وفي "المغني" لابن قدامة: المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا عند الشهوة، فيكون على رأس الذكر، واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنَّه لا يوجب [إلَّا] (١) الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية: يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء. انتهى.
وقال ابن حزم في "المحلى": المذي تطهيره بالماء؛ يغسل مخرجه من الذكر وينضح بالماء ما مسّ من الثوب.
وقال مالك: يغسل الذكر كله.
وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول، أو لا بد من الماء؟ واختلف القائلون بغسل الذكر من المذي هل يجزئ أنْ يغسل منه ما يغسل من البول أو لا بد من غسل جميعه؟ واختلفوا أيضًا هل يفتقر إلى نية في غسل ذكره أم لا؟
وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة أبردةٍ وزمانةٍ، فإن كان كذلك فهو أيضًا كالبول عند جميعهم، فإنْ كان سَلَسا لا ينقطع، فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا، إلَّا أنَّ طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة؛ قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه، وأما المذي العهود المتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله؛ لما يجري من اللذة أو لطول عزْبة، فعل هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي ﵁ وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع، لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، إيجاب غسله لنجاسته.
стр. 422
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم يكن ذلك من رسول الله ﵇[علي] (١) إيجاب غسل المذاكير، ولكنه ليتقلص المذي فلا يخرج، قالوا: ومن ذلك ما أُمر به المسلمون في الهدي إذا كان له لبن أنْ ينضح ضرعه بالماء؛ ليتقلص ذلك فيه فلا يخرج.
ش: أيّ خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالكا في رواية، وأحمد كذلك؛ فإنهم قالوا: لم يكن ذلك أيّ قوله: ﵇: "يغسل مذاكيره" إيجاب غسل ولكنه ليتقلص أيّ ليرتفع ويزول، من قلص الشيء، تقلص قلوصا: ارتفع. يقال: قلص الظلّ، وقَلَص الماء: إذا ارتفع في البئر فهو ماء قَالِصٌ، وقَلاص، وقَلِيص، وقَلَص، وقَلَّص وتَقَلَّص: كله بمعنى واحد. أيّ: انضم وانزوى، يقال: قلصت شفته: إذا انزوت، وقلص الثوب بعد الغسل، وشفة قالصة، وظل قالص: إذا نقص.
قوله: "ومن ذلك" أيّ من القبيل المذكور: مسألة الهدي إذا كان لها لبن يُدِرُّ، فإنه ينضح بالماء ليتقلص، أيّ: ليرتفع لبنها وينقطع، فإنّ هذا في الحديث ليس على الإيجاب. ومن خاصيَّة الماء البارد أنَّه يقطع اللبن ويردّه إلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين رَدَّ المذي وكسره، و"النضح" -بالضاد المعجمة، والحاء المهملة-: الرش.
ص: وقد جاءت الآثار متواترة بما يدل على ما قالوا، فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود وابن أبي عمران، قالا: حدثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: نا عَبيدةُ بن حميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قال علي ﵁: "قد كنت رجلًا مذاء، فأمرتُ رجلًا، فسأل النبي ﵇ فقال: فيه الوضوء".
стр. 423
ش: أيّ قد جاءت الآثار حال كونها متكاثرة متتابعة بما يَدلُّ على ما قال الآخرون، من أنَّ قوله ﵇: "يغسل مذاكيره" ليس على إيجاب غسلها؛ ولكن ليتقلص المذي كما ذكرنا.
فمن ذلك ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وأحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، كلاهما عن عمرو بن محمَّد شيخ الشيخين وغيرهما، عن عَبيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- بن حميد بن صُهيب الضبي، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (١): من حديث عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس قال: قال علي ﵁: "أرسلت المقداد ابن الأسود إلى رسول الله ﵇ فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟! قال رسول الله ﵇: توضأ وانضح فرجك".
قوله: "مذاء"، فعَّال بالتشديد، وهو صيغة المبالغة في كثرة خروج المذي، وكان علي ﵁ كثير المذي جدّا.
حتى قال البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن جريج، عن عطاء: "أنَّ عليّا كان يدخل الفتيلة في إحليله من كثرة المذي".
قوله: "فأمرت رجلًا" قد فسره في رواية مسلم بأنه المقداد.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أبنا هُشيم، قال: أبنا الأعمش، عن منذر بن يعلى الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، قال: سمعته يُحدِّث عن أبيه قال: "كنت أجد مذيا؛ فأمرت المقداد أنْ يسأل النبي ﵇ عن ذلك، واستَحْييتُ أنْ أسأله؛ لأن ابنته عندي، فقال: إن كل فحل يُمْذي، فإذا كان المني فعليه الغسل، وإذا كان المذي فعليه الوضوء".
стр. 424
ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهشيم هو ابن بشير، والأعمش هو سليمان، ومحمد بن الحنفية هو محمَّد بن علي بن أبي طالب ﵄ المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر.
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى ... إلى آخره، نحوه، ولفظه: "فكنت أستحي أنْ أسأل رسول الله لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ".
وأخرجه البخاري (٢) أيضًا بنحوه.
قوله: "واستحييت"، بيائين، وفيه لغة أخرى: بياء واحدة، وقرأ ابن كثير: ﴿إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا﴾ (٣) بياء واحدة كراهة للجمع بين حرفي لين. قاله ابن خالويه.
قوله: "كل فحل" أيّ كل ذكر من بني آدم يخرج من ذكره مذي.
قوله: "فإذا كان المني" أيّ وُجدَ المني و"كان" ها هنا تامة؛ فلهذا لم تحتج إلى الخبر، وهذا لم يذكر فيه وجوب غسل الذكر، وكل موضع ذكر فيه ذلك فالمراد غسل موضع الإصابة، لا جميع الذكر.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، وكانت عندي ابنة النبي ﵇ فأرسلتُ إلى رسول الله ﵇ فقال: توضأ واغسله".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
وأبو حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي.
стр. 425
وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السلمي الكوفي.
وأخرجه البخاري (١): ثنا الوليد، ثنا زائدة، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذَّاء، فأمرت رجلًا أنْ يسأل النبي ﵇ لمكان ابنته، فسأله فقال: توضأ واغْسل ذكرك".
وأخرجه النسائي (٢) وقال: أنا هنّاد بن السري، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال عليّ: "كنت رجلًا مذاء، وكانت ابنة النبي ﵇ تحتي، فاستحييت أنْ أسأله فقلت لرجل جالس إلى جَنْبي: سَلْه. فسأله فقال: فيه الوضوء".
ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا يزيدُ بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁ قال: "سئل النبي ﵇ عن المذي، قال: فيه الوضوء، وفي المني الغسل".
ش: هذا طريق آخر وهو جيد حسن، ورجاله ثقات، وسعيد هو ابن منصور.
وأخرجه الترمذي (٣) نا محمَّد بن عمرو السواق البلخي، ثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، قال: ونا محمود بن غيلان، قال: نا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: "سألت النبي ﵇ عن المذي، فقال: من المذي الوضوء ومن المني الغسل".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، وكنت إذا أمزيت اغتسلتُ، فسألت النبي ﵇ فقال: فيه الوضوء".
