لقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١) يعني: خالفهم ولا توافقهم، كما قال في حديث آخر: "خالفوا اليهود والنصارى" (١).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بصومه بأسًا.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وآخرين من جمهور العلماء من التابعين وغيرهم فإنهم قالوا: لا بأس بصوم يوم السبت.
فإن قيل: كيف ذكرت أبا حنيفة وصاحبيه في أهل هذه المقالة وقد قال "صاحب البدائع": ويكره صوم يوم السبت بانفراده؛ لأنه تشبه باليهود؟!.
قلت: الطحاوي أعلم بمذهب أبي حنيفة من غيره، ولم يقل ذلك، بل منع قول من يقول بكراهته، ولو كان الأمر كما ذكره لنبه عليه.
ويؤيد هذا أيضًا ما رواه البيهقي (٢): من حديث ابن المبارك، نا عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي، عن أبيه، أن كريبًا أخبره: "أن ابن عباس ﵄ وناسًا من أصحاب رسول الله ﵇ بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن الأيام التي كان النبي ﵇ أكثر لها صيامًا؛ فقالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالت: إن رسول الله ﵇ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول: "إنهما يوما عيد المشركين وأنا أريد أن أخالفهم".
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم أو بعده يوم.
стр. 4237
وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا، فاليوم الذي بعده هو يوم السبت، ففي هذه الآثار المروية إباحة صوم يوم السبت تطوعا، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها.
ش: أي، وكان من الدليل والبرهان للآخرين -وهم أهل المقالة الثانية-: أنه قد جاء الحديث ... إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "وهي أشهر" أي: أحاديث النهي عن صيام يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم أو بعده يوم أشهر وأظهر عند أهل العلم من هذا الحديث الشاذ، وأراد به حديث الصماء، والشاذ هو الحديث الذي يرويه الثقة مخالفا لما يرويه الناس.
وروى يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس.
وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به.
وأشار الطحاوي ﵀ بذلك إلى أن هذا الحديث وإن كان صحيح الإسناد ولكنه لا يعمل به لشذوذه، ومخالفته معظم الآثار الثابتة بخلافه، ولهذا لم يعده الزهري حديثا حين قيل له: حديث الصماء يدل على كراهة صوم يوم السبت، على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى.
وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. وقال النسائي: هذا حديث مضطرب.
قلت: اضطرابه ظاهر؛ لأنه روي تارة عن عبد الله بن بسر عن النبي ﵇ وتارة عن عبد الله بن بسر عن أخته، وتارة عن عبد الله بن بسر عن عمته، وتارة عن عبد الله بن بسر عن خالته.
стр. 4238
وقال البيهقي: ورواه الزبيدي، عن فضيل بن فضالة، عن عبد الله بن بسر عن خالته الصماء.
ص: وقد أذن رسول الله ﵇ في صوم يوم عاشوراء وحض عليه، ولم يقل: إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه.
ش: هذه حجة أخرى لأهل المقالة الثانية، وهي: أن النبي ﵇ أمر بصوم يوم عاشوراء وحرض الناس عليه ورغبهم فيه، ولم يقل قط: فإن كان يوم عاشوراء يوم السبت فلا تصوموه، فحيئذ تدخل فيه سائر الأيام، والسبت منها.
ص: وقد قال رسول الله ﵇: "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوما ويفطر يوما".
وسندكر ذلك بإسناده في موضعه من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، ففي ذلك أيضًا التسوية بين يوم السبت وبين سائر الأيام.
ش: هذه حجة أخرى لهم، وهي أن النبي ﵇ قال: "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان يصوم يوما ويفطر يوما" فإنه ﵇ قد رغب فيه، ويوم السبت لا شك داخل فيه، ولو كان صوم يوم السبت مكروهًا لاستثناه منه.
ص: وقد أمر رسول الله ﵇ أيضًا بصيام أيام البيض، وروي عنه في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن محمَّد بن عبد الرحمن وحكيم، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر: "أن النبي ﵇ قال لرجل أمره بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا أن نصوم ليالي البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيئة الدهر".
وقد يدخل السبت في هذه كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام، ففيها أيضًا إباحة صوم يوم السبت تطوعًا.
стр. 4239
ش: هذه حجة أخرى، وهي أيضًا ظاهره، وأخرج فيه عن اثنين من الصحابة: أحدهما: أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري.
والآخر: قتادة بن ملحان القيسي ﵄.
أما حديث أبي ذر فأخرجه بإسناد صحيح، وحكيم بن جبير ذكر متابعا فلا يضر الصحة، وعن يحيى: ليس بشيء، وعن إبراهيم بن يعقوب السعدي: كذاب.
وقال الدارقطني: متروك.
وسفيان هو ابن عيينة.
ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدني، روى له الجماعة.
وموسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني، روى له الجماعة.
وابن الحوتكية هو يزيد بن الحوتكية التميمي، ولم أر فيه كلاما لأحد.
روى له النسائي وأخرج هذا الحديث (١): أنا محمَّد بن المثنى، قال: نا سفيان، قال: نا رجلان محمَّد وحكيم، عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر: "أن النبي ﵇ أمر رجلًا بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة".
وأما حديث قتادة: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن حبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي روى له الجماعة، عن همام بن يحيى روى له الجماعة، عن أنس بن سيرين الأنصاري روى له الجماعة، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي وثقه ابن حبان، عن أبيه قتادة بن ملحان.
وأخرجه ابن ماجه (٢) نحوه: ثنا إسحاق بن منصور، أنا حبان بن هلال: نا همام، عن أنس بن سيرين، حدثني عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
стр. 4240
واعلم أن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، هكذا هو في الأشهر، ويقال: عبد الملك بن قدامة بن ملحان، ويقال: عبد الملك بن منهال، ويقال: عبد الملك ابن أبي المنهال، ويقال: ابن ملحان غير مسمى، ويقال: عبد الملك -غير منسوب- عن أبيه، عن النبي ﵇.
أما الأول: ففي إحدى روايات النسائي (١): قال: أنا محمَّد بن معمر، قال: نا حبان، قال: نا همام، قال: نا أنس بن سيرين، قال: حدثني عبد الملك بن قدامة بن ملحان، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا بصوم أيام الليالي الغر البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة".
وأما الثاني: ففي إحدى روايات البيهقى (٢) أخرجه من حديث رَوْح، عن شعبة، عن أنس، سمع عبد الملك بن المنهال، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمر بصيام أيام البيض، ويقول: هي صيام الدهر" كذا قال روح: عبد الملك بن منهال، قال ابن معين: صوابه ابن قتادة بن ملحان.
وأما الثالث: ففي إحدى روايات النسائي (٣): أيضًا: أنا محمَّد بن حاتم، قال: أنا حبَّان، قال: أنا عبد الله، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: سمعت عبد الملك بن أبي المنهال يحدث، عن أبيه: "أن النبي ﵇ أمرهم بصيام ثلاثة أيام البيض، قال: "هي صوم الشهر".
