← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي، مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﵇: "أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﵇: أصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال له النبي ﵇: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". فهذا رسول الله ﵇ قد أباح الصوم في السفر لمَن شاء ذلك. فثبت بهذا وبما ذكرنا قبله أن صوم رمضان في السفر جائز. ش: ذكر هذا تأكيدًا للحديث السابق؛ لأن ذاك فعل الرسول ﵇، وهذا قوله. ولما اجتمع قول النبي ﵇ وفعله في حكم قويت الحجة به، وأشار إلى ذلك بقوله: "فثبت بهذا" أي: بحديث حمزة بن عمرو "وبما ذكرنا قبله" أي: حديث ابن مسعود وعائشة "أن صوم رمضان في السفر جائز". وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن شيبة ... إلى آخره. وكلهم ثقات قد ذكروا غير مرة. وحمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي الصحابي ﵁. وأخرجه الجماعة (١) على ما نذكره. وأخرجه النسائي (٢) بهذا الطريق: أنا محمَّد بن رافع، قال: أنا أزهر بن القاسم، قال: نا هشام، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي: "أنه

стр. 4167

سأل رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر، قال: إن ... ثم ذكر كلمة معناها: إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت". وأخرجه (١) من وجوه متعددة. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي البصري أحد أصحاب أبي حنيفة وشيخ أحمد، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله المدني، عن عمران بن أبي أنس المصري العامري، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أنا هارون بن عبد الله، قال: نا محمَّد بن بكر، قال: أنا عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عمرو: "أنه سأل رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر، قال: إن شئت أن تصوم فصُم، وإن شئت أن تُفطر فأفطر". أنا عمران ن بكار (٣) قال: ثنا أحمد بن خالد، قال: ثنا محمَّد، عن عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار وحنظلة بن علي، قال: حدثاني جميعًا عن حمزة بن عمرو قال: "كنت أسرد الصيام على عهد رسول الله ﵇، فقلت: يا رسول الله إني أسرد الصيام في السفر، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٥): عن قتيبة بن سعيد، عن ليث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن

стр. 4168

عائشة أنها قالت: "سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﵇ عن الصيام في السفر، فقال: إن شئت صم وإن شئت فأفطر". وله في رواية (٤): "إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت، وأفطر إن شئت". وفي رواية (١): "يا رسول الله أجد بي قوةً على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله ﵇: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومَن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه". وأبو داود (٢): عن سليمان بن حرب ومسدد، قالا: نا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن حمزة الأسلمي سأل النبي ﵇ فقال: يا رسول الله إني رجل أسردُ الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: صُمْ إن شئت، وأفطر إن شئت". والترمذي (٣): عن هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن حمزة بن عمرو الأسلمي سأل رسول الله ﵇ عن الصوم في السفر -وكان يسرد الصوم- فقال رسول الله ﵇: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر". وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، نا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله ﵇ فقال: إني أصوم، أفأصوم في السفر؟ فقال ﷺ : إن شئت فَصُمْ، وإن شئت فأفطر". فإن قيل: حديث حمزة هذا لا يدل على جواز الصوم في شهر رمضان في السفر؛ لأن سؤاله كان في صوم التطوع في السفر.

стр. 4169

وقال القاضي: قوله: "إني رجل أسرد الصوم"، وقوله أيضًا: "إني رجل أصوم في السفر"، يدل ظاهرًا أنه سأله عن التطوع. وقال ابن حزم: وأما خبر حمزة فبيان جلي في أنه إنما سأله ﵇ عن التطوع؛ لقوله في الخبر: "إني امرؤ أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام". قلت: لا نسلم أن سؤاله كان عن التطوع، بل لم يكن سؤاله إلا عن الصوم في رمضان في السفر. والدليل عليه ما رواه أبو داود (١): ثنا عبيد الله بن محمَّد النفيلي، قال: نا محمَّد بن عبد المجيد المدني، قال: سمعت حمزة بن محمَّد بن حمزة الأسلمي، يذكر أن أباه أخبره، عن جده: "قلت: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- فأنا أجد القوة وأنا شابٌّ وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون دينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال: أيُّ ذلك شئت يا حمزة". ص: وذهب قوم أنه لا فضل لمن صام رمضان في السفر على مَنْ أفطر وقضاه بعد ذلك، وقالوا: ليس أحدهما أفضل من الآخر، واحتجوا في ذلك بتخيير النبي ﵇ حمزة بن عمرو بين الإفطار في السفر والصوم، ولم يأمره بأحدهما دون الآخر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: قتادة والأعمش وإسماعيل بن علية والشافعي في قول؛ فإنهم قالوا: المسافر في رمضان مخير بين الصوم والإفطار، ولا فضل للمفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر، والباقي ظاهر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الصوم في السفر في شهر رمضان أفضل من الإفطار.

стр. 4170

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وشقيق بن سلمة وطاوسًا وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: الصوم أفضل للمسافر في رمضان، ويروى ذلك عن أنس وأبي موسى الأشعري وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وحذيفة بن اليمان وعائشة ﵃. وكذا روي عن قيس بن عباد ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم وابن أبي مليكة ﵏. ص: وقالوا لأهل المقالة التي ذكرنا: ليس فيما ذكرتموه من تخيير النبي ﵇ لحمزة بين الصوم في السفر والفطر دليل على أنه ليس أحدهما أفضل من الآخر، ولكن إنما خيره بما له أن يفعله من الإفطار والصوم، وقد رأينا شهر رمضان يجب بدخوله الصوم على المسافرين والمقيمين جميعًا إذا كانوا مكلفين، فلما كان دخول رمضان هو الموجب للصيام عليهم جميعًا، كان مَن عجل منهم أداء ما وجب عليه أفضل ممن آخره، فثبت بما ذكرنا أن الصوم في السفر أفضل من الفطر، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي، قال هؤلاء الآخرون في جواب ما قاله أولئك القوم، وهو ظاهر غني عن زيادة البيان. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن أنس بن مالك وعن نفر من التابعين. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن سعيد ابن جبير قال: "الصوم أفضل، والإفطار رخصة" يعني: في السفر. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم وسعيد ابن جبير ومجاهد، أنهم قالوا في الصوم في السفر: "إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت، والصوم أفضل".

