا نعلم أن عبد الله كانت له امرأة غيرها في زمن رسول الله ﵇، والدليل على أن تلك الصدقة كانت تطوعًا كما ذكرنا قولها؛ كنت امرأة صنعًا أصنع بيدي فأبيع من ذلك فأنفق على عبد الله" فكان قول رسول الله ﵇ الذي في هذا الحديث وفي الحديث الأول جوابًا لسؤالها هذا، وفي حديث رائطة هذا: "كنت أنفق من ذلك على عبد الله وعلى ولده مني"، وقد أجمعوا أنه لا يجوز للمرأة أن تنفق على ولدها من زكاتها، فلما كان ما أنفقت على ولدها ليس من الزكاة فكذلك ما أنفقت على زوجها ليس هو أيضًا من الزكاة.
ش: أي: وكان من الحجة والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى، وأراد بذلك الجواب عن حديث زينب الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.
بيان ذلك: أن المراد من الصدقة التي حضَّ عليها رسول الله ﵇ في حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ هو صدقة التطوع لا الفرض.
والدليل عليه حديث عبيد الله بن عبد الله عن رائطة بنت عبد الله وهي زينب المذكورة امرأة عبد الله بن مسعود فإنها قالت فيه: "كنت أُنفق من ذلك على عبد الله وعل ولده مني " وقد أجمع الخصوم كلهم أنه لا يجوز للمرأة أن تنفق على ولدها من الزكاة، فإذا كان ما أنفقت على ولدها ليس من الزكاة فكذلك لا يكون ما أنفقت على زوجها من الزكاة، فحينئذٍ لا يستقيم استدلالهم بالحديث المذكور لما ذهبوا إليه.
стр. 3872
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الصدقة التطوع في حق ولدها وصدقة الفرض في حق زوجها عبد الله؟
قلت: لا مساغ لذلك؛ لاجتماع الحقيقة والمجاز حينئذٍ، وهذا لا يجوز.
ثم إسناد حديث عبيد الله بن عبد الله صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، أنه أخبره عبد الله بن عبيد الله، عن رَيْطة بنت عبد الله امرأة عبد الله بن مسعود وأم ولده قالت: "والله لقد أنت وولدك عن الصدقة فما استطيع أن أتصدق معكم. قال: فما أحب إن لم يكن لك في ذلك أجرٌ أن تفعلي فسألت رسول الله ﵇ هي وهو فقالت: يا رسول الله إني امرأة ذات صنعة أبيع منها، وليس لي ولا لولدي ولا لزوجي شيء، فشغلوني فلا أتصدق، فهل لي في ذلك أجر؟ فقال: لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم، فأنفقي عليهم" انتهى.
قوله: "صَنَعاء" بفتح الصاد والنون وهي التي تعمل بيديها.
قوله: "أن تفعلي" بفتح همزة "أن" وهي مصدرية في محل النصب؛ لأنه مفعول لقوله: "ما أحب" أي: ما أحب فعلك إن لم يكن لك أجر، وأراد به فعل الصدقة عليه وعلى ولده منها.
قوله: "هي وهو". إنما ذكر هي ليصح عطف هو على ما قبله؛ لأن الضمير المتصل لا يُعطف عليه إلا بإعادة الضمير المنفصل؛ وذلك لئلا يكون عطف الاسم على الفعل.
قوله: "ورائطة هذه هي زينب ... إلى آخر" جواب عما يقال: إن الحديثين في قضيتي امرأتين؛ لأن المذكورة في الحديث الأول هي زينب، وفي هذا الحديث هي رائطة. فأجاب عنه بأن رائطة هي زينب المذكورة في ذاك الحديث، وقد
стр. 3873
قلنا: إن رائطة أو ريطة لقب لزينب المذكورة، فمن أدعى أنهما امرأتان ولهما قضيتان فعليه البيان.