وأما الرابع: ففي رواية أبي داود (٤): ثنا محمَّد بن كثير، قال: أنا همام، عن أنس أخي محمَّد، عن ابن ملحان القيسي، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا أن نصوم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، قال: وقال: هو كهيئة الدهر".
стр. 4241
وأما الخامس: ففي إحدى روايات النسائي (١) أيضًا: أنا محمَّد بن عبد الأعلى، قال: نا خالد، عن شعبة، قال: أنبأني أنس بن سيرين، عن رجل يقال له: عبد الملك، يحدث عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان يأمر بهذه الأيام الثلاث البيض، ويقول: هي صيام الشهر" انتهى.
وأما قتادة بن ملحان فقال البخاري في "تاريخه": الصواب هو قتادة بن ملحان، وقول شعبة: عبد الملك بن منهال وهم.
وقال ابن الأثير: روى شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن منهال أو ملحان، والصواب: ابن ملحان.
وقال أيضًا: ملحان بن شبل البكري، وقيل: القيسي، وهو والد عبد الملك بن ملحان ويقال: إنه والد قتادة بن ملحان القيسي مختلفون فيه، وله حديث واحد، ثم روى هذا الحديث المذكور، ثم قال: اختلف فيه على شعبة وعلى أنس بن سيرين أيضًا فقال أبو الوليد الطيالسي ومسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب: عن شعبة، عن عبد الملك بن ملحان، عن أبيه. إلا أن أبا الوليد قال: عبد الرحمن بن ملحان وهو غلط، وقال يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أنس، عن عبد الملك بن منهال، عن أبيه.
قال ابن معين: وهو خطأ، والصواب عبد الملك بن ملحان.
ورواه همام، عن أنس، عن عبد الملك بن قتادة القيسي، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثل حديث شعبة، وهو خطأ، والصواب رواية شعبة؛ فإن همامًا ليس ممن يعارض به شعبة، والله أعلم.
قوله: "ثلاث عشرة ... إلى آخره" وأراد بها الثالث عشر من الشهر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البيض أي: أيام ليالي البيض؛ وسميت بيضًا؛ لأن القمر يطلع فيها من أولها إلى آخرها، ويقال: إن آدم ﵇ لما ترك الأمر وأكل
стр. 4242
من الشجرة أوحي إليه: يا آدم أن اهبط من جواري فإنه لا يجاورني من عصاني، فهبط إلى الأرض مسودًّا جميع بدنه إلا ظفره، فإنه ترك على هذه الحالة ليتذكر بذلك أول حاله، ولذلك إذا نظر الإنسان إلى ظفره نسي ضحكه، فلما اسود جميع جسده، بكت الملائكة وقالوا: يا ربنا خلقته بيدك، وأسجدته ملائكتك وزوجته حواء أمتك، وأسكنته جنتك، فبذنب واحد حولت بياضه سوادًا؟! فأوحى الله إليه: يا آدم صم يوم الثالث عشر فصامه فأصبح وثلثه أبيض، ثم أوحي إليه: صم يوم الرابع عشر فصامه فأصبح وثلثاه أبيض، ثم أوحي إليه: صم يوم الخامس عشر فصامه وأصبح وكله أبيض، فسميت هذه الأيام: أيام البيض.
قوله: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا" أراد به أمر ندب واستحباب وترغيب.
قوله: "ثلاث عشرة" بالنصب بيان عن قوله: ليالي البيض، أو بدل منه.
قوله: "وأربع عشرة وخمس عشرة" عطف عليه.
قوله: "وقال: هي" أي هذه الثلاثة الأيام "كهيئة صيام الدهر" في الأجر عند الله تعالى، وفي رواية النسائي: "هي صوم الشهر" لأن الحسنة بعشر أمثالها.
ثم اعلم أن الترمذي لما أخرج حديث أبي ذر في صوم أيام البيض قال (١): وفي الباب عن أبي قتادة وعبد الله بن عمرو، وقرة بن إياس المزني، وعبد الله بن مسعود وأبي عقرب وابن عباس وعائشة وقتادة بن ملحان وعثمان بن أبي العاص وجرير ﵃.
أما حديث أبي ذر وقتادة بن ملحان فقد أخرجها الطحاوى.
وأما حديث أبي قتادة فأخرجه مسلم (٢) مطولًا وقد ذكرناه عند صوم يوم عرفة.
стр. 4243
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، نا شعبة، ثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس المكي -كان شاعرًا وكان لا يتهم في حديثه- قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي النبي ﵇: "إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين وتفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الدهر كله ... " الحديث.
وأما حديث قرة بن إياس فأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا أبو الوليد، نا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "صيام البيض صيام الدهر وإفطاره".
وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الأربعة (٣): من حديث عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود: "أن رسول الله ﵇ كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر".
وحسنه الترمذى.
و"الغرة": هي البياض تطلق على الأيام البيض أيضًا.
وأما حديث أبي عقرب فأخرجه النسائي (٤): أنا عمرو بن علي، قال: حدثني سيف بن عبد الله من خيار الخلق، قال: نا الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه قال: "سألت رسول الله ﵇ عن الصوم فقال: "صم يومًا من الشهر قلت: يا رسول الله، زدني، قال: يقول: يا رسول الله زدني زدني! صم يومين
стр. 4244
من كل شهر، قلت: يا رسول الله زدني زدني إني أجدني قويا، فسكت رسول الله ﵇ حتى ظننت أنه ليزيدني قال: صم ثلاثة أيام من كل شهر".
وأما حديث ابن عباس فأخرجه النسائي (١) أيضًا: أن القاسم بن زكرياء، قال: نا عبيد الله، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر".
وأما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا غندر، عن شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة العدوية، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﵇ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر قلت: من أيِّه؟ قالت: لم يكن يبالي من أيِّه كان".
وأما حديث عثمان بن أبي العاص فأخرجه النسائي (٣): أنا قتيبة قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن مطرفًا حدثه، أن عثمان بن أبي العاص، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "صيام حسن، ثلاثة أيام من الشهر".
وأما حديث جرير فأخرجه النسائي (٤) أيضًا: أنا محمَّد بن الحسن، قال: نا عبيد الله، عن زيد بن أبي أنيسة، عن ابن إسحاق، عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﵇ قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة".
ثم اعلم أن بعض هذه الأحاديث تذكر صوم ثلاثة أيام من غير تعيين أيها هي ثلاثة أيام البيض، أو ثلاثة أيام مطلقًا من أيام الشهر؟ ولكن قالوا: إن الثلاثة أيام
стр. 4245
من كل شهر هي الأيام البيض، ألا ترى كيف بوب البخاري (١) وقال: باب صيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. ثم قال: ثنا أبو معمر نا عبد الوارث، ثنا أبو التياح قال: حدثني أبو عثمان، عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي ﵇ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام". انتهى.
فإن البخاري تأول الحديث بما ذكرنا، وترجم على الأيام البيض بذلك.
قال القاضي: ويتعين صيام هذه الأيام البيض، قاله جماعة من الصحابة والتابعين منهم: عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبو ذر ﵃.
واختار آخرون الثلاثة من أول الشهر منهم الحسن.
