← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسدٌ وشعيب، قالا: ثنا الليث، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، أن عراكًا أخبره، أن عروة بن الزبير أخبره عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان، فلما فُرِضَ رمضان كان مَن شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء أفطر". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى وشعيب بن الليث، كلاهما عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن عراك بن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا قتيبة، نا اليث، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عراك بن مالك حدثه، أن عروة بن الزبير أخبره، عن عائشة: "أن قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﵇ بصيامه حتى فُرِضَ رمضان، فقال رسول الله ﵇: مَن شاء فليصمه، ومَن شاء أفطره". وأخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥).

стр. 4202

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شيبان، عن الأشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا بصوم يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عليه، فلما فُرِضَ رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عليه". ش: إسناده صحيح. وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي أبو معاوية البصري روى له الجماعة. والأشعث بن أبي الشعثاء سليم الكوفي روى له الجماعة، وجعفر بن أبي ثور عكرمة -وقيل: مسلم، وقيل: مسلمة- السوائي أبو ثور الكوفي. روى عن جده جابر بن سمرة وهو جده من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه، روى له مسلم وابن ماجه. والحديث أخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "عندما" موضع: "عليه" في الموضعين. قوله: "يحثنا عليه" أي: يحضنا على صوم يوم عاشوراء ويرغبنا فيه. قوله: "ويتعاهدنا" بمعنى يعهدنا عليه أي يوصينا، وقال القاضي: وقوله: "فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا" يحتج به مَنْ يحمل الأوامر على الوجوب. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: سمعت شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمِرنا بصوم عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما نزل رمضان لم نؤمر ولم نُنْه عنه، ونحن نفعله".

стр. 4203

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت الحكم، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق رجالها ثقات: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن سلمة، عن القاسم، عن أبي عمار واسمه عَرِيب -بفتح العين وكسر الراء المهملتن وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة- بن حميد الهمداني، عن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي الصحابي ابن الصحابي ﵄. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد قال: "أمر رسول الله ﵇ بصيام عاشوراء، فَلَمَّا نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله". الثاني: عن علي، عن روح، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل الهمداني أبي ميسرة الكوفي، عن قيس بن سعد. وأخرجه النسائي (٢): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: أنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "كنا نصوم عاشوراء ونؤدي زكاة الفطر، فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به ولم ننه عنه، وكنا نفعله". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي ... إلى آخره.

стр. 4204

وأخرجه ابن ماجه نحوه (١). ص: ففي هذه الآثار نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء، ودليل أن صومه قد رد إلى التطوع بعد أن كان فرضًا. ش: أشار به إلى الأحاديث التي أخرجها عن ابن مسعود وعائشة وجابر بن سمرة وقيس بن سعد ﵃، وفيها بيان انتساخ صوم يوم عاشوراء بعد ما كان فرضًا، وأن صومه صار تطوعًا، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. واختلف أهل الأصول أن ما كان فرضًا إذا نُسخ هل تبقى الإباحة أم لا؟ وهي مسألة مشهورة بينهم. ص: وقد رُويت عن رسول الله ﵇ أثار أخر فيها دليل على أن صومه كان اختيارًا لا فرضًا. فمنها: ما حدثنا أبو بكرة وعلي بن شيبة، قالا: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما قدم رسول الله ﵇ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى ﵇ على فرعون، فقال: أنتم أولى بموسى منهم فصوموا". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما صامه شكرًا لله في إظهاره موسى على فرعون، فذلك على الاختيار لا على الفرض. ش: أي: رويت أحاديث أخرى عن النبي ﵇ تدل على أن صوم يوم عاشوراء كان اختيارًا -يعني تطوعًا وتبرعًا- لا فرضًا، منها حديث ابن عباس. أخرجه بإسناد صحيح. وأبو بشر هو جعفر بن إياس اليشكري.

стр. 4205

وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو معمر، نا عبد الوارث، نا أيوب، نا عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "قدم النبي ﵇ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى ﵇، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه". وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "قدم رسول الله ﵇ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال النبي ﵇: نحن أولى بموسى ﵇ منكم، فأمر بصومه". وفي لفظ له (٣): "أن النبي ﵇ قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﵇: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى ﵇ شكرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﵇: فنحن أحق وأول بموسى ﵇، فصامه رسول الله ﵇ وأمر بصيامه". وأخرجه أبو داود (٤): نا زياد بن أيوب، قال: نا هشيم، قال: أنا أبو البشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "لما قدم النبي ﵇ المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله ﵇: نحن أولى بموسى منكم وأمر بصيامه".

стр. 4206

وأخرجه ابن ماجه (١): نا سهل بن أبي سهل، ثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "قدم النبي ﵇ المدينة فوجد اليهود صيامًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون، فصامه موسى ﵇ شكرًا، فقال رسول الله ﵇: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه". فإن قيل: خبر اليهود غير مقبول، فكيف عمل ﵇ بخبرهم؟ قلت: يحتمل أن يكون ﵇ أُوحي إليه بصدقهم فيما حكوا من قصة هذا اليوم، أو يكون قد تواتر عنده ﵇ خبره حتى وقع له العلم بذلك. وقال القاضي عياض: قد ثبت أن قريشًا كانت تصومه، وأن النبي ﵇ كان يصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يُحدث له صوم اليهود حكمًا يحتاج إلى التكلم عليه، وإنما هي صفة حال، وجواب سؤال، فدل أن قوله في الحديث "فصامه" ليس أنه ابتدأ صومه حينئذ، ولو كان هذا لوجب أن يقال: صحح هذا من أسلم من علمائهم، ووثقه مَن هداه الله من أحبارهم كابن سلام وبني سعية وغيرهم. وقد ذهب بعضهم إلى الجمع بين هذين الحديثين بأنه يحتمل أنه ﵇ كان يصومه بمكة على مقتضى الحديث الأول، ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب من فضل صومه فصامه. قوله: "ففي هذا الحديث" أي: حديث ابن عباس المذكور: أن رسول الله ﵇ إنما صامه شكرًا لله في إظهاره موسى ﵇ على فرعون، فذلك على الاختيار لا على الفرض. وفيه بحث؛ لأن لقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك على الاختيار دون الفرض؛ لأن قوله ﵇: "فصوموا" أمر، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب،