стр. 4171

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا حبيب، عن عمرو بن هَرِم، قال: "سئل جابر بن زيد عن صيام رمضان في السفر، فقال: يصوم مَن يشاء إذا كان يستطيع ذلك ما لم يتكلف أمرًا يشق عليه، وإنما أراد الله تعالى بالإفطار التيسير على عباده". حدثنا يونس، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني القاسم، عن عائشة أنها كانت تصوم في السفر في الحرّ، فقلت: ما حملها على ذلك؟ فقال: إنها كانت تبادر". فهذه عائشة ﵂ كانت ترى المبادرة بصوم رمضان في السفر أفضل من تأخير ذلك إلى الحضر. ش: أي: قد روي أن الصوم في رمضان في السفر أفضل من الفطر، عن أنس بن مالك وعن جماعة من التابعين. أما الدي روي عن أنس: فهو الذي أخرجه فيما مضى عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبي حذيفة، عن سفيان، عن عاصم الأحول قال: "سألت أنس بن مالك عن صوم شهر رمضان في السفر، فقال: الصوم أفضل". وأخرجه ابن أبي شيبة (١) وقد ذكرناه فيما سلف. وأما الذي روي عن التابعين: فهو ما أخرجه عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وجابر بن زيد النجدي الجوفي، بالجيم والفاء. ورجال آثارهم كلهم ثقات. وأبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي، وسفيان هو الثوري، وحماد هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. وحبيب هو ابن أبي حبيب الجرمي صاحب الأنماط، روى له مسلم. وعمرو بن هَرِم الأزدي البصري، روى له مسلم.

стр. 4172

وبشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي. والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن ابن أبي مليكة قال: "صحبت عائشة في السفر، فما أفطرت حتى دخلت مكة". حدثنا أبو أسامة (٢)، عن ابن عون، عن القاسم قال: "قد رأيت عائشة تصوم في السفر حتى أذلقها السموم". ثنا غندر (٣) قال: ثنا شعبة، عن أبي الشعثاء قال: "صحبت أبي وعمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وأبا وائل، فكانوا يصومون رمضان وغيره في السفر". وقال ابن حزم في "المحلى" (٤): وعن عثمان بن أبي العاص وابن عباس: "الصوم أفضل". وعن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، مثله. وعن طاوس: "الصوم أفضل". وعن الأسود بن يزيد مثله. ص: وكان أيضًا مما احتج به من كره الصوم في السفر: ما حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف. (ح) وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قالا: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن منصور الكلبي: "أن دحية بن خليفة خرج من قريته بدمشق إلى قدر قرية عقبة في رمضان، فأفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه: إن

стр. 4173

قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﵇ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال: اللهم اقبضني إليك". فكان من الحجة للذين استحبوا الصوم في السفر في هذا الحديث أن دحية إنما ذمَّ من رغب عن هدي رسول الله ﵇ وأصحابه، فمن صام في سفره كذلك فهو مذموم، ومن صام في سفر غير راغب عن هديه بل على التمسك بهديه فهو محمود. ش: أي: وكان أيضًا من الذي احتج به مَن كان يكره الصوم في السفر حديث دحية بن خليفة الكلبي الصحابي الذي كان جبريل ﵇ يأتي النبي ﵇ في صورته، ويجوز في داله الفتح والكسر. وأخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري، عن منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلبي. وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا منصورًا وهو أيضًا ثقة وثقه ابن حبان (١). الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد ... إلى آخره. والطريقان صحيحان. فإن قيل: كيف تقول ذلك، وقد قال الخطابي: وهذا الحديث ليس بالقوي، في إسناده رجل ليس بالمشهور، يشير به إلى منصور الكلبي.

стр. 4174

قلت: ليس الأمر كذلك، وإنما هو مشهور، وقد وثقه ابن حبان، وقال العجلي: تابعي ثقة. وأخرج أبو داود حديثه (١): ثنا عيسى بن حماد، قال: أنا الليث -يعني ابن سعد- عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن منصور الكلبي: "أن دحية بن خليفة خرج من قريته من دمشق إلى قدر قرية عقبه من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، وذلك في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظن أن أراه؛ إن قومًا رغبوا عن هَدْي رسول الله ﵇ وأصحابه- يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك". وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢) نحوه من حديث الليث بن سعد. قوله: "خرج من قريته بدمشق" وكانت قريته هي التي تدعى اليوم قرية المزَّة. قوله: "قدر قرية عقبة" وهو عقبة بن عامر الجهني، أراد قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال كما ذكر ذلك في رواية أبي داود، وقرية عقبة هي التي تسمى اليوم منية عقبة من بلاد جيزة، والمراد من الفسطاط هي مدينة مصر. قوله: "عن هَدْي رسول الله ﵇" بفتح الهاء وسكون الدال، وهو السيرة والهيئة والطريقة، أراد أن قومًا رغبوا، أي أعرضوا عن طريقة رسول الله ﵇ وسنته وخصلته التي كان يفعلها، يقال: هدى هدي فلان: إذا سار بسيرته، ومنه الحديث: "اهدوا هدي عمار" (٣) أي: سيروا يسير ته وتهيئوا بهيئته، ومنه حديث ابن مسعود: "إن أحسن الهدي هدي محمَّد" (٤). قوله: "فكان من الحجة للذين استحبوا الصوم في السفر ... إلى آخره".

стр. 4175

أراد بها الجواب عن ذلك، بيانه: أن دحية إنما ذمَّ مَن كان يرغب عن هدي رسول الله ﵇ وسمْته، وعن هدي الصحابة ﵃، فكل من صام في سفره، وهو راغب عن هَدْيه ﵇ فهو مذموم بلا شك، وكل مَن صام وهو غير راغب عن هديه بل كائنًا على التمسك بهديه فهو محمود غير مذموم. وقال البيهقي: وما روي عن دحية إن صح فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية في الرخصة في السفر، وأراد بقوله: "رغبوا عن هدي رسول الله ﵇ وأصحابه"، أي: في قبول الرخصة لا في تقدير السفر. وقال الذهبي في "مختصر سننه": بل رغبوا عن هذا مع هذا. قلت: يمكن أن يقال: إن دحية كان يرى هذا المقدار من السفر مبيحًا للفطر، وهؤلاء الذين صاموا لا يرون ذلك، فاعتقد دحية أنهم يرون أيضًا مثل رأيه وصاموا راغبين عن الرخصة؛ فلذلك ذمهم، فافهم. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة، قال: ثنا أبو الأسود، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث، عن أبي مراوح الأسلمي، عن حمزة بن عمرو الأسلمي صاحب رسول الله ﵇: "أنه قال: يا رسول الله إني أسرد الصيام، أفأصوم في السفر؟ فقال رسول الله ﵇: إنما هي رخصة من الله للعباد، مَن قَبِلها فحسن جميل، ومن تركها فلا جناح عليه، قال: وكان حمزة يصوم الدهر في السفر والحضر، وكان أبو مراوح كذلك، وكان عروة كذلك". فدل ما ذكرنا عن رسول الله ﵇ أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار، وأن الإفطار إنما هو رخصة. وقد حدثنا ربيع الجيزي، أنه قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة، قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير: "أن عائشة ﵂ كانت تصوم الدهر في السفر والحضر". ش: ذكر هذا أيضًا تأييدًا لقوله: "فثبت بما ذكرنا أن الصوم في السفر أفضل من الفطر".