واختار آخرون صيام السبت والأحد والإثنين من شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس، منهم: عائشة ﵂.
واختار آخرون الإثنين والخميس والخميس الآخر الذي يليه.
واختار بعضهم صيام أول يوم من الشهر ويوم العاشر ويوم العشرين، وبه قال أبو الدرداء ﵁ وروي أنه كان صيام مالك، واختاره ابن سفيان، ووري عنه كراهة تعمد صيام الأيام البيض، وقال: ما هذا ببلدنا. وقال ابن سفيان: أفضل صيام التطوع أول يوم من الشهر، ويوم أحد عشر، ويوم أحد وعشرون.
ص: ولقد أنكر الزهري: حديث الصماء في كراهة صوم يوم السبت ولم يعده من حديث أهل العلم، بعد معرفته به.
حدثنا محمَّد بن حميد بن هشام الرعيني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: "سئل الزهري عن صوم يوم السبت، فقال: لا بأس به، فقيل له: فقد روي عن النبي ﵇ في كراهته؟ فقال: ذلك حديث حمصي".
стр. 4246
فلم يعده الزهري حديثا يقال به، وضعفه.
وقد يجوز عندنا -والله أعلم وإن كان ثابتًا- أن يكون إنما نهى عن صومه لئلا يعظم بذلك فيمسك عن الطعام والشراب والجماع فيه كما يفعل اليهود.
فأما من صامه لا لإرادته تعظيمه ولا لما يريد اليهود بتركها السعي فيه؛ فإن ذلك غير مكروه.
ش: لما ذكر أن هذا الحديث شاذ يخالف الآثار الشهورة الدالة على عدم كراهة صوم يوم السبت، أيَّد كلامه بما روي عن محمَّد بن مسلم الزهري من تضعيفه إياه، فإن قوله: "ذلك حديث حمصي" إشارة إلى تضعيفه؛ فإن الراوي عن عبد الله بن بسر خالد بن معدان وهو حمصي، والراوي عنه ثور بن يزيد وهو أيضًا حمصي.
وقال أبو داود (١) أيضًا: ثنا عبد الملك بن شعيب، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت الليث يحدث عن ابن شهاب أنه كان إذا ذكر له أنه نهى عن صيام يوم السبت، قال ابن شهاب: هذا حديث حمصي.
وقال (٢): ثنا محمَّد بن الصباح، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، قال: ما زلت له كاتمًا ثم رأيته قد انتشر، يعني: حديث عبد الله بن بسر هذا في صوم يوم السبت.
وقال أبو داود: قال مالك بن أنس: هذا كذب.
قوله: "وقد يجوز عندنا- والله أعلم ... إلى آخره" إشارة إلى، جواب آخر عن الحديث المذكور، بعد تسليمه صحته بالنظر إلى صحة سنده بيانه أن يقال: سلمنا أن هذا الحديث صحيح، ولكن لا نسلم أنه يدل على كراهة صوم يوم السبت مطلقًا، بل هو محمول على أن يصومه قاصدًا به تعظيمه بإمساكه عن الطعام والشراب والجماع كما يفعله اليهود، وأن يريد به ما يريد به اليهود بتركهم السعي
стр. 4247
والحركة فيه، فإن ذلك مكروه للتشبيه بهم، وأما إذا صامه لا لأجل ما ذكرنا من ذلك؛ فإن ذلك مباح مأجور فيه.
والدليل عليه ما روي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﵇ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم".
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (١).
ص: فإن قال قائل: فقد رخص في صيام أيام بعينها مقصودة بالصوم وهى أيام البيض، فهذا دليل أن لا بأس بالقصد بالصوم إلى يوم بعينه.
قيل له: إنه قد قيل: إن أيام البيض إنما أمر بصومها لأن الكسوف يكون فيها ولا يكون في غيرها، وقد أمر بالتقرب إلى الله بالصلاة والعتاق في غير ذلك من أعمال البر عند الكسوف، فأمر بصيام هذه الأيام ليكون ذلك برًّا مفعولًا يعقب الكسوف، فذلك صيام غير مقصود به إلى يوم بعينه في نفسه، ولكنه صيام مقصود به في وقت شكرًا لله لعارض كان فيه فلا بأس بذلك، وكذلك أيضًا يوم الجمعة إذا صامه رجل شكرًا لعارض من كسوف شمس أو قمر، أو لشكر الله ، فلا بأس بذلك وإن لم يصم قبله ولا بعده يومًا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: الأصل أن لا يقصد الرجل إلى صوم يوم بعينه من سائر أيام المشهور حتى إنه لا يقصد إلى صوم يوم عاشوراء أو يوم الجمعة لأعيانهما كما مر فيما مضى، فإذا كان كذلك ينبغي أن يكره الصوم في أيام البيض، ومع هذا فقد رخص في صومها بعينها مقصودة بالصوم فيها، فهذا ينافي ما ذكرتم من الأصل، ويقتضي أن لا يكره القصد بالصوم إلى يوم بعينه، أي يوم كان.
وتقرير الجواب أن يقال: إن السبب في ترخيص صيام أيام البيض كان لأجل كون كسوف الشمس فيها؛ لأنه لا يكون إلا ليلة البدر وهو الرابع عشر من الشهر
стр. 4248
ولا يكون في غيرها على ما اقتضته الحكمة الإلهية، وقد كان النبي ﵇ أمر بالتقرب إلي، الله من أعمال البر نحو الصلاة والعتاق وغيرهما عند الكسوف.
وقد أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ نهى أن النبي ﵇ قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة".
وروي في حديث عائشة: "فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وتصدقوا".
رواه البيهقي (٣) وغيره (٤).
وفي رواية (٥): "فادعوا وصلوا وأعتقوا".
وفي رواية البخاري (٦) من حديث أسماء: "كنا نؤمر عند الكسوف بالعتاقة".
ومن جملة أعمال البر الصوم، فأمر به في هذه الأيام ليكون ذلك برًّا مفعولا عقيب الكسوف، وهذا صيام مقصود به في وقت شكرًا لله تعالى؛ لأجل ذلك العارض، وهو الكسوف، وليس بصوم مقصود به إلى يوم بعينه في نفسه، فإذا كان كذلك فلا يكره، وكذلك الكلام في صوم يوم الجمعة وحده إن كان شكرًا لله تعالى لأجل عارض من العوارض فلا بأس بذلك منفردًا، وكل يوم ورد فيه النهي عن صومه فأمره على هذا، والله أعلم.
стр. 4249
ص: باب: الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان
ش: أي هذا باب في بيان حكم الصوم بعد انتصاف شعبان إلى أول رمضان، وسمي شهر شعبان بذلك لتشعبهم فيه أي لتفرقهم في طلب المياه، قاله ابن دريد. وفي "المحكم": سمي بذلك لتشعبهم في الغارات.
