← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

حدثنا أبو بكرة وعلي بن شيبة، قالا: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﵇ قال: "أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم نصف الدهر". حدثنا ابن مرزوق -يعني إبراهيم- قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أنه أتي النبي ﵇ -يعني فسأله عن الصيام- فقال له: صم يومًا ولك عشرة أيام، قال: زدني يا رسول الله فإن بي قوة، قال: صم يومين ولك تسعة أيام، قال: زدني فإن بي قوة. قال: صم ثلاثة أيام ولك ثمانية أيام". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوْح، قال: ثنا حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال له رسول الله: "إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام بكل حسنة عشر أمثالها، فذلك صوم الدهر كله، فشددت على نفسي فشدد علي. فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك، فقال: صم صوم نبي الله داود ﵇. قلت: وما صوم داود نبي الله؟ قال: نصف الدهر". حدثنا يونس، قال: ثنا بشر، عن الأوزاعي، قال: ثنا يحيى ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا رَوح بن عبادة، قال: ثنا محمَّد بن أبي حفصة، قال: ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: "بلغ رسول الله ﵇ أني أقول: لأصومن الدهر، فقال: صم ثلاثة أيام من كل شهر. قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: صم يومًا وأفطر يومين. قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك، قال: صم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صوم داود ﵇ وهو أعدل الصيام". حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال:

стр. 4272

حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، أن سعيدًا أخبره وأبا سلمة، أن عبد الله بن عمرو قال: "أخبر رسول الله ﵇ .... " فذكر مثله. حدثنا محمَّد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب ورَوْحٌ، قالا: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن هلال -أو هلال بن طلحة- قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: "قال لي رسول الله ﵇: يا عبد الله صم ثلاثة أيام من كل شهر ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١). قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صُمْ صوم داود؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، قال: ثنا خالد الحذاء، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني أبو المليح قال: "دخلت مع أبيك زبد بن عمرو على عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثنا أن رسول الله ﵇ ذكر له صومه، قال: فدخل علي، فألقيت له وسادةً من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وقال لي: إنما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: يا رسول الله، قال: فخمسة أيام، قلت: يا رسول الله، قال: فسبعة أيام. قلت: يا رسول الله، قال: فتسعة أيام. قلت: يا رسول الله، قال: فأحد عشر يومًا. قلت: يا رسول الله، قال: أظنه قال: ثلاثة عشر يومًا. قلت: يا رسول الله، قال: لا صيام فوق صيام داود ﵇ شطر الدهر، صيام يوم وإفطار يوم". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: "قال له رسول الله ﵇:

стр. 4273

كيف تصوم؟ قلت: أصوم فلا أفطر. قال: صم من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: إني أقوى من ذلك. فلم يزل يناقصني وأناقصه حتى قال: صُمْ أحب الصيام إلى الله صوم داود ﵇ صوم يوم وإفطار يوم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن قادم، قال: ثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال له رسول الله ﵇: "ألم أنبأ أنك تصوم الدهر وتقوم الليل، قال: قلت: إني أقوى، قال: إنك إذا فعلت نفهت له النفس وهجمت له العين، قال: قلت: إني أقوى، قال: فصم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: قلت: إني أقوى، قال: فصم صوم أخي داود ﵇، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى". حدثنا يونس، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس -رجلًا من أهل مكة وكان شاعرا، وكان لا يتهم في الحديث- قال: سمعت عبد الله بن عمرو ... فذكر مثله. حدثني أبو أمية، قال: حدثنا سريج، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين ومغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﵇ قال له: "صُمْ من كل شهر ثلاثة أيام ... " ثم ذكر مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت غيلان بن جرير يحدث، عن عبد الله بن معبد الزمان، عن أبي قتادة: "سئل رسول الله ﵇ عمن يصوم يوما ويفطر يوما؟ قال: ذاك صوم داود ﵇، قال: يا رسول الله كيف من يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك". فلما أباح رسول الله ﵇ فى هذه الآثار المتواترة صوم يوم وإفطار يوم من سائر الدهر دلك ذلك أن صوم ما بعد النصف من شعبان مما قد دخل في إباحة النبى ﵇ لعبد الله بن عمرو، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 4274

ش: أي: قد روي عن رسول الله ﵇ في الذي أمر به عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ما يدل على إباحة الصوم فيما بعد النصف من شعبان؛ وذلك لأنه ﵇ لما أباح فيها صوم يوم وإفطار يوم من سائر أيام الدهر، دل على إباحة الصوم فيما بعد النصف من شعبان؛ لدخوله في تلك الإباحة. ثم إنه أخرج ما روي عن عبد الله بن عمرو من ستة عشر طريقا: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن عمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي الطائفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال "الصحيح". وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) بطرق مختلفة وألفاظ متباينة. وبهذا الطريق أخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قال زهير: نا سفيان بن عيينة، عن عمرو -يعني ابن دينار- عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "إن أحب الصيام إلى الله: صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يوما". قوله: "أحب الصيام إلى الله" أي: أكثره ثوابًا وأعظمه أجرًا. الثاني: عن بكر بن إدريس بن الحجاج، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن شعبة، عن زياد بن فياض الخزاعي الكوفي، عن أبي عياض عمرو بن الأسود العَنْسي الشامي الدمشقي، عن عبد الله بن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح.

стр. 4275

وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن زياد بن فياض، قال: سمعت أبا عياض، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ قال له: صم يومًا ولك أجر ما بقي. قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صم أربعة أيام ولك أجر ما بقي، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصيام عند الله: صوم داود ﵇؛ كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن رَوْح بن عبادة، عن شعبة، عن زياد بن فياض ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢) أيضًا نحوه: ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن زياد بن فياض ... إلى آخره نحو روايته الأولى. الرابع: عن أبي بكرة بكار وعلي بن شيبة السدوسي، كلاهما عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره، عن عبد الله بن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (٣) أيضًا: حدثني محمَّد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن عمرو بن أوس أخبره، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، أن النبي ﵇ قال: "أحب الصيام إلى الله: صيام داود ﵇؛ كان يصوم نصف الدهر ... " الحديث.