стр. 4176

وأخرجه من طريق صحيح: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المؤذن المصري، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري العابد الفقيه، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن أبي مراوح -قيل: اسمه سعد- وثقه العجلي وابن حبان، وروى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. قال القاضي: سمعناه من القاضي الشهيد وغيره: أبو مرواح وهي رواية العذري، وذكره البخاري وأصحاب الحديث: أبو مُرَاوح، وكذا ذكره مسلم في كتاب الكنى، وأبو أحمد وغيرهما. والحديث أخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي- قال هارون: ثنا، وقال أبو الطاهر: أنا- ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن أبي مُرَاوح، عن حمزة بن عمرو الأسلمي، أنه قال: "يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عَلَيَّ جناح؟ فقال رسول الله ﵇: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه". وقال هارون: "هي رخصة" ولم يذكر: "من الله". وأخرجه النسائي (٢): أنا الربيع بن سليمان، قال: نا ابن وهب، قال: نا عمرو -وذكر آخر- عن أبي الأسود، عن عروة، عن أبي مُرَاوح، عن حمزة بن عمرو، أنه قال لرسول الله ﵇: "أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ قال: هي رخصة من الله ، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه". قوله: "إني أسرد الصوم" أي: أواليه وأتابعه، ومنه: سرد الكلام. قوله: "فحسن" خبر مبتدأ محذوف؛ أي فهو حسن جميل.

стр. 4177

قوله: "فلا جناح" أي فلا إثم عليه. وقال القاضي في شرح حديث مسلم: قد يحتج به من يرى الفطر أفضل لقوله فيه: "حسن"، وقوله في الصوم: فلا جناح، ولا حجة في هذا؛ فإن الأخذ بالرخصة حسن كما قال، وأما قوله في الصوم: "فلا جناح"، فجواب قوله: "هل عليَّ جناح؟ " ولا يُفهم منه أنه أنزل درجة من الفطر، ولا أنه ليس بحسن، بل جاء في الحديث الآخر وصفهما جميعًا بحسن. قلت: وبهذا خرج الجواب عما قيل: إن قول الطحاوي: "فدل ما ذكرنا عن رسول الله ﵇ أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار، وأن الإفطار إنما هو رخصة" فيه نظر؛ لأنه كيف يكون الصوم أفضل وقد ذكر ﵇ في جانبه نفي الجناح، وذكر في جانب الإفطار الحسن والجمال؛ فافهم. قوله: "وقد حدثنا ربيع الجيزي ... إلى آخره" ذكره أيضًا تأييدًا لقوله: "إن الصوم في السفر أفضل من الإفطار"، وذلك لأنه لو لم يكن أفضل لما صامت عائشة ﵂ الدهر في السفر. وأخرجه بإسناد صحيح: عن ربيع الجيزي، عن أبي زرعة وهب الله ... إلى آخره. وقد ذكروا كلهم الآن. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حيوة بن شريح وغيره، عن أبي الأسود، عن عروة: "أن عائشة ﵂ كانت تصوم الدهر في السفر والحضر".

стр. 4178

ص: باب: صوم يوم عرفة ش: أي هذا باب في بيان حكم الصوم في يوم عرفة. وعرفة اسم لليوم التاسع من ذي الحجة، واسم للمكان المشهور به، ويسمى عرفات أيضًا؛ لأن آدم وحواء صلوات الله عليهما تلاقيا هناك وتعارفا. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر. (ح) وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم. (ح) وحدثنا بكر بن إدريس وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قالوا: ثنا موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، عن عقبة- وقال بكر وصالح في حديثهما: قال: سمعت أبي يحدث عن عقبة- عن النبي ﵇ قال: "إن أيام الأضحى وأيام التشريق ويوم عرفة عيد أهل الإِسلام، أيام أكل وشرب". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن بشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي، عن موسى بن عُلي -بضم العين وفتح اللام- عن أبيه عُليّ بن رباح اللخمي المصري، عن عقبة بن عامر الجهني ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، قال: ثنا وهب، عن موسى بن عُلَيّ. ونا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن موسى بن عُلي -والإخبار في حديث وهب- قال: سمعت أبي، أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﵇: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام إلى وشرب". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، عن عقبة.

стр. 4179

وأخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن موسى بن عُلي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﵇: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب". وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائى (٢) أيضًا نحوه. الثالث: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، وصالح بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ القصير شيخ البخاري، عن موسى بن عُلَيّ ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث موسى بن عُلي، سمعت أبي يحدث، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله ﵇ قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام، وهي أيام أكل وشرب". قوله: "إن أيام الأضحى" أيام الأضحى ثلاثة أيام: يوم العيد وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، ويومان بعده وهما الحادي عشر والثاني عشر، وهذا عندنا، وعند الشافعي أيام الأضحى أربعة، وهي: هذه الثلاثة، والرابع هو اليوم الثالث عشر. وأما أيام التشريق فهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وهذا قول الأكثرين، وقيل: بل هي أيام النحر، واختلف في تسميتها بأيام التشريق، فقيل: سميت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، وهو تقديدها ونشرها في الشمس لتجف، وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: بل لصلاة العيد عند شروق الشمس في أول يوم منها، فصارت هذه الأيام تبعا ليوم النحر.

стр. 4180

قوله: "أيام أكل" كلام إضافي وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أيام أكل وشرب، ويجوز نصبه على أنه بدل من قوله: "أيام الأضحى". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فكرهوا به صوم يوم عرفة، وجعلوا صومه كصوم يوم النحر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: بعض أهل الحديث وبعض الظاهرية، فإنهم قالوا: صوم يوم عرفة كصوم يوم النحر حرام، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور سواء كان للحاج أو غيره. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بصوم يوم عرفة. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور الفقهاء والمحدثين من التابعين ومَن بعدهم منهم: مسروق وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد ﵏؛ فإنهم قالوا: لا بأس بصوم يوم عرفة، والأفضل لغير الحاج صومه، وأما الحاج فالفطر أفضل له، وقال القاضي: وفطر يوم عرفة مستحب للحاج عند جماعة من العلماء، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين وجماعة من السلف؛ ليتقووا بذلك على ما هم بسبيله من الوقوف والدعاء والسعي من عمل الحج. وروي عن جماعة من السلف اختيار صومه والترغيب فيه، وجاءت فيه آثار قد ذكرها مسلم وغيره، ويجمع بينهما أن الأفضل لسائر الناس غير الحاج صومها للآثار الواردة في ذلك، والأفضل للحاج فطرها لاختيار النبي ﵇ ذلك لنفسه، وسنته ذلك لمن بعده. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ إنما أراد بنَهْيِه عن صوم يوم عرفة بالموقف؛ لأنه هناك عيد وليس في غيره كذلك، وقد بين ذلك أبو هريرة. حدثنا محمَّد بن إدريس المكي وابن أبي داود، قالا: ثنا سليمان بن حرب. (ح)