وقال ثعلب: قال بعضهم: إنما سمي شعبان لأنه شَعَب أي ظهر بين رمضان ورجب، وذكر أبو عمر الزاهد عن ثعلب: كان شعبان شهرًا تتشعب فيه القبائل أي تتفرق لقصد الملوك والتماس العطية، وقيل: إنما سمي به لتشعب الخيرات فيه، وهذا أحسن؛ لأن هذا من الأسماء الإِسلامية، ويقولون: شعبان وشعبانان وشعبانات في الجمع، ويقال: شعابين أيضًا، قاله الأزهري في "التهذيب".
فإن قيل: الصوم في شعبان قد جاء فيه أحاديث صحيحة، ولكن الصلاة التي يصلونها ليلة النصف ما حكمها؟ وهل لها أصل؟ قلت: ذكر أبو الخطاب أن الأحاديث التي في صلاة النصف منه موضوعة، وفيها حديث عند الترمذي مقطوع، وقد قال أهل التعديل والتجريح: ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يصح، وذكر الطرطوشي في كتاب "الحوادث والبدع" عن أبي محمَّد القدسي: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصل في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وبين الشيخ تقي الدين ابن الصلاح والشيخ عز الدين ابن عبد السلام في هذه الصلاة مقاولات، فابن الصلاح يزعم أن لها أصلًا من السنة، والشيخ عز الدين ينكره.
وأما الوقود في تلك الليلة فزعم ابن دحية أن أول ما كان ذلك زمن يحيى بن خالد بن برمك؛ لأنهم كانوا مجوسًا، فأدخلوا في دين الإِسلام ما يموهون به على
стр. 4250
الطعام، ولما اجتمعت بالملك الكامل وذكرت له ذلك؛ قطع دابر هذه البدعة المجوسية من سائر أعمال البلاد المصرية.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان ويعقوب بن إسحاق، قالا: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، قال: ثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﵇ قال: "لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان".
ش: "حَبَّان" بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة بن هلال، روى له الجماعة.
ويعقوب بن إسحاق بن أبي عباد العبدي المصري وثقه ابن يونس، وعبد الرحمن ابن إبراهيم القاص الكرماني قال يحيى: ليس بشيء. وحكى البخاري أنه ثقة.
والعلاء بن عبد الرحمن المدني روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، وأبوه عبد الرحمن بن يعقوب المدني، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح".
وأخرج أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، قال: "قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلي مجلس العلاء، فأخذ بيده فأقامه، ثم قال: اللهم إن هذا يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، فقال العلاء: اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ بذلك.
والترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: نا عبد العزيز بن محمَّد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا".
وابن ماجه (٣): أنا أحمد بن عبدة، نا عبد العزيز بن محمَّد، وثنا هشام بن عمار،
стр. 4251
ثنا مسلم بن خالد، قالا: ثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا حتى يجيء رمضان".
ولما أخرجه الترمذي قال: حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ.
وحكى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث منكر، قال: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به.
ويحتمل أن يكون الإِمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن؛ فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن، وقد تفرد بهذا الحديث.
وقال المنذري: والعلاء وإن كان فيه مقال فقد حدث عنه الإِمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في "صحيحة"، وذكر له أحاديث، ويجوز أن يكون تركه لأجل تفرده به، وللحفاظ في الرجال مذاهب يقبل كل منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد.
قوله: "لا صوم بعد النصف" أي: لا صوم مستحب بعد نصف شعبان، وأراد به نفي جنس الصيام من التطوع.
قوله: "حتى رمضان" كلمة "حتى"، ها هنا بمعنى "إلى" التي للغاية، أي: إلى رمضان.
قال الترمذي: ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن يكون الرجل مفطرًا فإذا بقي شيءٌ من شعبان أخذ في الصوم كحال شهر رمضان، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي ﵇ ما يشبه قولهم حيث قال: "لا تقدموا شهر رمضان بصيام إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم" (١).
стр. 4252
وقد دل هذا الحديث على أن الكراهية على من تعمد الصيام كحال رمضان، وقال الخطابي: يشبه أن يكون حديث العلاء على معنى كراهية صوم يوم الشك أن يكون في ذلك اليوم مفطرًا أو يكون استحباب إجمام الصائم في بقية شعبان ليتقوى بذلك على صوم الفرض في شهر رمضان، كما كره للحاج الصوم بعرفة ليتقوى بالإفطار على الدعاء، وقد قيل: فيه نظرة فإن نصف شعبان إذا أضعفه عن صوم رمضان كان شعبان كله أحرى أن يُضعف، ومع هذا ورد أن النبي ﵇ كان يصوم شعبان كله.
أخرجه النسائي (١) وغيره (٢).
ص: قال أبو جعفر ﵀ فذهب قوم إلى كراهة الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح وعبد الرحمن بن يعقوب المدني؛ فإنهم قالوا بكراهة الصوم بعد النصف من شعبان، واحتجوا فيه بظاهر الحديث المذكور، وهو مذهب بعض أهل الظاهر، وحمله ابن حزم على اليوم السادس عشر من شعبان.
وقال في "المحلى" (٣): ولا يجوز صوم اليوم السادس عشر من شعبان أصلًا، ولا لمن صادف يوما كان يصومه، ثم روى الحديث المذكور، ثم قال: والعلاء ثقة روى عنه شعبة وسفيان الثوري ومالك وسفيان بن عيينة ومسعر بن كدام وأبو العميس، وكلهم يحتج بحديثه، فلا يضره غمز ابن معين له، ولا يجوز أن يظن لأبي هريرة مخالفة ما روي عن النبي ﵇، ثم قال: وقد كره قوم الصوم بعد النصف من شعبان جملة إلا أن الصحيح المتيقن من مقتضى لفظ هذا الخبر النهي عن الصوم بعد النصف
стр. 4253
من شعبان، ولا يكون الصيام في أقل من يوم، ولا يجوز أن يحمل على النهي عن صوم باقي الشهر إذ ليس ذلك بينا، ولا يخلو شعبان من أن يكون ثلاثين أو تسعًا وعشرين، فإن كان ثلاثين فانتصافه بتمام خمسة عشر يومًا، وإن كان تسعًا وعشرين، فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر، ولم ينه إلا عن الصيام بعد النصف، فجعل من ذلك النهي عن صيام السادس عشر بلا شك.
قلت: هذا كلام فيه تخبيط، والنص صريح ينفي الصوم من بعد النصف إلى رمضان بقوله: حتى رمضان، ثم يعتبر اليوم السادس عشر، وتخصيصه بالنهي تحكم باطل، وقول بلا دليل يقبله العقل، فافهم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بصوم شعبان كله وهو غير منهي عنه.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم مجاهدا والأوزاعي والنخعي والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم وجماهير العلماء من التابعين ومَن بعدهم، فإنهم قالوا: لا بأس بصوم شعبان كله وهو مستحب غير منهي عنه، وروي ذلك عن أنس وأسامة بن زيد وعائشة وأم سلمة وعطاء بن يسار ﵃.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني فضيل بن عياض، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﵇ يقرن شعبان برمضان".
ش: أي: احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر.
وإسناده حسن ورجاله ثقات.
وليث هو ابن أبي سليم، احتج به الأربعة.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا محمَّد بن عون، نا فضيل بن عياض ... إلى آخره نحوه سواء.