стр. 426
ش: هذا أيضًا طريق آخر، وهو جيد لا بأس به، والفريابي هو [محمد] (١) بن يوسف، وأبو إسحاق هو عَمرو بن عبد الله السّبيعي، وإسرائيل ابنه، وهانئ بن هانئ الهمداني الكوفي، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، ووثقه ابن حبان.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، فإذا أمزيت اغتسلت، فأمرت المقداد فسأل النبي ﵇ فضحك، وقال: فيه الوضوء".
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أبنا إسرائيل. ح وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل ... ثم ذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
أحدهما: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء بن عمر البصري، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁.
والآخر: عن ربيع المؤذن المصري، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل ... إلى
آخره.
و"الحاء" المفردة علامة الانتقال والتحول من إسناد إلى إسناد.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا الرُكَيْن بن الربيع الفزاري، عن حُصَيْن بن قبيصة، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي ﵇ فقال: إذا رأيت المذْي فتَوضأ واغسِل ذكرك، وإذا رأيت المني فاغتسل".
стр. 427
ش: إسناده جيد حسن، والرُكين -بضم الراء- بن الربيع بن عميلة الفزاري الكوفي، روى له مسلم والأربعة.
وحُصين -بضم الحاء- وثقه ابن حبان.
وأخره أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عَبيدة بن حميد الحذاء، عن الركين ابن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي ﵇ -أو ذكر له- فقال: رسول الله ﵇: لا تفعل؛ إذا رأيت المذي؛ فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضَخْت الماء فاغتسل".
وأخرجه أحمد (٢)، والطبراني (٣) أيضًا، وفي رواية أحمد: "فليغسل ذكره وأُنْثييه" فمراده استظهار بزيادة التطهير؛ لأن المذي ربما ينتشر فيصيبهما.
قوله: "فضخت"، بالضاد والخاء المعجمتين أيّ إذا دفقت.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عايش بن أنس، قال: سمعت عليّا ﵁ على المنبر يقول: "كنت رجلًا مذاء فأردت أنْ أسال النبي ﵇ فاستحييت منه لأن ابنته كانت تحتي، فأمرت عمارا فسأله، فقال: يكفي منه الوضوء".
ش: هذا أيضًا جيد، وعايش -بالياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة- وثقه ابن حبان (٤) وأخرجه النسائي (٥): عن قتيبة، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
стр. 428
ص: قال أبو جعفر ﵀: أفلا ترى أنَّ عليّا ﵁، لما ذكر عن النبي ﵇ ما أوجبه عليه في ذلك ذكر وضوء الصلاة؛ فثبت بذلك أنَّ ما كان سوى وضوء الصلاة مما أمره به؛ فإنما كان لغير المعني الذي أوجب وضوء الصلاة.
ش: أراد من قوله: "مما أمر به" من غسل الأنثيين، أو نضح الماء، التحقيق أنَّه ﵇ أوجب الوضوء لكون المَذْي خارجا نجسا، وأما ما سواه من ذلك فإنه إنما كان لغير هذا المعنى، وهو كونه نجسا أصاب موضعا طاهرا؛ فيجب غسله، ولهذا قلنا باقتصار غسل موضع الإصابة من الذكر.
ص: وقد روى سهلُ بن حُنَيْف، عن رسول الله ﷺ ما يدل على هذا أيضًا.
حدثنا نصر بن مرزوق وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف: "أنَّه سأل النبي ﵇ عن المذي، فقال: فيه الوضوء".
قال أبو جعفر ﵀: فأخبر أنَّ ما يجب فيه هو الوضوء، وذلك ينفي أنْ يكون عليه مع الوضوء غيره.
ش: أيّ ما دلّ على ما ذكرناه من أنَّ ما سوى الوضوء مما أمر به فإنما كان لغير المعنى الذي وجب به الوضوء، وإسناد الحديث المذكور صحيح.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا هنّاد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره، ولفظه: "كنت ألقى من المذي شدة وعَناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇ وسألته عنه، فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. قلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أنْ تأخذ كفّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنَّه أصاب منه". قال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 429
وأخرجه ابن ماجه (١): عن عبد الله بن المبارك وعبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه.
فهذا سهل بن حُنيف أخبر أنَّ الذي يجب فيه: هو الوضوء لا غير، وهذا ينفي أنْ يكون عليه مع الوضوء غيره وأما المذي إذا أصاب الثوب فحكمه ما قال الترمذي في "جامعه": وقد اختلف أهل العلم في المذي يُصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلَّا الغسل -وهو قول الشافعي وإسحاق- وقال بعضهم: يجزئه النضح. وقال أحمد: أرجو أن يجزئ النضح بالماء.
قلت: مذهب أبي حنيفة أنه لا يجزئ إلَّا الغسل.
ص: فإن قال قائل: فقد رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يوافق ما قال أهل المقالة الأول، فذكر:
ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أبنا حماد بن سلمة، قال: أبنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النَهْدي: "أن سلمان بن ربيعة الباهلي، تزوج امرأة من بني عُقَيل، فكان يأتيها فيُلاعبها فيمذي، فسأل [عن] (٢) ذلك عمر بن الخطاب، فقال: إذا وجدت الماء فاغسل فرجك وأُنثييك، وتوضأ وضوئك للصلاة".
قيل له: يحتمل أن يكون وجه ذلك أيضًا ما صرفنا إليه وجه حديث رافع بن خديج.
ش: توجيه السؤال: أن قول عمر ﵁ يدل على ثلاثة أشياء: غسل الفرج، وغسل الأنثيين، والوضوء كوضوء الصلاة، وهذا يعضد قول أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن غسل المذاكير واجب إذا أمذى وإذا بال.
стр. 430
والجواب: أنه يحتمل تأويل حديث عمر نحو تأويل حديث رافع بن خديج الذي مضى ذكره في أى الباب، بأن يكون المراد من غسل الفرج والأنثيين هو لأن يتقلص المذي، أو المراد منه غسل موضع الإصابة فقط، وذكر الأنثيين يكون لاستظهار الطهارة.
وأبو بكرة: هو بكَّار القاضي.
وأبو عمر: هو الحَوْضِي واسمُه حفص بن عمر، شيخ البخاريّ.
وسليمان التيمي، روى له الجماعة.
وأبو عثمان النهدي: اسمه عبد الرحمن بن مَلّ الكوفي، روى له الجماعة.
وسلمان بن ربيعة الباهلي صحابي، وذكره ابن حبان في التابعين.
"وأخرجه بن أبي شيبة" (١): عن ابن عُلية، عن سليمان التيمي ... إلى آخره نحوه، ولكن فيه: "ثم أتيت عمر فقال: ليس عليك في ذلك غسل".
قوله: "من بني عُقَيْل" بضم العين وفتح القاف، وهم قبيلة كبيرة.
ص: وقد روُي عن جماعة ممن بعده ما يوافق ذلك؛
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري. (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا أبو عوانة، كلاهما عن منصور، عن مجاهد، عن مُورق، عن ابن عباس قال: "هو المني والمذي والوّدْيُ؛ فأما المَذْي والوّدْي فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، وأما المَني ففيه الغسل".