стр. 4276

الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا إسناد صحيح. وشعيب هو ابن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وثقه ابن حبان، وذكر البخاري وأبو داود وغيرهما أنه سمع من جده عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه النسائي (١): أنا محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا حماد. (ح) قال: وأخبرني زكرياء بن يحيى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن شعيب بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇ "صم يوما ولك أجر عشرة. فقلت: زدني، فقال: ثم يومين ولك أجر تسعة، قلت: زدني، قال: صم ثلاثة أيام ولك أجر ثمانية، قال ثابت: فذكرت ذلك لمطرف، قال: ما أراه إلا يزاد في العمل وينقص في الأجر" اللفظ لمحمد. السادس: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن حسين بن ذكوان المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (٢): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه. قوله: "إن من حسبك أن تصوم" أيْ: إن من كفايتك: صومك من كل شهر ثلاثة أيام.

стр. 4277

السابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن بشر بن بكر التنيسي الدمشقي، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله، عن عبد الله ابن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا ابن مقاتل، قال: أنا عبد الله، قال: أبنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال له رسول الله ﵇: "يا أبا عبد الرحمن، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها؛ فإن ذلك صيام الدهر كله، فشددت فشُدِّد عليّ. قلت: يا رسول الله إني أجد قوة، قال: صم صيام نبي الله داود ﵇ ولا تزد. قلت: وما كان صيام نبي الله داود؟ قال: نصف الدهر، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي ﵇". الثامن: عن علي بن شيبة، عن رَوْح بن عبادة، عن محمَّد بن أبي حفصة ميسرة البصري، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الله بن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (٢): حدثني أبو الطاهر، قال: سمعت عبد الله بن وهب يحدث، عن يونس، عن ابن شهاب. وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن

стр. 4278

عمرو بن العاص قال: "أُخبر رسول الله ﵇ أنه يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت، فقال رسول الله ﵇: أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: قد قلته يا رسول الله، فقال رسول الله ﵇: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر. قال: قلت: فإني أطيق [أفضل من ذلك، قال: صم يومًا وأفطر يومين، قال: قلت: فإني أطيق] (١) أفضل من ذلك يا رسول الله، قال: صُمْ يومًا وأفطر يومًا، وذلك صيام داود ﵇ وهو أعدل الصيام. قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال رسول الله ﵇: لا أفضل من ذلك. قال عبد الله بن عمرو: لأَنْ أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله ﵇، أحب إليَّ من أهلي ومالي". التاسع: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين وفتح القاف- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (٢): ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عمرو قال: "أُخبر رسول الله ﵇ أني أقول: والله لأصومن الدهر ولأقومن الليل ما عشت، فقلت له: قد قلته؛ بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطر يومًا ذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام. قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي ﵇: لا أفضل من ذلك".

стр. 4279

العاشر: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي المدني، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو. هذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (١): من حديث محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "دخلت على عبد الله بن عمرو، قلت: أيْ عم، حدثني عمَّا قال لك رسول الله ﵇، قال: يا ابن أخي قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهادًا شديدًا، حتى قلت: لأصومن الدهر ولأقرأن القرآن في كل يوم وليلة، فسمع بذلك رسول الله ﵇، فأتاني حتى دخل عليّ في داري، فقال: إنك قلت: لأصومن الدهر ولأقرأن القرآن؟ فقلت: قد قلت ذلك يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صُمْ من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: فصم من الجمعة يومين الاثنين والخميس. قلت: إني أقوى على أكثر من ذلك، قال: فصم صيام داود ﵇، فإنه أعدل الصيام عند الله يومًا صائمًا ويومًا مفطرًا، لأنه كان إذا وعد لم يخلف، وإذا لاقى لم يفر". الحادي عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير ورَوْح بن عبادة، كلاهما عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن طلحة بن هلال العامري -أو هلال بن طلحة- وثقه ابن حبان، عن عبد الله بن عمرو. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه": ثنا عمر بن محمَّد الهمداني، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، ثنا محمد بن بكر البُرْساني، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت طلحة بن هلال -رجلًا من بني عامر- سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﵇: "يا عبد الله بن عمرو صوم ثلاثة أيام صيام الدهر، مَن

стр. 4280

جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. فقلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: صُمْ صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا". وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا أحمد بن محمَّد السوطي، ثنا عفان، نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن هلال بن طلحة -أو طلحة بن هلال- عن عبد الله بن عمرو ... إلى آخره نحوه. الثاني عشر: عن محمد بن خزيمة، عن معلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن المختار الدباغ البصري روى له الجماعة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام، عن أبي المليح بن أسامة الهذلي، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة، وأبوه له صحبة. وأخرجه البخاري (١): ثنا إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: ثنا خالد، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: أخبرني أبو المليح قال: "دخلت مع أبيك على عبد الله بن عمرو، فحدثنا أن رسول الله ﵇ ذُكِرَ له صومي فدخل عليَّ، فألقيت له وسادةً من أدم، حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه فقال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قال: قلت: يا رسول الله، قال: خمسًا، قال: قلت: يا رسول الله، قال: سبعًا، قلت: يا رسول الله، قال: تسعًا، قلت: يا رسول الله قال: أحد عشر. ثم قال النبي ﵇: لا صوم فوق صوم داود ﵇؛ شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا". وأخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣) أيضًا. قوله: "مع أبيك" خطاب لأبي قلابة واسم أبيه: زيد بن عمرو.