стр. 4254
ص: حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن يونس، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن سالم، عن أبي سلمة، عن أم سلمة ﵂ قالت: "ما رأيت رسول الله ﵇ صام شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان".
ش: إسناده صحيح، وأبو حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري.
وسالم هو ابن أبي الجعد الكوفي، روى له الجماعة.
وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأم سلمة أم المؤمنين اسمها هند بنت أبي أمية.
والحديث أخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن ابن أبي الجعد، عن أبي سلمة، عن أم سلمة ... إلى آخره نحوه.
وقال: حديث أم سلمة حديث حسن.
وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) أيضًا.
ص: حدثنا محمَّد بن خريمة، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا أبو الغصن ثابت بن زيد، عن أبي سعيد المقبرى، عن أسامة بن زيد قال: "كان رسول الله ﵇ يصوم يومين من كل جمعة لا يدعهما، فقلت: يا رسول الله رأيتك لا تدع صوم يومين من كل جمعة، قال: أي يومين؟ قلت: يوم الإثنين ويوم الخميس، قال: ذاك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم.
ش: القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود.
стр. 4255
وأبو الغصن ثابت بن قيس الغفاري المدني، وثقه أحمد، وعن يحيى: ليس به بأس. وعنه: ليس بذاك، وهو صالح. وقال ابن حبان: لا يحتج به. روى له أبو داود والنسائي.
وأبو سعيد المقبري اسمه كيسان، والد سعيد الليثي المدني، روى له الجماعة.
وأسامة بن زيد بن حارثة حِبّ رسول الله ﵇ ومولاه من أبويه.
والحديث أخرجه النسائي (١): أنا عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن ثابت بن قيس -وهو أبو الغصن شيخ من أهل المدينة- قال: حدثني أبو سعيد المقبري، قال: حدثني أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: أي يومين؟ قلت: يوم الإثنين ويوم الخميس، قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم".
ويستفاد منه: فضيلة صوم يوم الإثنين والخميس، وإباحة الصوم فيما بعد النصف من شعبان من غير كراهة؛ لأن النصف لا يخلو من الإثنين والخميس، وعلى أن الأعمال من الخير والشر تعرض في هذين اليومين، وفيه دلالة على استحباب تكثير الخيرات واجتناب المعاصي فيهما وإن كان الاجتناب عنها واجبا في كل الأيام وكل الساعات.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا ثابت ... فذكر بإسناه مثله، وزاد قال: "وما رأيت رسول الله ﵇ يصوم شهرا ما يصوم من شعبان، فقلت: يا رسول الله، رأيتك تصوم من شعبان ما لا تصوم من غيره من المشهور؟ قال: هو شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن.
стр. 4256
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا عمرو بن علي عن عبد الرحمن، قال: نا ثابت بن قيس أبو الغصن -شيخ من أهل المدينة- قال: حدثني أبو سعيد المقبري، قال: حدثني أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".
قوله: "ترفع فيه الأعمال" أي: أعمال بني آدم من الخير والشر والطاعة والمعصية وقد قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٢) أي: في الليلة المباركة، قيل: ليلة النصف من شعبان يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمرهم، منها إلى الأخرى القابلة.
وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا نافع بن يزيد، أن ابن الهاد حدثه -يعني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد- أن محمَّد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما كان رسول الله ﵇ يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان، كان يصوم كله إلا قليلًا، بل كان يصومه كله".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، حدثتني عائشة ﵁ أن رسول الله ﵇ كان لا يصوم من السنة أكثر من صيامه في شعبان، فإنه كان يصومه كله.
стр. 4257
حدثنا يونس، قال: ثنا بشر، عن الأوزاعي، قال: حدثنى يحيى، قال: حدثنى أبو سلمة، قال: حدثتني عائشة ... فذكر مثله.
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا أسامة بن يزيد الليثي، قال: ثنا محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة عن صيام رسول الله ﵇، قالت: كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وكان يصوم شعبان أو عامة شعبان".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح قال: ثنا شعبة، قال: ثنا يزيد، عن معاذة العدوية قالت: "سئلت عائشة: أكان رسول الله ﵇ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم، فقيل لها: مِن أيِّه؟ قالت: ما كان يبالي من أي الشهر صامها".
ش: هذه خمس طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن نافع بن يزيد أبي يزيد المصري مولى شرحبيل بن حسنة الكلابي، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، روى له الجماعة، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث العمي المدني روى له الجماعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له الجماعة.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) بأسانيد مختلفة وألفاظ متتابعة.
وأخرجه مسلم (٢): من حديث ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: "إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﵇ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﵇ حتى يأتي شعبان، ما كان رسول الله ﵇ يصوم من شهر ما كان يصوم من شعبان، كان يصومه كله إلا قليلا، بل كان يصومه كله".
стр. 4258
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﵇ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان".
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى البصري، عن بشر بن بكر التنيسي البجلي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة.
وأخرجه الترمذى (٣): ثنا هناد، قال: ثنا عَبدة عن محمَّد بن عمرو، قال: نا أبو سلمة، عن عائشة قالت: "ما رأيت رسول الله ﵇ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان".
الرابع: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري ابن أخي عبد الله بن وهب -المعروف ببحشل- عن عمه عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي المدني، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي المدني، عن أبي سلمة عبد الله.
وأخرجه النسائي (٤): أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، قال: ثنا عمي، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: "لم يكن رسول الله ﵇ لشهر كر صيامًا منه لشعبان، كان يصومه أو عامته".
стр. 4259
الخامس: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن يزيد بن أبي يزيد الضبعي أبي الأزهر البصري المعروف بيزيد الرِّشْك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وفي آخره كاف- وهو القسام بلغة أهل البصرة، وكان يقسم الدُّور، روى له الجماعة.
عن معاذة بنت عبد الله العدوية أم الصهباء البصرية- روى لها الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا عبد الوارث، عن يزيد الرشك قال: حدثتني معاذة العدوية: "أنها سألت عائشة زوج النبي ﵇: أكان رسول الله ﵇ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيِّ أيام الشهر يصوم".
وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) أيضًا.
قوله: "بل كان يصومه كله" إضراب عن الأول، أي: بل كان رسول الله ﵇ يصوم شعبان كله.
وقال ابن المبارك: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله تعشى واشتغل ببعض أمره.
قال الترمذي: كأن عبد الله رأى كلا الحدثين متفقين، يقول: إنما معنى هذا الحديث: أنه كان يصوم أكثر الشهر، وقيل: كان يصومه كله في سنة، وبعضه في أخرى، وقيل كان يصوم تارةً من أوله وتارةً من آخره وتارة بينهما لا يخل منه شيئًا بلا صيام، وخصصه بكثرة الصوم لكونه ترفع فيه الأعمال.
стр. 4260
وقال ابن بطال: وقد روي في بعض الحديث أن هذا الصيام كان لأنه كان يلتزم صومه ثلاثة أيام من كل شهر كما قال لابن عمرو، فربما شغل عن صيامها أشهرًا، فيجتمع كل ذلك في شعبان فيدركه قبل رمضان.