стр. 4207

وكونه صامه شكرًا لا ينافي كونه للوجوب، كما في سجدة "ص"، فإن أصلها للشكر مع أنهما واجبة. ص: وقد حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: ثنا عبيد الله بن أبي يزيد، أنه سمع ابن عباس يقول: "ما علمت رسول الله ﵇ يتحرى صيام يوم على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وشهر رمضان". حدثنا ربيع الجيزى، قال: ثنا أحمد بن محمَّد الأزرقي، قال: ثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: حدثنا عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ قال: "ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا روح، قال: ثنا حاجب بن عمر، قال: سمعت الحكم بن الأعرج يقول: "قلت لابن عباس: أخبرني عن يوم عاشوراء. قال: عن أبيّ حالة تسأل؟ قلت: أسال عن صيامه أيّ يوم أصوم؟ قال: إذا أصبحت من تاسعه فأصبح صائمًا. قلت: كذلك كان يصوم محمَّد ﵇؟ قال: نعم". فهذا ابن عباس ﵄ قد روي عنه عن رسول الله ﵇ أنه كان يصوم يوم عاشوراء، وقد دَلَّك على صومه ذلك أنه كان اختيارًا لا فرضًا: ما قد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس في إخباره بالعلة التي من أجلها صام رسول الله ﵇ يومئذٍ. ش: هذه ثلاث طرق صحاح، أخرجها لبيان أن النبي ﵇ كان يصوم يوم عاشوراء، ثم قال: "وقد دَلَّك على صومه" أي: قد دل على صوم النبي ﵇ يوم عاشوراء ما رواه سعيد بن جبير المذكور آنفا لا أنه كان اختيار" أي: على سبيل التطوع لا على سبيل الوجوب والفرض. والمناقشة التي ذكرناها آنفًا تأتي ها هنا خصوصًا قوله: "ما علمت رسول الله ﵇ يتحرى صيام يوم على غيره" يدل على الوجوب منه، وهذا ظاهر لا يخفى.

стр. 4208

ثم الطريق الأول: عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد المكي مولى آل قارظ بن شيبة الكناني روى له الجماعة. وأخرجه البخاري (١): ثنا عبيد الله بن موسى، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: "ما رأيت النبي ﵇ يتحرى صيام يوم فَضَّله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان". وأخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣) أيضًا نحوه. قوله: "يتحرى" من التحري، وهو القصد والاجتهاد والطلب والعزم على تخصيص الشيء بالشيء بالفعل والقول. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أحمد بن محمَّد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الأزرقي أبي محمَّد المكي شيخ البخاري، عن عبد الجبار بن الورد بن أبي الورد القرشي المخزومي المكي، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة -واسمه زهير- أبي محمَّد الأحول المكي قاضي عبد الله بن الزبير ومؤذنه، روى له الجماعة ... إلى آخره. وهذا الحديث يدل على أن سائر الأيام متساوية في فضيلة الصوم فيها إلا أيام رمضان ويوم عاشوراء، وأن لهما مزية على غيرهما في الفضيلة وكثرة الثواب. الثالث: عن أبي بكرة بكار وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن روح بن عبادة، عن حاجب بن عمر الثقفي البصري روى له مسلم وأبو داود والترمذي، عن الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري عم حاجب بن عمر المذكور، روى له هؤلاء.

стр. 4209

وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج قال: "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان محمَّد رسول الله ﵇ يصومه؟ قال: نعم". وأخرجه أبو داود (٢): نا مسدد، قال: نا إسماعيل، قال: أخبرني حاجب بن عمر، عن الحكم بن الأعرج قال: "أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه في المسجد الحرام، فسألته عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدُدْ، فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائمًا، قلت: كذا كان محمَّد ﵇ يصوم؟ قال: كذا كان محمَّد يصوم". انتهى. وفي هذا الحديث ما يدل على أن عاشوراء هو اليوم التاسع، وإليه ذهب جماعة، منهم: أبو رافع صاحب أبي هريرة ومحمد بن سيرين والشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور. وقالت الجمهور -منهم أبو حنيفة ومالك والحسن وسعيد بن المسيب-: إنه هو اليوم العاشر، وهو الذي يدل عليه أكثر الأحاديث، ومنها قوله ﵇: "لأصومن التاسع"، فهذا صريح على أن صومه ﵇ كان العاشر. فإن قيل: ما وجه هذا الحديث الذي نص فيه على أنه هو التاسع مع أنه هو الذي روى أيضًا عن النبي ﵇ أنه هو اليوم العاشر؟! وأخرج الترمذي (٣) أيضًا بإسناده عنه: "أمر رسول الله ﵇ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر"؟.

стр. 4210

قلت: أراد ابن عباس من قوله: "فإذا أصحبت من تاسعه فأصبح صائما" أي: صم التاسع مع العاشر، وأراد بقوله: "نعم"؛ ما روي من عزمه ﵇ على صوم التاسع من قوله: "لأصومن التاسع". وقال القاضي: ولعل ذلك على طريق الجمع مع العاشر؛ لئلا يتشبه باليهود كما ورد في رواية أخرى: "فصوموا التاسع والعاشر". قلت: ذكر رزين هذه الرواية عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: "صوموا التاسع والعاشر خالفوا اليهود". قال القاضي: وإلى هذا أيضًا ذهب جماعة من السلف، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وروى عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: "خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر". وقال عبد الحق في "أحكامه": وذكر أبو أحمد من حديث داود بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، وصوموا يومًا قبله، ويومًا بعده". هكذا رواه ابن أبي ليلى، عن داود (٢). ورواه ابن حي عن داود، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﵇ قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن يومًا قبله ويومًا بعده" يعني: يوم عاشوراء (٣). قال أبو أحمد داود بن علي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن معين: أرجو أنه لا يكذب. انتهى. قلت: فهذا يدل على أن المستحب أن يصام اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر عملا بالأحاديث كلها وخروجًا عن عهدة الخلاف، وقال قوم من أهل العلم: من

стр. 4211

أحب صوم عاشوراء صام يومين: التاسع والعاشر، وممن روي ذلك عنه: ابن عباس، وابن سيرين، وقاله الشافعي. ويقال: معنى قول ابن عباس: "نعم" في جواب الحكم بن الأعرج حين قال: "كذلك كان يصوم محمَّد ﵇" أي: نعم كان يصوم التاسع لو عاش إلى العام المقبل جمعا بينه وبين قوله: "فإذا كان العام المقبل صمنا يوم التاسع". قال أبو عمر: وفي هذا دليل على أنه ﵇ كان يصوم العاشر إلى أن مات، ولم يزل يصومه حتى قدم المدينة وذلك محفوظ من حديث ابن عباس، والآثار في هذا الباب مضطربة عن ابن عباس. ص: وقد حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم يوم عاشوراء". فقد يجوز أن يكون ذلك أيضًا من أجل المعنى اللي ذكره ابن عباس. وقد حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيل، عن ثُوير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير ﵁ يقول: "هذا يوم عاشوراء فصوموه؛ فإن رسول الله ﵇ كان يأمر بصومه". فقد يجوز أن يكون ذلك للعلة التي ذكرناها أيضًا. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا عبيد الله بن ميسرة الواسطي، قال: ثنا مزيدة بن جابر، عن أمه: "أن عثمان ﵁ استعمل أبا موسى ﵁ على الكوفة، فقال يوم عاشوراء: صوموا هذا اليوم؛ فإن رسول الله ﵇ كان يصومه". فهذا الحديث يحتمل ما في حديث ابن عباس أيضًا. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الحر بن الصيَّاح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﵇: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم نصف ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر".