стр. 4281

قوله: "وِسَادة" بكسر الواو، وهي المخدة. قال الجوهري: الوساد والوسادة: المخدة والجمع: وسائد ووسد. قوله: "قال: فخمسة أيام ... إلى أخره" في كل هذا دليل على إيثار الوتر ومحبته في جميع الأمور، ثم رجوعه إلى صيام يوم وإفطار يوم فيه الوتر؛ لأنه خمسة عشر يومًا من كل شهر. وفي هذا الحديث من الفوائد: إكرام الداخل والضيف وذي الفضل وإيثاره، وما كان ﵇ من التواضع، وأنه كان لا يحب الأثرة. الثالث عشر: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه السائب بن مالك الثقفي الكوفي، عن عبد الله بن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه الطبراني: ثنا أحمد بن داود المكي، نا أبو معمر المقعد، نا عبد الوارث بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: "رآني النبي ﵇ فدعاني، فقال: في كم تقرأ القرآن؟ قلت: في يومين وليلتين، فقال: بخ، صلّ وارقد وصل، اقرأ في كل شهر، قلت: إني أقوى من ذلك، فناقصني وناقصته حتى بلغ سبعًا، قال: كيف تصوم؟ قلت: أصوم ولا أفطر. فقال: صم وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام. قلت: إني أقوى من ذلك، فناقصني وناقصته، قال: فإن أبيت فصم أحب الصوم إلى الله؛ صوم داود ﵇، صم يومًا وأفطر يومًا. فلأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﵇ أحبّ بليَّ من أهلي ومالي". الرابع عشر: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن علي بن قادم الخزاعي الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن أبي العباس السائب بن فروخ المكي الشاعر الأعمى الثقة، عن عبد الله ابن عمرو. وهذا أيضًا إسناد صحيح.

стр. 4282

وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، ثنا شعبة، نا حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا العباس المكي -وكان شاعرًا وكان لا يتهم في حديثه- قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "قال له النبي ﵇: إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ فقلت: نعم، قال: إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس، لا صام مَن صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الدهر كله. قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفرُّ إذا لاقى". قوله: "ألم أنبأ" على صيغة المجهول أيْ: ألم أُخبر، والهمزة فيه للاستفهام. قوله: "نفهت له النفس" أي: أعيت وكلَّت، قال الجوهري: نفهت نفسه -بالكسر- أعيت وكلَّت، والنافه: الكال المعيى من الإبل. قلت: مادته: (نون وفاء وهاء). قوله: "وهجمت له العين" أي: غارت ودخلت في موضعها، ومنه الهجوم على القوم وهو الدخول عليهم. قوله: "ولا يفر إذا لاقى" أي: إذا لاقى الأعداء في الحرب، أراد أنه كان لا يفر من الزحف والقتال. الخامس عشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أسد بن موسى، عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا عبد الله بن معاذ، قال: حدثني أبي، قال: نا شعبة عن حبيب، سمع أبا العباس، سمع عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﵇: "يا عبد الله بن عمرو إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت له

стр. 4283

العين ونهكت، لا صام من صام الأبد، صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الشهر كله. قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود ﵇ وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى". السادس عشر: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن سريج -بضم السين المهملة وفتح الراء وفي آخره جيم- بن النعمان الجوهري شيخ البخاري، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي ومغيرة بن مقسم الضبي، كلاهما عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو. وهذا أيضًا صحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا محمَّد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵇ قال: "صم من الشهر ثلاثة أيام، قال: أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: صم يومًا وأفطر يومًا، فقال: اقرأ القرآن، في كل شهر، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: في ثلاث". وأخرجه النسائي (٢) وقال فيما قرأ علينا أحمد بن منيع: قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين ومغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال رسول الله ﵇: "أفضل الصيام: صيام داود ﵇، كان يصوم أيومًا، (٣) ويفطر يومًا". وأما حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله ﵇. فأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب ابن جرير البصري روى له الجماعة، عن أبيه جرير بن حازم البصري، روى له

стр. 4284

الجماعة، عن غيلان بن جرير المعولي البصري روى له الجماعة، عن عبد الله بن معبد الزماني البصري، روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي قتادة. وأخرجه مسلم (١) مطولًا: ثنا يحيى التيمي وقتيبة بن سعيد جميعًا، عن حماد ... إلى آخره. وقد ذكرناه في باب: "صوم عاشوراء"، فإن الطحاوي: أخرج هذا الحديث هناك من ثلاث وجوه، وقد حققناه. قوله: "وددت" أي: أحببت. "أني طُوقت ذلك" أي: قدرت على ذلك، أي: على صوم يوم وإفطار يومين. وطوقت على صيغة المجهول. وقال ابن الأثير: معناه: ليته جُعل داخلًا في طاقتي وقدرتي، ولم يكن عاجزًا في ذلك غير قادر عليه لضعفٍ فيه، ولكن يحتمل أنه خاف العجز للحقوق التي تلزمه لنسائه؛ فإن إدامة الصوم تخل بحظوظهن فيه. وقال القاضي عياض: قيل: وجهه في حق غيره لا بعجز نفسه فقد كان ﵇ يواصل ويقول: "إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" لكن قال هذا لما يلزمه من حقوق نسائه أو يكون هذا التمني لغيره من أمته؛ والله أعلم.

стр. 4285

ص: باب: القبلة للصائم ش: أي: هذا باب في بيان القبلة هل تجوز للصائم أم لا؟. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرئيل، عن زيد جبير، عن أبي يزيد الضِّنِّي، عن ميمونة بنت سعد قالت: "سئل النبي ﵇ عن القبلة للصائم، فقال: أفطرا جميعًا". ش: أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي الحبَّال، روى له الجماعة. وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، روى له الجماعة. وزيد بن جبير بن حرملة الطائي الكوفي، روى له الجماعة. وأبو يزيد الضِّنِّي -بكسر الضاد والنون المشددة- نسبة إلى ضِنَّة قبيلة. قال الدارقطني: ليس بمعروف. وقال ابن حزم: مجهول. روى له النسائي وابن ماجه. وميمونة بنت سعد -وقيل: سعيد- خادم النبي ﵇. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا الفضل بن دُكين، عن إسرائيل، عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضِّني، عن ميمونة مولاة النبي ﵇ قالت: "سئل النبي ﵇ عن رجل قبل امرأته وهما صائمان. قال: قد أفطرا". وقال ابن حزم (٢): رويناه من طريق إسرائيل -وهو ضعيف- عن زيد بن جبير، عن أبي يزيد الضني -وهو مجهول- عن ميمونة بنت عتبة مولاة رسول الله ﵇، وقال: ولئن صح هذا لكان حديث أبي سعيد الخدري: "أنه ﵇ أرخص في القبلة للصائم" ناسخًا له، انتهى.