وقال ابن الجوزي: وورد في حديث أن النبي ﵇ سئل عن صومه فيه، فقال: "إن الآجال تكتب فيه، فأحب أن يكتب أجلي وأنا في عبادة ربي".
وقال العلماء: إنما لم يستكمل غير رمضان بالصيام لئلا يظن وجوبه.
فإن قيل: قد جاء في "الصحيح": "أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم" فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرم؟.
قلت: قد قيل: لعله لم يعلم بفضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التمكن من صومه، أو لعله كانت تعرض له فيه أعذار من سفر أو مرض أو غير ذلك.
قوله: "أكان" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "ما كان يبالي" أي: ما كان يهتم من أي أيام الشهر صامها.
ص: قالوا: ففي هذه الآثار دليل على أن لا بأس بصوم شعبان كله.
ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها عن ابن عمر وأم سلمة وأسامة ابن زيد وعائشة ﵃، وفيها دليل واضح على أنه لا بأس بصوم شعبان كله.
ص: وكان من حجة الأولين عليهم: أن الذي روي في هذه الأخبار إنما هو إخبار عن فعله ﵇ وما قبل ذلك مما فيه النهى إخبارٌ عن قوله: فكان ينبغي أن يصحح الحديثان جميعًا فيجعل ما فعله رسول الله ﵇ مباحًا له، وما نهى عنه كان محظورًا على غيره، فيكون حكم غيره في ذلك خلاف حكمه حتى يصح الحديثان ولا يتضادان.
فكان من الحجة عليهم في ذلك: أن في حديث أسامة عن رسول الله ﵇ أنه قال في شعبان: "هو شهر يغفل الناس عن صومه" فدل ذلك أن صومه إياه أفضل من الإفطار.
стр. 4261
ش: أي: وكان من حجة أهل المقالة الأولى على أهل المقالة الثانية، وهذا اعتراض منهم يرد على أهل المقالة الثانية، بيانه: أن ما رويتم من الأحاديث التي تدل على أن لا بأس بالصوم في النصف الأخير من شعبان إنما هو إخبار عن فعل رسول الله ﵇ وحكاية عن حاله.
وما روينا من الحديث الذي فيه النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان إنما هو إخبار عن قوله، فوقع التعارض بينهما، فينبغي أن يصحح الحديثان على وجه يرتفع التضاد والتعارض على ما هو الأصل في ذلك، وذلك بأن يجعل ما هو إخبار عن فعله مباحًا له على الخصوصية، وما فيه إخبار عن نهيه ﵇ يُجعل محظورًا على غيره، يعني ممنوعًا مكروهًا في حق غيره، فيكون حكم غير النبي ﵇ في ذلك خلاف حكم النبي ﵇.
فبهذا التوفيق يرتفع التضاد.
وأجاب عنه بقوله: "فكان من الحجة عليهم في ذلك ... " إلى آخره.
بيانه: أن حديث أسامة بن زيد ﵂ يدل على أن صوم غير النبي ﵇ أيضًا في شعبان أفضل من الإفطار فيه؛ حيث قال: "هو شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال ... " الحديث؛ وذلك لأن هذا حث وتحضيض وترغيب أن لا يغفلوا عن صوم شهر شعبان ليكونوا صائمين وقت ارتفاع أعمالهم إلى الله، كما أشار إليه في آخر الحديث: "أحب أن يرفع عملي وأنا صائم".
فإن قيل: فعلى هذا: التعارض باقٍ ولم يندفع بما ذكرتم.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن حديث أبي هريرة الذي فيه النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان محمول على أنه قد خرج على سبيل الإشفاق على صوَّام رمضان؛ لئلا يدخلهم ضعف في صوم رمضان، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في أول الباب.
ص: وقد روى عن رسول الله ﵇ أيضًا ما يدل على ما ذكرنا:
стр. 4262
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﵇ قال: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس قال: "سئل رسول الله ﵇: أيّ الصوم أفضل -يعني بعد رمضان-؟ قال: صوم شعبان؛ تعظيمًا لرمضان".
ش: أي: قد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا ما يدل على أن الصوم في شعبان أفضل من الإفطار، فمن ذلك: حديث أنس، وأخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن صدقة بن موسى الدقيقي فيه مقال؛ فقال يحيى: ليس حديثه بشيء. وعنه: ضعيف. وكذا ضعفه النسائي وأبو داود.
عن ثابت البناني، عن أنس ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا يزيد بن هارون، قال: أنا صدقة بن موسى، قال: أنا ثابت البناني، عن أنس قال: "سئل رسول الله ﵇ عن أفضل الصيام، فقال: صيام شعبان تعظيمًا لرمضان".
فإن قيل: قد جاء في الحديث الصحيح: "أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم" (٢) فما التوفيق بين الحديثين؟.
قلت: قد مرَّ الجواب عنه عن قريب عند حديث عائشة ﵂.
الطريق الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي قال أبو زرعة: صدوق. وتكلم فيه النسائي لأجل التشيع، وروى له في "مناقب علي ﵁" حديثًا واحدًا.
стр. 4263
عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن صدقة بن موسى ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبدة بن عبد الله، أنا يزيد بن هارون، أنا صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ سئل عن أفضل الصيام، قال: أفضل الصيام صيام شعبان تعظيمًا لرمضان، وأفضل الصدقة صدقة في رمضان".
وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا صدقة بن موسى.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد التيمي، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن الحصين: "أن رسول الله ﵇ قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم
يومين".
حدثنا أحمد، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا حماد، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف بن عبد الله -هو ابن الشخير- عن عمران، عن النبى ﵇ مثله. غير أنه قال: "صم يومًا".
قال أبو جعفر ﵀: وهذا في آخر شعبان.
ففي هذه الآثار من أمر رسول الله ﵇ أمته ما قد وافق فعله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص التيمي البصري -المعروف بالعيشي والعائشي وبابن عائشة- شيخ أبي داود، وعن أبي حاتم: صدوق ثقة.
عن حماد بن سلمة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخيى العامري البصري -روى له الجماعة- عن عمران بن الحصين.
стр. 4264
وأخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﵇ قال لرجل: هل صمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: إذا أفطرت فصم يومين".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا هداب بن خالد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرف -ولم أفهم مطرفًا من هداب- عن عمران بن حصين أن رسول الله ﵇ قال له أو لآخر: "أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمَّد التيمي، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجُرَيْري -بضم الجيم وفتح الراء- عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير -بكسر الشين وتشديد الخاء المعجمتين- عن عمران بن حصين.
وأخرجه أبو داود (١): عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﵇ قال لرجل: "هل صمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومًا".
وهذا الحديث أخرجه البخاري (٣) أيضًا: ثنا الصلت بن محمَّد، قال: أنا مهدي، عن غيلان (ح).
وثنا أبو النعمان، نا مهدي بن ميمون، قال: ثنا غيلان بن جرير، عن مطرف، عن عمران بن حصين، عن النبي ﵇: "أنه سأله -أو سأل رجلًا وعمران يسمع- فقال: يا أبا فلان أما صمت سرر هذا الشهر؟ قال: أظنه قال: -يعني رمضان- قال الرجل: لا يا رسول الله، قال: فإذا أفطرت فصم يومين" لم يقل الصلت: أظنه يعني رمضان.