ش: أي قد رُوي عن جماعة ممن بعد النبي ﵇ من الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، أبي ما صرفنا إليه معنى حديث رافع بن خديج.
وأثر ابن عباس أخرجه من طريقين جيدين حَسنين:
стр. 431
أحدهما: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي -وثقه ابن حبان- عن الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر المكي، عن مُوَرّق العجلي -بضم الميم وتشديد الراء المكسورة-.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) في "مصنفه": عن وكيع، عن سفيان، عن منصور ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أبي بكرة، عن هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري- أحد الأئمة الحنفية الكبار، قال ابن الجوزي: كان فقيها كبيرا، وضعفه بعضهم، (٢) وكان أجَلّ من ذلك.
عن أبي عُوانة، عن منصور ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣): عن الثوري، عن منصور (إلى) (٤) مجاهد عن ابن عباس قال في المَذْي والودي والمني: "في المني الغُسْلُ، وفي المَذي والوّدْي الوضوءُ، يغسل حَشَفَته ويَتوضأ".
قوله: "كلاهما" أبي سفيان وأبو عوانة.
قوله: "هو المني ... " إلى آخره، أي: الذي يخرج من الذكر غير البول ثلاثة أشياء: المَنِيُّ، والمَذْي، والوَدْي، وقد مر تفسير المذي.
وأما "الوَدْي": فهو بفتح الواو وسكون الدال المهملة، وهو الذي يكون مع البول وبعده، وفي "البدائع": الوَدْي ماء غليظ يخرج بعد البول، وكذا رُوُيَ عن عائشة ﵂، ويقال: الودي في نفس الأمر: بقيّة البول، ولكنه غليظ أغلظ
стр. 432
من البول، وقال الجوهري: الوَدْي بالتسكين ما يخرج بعد البول، وكذا الوديَّ بالتشديد، وفي "المطالع": ويقال فيه بذال معجمة أيضًا، ويقال: الوديُّ أيضًا، يقال فيه: وَدي، وأَوْدَى، ووَدَّي، وهو من السيلان، وَوَدَي: سال، ومنه الوادي.
وأما المني: فهو الماء الدافق بشهوة، وفي "البدائع": المني: حاثر أبيض ينكسر منه الذكر، وقال الشافعي: إن له رائحة الطلع.
وفي "المطالع": المَنِيّ والمُنِيّ والمِنِيّ على مثال: المُرِيُّ لغات كلها، وقال الأزهري: سُمي مَنِيّا لأنه يُمْنَى، أبي: يُراق ويدفق، ومنه سميت منى لما يُمنى بها من الدماء، أبي: يراق، والمَنِيُّ مشدد، ولا يجوز فيه التخفيف، يقال: مَنى الرجل وأَمْنَى: إذا دفق ماؤه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن أبي جمرة، قال: "قلت لابن عباس: إني أركب الدابة فأُمْذي. قال: اغْسِلْ ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة".
قال أبو جعفر ﵀: أفلا ترى أن ابن عباس حين ذكر ما يجب في المذي ذكر الوضوء خاصة، وحين أمر أبا جمرة أمره [مع الوضوء] (١) بغسل الذكر.
ش: إسناده صحيح، وأبو عامر: عبد الملك بن عَمرو العقدي.
وأبو جمرة -بالجيم- نصر بن عمران بن عاصم الضُبَعي.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن هشيم، عن أبي جمرة مولى بني أسد قال: "سألت ابن عباس، قلت: بينا أنا على راحلتي أخذتني شهوة، فخرج من ذكري شيء ملأ (حَاذيَّ) (٣) وما حوله، فقال: اغسل ذكرك، وما أصابك، ثم توضأ وضوءك للصلاة".
стр. 433
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا وهب، قال: نا الربيع بن صَبيح، عن الحسن -في المذي والودي-: "يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة".
ش: وهب هو ابن جرير البصري، روى له الجماعة.
والربيع بن الصبيح -بفتح الصاد- السعدي، استشهد به البخاري في الكفارات، وضعفه جماعة، وقال أبو زرعة: صالح صدوق.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن سماك، قال: قلت للحسن البصري: "أرأيت الرجل إذا أمذى، كيف يصنع؟ قال: كل فحل يُمذي، فإذا كان ذلك، فليغسل ذكره.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن سعيد بن جبير، قال: "إذا أمذى الرجل غسل الحشفة، وتوضأ وضوءه للصلاة".
ش: زياد بن فياض الخزاعي أبو الحسن الكوفي، روى له مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن سعيد بن جبير: "أنه قال في الذي: يغسل الحشفة ثلاثا ويتوضأ".
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (٣): عن الثوري، عن زياد بن فياض، قال: "سمعت سعيد بن جبير يقول في الذي: يغسل حشفته".
وهذا كله صريح بأن الواجب: غسل موضع الإصابة، لا كما قال أهل المقالة الأولى.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذا وجه هذا الباب، من طريق تصحيح الآثار، قد ثبت به ما وصفنا، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا خروج المذي حدثا،
стр. 434
فأردنا أن ننظر في خروج الأحداث ما الذي يجب فيه؟ فكان خروج الغائط يجب فيه غسل ما أصاب البدن منه، ولا يجب غسل ما سوى ذلك، إلَّا التطهر للصلاة.
وكذلك خروج الدم من أي موضع ما خرج -في قول من جعل ذلك حدثا- فالنظر على ذلك أن يكون كذلك خروج المذي الذي هو حدث، لا يجب فيه غسل غير الموضع الذي أصابه من البدن، غير التطهر للصلاة، فثبت بذلك أيضًا ما ذكرنا من طريق النظر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: أشار بقوله: "فهذا" إلى ما ذكر من قوله: إن المراد من غسل المذاكير هو أن يتقلص وينزوي حتى لا يخرج، لا أنه يجب غسل الذكر كله.
قوله: "قد ثبت به" أبي بهذا الطريق "ما وصفنا" من وجوب الوضوء في المذي خاصة وغسل موضع الإصابة، والباقي طاهر.
стр. 435
ص: باب: حكم المني هل هو طاهر أم نجس ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم المني في الطهارة والنجاسة، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحَكَمِ، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: "أنه كان نازلا على عائشة ﵂ فاحتلم، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه -أو يغسل ثوبه- فأخبَرتْ بذلك عائشة، فقالت عائشة: لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله ﷺ ".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والحَكَم هو ابن عُتَيْبَة الكوفي، وإبراهيم هو النخعي.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، أنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي مدثر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر؛ نضحت حوله؛ ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﵇ فركا، فيصلي فيه".
ثنا [عمر بن حفص] (٢) بن غياث، ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وهمّام، عن عائشة في المني قالت: "كنت أفركه من ثوب رسول الله ﵇".
قوله: "أثر الجنابة" المراد من الأثر: البقية، ومن الجنابة: المني.
قوله: "لقد رَأَيْتُني" بضم التاء، أي: لقد رأيت نفسي وأنا أفركه، ويجوز كسر التاء على كونه خطابا للجارية.
стр. 436
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وَهْب بن جرير، قال: ثنا شعبة، أخبرنا الحكم، فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ولقد أخرج الطحاوي حديث عائشة هذا من اثنين وعشرين طريقا وستقف على الكل إن شاء الله تعالى.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: "أنه كان عند عائشة فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه -أو يغسل ثوبه- فأخبرت عائشة، فقالت: لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله ﵇".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن الحكم، عن إبراهيم النخعي، عن همام، عن عائشة ... نحوه.