стр. 4181

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالا: ثنا حوشب بن عقيل، عن مهدي الهجري، عن عكرمة قال: "كنا مع أبي هريرة في بيته، فحدثنا أن رسول الله ﵇ نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة". فأخبر أبو هريرة ﵁ أن النهي من رسول الله ﵇ عن صوم يوم عرفة إنما هو بعرفة خاصة. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه: أنه قد يجوز ... إلى آخره. وأراد بها الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن يقال: استدلال هؤلاء في تحريم صوم يوم عرفة بحديث عقبة لا يتم؛ لأنه قد يجوز أن يكون ﵇ أراد بنهيه عن صوم يوم عرفة بعرفة وهي الموقف؛ لأن ذلك اليوم هناك عيد فيصير كسائر الأعياد، وليس في غير الموقف كذلك، وقد بيَّن هذا المعنى أبو هريرة في حديثه: أنه ﵇ نهى [عن] (١) صوم يوم عرفة بعرفة، فأخبر أن النهي عن صوم يوم عرفة إذا كان بعرفة -وهي الموقف- خاصة دون غيره. وأخرج الحديث المذكور من طريقين: الأول: عن محمَّد بن إدريس بن عمر المكي وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن سليمان بن حرب بن بُجَيْل الأزدي شيخ البخاري وأبي داود، عن حوشب بن عقيل الجرمي البصري- وثقه أبو داود والنسائي وابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه هذا الحديث فقط. عن مهدي بن حرب الهجري المحاربي وثقه ابن حبان، وروى له هؤلاء. عن عكرمة مولى ابن عباس ... إلى آخره.

стр. 4182

وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حوشب بن عَقيل ... إلى آخره نحوه سواء. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حوشب ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، حدثني حوشب بن عقيل، حدثني مهدي العبدي، عن عكرمة قال: "دخلت على أبي هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات، فقال أبو هريرة: نهى رسول الله ﵇ عن صوم يوم عرفة بعرفات". فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟ قلت: سكوت أبي داود عنه يدل على صحته، ولا شك أنه صحيح لأن رجاله ثقات. فإن قيل: ضعفه ابن حزم قال: وفي إسناده حوشب بن عقيل وليس بالقوي، عن مهدي الهجري وهو مجهول، ومثل هذا لا يحتج به، قال يحيى بن معين: لا أعرفه. قلت: تضعيف ابن حزم ضعيف، وحوشب وثقه وكيع وأحمد والنسائي وابن حبان، وقال أحمد: كان ثقة من الثقات، وقال يحيى: ثقة. ومهدي بن حرب مشهور ذكره ابن حبان في "الثقات". فإن قيل: ما محل الباء في "بعرفة"؟ قلت: النصب على الحال، فافهم. ص: واحتج أهل المقالة الأول لقولهم أيضًا بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لم يَصُم رسول الله ﵇ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ﵃ يوم عرفة".

стр. 4183

قيل لهم: هذا أيضًا عندنا على الصيام يوم عرفة بالموقف، وقد بيَّن ذلك ابن عمر في غير هذا الحديث. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة وأبو داود، قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل: "أن رجلًا سأل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بالموقف، فقال: خرجنا مع رسول الله ﵇ فلم يَصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمرك، ولا أنهاك، فإن شئت فصم، وإن شئت فلا تصمه". فبيَّن هذا الحديث أن ما روى نافع عن ابن عمر ﵄ هو على الصوم بالموقف. ش: أي: احتج أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه من ترك صوم يوم عرفة بحديث عبد الله بن عمر؛ فإنه لما سئل عن ذلك قال: "لم يصم رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. وأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموى المكي روى له الجماعة، عن نافع .. إلى آخره. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): من طريق مؤمل، عن الثوري، عن إسماعيل بن أمية ... إلى آخره نحوه، وصححه. قوله: "قيل لهم ... إلى آخره" جواب عن ذلك، أي: قيل لهؤلاء: هذا أيضًا محمول عندنا على الصوم يوم عرفة بالموقف كما قلنا؛ ليتقووا بذلك على ما هم بسبيله من الوقوف والدعاء والسعي في أعمال الحج، وقد بيَّن ذلك المعنى عبد الله بن عمر حيث أجاب لما سأله السائل عن صوم يوم عرفة بقوله: "خرجنا مع رسول الله ﵇ فلم يَصمه ... " إلى آخره. فبيَّن في هذا أن ما رواه نافع عنه هو محمول على الصوم بالموقف".

стр. 4184

وأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن رَوْح بن عبادة وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن أبيه أبي نجيح واسمه يسار الثقفي المكي. عن رجل وهو مجهول: "أن رجلًا ... إلى آخره". وأخرجه الترمذي (١) نحوه معلقًا، وقال: قد روي هذا الحديث عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل، عن ابن عمر ﵄. وأخرجه أيضًا وليس فيه مجهول: ثنا أحمد بن منيع وعليّ بن حجر، قالا: ثنا سفيان بن عيينة وإسماعيل بن إبراهيم، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه قال: "سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة قال: "حججت مع النبي ﵇ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال ابن حزم في "المحلى" (٢): أما أن رسول الله ﵇ فلم يصمه فلا حجة لهم في ذلك؛ لأنه ﵇ قد حَضَّ على صيامه أعظم حضٍّ، وأخبر أنه يكفر ذنوب سنتين، وما علينا أن ننتظر بعد هذا أيصومه ﵇ أم لا؟ فقد حدثنا أبو يوسف بن عبد الله، قال: ثنا أحمد بن محمَّد بن الجسور، قال: نا قاسم بن أصبغ، نا مطرف بن قيس، نا يحيى بن بكير، نا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "إن كان رسول الله ﵇ ليترك العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم". وأما ترك أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس صيامه فقد صامه غيرهم كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سهل بن أبي الصلت، عن الحسن البصري:

стр. 4185

"أنه سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: صامه عثمان بن عفان في يوم حار يظلل عليه". ومن طريق حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق: "أن عائشة أم المؤمنين كانت تصوم يوم عرفة في الحج". ومن طريق هشام بن عروة: "أن عبد الله بن الزبير كان يدعو عشية عرفة إذا أفاض الناس بماء ثم يفيض". ص: وقد روي عن ابن عمر في الأمر بصوم يوم عرفة ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا رقبة، عن جبلة بن سُحَيم قال: "سمعت ابن عمر يُسْأَل عن صوم يوم الجمعة ويوم عرفة، فأَمَرَ بصيامهما". ش: ذكر هذا تأييدًا للتأويل الذي ذكره في حديث ابن عمر السابق؛ وذلك لأن خبره فيه لو كان عامًّا لما أمَرَ في هذا الحديث بصوم يوم عرفة، فحيث أَمَرَ عُلِمَ أن ذاك محمول على الصوم بالموقف. وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سهل بن بكار الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن رقبة بن مصقلة العبدي الكوفي، عن جبلة بن سُحيم التيمي الكوفي. ومما يستفاد منه: عدم كراهة صوم يوم الجمعة، ولكن منع جمهور العلماء صوم يوم الجمعة وحدها؛ لتظاهر الأحاديث الصحيحة بالمنع عن ذلك، وروي عن مالك أن صوم يوم الجمعة مستحب، فهذا الأثر مما يقوِّي كلام مالك. وقال القاضي: قال مالك في "موطئه": لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسنٌ، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه. قال الإِمام: ذكر بعض الناس أنه محمَّد بن المنكدر، وقال الداودي: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، وأراد بقوله ﵇ "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن يكون في صوم