стр. 4265
قوله: "من سرر شعبان" السَّرَر -بفتح السنن المهملة والراء- ليلة يستسر الهلال، يقال: سِرار الشهر وسَراره -بالكسر والفتح- وسَرَرَه.
قال ابن الأثير: في الحديث: "صوموا الشهر وسره"، أي: أوله، وقيل: مستهله، وقيل: وسطه، وسِرُّ كل شيء جوفه، فكأنه أراد الأيام البيض، قال الأزهري: لا أعرف السِّرَّ بهذا المعنى، إنما يقال: سِرار الشهر وسَراره وسَرَرَهُ وهو آخر ليلة يستسر الهلال بنور الشمس، ومنه الحديث: "هل صمت من سرار هذا الشهر شيئًا"؟ (١).
وقال القاضي: وأنكر بعضهم ما قال أبو عبيد: إن سرر الشهر آخره حين يستسر الهلال، وقال: لم يأت في صيام آخر الشهر من شعبان حضّ، والسرار من كل شيء وسطه.
وقال أبو داود عن الأوزاعي: سِرُّه: أوله، ولم يعرف الأزهري سره أوله، وقال الهروي: والذي يعرف الناس أن سرَّه آخره، وكذا رواه الخطابي عن الأوزاعي أيضًا من غير طريق أبي داود: سرُّه: آخره.
ويقال: سرارُهُ وسررُه وسرُّه، ويعضد قول من قال: إنه وسطه رواية من روى في الحديث من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي "سرَّته" وعند شيخنا القاضي الشهيد في حديث ابن أبي شيبة "سُرره" بالضم، ولغيره بالكسر، والسُّرر جمع سرة، وسُرارة الوادي وسطه، وخير موضع فيه، وقال ابن السكيت: سرار الأرض: أكرمها ووسطها، وسرار كل شيء وسطه وأفضله، وقد يكون سِرار الشهر من هذا، أي: أفضل أيامه.
قال القاضي: والأظهر في تصير سرار الشهر أنه آخره بدليل قوله ﵇: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يوما أو يومين" والشهر المشار إليه هو شعبان، كذا جاء مفسرا في "الأم" وغيرها، وإن كان وقع في البخاري فيه أنه رمضان، فهو وهم بيِّن
стр. 4266
من رواته؛ لأن صوم رمضان كله مستحق، ولا يختص بسرره دون غيره، وإن كان السرر أول شعبان أو وسطه لم يفته قضاؤها في بقيته ولم يحتج أن ينتظر تمام صيام رمضان، فالأظهر أنه آخر أيامه على ما قال أبو عبيد، وأكثرهم وإن كان يحتمل ذلك أن النبي ﵇ قال ذلك في انسلاخه أو بعد تمامه، ولا سيما على رواية "أصمت من سرر شعبان شيئًا".
فإن قيل: هذا الحديث يعارضه ويخالفه قوله ﵇: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين".
قلت: قد أجيب عن هذا بأنه محمول على أن الرجل كان ممن اعتاد الصوم في سرر الشهر أو نذر ذلك وخشي أن يكون إذا صام آخر شعبان دخل في النهي فيكون فيما قال ﵇ دليل على أنه لا يدخل في هذا الذي نهى عنه مِنْ تقدم الشهر بالصوم، وأن المراد بالنهي مَن هو على غير حالته.
وقال الخطابي: كان بعض أهل العلم يقول في هذا: إن سؤاله زجر وإنكار؛ لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بصوم يوم أو يومين. قال: ويشبه أن يكون هذا الرجل قد أوجبه على نفسه بنذرة فلذلك قال له في سياق الحديث: "إذا أفطرت -يعني من رمضان- فصم يومين" فاستحب له الوفاء بهما.
ص: وقد روي عنه في ذلك أيضًا ما قد حدثنا أبو بكرة، قال حدثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صيامًا فليصمه".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا هشام، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ... فذكر مثله.
стр. 4267
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح، قال: ثنا حسين المعلم وهشام بن أبي عبد الله، عن يحيى ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوحاظي -يعني يحيى بن صالح- قال: ثنا سليمان ابن بلال، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا محمَّد بن عمرو ... فذكر بإسناده مثله.
فلما قال رسول الله ﵇: "إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم فليصمه" دل ذلك على دفع ما قال أهل المقالة الأولى، وعلى أن ما بعد النصف من شعبان إلى رمضان حكم صومه حكم صوم سائر الدهر المباح صومه، فلما ثبت هذا المعنى الذي ذكرنا دل ذلك أن النهى الذي كان من رسول الله ﵇ في حديث أبي هريرة الذي ذكرنا في أول الباب لم يكن إلا على الإشفاق منه على صوَّام رمضان، لا لمعنى غير ذلك، وكذلك يؤمر من كان الصوم بقرب رمضان يدخله به ضعف يمنعه من صوم رمضان أن لا يصوم حتى يصوم رمضان؛ لأن صوم رمضان أولى به من صوم ما ليس عليه صومه، فهذا هو المعنى اللي ينبغي أن يحمل عليه معنى ذلك الحديث؛ حتى لا يضاد غيره من هذه الأحاديث.
ش: أي: قد روي عن النبي ﵇ في عدم كراهة الصوم بعد انتصاف شعبان؛ وذلك لأن قوله: "إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صيامًا فليصمه" فدل على أن ما بعد النصف من شعبان إلى رمضان حكمه في الصوم كحكم الصوم في سائر الأزمان المباح
صومه فإذا كان المعنى على ما ذكرنا؛ دل أن النهي المذكور في حديث
стр. 4268
أبي هريرة الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وهو منعهم الصوم فيما بعد النصف من شعبان لم يكن إلا لأجل الشفقة على الذين يصومون رمضان كيلا يدخلهم ضعف، ولم يكن لمعنى غير ذلك، والله أعلم.
قوله: "وكذلك يؤمر مَن كان الصوم ... إلى آخره" فقوله: "مَنْ" مفعول يؤمر في محل نصب، وهي موصولة، وقوله: "كان الصوم بقرب رمضان يدخله به ضعف" صلته
وقوله: "الصوم"، مرفوع؛ لأنه اسم كان، وقوله: "يدخله" خبره، وقوله: "ضعف" مرفوع؛ لأنه فاعل، والضمير في "يدخله" يرجع إلى "من" وفي قوله: "به إلى الصوم" الباء فيه للسببية، وقوله: "يمنعه" جملة في محل الرفع؛ لأنها صفة لقوله: "ضعف" والباء في قوله: "بقرب رمضان" في محل النصب على الحال من الصوم، وقوله: "أن لا يصوم" أي: بأن لا يصوم، أي: يترك الصوم، وهو يتعلق بقوله: "يؤمر"، وقوله: "حتى يصوم" أي: حتى أن يصوم.
ثم إنه أخرج الحديث المذكور من سبع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ... إلى آخره.