стр. 4212

فهذا أيضًا مثل الذي قبله. حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا أبو عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قال النبي ﵇: "قد كان يوم عاشوراء يومًا تصومه اليهود ويتخذونه عيدًا، فصوموه أنتم". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أمر بصومه؛ لأن اليهود كانت تصومه، وقد أخبر ابن عباس في حديثه بالعلة التبم من أجلها كانت اليهود تصومه، أنها على الشكر منهم لله تعالى في إظهاره موسى ﵇ على فرعون، وأن رسول الله ﵇ أيضًا صامه كذلك، والصوم للشكر اختيار لا فرض. ش: ذكر هذه الأحاديث -وهي حديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير وعثمان بن عفان وبعض أزواج النبي ﵇ وأبي موسى الأشعري ﵃- إيذانًا بأنها محمولة على المعنى الذي ذكره ابن عباس في حديثه من أن رسول الله ﵇ صامه شكرًا لله في إظهاره موسى ﵇ على فرعون، وأن الصوم الذي يكون للشكر اختيار لا فرض. وفيه ما ذكرناه من المنافشة، على أن جماعة قد احتجوا بحديث أبي موسى أن صوم يوم عاشوراء كان فرضًا. أما حديث علي ﵁: فأخرجه عن الحسن بن عبد الله بن منصور بن حبيب أبي علي الأنطاكي المعروف بالبالسي، عن الهيثم بن جميل البغدادي أبي سهل الحافظ نزيل أنطاكية، وثقه العجلي وابن حبان والدارقطني. عن شريك بن عبد الله النخعي، عن جابر بن يزيد الجعفي فيه مقال كثير، عن سَعْد بن عبيدة السلمي أبي حمزة الكوفي ختن أبي عبد الرحمن السلمي على ابنته روى له الجماعة. عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن رُبَيْعة -بالتصغير- السلمي الكوفي القارئ، ولأبيه صحبة، روى له الجماعة.

стр. 4213

وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا تميم بن المنتصر الواسطي، نا إسحاق بن يوسف، عن شريك. ونا الفضل بن يعقوب الرخامي، قال: ثنا الهيثم بن جَمِيل، عن شريك ... إلى آخره نحوه. وأما حديث عبد الله بن الزبير ﵄: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن ثوير بن أبي فاختة واسمه سعيد بن علاقة القرشي الكوفي فيه مقال، وعن سفيان: كان ثوير من أركان الكذب. وعن يحيى بن معين: ليس بشيء، وعنه ضعيف. وقال الدارقطني: متروك. وقال يونس بن أبي إسحاق: كان رافضيًّا، روى له الترمذي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حسين بن محمَّد، نا إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو على المنبر يقول: "هذا يوم عاشوراء فصوموا؛ فإن رسول الله ﵇ أمر بصومه". وأما حديث عثمان ﵁: فأخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم القصاب البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الله بن ميسرة أبي ليلى الحارثي الكوفي ويقال: الواسطي، فيه مقال، قال أحمد وابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". عن مزيدة بن جابر من أهل هجر، ذكر ابن حبان في "الثقات" عن أمه، وفي بعض نسخ الطحاوي: عن أبيه وهو الأكثر، وقال في "التكميل": مزيدة بن جابر، عن أبيه وأمه، قال أحمد: معروف. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وأبوه جابر ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وأما أمه فلم يقع لي اسمها ما هو ولا حالها.

стр. 4214

وأما حديث بعض أزواج النبي ﵇: فأخرجه عن الربيع بن سليمان الجيزي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة، عن الحر بن الصَّيَّاح -بفتح الصاد المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخرها حاء مهملة- النخعي الكوفي، قال يحيى وأبو حاتم والنسائي: ثقة. روى له أبو داود والنسائي، عن هنيدة -بضم الهاء وفتح النون، وسكون الياء آخر الحروف- بن خالد الخزاعي ويقال: النخعي، وكانت أمه تحت عمر بن الخطاب، روى عن أمه وقيل: عن امرأته على اختلاف في ذلك، وهما مجهولتان، قاله المنذري. والحديث أخرجه النسائي (١): أخبرني أحمد بن يحيى، عن أبي نعيم قال: ثنا أبو عوانة، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﵇: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم تسعًا من ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول إثنين من الشهر وخَمِيسَيْن". وأخرجه أبو داود (٢) من حديث هنيدة الخزاعي عن أمه قالت: "دخلت على أم سلمة ﵁ فسألتها عن الصيام فقالت: كان رسول الله ﵇ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الإثنين والخميس والخميس". وأما حديث أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي الكوفي روى له الجماعة، عن أبي عميس عتبة بن عبد الله المسعودي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن قيس بن مسلم الجدلي أبي عمرو الكوفي روى له الجماعة، عن طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي الصحابي، قال أبو داود: رأى النبي ﵇ ولم يسمع منه شيئًا.

стр. 4215

وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: "كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا، قال النبي ﵇: فصوموه أنتم". وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير، قالا: ثنا أبو أسامة، عن أبي عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: "كان يوم عاشوراء يومًا تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا، فقال رسول الله ﵇: صوموه أنتم". وفي لفط له قال: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا ويُلْبِسُون فيه نساءهم حليهم وشارتهم، فقال رسول الله ﵇: فصوموه أنتم". ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الله بن عمر والليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من أحب منكم أن يصوم يوم عاشوراء فليصمه، ومن لم يحب فليدعه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في يوم عاشوراء: "إن هذا [يوم] (٣) كانت قريش تصومه في الجاهلية، فمن شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة قال: قلت: الأنصاري؟ قال: الأنصاري، عن النبي ﵇ -أنه قال في صوم يوم عاشوراء: "أني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت غيلان ... فدكر بإسناده مثله.