стр. 4286

وقال الدارقطني: لا يثبت هذا الحديث. وكذا قال البيهقي، وقال الترمذي: سألت عنه البخاري فقال: هذا حديث منكر لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه، وهو رجل مجهول. قوله: "أفطر" أي: المقبِّل والمقبَّل، كلاهما أفطرا، يعني انتقض صومهما. ص: قال أبو جعفر ﵀ فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: ليس للرجل أن يقبِّل في صومه، وإن قبَّل فقد أفطر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن شبرمة وشريحًا وإبراهيم النخعي والشعبي وأبا قلابة ومحمد بن الحنفية ومسروق بن الأجدع؛ فإنهم قالوا: ليس للصائم أن يباشر القبلة، فإن قبل فقد أفطر، فعليه أن يقضي يومًا. قال أبو عمر: وممن كره القبلة للصائم: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعروة بن الزبير. وقد روي عن ابن مسعود أنه يقضي يومًا مكانه، وروي عن ابن عباس أنه قال: "إن عروق الخصيتن معلقة بالأنف فإذا وجد الريح تحرك وإذا تحرك دعا إلى ما هو أكثر من ذلك، والشيخ أملك لإربه". وكره مالك القبلة للصائم في رمضان للشيخ والشاب. وعن عطاء، عن ابن عباس أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب. وقال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود من الفقهاء، ومنهم من كرهها على الإطلاق وهو مشهور قول مالك. ومنهم من كرهها للشاب وأباحها للشيخ وهو المرويّ عن ابن عباس. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وحكاه الخطابي عن مالك. ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، وهي رواية ابن وهب عنه.

стр. 4287

وقال النووي: إن حركت القبلة شهوة فهي حرام على الأصح عند أصحابنا، وقيل: مكروهة كراهة تنزيه، انتهى. وقال أصحابنا في فروعهم: لا بأس بالقبلة والمعانقة إذا أمن على نفسه، أو كان شيخا كبيرًا، ويكره له مس فرجها. وعن أبي حنيفة: تكره المعانقة والمصافحة والمباشرة الفاحشة بلا ثوب، والتقبيل الفاحش مكروه، وهو أن يمضغ شفتها قاله محمَّد، وقال ابن قدامة: إن قبَّل فأمنى أفطر بلا خلاف؛ فإن أمذى أفطر عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر، وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، واللمس بشهوة كالقبلة، فإن كان بغير شهوة فليس مكروهًا بحال. وقال ابن حزم (١): وأما القبلة والمباشرة للرجل مع امرأته وأمته المباحة له [فهما سنة حسنة] (٢) نستحبها للصائم شابًّا كان أو كهلًا أو شيخًا، ولا نبال كان معها إنزال مقصود إليه أو لم يكن. وادعى قوم أن القبلة تبطل الصوم، وقال قوم: هي مكروهة، وقال قومٌ: هي مباحة للشيخ مكروهة للشاب، وقال قومٌ: هي خصوص للنبي ﵇. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم عمر بن حمزة، قال: ثنا سالم، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁ "رأيت النبي ﵇ في المنام فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول الله ما شأني؟ قال: ألستَ الذي تُقَبِّل وأنت صائم؟ فقلت. والذي بعثك بالحق لا أقبل بعد هذا وأنا صائم، فأقرَّ به، ثم قال: نعم". ش: أي: واحتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 4288

أخرجه عن علي بن شيبة، عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -وهو إسحاق بن راهويه شيخ الجماعة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة روى له الجماعة، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال يحيى: ضعيف. روى له الجماعة إلا النسائي، البخاري مستشهدًا. عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي أسامة، عن عمر بن حمزة، نا سالم، عن أبيه قال: قال عمر ﵁: "رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فرأيته لا ينظرني، فقلت: يا رسول الله، ما شأني؟ فالتفت إليّ فقال: ألست المقبِّل وأنت صائم؟ فوالذي نفسي بيده لا أقبل وأنا صائم امرأة ما بقيت". وقال البيهقي: تفرد به عمر بن حمزة، فإن صح فعمر ﵁ كان قويًّا تحرك القبلة شهوته. وقال الذهبي (٢): هذا لم يخرجوه، وضعفه ابن معين وقواه غيره. وروى له مسلم. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٣) وقال: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات لاسيمَّا وقد أفتى رسول الله ﵇ عمر في اليقظة حيًّا بإباحة القبلة للصائم، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام، وكفى من هذا كله أن عمر بن حمزة لا شيء. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روى عن عبد الله بن مسعود ﵁. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن هانئ- وكان يسمى الهزهاز قال: "سئل عبد الله عن القبلة للصائم، فقال: يقضي يومًا آخر".

стр. 4289

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال، عن الهزهاز، عن عبد الله مثله. ش: أي: احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عبد الله بن مسعود، وأخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف -ويقال: إساف- الأشجعي الكوفي، عن هانئ الذي يسمى الهزهاز. وكل هؤلاء ثقات. وأخرجه ابن أبي شيبة في "منصفه": (١) ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الهزهاز: "أن رجلًا لقي ابن مسعود وهو بالتمارين، فسأله عن صائم قبَّل، فقال: أفطر". الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف سمعه يحدث، عن الهزهاز: "أن ابن مسعود ﵁ قال في القبلة للصائم قولًا شديدًا -يعني-: يصوم يومًا مكانه" قال البيهقي: هذا عندنا إذا قبل فأنزل. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن عمر ﵁ من قوله: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: "أن عمر ﵁ كان ينهى عن القبلة للصائم". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمران بن مسلم، عن زاذان قال: قال عمر ﵁: "لأن أعضَّ على جمرة أحبّ إليَّ من أن أقبل وأنا صائم".