ص: وقد روي أيضًا عن أبي هريرة عن رسول الله ﵇ ما يدل على أن تلك الصدقة التي أباح لها رسول الله ﵇ إنفاقها على زوجها كانت من غير الزكاة.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن عمر بن نُبيه الكعبي، عن المقبري، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ انصرف من الصبح يومًا فأتي على النساء في المسجد فقال: يا معشر النساء ما رأيت من ناقصات عقول ودين أذهب بعقول ذوي الألباب منكن، وإني قد رأيت أنكن أكثر أهل النار يوم القيامة فتقربن إلى الله بما استطعتن، وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود فانقلبت إلى عبد الله بن مسعود فأخبرته بما سمعت من رسول الله ﵇ وأخذت حليًّا لها، فقال ابن مسعود ﵁: أين تذهبين بهذا الحلي فقالت: أتقرب إلى الله وإلى رسوله لعل الله لا يجعلني من أهل النار، قال: هلمي ويلك، تصدقي به عليَّ وعلى ولدي، فقالت: لا والله حتى أذهب إلى رسول الله ﵇، فذهبت تستأذن على رسول الله ﵇، فقالوا: يا رسول الله هذه زينب تستأذن، فقال: أي الزيانب هي؟ قالوا: امراة عبد الله بن مسعود، فدخلت على النبي ﵇ فقالت: إني سمعت منك مقالة فرجعت إلى ابن مسعود فحدثته فأخذت حلي أتقرب به إلى الله وإليك رجاء أن لا يجعلني في النار، فقال ابن مسعود: تصدقي به عليَّ وعلى بنيَّ فإنا له موضع. فقلت: حتى استأذن رسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: تصدقي به عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع".
حدثنا الحسين بن الحكم الحِبَرِي، قال: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 3874
قال أبو جعفر ﵀: فبيَّن أبو هريرة في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما أراد بقوله: "تصدقن" الصدقة التطوع التي تكفر الذنوب، وفي حديثه قال: "فجاءت بحلي لها إلى رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله خذ هذا أتقرب به إلى الله وإلى رسوله، فقال لها رسول الله ﵇: تصدقي به على عبد الله وعلى بنيه فإنهم له موضع"، فكان ذلك على الصدقة بكل الحلي، وذلك من التطوع لا من الزكاة؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة بكل المال، وإنما توجب الصدقة بجزء منه.
فهذا أيضًا دليل على فساد تأويل أبي يوسف ومَن ذهب إلى قوله للحديث الأول، فقد بطل بما ذكرنا أن يكون في حديث زينب ما يدل على أن المرأة تعطي زوجها من زكاة مالها إذا كان فقيرًا.
ش: دلالة حديث أبي هريرة على أن تلك الصدقة المذكورة في حديث زينب المذكور أولًا ليست صدقة الفرض ظاهرة قد أوضحها الطحاوي جدًّا فلا حاجة إلى مزيد البيان.
وإسناده صحيح من الطريقين اللذين:
أحدهما: عن فهد بن سليمان، عن عليَّ بن معبد بن شداد العبدي وثقه أبو حاتم، عن إسماعيل بن أبي كثير وهو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن عمر بن نُبَيْه -بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره هاء- الكعبي الخزاعي روي له مسلم.
عن أبي سعيد المقبري -روى له الجماعة- عن أبي هريرة ﵁.
والآخر: عن الحسين بن الحكم بن مسلم الحِبَري -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة- نسبة إلى بيع الحِبَر جمع حِبَرة كعِنَب وعِنَبَة، وهي بُرْد يماني.
عن عاصم بن علي بن عاصم الواسطي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري -عن عمرو بن أبي عمر- واسم أبي عمرو ميسرة-
стр. 3875
مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب القرشي المخزومي المدني روى له الجماعة، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سليمان، أنا إسماعيل، أخبرني عمرو -يعني ابن أبي عمرو- عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁: "أن النبي ﵇ انصرف من الصبح ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي غير أن في لفظه: "من نواقص عقول ودين أذهب بقلوب ذوي الألباب"، وفي آخره: "ثم قالت: يا رسول الله أرأيت ما سمعت منك حين وقَفْتَ علينا: ما رأيت نواقص عقول قط ولا دين أذهب بقولب ذوي الألباب منكن. قالت: يا رسول الله فما نقصان ديننا وعقلنا؟ فقال: أما ما ذكرت من نقصان دينكن فالحيضة التي تصيبكن تمكث إحداكن ما شاء الله أن تمكث لا تصوم ولا تصلي فذلك من نقصان دينكن، وأما ما ذكرت من نقصان عقولكن فشهادتكن، إنما شهادة المرأة نصف شهادة".