стр. 4216

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا مَهْديّ بن ميمون وحماد بن زيد، عن غيلان ... فذكر بإسناده مثله. ففي هذا الحديث أنه أمرهم بصومه احتسابًا لما ذكره فيه من الكفارة، وليس هو بمخالف عندنا لحديث ابن عباس؛ لأنه قد يجوز أن يكون يصومه شكرًا لله لما أظهر موسى ﵇ على فرعون، فيشكر الله به ما شكره من ذلك، فيكفر به عنه السنة الماضية. حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا روح، قال: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية عامَ حَجَّ وهو على المنبر يقول: "يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟! سمعت رسول الله ﵇ يقول في هذا اليوم: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومَن شاء فليفطر". فقد يجوز أن يكون أراد بقوله: "ولم يكتب عليكم صيامه" أي صيام ذلك اليوم في ذلك العام، وليس في هذا نفي أن يكون قد كان كُتب ذلك عليهم فيما تقدم ذلك العام من الأعوام ثم نسخ بعد ذلك على ما تقدم من الأحاديث، فقد ثبت نسخ صوم يوم عاشوراء الذي كان فرضًا وأمر بذلك على الاختيار، وأخبر بما في ذلك من الثواب، فصومه حسن، وهو اليوم التاسع قد قال ذلك ابن عباس في حديث الحكم بن الأعرج، وذكر ذلك أيضًا عن رسول الله ﵇. ش: أخرج أحاديث عبد الله بن عمر وأبي قتادة الأنصاري ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ إيذانًا بأنه ليس بينها وبين الأحاديث المتقدمة عن ابن عباس وغيره منافاة؛ لأن التخيير المذكور في حديث ابن عمر والكفارة المذكورة في حديث أبي قتادة لا ينافيان ما ذكر في حديث ابن عباس من أنه كان يصومه شكرًا لله لإظهاره موسى ﵇ على فرعون، وكذا قوله في حديث معاوية: "لم يكتب عليكم صيامه" لا ينافي كونه قد كتب ذلك عليهم فيما تقدم ذلك العام من الأعوام؛ لأن معنى

стр. 4217

كلامه: لم يكتب عليكم صيام ذلك اليوم من ذلك العام، ويجوز أن يكون قد كان كتب عليهم فيما تقدم ثم نسخ بهذه الأحاديث، وأمر بذلك بعد ذلك على الاستحباب والندب لما فيه من الثواب العظيم. أما حديث ابن عمر ﵄ فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني الثقة، والليث بن سعد، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث. وحدثنا ابن رمح، قال: أنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه ذكر عند رسول الله ﵇ يوم عاشوراء، فقال رسول الله ﵇: كان يوم يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه"، وفي لفظ له: "فمن أحب أن يصومه فليصمه ومن أحب أن يتركه فليتركه، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صيامه". وأخرج البخاري (٢): عن أبي عاصم، عن عمر بن محمَّد، عن سالم، عن أبيه قال: قال النبي ﵇ يوم عاشواء: "من شاء صام". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه الدارمي في "سننه" (٣): ثنا يعلى، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "هذا يوم عاشوراء كانت قريش تصومه في

стр. 4218

الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومَن أحب منكم أن يتركه فليتركه، وكان ابن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صيامه". وأما حديث أبي قتادة الحارث بن ربعيم الأنصاري ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن شعبة بن الحجاج، عن غيلان بن جرير المعولي الأزدي البصري، عن عبد الله بن مَعبد الزماني البصري، عن أبي قتادة. وأخرجه مسلم (١) مطولا: ثنا يحيى بن يحيى التميمي وقتيبة بن سعيد، جميعًا عن حماد -قال يحيى: أنا حماد بن زيد- عن غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة قال: "أتى رجل إلى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله كيف نصوم؟ فغضب النبي ﵇ من قوله، فلما رأى عمر ﵁ غضبه قال: رضينا بالله ربًّا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﵇ نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر ﵁ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه، فقال عمر: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر -أو قال: لم يصم ولم يفطر- قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: ويطيق ذلك أحد؟ قال: كيف من يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: ذلك صوم داود ﵇، قال: كيف مَن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك، ثم قال رسول الله ﵇: ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" انتهى. وقد ذكر الطحاوي هذا الإسناد بعينه في الباب الذي قبله مقتصرًا فيه على ذكر الصوم بعرفة.

стр. 4219

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن غيلان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١). الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن مهدي بن ميمون الأزدي البصري وحماد بن زيد، كلاهما عن غيلان. وأخرجه أبو داود (٢): نا سليمان بن حرب ومسدد، قالا: نا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله كيف تصوم؟ ... " إلى آخره، نحو رواية مسلم. وأخرجه أيضًا من طريق آخر (٣) قال: نا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا مهدي، قال: ثنا غيلان ... الحديث. وأما حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٤): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه مالك في "موطإه" (٥) أيضًا. وقال أبو عمر في "شرحه": لم يختلف العلماء أن عاشوراء ليس بفرض صيامه، ولا فرض إلا صوم رمضان، وفيه دليل على فضل صوم يوم عاشوراء؛ لأنه لم يخصه بقوله: "وأنا صائم" إلا لفضل فيه، وفي رسول الله ﵇ الأسوة الحسنة.

стр. 4220

قوله: "وهو اليوم التاسع" أي يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، قد قال ذلك عبد الله بن عباس فيما رواه الحكم بن الأعرج عنه حيث قال: قلت لابن عباس: "أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: عن أي حالة تسأل؟ قلت: أسأل عن صيامه أي يوم أصوم؟ قال: إذا أصبحت في تاسعه فأصبح صائمًا، قلت: كذلك كان يصوم محمَّد ﷺ ؟ قال: نعم". وقد تقدم فيما مضى. قوله: "وذكر ذلك أيضًا" أي: وذكر ابن عباس ﵄ أن ما قاله للحكم بن الأعرج عن النبي ﵇، وهو قوله: "نعم"، لما سأله الحكم: "كذلك كان يصوم محمد ﵇؟ ". ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "لئن عشت إلى العام القابل لأصومن يوم التاسع، يعني: عاشوراء". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر وأبو داود، قالا: ثنا ابن أبي ذئب ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "لأصومن عاشوراء يوم التاسع". حدثنا ابن مرزوق وعلي بن شيبة، قالا: ثنا روح، قال: ثنا ابن أبي ذئب ... فذكر مثل حديث سليمان بن شعيب. فقوله: "لأصومن عاشوراء يوم التاسع" إخبار منه على أنه يكون ذلك اليوم يوم عاشوراء، وقوله: "لأصومن يوم التاسع" يحتمل لأصومن يوم التاسع مع العاشر، أي: لئلا أقصد بصومي إلى يوم عاشوراء بعينه كما تفعله اليهود، ولكن أخلطه بغيره، فكون قد صمته بخلاف ما تصومه يهود. ش: أي: قد روي عن رسول الله ﵇ في كون يوم عاشوراء التاسع من المحرم، رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﵇ بلفظين:

стр. 4221

أحدهما: "لأصومن يوم التاسع". والآخر: "لأصومن عاشوراء يوم التاسع". فهذا إخبار منه على أن التاسع هو يوم عاشوراء، والأول إخبار منه عن صوم يوم التاسع مع العاشر لئلا يكون صومه يومًا بعينه كما عينه اليهود، ولكن يخلطه بالعاشر ليكون مخالفا لما فعله اليهود، وإنما وفق بين اللفظن بهذا لما بينهما من المخالفة ظاهرًا. وأخرجه ذلك من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة؛ بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن القاسم بن عباس بن معتب بن أبي لهب القرشي المدني، عن عبد الله بن عمير أبي محمَّد مولى أم الفضل بنت الحارث امرأة العباس، وقيل: مولى ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: نا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"، وفي رواية أبي بكر: "يعني: يوم عاشوراء". الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق وعلي بن شيبة بن الصلت، كلاهما عن روح بن عبادة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ... إلى آخره.