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تقدموا قبل رمضان يومًا ولا يومين، إلا أن يكون رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره.
стр. 4269
وأخرجه البخاري (١): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن رَوْح بن عبادة، عن هشام الدستوائي، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذى (٢): نا أبو كريب، قال: نا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﵇: "لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته؛ فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا".
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي الدمشقي شيخ الشافعي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجه (٣): أنا هشام بن عمار، نا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تقدموا صيام رمضان بيوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فيصومه".
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عَن رَوْح بن عبادة، عن حسين المعلم وهشام الدستوائي، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
стр. 4270
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١).
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن سليمان بن بلال القرشي، محمَّد بن عمرو الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): ثنا ابن صاعد وابن غيلان، قالا: ثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تعجلوا شهر رمضان بيوم ولا بيومين".
السابع: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة (٣) من وجوه مختلفة.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ فيما أمر به عبد الله بن عمرو ما يدل على ذلك.
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس -رجل من ثقيف- عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبى ﵇: "أحب الصيام إلى الله صيام داود ﵇ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم. (ح)
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا رَوْح قال: ثنا شعبة، عن زياد بن الفيَّاض، قال: سمعت أبا عياض، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يحدث، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 4271
حدثنا أبو بكرة وعلي بن شيبة، قالا: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﵇ قال: "أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم نصف الدهر".
حدثنا ابن مرزوق -يعني إبراهيم- قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أنه أتي النبي ﵇ -يعني فسأله عن الصيام- فقال له: صم يومًا ولك عشرة أيام، قال: زدني يا رسول الله فإن بي قوة، قال: صم يومين ولك تسعة أيام، قال: زدني فإن بي قوة. قال: صم ثلاثة أيام ولك ثمانية أيام".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح، قال: ثنا حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال له رسول الله: "إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام بكل حسنة عشر أمثالها، فذلك صوم الدهر كله، فشددت على نفسي فشدد علي. فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فقال: صم صوم نبي الله داود ﵇. قلت: وما صوم داود نبي الله؟ قال: نصف الدهر".
حدثنا يونس، قال: ثنا بشر، عن الأوزاعي، قال: ثنا يحيى ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوح بن عبادة، قال: ثنا محمَّد بن أبي حفصة، قال: ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: "بلغ رسول الله ﵇ أني أقول: لأصومن الدهر، فقال: صم ثلاثة أيام من كل شهر. قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: صم يومًا وأفطر يومين. قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: صم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صوم داود ﵇ وهو أعدل الصيام".
حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال:
стр. 4272
حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، أن سعيدًا أخبره وأبا سلمة، أن عبد الله بن عمرو قال: "أخبر رسول الله ﵇ .... " فذكر مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب ورَوْحٌ، قالا: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن هلال -أو هلال بن طلحة- قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: "قال لي رسول الله ﵇: يا عبد الله صم ثلاثة أيام من كل شهر ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١).
قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صُمْ صوم داود؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، قال: ثنا خالد الحذاء، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني أبو المليح قال: "دخلت مع أبيك زبد بن عمرو على عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثنا أن رسول الله ﵇ ذكر له صومه، قال: فدخل علي، فألقيت له وسادةً من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وقال لي: إنما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: يا رسول الله، قال: فخمسة أيام، قلت: يا رسول الله، قال: فسبعة أيام. قلت: يا رسول الله، قال: فتسعة أيام. قلت: يا رسول الله، قال: فأحد عشر يومًا. قلت: يا رسول الله، قال: أظنه قال: ثلاثة عشر يومًا. قلت: يا رسول الله، قال: لا صيام فوق صيام داود ﵇ شطر الدهر، صيام يوم وإفطار يوم".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: "قال له رسول الله ﵇:
стр. 4273
كيف تصوم؟ قلت: أصوم فلا أفطر. قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: إني أقوى من ذلك. فلم يزل يناقصني وأناقصه حتى قال: صُمْ أحب الصيام إلى الله صوم داود ﵇ صوم يوم وإفطار يوم".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن قادم، قال: ثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال له رسول الله ﵇: "ألم أنبأ أنك تصوم الدهر وتقوم الليل، قال: قلت: إني أقوى، قال: إنك إذا فعلت نفهت له النفس وهجمت له العين، قال: قلت: إني أقوى، قال: فصم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: قلت: إني أقوى، قال: فصم صوم أخي داود ﵇، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى".
حدثنا يونس، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس -رجلًا من أهل مكة وكان شاعرا، وكان لا يتهم في الحديث- قال: سمعت عبد الله بن عمرو ... فذكر مثله.
حدثني أبو أمية، قال: حدثنا سريج، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين ومغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﵇ قال له: "صُمْ من كل شهر ثلاثة أيام ... " ثم ذكر مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث، عن عبد الله بن معبد الزمان، عن أبي قتادة: "سئل رسول الله ﵇ عمن يصوم يوما ويفطر يوما؟ قال: ذاك صوم داود ﵇، قال: يا رسول الله كيف من يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك".
فلما أباح رسول الله ﵇ فى هذه الآثار المتواترة صوم يوم وإفطار يوم من سائر الدهر دلك ذلك أن صوم ما بعد النصف من شعبان مما قد دخل في إباحة النبى ﵇ لعبد الله بن عمرو، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 4274
ش: أي: قد روي عن رسول الله ﵇ في الذي أمر به عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ما يدل على إباحة الصوم فيما بعد النصف من شعبان؛ وذلك لأنه ﵇ لما أباح فيها صوم يوم وإفطار يوم من سائر أيام الدهر، دل على إباحة الصوم فيما بعد النصف من شعبان؛ لدخوله في تلك الإباحة.
ثم إنه أخرج ما روي عن عبد الله بن عمرو من ستة عشر طريقا:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن عمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي الطائفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال "الصحيح".
وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) بطرق مختلفة وألفاظ متباينة.
وبهذا الطريق أخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال زهير: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو -يعني ابن دينار- عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "إن أحب الصيام إلى الله: صيام داود،
وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يوما".
قوله: "أحب الصيام إلى الله" أي: أكثره ثوابًا وأعظمه أجرًا.
الثاني: عن بكر بن إدريس بن الحجاج، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن شعبة، عن زياد بن فياض الخزاعي الكوفي، عن أبي عياض عمرو بن الأسود العَنْسي الشامي الدمشقي، عن عبد الله بن عمرو.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
стр. 4275
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن زياد بن فياض، قال: سمعت أبا عياض، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ قال له: صم يومًا ولك أجر ما بقي. قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصيام عند الله: صوم داود ﵇؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن زياد بن فياض ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا نحوه: ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن زياد بن فياض ... إلى آخره نحو روايته الأولى.
الرابع: عن أبي بكرة بكار وعلي بن شيبة السدوسي، كلاهما عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره، عن عبد الله بن عمرو.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (٣) أيضًا: حدثني محمَّد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، أن النبي ﵇ قال: "أحب الصيام إلى الله: صيام داود ﵇؛ كان يصوم نصف الدهر ... " الحديث.