قوله: "يا معشر النساء" يعني: يا جماعة النساء، ويجمع على معاشر.
قوله: "ذوي الألباب" أي: أصحاب العقول والألباب جمع لُبٍّ -بضم اللام وتشديد الباء- وهو العقل، يقال: لبَّ يَلُبُّ -مثل عضَّ يَعُضُّ- أي: صار لبيبًا، هذه لغة الحجاز، وأهل نجد يقولون: لَبَّ يَلِبُّ بوزن فَرَّ يَفِرُّ، ويقال: لَبِبَ الرجل -بالكسر- يَلِبُّ أي صار ذا لب، وحكي لَبُبَ -بالضم -وهو نادر لا نظير له في المضاعف.
ثم اعلم أن النساء إذا كن أذهب الخلق بقلوب ذوي العقول فما ظنك حالهن بقلوب ذوي التغفل والبله.
قوله: "وأخذت حليًّا لها" بفتح الحاء وسكون اللام، وقد ذكرنا أنه اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الذهب والفضة، ويجمع على حُلي -بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء-.
стр. 3876
قوله: "ويلك هلمي" (١) كلمة ويل تقال عند الدعاء بالعذاب والهلاك كما أن كلمة "ويح" تقال عند الدعاء بالترحم والشفقة، ومعنى هلمي: هاتي، وهو من أسماء الأفعال وقد مرَّ الكلام فيه مرة.
قوله: "فإنا له موضع" أراد أنه وأولاده هم أحق بتلك الصدقة من الأجانب لاحتياجهم وفقرهم، والأقربون أولي بالمعروف.
قوله: "رجاء أن لا يجعلني" انتصاب رجاء على التعليل أي: لأجل رجاء من الله أن لا يجعلني من أهل النار ببركة تلك الصدقة.
قوله: "أرأيت" أي: أخبرني.
ص: وإنما نلتمس حكم ذلك بعد من طريق النظر وشواهد الأصول، فاعتبرنا ذلك فوجدنا المرأة باتفاقهم لا يُعطيها زوجها من زكاة ماله وإن كانت فقيرة ولم تكن في ذلك كغيرها؛ لأنا رأينا الأخت يعطيها أخوها من زكاته إذا كانت فقيرة، وإن كان على أخيها أن ينفق عليها ولم تخرج بذلك من حكم من يعطى من الزكاة فثبت بذلك أن الذي يمنع الزوج من إعطاء زوجته من زكاة ماله ليس هو وجوب النفقة عليه، ولكنه السبب الذي بينه وبينها، فصار ذلك كالسبب الذي بينه وبين والديه في منع ذلك إياه من إعطائهما من الزكاة، فلما ثبت بما ذكرنا أن سبب المرأة الذي منع زوجها أن يعطيها من زكاة ماله وإن كانت فقيرة، هو كالسبب الذي بينه وبين والديه الذي يمنعه من إعطائهما من زكاته وإن كانا فقيرين.
ورأينا الوالدين لا يعطيانه أيضًا من زكاتهما إذا كان فقيرًا، فكان الذي بينه وبين والديه من السبب يمنعه من إعطائهما من الزكاة، ويمنعهما من إعطائه من الزكاة.
فكذلك السبب الذي بين الزوج والمرأة لما كان يمنعه من إعطائها من الزكاة كان أيضًا يمنعها من إعطائه من الزكاة، وقد رأينا هذا السبب بين الزوج والمرأة يمنع من قبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه، فجعلا في ذلك كذوي الرحم المحرم الذي لا
стр. 3877
تجوز شهادة كل واحد منهما لصاحبه ورأينا أيضًا كل واحد منهما لا يرجع فيما وهب لصاحبه في قول مَن يجيز الرجوع في الهبة فيما بين الغريبين، فلما كان الزوجان فيما ذكرنا قد جعلا كذوي الرحم المحرم فيما منع فيه من قبول الشهادة ومن الرجوع في الهبة، كانا في النظر أيضًا في إعطاء كل واحد منهما صاحبه من الزكاة كذلك.
فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة ﵁.
ش: أي: وإنما نطلب حكم دفع المرأة زكاتها إلى زوجها بعد أن علم حكمه بالآثار من طريق النظر والقياس.
والحاصل: أن القياس وشواهد الأصول أيضًا دلت على عدم جواز إعطاء المرأة زكاتها لزوجها، وبيَّن وجه ذلك بما هو ظاهر لا يحتاج إلى زيادة البيان.
وأشار أن السبب في عدم جواز ذلك ليس وجوب النفقة لها عليه، إذ لو كان هو السبب في ذلك لكان دفع الرجل زكاته إلى أخته الفقيرة غير جائز لوجوب نفقتها عليه، بل السبب في ذلك هو اتصال منافع الأملاك بينهما، ألا ترى أن كل واحد منهما ينتفع بمال صاحبه كما ينتفع بمال نفسه عرفًا وعادة؟! فحينئذٍ لا يتكامل معنى التمليك الذي هو شرط في الزكاة، والدليل على ذلك عدم قبول شهادة أحدهما للآخر، فهذا السبب ها هنا كالسبب الذي بين الأبوبين وأولادهما في منع جواز أداء زكاة كل منهم إلى الآخر، ومنع قبول الشهادة من كل منهم للآخر.
قوله: "وقد رأينا هذا السبب" أشار به إلى السبب المذكور، وهو اتصال منافع الأملاك.
قوله: "ورأينا أيضًا كل واحد منهما" أي من الزوجين "لا يرجع فيما وهب لصاحبه في قول من يجيز الرجوع في الهبة" وهو قول أبي حنيفة وأصحابه "فيما بين الغريبين" أي: الأجنبيين؛ لأن عندهم أن الواهب لأجنبي يجوز له الرجوع في هبته ما داما باقيين والعين باقية، ومع هذا لم يجوزوا الرجوع فيها من أحد الزوجين على الآخر مع كونهما أجنبين، ولكن لما ذكرنا من السبب سمع ذلك فصارا كالقريبين -بالقاف- اللذين لا يجزئ الرجوع بينهما في الهبة، فافهم.
стр. 3878
ص: باب: الخيل السائمة هل فيها صدقة أم لا ؟
ش: أي: هذا باب في بيان أن الخيل السائمة هل تجب فيها الزكاة أم لا؟
الخيل اسم جنس يتناول سائر الأصناف من هذا الحيوان الصاهل، واشتقاقه من الخيلاء، كما أن الفرس اشتقاقه من الفَرْس وهو الكسر.
قال الجوهري: الفرس يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى: فرسة.
والسائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو أكثر فليست بسائمة؛ لأن أربابها لا بد لهم من العلف أيام الثلج والشتاء، فاعتبر الأكثر ليكون غالبًا.
وعند الشافعي: إذا علفها ثلاثة أيام ينقطع السوم، وعند مالك: لا يشترط السوم في المواشي.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ ذكر الخيل فقال: في لثلاثة: لرجل أجرٌ، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملًا ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها ... ".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا، حدثه عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله، غير أنه قال: "ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها" فقط.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 3879
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن معلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري والكجي، عن عبد العزيز بن المختار الأنصاري الدباغ البصري روى له الجماعة، عن سهيل بن أبي صالح روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره، عن أبيه أبي صاح ذكوان الزيات روى له الجماعة، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه مسلم (١) مطولًا: عن محمَّد بن عبد الملك الأموي، عن عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه ... " الحديث.
وفيه: "وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملًا ولا يَنْسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها".