стр. 4222

وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، نا ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع". ص: وقد روي عن ابن عباس ما يدل على هذا المعنى: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: "خالفوا اليهود وصوموا يوم التاسع والعاشر". فدل ذلك على أن ابن عباس قد صرف قول رسول الله: "لئن عشت إلى قابل لأصومن يوم التاسع" إلى ما صرفناه إليه. ش: أي: قد روي عن عبد الله بن عباس ما يدل على المعنى الذي ذكرناه، وأراد به التوفيق الذي ذكره، وهو أن قوله: "لأصومن يوم التاسع" هو أن يصومه مع العاشر مخالفة لليهود فيما عيَّنوا يوم العاشر. وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ... إلى آخره نحوه. ص: وقد جاء عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا: ما حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن عباس، عن النبي ﵇ في صوم يوم عاشوراء: "صوموه وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا، ولا تشبهوا باليهود". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو شهاب، عن ابن أبي ليلى ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 4223

فثبت بهذا الحديث ما ذكرنا أن رسول الله ﵇ إنما أراد بصوم التاسع أن يُدخل صومه يوم عاشوراء في غيره من الصيام حتى لا يكون مقصودًا إلى صومه بعينه كما جاء عنه في صوم يوم الجمعة. ش: أي: وقد جاء عن رسول الله ﵇ فيما ذكرناه من أنه يصوم التاسع مع العاشر قصدًا لمخالفة اليهود، وأشار بهذا أيضًا إلى أن ما قال ابن عباس من قوله: "صوموا يوم التاسع والعاشر" ليس من رأيه بل هو من النبي ﵇. وأخرجه من طريقين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن عمران بن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي شيخ البخاري في كتاب "الأدب" وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: كوفي صدوق. عن أبيه عمران بن محمَّد وثقه ابن حبان، وقال الأزدي: ليس بذاك. وهو يروي عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه لين. عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس القرشي الهاشمي أبي سليمان الشامي ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ. عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس وثقه ابن حبان والعجلي وأبو زرعة روى له الجماعة البخاري في "الأدب". وأخرجه أحمد (١): من حديث ابن أبي ليلى عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ... إلى آخره. وقد ذكرناه عن قريب. الثاني: عن فهد أيضًا، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن أبي شهاب الحفاظ الكوفي عبد ربه بن نافع الكناني -وهو الأصغر، روى له الجماعة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن داود ... إلى آخره.

стр. 4224

وأخرجه البيهقي (١) نحوه: من حديث هشيم، عن ابن أبي ليلى، ولفظه: "صوموا عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوما أو بعده يوما". قال البيهقي: وفي رواية: "وبعده" بدل: "أو"، وكذا رواه أبو شهاب عن ابن أبي ليلى. قلت: هذا يدل على أن رواية الطحاوي: "وصوموا قبله وبعده يوما" بالواو العاطفة بين قبله وبعده دون "أو" ولكن الموجود في النسخ بـ "أو" التي للتخيير، وكذا في رواية أبي أحمد بالواو العاطفة، فعل رواية "الواو" يستحب أن يصوم ثلاثة أيام: التاسع، والعاشر، والحادي عشر، وعلى رواية "أو" التي للتخيير يستحب أن يصوم يومين: التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر؛ فافهم. قوله: "ولا تشبهوا" أصله ولا تتشبهوا، حذفت إحدى التاءين للتخفيف، كما في قوله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ (٢). قوله: "كما جاء عنه في صوم يوم الجمعة" أي: كما جاء عن النبي ﵇ عدم القصد في الصوم إلى يوم معين في صوم يوم الجمعة، فإنه نهى عن قصد صوم يوم الجمعة بعينه، على ما نبينه الآن. ص: فإنه قد حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد -وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله ابن عمرو ﵄، قال: "دخل النبي ﵇ على جويرية يوم الجمعة وهي صائمة، فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أفتصومين غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري إذا". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا أيوب العتكي يحدث، عن جويرية: "أن النبي ﵇ دخل عليها ... " ثم ذكرمثله.

стр. 4225

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة وحماد بن سلمة وهمام، عن قتادة ... فذكر بإسناه مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا قبله يوما أو بعده يوما". حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا أدم، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت رجلًا من بني الحارث بن كعب يحدث، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ بمثل معناه. حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: نا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد الحارثي، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القاسم بن سلام بن مسكين، قال: ثنا أبي، قال: "سالت الحسن عن صيام يوم الجمعة، فقال: نُهي عنه إلا في أيام متتابعة، ثم قال: حدثني أبو رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ نهى عن صيام يوم الجمعة إلا في أيام قبله أو بعد". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: حدثني ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، أن أبا خير حدثه، أن حذيفة البارقي حدثه، أن جنادة بن أبي أمية الأزدي حدثه: "أنهم دخلوا على رسول الله ﵇ في يوم جمعة، فقرب إليهم طعامًا، فقال: كلوا، فقالوا: نحن صيام، فقال: أصمتم أمس؟ قالوا: لا قال: أفتصومون أنتم غدا؟ قالوا: لا، قال: فأفطروا". حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن أبي بشر، عن عامر الأشعري: "أنه سأل أبا هريرة عن صيام يوم الجمعة فقال: على الخبير وقعت، سمعت رسول الله ﵇ يقول: إن يوم الجمعة عيدكم، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده".