ش: هذا أيضًا طريق صحيح.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حمّاد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام ... فذكر نحوه.
ش: هذا أيضًا طريق صحيح.
وأخرجه الترمذي (٢) عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارث، قال: "ضاف عائشة ضيف، فأَمَرَت له بملحفة صفراء، فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا أن يُرسِل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لِمَ أفسدَ علينا ثوبنا؟! إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول الله ﵇ بأصابعي".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 437
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن الأعمش ... فذكر مثله بإسناده.
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وعبيد الله هو ابن عمرو الرَّقِيِ.
وزيْدُ: هو ابن أبي أُنَيْسة.
والأعمش: سليمان.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أخبرني حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وهمام، عن عائشة ... مثله.
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وحفص هو ابن غياث.
وأخرجه مسلم (١): عن حفص، عن أبيه، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه، وقد ذكرناه آنفا.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحمّاني، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، مثله، (غير أن في حديث يحيى قال: "رأيتُني وما أزيد على أن أَحُتُّه من الثوب، فإذا جَفَّ دلكته") (٢).
ش: هذا أيضًا صحيح، والحمّاني هو يحيى بن عبد الحميد.
وأخرج النسائي (٣): عن شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة قالت: "كنت أراه في ثوب رسول الله ﵇ فأحكه".
قوله: "أَحُتُّه" من الحَتَّ، والحَتُّ والحك والقشر سواء.
стр. 438
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن حماد، عن إبراهيم، عن همام عن عائشة مثله، غير أنه قال: "لقد رأيتني وما أزيد على أن أحته من الثوب فإذا جفّ دلكته".
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي.
والمَسْعوديّ اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي ونسبته إلى والد عبد الله بن مسعود. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث إلَّا أنه اختلط في آخر عمره، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة.
وحماد هو ابن سلمة.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): وقال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم: "أن همام بن الحارث كان نازلا على عائشة فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة يغسل أثر الجنابة من ثوبه، فأخبرت عائشة، فأرسلت إليه عائشة: لقد رأيتني وما أزيد أن أفركه من ثوب رسول الله ﵇".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا مَهْدّي بن مَيْمون، قال: ثنا وَاصِل الأحْدَبُ، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود قال: "رأتني عائشة ﵂ أغسل جنابة أصابت ثوبي، فقالت: لقد رأيتني وإنه ليصيبُ ثوب رسول الله ﵇، فما نزيد على أن نقول به هكذا- تعني نفركه".
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عفان، نا مهدي، نا واصِلٌ الأحدب الأسدي الكوفي، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره نحوه سواء؛ غير أن في آخره" (ووصف) (٣) حك يده على الأخرى".
стр. 439
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا دُحَيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن عائشة قالت: "كنت (أفرك) (١) من ثوب رسول الله ﵇ تَعْني المَنيُّ".
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وإسناده شامي، ودُحَيْم -بضم الدال وفتح الحاء المهملتين- عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، قاضي الأردن وفلسطن، شيخ البخاري وغيره.
والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو.
وعطاء هو ابن أبي رباح.
وأخرجه البزار في "مسنده": من حديث عطاء، عن عائشة، وقال: ثنا إسماعيل، نا موسى، نا خطّاب، عن عبد الكريم، عن عطاء ... إلى آخره نحوه، وزاد: "ولا أغسله".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة، مثله.
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وأبو هاشم اسمه يحيى بن دينار الزِّمَّاني، روى له الجماعة.
وأبو مجلز -بكسر الميم وسكون الجميع وفي آخره زاي معجمة- واسمه لاحق بن حميد، روى له الجماعة.
والحارث بن نوفل ذكره ابن حبان في الثقات التابعين، وقال المزي في التهذيب الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد [المطلب] (٢) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، والد عبد الله بن الحارث بن نوفل، له ولأبيه صحبة.
стр. 440
وأخرجه النسائي (١): أنا قتيبة، ثنا حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة قالت: "كنت أفرك الجنابة- وقالت مرة أخرى: المني- من ثوب رسول الله ﵊".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابنُ أبي السَّريّ، قال: ثنا مُبَشَّر بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن بُرْقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من مرطْ رسول الله ﵇ وكانت مروطنا يومئذ الصوف".
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وابن أبي السريّ هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان القرشي الهاشمي المعروف بابن أبي السري العسقلاني، أخو الحسن بن أبي السري، شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان.
ومبشر بن إسماعيل الحلبي، روى له الجماعة.
وجَعْفرُ بن بُرْقان الدالاني، أبو عبد الله الجزري الرقي، روى له مسلم.
والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عمر بن أيوب المَوْصِلي، عن جعفر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: "كان يراه في مْرط إحدانا ثم يفركه، ومُروطهن يومئذ الصوف، تعني النبي ﵇".
قوله: "أفرك" من فركت الثوب بيدي، أفركها فركا، من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ.
"والمِرطُ" بكسر الميم وسكون الراء: واحد المروط، وهي أكسية من صوف أوخَزّ، كانوا يأتزرونها.
ص: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، قال: ثنا الحْميدي، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة،
стр. 441
قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇ إذا كان يابسا، وأغسله -أو أمسحه- إذا كان رطبا" شك الحميديّ.
ش: هذا أيضًا طريق صحيح، والحمُيديّ هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد، أبو بكر المكي، شيخ البخاري.
والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو.
وأخرجه الدارقطني (١): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا الحميدي ... إلى آخره، نحوه سواء.
قوله: "شك الحميديّ" يعني في قوله: "وأغسله أو أمسحه".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عَبْثَر بن القاسم، عن بُرْد أخي يزيد بن أبي زياد، عن أبي سَفَّانَةَ النخعي، عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇".
ش: يوسف بن عدي بن زُريق الكوفي، شيخ البخاريّ.
وعَبْثَر -بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح الثاء المثلثة وفي آخره راء- ابن القاسم الزبيدي الكوفي، روى له الجماعة.
وبُرْد -بضم الباء الموحدة- ابن أبي زياد، أبو العلاء الكوفي، وثقه النسائي وروى له.
وأبو سَفَّانة -بفتح السين المهملة، وتشديد الفاء، وبعد الألف نون- قال ابن أبي حاتَم: شيخ مجهول، كوفي لا يعرف اسمه، ماله راوٍ غير بُرْد بن أبي زياد.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب ذاهبون إلى أن المني طاهر، وأنه لا يُفسد الماء وإن وقع فيه، وإن حكمه في ذلك حكم النُّخَامة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالذاهبين هؤلاء: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، فإنهم ذهبوا إلى
стр. 442
أن المَني طاهر، وحكى صاحب "البيان" في نجاسته قولين، وزعم بعضهم أن القولين في مني المرأة، وفي مني غير الآدمي أقوال ثلاثة:
أحدهما: طاهر جميعه إلَّا مني الكلب والخنزير.
الثاني: كله نجس.
الثالث: مني مأكول اللحم طاهر، وغيره نجس.