وأخرجه البزار أيضًا مطولًا جدًّا: ثنا أحمد بن أبان، نا عبد العزيز بن محمَّد، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به وبماله فأحمي عليه صفائح في نار جهنم فتكوى بها جبهته وجبينه وظهره حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار [ولا عبد لا يؤدي صدقة إبله إلا جيء به وبإبله على أوفر ما كانت فيبطح بقاع قرقرٍ فتسير عليه كلما مضى أخراها رُدَّ أولاها حتى يحكم الله تعالى بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار] (٢) ولا عبد لا يؤدي صدقة غنمه إلا أُتي به وبغنمه على أوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقرٍ فتسير عليه كلما مضى عنه آخرها رُدَّ عليه أولاها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، حتى يحكم الله ﵎ بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.
стр. 3880
قالوا: يا رسول الله والخيل؟ قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلي يوم القيامة.
والخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر.
أما التي هي له أجر فالذي يتخذها في سبيل الله ويعدها له هي له أجر لا يغيب في بطونها شيء إلا كتب له به أجر، ولو عرض له مرج أو مَرْجان فرعاها فيه كتب له بما غيبت، ولو استنَّت شرفًا أو شرفين كتب له بكل خطوة أجر، ولو عرض له نهر فسقاها كانت له بكل قطرة غُيبت في بطونها منه أجر، حتى إنه ذكر الأجر في أرواثها وأبوالها.
وأما التي هي ستر فالذي يتخذها تعففًا وتجملا وتسترًا ولا يحبس حق ظهورها وبطونها في يسرها وعسرها.
وأما التي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرًا وبطرًا ورئاء الناس ويبذخ عليها.
قالوا: يا رسول الله، الحُمُر؟ قال: ما أنزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١) ".
الثانى: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (٢): عن سويد بن سعيد، عن حفص، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوه مطولًا وفيه: "وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها فهي له ستر".
الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
стр. 3881
وأخرجه مسلم (١) أيضًا: عن يو نس، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه.
وهذا الإسناد شارك الطحاوي فيه مسلما؛ فإن كلًّا منهما أخرج عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢) أيضًا.
قوله: "تكرمًا وتجملًا" منصوبان على التعليل أي: لأجل التكرم والتجمل.
قوله: "ولا يَنْسى حق ظهورها وبطونها" تعلق به أبو حنيفة في إيجاب الزكاة في الخيل. وقال مَن لم يَرَ فيها الزكاة: إن المراد بذلك الحمل عليها في سبيل الله، وسيجيء الكلام فيه مستقصى.
قوله: "ولم يَنْس حق الله في رقابها" قال أبو عمر: للعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قالت طائفة: معناه حسن ملكتها، وتعهد شبعها، والإحسان إليها، وركوبها غير مشقوق عليها، وخص رقابها بالذكر؛ لأن الرقاب والأعناق تستعار كثيرًا في مواضع الحقوق اللازمة والفروض الواجبة، ومنه قوله تعالى،: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣).
وقالت طائفة: معناه إطراق فحلها وإقفار ظهرها والحمل عليها في سبيل الله، وإلي هذا ذهب ابن نافع.
وهذا مذهب مَن قال: هل في المال حقوق سوى الزكاة. وممن قال ذلك: مجاهد والشعبي والحسن.
وقالت طائفة: معناه الزكاة الواجبة فيها، وهو قول أبي حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان ﵏.
قوله: "صفائح" جمع صفيحة، من صفحت الشيء إذا بسطته.
стр. 3882
و "القاع": المستوي الواسع من الأرض، وقد يجتمع فيه الماء، وجمعه: قيعان. وقيل: هي أرض فيها رمل.
و"القرقر": المستوي أيضًا من الأرض المتسع، فعلى هذا يكون ذكره للتأكيد.
و"العقصاء": الملتوية القرنين.
و"الجلحاء": التي لا قرن لها.
قوله: "ولو استنت" أي: جرت وقيل: لجَّت في عدوها إقبالًا وإدبارًا، وقيل: الاستنان يختص بالجري إلى فوق، وقيل: هو المرح والنشاط، وقيل: استنت: رعت، وقيل: الاستنان الجري بغير فارس.