стр. 4186

يصومه أحدكم"، وفي لفظ "إلا أن يصوم قبله أو بعده" رواه مسلم (١) وغيره (٢). ولو بلغه لم يخالفه. وقال القاضي: أخذ بظاهر الحديث الشافعي. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يكرهون للرجل أن يختص يوم الجمعة بصيام لا يصوم قبله ولا بعده. وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يحل صوم يوم الجمعة إلا لمن صام يومًا قبله أو يومًا بعده، فلو نذر إنسان كان نذره باطلًا، ولو كان إنسان يصوم يومًا ويفطر يومًا فجاء صومه في يوم الجمعة فليصمه. ثم نقل أن ذلك مذهب علي وأبي هريرة ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي وابن سيرين. فإن قيل: ما الحكمة في منع صوم يوم الجمعة؟ قلت: قال المهلب: وجه النهي عنه خشية أن يستمر عليه فيفرض، أو خشية أن يلزم الناس من تعظيمه ما التزم اليهود والنصارى في سبتهم وأحدهم في ترك العمل. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في ثواب صوم يوم عرفة من حديث ابن عمر وأبي قتادة الأنصاري ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة الأنصاري: "أن رسول الله ﵇ سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: يكفِّر السنة الماضية والباقية". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت غيلان، ابن جرير يحدث، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﵇: "إني أحتسب على الله في صيام يوم عرفة أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".

стр. 4187

حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا المعتمر، قال: قرأت على الفضيل قال: حدثني أبو حريز، أنه سمع سعيد بن جبير يقول: "سأل رجل ابن عمر عن صوم يوم عرفة قال: "كنا ونحن مع رسول الله ﵇ نعدله بصوم سنه. فثبت بهلا الأمر عن رسول الله ﵇ الترغيب في صوم يوم عرفة، فدل ذلك أن ما كره من صومه في الآثار الأول هو للعارض الذي ذكرنا من الوقوف بعرفة؛ لشدة تعبهم. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ش: أخرج أحاديث الترغيب في صوم يوم عرفة لدلالتها على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وهذا ظاهر. ورواها أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري وعبد الله ابن عمر ﵃. وأخرج حديث أبي قتادة من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار -واللفظ لابن مثنى- قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن غيلان بن جرير، سمع عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة ... إلى آخره نحوه سواء. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزِّمَّاني -بكسر الزاي المعجمة وتشديد الميم- نسبة إلى زِمَّان بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

стр. 4188

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أحمد بن عبدة، أنا حماد بن زيد، ثنا غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﵇: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله [أن يكفر] (٢) السنة التي قبله والتي بعده". قوله: "أني أحتسب على الله" أي: أعتد عليه بسبب ذلك كفارة ذنوب سنتين: السنة الماضية والسنة الباقية. والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدّ، ويقال لمن ينوي بعمله وجه الله: احْتسِبْهُ؛ لأن له حينئذٍ أن يعقد عمله، فجعله في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به. وأخرج حديث عبد الله بن عمر: عن علي بن عبد الرحمن، عن يحيى بن معين الإِمام في الجرح والتعديل، عن المعتمر بن سليمان بن طرخان البصري روى له الجماعة، عن الفضيل بن ميسرة الأزدي العقيلي أبي معاذ البصري، وثقه يحيى وابن حبان، وقال أحمد والنسائي: لا بأس به. روى له الأربعة غير الترمذي. عن أبي حريز -بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وفي آخره زاي معجمة- واسمه عبد الله بن الحسن الأزدي قاضى سجستان، عن يحيى: بصري ثقة. وعنه: ضعيف. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو داود: ليس حديثه بشيء. روى له الأربعة، واستشهد به البخاري. عن سعيد بن جبير ... إلى آخره. قوله: "فثبت بهذه الآثار" أشار به إلى حديث أبي قتادة وابن عمر ﵃ وكذلك قوله: "فدل ذلك". قوله: "للعارض" بَيَّنَهُ بقوله: "من الوقوف بعرفة".

стр. 4189

ص: باب: صوم يوم عاشوراء . ش: أي هذا باب في بيان صوم يوم عاشوراء. وعاشوراء على وزن فاعولاء، وهو من أبنية المؤنث صفة لليوم والليلة يضاف إليها. وقال الخليل: هو اليوم العاشر، ويقال: التاسع، فعلى هذا هو صفة لليوم وهو في التاسع من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع. وقال أبو عمر الزهد في كتاب "يوم وليلة": إن العرب تقدم في الأشهر النهار إليها قبل الليل، وتجعل الليلة المستقبلة لليوم الماضي. وهذا هو الوجه في وقوع عاشوراء صفة للتاسع. وقال بعضهم: إضافته لليلة أصح. وقال الحربي وغير واحد: هو العاشر. وقيل: سمي التاسع عاشوراء على عادة العرب في الورد، وأنه مأخوذ من إعشار الإبل، وكانت إذا وَرَدَت لتسعة أيام سموه عِشْرًا؛ وذلك أنهم يحسبون في الإظماء يوم الوِرد، فإذا أقامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رِبْعًا، وإن رعَتْ ثلاثًا ووردت في الرابع قالوا: وردت خِمْسًا؛ لأنهم حسبوا في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه قبل الشرعي، وأول اليوم الذي ترد فيه بعده. وقال ابن الأثير: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وهو اسم إسلامي، وليس في كلامهم فاعولاء بالمد غيره، وقد أُلحق به تاسوعاء وهو تاسع المحرم، وقيل: إن عاشوراء هو التاسع مأخوذ من العِشر في أوراد الإبل، تقول العرب: وردت الإبل عِشْرًا إذا وردت اليوم التاسع. وقال الجوهري: ويوم عاشوراء وعَشُوراء أيضًا ممدودان.

стр. 4190

وحكى أبو عمرو الشيباني فيه القصر. وقال أبو منصور اللغوي: عاشوراء ممدود ولم يجيء فاعولاء في كلام العرب إلا عاشوراء، والضاروراء اسم للضراء، والساروراء اسم للسراء، والدالولاء اسم للدالة، وحابوراء اسم موضع. ثم العاشوراء في المشهور هو اليوم العاشر من المحرم كما ذكرناه، وقال ابن عباس وآخرون: إنه اليوم التاسع، وقال أبو الليث السمرقندي بعد أن ذكر القولين: وقال بعضهم: هو يوم الحادي عشر، وفي "الأحكام" لابن بزيرة: وقد اختلف الصحابة فيه هل هو اليوم التاسع أواليوم العاشر أو اليوم الحادي عشر؟ وهو اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون، وفيه استوت السفينة على الجوديّ، وفيه تاب الله سبحانه على آدم، وفيه وُلد عيسى ﵇، وفيه نجَّى الله يونس من بطن الحوت، وفيه تاب الله على قومه، وفيه أخرج يوسف ﵇ من الجب، وفيه تكسى الكعبة، وفيه صامت الوحوش. ولا يبْعُد أن يجعل الله لها صيامًا خاصُّا كما كان صيام بعض الأمم قبلنا بترك الكلام فقط. وبالجملة هو يوم عظيم معلوم القدر عند الأنبياء ﵈ والنفقة فيه مخلوفة، وقد روينا بالإسناد إلى، جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه بقية عامه. قال لجابر: جربناه فوجدناه صحيحًا. وقال الراوي عن جابر: جربناه فوجدناه كما قال جابر ﵁" (١) انتهى.