وفي "الروضة": أما المني فمن الآدمين طاهر، وقيل: فيه قولان، وقيل: القولان في مني المرأة خاصة. والمذهب: الأول.
وفي "الحاوي" في فقه أحمد: ومني الآدمي طاهر، وعنه: نجسر يجزئ فرك يابسه من الرجل -وقيل: مطلقا- ويمسح رطبه، وعنه: يغسل، وعنه: أنه كالدم؛ فيعفى عن يسيره، وذكر في غيره عن أحمد: في منيها قولان، وفي مني غير الآدمي ثلاثة أوجه، مثل الأقوال الثلاثة.
قوله: "وأن حكمه في ذلك حكم النخامة" لأنه أصل آدمي مكرم، وليس من كرامته تنجيس أصله.
وروى الدارقطني (١): ثنا ابن مخلد، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا سعيد بن يحيى بن الأزهر، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "سئل النبي ﵇ عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة".
لم يرفعه غير إسحاق الأزرق.
قلت: لم يصح رفعه. قاله الذهبي.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس.
ش: أبي خالف هؤلاء الذاهبين إلى طهارة المني جماعة آخرون، وأراد بهم:
стр. 443
الأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكا، والليث، والحسن بن حي؛ فإنهم قالوا: هو نجس، وهو رواية عن أحمد أيضًا، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد.
وقال مالك: لا بد من غسله، رطبا كان أو يابسا.
وقال الليث: هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه.
وقال الحسن بن صالح: لا تعاد من المني في الثوب وإن كان كثيرا، وتعاد منه في الجسد وإن قَلَّ.
ص: وقالوا: ولا حجة لكم في هذه الآثار؛ لأنها إنما جاءت في ذكر ثياب يَنام فيها، ولم تأت في ثياب يُصلى فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا لو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نُبيحُ ذلك، ونُوافقُ ما رَوَيْتُم عن النبي ﵇ في ذلك، ونقى من بعد: لا تصلحُ الصلاة في ذلك، فلم نخالف شيئًا مما رُوي، في ذلك عن النبي ﵇.
ش: أي قال الآخرون: "لا حجة لكم في هذه الآثار". أي الأحاديث التي رُويت عن عائشة فيما مضى.
"لأنها إنما جاءت في ثياب يَنَامُ فيها" أبي النبي ﷺ "ولم تأت في ثياب يصلي (عليها) (١) " فإذا لم تكن هذه الآثار في الثياب التي يُصل فيها فيجوز أن يكون حكمها حكم الثياب النجسة بالغائط أو البول أو الدم، فإن هذه الثياب لا بأس بالنوم فيها، ولا يجوز الصلاة فيها، فيكون حكم المني كذلك، وباقي كلامه ظاهر.
فإنْ قيل: إذا كان المني نجسا عندكم كان ينبغي ألَّا يجوز الفرك فيه، كما في سائر النجاسات.
стр. 444
قلت: نعم، هذا هو القياس في هذا الباب، ولكن خُصَّ بحديث الفرك، ورُوي عن محمَّد أنه قال: إن كان المني غليظا فهو يطهر بالفرك، وإن كان رقيقا لا يطهر إلَّا بالغسل.
وقال: إذا أصاب المني ثوبا ذا طاقين فالطاق الأعلى يطهر بالفرك والأسفل لا يطهر إلَّا بالغسل؛ لأنه تصيبه البَلَّة دون الجرم، وهذه مشكلة فإن الفحل لا يمني حتى يمذي، والمَذْي -بالتخفيف- لا يطهر بالفرك، إلَّا أنه جعل المذي في هذه الحالة معلوما مستهلكا بالمني، فكان الحكم للمني دون المذي.
وقال الإِمام أبو إسحاق الحافظ: المني اليابس إنما يطهر بالفرك، إذا كان رأس الذكر طاهرا وقت خروجه بأن كان بال واستنجى، وأما إذا لم يكن طاهرا لا يطهر، قال: وهذا رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وكذلك إنما يتطهر المصاب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي، فأما إذا خرج المذي على رأس الإحليل، ثم خرج المني؛ لا يطهر الثوب بالفرك، ثم إذا فرك المني اليابس عن الثوب وحُكِمَ بطهاراته، ثم أصابه الماء، هل يعود نجسا؟ فهو على الروايتين عن أبي حنيفة، كذا في "المحيط".
وعن الفَضَلي: إن مني المرأة لا يطهر بالفرك؛ لأنه رقيق.
فإن قيل: ما تقى في رواية الدارقطني التي ذكرناها؟
قلت: إنما شبهه بالمخاط في لزوجته وقلة تداخله في الثوب، ولهذا أمره بإماطته، لأنه إذا أماطه عنه ذهب أكثره، وبقي القليل منه، مع أنه أمره بإماطته، والأمر للوجوب، ومن يقول بأنه طاهر لا يوجب إزالته.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الأمر للإباحة؟
قلت: أعلى مراتب الأمر الوجوب، وأدناها الإباحة، وهنا لا وجه للثاني؛ لأنه ﵇ لم يتركه على ثوبه أبدا، وكذلك الصحابة من بعده، والأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ؛ ينصرف إلى الكامل، اللهم إلَّا أن يصرف ذلك عنه بقرينة تقوم، فتدل عليه حينئذ.
стр. 445
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (١) سماه ماءً وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل أنه أراد به الشبيه في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرا.
قلت: إن تسميته ماءً لا يدل على طهارته؛ فإن الله سمّى مني الدواب ماء بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (٢) ولا يدل ذلك على طهارة ماء كل الحيوان.
وقد قال الخطابي: حديث الفرك يدل على طهارة المني، وحديث الغسل لا يخالفه، إنما هو استحباب واستظهار بالنظافة، كما قد يغسل من النخامة والمخاط، والحديثان إذا أمكن استعمالهما؛ لم يجز أن يحملا على التناقض.
قلت: ما ادعى أحد المخالفة بين الحديثين ولا التناقض، وإنما يدل حديث الغسل على نجاسة المني، بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضًا في بابه، ولكنه خُصَّ بحديث الفرك كما قلنا، ولا نسلم أن غسل هذا مثل غسل النخامة والمخاط.
لأنه ورد في حديث أخرجه الدارقطني في "سننه" (٣): "يا عمار، ما نخامتك ولا دموعك إلَّا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما يُغسل الثوب من خمس: من البول، والغائط، والمني، والدم، والقيء" فانظر كيف ذكره بين الغائط والدم؟! والاستدلال به: أنه أمره بغسل الثوب عن المني بكلمة "إنما" وهي لإثبات المذكور ونفي ما عداه، وإثبات المذكور بنفي ما عداه يدل على التحقيق لا على البدل.
والثاني: أنه قرنه بالأشياء التي هي نجسة بالإجماع (٤)؛ فكان حكمه حكم ما قرن به؛ لأن القرآن في الجملة الناقصة.
فإن قيل: قد قال الدارقطني: لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدًّا.
стр. 446
قلت: قال البزار: وثابت بن حماد كان ثقة.
فإن قيل: قد قال البيهقي: وأما حديث عمار بن ياسر "أن النبي ﵇ قال: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك ... " الحديث فهو باطل لا أصل له؛ إنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن ابن المسيب عن عمار. وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع.