والاستنان في غير هذا الموضع: الاستياك وهو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها.
قوله: "شرفًا أو شرفين" أي: شوطًا أو شوطين، وقيل: الشرف هنا ما علا من الأرض.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى وجوب الصدقة في الخيل إذا كانت ذكورًا وإناثًا وكان صاحبها يلتمس نسلها، واحتجوا في إيجابهم الزكاة فيها بقول رسول الله ﵇: "ولم ينْس حق الله فيها".
قالوا: ففي هذا دليل أن لله فيها حقًّا وهو كحقه في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة وزفر بن الهذيل ﵏؛ فإنهم قالوا بوجوب الزكاة في الخيل المتناسلة، واحتجوا على ذلك بقوله ﵇ في الحديث المذكور: "ولم ينْس حق الله فيها"، فهذا دليل أن لله فيها حقًّا وهو كحقه في سائر الأموال الزكوية.
قال البيهقي: هذا لا يدل على الزكاة. وكذا قال الطحاوي على ما يجيء؛ لأنه اختار قول مَن قال بعدم الوجوب فيها.
стр. 3883
قلت: بل يدل عليها ظاهر قوله: "ولم ينْس حق الله في رقابها" مع قرينة قوله في أول الحديث الصحيح: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته"، و"ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها"، و"ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها".
وأيضًا فغير الزكاة من الحقوق لا يختلف فيها حكم الحمير والخيل، فافهم.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" بسند جيد (١): عن عمر ﵁، عن النبي ﵇ حديثًا طويلًا وفيه: "فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاء لها ثغاء ينادي: يا محمَّد، يا محمَّد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا فقد بلَّغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمَّد، يا محمَّد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا ... " الحديث.
وروي أنه ذكر بعيرًا له رغاء، فدل على وجوب الزكاة في هذه الأنواع وليس الذم لكونه غلَّ الفرس أو لم يجاهد عليه؛ لأن الغلول لا يختص بهذه الأنواع، وترك الجهاد بنفسه يذم عليه أكثر مما يذم على تركه بفرسه.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن السائب بن يزيد أخبره قال: "رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب ﵁".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن عمر بن الخطاب ﵄ كان يأخذ من الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر والحجاج بن منهال، قالا: ثنا حماد بن سلمة ... فذكر بإسناده مثله.
وممن ذهب إلى هذا القول أيضًا أبو حنيفة وزفر رحمهما الله.
стр. 3884
ش: أي: واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من وجوب الزكاة في الخيل بأثر عمر بن الخطاب.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد بن مخارق شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن عمه جويرية بن أسماء البصري، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن السائب بن يزيد ابن سعيد الكندي- ويقال: الأسدي، ويقال: الليثي، ويقال: الهذلي- وللسائب هذا ولأبيه صحبة.
وهذا الإسناد على شرط الشيخين.
وأخرجه الدارقطني بنحوه (١): من حديث الزهري: "أن السائب بن يزيد ... " إلى آخره.
وأخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثني ابن أخي جويرية، ثنا جويرية، عن مالك، عن الزهري به.
وذكره أبو عمر أيضًا في "التمهيد" (٢) ثم قال: الخبر في صدقة الخيل عن عمر صحيح من حديث الزهري وغيره.
وصحرج بقي بن مخلد في "مسنده": ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا محمَّد بن بكر، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن حسين، أن ابن شهاب أخبره، أن السائب ابن أخت نمر أخبره: "أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقات الخيل ... ".
ومن طريقه أخرجه ابن حزم في "المحلى" (٣).
стр. 3885
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا عبد الله بن الربيع، نا عبد الله بن محمَّد بن عثمان، ثنا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، ثنا الحجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس: "أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من الرأس عشرة ومن
الفرس عشرة، ومن البرذون خمسة -يعني رأس الرقيق- وعشرة دراهم وخمسة دراهم".
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير شيخ أبي داود، وعن الحجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، كلاهما عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.