стр. 4226

فكما كره أن يقصد إلى يوم الجمعة بعينه بصيام إلا أن يخلط بيوم قبله أو بيوم بعده، فيكون قد دخل في صوم قد صار منه، فكذلك عندنا سائر الأيام لا ينبغي أن يقصد إلى صوم يوم منها بعينه، كما لا ينبغي أن يقصد إلى صوم يوم عاشوراء أو يوم الجمعة لأعيانهما، ولكن يقصد إلى الصيام في أي الأيام كان، ولكن إنما أريد بما ذكرنا من الكراهة التي وصفنا: التفرقة بين شهر رمضان وبين سائر ما يصوم الناس غيره؛ لأن شهر رمضان مقصود بصومه إلى شهر بعينه؛ لأن فريضة الله على عباده صومهم إياه بعينه إلا من عذر منهم بمرض أو سفر، وغيره من المشهور ليس كذلك، فهذا وجه ما روي في صوم يوم عاشوراء عن رسول الله ﵇، قد بيناه في هذا الباب وشرحناه. ش: "الفاء" في "فإنه" للتعليل، والضمير للشأن، وأشار به إلى بيان الدليل لقوله "كما جاء عنه في صوم يوم الجمعة". وأخرج في ذلك عن عبد الله بن عمرو وجويرية بنت الحارث وأبي هريرة وجنادة بن أبي أمية ﵃، وأخبر في أحاديثهم كراهة القصد إلى صوم يوم الجمعة بعينه إلا أن يكون يوم قبله أو يوم بعده حتى يكون هو في صوم يكون صوم يوم الجمعة جزء منه، وهو معنى قوله: "فيكون قد دخل في صوم قد صار منه" وفي بعض النسخ: "حتى صار منه" والأول أقرب. وكذا سائر الأيام إذا أراد أن يصوم فيها لا ينبغي أن يقصد يومًا بعينه لما فيه من التشبيه لأهل الكتاب؛ لأن من عادتهم الصوم في يوم بعينه قصدًا، ولا سيما كانوا يفعلون ذلك في يوم عاشوراء، وكذلك صوم يوم الجمعة بقصد بعينه؛ لما فيه من التشبيه لهم أيضًا، اللهم إلا إذا صام يوما قبله أو يوما بعده، ولكن يستثنى من هذا الحكم شهر رمضان؛ لأن الله تعالى فرض صومه علينا بعينه إلا فيمن كان معذورا بمرض أو سفر، فقصد تعيينه لا يؤثر شيئا في الكراهة؛ لأنه بتعيين الشارع، وذلك لا يوصف بالكراهة، بخلاف غيره من المشهور والأيام حيث يؤثر التعين فيه قصدا في الكراهة لما ذكرنا.

стр. 4227

وقال المهلب: وجه النهي عن صوم يوم الجمعة وحده: خشية أن يستمر عليه فيفرض عليه، أو خشية أن يلزم الناس من تعظيمه ما التزم اليهود والنصارى في سبتهم وأَحَدِهِم، من ترك العمل، والله أعلم. أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن عبدة بن سليمان الكلابي أبي محمَّد الكوفي روى له الجماعة، عن سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو ... إلى آخره نحوه. قوله: "على جويريه" وهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية أم المؤمنين، سباها رسول الله ﵇ يوم المريسيع -وهي غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة الخامسة في قول الواقدي، وفي السادسة في قول خليفة بن خياط- وكان اسمها بَرَّة فسماها رسول الله ﵇ جويرية، توفيت سنة خمسين ولها خمس وستون سنة. قوله: "أَصُمت؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وكذلك في قوله: "أفتصومين؟ " قوله: "إذا" قال الجوهري: "إذا" حرف مكافأة وجواب، وهي حرف غير مركب، وقال الخليل: أصلها "إذ أن" فحذفت الهمزة وركبتا كما قيل في "لن"، والصحيح الأول، وهي تقتضي الجواب والجزاء، وتختص بجملة واقعة جوابًا لشرط مقدر، وإنما تعمل بشروط أربعة: أن تكون جوابا، وأن تصدر بها الجملة، وأن تتصل بالفعل، وأن يكون الفعل مستقبلا، وهي من النواصب للفعل المضارع نحو أن يقول لك إنسان: أنا آتيك، فتقول له: إذن أكرمك، وها هنا فقدت الشروط فلم تعمل شيئًا، وإذا وقفت على إذن أبدلت من نونها ألفا لشبهها بمنون منصوب؛ لأن نونها ساكنة بعد فتحة، وأكثر كتابتها بالألف لذلك، وذهب بعضهم إلى كتابتها بالنون فرقا بين إذا الظرفية وبينها.

стр. 4228

ويستفاد منه: كراهة صوم يوم الجمعة وحده، واليه ذهب الجمهور، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يكرهون للرجل أن يختص يوم الجمعة بصيام لا يصوم قبله ولا بعده، وبه يقول أحمد وإسحاق. قلت: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، ويروى ذلك عن علي وأبي هريرة ومجاهد والشعبي وإبراهيم النخعي. وفي "الموطأ" قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومَن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأُراه كان يتحراه، وقال أبو عمر: لم يبلغ مالكا حديث المنع من ذلك، وقد روى ابن القاسم عن مالك المنع من قصد شيء من الأيام بصوم، وقال الداودي: لم يبلغ مالكًا حديثُ المنع، ولو بلغه لم يخالفه. وأما حديث جويرية ﵂ فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي- واسمه يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك، روى له الجماعة. عن جويرية بنت الحارث. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة. وثنا غندر، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن جويرية بنت الحارث: "أن النبي ﵇ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأفطري". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد البصري، عن شعبة وحماد بن سلمة وهمام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية بنت الحارث نحوه.

стр. 4229

وأخرجه أحمد (١): ثنا وكيع، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب الهجري، عن جويرية: "أن رسول الله ﵇ دخل على جويرية في يوم جمعة وهي صائمة، فقال لها: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: أفتصومين غدا؟ قا لت: لا، قال: فأفطري". وأما حديث أبي هريرة فأخرجه من خمس طرق: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن روح بن عبادة، عن هشام بن حسان الأزدي القردوسي البصري، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (٢): ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده". وأخرجه مسلم (٣): حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده". وأخرجه بقية الجماعة (٤). الثاني: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي الكوفي، عن رجل من بني الحارث بن كعب، والظاهر أنه زياد بن النضر الحارثي المذكور في الإسناد الآتي، وقال ابن عساكر: زياد بن النضر أبو الأزور، ويقال: أبو عائشة، ويقال:

стр. 4230

أبو عمر الحارثي من أهل الكوفة، روى عن أبي هريرة، روى عنه: الشعبي وعبد الملك بن عمير. قوله: "بمثل معناه"، أي بمثل معنى حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد الحارثي، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن زياد الحارثي، عن أبي هريرة قال: "قال له رجل: أنت الذي تنهى عن صوم يوم الجمعة؟ قال: لا ورب هذه الحرمة أو هذه البنية، ما أنا نهيتُ، محمَّد ﷺ قاله". الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن القاسم بن سلام بن مسكين، عن أبيه سلام بن مسكين بن ربيعة الأزدي البصري، أنه سأل الحسن البصري ... إلى آخره. وهذا إسناد حسن. وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة، مولي عمر بن الخطاب ﵁، روى له الجماعة. الخامس: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية بن صالح بن حُدَير قاضي الأندلس الحمصي، عن أبي بشر مؤذن مسجد دمشق لا ندري اسمه، عن عامر بن لدين الأشعري الصحابي، أنه سأل أبا هريرة ... وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢): أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا زيد بن حباب، نا معاوية بن صالح، عن أبي بشر، عن عامر بن لدين.