стр. 4290

ش: أي: واحتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، وأخرجه من وجهين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سعيد ابن المسيب. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري عن سعيد بن المسيب: "أن عمر ﵁ نهى عن القبلة للصائم". قلت: هذا محمول على ما إذا لم يأمن على نفسه. الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمران بن مسلم المنقري أبي بكر البصري القصيرروى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن زاذان أبي عبد الله -ويقال: أبو عمر- الكندي الكوفي الضرير البزاز روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢) ولفظه: عن زاذان، عن ابن عمر: "في الذي يقبل وهو صائم أَلَا يقبل جمرةً". وأخرجه ابن أبي شيبة (٣) أيضًا. قلت: هذا أيضًا في حق من لم يأمن على نفسه من الشهوة. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن سعيد بن المسيب. حدثنا محمَّد بن حُمَيد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن عبد الكريم، عن سعيد بن المسيب: "في الرجل يقبل امرأته وهو صائم، فقال: تَنْقُصُ صومه".

стр. 4291

ش: أي: واحتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه أيضًا بما روي عن سعيد بن المسيب. أخرجه عن محمد بن حُميد بن هشام الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن موسى بن أعين الجزري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني. وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا محمدًا وابن معبد، وهما أيضًا ثقتان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيب: "قال في القبلة للصائم: تنقص صيامه ولا تفطر". قوله: "تنقص صومه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون من النقض -بالضاد المعجمة- على معنى أنه يبطل صومه. والآخر: من النقص -بالصاد المهملة- على معنى أن صومه يدخله النقصان ولكن لا يفطر، ويدل على هذا رواية ابن أبي شيبة؛ فإن فيها: "تنقص صيامه ولا تفطر". فافهم. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بالقبلة للصائم باسًا إذا لم يخف منها أن تدعوه إلى غيرها مما يمنع منه الصائم. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء والحسن البصري والثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد وإسحاق وداود بن علي؛ فإنهم قالوا: لا نرى بالقبلة بأسًا للصائم إذا أمن على نفسه. وقال أبو عمر: رويت الرخصة في القبلة للصائم عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عباس وعائشة، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في هذا الباب مستقصًى عن قريب.

стр. 4292

ص: وكان من حجتهم فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى: أنه قد روي عن رسول الله ﵇ في إباحته القبلة للصائم ما هو أظهر من حديث ميمونة بنت سعد وأولى أن يؤخذ به، وهو ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "هششت يومًا فقبلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله ﵇ فقلت: فعلت اليوم أمًرا عظيمًا، فقبلت وأنا صائم. فقال رسول الله ﵇: أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله ﵇: ففيم؟! ". حدثنا علي بن معبد، ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا ليث بن سعد ... فذكر بإسناده مثله. فهذا الحديث صحيح الإسناد معروف الرواة، وليس لحديث ميمونة بنت سعد الذي رواه عنها أبو يزيد الضنِّي وهو رجل لا يعرف فلا ينبغي أن يعارض حديث من ذكرنا بحديث مثله، مع أنه قد يجوز أن يكون حديثه ذلك على معنًى خلاف معنى حديث عمر ﵁ هذا، ويكون جواب النبي ﵇ الذي فيه جوابًا لسؤال سئل في صائمين بأعيانهما على قلة ضبطهما لأنفسهما، فقال ذلك فيه ما، أي أنه إذا كانت القبلة منهما فقد كان معها غيرها مما قد يضرهما لأنفسهما. وهذا أولى ما قد حمل عليه معناه؛ حتى لا يضاد غيره. ش: أي: وكان من حجة أهل المقالة الثانية فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأولى: أنه قد روي عن النبي ﵇ حديث في إباحة القبلة للصائم، هو أصح من حديث ميمونة بنت سعد وأشهر، وهو حديث جابر، عن عمر بن الخطاب؛ فإن رجاله معروفون ثقات، فلا يعارضه حديث أبي يزيد الضني، وهو رجل لا يعرف، فحيئذٍ يسقط حديثه ولا يُعمل به، وقد ذكرنا أن ابن حزم ادعى أنه منسوخ، إن كان صحيحًا، وإنما قلنا: إن حديث جابر عن عمر أصح؛ لأن إسناده على شرط مسلم ورجاله رجال مسلم وغيره ما خلا ربيعًا، وهو أيضًا ثقة.

стр. 4293

وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا الليث. ونا عيسى بن حماد، قال: أنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله، قال عمر بن الخطاب: "هششت. فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمًرا عظيمًا؛ قبلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ -قال عيسى بن حماد في حديثه- قلت: لا بأس به، قال: فَمَهْ؟! ". وأخرجه النسائي (٢) والبيهقي (٣). فإن قيل: قال النسائي: هذا حديث منكر. وقال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن عمر من هذا الوجه. وقال أحمد بن حنبل: هذا ريح، ليس من هذا شيء. قلت: أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤): أنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان، نا أبو حاتم وإبراهيم بن نصر الرازيان، قالا: نا أبو الوليد الطيالسي، نا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، عن جابر بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، انتهى. واحتج به ابن حزم أيضًا. وأبو داود لما أخرجه سكت عنه، وسكوته يدل على رضاه به (٥)، وأيضًا نص الطحاوي على صحته بقوله: فهذا الحديث صحيح الإسناد معروف الرواة.

стр. 4294

قوله: "هششت" أي ارتحت، يقال: هش لهذا الأمر يهش هشاشة إذا فرح به واستبشر وارتاح له وخف، وذكره في "الدستور" في باب نَصَرَ يَنْصُرُ، وفي باب ضَرَبَ يَضْرِبُ أيضًا، وفي باب عَلِمَ يَعْلَمُ أيضًا، ولكن الذي ذكره في باب نَصَرَ يَنْصُرُ معناه الإسقاط، تقول: هَشَشْتُ الورق هَشًّا خبطته بِعَصًى ليتحات، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ (١). والذي ذكر في باب ضَرَبَ يَضْرِبُ معناه الليونة، تقول: هَشَّ الخبزُ هُشُوشة إذا لان. والذي ذكره في باب عَلِمَ يَعْلَمُ معناه: الارتياح، وقال الجوهري: وقد هَشِشْتُ لفلان -بالكسر- أهشُّ هشاشة إذا خففت وارتحت له. قوله: "أرأيت" أي أخبرني. قوله: "ففيم" أصله ففيما و"ما" استفهامية دخلت عليها حرف الجر، ومعناه: ففيما فرقك بين الحكمين، يعني: فلأجل أي شيء تُفَرِّق بينها إذا تمضمضت بالماء وأنت صائم، وبين ما إذا قبلت وأنت صائم، يعني لا فرق بينهما في أن كلا منهما لا ينتقص الصوم. قال الخطابي: وفيه إثبات القياس، والجمع بين الحكمين في الحكم الواحد؛ لاجتماعهما في الشبه، وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله إلى الحلق والجوف فيكون به فساد الصوم، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم، نقول: فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر؟ فالآخر بمثابته، انتهى. وكلمة "في" للتعليل نحو قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (٢)، وقوله ﵇: "إن امرأة دخلت النار في هرة" (٣).