و"البرذون": بكسر الباء الموحدة الفرس العجمي، وفي "المطالع": البراذين خيل غير عراب ولا عتاق؛ سميت بذلك من البرذنة وهي الثقالة، يقال: برذن الرجل إذا أثقل. وقال الجوهري: البرذون: الدابة، والأنثى: البرذونة.
قلت: كأنه أخذ هذا من قول الأصمعي: يقال لذوات الحافر وغيرها من البهائم كلها: برذون، وبرذونة. وأنشد الكسائي:
أرَيْتَ إذا جالت بك الخيلُ جولَة ... وأنت على برذونة غير طائِل (٢)
وقالت أعرابية تهجو ضرتها:
تزحزحي عني (٣) يا برذونه ... إن البراذين إذا جرينه
مع العناق (٤) ساعةً أعيينه
стр. 3886
ص: وخالفهم في ذلك آخرون منهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فقالوا: لا صدقة في الخيل السائمة البتة.
ش: أي: خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح ومكحولًا والشعبي والثوري والزهري والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا صدقة في الخيل السائمة أصلًا.
وممن قال بقولهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به لقولهم من قول رسول الله ﵇: "ولم ينس حق الله فيها" أنه قد يجوز أن يكون ذلك حقًّا سوى الزكاة، فإنه قد روي عن رسول الله ﵇ ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ﵇، قال: "في المال حق سوى الزكاة، وتلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) إلى آخر الآية".
فلما رأينا المال قد جعل فيه حق سوى الزكاة، احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره رسول الله ﵇ في الخيل هو ذلك الحق أيضًا.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى في احتجاجهم لوجوب الزكاة في الخيل من قوله ﵇: "ولم ينس حق الله فيها"، أنه قد يجوز أن يكون المراد منه حقًّا سوى الزكاة؛ فإنه ورد في الحديث: "أن في المال حقًّا سوى الزكاة". وهو ما أخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة ميمون الأعور، قال الترمذي: يضعف. عن عامر الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس، لها صحبة.
стр. 3887
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا بشر ابن الوليد، ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن في المال حقًّا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ...﴾ (٢) الآية".
وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا نحوه وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك.
قالوا: إذا كان في المال حقٌ سوى الزكاة احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره ﵇ في الخيل هو ذلك الحق دون الزكاة، ثم اختلفوا في ذلك الحق الذي هو خلاف الزكاة.
فقال قوم: هو إطراق فحلها وإفقار ظهرها والحمل عليها في سبيل الله، وقد بيَّن ذلك حديث جابر ﵁ على ما يأتي عن قريب.
وقال آخرون: هو حسن ملكتها وتعهد شبعها والإحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها.
وقال ابن حزم (٤): وأما الحديث فليس فيه إلا أن لله حقًّا في رقابها وظهورها غير معيَّن، ولا مبيِّن للمقدار، ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم، فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث، وهو حملٌ على ما طابت به نفسه منها في سبيل الله، وعارية ظهورها للمضطر.
وقال ابن الجوزي في "التحقيق": والجواب عن هذا الحديث من وجهين:
الأول: أن حقها إعارتها وحمل المنقطعن عليها، فيكون ذلك على وجه الندب.
стр. 3888
والثاني: أن يكون واجبًا ثم نسخ بدليل قوله: قد عفوت لكم، عن صدقة الخيل؛ إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم.
قلت: فلأبي حنيفة أن يقول: المراد به صدقة خيل الغزاة وكلامنا في الخيول السائمة، وأيضًا فالذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق.
وأما دعوى النسخ فبعيدة؛ لأنه لو كان لاشتهر في زمن الصحابة ﵃، ولما قرر عمر ﵁ الصدقة في الخيل، وأن عثمان ﵁ ما كان يصدِّقها.
وروى عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حسين، أن ابن شهاب أخبره: "أن عثمان ﵁ كان يصدق الخيل".
ص: وحجة أخرى: أن الذِكر في الحديث الذي رويناه عن أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة، لا في الخيل السائمة.