стр. 4231

وأنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا عبد الرحمن -وهو ابن مهدي- عن معاوية بن صالح، عن أبي بشر، عن عامر بن لدين الأشعري، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "يوم الجمعة عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده". هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلا أن أبا بشر هذا [لم أقف] (١) على اسمه وليس بيان بن بشر، ولا بجعفر بن أبي وحشية. وأخرجه ابن شاهين: من حديث أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح، عن أبي بشر مؤذن مسجد دمشق، عن عامر بن لدين الأشعري قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "إن الجمعة يوم عيدكم فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا يوما قبله أو بعده" ثم قال: ورواه عبد الله بن صالح، عن معاوية، فقال عامر: عن أبي هريرة. وأما حديث جنادة بن أبي أمية: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي خير مرثد بن عبد الله اليزني المصري، عن حذيفة البارقي المذكور فيمن رأى النبي ﵇، عن جنادة بن أبي أمية الأزدي- واسم أبي أمية كثير، قاله البخاري، وجنادة ممن نزل مصر من الصحابة. وأخرجه ابن يونس في "تاريخه" من طريق أصح منه: ثنا أحمد بن شعيب، أبنا الربيع بن سليمان، نا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن حذيفة البارقي، عن جنادة بن أبي أمية، أنهم دخلوا على رسول الله ﵇ في يوم جمعة ... إلى آخره.

стр. 4232

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الله بن نمير، قال: نا محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن حذيفة الأزدي، عن جنادة الأزدي: "دخلت على رسول الله ﷺ في سبعة نفر من الأزد أنا ثامنهم يوم الجمعة ونحن صيام، فدعى رسول الله ﵇ إلى طعام بين يديه، فقلنا: إنا صيام، فقال: هل صمتم أمس؟ قلنا: لا، قال: فهل تصومون غدًا؟ قلنا: لا، قال: فأفطروا. ثم خرج إلى الجمعة، فلما جلس على المنبر دعى بإناء من ماء فشرب والناس ينظرون إليه؛ ليعلمهم أنه لا يصوم يوم الجمعة". وأخرجه الطبراني (٢) من طرق مختلفة. فإن قيل: يعارض هذه الأحاديث ما أخرجه النسائي (٣): أنا محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: أخبرني أبي، قال: أنا أبو حمزة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله بن مسعود قال: "كان رسول الله ﵇ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر، وقيل ما يفطر يوم الجمعة". وما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا حفص، ثنا ليث، عن عمير بن أبي عمير، عن ابن عمر قال: "ما رأيت رسول الله ﵇ يفطر يوم جمعة قط". وما أخرجه (٥) أيضًا: عن حفص، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط". قلت: لا نسلم هذه المعارضة؛ لأنه لا دلالة فيها على أنه ﵇ صام يوم الجمعة وحده، فنهيه عن صوم يوم الجمعة وحده فيما سبق من الأحاديث يدل على أن

стр. 4233

صومه يوم الجمعة في هذه الأحاديث لم يكن في يوم الجمعة وحده، بل إنما كان بيوم قبله أو بيوم بعده، وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صريح صحيح، فحيئذ يكون نسخا أو تخصيصا، وكل واحد منهما منتف، فإذا كان كذلك ظهر أن صومه يوم الجمعة لم يكن منفردًا، بل إنما كان بيوم معه، فحينئذ اتفقت معاني الآثار وانتفى التعارض، والله أعلم.

стр. 4234

ص: باب: صوم يوم السبت ش: أي هذا باب في بيان حكم صوم يوم السبت كيف هو؟ ص: حدثنا ابن مرزوق -هو إبراهيم- قال: ثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء قالت: "قال لي رسول الله ﷺ : لا تَصُومِنَّ يوم السبت في غير ما افترض الله عليكن ولو لم تجد إحداكن إلا لحاء شجرة أو عود عنب فلتمضغه". ش: إسناد صحيح، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري. وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي أبو خالد الشامي الحمصي، روى له الجماعة سوى مسلم. وخالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي أبو عبد الله الشامي الحمصي، روى له الجماعة. وعبد الله بن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السنن المهملة- السلمي المازني الصحابي. وأبوه أيضًا صحابي، وأخته الصماء بنت بسر المازنية. وأخرجه أبو داود (١): ثنا حميد بن مسعدة، قال: نا سفيان بن حبيب. ونا يزيد بن قيس -من أهل جبلة- قال: ثنا الوليد، جميعًا عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بُسر السلمي، عن أخته -قال يزيد: الصماء- أن النبي ﵇ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم؛ فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغها". وأخرجه الترمذى (٢): عن حميد بن مسعدة ... إلى آخره نحوه.

стр. 4235

وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه (١) من وجهين: الأول: عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﵇، ولم يذكر فيه الصماء. والثاني: عن حميد بن مسعدة نحو رواية أبي داود والترمذي. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث معاوية بن صالح، عن ابن عبد الله بن بسر، عن أبيه، عن عمته الصماء قالت: "نهى رسول الله ﵇ عن صوم يوم السبت وقالت: إن لم يجد أحدكم إلا عودا أخضر فليفطر عليه". قلت: والصحيح أن الصماء أخت عبد الله بن بسر وقد قيل: إنها أخت بسر، فرواية البيهقي على هذا القول. قوله: "لا تصومِن" بكسر الميم؛ لأنه خطاب للصماء، وقد عُلِم أن نون التأكيد تكسر ما قبلها في الواحدة. قوله: "إلا لحاء شجرة" اللحاء -بكسر اللام وبالمد:- قشر الشجرة، وفي المثل: لا تدخل بين العصا ولحائها، ولحوت العصا لحوًا: قشرتها، وكذلك لحيت العصا ألحي لحيًا، وتجمع على ألحِية، ككساء تجمع على أكسية، ورداء على أردية. ص: قال أبو جعفر ﵀ فذهب قوم إلى هذا الحديث، فكرهوا صوم يوم السبت تطوعًا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، وقال الترمذي: ومعنى الحديث: أن اليهود يعظمون يوم السبت، فلا يستحب للرجل أن يختص يوم السبت بصيامه من بين الأيام تشبها بهم؛

стр. 4236

لقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١) يعني: خالفهم ولا توافقهم، كما قال في حديث آخر: "خالفوا اليهود والنصارى" (١). ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بصومه بأسًا. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وآخرين من جمهور العلماء من التابعين وغيرهم فإنهم قالوا: لا بأس بصوم يوم السبت. فإن قيل: كيف ذكرت أبا حنيفة وصاحبيه في أهل هذه المقالة وقد قال "صاحب البدائع": ويكره صوم يوم السبت بانفراده؛ لأنه تشبه باليهود؟!. قلت: الطحاوي أعلم بمذهب أبي حنيفة من غيره، ولم يقل ذلك، بل منع قول من يقول بكراهته، ولو كان الأمر كما ذكره لنبه عليه. ويؤيد هذا أيضًا ما رواه البيهقي (٢): من حديث ابن المبارك، نا عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي، عن أبيه، أن كريبًا أخبره: "أن ابن عباس ﵄ وناسًا من أصحاب رسول الله ﵇ بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن الأيام التي كان النبي ﵇ أكثر لها صيامًا؛ فقالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالت: إن رسول الله ﵇ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول: "إنهما يوما عيد المشركين وأنا أريد أن أخالفهم". ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم أو بعده يوم.