стр. 4295

وأما "فَمَه؟ " في رواية أبي داود فالهاء فيه للسكت. قوله: "مع أنه قد يجوز ... إلى آخره" إشارة إلى جواب آخر بطريق التنزل، تقريره أن يقال: إن حديث أبي يزيد الضنِّي وإن كان صحيحا ولكنه محمول على معنى يخالف معنى حديث عمر ﵁؛ لأن معنى حديث عمر: أن القبلة لا تفطر لكونه ممن يضبط نفسه ولا يخاف عليه حصول شيء معها مما هو يضره، ومعنى حديث أبي يزيد: أنه جواب من النبي ﵇ -عن سؤال سئل في صائمين معينين حصلت بينهما قبلة على عدم ضبطهما لأنفسهما، فقال: إذا كانت قبلة بين مثلهما يدعو ذلك إلى وقوع شيء آخر مما يفسد صومهما، فلذلك قال في حقهما: "أفطرا". فإذا كان معنى كل من الحديثين على ما ذكرنا لا يكون بينهما تضادة لأن شرط التضاد اتحاد المحل، فهذا أولى ما يحمل عليه حتى يرتفع التضاد والخلاف والله أعلم. ص: وأما حديث عمر بن حمزة فليس أيضًا في إسناده كحديث بكير الذي قد ذكرنا؛ لأن عمر بن حمزة ليس مثل بكير بن عبد الله في جلالته وموضعه من العلم وإتقانه، مع أنهما لو تكافئا لكان حديث بكير أولاهما؛ لأنه قول من رسول الله ﵇ في اليقظة وذلك قول قد قامت به الحجة على عمر، وحديث عمر بن حمزة إنما هو على قول حكاه عن رسول الله ﵇ في النوم، وذلك ما لا تقوم به الحجة، فما تقوم به الحجة أولى مما لا تقوم به الحجة. ثم هذا ابن عمر ﵁ قد حدَّث عن أبيه بما حكاه عمر بن حمزة في حديثه، ثم قال بعد أبيه بخلاف ذلك. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي حمزة، عن مُورِّق، عن ابن عمر: "أنه سئل عن القبلة للصائم، فأرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب".

стр. 4296

فدل ذلك أن هذا كان عنده أولى مما حدث به عمر مما ذكره عمر بن حمزة في حديثه. ش: هذا جواب عن حديث عمر بن حمزة الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن حديث عمر بن حمزة لا يعادل حديث بكير بن عبد الله بن الأشج الذي احتجت به أهل المقالة الثانية؛ لأن عمر بن حمزة لا يلحق بكيرًا في جلالة قدره وإتقانه وضبطه، وإن كان عمر بن حمزة أيضًا قد روى له مسلم على أن يحيى بن معين قد ضعفه، وقال ابن حزم فيه: لا شيء. قوله: "مع أنهما ... إلى آخره" جواب آخر، بيانه: أن عمر بن حمزة وبكير بن عبد الله لو سلمنا أنهما تكافئا -يعني تساويا- في الصفات المذكورة وتعادلا في الرواية، ولكن حديث بكير أولى بالعمل؛ لأنه قول من رسول الله ﵇ في حالة اليقظة، ورواية عمر بن حمزة قول حكاه عن رسول الله ﵇ في النوم وذلك مما لا تقوم به الحجة، فلذلك قال ابن حزم: الشرائع لا تؤخذ بالمنامات، وقد أفتى رسول الله ﵇ عمر ﵁ في اليقظة بإباحة القبلة للصائم، فمن الباطل أن ينسخ ذلك في المنام. قوله: "ثم هذا ابن عمر ... إلى آخره" جواب آخر، بيانه: أن عبد الله بن عمر قد حدث عن أبيه عمر ﵁ بما رواه حمزة بن عمر، عن سالم، عنه، عن أبيه عمر، ثم قال بعد أبيه عمر بخلاف ذلك. وهو ما أخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي- اسمه محمَّد بن ميمون السكري روى له الجماعة، عن مورق العجلي أبي المعتمر البصري الكوفي روى له الجماعة، عن عبد الله بن عمر ... إلى، آخره.

стр. 4297

وأخرج البيهقي في "سننه" (١): من حديث محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن: "أن فتًى سأل ابن عمر عن القبلة وهو صائم، فقال: لا، فقال شيخ عنده: لم تحرج الناس وتضيِّق عليهم؟! والله ما بذلك بأس. قال: أما أنت فَقَبّلْ؛ فليس عند استك خير". قوله: "فدل هذا" أي ما روي عن ابن عمر بعد أبيه كان عنده أولى مما حدث به عمر بن الخطاب مما ذكره عمر بن حمزة في حديثه ذلك. وإلى هذا ذهب جماعة من الفقهاء، فقالوا: تباح القبلة للصائم إذا كان شيخا، وتكره إذا كان شابًا. ص: وأما ما قد احتجوا به من قول ابن مسعود ﵁ فإنه قد روي عنه خلاف ذلك. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن طارق، عن حكيم بن جابر قال: "كان ابن مسعود ﵁ يباشر امرأته وهو صائم". فقد تكافأ هذا الحديث وما روى الهِزْهاز عن عبد الله. ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى، من قول عبد الله بن مسعود حين سئل عن القبلة للصائم فقال: "يقضي يوما آخر"، بيانه: أن هذا معارض بما روي عنه أيضًا على خلاف ذلك. وهو ما أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي، عن حكيم بن جابر الأحمسي ... إلى آخره. وأخرجه ابن حزم (٢): من طريق الشعبي، عن عمرو بن شرحبيل: " أن ابن مسعود ﵁ كان يباشر امرأته بنصف النهار وهو صائم"، ثم قال: وهذا أصح