قلت: كفاك أن الدراقطني أخرجه.
قلت: علي بن زيد غير محتج به لا تُفيد دعواه؛ لأن مسلما روى له مقرونا بغيره، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي، وقال رجل لابن معين: اختلط علي بن زيد؟ قال: ما اختلط علي بن زيد قط وهو أحب إلى من ابن عقيل، ومن عاصم بن عبد الله. وقال العجلي: لا بأس به. وفي موضع آخر: يكتب حديثه. وروى له الحاكم في المستدرك، وقال الترمذي: صدوق.
وفي "الجوهر النقي": وأما كون ثابت بن حماد متهما بالوضع فما رأيت أحدا بعد الكشف التام ذكره غير البيهقي، وقد ذكر هو أيضًا هذا الحديث في كتاب المعرفة، وضعّف ثابتا هذا ولم ينسبه إلى التهمة بالوضع.
فإن قيل: إنه أصل الأنبياء والأولياء فيجب أن يكون طاهرا.
قلت: هو أصل الأعداء أيضًا كنمروذ وفرعون وغيرهم، على أَنَّا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني وهي أيضًا أصل الأنبياء، ومع هذا لا يقال طاهرة: فَعُلم أن كون المني أصل الأنبياء ﵈ لا عبرة له في الطهارة، أو نقول: الواجب في خروج المَني أكبر الطهارتين -وهو الغسل- والبول لا يجب بخروجه إلَّا الوضوء، فلو لم تكن نجاسته أقوى من نجاسة البول لم يكن حكمه أغلظ من حكمه.
فرضنا أنه طاهر، لكن مخرجه مخرج النجس لأنه يخرج من حيث يخرج البول فينجس؛ لاتصال النجس به.
فإن قيل: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط.
стр. 447
قلت: لا نسلم أن القياس صحيح؛ لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلًا، والمَني موجب لاكبر الحدثين، وهو الجنابة، ولا نسلم أن سقوط الغَسْل يدل على الطهارة كما في موضع الاستنجاء.
فإن قيل: ما حكم المني إذا جفّ على البدن؟
قلت: قال مشايخ بخارى وسمرقند فيه: إنه كالثوب؛ لأن البلوى فيه أشد من البلوى في الثوب، فَيطَهَّر البدن كالثوب دفعا للحرج.
وفي "مبسوط السرخسي" رُوي عن أبي حنيفة في المنى إذا أصاب البدن: لا يطهر إلَّا بالغَسْلِ؛ لأن لين البدن يمنع زوال أثره بالحتّ.
ص: وقد جاء عن عائشة ﵂ فيما كانت تفعل بثوب رسول الله ﵇ الذي كان يُصلّي فيه إذا أصابه المني:
حدثنا يونسُ، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الله بن المبارك وبشر بن المفضل، عن عَمرو بن ميمون، عن سليمان بن يَسَار، عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﵇ فيخرج لي الصلاة، وإن بُقَعَ الماء لفي ثويه".
ش: لما ذكر فيما مضى أن هذه الآثار إنما جاءت في ثياب النوم ولم تأت في ثياب الصلاة؛ بيّن هنا ما جاء من الآثار التي فيها ما كانت عائشة ﵂ تفعل بثوب رسول الله ﵇ إذا أصابه المني، وقد بَيَّنَت عائشة ﵂ ها هنا أنها كانت تغسل الثوب الذي كان يصلي فيه إذا أصابه المني، وتفرك من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وفعلها هذا دلّ على نجاسة المني.
ثم إسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الجماعة، فالبخاري (١): عن عبدان، عن عبد الله بن المبارك ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "كنت أغسل الجنابة" موضع: "المني".
стр. 448
ومسلم (١) عن ابن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن عمرو بن ميمون، قال: "سألت سليمان بن يَسار عن المني يصيب [ثوب] (٢) الرجل أيغسله أم يغسل الثوب؟ فقال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﵇ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل فيه".
وأبو داود (٣): عن النفيلي، عن زهير.
وعن محمَّد بن عبيد البصري، عن سليم، كلاهما عن عمرو بن ميمون، قال: سمعت سليمان بن يَسَار يَقُولُ: سمعت عائشة تقى: "إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﵇ قالت: ثم أَرَاهُ فيه بقعة أو بقعا".
والترمذي (٤): عن ابن منيع، عن أبي معاوية، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره، ولفظه: "أنها غسلت مَنِيّا (من) (٥) ثوب رسول الله ﵇".
والنسائي (٦): عن سويد بن نصر، عن عبد الله، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره نحو رواية البخاري.
وابن ماجه (٧): عن ابن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره نحو: رواية مسلم.
قوله: "وإن بقع الماء" جمع بقعة، والمراد منها: آثار الغسل التي في القماش، والجنابة: المني.
стр. 449
ص: حدثنا أبو بشر الرَقّي، قال: ثنا أبو معاوية، عن عمرو ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان بن إسماعيل الرقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن أبي معاوية، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يَسَار، عن عائشة ﵂: "أنها غسلت مَنِيّا أصاب ثوب رسول الله ﵇".
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أبنا عمرو ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد، أبنا عمرو بن ميمون، نا سليمان بن يسار، أخبرتني عائشة: "أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﵇ فيخرج ويصلي، وأنا أنظر إلى البقع في ثوبه من أثر الغَسْلِ".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فهكذا كانت عائشة تفعل بثوب النبي ﵇ الذي كان يُصلي فيه، تغسل المني عنه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يُصلّي فيه، وقد وافَقَ ذلك ما رُوي عن أمّ حَبية:
حّدّثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بن بَكرْ بن مُضَر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيد بن قَيْس، عن مُعاويةَ بن حُدَيْج، عن معاوية بن أبي سفيان: "أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، هل كان النبي ﵇ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يُصبه أذى".
стр. 450
ش: لما بَيَّنَ الفرق بين الغسْل والفرك في المني الذي يُصِيب الثوب، بما كانت تفعل عائشة ﵂ في ثوب النبي ﵇ حيث كان فركها في ثوبه الذي كان ينام [فيه] (١) وغسلها في ثوبه الذي كان يصلي فيه، وأن ذلك يدل على نجاسة المَني؛ أكدَّ ذلك بما روي عن أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، أخت معاوية بن أبي سفيان، إحدى زوجات النبي ﵇ وذلك أن معاوية لما سألها هل كان النبي ﵇ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت أم حبيبة: نعم؛ إذا لم يُصبْه أذى. وأرادت به المني -على ما نذكره- فدلّ ذلك أن ما كان من الثوب الذي أصابه المني لم يكن يصلي فيه إلَّا بالغسل، وهذا يدل على نجاسة المَني.
وإسناد الحديث المذكور صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا الربيع وسُوَيد ابن قيس؛ فإنهما أيضًا ثقتان، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين- الخولاني المصري، الأصح أن له صحبة، فهذا الحديث فيه ثلاثة من الصحابة ﵃.
وأخرجه الثلاثة؛ فأبو داود (٢): عن عيسى بن حماد المصري، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم؛ إذا لم يَرَ فيه أذى".