стр. 4191

وذكر الاختلاف في تسمية عاشوراء، فقال بعضهم: إنما سمي عاشوراء لأنه عاشر المحرم، وقال بعضهم: لأن الله أكرم فيه عشرةً من الأنبياء بعشر كرامات، وقال بعضهم: لأنه عاشر كرامة أكرم الله تعالى بها هذه الأمة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء، عن أبيه قال: "بعثني رسول الله ﵇ إلى قومي مِن أسلم فقال: قل لهم: فليصوموا يوم عاشوراء، فمن وجدت منهم قد أكل في صدر يومه فليصم آخره". ش: الوهبي: هو أحمد بن خالد الكندي الوهبي شيخ البخاري في غير الصحيح. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق المدني، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات. وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني روى له الجماعة. وحبيب بن هند بن أسماء الأسلمي، وثقه ابن حبان. وأبوه هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي الصحابي ﵁. وأخرجه أحمد في "مسند" (١): ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن محمَّد، عن حبيب بن هند، عن أبيه ... إلى آخره نحوه. غير أن في لفظه: "قد أكل في أول يومه"، وهذا يدل على أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا. وقد اختلف العلماء في هذا الباب فقيل: كان صوم يوم عاشوراء فرضًا فنسخ برمضان، وقيل: لم يكن فرضًا ولكنه كان مرغبًا فيه فخفف أمره وحصل التخيير في صيامه بعد ذلك، والحديث مما يقوي مقالة أهل المقالة الأولى، وروي عن بعض

стр. 4192

السلف أن فرضه باقٍ لم ينسخ، وقد انقرض القائلون بهذا، وحصل الإجماع على خلافه، وروي عن ابن عمر ﵄ كراهة قصد تعيينه بالصوم. وقال أبو عمر: لم يختلف العلماء أن يوم عاشوراء ليس بفرض صيامه، ولا فرض إلا صوم رمضان، وقد قال طائفة من العلماء: إنه كان فرضًا ثم نسخ برمضان، ولما فرض رمضان صامه رسول الله ﵇ على وجه التبرك وأمر بصيامه على ذلك وأخبر بفضل صومه، وفعل بعد ذلك أصحابه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى الحارث بن هشام: "إن غدًا يوم عاشوراء فصم وَأْمُر أهلك أن يصوموا". وعن علي بن أبي طالب ﵁ مثله. قال أبو عمر: وكان طاوس لا يصومه لأنه -والله أعلم- لم يبلغه ما جاء فيه من الفضائل عن النبي ﵇ وليس فيمن خفى عليه ما علمه غيره حجة، انتهى. وفيه دلالة على أن النية تجوز في النهار في صوم يوم عليه صومه بعينه، ولم يكن نوى صومه من الليل. وهو حجة على من يشترط التبييت. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة الخزاعي -هو ابن المنهال- عن عمه قال: "غدونا على رسول الله ﵇ صبيحة يوم عاشوراء وقد تغذينا، فقال: أصمتم هذا اليوم؟ فقلنا: قد تغدينا. فقال: فأتموا بقية يومكم". ش: عبد الرحمن بن سلمة، ويقال: ابن مسلمة الخزاعي، ويقال: ابن المنهال بن سلمة الخزاعي، ذكره ابن حبان في "الثقات" وروى له أبو داود والنسائي هذا الحديث الواحد. وعمه صحابي لم يذكر اسمه. وجهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث، وبهذا سقط تضعيف البيهقي بعد الحديث بقوله: عبد الرحمن هذا مجهول ومختلف في اسم أبيه، ولا يُدرَى مَنْ عمه.

стр. 4193

وأخرجه النسائي (١): من حديث عبد الرحمن هذا، عن عمه أسلم "أتيت النبي ﵇ فقال: أصمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا. قال: فأتموا بقية يومكم واقضوا". وقال النسائي في "الكنى": أبو المنهال عبد الرحمن بن سلمة بن المنهال. وقد استدل به مَن كان يقول: إن صوم يوم عاشوراء كان فرضًا؛ لأنه ﵇ أمرهم بإتمام بقية يومهم ذلك بعد أن تغدوا في أول يومهم، فهذا لم يكن إلا في الواجب. وقد أجيب عن هذا بأن هذا كان حكمًا خاصًّا بعاشوراء، ورخصة ليست لسواه، وزيادة في فضله وتأكيد صومه. وذهب إلى ذلك ابن حبيب المالكي. وقال الخطابي: كان ذلك على معنى الاستحباب والإرشاد لأوقات الفضل؛ لئلا يغفل عنه عند مصادفة وقته. قلت: بل الظاهر أن هذا كان لأجل فرضية صوم يوم عاشوراء، ولهذا جاء في رواية أبي داود والنسائي: "فأتموا بقية يومكم واقضوه" فهذا صريح في دلالته على الفرضية؛ لأن القضاء لا يكون إلا في الواجبات، فصار كرمضان إذا أفطروا في أول يوم منه عند عدم ثبوت الرؤية، ثم ثبت في أثناء النهار، فإن الواجب عليهم إمساك بقية يومهم ثم قضاء يوم آخر. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا المنهال يحدث، عن عمه -وكان من أسلم- "أن ناسًا أتوا النبي ﵇ -أو بعضهم- يوم عاشوراء، فقال: صمتم اليوم؟ فقالوا: لا، وقد أكلنا، فقال: فصوموا بقية يومكم". ش: هذا طريق آخر في الحديث المذكور. وعبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، وثقه ابن حبان.

стр. 4194

وأبو المنهال هو عبد الرحمن بن سلمة المذكور في الإسناد السابق. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن عمه: "أن أسلم أتت النبي ﵇ فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالو: لا. قال فأتموا بقية يومكم واقضوه". قال أبو داود: يعني عاشوراء. ص: قال أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار وجوب صوم يوم عاشوراء، وفي أمر النبي ﵇ إياهم بصومه بعد ما أصبحوا دليل على من كان في أول يوم عليه صوم بعينه ولم يكن نوى صومه من الليل أنه يجزئه أن ينوي صومه بعد ما أصبح إذا كان ذلك قبل الزوال، على ما قال أهل العلم في ذلك". ش: أشار بهذا الكلام إلى أن الأحاديث المذكورة يستفاد منها حكمان: الأول: وجوب صوم يوم عاشوراء. والثانى: جواز النية في صوم يوم عليه صومه بعينه من النهار كرمضان والنذر المعين. وقد ذكرناهما عن قريب. وقال عياض: ذهب الكوفيون إلى أن كل ما فرض من الصوم في وقت معين فإنه لا يحتاج إلى تبييت، لهذا الحديث، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال. وهو قول الأوزاعي وعبد الملك بن ماجشون. وقال الخطابي: وقد يحتج أهل الرأي بهذا الحديث في جواز تأخير نية صيام الفرض عن أول وقته، إلا أن قوله ﵇: "واقضوه" يفسد هذا الاستدلال؛ لأن وجوب القضاء لم يكن لأجل عدم وجود النية من الليل بل لأجل وجود الإفطار في أول النهار، فإذا كانوا هم مأمورين بإتمام بقية يومهم بدون اشتراط نية أصلًا، فبالأحرى أن يصوموا ذلك اليوم بدون اشتراط النية من الليل.