стр. 4237

وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا، فاليوم الذي بعده هو يوم السبت، ففي هذه الآثار المروية إباحة صوم يوم السبت تطوعا، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها. ش: أي، وكان من الدليل والبرهان للآخرين -وهم أهل المقالة الثانية-: أنه قد جاء الحديث ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "وهي أشهر" أي: أحاديث النهي عن صيام يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم أو بعده يوم أشهر وأظهر عند أهل العلم من هذا الحديث الشاذ، وأراد به حديث الصماء، والشاذ هو الحديث الذي يرويه الثقة مخالفا لما يرويه الناس. وروى يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به. وأشار الطحاوي ﵀ بذلك إلى أن هذا الحديث وإن كان صحيح الإسناد ولكنه لا يعمل به لشذوذه، ومخالفته معظم الآثار الثابتة بخلافه، ولهذا لم يعده الزهري حديثا حين قيل له: حديث الصماء يدل على كراهة صوم يوم السبت، على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى. وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. وقال النسائي: هذا حديث مضطرب. قلت: اضطرابه ظاهر؛ لأنه روي تارة عن عبد الله بن بسر عن النبي ﵇ وتارة عن عبد الله بن بسر عن أخته، وتارة عن عبد الله بن بسر عن عمته، وتارة عن عبد الله بن بسر عن خالته.

стр. 4238

وقال البيهقي: ورواه الزبيدي، عن فضيل بن فضالة، عن عبد الله بن بسر عن خالته الصماء. ص: وقد أذن رسول الله ﵇ في صوم يوم عاشوراء وحض عليه، ولم يقل: إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه. ش: هذه حجة أخرى لأهل المقالة الثانية، وهي: أن النبي ﵇ أمر بصوم يوم عاشوراء وحرض الناس عليه ورغبهم فيه، ولم يقل قط: فإن كان يوم عاشوراء يوم السبت فلا تصوموه، فحيئذ تدخل فيه سائر الأيام، والسبت منها. ص: وقد قال رسول الله ﵇: "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوما ويفطر يوما". وسندكر ذلك بإسناده في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، ففي ذلك أيضًا التسوية بين يوم السبت وبين سائر الأيام. ش: هذه حجة أخرى لهم، وهي أن النبي ﵇ قال: "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوما ويفطر يوما" فإنه ﵇ قد رغب فيه، ويوم السبت لا شك داخل فيه، ولو كان صوم يوم السبت مكروهًا لاستثناه منه. ص: وقد أمر رسول الله ﵇ أيضًا بصيام أيام البيض، وروي عنه في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن محمَّد بن عبد الرحمن وحكيم، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر: "أن النبي ﵇ قال لرجل أمره بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا أن نصوم ليالي البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيئة الدهر". وقد يدخل السبت في هذه كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام، ففيها أيضًا إباحة صوم يوم السبت تطوعًا.

стр. 4239

ش: هذه حجة أخرى، وهي أيضًا ظاهره، وأخرج فيه عن اثنين من الصحابة: أحدهما: أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري. والآخر: قتادة بن ملحان القيسي ﵄. أما حديث أبي ذر فأخرجه بإسناد صحيح، وحكيم بن جبير ذكر متابعا فلا يضر الصحة، وعن يحيى: ليس بشيء، وعن إبراهيم بن يعقوب السعدي: كذاب. وقال الدارقطني: متروك. وسفيان هو ابن عيينة. ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، روى له الجماعة. وموسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، روى له الجماعة. وابن الحوتكية هو يزيد بن الحوتكية التميمي، ولم أر فيه كلاما لأحد. روى له النسائي وأخرج هذا الحديث (١): أنا محمَّد بن المثنى، قال: نا سفيان، قال: نا رجلان محمَّد وحكيم، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر: "أن النبي ﵇ أمر رجلًا بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة". وأما حديث قتادة: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن حبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي روى له الجماعة، عن همام بن يحيى روى له الجماعة، عن أنس بن سيرين الأنصاري روى له الجماعة، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي وثقه ابن حبان، عن أبيه قتادة بن ملحان. وأخرجه ابن ماجه (٢) نحوه: ثنا إسحاق بن منصور، أنا حبان بن هلال: نا همام، عن أنس بن سيرين، حدثني عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.

стр. 4240

واعلم أن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، هكذا هو في الأشهر، ويقال: عبد الملك بن قدامة بن ملحان، ويقال: عبد الملك بن منهال، ويقال: عبد الملك ابن أبي المنهال، ويقال: ابن ملحان غير مسمى، ويقال: عبد الملك -غير منسوب- عن أبيه، عن النبي ﵇. أما الأول: ففي إحدى روايات النسائي (١): قال: أنا محمَّد بن معمر، قال: نا حبان، قال: نا همام، قال: نا أنس بن سيرين، قال: حدثني عبد الملك بن قدامة بن ملحان، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا بصوم أيام الليالي الغر البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة". وأما الثاني: ففي إحدى روايات البيهقى (٢) أخرجه من حديث رَوْح، عن شعبة، عن أنس، سمع عبد الملك بن المنهال، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمر بصيام أيام البيض، ويقول: هي صيام الدهر" كذا قال روح: عبد الملك بن منهال، قال ابن معين: صوابه ابن قتادة بن ملحان. وأما الثالث: ففي إحدى روايات النسائي (٣): أيضًا: أنا محمَّد بن حاتم، قال: أنا حبَّان، قال: أنا عبد الله، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: سمعت عبد الملك بن أبي المنهال يحدث، عن أبيه: "أن النبي ﵇ أمرهم بصيام ثلاثة أيام البيض، قال: "هي صوم الشهر". وأما الرابع: ففي رواية أبي داود (٤): ثنا محمَّد بن كثير، قال: أنا همام، عن أنس أخي محمَّد، عن ابن ملحان القيسي، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا أن نصوم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، قال: وقال: هو كهيئة الدهر".
следующие страницы →