стр. 4298

طريق عن ابن مسعود، فإذا كان كذلك فقد تساوى حديثاه، وهو معنى قوله: "فقد تكافأ هذا الحديث وما روى الهِزْهاز" وهو هانئ عنه، فإذا تكافئا لم يبق لأحد من أهل المقالتين أن يحتج بشيء من ذلك؛ لأن أحدًا من أهل المقالتين إذا احتج بأحد الحديثين على الآخر؛ فالآخر أيضًا يحتج عليه بالآخر. ص: وأما ما ذكروه من حديث سعيد- يعني ابن المسيب أنه ينقص صومه، فإن ما روي عن رسول الله ﵇ من تشبيهه ذلك بالمضمضة أولى من قول سعيد. ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى أيضًا من قول سعيد بن المسيب أنه ينقص صومه، بيانه: أن ما روي عن النبي ﵇ من أنه شبه القبلة بالمضمضة في الصوم أولى بالعمل وأحق بالقبول من قول سعيد بن المسيب؛ لأنه ليس لأحد كلام مع كلام صاحب الشرع. فإن قيل: لم يجب الطحاوي عما روي عن عمر ﵁: "لأن أعض على جمرة أحب إلى من أن أُقَبِّلَ وأنا صائم". قلت: كأنه قد اكتفى بما أجاب به عن حديثه الآخر، ونقول أيضًا: هذا معارض بما رواه عبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كانت تقبله امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو وهو صائم، فلا ينهاها". أخرجه ابن حزم (١). فدل هذا على أن ما روي عن عمر ﵁ من النهي عن ذلك إنما هو في حق من لا يملك نفسه، ولا يأمن عن الإنزال. ص: ثم قال بذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ مما سنذكر ذلك عنهم في آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى. ش: أي ثم قال بإباحة القبلة للصائم جماعة من الصحابة ﵃ على ما يجيء بيانه في آخر الباب، وهذا كجواب ثانٍ عن ما روي عن عمر وابن مسعود من كراهة

стр. 4299

القبلة للصائم، يعني وإن كان قد روي عن هذين من كراهة ذلك، فقد روي عن جماعة من الصحابة غيرهما إباحة ذلك، والأخذ بما جاء عن الجماعة أولى؛ فافهم. ص: وقد جاءت الآثار عن رسول الله ﵇ متواترة بأنه كان يقبل وهو صائم، فمن ذلك: ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يصيب من الرءوس وهو صائم". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، قال: ثنا عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله. ش: أي قد جاءت الأحاديث عن النبي ﵇ متكاثرة، بأنه ﵇ كان يُقبِّل والحال أنه صائم. فمن ذلك ما أخرجه عن ابن عباس من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن معبد بن نوح ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا زهير بن محمَّد، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان يصيب من الرءوس". وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا بهذا اللفظ، ولا نعلم له طريقا أحسن من هذا الطريق. ورواه عاصم بن هلال، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخطأ فيه، والصحيح عن عبد الله بن شقيق. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- ابن الوليد الرقام القطان البصري شيخ البخاري.

стр. 4300

عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، عن ابن عباس. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، وهو: أحمد بن خالد، قال: أنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة ﵄: "إن رسول الله ﵇ كان يقبلها وهو صائم". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا طلحة بن يحيى، عن عبد الله بن فروخ، قال: "أتت أم سلمة امرأة فقالت: إن زوجي يقبلني وأنا صائمة، فقالت: كان رسول الله ﵇ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أبي سلمة المخزومية -ربيبة النبي ﵇ وكان اسمها بَرة- فسماها رسول الله ﵇ زينب. وأخرجه البخاري (٢) مطولا: ثنا مسدد، نا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله، نا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أمها ... الحديث، وفي آخره: "كان يقبلها وهو صائم" الثاني: عن علي بن معبد بن نوح، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العَبْسي الكوفي شيخ البخاري، عن طلحة بن يحيى بن طلحة المدني نزيل الكوفة، روى له

стр. 4301

الجماعة سوى البخاري، عن عبد الله بن فروخ القرشي مولى آل طلحة بن عبيد الله، وثقه ابن حبان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى، حدثني عبد الله بن فروخ، أن امرأة سألت أم سلمة فقالت: "إن زوجي يقبلني وأنا صائمة فما ترين؟ قالت: كان رسول الله ﵇ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة". وأخرجه النسائى (٢) أيضًا. ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: أنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن مسلم بن صُبَيْح، عن شتير بن شكل، عن حفصة بنت عمر- ﵂، عن النبي ﵇: "أنه قبل وهو صائم". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن مسلم ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن سليمان الأعمش، عن مسلم بن صُبَيْح -بضم الصاد وفتح الباء الموحدة- أبي الضحى الكوفي، روى له الجماعة. عن شُتَيْر -بضم الشين المعجمة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء- بن شكل العبسي الكوفي روى له الجماعة، البخاري في "الأدب". وأخرجه مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب -قال

стр. 4302

يحيى: أنا وقال الآخران-: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن شُتَيْر بن شكل، عن حفصة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور بن المعتمر، عن مسلم بن صُبَيْح، عن شتير ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) أيضًا بهذا الإسناد: عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي أن علي بن الحسين أخبره، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يقبلها وهو صائم". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن عائشة مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة مثله. حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مثله. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 4303

حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، قال: ثنا القاسم، عن عائشة مثله، وزاد: "وكانت تقول: وأيكم أملك لأربه من رسول الله ﵇". حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: ثنا سفيان، قلت لعبد الرحمن بن القاسم: "أحدثك أبوك، عن عائشة أن رسول الله ﵇ كان يقبلها وهو صائم؟ قال: فطأطأ رأسه واستحى قليلا وسكت، ثم قال: نعم". حدثنا محمَّد بن عبد الله -هو ابن ميمون البغدادي- قال: ثنا الوليد -هو ابن مسلم- قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى، قال: ثنا أبو سلمة، عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﵇ كان يقبلها وهو صائم". حدثنا يونس، قال: ثنا بشر-هو ابن بكر- قال: ثنا الأوزاعي ... فذكر مثله. حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: ثنا أبو سلمة، أن عائشة قالت: ... فذكر مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: "جمع له أبي أهلي في رمضان فأدخلهم علي، فدخلت على عائشة فسألتها عن القبلة -يعني للصائم- فقالت: ليس بذلك بأس، قد كان مَن هو خير الناس يُقبِّلُ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أسد، قال: ثنا يحيى بن حسان، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقبل وهو صائم". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن طلحة بن عبيد الله بن معمر، عن عائشة ﵂، أنها قالت: "أراد النبي ﵇ أن يقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم، فقبلني".