والنسائيُّ (٣): عن حماد بن عيسى أيضًا إلى آخره، نحو: رواية أبي داود؛ غير أن في لفظه: "في الثوب (الذي) (٤) يجامع فيه".
وابن ماجه (٥): عن محمَّد بن رمح، عن الليث بن سَعد، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحو: النسائي.
стр. 451
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد ... إلى آخره، ولفظه: "قلت لأم حبيبة زوج النبي ﵇: كان رسول الله ﵇ يصلي في الثوب الذي ينام معك فيه؟ قالت: نعم، ما لم يَرِ فيه أذى".
قوله: "يُضاجعك فيه" أي يجامعك، وهكذا في رواية أبي داود مُصرّحا كما ذكرنا.
قوله: "أذى" يتناول سائر النجاسات كالمني والدم والبول والغائط ونحوها، ولكن المراد منه ها هنا المني؛ بقرينة ذكر المضاجعة، فإن قلت: المراد منه الدم، ولهذا جاء مصرحا في بعض روايات أبي داود: "إذا لم يَرَ فيه دمًا".
قلت: قد قلت لك: إن لفظة الأذى عام؛ لأنه من أذاه يؤذيه أَذِيَّه وأذى وإِذايَة، وهو إيصال شيء مكروه إلى غيره، ألا ترى إلى قوله ﵇: "أميطوا عنه الأذى" (٢) أراد به الشعر والنجاسة، وما يخرجَ على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم سابعه.
وقوله ﵇: "أدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٣) وهو ما يؤذي فيها، كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، قلت تعالى ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤) أراد به الدم؛ فحينئذ لا يرجح معنى خاص فيه إلَّا بقرينة كما في الآية؛ فإنه أريد به الدم؛ بقرينة قوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٤) فقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٤) أي دم مستقذر يؤدي، وكما في الحديث فإنه أريد به المني بقرينة قوله: "يضاجعك" لأن ثوب المضاجعة قد يُصيبه المني وهذا لا يُنْكر. فإن قلت: لِمَ لا يتعين الدم ها هنا لاحتمال الحال ذلك؟
قلت: لا يتأتى ذلك ها هنا؛ لأن المضاجعة حالة الدم حرام، فكان ثوب المضاجعة بعيدا عن الدم، ولكن ليس ببعيد عن المني.
стр. 452
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون دم الاستحاضة، فإن المضاجعة غير ممنوعة؟ قلت: الكلام في مضاجعة النبي ﵇ وشأنه أجلّ من أن تكون مضاجعته نحو ذلك، ورواية أبي داود مسألة بذاتها مستقلة، فافهم؛ فإنه مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية ولله الحمد.
ص: حدثنا يُونسُ، قال: أبنا ابن وهب، قال: أخبرني (ابن لهيعة) (١) والليث، عن يزيد، فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط مسلم، وذكر عبد الله بن لهيعة لا يَضُره؛ فإنه مذكور متابعة، ويزيد هو ابن أبي حبيب المذكور.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا عبد الله بن عبد الحكم، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيج، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: "سألت أم حبيبة، هل كان رسول الله ﵇ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذي".
ص: وقد رُوي عن عائشة أيضًا ما يوافق ذلك: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدَّميُّ، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن أشعث، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ لا يصلي في لُحُف نسائه.
ش: أي ما يوافق حديث أم حبيبة؛ لأن امتناعه عن الصلاة في لحف نسائه كان مخافة أن يكون أصابها شيء من دم الحيض أو المني، فهذا يدل أيضًا أنه كان يجانب الثوب الذي يجامع فيه؛ لاحتمال أن يكون قد أصابه شيء من المني، وذا دليل
стр. 453
النجاسة، وإسناد الحديث المذكور صحيح، والمُقدَّمِي هو محمَّد بن أبي بكر بن عطاء بن مُقَدَّم -بفتح الدال-.
وأشعث هو ابن عبد الملك الحُمْراني.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأشعث، عن محمَّد بن سيرين، عن [عبد الله] (٢) بن شقيق، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﵇ لا يصلي في شُعرنا- أو لُحُفِنَا" قال عبيد الله: شك أبي.
وفي رواية لأبي داود (٣): "كان لا يصلي في ملاحفنا".
وأخرجه الترمذي (٤): نا محمَّد بن [عبد] (٥) الأعلى، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن أشعث -وهو ابن عبد الملك- عن محمَّد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ لا يصلي في لحف نسائه" قال: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: "في لُحُف" بضم اللام والحاء، جمع لحاف، وهو اسم لما يلتحف به، وكل شيءٌ تغطيت به فقد التحفت به.
و"الشُعُر" بضمتين: جمع شعار، مثل كتُب وكِتَاب، وهو الثوب الذي يَسْتَشْعره الإنسانُ، أي يجعله مما يلي بدنه.
"والدثار" ما نلبسه فوق الشعار.
و"الملاحف" جمع مِلحفة -بكسر الميم- وهي ما يلتحف به.
стр. 454
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حُميد، قال: ثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن أشعث ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "في لحفنا".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأحمد بن حميد الطُرَيْثِيثي، أبو الحسن الكوفي، شيخ البخاري.
وغُنْدَر -بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وفي آخره راء - وهو لقب محمَّد بن جعفر الهُذلي، روى له الجماعة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فثبت بما ذكرنا أن رسول الله ﵇ لم يكن يصلي في الثوب الذي ينام فيه، إذا أصابه شيء من الجنابة، وثبت أن ما ذكر الأسود وهمام، عن عائشة، عن النبي ﵇ إنما هو في ثوب النوم؛ لا في ثوب الصلاة.
ش: أبي بما ذكرنا من حديث أم حبيبة، وحديث عائشة الموافق لحديث أم حبيبة، والباقي ظاهر.
وهمام هو ابن الحارث، وقد مضى في الأحاديث الأول.
ص: فكان من (حجة أهل) (١) القى الأول على أهل القول الثاني في ذلك:
ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: أبنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇ يابسا بأصابعي، ثم يصلي فيه ولا يغسله".
ش: هذا اعتراض من جهة الفريق الأول على ما ذكره الفريق الثاني، من قولهم: إن ما ذكره الأسود وهمام عن عائشة من حديث الفرك إنما كان في ثوب النوم لا في ثوب الصلاة، وأن عائشة إنما كانت تفرك المني من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وأنها قالت: "كان ﵇ لا يصلي في لحف نسائه" وأن كل ذلك دليل على نجاسة المني.
стр. 455
وجه الاعتراض: أن قول عائشة ﵂ في هذا الحديث: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇ يابسا ... " إلى آخره. صريح أنه كان - علية السلام - يصلي في ثوب نومه، بعد فرك المني عنه، بدون الغَسْل، فهذا يدل على طهارة المني، ثم إسناد هذا الحديث صحيح على شرط مسلم.
وخالد الأول: هو ابن عبد الله الطحان الواسطي.
وخالد الثاني: هو ابن مهران الحذاء البصري.
وأبو معشر اسمه زياد بن كليب الكوفي.
وإبراهيم هو النخعي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، ثنا حماد، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇ ثم يذهبُ فيُصلي فيه".
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" أيضًا: عن زهير، عن عثمان بن عمرو، عن هشام، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "سألت عائشة ﵂ عن الجنابة تكون في الثوب، فقالت: كنا نفركه من ثوب رسول الله ﵇ ثم يصلي فيه".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك النخعي، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث.
ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج وسليمان بن شعيب، قالا: نا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أفركه من ثوب رسول الله - علية السلام - ثم يُصلي فيه".
стр. 456
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
قوله: حماد بن سلمة، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، أحد مشايخ أبي حنيفة.
قوله: "كنت أفركه" أي: المني.
ص: حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قزعة بن سُوَيْد، قال: حدثني حميد الأعرج وعبد الله ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة، مثله.
ش: قزعة فيه مقال.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن يحيى الأزدي، نا عاصم بن [مهجع] (١) نا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇" وليس فيه: "ثم يصلي فيه".
ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا عيسى بن ميمون، قال: ثنا القاسم بن محمَّد، عن عائشة مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو الثاني والعشرون من الطرق التي رويت عن عائشة كما ذكرنا، وعيسى بن ميمون مولى القاسم، ضعيف وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢): ثنا عباد بن منصور، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله ﵇ ولا يغسل مكانه".
стр. 457
ص: قالوا: ففي هذه الآثار أنها كانت تفرك المني من ثوب الصلاة، كما تفركه من ثوب النوم.
قال أبو جعفر: وليس في هذا عندنا دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون كانت تفعل به هذا، فيطهر بذلك الثوب، والمني في نفسه نجس؛ كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى.
حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله؛ فطهورهما التراب".
قال أبو جعفر ﵀: فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روينا في المني، يحتمل أن يكون كان حكمه عندهم كذلك، يطهر الثوب بإزالتهم إياه عنه بالفرك، وهو في نفسه نجس، كما كان الأذى يطهر النعل بإزالتهم إياه عنها وهو في نفسه نجس.
ش: أي قالت أهل المقالة الأولى: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث التي رواها علقمةُ والأسود وهمامٌ ومجاهدُ والقاسمُ بن محمَّد عن عائشة: "أنها كانت تفرك المَني من ثوب الصلاة كما كانت تفركه من ثوب النوم" فهذا يدل على طهارة المَني، وأجاب عن ذلك بقوله: "وليس في هذا" أي فيما قلتم ... إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "أن يكون كانت" أي عائشة ﵂ والضمير في "أن يكون" يرجع إلى الشأن أو الأمر المقدر، وهو اسمه.
قلت: "كانت تفعل به" في محل النصب، خبره.
قوله: "والمني نجس في نفسه" جملة إسمية وقعت حالا.
ثم الحديث المذكور صحيح، ومحمد بن كثير الصنعاني وإن كانوا تكلموا فيه ولكن ابن حبان وثقه.
стр. 458
وروى الحديث في "صحيحه" (١): بغير هذا الإسناد عن أبي سعيد الخدري.
والحاكم في "مستدركه" (٢): وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وأبو داود (٣): رواه بهذا الإسناد حيث قال: ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب".
وقال النووي في "الخلاصة": رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان: هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة.
ورواه أبو داود (٤) أيضًا من حديث عائشة ﵂: ثنا محمود بن خالد، ثنا محمَّد يعني ابن عائذ، نا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن محمَّد بن الوليد، قال: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇ معناه، أبي معنى حديث أبي هريرة.
وقال المنذري: حديث عائشة حديث حسن، غير أنه لم يذكر لفظه.
قلت: رواه ابن عدي في "الكامل" (٥): عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي، عن سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول الله ﵇[عن] (٦) الرجل يطأ بنعليه في الأذى، قال: التراب لهما طهور".
فإن قلت: قال الدارقطني: مدار الحديث علي ابن سمعان وهو ضعيف. قال ابن الجوزي: قال مالك: هو كذاب. وقال أحمد: متروك الحديث.
стр. 459
قلت: ذكر صاحب "الكمال": قال أبو زرعة، حدثني أحمد بن صالح، قال: قلت لابن وهب: ما كان يقول مالك في ابن سمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بعض. وروى له الترمذي مقرونا بيونس بن يزيد.
ورواه أيضًا أبو داود (١): من حديث أبي سعيد الخدري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: "بينما رسول الله ﵇ يُصلي بأصحابه؛ إذ خَلَع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟! قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله ﵇: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرا. وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى، فلْيمسحه، وليصلي فيهما".
وأخرجه ابن حبان (٢) أيضًا نحوه.
قوله: "الأذى" أرادَ به النجاسة.
و"النعل" الحذاء مؤنثة، وتصغيرها نعيلة.
وقال ابن الأثير: وهي التي تلبس في المشي وتُسمى الآن تاسُومة.
واستدلت أصحابنا بهذه الأحاديث أن الخف ونحوه إذا أصابته النجاسة التي لها جرم كالروث، والعذرة، والدم، والمني، فجفَّت، فدلكه بالأرض جاز؛ خلافا لمحمد، وكان الأوزاعي يستعمل هذه الأحاديث على ظاهرها، وقال: يجزئه أن يمسح القذر من نعله أو خفه بالتراب، ويصلي فيه. وروي مثله عن عروة بن الزبير، وكان النخعي يمسح النعل والخف يكون فيه السِّرقين عند باب المسجد ويصلي بالقوم، وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحا ولا أثرا: رجوت أن يجزئه.
стр. 460
وقال الشافعي: لا تطهر النجاسات إلَّا بالماء، سواء كانت في ثوب أو حذاء. وبه قال مالك وأحمد وزفر، والحديث حجة عليهم، ثم بإطلاق الحديث أَخذَ أبو يُوسف، حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح، سواء كان النجس رطبا أو يابسا.
وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى: النجاسة العينية اليابسة؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشارا وتلوثا.
فإن قيل: الحديث مطلق؛ فلِمَ قيده أبو حنيفة هذا القيد؟
قلت: التي لا جرم لها خرجت بالتعليل، وهو قوله: "فطهورهما التراب" في رواية أبي جعفر، وفي رواية أبي داود: "قال: الشراب طهور" أي يزيل نجاسته، ونحن نعلم يقينا أن النعل والخف إذا تشرب البول أو الخمر لا يزيله المسح، ولا يخرجه من أجزاء الجلد، فقال: إطلاق الحديث مصروف إلى الأذى الذي يقبل الإزالة بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمل أو الشراب فجف؛ فإنه يطهر أيضًا بالمسح -على ما قال شمس الأئمة؛ وهو الصحيح- فلا فرق أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها، هكذا ذكره الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإِمام أبو بكر محمد بن الفضل عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل ذلك؛ إلَّا أنه لم يشترط الخفاف.
وذكر في "الجامع الصغير" في النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف والنعل وحَكّه أو حته بعد ما تبيّن؛ أنه يطهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر في الأصل: إذا مسحهما بالتراب تَطْهر.
قال مشايخنا: لولا المذكور في "الجامع الصغير" لكنا نقول لا يطهران ما لم يمسحهما بالتراب؛ لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة، فالمذكور في "الجامع الصغير" أن الحك له أثر. وقال القدوري في شرحه: ومعنى قول أبي حنيفة في هذه المسألة: إن الخف والنعل يطهران في حق جواز الصلاة معه،