стр. 4195

ص: وقد روي في صوم عاشوراء ما زاد على ما ذكرنا: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يوسف بن يزيد، قال: ثنا خالد بن ذكوان، عن الرُّبيِّع بنت معوذ قال: "سألتها عن صوم يوم عاشوراء، فقالت: بعث رسول الله ﵇ في الأنصار: مَن كان أصبح صائمًا فليتم على صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم آخر يومه، فلم نزل نصومه بعد، ونصومه صبياننا وهم صغار، ونتخد لهم اللعبة من العهن، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة". ففي هذا الحديث أنهم كانوا يمنعون صبيانهم الطعام ويصوِّمُونهم يوم عاشوراء. وهذا عندنا غير جائز؛ لأن الصبيان غير متعبدين بصيام ولا صلاة ولا بغير ذلك، وكيف يكونون متعبدين بشيء من ذلك وقد رفع الله عنهم القلم؟! حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: أراد بالزيادة المذكورة في هذا الحديث على الأحاديث السابقة هي قولهم: "ونصومه صبياننا وهم صغار" وهذا غاية تأكيد من كون صوم يوم عاشوراء فرضًا. وأخرجه بإسناد صحيح. والحماني هو يحيى بن عبد الحميد الحماني أبو زكرياء الكوفي، وثقه ابن معين وغيره. ويوسف بن يزيد أبو معشر البَرَّاء العطار، كان يبري النبل، وقيل: كان يبري العود، روى له الشيخان.

стр. 4196

وخالد بن ذكوان المديني أبو الحسن، ويقال: أبو الحسن روى له الجماعة غير ابن ماجه (١). والرُّبَيِّع -بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة- بنت معوذ بن عفراء الأنصارية الصحابية. وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسدد، قال: ثنا بشر بن المفضل، نا خالد بن ذكوان، عن الرُّبَيَعّ بنت معوذ قالت: "أرسل النبي ﵇ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: مَن أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومَن أصبح صائمًا فليصم، فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار". وأخرجه مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى، قال: نا أبو معشر العطار، عن خالد بن ذكوان، قال: "سالت الرُّبَيَعّ بنت معوذ عن صوم عاشوراء، قالت: بعث رسول الله ﵇ في قرى الأنصار ... " إلى آخره نحوه. قوله: "فلم نزل نصومه بعد" أي فلم نزل نصوم يوم عاشوراء بعد ذلك. قوله: "ونُصَوِّمه" من التصويم، أي: فنصوِّم يوم عاشوراء صبياننا. قوله: "وهم صغار" جملة وقعت حالًا كاشفة وموضحة، وهي التي يستغني الكلام عنها؛ وذلك لأن الصبيان هم الصغار، وإنما جاءت هذه الجملة كشفا وتوضيحا لمعناه. قوله: "اللُّعبة" بضم اللام اسم لكل ما يلعب به، ومنه لُعْبة الشطرنج والنرد، واللَّعبة -بفتح اللام- المرة الواحدة من اللعب، واللِّعبة -بالكسر- نوع منه مثل الرِّكبة والِجلْسة.

стр. 4197

والعِهْن -بكسر العين- الصوف، جمع عهنة مثل صوف وصوفة، وقيل: لا يقال للصوف: عِهْنٌ إلا إذا كان مصبوغًا، وقال ابن الأثير: العِهْنُ: الصوف الملون، الواحدة عِهْنة. ويستفاد منه أحكام: وجوب صوم يوم عاشوراء، وهو ظاهر، وإباحة اتخاذ اللُّعْبة من العهن ونحوه لأجل إشغال الصغار، وعدم اشتراط النية من الليل في الصوم المفروض المؤقت. قوله: "وهذا عندنا غير جائز" أي: الفعل المذكور وهو تصويم الصبيان غير جائز؛ لأنهم كانوا غير متعبدين أي غير مكلفين بالعبادات؛ لأن القلم مرفوع عنهم، ولهذا قال القرطبي: ولعل النبي ﵇ لم يعلم بذلك، وبعيد أن يكون أَمَرَ بذلك؛ لأنه تعذيب صغير بعبادة شاقة، ومراد الطحاوي من قوله: وهذا غير جائز؛ هو ما إذا فعل بهم ذلك على سبيل الوجوب، وأما إذا فعل بهم ذلك على سبيل التدريب على العبادات فلا بأس به إذا لم تحصل لهم مشقة. وقال ابن بطال: أجمع العلماء أنه لا تلزم العبادات والفرائض إلا عند البلوغ، إلا أن أكثر العلماء استحبوا تدريب الصبيان على العبادات رجاء البركة، وأنهم يعتادونها فتسهل عليهم إذا لزمتهم، وأن مَن يفعل ذلك معهم مأجور. انتهى. وعن أحمد روايتان: إحداهما: أنه يجب على مَن بلغ عشر سنين كالصلاة. وذكر ابن المنذر في "الإشراف": واختلفوا في الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصيام، فكان ابن سيرين والحسن والزهري وعطاء وقتادة والشافعي يقولون: يؤمر به إذا أطاقه. وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعًا لا يضعف فيهن؛ حمل على صوم رمضان. وقال ابن الماجشون: إذا أطاقوا الصيام أُلزموه، فإن أفطروا لغير عذر ولا علة فعليهم القضاء.

стр. 4198

وقال أشهب: يستحب لهم إذا أطاقوه. وقال إسحاق: إذا بلغ ثنتي عشرة سنة أحببت له أن يكلف الصيام للعادة. وقال عياض: وقيل: إنهم مخاطبون بالطاعات على الندب، وهذا لا يصح؛ لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة ... " الحديث. قوله: "حدثنا يونس ... إلى آخره" بيان لقوله: وقد رفع الله عنهم القلم. وأخرجه من حديث علي بن أبي طالب وعائشة ﵄. أما حديث علي: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب المصري، عن جرير بن حازم بن زيد البصري، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان حصين بن جندب الحنيني الكوفي، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃. وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود (١): ثنا ابن السرح، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان بن مهران، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: "مرَّ عَلَيَّ عَلِيُّ بن أبي طالب ... " الحديث، وفيه أن رسول الله ﵇ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم". وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. وأما حديث عائشة ﵂: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂. وهذا أيضًا إسناد صحيح.