ش: أراد بها الجواب الآخر عن الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى وهو أن ذِكر الخيل في حديث أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة عند أربابها لا في الخيل السائمة التي ترعى.
وفيه نظر؛ لأنه ذكر الخيل عقيب ذكر زكاة المال وزكاة الإبل وزكاة الغنم كما ذكرناه في حديث مسلم الطويل وحديث البزار، وهذه قرينة أن المراد من الخيل: الخيل التي فيها الزكاة، وأن المراد من الحق فيها: هو الزكاة.
ص: وحجة أخرى: أنا رأينا رسول الله ﵇ ذكر الإبل السائمة أيضًا فقال: فيها حق، فسئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحة سمينها".
حدثنا بذلك ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇.
стр. 3889
فلما كانت الإبل أيضًا فيها حق غير الزكاة، احتمل أن تكون كذلك الخيل.
ش: أراد بها الجواب الآخر عن الحديث المذكور، بيانه: أن النبي ﵇ ذكر الإبل السائمة أيضًا فقال: فيها حق. ثم سئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: "إطراق فحلها ... " إلى آخره.
فلما كان في الإبل حق سوى الزكاة، فكذلك يحتمل أن يكون الحق الذي ذكر في الخيل هو غير الزكاة.
ثم إنه أخرج حديث جابر بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر ﵁.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ قال: "ما مِن صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاعٍ قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذٍ جماء ولا مكسورة القرن، قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وجلبها على الماء، وحملٌ عليها في سبيل الله ... " الحديث.
قوله: "ذات الظلف" الظلف للغنم والبقر والظباء، وهو ما هو منشق من القوائم.
قوله: "إطراق فحلها" وهو إعارتها للضراب، لا يمنعه إذا طلبه، ولا يأخذ عليه عسبًا أي أجرًا، يقال: طرق الفحل الناقة، فهي مطروقة، وهي طروقة الفحل إذا حان لها أن تطرق، وأطرقته أنا: أعرته لذلك، إطراقًا.
قوله: "ومنيحتها" المنيحة: المنحة وهي عند العرب على معنيين:
стр. 3890
أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلةً فتكون له.
والآخر: أن يمنحه ناقةً أو شاةً فينتفع بلبنها ووبرها زمانًا ثم يردها، وهو تأويل قوله في بعض الأحاديث: "المنحة مردودة" (١). والمنحة تكون في الأرض يمنحها الرجل أخاه ليزرعها، ومنحة الورق هي القرض.
قال الفراء: يقال: منحته أمنحُه وأمنِحَه.
وقال ابن دريد: أصل المنحة أن يعطي الرجل رجلًا ناقةً فيشرب لبنها أو شاةً، ثم صارت كل عطية منحة.
وقال غيره: ومنيحة اللبن أن يجعلها الرجل لآخر سنةً.
قوله: "وجلبها على الماء" قيل: معناه أن يقربها للمصدّق وييسر ذلك عليه بإحضارها على الماء ليسهل عليه تناول أخذ الزكاة منها، وهو بسكون اللام؛ لأنه مصدر من جلب يجلب جلْبًا. ويقال: كانت هذه الأشياء قبل فرض الزكاة ثم نسخت، ويقال: هذه في موضع تتعين فيه المواساة.
ص: وأما ما احتجوا به مما رويناه عن عمر ﵁ فلا حجة لهم فيه أيضًا عندنا؛ لأن عمر ﵁ لم يأخذ ذلك منهم على أنه واجب عليهم، وقد بيَّن السبب -الذي من أجله أخذ ذلك منهم عمر بن الخطاب- حارثة بن مضرّب.
حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن القاسم -المعروف بسحيم- الحراني، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، قال: "حججت مع عمر بن الخطاب ﵁، فأتاه أشراف من أشراف أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا قد أصبنا دواب وأموالًا، فخذ من أموالنا صدقةً تطهرنا بها، وتكون لنا زكاةً. فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قَبلي، ولكن انتظروا حتى أسال المسلمين، فسأل أصحاب رسول الله ﵇ فيهم علي بن أبي طالب، فقالوا: