← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

ص: وخالفهم في ذلك آخرون منهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فقالوا: لا صدقة في الخيل السائمة البتة. ش: أي: خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح ومكحولًا والشعبي والثوري والزهري والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا صدقة في الخيل السائمة أصلًا. وممن قال بقولهم: أبو يوسف ومحمد بن الحسن. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به لقولهم من قول رسول الله ﵇: "ولم ينس حق الله فيها" أنه قد يجوز أن يكون ذلك حقًّا سوى الزكاة، فإنه قد روي عن رسول الله ﵇ ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، عن النبي ﵇، قال: "في المال حق سوى الزكاة، وتلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) إلى آخر الآية". فلما رأينا المال قد جعل فيه حق سوى الزكاة، احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره رسول الله ﵇ في الخيل هو ذلك الحق أيضًا. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين على أهل المقالة الأولى في احتجاجهم لوجوب الزكاة في الخيل من قوله ﵇: "ولم ينس حق الله فيها"، أنه قد يجوز أن يكون المراد منه حقًّا سوى الزكاة؛ فإنه ورد في الحديث: "أن في المال حقًّا سوى الزكاة". وهو ما أخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن شريك بن عبد الله، عن أبي حمزة ميمون الأعور، قال الترمذي: يضعف. عن عامر الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس، لها صحبة.

стр. 3887

وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا بشر ابن الوليد، ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن في المال حقًّا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ...﴾ (٢) الآية". وأخرجه الترمذي (٣) أيضًا نحوه وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك. قالوا: إذا كان في المال حقٌ سوى الزكاة احتمل أن يكون ذلك الحق الذي ذكره ﵇ في الخيل هو ذلك الحق دون الزكاة، ثم اختلفوا في ذلك الحق الذي هو خلاف الزكاة. فقال قوم: هو إطراق فحلها وإفقار ظهرها والحمل عليها في سبيل الله، وقد بيَّن ذلك حديث جابر ﵁ على ما يأتي عن قريب. وقال آخرون: هو حسن ملكتها وتعهد شبعها والإحسان إليها وركوبها غير مشقوق عليها. وقال ابن حزم (٤): وأما الحديث فليس فيه إلا أن لله حقًّا في رقابها وظهورها غير معيَّن، ولا مبيِّن للمقدار، ولا مدخل للزكاة في ظهور الخيل بإجماع منا ومنهم، فصح أن هذا الحق إنما هو على ظاهر الحديث، وهو حملٌ على ما طابت به نفسه منها في سبيل الله، وعارية ظهورها للمضطر. وقال ابن الجوزي في "التحقيق": والجواب عن هذا الحديث من وجهين: الأول: أن حقها إعارتها وحمل المنقطعن عليها، فيكون ذلك على وجه الندب.

стр. 3888

والثاني: أن يكون واجبًا ثم نسخ بدليل قوله: قد عفوت لكم، عن صدقة الخيل؛ إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم. قلت: فلأبي حنيفة أن يقول: المراد به صدقة خيل الغزاة وكلامنا في الخيول السائمة، وأيضًا فالذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق. وأما دعوى النسخ فبعيدة؛ لأنه لو كان لاشتهر في زمن الصحابة ﵃، ولما قرر عمر ﵁ الصدقة في الخيل، وأن عثمان ﵁ ما كان يصدِّقها. وروى عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي حسين، أن ابن شهاب أخبره: "أن عثمان ﵁ كان يصدق الخيل". ص: وحجة أخرى: أن الذِكر في الحديث الذي رويناه عن أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة، لا في الخيل السائمة. ش: أراد بها الجواب الآخر عن الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى وهو أن ذِكر الخيل في حديث أبي هريرة إنما هو في الخيل المرتبطة عند أربابها لا في الخيل السائمة التي ترعى. وفيه نظر؛ لأنه ذكر الخيل عقيب ذكر زكاة المال وزكاة الإبل وزكاة الغنم كما ذكرناه في حديث مسلم الطويل وحديث البزار، وهذه قرينة أن المراد من الخيل: الخيل التي فيها الزكاة، وأن المراد من الحق فيها: هو الزكاة. ص: وحجة أخرى: أنا رأينا رسول الله ﵇ ذكر الإبل السائمة أيضًا فقال: فيها حق، فسئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: "إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحة سمينها". حدثنا بذلك ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇.

стр. 3889

فلما كانت الإبل أيضًا فيها حق غير الزكاة، احتمل أن تكون كذلك الخيل. ش: أراد بها الجواب الآخر عن الحديث المذكور، بيانه: أن النبي ﵇ ذكر الإبل السائمة أيضًا فقال: فيها حق. ثم سئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: "إطراق فحلها ... " إلى آخره. فلما كان في الإبل حق سوى الزكاة، فكذلك يحتمل أن يكون الحق الذي ذكر في الخيل هو غير الزكاة. ثم إنه أخرج حديث جابر بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر ﵁. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇ قال: "ما مِن صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاعٍ قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها يومئذٍ جماء ولا مكسورة القرن، قلنا: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنيحتها، وجلبها على الماء، وحملٌ عليها في سبيل الله ... " الحديث. قوله: "ذات الظلف" الظلف للغنم والبقر والظباء، وهو ما هو منشق من القوائم. قوله: "إطراق فحلها" وهو إعارتها للضراب، لا يمنعه إذا طلبه، ولا يأخذ عليه عسبًا أي أجرًا، يقال: طرق الفحل الناقة، فهي مطروقة، وهي طروقة الفحل إذا حان لها أن تطرق، وأطرقته أنا: أعرته لذلك، إطراقًا. قوله: "ومنيحتها" المنيحة: المنحة وهي عند العرب على معنيين:

стр. 3890

أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلةً فتكون له. والآخر: أن يمنحه ناقةً أو شاةً فينتفع بلبنها ووبرها زمانًا ثم يردها، وهو تأويل قوله في بعض الأحاديث: "المنحة مردودة" (١). والمنحة تكون في الأرض يمنحها الرجل أخاه ليزرعها، ومنحة الورق هي القرض. قال الفراء: يقال: منحته أمنحُه وأمنِحَه. وقال ابن دريد: أصل المنحة أن يعطي الرجل رجلًا ناقةً فيشرب لبنها أو شاةً، ثم صارت كل عطية منحة. وقال غيره: ومنيحة اللبن أن يجعلها الرجل لآخر سنةً. قوله: "وجلبها على الماء" قيل: معناه أن يقربها للمصدّق وييسر ذلك عليه بإحضارها على الماء ليسهل عليه تناول أخذ الزكاة منها، وهو بسكون اللام؛ لأنه مصدر من جلب يجلب جلْبًا. ويقال: كانت هذه الأشياء قبل فرض الزكاة ثم نسخت، ويقال: هذه في موضع تتعين فيه المواساة. ص: وأما ما احتجوا به مما رويناه عن عمر ﵁ فلا حجة لهم فيه أيضًا عندنا؛ لأن عمر ﵁ لم يأخذ ذلك منهم على أنه واجب عليهم، وقد بيَّن السبب -الذي من أجله أخذ ذلك منهم عمر بن الخطاب- حارثة بن مضرّب. حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن القاسم -المعروف بسحيم- الحراني، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، قال: "حججت مع عمر بن الخطاب ﵁، فأتاه أشراف من أشراف أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا قد أصبنا دواب وأموالًا، فخذ من أموالنا صدقةً تطهرنا بها، وتكون لنا زكاةً. فقال: هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قَبلي، ولكن انتظروا حتى أسال المسلمين، فسأل أصحاب رسول الله ﵇ فيهم علي بن أبي طالب، فقالوا:

стр. 3891

حسن، وعلي ﵁ ساكتٌ لم يتكلم معهم. فقال: مَا لَكَ يا أبا الحسن لا تتكلم؟ قال: قد أشاروا عليك ولا بأس بما قالوا إن لم يكن أمرًا واجبًا وجزية راتبةً يؤخذون بها. قال: فأخذ من كل عبد عشرةً، ومن كل فرس عشرةً، ومن كل هجين ثمانية، ومن كل برذون أو بغل خمسة دراهم في السنة، ورزقهم كل شهر الفرس عشرة دراهم، والهجين ثمانية، والبغل خمسةَ خَمسةً، والمملوك جريبين كل شهر". فدل هذا الحديث على أن ما أخذ منهم عمر من أجله ما كان أخذ منهم في ذلك أنه لم يكن زكاةً ولكنها صدقة غير زكاة. وقد قال لهم عمر ﵁: "إن هذا لم يفعله اللذان كانا قبلي- يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁". فدل ذلك على أن رسول الله ﵇ وأبا بكر ﵁ لم يأخذا مما كان يحضرهما من الخيل صدقةً، ولم ينكر على عمر ﵁ ما قال من ذلك أحد من أصحاب رسول الله ﵇، ودلَّ قول علي لعمر ﵄: "قد أشاروا عليك إن لم يكن جزية راتبة وخراجا واجبًا"، وقبول عمر ﵁ ذلك منه أن عمر إنما كان أخذ منهم ما أخذ بسؤالهم إياه أن يأخذه منهم فيصرفه في الصدقات، وأن لهم منع ذلك منه متى أحبوا، ثم سلك عمر ﵁ بالعبيد أيضًا في ذلك مسلك الخيل فلم يكن ذلك بدليل على أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم صدقة، وإنما كان ذلك على التبرع من مواليهم بإعطاء ذلك، فكذلك ما أخذه منهم بسبب الخيل ليس ذلك بدليل على أن الخيل فيها صدقة، ولكن ذلك على التبرع من أربابها بإعطاء ذلك. ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى مما روي، عن عمر ﵁ أنه كان يأخذ من الفرس صدقة. بيان ذلك: أن يقال: إن ما روي عن عمر من ذلك فليس لهم فيه حجة؛ لأن عمر ﵁ لم يكن يأخذ ذلك منهم على أنه كان واجبًا عليهم وإنما كان أخذ منهم ما أخذ بسؤالهم إياه على سبيل التبرع والتقرب إلى الله تعالى، ليأخذ ذلك ويصرفه في الصدقات، والدليل على ذلك: ما رواه حارثة بن مضرب، ألا ترى أنهم لما قالوا:

стр. 3892

"خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها وتكون لنا زكاة". أجاب عمر ﵁ فقال: "هذا شيء لم يفعله اللذان كانا قبلي" وأراد بهما: النبي ﵇ وأبا بكر- ﵁، فدلَّ ذلك أن النبي ﵇ لم يكن يأخذ من الخيل شيئًا ولا أبو بكر- ﵁ من بعده في خلافته، وأيضًا فلم يُنكر على عمر- ﵁ قوله ذلك أحد من الصحابة، إذ لو كان الأمر بخلافه لأنكروا عليه، فدلَّ ذلك كله أن ما كان أخذه عمر ﵁ من السائب بن يزيد ليس على جهة الوجوب، بيَّن ذلك حديث حارثة بن مضرب، وأيضًا قول علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب: "قد أشاروا عليك إن لم يكن جزية راتبة وخراجًا واجبًا" دلَّ على ما قلنا؛ لأن عمر قبل هذا القول منه، فدل ذلك كله على أن عمر إنما أخذ منهم ما أخذ بسؤالهم إياه ليأخذه ويصرفه في الصدقات، حتى إن لهم منع ذلك متى أحبوا، وأيضًا فإن عمر- ﵁ قد سلك في العبيد أيضًا مسلك الخيل حيث أخذ من كل عبد عشرة، والعبيد إذا لم يكونوا للتجارة لا يجب فيهم شيء، فدلَّ ذلك أن ما كان يأخذه كان على سبيل التبرع من أصحابها حيث أعطوا ذلك. ثم إنه أخرج الأثر المذكور عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن القاسم المعروف بسحيم الحراني قال أبو حاتم: صدوق. عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن حارثة بن مضرِّب العبدي الكوفي قال أحمد: حسن الحديث. وعن يحيى: ثقة. وروى له الأربعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا محمَّد بن المعلى الشونيزي، ثنا محمَّد بن عبد الله المخزومي، ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب: "أن قومًا من أهل الشام أتوا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: إنا قد أصبنا كراعًا ورقيقًا، وإنا نحب أن نزكيه. قال: ما فعله صاحباي قبلي، ولا أفعله حتى

стр. 3893

أستشير، فشاور أصحاب محمَّد ﵇ فقالوا: حسنٌ، وعلي ﵁ ساكت، فقال: ألا تتكلم يا أبا الحسن؟ فقال: قد أشاور عليك وهو حسن إن لم يكن جزيةً راتبة يؤخذون بها بعدك. قال: فأخذ من الرقيق عشرة دراهم ورزقهم جريبين من بر كل شهر، وأخذ من الفرس عشرة دراهم ورزقه عشرة أجربة من شعير كل شهر، وأخذ من المقاريف ثمانية دراهم ورزقها ثمانية أجربة من شعير كل شهر، وأخذ من البراذين خمسة دراهم ورزقها خمسة أجربة من شعير كل شهر. قال أبو إسحاق: فلقد رأيتها جزيةً تؤخذ من أعطياتنا زمان الحجاج وما نرزق عليها". قال الشيخ: "المقرف" من الخيل دون الجواد (١). انتهى. قوله: "تطهرنا بها" أي: بالصدقة، تلمحوا في هذا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢). قوله: "فقالوا: حسن" أي: قال الصحابة: هذا شيء حسن، يعني: أخذك منهم بسؤالهم إياه شيء حسن. قوله: "وعلي ساكت" جملة اسمية وقعت حالًا. قوله: "ومن كل هجين" أي: ومن كل فرس هجين، قال ابن الأثير: الهجين في الناس والخيل إنما يكون من قِبل الأم، فإذا كان الأب عتيقًا والأم ليست كذلك كان الولد هجينًا، والإقراف من قبل الأب. قال الجوهري: المقرف الذي دانى الهجنة من الفرس وغيره الذي أمه عربية وأبوه ليس كذلك؛ لأن الإقراف إنما هو من قبل الفحل، والهجنة من قبل الأم. وقال ابن الفارسي: المقرف مداني الهجنة، والعتيق من الفرس هو الأصيل.

стр. 3894

قال الجوهري: العتيق الكريم من كل شيء والخيار من كل شيء. وفرسٌ عتيق أي رائع. وقال في باب العين: وفرس رائع أي: جواد. وفي "المطالع": الهجين من الخيل هو الذي أبوه عربي وأمه غير عربية، وقد يستعمل ذلك في غير الخيل. قوله: "جَرِيبين" تثنية جَرِيب -بفتح الجيم وكسر الراء- قال الجوهري: الجريب من الطعام والأرض مقدار معلوم، والجمع: أجربة وجربان. قلت: المراد هنا جريب الطعام، وجريب الأرض ما يكون طولها ستين ذراعًا وعرضها مثل ذلك بذراع الملك كسرى، يزيد على ذراع العامة بقبضة. ص: وقد روي عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق". حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، عن النبي ﵇. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سفيان وشريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ مثله. فذلك أيضًا ينفي أن يكون في الخيل صدقة. ش: أخرج هذا الحديث؛ لكونه صريحًا في عدم الزكاة في الخيل من ثلاث طرق: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق بن معاوية الكوفي قاضيها أحد أصحاب أبي حنيفة،

стр. 3895

روى له الجماعة، عن سليمان الأعمش روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن عاصم بن ضمرة السلولي، وثقه العجلي، وابن المديني، وروى له الأربعة، عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ قال: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، وليس فيما دون المائتين زكاة". الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري وشريك بن عبد الله، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو، عن الحارث بن عبد الله الأعور الكوفي، فيه مقال: فقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال ابن المديني: الحارث كذاب. روى له الأربعة. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا سهل بن أبي سهل، نا سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﵇ قال: "تجاوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق". الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزي شيخ أبي داود، عن يعقوب بن إسحاق بن أبي عباد العبدي وثقه ابن يونس، عن إبراهيم بن طهمان الخراساني روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو، عن الحارث بن عبد الله، عن علي ﵁. وأخرجه الترمذي (٣) من طريق الحارث معلقا، ومن طريق عاصم مسندًا فقال: ثنا محمَّد بن عبد الملك، عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي. ثم قال: روى هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.

стр. 3896

وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. قال: وسألت محمَّد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون روى عنهما جميعًا. وأخرجه أبو داود (١): عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال رسول الله ﵇: "قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دارهم". قوله: "والرقيق" فعيل بمعنى مفعول من الرق وهو العبودية، وإنما أسقط الصدقة عن الخيل والرقيق إذا كانت للركوب والخدمة، فأما إذا كان منها شيء للتجارة ففيه الزكاة في قيمته. وقال ابن الجوزي: هذا الحديث ناسخ لحديث أبي هريرة المذكور أولًا؛ لأن العفو لا يكون إلا عن شيء لازم. وفيه نظر قد بيَّناه. ص: فإن قال قائل: فقد قرن مع ذلك الرقيق فلما كان لا ينفي أن تكون الصدقة واجبةً في الرقيق إذا كانوا للتجارة، فكذلك لا ينفي ذلك أن تكون الزكاة واجبةً في الخيل إذا كانت سائمةً، وكما كان قوله: "قد عفوت لكم عن صدقة الرقيق" إنما هو على الرقيق للخدمة خاصّةً، فكللك قوله: "قد عفوت لكم عن صدقة الخيل" إنما هو على خيل الركوب خاصةً. قيل له: يحتمل ما ذكرت، وإذا بطل أن تنتفي الزكاة بهذا الحديث انتفت بما ذكرنا قبله مما في حديث حارثة؛ لأن فيه أن عليًّا ﵁ قال لعمر- ﵁ ما قد ذكرنا، فدل ذلك أن معنى قول رسول الله ﵇ هذا كان عند علي ﵁ على نفي الزكاة منها؛ وإن كانت سائمة.

стр. 3897

ش: تقرير السؤال أن يقال: إن ذكر الخيل قد قرن في حديث علي ﵁ هذا مع ذكر الرقيق، وعفوه ﵇ عن صدقة الرقيق إذا كان للخدمة لا يستلزم نفيها إذا كان للتجارة، فكذلك عفوه عن الخيل للركوب لا يستلزم نفيها إذا كانت سائمةً. وتوجيه آخر: أن المراد من الرقيق ها هنا ما إذا كانوا للخدمة، وأما إذا كانوا للتجارة فتجب الصدقة فيهم، فإذا كان هذا محمولًا على هذا المعنى فلا ينافي أن يكون معنى الخيل أيضًا محمولًا على خيل الركوب؛ فتجب الصدقة حينئذٍ إذا كانت سائمةً. وتقرير الجواب أن يقال: سلمنا ما ذكرت من الاحتمال النافي لعدم وجوب الصدقة، ولكن قول علي- ﵁ في حديث حارثة بن مضرّب المذكور عن قريب: "لا بأس بما قالوا إن لم يكن أمرًا واجبًا وجزيةً راتبةً يؤخذون بها" قرينة تدل على نفي الزكاة عن الخيل سواء كانت سائمة أو لم تكن. ص: وقد روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇ ما معناه قريب من معنى حديث عاصم والحارث عن علي ﵁. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت سليمان بن يسار، يحدث عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵇ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 3898

حدثني محمَّد بن عيسى بن فليح، قال: ثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، عن سليمان بن فليح، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن خثيم بن عِراك، عن أبيه ... فذكر بإسناده مثله. فلما لم يكن في شيء مما ذكرنا من هذه الآثار دليلًا على وجوب الزكاة في الخيل السائمة، وكان فيها ما ينفي الزكاة منها؛ ثبت بتصحيح هذه الآثار قول الذين لا يرون فيها الزكاة. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: هذه سبع طرق: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي وثقه أبو حاتم، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، عن عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا عبد الله بن دينار، سمعت سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﵇: "ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة"، وفي لفظ: "وعبده". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وسعيد بن عامر الضبعي البصري، كلاهما عن شعبة، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره. وهذا أيضًا صحيح.

стр. 3899

وأخرجه أحمد (١): عن سعيد بن عامر نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره. وهذا أيضًا صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة". الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره. وهذا أيضًا صحيح. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا عبد الله بن مسلمة، نا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة". الخامس: عن محمَّد بن عيسى بن فليح الجراحي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار بن النضير المصري وثقه ابن حبان، وقال النسائي: ليس به بأس. عن سليمان بن فليح بن سليمان المدني لم أعرف من حاله شيئًا، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٤) وزاد فيه: "إلا صدقة الفطر".

стр. 3900

السادس: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن عراك، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (١): حدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب، قالا: ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا أيوب بن موسى، عن مكحول، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة- وقال عمرو: عن النبي ﵇، وقال زهير: يبلغ به: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". وأخرج أبو داود (٢): ثنا محمَّد بن المثنى ومحمد بن يحيى بن فياض، قالا: ثنا عبد الوهاب، نا عبيد الله، عن رجل، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق". السابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن حماد بن زيد، عن خثيم بن عراك، عن أبيه عراك بن مالك، عن أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (٣): عن حاتم بن إسماعيل، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. وأخرجه مسلم (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة نحوه. قوله: "في عبده" المراد منه العبد الذي يتخذ للقنية حتى إذا كان للتجارة تجب فيه الزكاة.

стр. 3901

وقال الترمذي (١): والعمل عليه عند أهل العلم أنه ليس في الخيل السائمة صدقة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة، إلا أن يكونوا للتجارة، وإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول. ولقائل أن يقول من جهة أبي حنيفة: كما أن المراد من العبد عبد الخدمة، فكذلك المراد من الفرس فرس المغازي. وقال صاحب "الهداية": هو المنقول عن زيد بن ثابت. وذكر أبو زيد الدبوسي في كتاب "الأسرار" فقال: إن زيد بن ثابت ﵁ لما بلغه حديث أبي هريرة قال: صدق رسول الله ﵇ إنما أراد فرس الغازي. قال: ومثل هذا لا يعرف بالرأي، فثبت أنه مرفوع. وروى أحمد بن زنجويه في كتاب "الأموال": نا علي بن الحسن، نا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه قال: "سألت ابن عباس عن الخيل أفيها صدقة؟ فقال: ليس على فرس المغازي في سبيل الله صدقة". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) نحوه: عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵃. ولأن الزكاة إنما وجبت في الأموال النامية، وذلك ممكن في الإناث من الخيل، وفي المختلطة، ويتقوى بالآثار المنقولة من السلف منها: ما روي عن عمر ﵁ "كان يأخذ من الفرس عشرة دراهم ومن البراذين خمسة" وقد مرّ. وبلغه أن عبد الرحمن بن أمية ابتاع فرسًا أنثى بمائة قلوص فندم البائع، فلحق بعمر بن الخطاب وشكى إليه القصة، فقال: "نأخذ من أربعين شاةٍ شاةً ولا نأخذ من الخيل. فضرب على كل فرس دينارًا".

стр. 3902

وفعله عثمان بن عفان، وكان أيضًا يأخذ الزكاة منها. كذا ذكره في "أحكام ابن بزيزة". ص: وأما وجه طريق النظر فإنا رأينا الذين يوجبون فيها الزكاة ولا يوجبونها حتى تكون ذكورًا وإناثًا يلتمس صاحبها نسلها، ولا تجب الزكاة في ذكورها خاصةً، ولا في إناثها خاصةً، وكانت الزكوات المتفق عليها في المواشي السائمة تجب في الإبل والبقر والغنم ذكورًا كانت كلها أو إناثًا. فلما استوى حكم الذكور في ذلك خاصةً، وحكم الأناث خاصة، وحكم الذكور والإناث، وكانت الذكور من الخيل خاصةً والإناث منها خاصة لا تجب فيها زكاة، كان كذلك في النظر للإناث منها والذكور إذا اجتمعت، لا تجب فيها زكاة. ش: أراد أن وجه القياس أيضًا يقتضي أن لا تجب الزكاة في الخيل مطلقًا؛ وذلك لأن مَن يوجب الزكاة في الخيل يَشترط أن تكون مختلطة ذكورًا وإناثًا، حتى يكون فيها درٌّ وتناسل، حتى لا يوجب في ذكرانها خاصة ولا في إناثها خاصةً، وبقية السوائم من الإبل والبقر والغنم تجب فيها الزكاة مطلقًا سواء كانت ذكورًا أو إناثًا أو مختلطة، وهذا بلا خلاف بينهم، وكانت الخيل إذا كانت ذكورًا خاصة لا تجب، وكذا إذا كانت إناثًا خاصة لا تجب بلا خلاف. فالقياس على هذا أن لا تجب إذا كانت ذكورًا وإناثًا؛ لأنه لما استوى الأحوال كلها في بقية المواشي في الوجوب كان ينبغي أن تستوي الأحوال أيضًا في الخيل في عدم الوجوب. وقد شنَّع ابن حزم على أبي حنيفة في هذا الموضع (١) فقال: استدل أبو حنيفة بفعل عمر وعثمان ﵄ ثم خالفه. وذلك أن قول أبي حنيفة: إنه لا زكاة في الخيل الذكور ولو كثرت وبلغت ألف فرس، فإن كانت إناثًا أو إناثًا وذكورًا سائمة غير معلوفة فحينئذ تجب فيها

стр. 3903

الزكاة، وصفة تلك الزكاة أن صاحب الخيل مخيَّر إن شاء أعطى من كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم، وإن شاء قوَّمها فأعطى من كل مائتي درهم عشرة، وهذا خلاف فعل عمر- ﵁. قلت: لا نسلم أن أبا حنيفة خالف فعل عمر- ﵁؛ فإن عمر ﵁ أخذ من كل فرس عشرة دراهم على ما مرَّ في حديث حارثة بن مضرب. وأما اشتراطه أن تكون ذكورًا وإناثًا أو إناثًا حتى تجب فيها الزكاة فليس ذلك من رأيه واجتهاده بل هو هكذا منقول عن إبراهيم النخعي. قال محمَّد في "آثاره": أنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أنه قال في الخيل السائمة التي يُطلب نسلُها: "إن شئت في كل فرس دينارًا، وإن شئت عشرة دراهم، وإن شئت فالقيمة، ثم كان في كل مائتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكر أو أنثى". انتهى. فمن هذا عرفت أن وجه النظر هذا فيه نظر. فافهم. ص: وحجة أخرى: أنَّا قد رأينا البغال والحمير لا زكاة فيها وإن كانت سائمةً، والإبل والبقر والغنم فيها الزكوات إذا كانت سائمةً، وإنما الاختلاف في الخيل، فأردنا أن ننظر أيّ الصنفين هي أشبه به فنعطف حكمه على حكمه، فرأينا الخيل ذات حوافر وكذلك الحمير والبغال هي ذوات حوافر أيضًا، وكانت المواشي من البقر والغنم والإبل ذوات أخفاف، فذو الحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف، فثبت بذلك أن لا زكاة في الخيل كما لا زكاة في الحمير والبغال. ش: أراد به دليلًا آخر في اقتضاء القياس عدم وجوب الزكاة في الخيل، وهو ظاهر، ولكن فيه نظر من وجهين: الأول: أن الخيل يؤكل لحمها، ولا سيما عند من لا يرى الزكاة فيها، فشبهها بمأكول اللحم كالبقر والغنم والإبل أقرب من شبهها بما لا يؤكل لحمها كالحمير والبغال؛ لأن المشابهة بين الشيئين لا تطلب إلا في الوصف الأعم الأشهر.

стр. 3904

وهذا الوصف الذي ذكرنا هو أعم وأشهر من المشابهة التي ذكرها. الثاني: أن قوله: وكانت المواشي من البقر والغنم والإبل ذوات أخفاف ليس كذلك؛ لأن ذوات الأخفاف هي الإبل فقط، وأما البقر والغنم فهي ذوات أظلاف وهي في الحقيقة كالحافر غير أنها مشقوقة، والحافر غير مشقوقة. ص: وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو أحب القولين إلينا. وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار قال: "قلت لسعيد بن المسيب: أَعَلَى البراذين صدقة؟ فقال: أَوَ على الخيل صدقة؟ ". ش: أي: هذا الذي ذكرنا من عدم وجوب الزكاة في الخيل هو قول الإِمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن الحسن، وأشار بقوله: "وهو أحب القولين إلينا" إلى أنه اختار قول أبي يوسف ومحمد في هذا الباب، وترك قول أبي حنيفة. قوله: "وقد روي ذلك" أي: عدم الوجوب في الخيل "عن سعيد بن المسيب". أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن دينار قال: "سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين فقال لي: أَوَفي الخيل صدقة؟ أَوَفي الخيل صدقة؟ ". قلت: أراد به إنكار الوجوب فيها، ولا يتم به الاستدلال؛ لأنه يمكن أن يكون مراده خيل الغزاة، كما روي عن ابن عباس كذلك، وقد ذكرناه.

стр. 3905

ص: باب: الزكاة هل يأخذها الإمام أم لا ؟ ش: أي: هذا باب في بيان أن الإِمام هل يأخذ الزكاة من الناس جبرًا أم لا؟ ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: "أن وفد ثقيف قدِموا على رسول الله ﵇ فقال لهم: لا تحشروا ولا تعشروا". ش: إسناده صحيح. وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري. وحميد هو الطويل. والحسن هو البصري. وعثمان بن أبي العاص الثقفي أبو عبد الله الطائفي قدم على النبي ﵇ في وفد ثقيف، واستعمله النبي ﵇ على الطائف، ثم أقره أبو بكر وعمر ﵄. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن علي بن سويد، قال: ثنا أبو داود، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: "أن وقد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﵇ أنزلهم في المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يُجبّوا، فقال رسول الله ﵇: لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا ولا خير في دين ليس فيه ركوع". قوله: "لا تحشروا" أي: لا تندبون إلى المغازي، ولا تضرب عليكم البعوث، وقيل: أي: لا تحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالكم، بل يأخذها في أماكنكم، وأصله من الحشر وهو الجمع. قوله: "ولا تعشروا" أي: لا يؤخذ عشر أموالكم.

стр. 3906

وقيل: أراد بها الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم في تركها؛ لأنها لم تكن واجبةً يومئذٍ عليهم إنما تجب بتمام الحول. وسئل جابر ﵁ عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليهم ولا جهاد؟ فقال: علم أنهم سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا. قوله: "ولا يجبوا" على صيغة المجهول من التجبية -بالجيم- وهو أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو السجود، والمراد بقولهم: لا يجبوا، أنهم لا يصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع لقوله في جوابهم: "ولا خير في دين ليس فيه ركوع" فسمى الصلاة ركوعًا؛ لأنه بعضها، وإنما لم يرخص لهم في ترك الصلاة؛ لأن وقتها حاضر متكرر بخلاف وقت الزكاة والجهاد. ص: حدثنا أحمد، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن مهاجر البجلي، عن عمرو بن حُريث، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: قال رسول الله ﵇: "يا معشر العرب احمدوا الله إذ رفع عنكم العشور". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن رجل، حدثه عن عمرو بن حريث، يحدث عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول ... فذكر مثله. ش: هذان طريقان: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي تكلم فيه النسائي، عن زكرياء بن أبي زائدة، واسم أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي الكوفي، أحد أصحاب أبي حنيفة روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي الكوفي روى له الجماعة إلا البخاري، عن عمرو بن حريث بن عمرو المخزومي المدني وثقه ابن حبان، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي أحد

стр. 3907

العشرة المبشرة بالجنة وابن عم عمر بن الخطاب وصهره على أخته فاطمة بنت الخطاب ﵃. والثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الزبيري الكوفي، عن إسرائيل ... إلى آخره. ورجاله ثقات، ولكن فيه مجهول. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا الفضل بن دُكين، نا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، حدثني مَن سمع عمرو بن حريث، يحدث عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "يا معشر العرب احمدوا الله الذي رفع عنكم العشور". وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (٢): عن محمَّد بن المثنى، عن أبي أحمد، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن رجل، عن عمرو بن حريث ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣): عن محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن رجل، عن عمرو بن حريث، قال: سمعت سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﵇: "يا معشر العرب احمدوا ربكم الذي رفع عنكم العشور". قوله: "إذْ رفع عنكم العشور" أراد ما كانت الملوك تأخذه منهم. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن معبد والحماني، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن جده أبي أمه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵇: "ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على أهل الذمة".

стр. 3908

ش: الحماني هو يحيى بن عبد الحميد أبو زكرياء الكوفي وقد تكرر ذكره. وأبو الأحوص سلام بن سُليم الحنفي روى له الجماعة. وعطاء بن السائب بن مالك الثقفي، قال العجلي: كان شيخًا ثقة قديمًا، فمن سمع منه قديمًا فهو صحيح الحديث، منهم سفيان، فأما من سمع منه بأخرة فهو مضطرب الحديث منهم هشيم. روى له البخاري متابعةً حديثًا، وأحمد والأربعة. وحرب بن عبيد الله بن عمير الثقفي، قال البخاري: لا يتابع عليه. وقد اختلفت الرواية عن حرب بن عبيد الله هذا، فقال عبد السلام بن حرب: عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن جده رجل من بني تغلب، قال: "أتيت النبي ﵇ فأسلمت وعلمني الإسلام وعلمني كيف آخذ الصدقة". وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن سفيان، عن عطاء، عن رجل من بكر بن وائل، عن خاله: "قلت: يا رسول الله، أعْشُرُ قومي؟ ". وقال وكيع: عن سفيان، عن عطاء، عن حرب، عن النبي ﵇ مرسلًا. وقيل: عن سفيان، عن عطاء، عن حرب، عن خالٍ له. وقال حماد بن سلمة: عن عطاء، عن حرب، عن رجل من أخواله. وقال جرير: عن عطاء، عن حرب بن هلال الثقفي، عن أبي أمامة بن ثعلبة. وقال نُصَير بن أبي الأشعث: عن عطاء، عن حرب، عن أبي جده. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: حرب بن عبيد الله الثقفي روى عن خالٍ له من بكر بن وائل، قال: "أتيت النبي ﵇ ... ". روى عنه عطاء بن السائب سمعت أبي يقول ذلك. واختلفت الرواة عن عطاء على وجوه، فكان أشبهها ما روى الثوري، عن عطاء بن السائب فلا يشتغل -أبي يقول ذلك- برواية جرير وأبي الأحوص ونُصير بن أبي الأشعث.

стр. 3909

وقال عباس الدوري: قلت ليحيى: تعرف أحدًا يقول: عن جده أبي أمه، وفي رواية: عن جده أبي أمه، عن أخيه؟ قال: لا، كأنه عنده إنما هو: عن جده أبي أمه فقط، قال: وسألته عن حديث عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن خاله، مَن خاله؟ قال: لا أدري. قلت: أخرج أبو داود (١) نحو رواية الطحاوي أولًا، ثم أخرج على نحو الاختلاف الذي ذكرناه فقال: ثنا مسدد، قال: نا أبو الأحوص، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن جده أبي أمه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﵇: "إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور". ونا (٢) محمَّد بن عبيد الله المحاربي، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن النبي ﵇ بمعناه، قال: "الخراج" مكان "العشور". ونا (٣) محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء، عن رجل من بني بكر بن وائل، عن خاله: "قلت: يا رسول الله، أعشر قومي؟ قال: إنما العشور على اليهود والنصارى". وثنا (٤) محمَّد بن إبراهيم البزار، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله بن عُمير الثقفي، عن جده رجل من بني تغلب، قال: "أتيت النبي ﵇ فأسلمت وعلَّمني الإِسلام، وعلَّمني كيف آخذ الصدقة من قومي ممن أسلم، ثم رجعت إليه فقلت: يا رسول الله، كل ما علمتني قد حفظت إلا الصدقة؛ أفأعشرهم؟ قال: لا، إنما العُشر عَلى اليهود والنصارى".

стр. 3910

ورواه البيهقي في "سننه الكبير" (١): من حديث أبي بكر بن عياش، عن نُصير، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي حمدة، قال: قال رسول الله ﵇: "ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى". قال: ورواه البخاري في "تاريخه" (٢) دون ذكر أبيه. ورواه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا ابن دُكين، نا سفيان، عن عطاء، عن حرب بن عبيد الله الثقفي، عن خاله، قال: "أتيت رسول الله ﵇ فذكر له أشياء، فسأله فقال: أعشرها؟ فقال: إنما العشور على اليهود والنصاري، ليس على المسلمين عشور". وقال ابن الأثير: والعشور: جمع عُشر، يعني ما كان من أموالهم للتجارات دون الصدقات، والذي يلزمهم من ذلك عند الشافعي ما صولحوا عليه وقت العهد، فإن لم يصالحوا على شيء فلا يلزمهم إلا الجزية. وقال أبو حنيفة: إن أخذوا من المسلمين إذا دخلوا بلادهم للتجارة أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا للتجارة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الإِمام ليس له أن يبعث على المسلمين من يتولى أخذ صدقاتهم، ولكن المسلمين بالخيار إن شاءوا أدوها إلى الإِمام فتولى وضعها في مواضعها التي أمره الله بها، وإن شاءوا فرقوها في تلك المواضع، وليس للإمام أن يأخذها منهم بغير طيب أنفسهم، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار التي رويناها عن رسول الله ﵇، وبما روي عن عمر ﵁. حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا سفيان، عن عمرو، عن مسلم بن يسار قال: "قلت لابن عمر: كان عمر يَعشر المسلمين؟ قال: لا".

стр. 3911

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وإبراهيم النخعي ومكحولًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: المسلمون بالخيار إن شاءوا أدوا صدقاتهم إلى الإِمام، وإن شاءوا فرقوها بأنفسهم. وقال ابن قدامة (١): يستحب للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها سواء كانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة. قال الإِمام أحمد: أعجب إليَّ أن يخرجها بنفسه، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز. وقال طاوس: لا تعطهم. وقال عطاء: أعطهم إذا وضعوها مواضعها. وقال الشعبي وأبو جعفر: إذا رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة من أهلها. وقال إبراهيم: ضعوها في مواضعها فإن أخذها السلطان أجزأك. وروي عن أحمد أنه قال: أما صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى السلطان، وأما زكاة الأموال كالمواشي فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين، فظاهر هذا أنه استحب دفع العشر خاصةً إلى الأئمة. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي: احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث عثمان بن أبي العاص وسعيد بن زيد وحرب بن عبيد الله، عن جده، عن أبيه. قوله: "وبما روي" أي: واحتجوا أيضًا بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن مسلم بن يسار المكي الفقيه، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵃.

стр. 3912

ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: للإمام أن يولي أصحاب الأموال صدقات أموالهم حتى يضعوها مواضعها، وللإمام أيضًا أن يبعث عليها مصدقين حتى يعشروها ويأخذوا الزكاة منها. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: ينصب الإِمام من يأخذ صدقات أموالهم ويبعث مصدقين ليعشروها ويأخذوا الزكوات منها، وله أن يفوض لأرباب الأموال فيصرفونها مصارفهم. وقال صاحب "البدائع": مال الزكاة نوعان: ظاهر: وهو المواشي، والمال الذي يمر به التاجر على العاشر. وباطن: وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها. أما الظاهر فللإمام ونوابه وهم المصدقون من السعاة والعشار ولاية الأخذ، والساعي هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، والعاشر هو الذي يأخذ الصدقة من التاجر الذي يمر عليه، والمصدق: اسم جنس. والدليل على أن للإمام ولاية الأخذ في المواشي في الأموال الظاهرة: الكتاب والسنة والإجماع وإشارة الكتاب. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ...﴾ (١) الآية، نزلت في الزكاة عند عامة أهل التأويل أمر نبيَّه ﵇ بأخذ الزكاة، فدل أن للإمام المطالبة بذلك والأخذ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٢)، فقد بيَّن الله تعالى، ذلك بيانًا شافيًا حيث جعل للعاملين عليها حقًّا، فلو لم يكن للإمام أن يطالب أرباب الأموال بصدقات الأنعام في أماكنها، وكان أداؤها إلى أرباب الأموال، لم يكن لذكر العاملين وجه.

стр. 3913

وأما السنة فإن رسول الله ﵇ كان يبعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ صدقات الأنعام والمواشي في أماكنها، وعلى ذلك فعل الأئمة من بعده من الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. وكذا المال الباطن إذا مرَّ به التاجر على العاشر كان له أن يأخذها في الجملة، وعليه إجماع الصحابة؛ فإن عمر ﵁ نصب العُشار وقال لهم: خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العُشر. ومن الحربي العُشر. وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم يُنقل أنه أنكر عليه أحد منهم فصار إجماعًا. وأما المال الباطن الذي يكون في المصر قال عامة مشايخنا: إن رسول الله ﵇ وأبا بكر وعمر ﵃ طالبوا بزكاته وعثمان ﵁ طالب مدة ولما كثر أموال الناس رأى أن في تتبعها حرجًا على الأئمة، وفي تفتيشها ضررًا بأرباب الأموال، ففوض إلى أربابها الأداء. انتهى. قلت: هذا الكلام يدل على أن مذهب أبي حنيفة أن ولاية الأخذ في الزكوات للإمام سواء كان من الأموال الظاهرة أو من الأموال الباطنة، وأشار إلى ذلك الطحاوي أيضًا حيث قال في وجه النظر في هذا الباب: فإنا قد رأيناهم أنهم لا يختلفون أن للإمام أن يبعث إلى أرباب المواشي السائمة حتى يأخذ منهم صدقة مواشيهم إذا وجبت فيها الصدقة، وكذلك يفعل في ثمارهم. فالنظر على ذلك أن تكون بقية الأموال من الذهب والفضة وأموال التجارات كذلك، ثم قال: وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، فعلى هذا: ما ذكره بعض أصحابنا الحنفية في مختصراتهم من أن الإِمام لا يتعرض إلى الأموال الباطنة، غير صحيح وأنه ليس مذهب أبي حنيفة. ص: وكان في الحجة على أهل المقالة الأولى: أن العشر الذي كان رسول الله ﵇ رفعه عن المسلمين هو العشر الذي كان يؤخد في الجاهلية، وهو خلاف الزكاة، وكان يسمونه المكس، وهو الذي روى عقبة بن عامر فيه عن النبي ﵇ ما قد حدثنا فهد،

стр. 3914

قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا عبد الرحيم، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شُماسة، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﵇: "لا يدخل الجنة صاحب مكس" يعني: عاشرًا. فهذا هو العشر المرفوع من المسلمين، وأما الزكاة فلا. ش: أشار به إلى الجواب عن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وهو أن يقال: إن المراد من العشر الذي رفعه رسول الله ﵇ عن المسلمين هو الذي كان يؤخذ منهم قبل الإسلام، وهو الذي كان يسمى المكس، وهو خلاف الزكاة التي نص الله تعالى ورسوله على إخراجها ودفعها إلى الإِمام ليضعها في مصارفها، وقد بيَّن ذلك عقبة بن عامر الجهني في حديثه عن النبي ﵇: "لا يدخل الجنة صاحب مكس" وأراد به العاشر الذي كان يأخذه منهم على طريق الظلم. وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن عبد الرحيم بن سليمان أبي علي الأشل روى له الجماعة، عن محمَّد بن إسحاق المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن شماسة بن ذؤيب المصري روى له الجماعة سوى البخاري. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة ابن عامر قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا يدخل الجنة صاحب مكس". أخرجه في باب: "السعاية على الصدقة" في أول كتاب الخراج. وقال ابن الأثير في تفسير هذا الحديث: المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار.

стр. 3915

وقال الجوهري: المكس: الجباية، والماكس: العشار، والمكس: ما يأخذه العشار. قال الشاعر (١): أفي (٢) كُلِّ أسواقِ العراقِ إتاوَةٌ ... وَفي كُلِّ ما باعَ امرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ انتهى. قلت: المكس في هذا الزمان: ما يأخذه الظلمة والأعوان من التجار الواردين في البلاد ومن الباعة والشراة في الأسواق بأشياء مقررة عليهم على طريق الظلم والعدوان، وكان هذا قبل الإِسلام في الجاهلية، ثم لما جاء الشرع أبطل هذا وأمرهم أن يؤدوا الزكوات والعشور والخراج على الأوضاع الشرعية، ثم لما استولت الظلمة من الملوك والخونة من الحكام أعادوا هذا الظلم، ثم لم يزل الوزراء الظلمة الفسقة يحددون ذلك ويزيدون عليه ويفرعون تفريعات حتى وضعوه في كل شيء جليل وحقير، ودخلوا تحت قوله ﵇: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فليس منا". ص: وقد بيَّن ذلك أيضًا: ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن رجل من أخواله "أن رسول الله ﵇ استعمله على الصدقة، وعلَّمه الإسلام وأخبره بما يأخذ، فقال: يا رسول الله، كل الإسلام قد علمت إلا الصدقة، أفأعشر المسلمين؟ فقال رسول الله ﵇: إنما يعشر اليهود والنصارى". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ بعثه على الصدقة وأمره أن لا يعشر المسلمين، وقال له: "إنما العشور على اليهود والنصارى" فدل ذلك أن العشور المرفوعة عن المسلمين هي خلاف الزكاة.

стр. 3916

ش: أي: وقد بيَّن ما ذكرنا من أن المراد من ذلك العشر هو الذي كان يؤخذ في الجاهلية: ما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب -بفتح الخاء المعجمة- ابن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن رجل من أخواله ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله، عن خاله، عن النبي ﵇ مثله. وقد ذكرنا الاختلاف في هذا الحديث، عن قريب. قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث حرب بن عبيد الله الذي يرويه عن خاله من الصحابة. ص: ومما يبيِّن ذلك أيضًا: أن حسين بن نصر، حدثنا قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله الثقفيّ، عن خالٍ له من بكر بن وائل قال: "أتيت النبي ﵇ فسألته عن الإبل والغنم أعشرهن؟ قال: إنما العشور على اليهود وليس على المسلمين". فدل هذا أن العشر الذي ليس على المسلمين المأخوذ من اليهود والنصارى هو خلاف الزكاة؛ لأن ما يؤخد من النصارى من ذلك إنما هو حق للمسلمين واجب عليهم كالجزية الواجبة لهم عليهم، والزكاة ليست كذلك؛ لأنها إنما تؤخذ طهارةً لرب المال وهو مثاب على أدائها، واليهود والنصارى ليس ما يؤخد منهم من العشر طهارةً لهم، ولا هم مثابون عليه، فرفع رسول الله ﵇ ما يؤخذ منهم مما لا ثواب لهم عليه، وأقر ذلك على اليهود والنصارى. ش: أي: ومن الذي يبيِّن ما ذكرنا من أن العشر الذي كان رسول الله ﵇ رفعه عن المسلمين هو الذي كان يؤخذ منهم في الجاهلية وهو المكس، وليس ذلك هو الزكاة: أن حسين بن نصر بن المعارك، حدثنا عن محمَّد بن يوسف

стр. 3917

الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن حرب ابن عبيد الله .. إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١) وأحمد في "مسنده" (٢) وقد ذكرناه، عن قريب مع الاختلاف فيه. قوله: "طهارةً". نصب على التعليل، أي: لأجل الطهارة لرب المال عن الأوساخ. ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران: "أن عمر بن عبد العزيز- ﵁ كتب إلى أيوب بن شرحبيل: أنْ خذ من المسلمين من كل أربعين دينارًا دينارًا، ومن أهل الكتاب من كل عشرين دينارًا دينارًا إذا كانوا يديرونها، ثم لا تأخذ منهم شيئًا حتى رأس الحول؛ فإني سمعت ذلك ممن سمعه من النبي ﵇ يقول ذلك". ففي هذا الحديث أمر رسول الله ﵇ للمصدقين أن يأخذوا من أموال المسلمين ما ذكرنا، ومن أموال أهل الذمة ما وصفنا. ش: ذكر هذا شاهدًا لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية. وأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب المدني، عن عبد الرحمن بن مهران مولى بني هاشم وثقه ابن حبان، عن الخليفة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ... إلى آخره. وأيوب بن شرحبيل الأصبحي عامل عمر بن عبد العزيز، قال ابن يونس: أيوب هذا كان أحد أمراء مصر، وليها لعمر بن عبد العزيز- ﵁، روى عنه أبو قبيل وعبد الرحمن بن مهران، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 3918

وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يعلى بن عبيد، عن يحيى بن سابق، عن زريق مولى بني فزارة: "أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه حين استخلف: خذ [ممن] (٢) مرَّ بك من تجار المسلمين فيما يديرون من أموالهم من كل أربعين دينارًا: دينارًا فما نقص فبحساب ما نقص حتى يبلغ عشرين، فإذا نقصت ثلث دينار فدعها لا تأخذ منها شيئًا، واكتب لهم براءة بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول، وخذ [ممن] (٢) مرَّ بك من تجَّار أهل الذمة فيما يظهرون من أموالهم ويديرون من التجارات من كل عشرين دينارًا دينارًا فما نقص فبحساب ما نقص حتى يبلغ عشرة دنانير، فإذا نقصت ثلث دينار فدعها لا تأخذ منها شيئًا. واكتب لهم براءة إلى مثلها من الحول بما تأخذ منهم". قوله: "دينارًا دينارًا" منصوبان الأول: على التمييز، والثاني: على أنه مفعول لقوله: "خذ". قوله: "يديرونها" من الإدارة. ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما وافق هذا. حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاذ بن معاذ العنبري، عن ابن عون، عن أنس بن سيرين، قال: "أرسل إليَّ أنس بن مالك، فأبطأت عنه، ثم أرسل إليَّ فأتيته، فقال: إني كنت أرى أني لو أمرتك أن تعضّ على حجر كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك عملًا فكرهته أو أكتب لك سنَّة عمر ﵁؟ قال: قلت: اكتب لي سنة عمر ﵁. قال: فكتب: من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهم، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهم، قال: قلت: مَن لا ذمة له؟ قل: الروم كانوا يقدمون من الشام".

стр. 3919

فلما فعل عمر- ﵁ هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ فلم ينكره عليه منكر كان حجة وإجماعًا منهم عليه. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي: قد روي، عن عمر ﵁ ما وافق ما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ في أمره أن يؤخذ من المسلمين ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر كاملًا، وهو المراد من قوله: "ممن لا ذمة له" حيث فسره بقوله: "الروم"؛ وذلك لأن الروم كانوا حينئذٍ أهل حرب، وكانت تجارهم يدخلون أرض العرب للتجارة، ولما أمر عمر بن الخطاب ﵁ بذلك والصحابة حينئذٍ متوافرون، ولم ينكر ذلك أحد منهم عليه؛ فصار إجماعًا منهم على هذا الحكم وعلى أن ولاية الأخذ للإمام. ثم إنه أخرج الأثر المذكور بإسناد صحيح: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن معاذ بن معاذ العنبري شيخ أحمد، عن عبد الله بن عون، عن أنس بن سيرين مولى أنس بن مالك أخي محمَّد بن سيرين. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عون، عن أنس بن سيرين، قال: "أرسل إلى أنس فأبطأت عليه، ثم أرسل إليَّ فأتيته، فقال: إني كنت لأرى أني لو أمرتك أن تعضّ على حجرٍ كذا وكذا ابتغاء مرضاتي لفعلت، اخترت لك خيرَ عمل فكرهته، إنما أكتب لك سنة عمر- ﵁، قلت: فاكتب لي سنة عمر ﵁، قال: فكتب: من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمٍ، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهم، قلت: مَن لا ذمة له؟ قال: الروم كانوا يقدمون من الشام". ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم أنهم لا يختلفون أن للإمام أن يبعث إلى أرباب المواشي السائمة حتى يأخذ منهم صدقة مواشيهم إذا وجب فيها

стр. 3920

الصدقة، وكذلك يفعل في ثمارهم، ثم يضع ذلك في مواضع الزكوات على ما أمره به ، لا يأبى ذلك أحد من المسلمين. فالنظر على ذلك: أن تكون بقية الأموال من الذهب والفضة وأموال التجارات كذلك، فأما معنى قول رسول الله ﵇ "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" فعلى ما قد فسرته فيما تقدم من هذا الباب، وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك، عن أبي عمر الضرير. وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس: فإنا قد رأيناهم -أي أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية - والباقي ظاهر. فظهر من كلامه هذا أن للإمام أن ينصب من يأخذ الزكوات من أموال المسلمين سواء كانت من الأموال الظاهرة أو من الأموال الباطنة، وسواء كان الإِمام عادلًا يضع ما أخذه في مصارفه أو لم يكن، وكذلك نوابه سواء كانوا عدولًا أو خونةً، ولكن اختلف علماؤنا الحنفية في هذا النظر. فقال صاحب "البدائع" (١): وأما سلاطين زماننا الذين إذا أخذوا الصدقات والعشر والخراج ولا يضعونها في مواضعها، فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها؟ اختلف المشايخ فيه، فقد ذكر الفقيه أبو جعفر الهنداوي أنه يسقط ذلك كله وإن كانوا لا يضعونها في أهلها؛ لأن حق الأخذ لهم فيسقط عنا بأخذهم، ثم إن لم يضعوها في مواضعها فالوبال عليهم. وقال الشيخ أبو بكر بن سعيد الجراح: تسقط ولا تسقط الصدقات؛ لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة، وهم يصرفونه إلى المقاتلة ويقاتلون العدو، ألا ترى أنه لو ظهر العدو فإنهم يقاتلون ويذبون عن حريم المسلمين؟! فأما الزكوات والصدقات فإنهم لا يضعونها في أهلها.

стр. 3921

وقال أبو بكر الإسكاف: إن جميع ذلك لا يسقط ويعطى ثانيًا؛ لأنهم لا يضعونها في مواضعها ولو نوى صاحب المال وقت الدفع أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله. قيل: يجوز لأنهم فقراء في الحقيقة، ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات والمظالم صاروا فقراء؟! وروي عن أبي مطيع البلخي نحو ذلك. وقيل: إن السلطان لو أخذ مالًا من رجل مصادرةً بغير حق فنوى صاحب المال وقت الدفع أن يكون ذلك من زكاة ماله وعشر أرضه يجوز، والله أعلم. قوله: "فأما معنى قول رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. جواب عما يقال: كيف تقول: إن للإمام أن يأخذ من الناس الصدقات وقد قال ﵇: "ليس على المسلمين عشور"؟ وتقرير الجواب ما ذكره فيما مضى مستقصى. قوله: "وقد سمعت أبا بكرة يحكي ذلك" أي التفسير المذكور في قوله ﵇: "ليس على المسلمين عشور". وأبو بكرة هو بكار بن قتيبة القاضي الزاهد المشهور، يروي ذلك التفسير عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير البصري شيخ أبي داود وابن ماجه وأحمد بن حنبل، كان عالمًا بالفقه والفرائض ثقةً كبيرًا. ص: وقد روي عن يحيى بن آدم في تفسير قول النبي ﵇: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" معنى غيرُ المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنه قال: إن المسلمين لا يجب عليهم بمرورهم بالعاشر في أموالهم، ما لم يكن واجبًا عليهم لو لم يمروا بها عليه؛ لأن عليهم الزكاة على أي حال كانوا عليها، واليهود والنصارى لو لم يمروا بأموالهم على العاشر لم يجب عليهم فيها شيء، فالذي رفع عن المسلمين هو الذي يوجبه المرور بالمال على العاشر، ولم يرفع ذلك عن اليهود والنصارى.

стр. 3922

ش: يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الأموي أبو زكرياء الكوفي، أحد الأئمة الحنفية الكبار، روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وآخرون، وهو ممن روى لهم الجماعة. وقوله: "روي" على صيغة المجهول أسند إلى قوله: "معنىً". وقولى: "غير المعنى" بالرفع صفة لمعنىً. وقوله: "وذلك" إشارة إلى ذلك المعنى، والباقي ظاهر.

стр. 3923

ص: باب: ذوات العوار هل تؤخذ في صدقات المواشي أم لا ؟ ش: أي: هذا باب في بيان أن ذوات العوار من المواشي التي فيها تجب الزكاة هل يجوز أخذها حسابًا عن الزكاة أم لا؟ و"العُوار" بضم العين وتخفيف الواو، وقد تفتح العين. وقال ابن الأثير: العَوار -بالفتح-: العيب، وقد تضم. وقال الجوهري: العَوار: العيب. وعن أبي زيد: قد تضم. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "بعث النبي ﵇ مصدقًا في أول الإسلام فقال: خد الشارف والبكر وذوات العيب، ولا تأخذ حرزات الناس" قال هشام: أرى ذلك؛ ليستألفهم ثم جرت السنة بعد ذلك. حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذان طريقان: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعن النسائي كذلك. وعن أبي حاتم: ضعيف الحديث. وعن أبي زرعة: كان صدوقًا في الحديث. وعن أحمد: ثقة. وعن البخاري: لم نر إلا خيرًا، هو في الأصل صدوق. عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. الثاني: مرسل عن أحمد بن داود المكي أيضًا، عن يعقوب بن حميد أيضًا، عن وكيع، عن هشام، عن أبيه عروة، عن النبي ﵇.

стр. 3924

وأخرجه أبو داود في "مراسيله" (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، ثنا هشام ابن عروة، عن عروة: "أن النبي ﵇ بعث رجلًا على الصدقة، فأمره أن يأخذ البكر والشارف وذات العيب، وإياك وحزرات أنفسهم". وأخرجه أيضًا كذلك ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ بعث مصدقًا فقال: لا تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئًا، وخذ الشارف وذات العيب". قوله: "خذ الشارف" بالشين المعجمة وكسر الراء، وهي الناقة المسنة. وقال أبو عبيد: الشارف المسنة الهرمة، والبَكْر -بفتح الباء وسكون الكاف-: الفتيّ من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى: بَكْرة. قوله: "ولا تأخذ حرزات الناس" بفتح الحاء والراء المهملتين، والزاي المعجمة، أي: لا تأخذ من خيارها، فالرواية هكذا بتقديم الراء على الزاي، وهي جمع حرزة -بسكون الراء- وهي خيار المال؛ لأن صاحبها يحرزها ويصونها، والرواية المشهورة بتقديم الزاي على الراء، وهي أيضًا جمع حَزْرة بسكون الزاي وهي خيار مال الرجل؛ سميت حزرة؛ لأن صاحبها لا يزال يحزرها في نفسه، سميت بالمرة الواحدة من الحزر ولهذا أضيفت إلى الناس في رواية الطحاوي وإلى الأنفس في رواية غيره. قوله: "قال هشام: أُرَى ذلك" بضم الهمزة أي: أظن ذلك "ليستألفهم" من الاستئلاف، وهي طلب الألفة، وأشار بذلك إلى أنه كان في أول الإِسلام، ثم نسخ لما نذكره إن شاء الله تعالى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم بك تقليد هذا الخبر وقالوا: هكذا ينبغي للمصدق أن يأخذ.

стр. 3925

ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من المالكية وجماعة من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: ينبغي للمصدق أن يأخذ الشارف والبكر وذوات العيب، ولا يأخذ خيار أموال الناس. وقال مالك في "الموطأ": السنة عندنا والذي أدركت عليه أهل العلم: أنه لا يضيق على المسلمين في زكاتهم، وأن يقبل منهم ما دفعوا من أموالهم. وقال ابن قدامة في "المغني": قال مالك والشافعي: إن رأى المصدق أن أخذ الشارف وذوات العوار ونحوهما خير له وأنفع للفقراء، فله أخذه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، وإنما يأخذ عدلًا من المال. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء من الأئمة الأربعة وأصحابهم، وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وآخرين؛ فإنهم قالوا: لا يأخذ في الصدقات ذات عيب، بل يأخذ عدلًا -أي وسطًا- من المال، اللهم إلا إذا كان جميع النصاب ذوات العيوب، فإنه حينئذٍ يأخذ منها. وقال ابن التين: وإنما لم يأخذ ذات العَوار ما دام في المال شيء سليم لا عيب فيه، فإن كان المال كله معيبًا فإنه يأخذ واحدًا من وسطه، وهو قول الشافعي. وقال مالك: يكلف بإتيان صحيح. وذكر ابن بزيزة في "أحكامه": وفي مذهب مالك فيه أربعة أقوال: فقيل: لا يؤخذ منها على الإطلاق. وقيل: لا يؤخذ منها ويكلف رب المال أن يأتي بالوسط. وقيل: يؤخذ منها إن كانت سخالًا كلها. وكذلك اختلفوا في الحبوب إذا كانت من صنف رديء أو عال، هل يؤخذ منه أو لا؟ والحكم بالوسط أعدل. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا أيضًا، عن ثمامة، عن أنس: "أن أبا بكر الصديق
следующие страницы →