стр. 4304

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود، عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله ﵇ يمتنع من وجوهنا وهو صائم". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "انطلقت أنا وعبد الله بن مسعود إلى عائشة نسألها عن المباشرة، ثم خرجنا ولم نسألها، فرجعنا فقلنا: يا أم المؤمنين، أكان رسول الله ﵇ يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، وكان أملككم لإربه". فسؤال عبد الله عائشة ﵂ عن هذا دليل على أنه لم يكن عنده في ذلك شيء عن رسول الله ﵇ حتى أخبرته به عائشة عنه؛ فدل ذلك على أن ما روي عنه مما قد وافق ذلك كان متأخرًا عما روي عنه مما خالف ذلك. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود ومسروق، قالا: "سألنا عائشة: كان رسول الله ﵇ يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنه كان أملك لإربه منكما -أو لأمره- الشك لأبي عاصم". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع، عن حُريث بن عمرو، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ من قالت: "ربما قبلني رسول الله ﵇ وباشرني وهو صائم، وأما أنتم فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شيبان أبو معاوية، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون قال: "سألنا عائشة عن الرجل يقبل وهو صائم، فقالت: كان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرني إسرائيل، عن زياد، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﵇ يقبلني وأنا صائمة".

стр. 4305

حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: ثنا موسى بن عُلَيّ، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص قال: "بعثني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة زوج النبي ﵇ -فقال: سلها أكان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم؟ فقالت: لا، فقلت: إن عائشة ﵂ تخبر الناس أنه كان يقبل وهو صائم، فقالت: لعله أنه لم يكن يتمالك عنها حبًّا، أما إياي فلا". وقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ أنه كان يقبل وهو صائم، فدل ذلك أن القبلة غير مفطرة للصائم. ش: هذه عشرون طريقا في حديث عائشة ﵂: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- استشهد به البخاري، واحتج به الأربعة. عن أبيه عبد الله بن ذكوان روى له الجماعة، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ روى له الجماعة. وهذا إسناد حسن جيد. وأخرجه أحمد (١) في "مسنده": ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن علي بن حسين، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يقبل وهو صائم". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن عائشة.

стр. 4306

وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن علي ابن الحسن بن علي، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقبل وهو صائم". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز أبي الحسن البصري، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه مسلم (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى ... إلى آخره نحوه. الرابع: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبيد بن إسماعيل، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يقبل بعض نسائه وهو صائم ثم تضحك". ورواه أيضًا مالك (٣) عن هشام. الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وهو أيضًا صحيح.

стр. 4307

وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا حجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يقبل وهو صائم". السادس: أيضًا صحيح. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر، عن عبد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﵇ يملك إربه". قوله: "لأملك لإربه" أي لحاجته، يعني أنه كان غالبا لهواه. قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان: أحدهما: أنه الحاجة يقال فيها: الأَرَب والأَرْب والإِرْبة والمأْرُبَة. والثاني: يراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، وقال القاضي عياض: رويناه بكسر الهمزة والسكون عند أكثرهم ومعناه: وطره، قال الله : ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٣) الذين لا رغبة لهم ولا حاجة لهم في النساء، والإربة أيضًا العضو. قال الخطابي: كذا رواه أكثرهم، وإنما هو "لأَرَبه" أي وطره. السابع: أيضًا صحيح: عن إسماعيل بن يحيى بن المزني، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٤): أنا أبو إسحاق الفقيه، قال: أنا شافع بن

стр. 4308

محمَّد، قال: أنا أبو جعفر، قال: ثنا المزني قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان، قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم ... إلى آخره نحوه. ورواه مسلم (١) في "الصحيح": عن علي بن حُجْر وغيره، عن سفيان. الثامن: عن محمَّد بن عبد الله شيخ أبي داود أيضًا، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة ﵂. وأخرجه مسلم (٢) نحوه، ولكن عن أبي سلمة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة ﵂. التاسع: أيضًا صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة. وأخرجه البيهقي (٣) نحوه. العاشر: أيضًا صحيح: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن عائشة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا حجاج، نا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﵇ قبلها وهو صائم.

стр. 4309

الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- بن الوليد الرقام شيخ البخاري. عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. الثاني عشر: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن سعيد بن أسد المصري ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، نا يحيى بن حسان، نا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يقبل وهو صائم". وهذا الحديث لا نعلم رواه من حديث يحيى عن عمرة إلا الليث، ولا عن الليث إلا يحيى بن حسان، ولم نسمعه إلا من الحسن وكان ثقة مأمونًا. الثالث عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن طلحة بن عبيد الله، وهو طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي. عن عائشة ﵂. وهؤلاء كلهم رجال "الصحيح" ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن سعد بن

стр. 4310

إبراهيم، عن طلحة بن عبيد الله -يعني ابن عثمان القرشي- عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة". الرابع عشر: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن عمر بن أبي زائدة زكرياء الهمداني الثقة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو عاصم، نا عمر بن أبي زائدة، حدثني أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله ﵇ يمتنع من وجهي وهو صائم، وما مات حتى كانت أكثر صلاته قاعدًا إلا الصلاة المكتوبة، وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه الإنسان وإن كان يسيرًا". الخامس عشر: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري روى له الجماعة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي. وأخرج البخاري (١): عن سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "كان النبي ﵇ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه". وأبو داود (٢): نا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه". وأخرج البيهقي (٣): من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، أن علقمة
следующие страницы →