стр. 4199

وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر". وأخرجه النسائى (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. ص: وقد روي في نسخ صوم يوم عاشوراء عن رسول الله ﷺ آثار صحيحة. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن شقيق بن سلمة قال: "دخلت على ابن مسعود يوم عاشوراء وعنده رطب، فقال: ادنه، فقلت: إن هذا يوم عاشوراء وأنا صائم، فقال: إن هذا اليوم أمرنا بصيامه قبل رمضان". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن عمارة بن عمير، عن قيس بن السكن، عن ابن مسعود ﵁ قال: "أتاه رجل وهو يأكل، فقال له: هَلُمَّ، فقال: إني صائم، فقال له عبد الله: كنا نصومه ثم تُرك" يعني: عاشوراء. ش: لما بيَّن الأحاديث التي فيها الأمر بصيام يوم عاشوراء؛ شرع يبيِّن الأحاديث التي يبيِّن فيها انتساخ صومه. فمنها ما أخرجه عن عبد الله بن مسعود من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن المبارك بن فضالة بن أبي أمية القرشيءٌ البصري، وعن يحيى: ثقة، وعنه: لا بأس به. وعن أبي داود: إذا قال: حدثنا فهو

стр. 4200

ثبت، استشهد به البخاري في "الصحيح" وروى له في "الأدب"، وروى له الترمذي وأبو داود وابن ماجه. عن إبراهيم بن إسماعيل الكوفي وثقه ابن حبان، عن شقيق بن سلمة أبي وائل. وأخرجه البخاري في "تاريخه" (١): ثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، ثنا مبارك بن فضالة، حدثني إبراهيم الكوفي، حدثني شقيق قال: "دخلت على ابن مسعود يوم عاشوراء ... " إلى آخره نحوه. الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني وثقه يحيى، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به. عن سفيان الثوري، عن أبيه سعيد بن مسروق الثوري الكوفي روى له الجماعة، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي روى له الجماعة، عن قيس بن السكن الأسدي الكوفي روى له مسلم والنسائي، عن ابن مسعود. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثني وكيع ويحيى بن سعيد القطان، عن سفيان. وحدثني محمَّد بن حاتم -واللفظ له- قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني زُبَيْد الأيامي، عن عمارة بن عمير، عن قيس بن السكن: "أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود يوم عاشوراء وهو يأكل فقال: يا أبا محمَّد ادن فكل، قال: إني صائم: قال: كنا نصومه ثم ترك". ص: حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته: "أن رسول الله ﵇ أمر بصيام عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان فقال: من شاء صام عاشوراء، ومن شاء أفطر".

стр. 4201

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ وشعيب، قالا: ثنا الليث، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، أن عراكًا أخبره، أن عروة بن الزبير أخبره عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان، فلما فُرِضَ رمضان كان مَن شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء أفطر". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى وشعيب بن الليث، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن عراك بن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا قتيبة، نا اليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عراك بن مالك حدثه، أن عروة بن الزبير أخبره، عن عائشة: "أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﵇ بصيامه حتى فُرِضَ رمضان، فقال رسول الله ﵇: مَن شاء فليصمه، ومَن شاء أفطره". وأخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥).

стр. 4202

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شيبان، عن الأشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا بصوم يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عليه، فلما فُرِضَ رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عليه". ش: إسناده صحيح. وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي أبو معاوية البصري روى له الجماعة. والأشعث بن أبي الشعثاء سليم الكوفي روى له الجماعة، وجعفر بن أبي ثور عكرمة -وقيل: مسلم، وقيل: مسلمة- السوائي أبو ثور الكوفي. روى عن جده جابر بن سمرة وهو جده من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه، روى له مسلم وابن ماجه. والحديث أخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "عندما" موضع: "عليه" في الموضعين. قوله: "يحثنا عليه" أي: يحضنا على صوم يوم عاشوراء ويرغبنا فيه. قوله: "ويتعاهدنا" بمعنى يعهدنا عليه أي يوصينا، وقال القاضي: وقوله: "فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا" يحتج به مَنْ يحمل الأوامر على الوجوب. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: سمعت شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمِرنا بصوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما نزل رمضان لم نؤمر ولم نُنْه عنه، ونحن نفعله".

стр. 4203

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت الحكم، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق رجالها ثقات: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن سلمة، عن القاسم، عن أبي عمار واسمه عَرِيب -بفتح العين وكسر الراء المهملتن وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة- بن حميد الهمداني، عن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الصحابي ابن الصحابي ﵄. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد قال: "أمر رسول الله ﵇ بصيام عاشوراء، فَلَمَّا نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله". الثاني: عن علي، عن روح، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل الهمداني أبي ميسرة الكوفي، عن قيس بن سعد. وأخرجه النسائي (٢): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: أنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "كنا نصوم عاشوراء ونؤدي زكاة الفطر، فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به ولم ننه عنه، وكنا نفعله". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي ... إلى آخره.

стр. 4204

وأخرجه ابن ماجه نحوه (١). ص: ففي هذه الآثار نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء، ودليل أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضًا. ش: أشار به إلى الأحاديث التي أخرجها عن ابن مسعود وعائشة وجابر بن سمرة وقيس بن سعد ﵃، وفيها بيان انتساخ صوم يوم عاشوراء بعد ما كان فرضًا، وأن صومه صار تطوعًا، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. واختلف أهل الأصول أن ما كان فرضًا إذا نُسخ هل تبقى الإباحة أم لا؟ وهي مسألة مشهورة بينهم. ص: وقد رُويت عن رسول الله ﵇ أثار أخر فيها دليل على أن صومه كان اختيارًا لا فرضًا. فمنها: ما حدثنا أبو بكرة وعلي بن شيبة، قالا: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما قدم رسول الله ﵇ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى ﵇ على فرعون، فقال: أنتم أولى بموسى منهم فصوموا". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما صامه شكرًا لله في إظهاره موسى على فرعون، فذلك على الاختيار لا على الفرض. ش: أي: رويت أحاديث أخرى عن النبي ﵇ تدل على أن صوم يوم عاشوراء كان اختيارًا -يعني تطوعًا وتبرعًا- لا فرضًا، منها حديث ابن عباس. أخرجه بإسناد صحيح. وأبو بشر هو جعفر بن إياس اليشكري.

стр. 4205

وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو معمر، نا عبد الوارث، نا أيوب، نا عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "قدم النبي ﵇ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى ﵇، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه". وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "قدم رسول الله ﵇ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال النبي ﵇: نحن أولى بموسى ﵇ منكم، فأمر بصومه". وفي لفظ له (٣): "أن النبي ﵇ قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﵇: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى ﵇ شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﵇: فنحن أحق وأول بموسى ﵇، فصامه رسول الله ﵇ وأمر بصيامه". وأخرجه أبو داود (٤): نا زياد بن أيوب، قال: نا هشيم، قال: أنا أبو البشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "لما قدم النبي ﵇ المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله ﵇: نحن أولى بموسى منكم وأمر بصيامه".
следующие страницы →