← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. قوله: حماد بن سلمة، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، أحد مشايخ أبي حنيفة. قوله: "كنت أفركه" أي: المني. ص: حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قزعة بن سُوَيْد، قال: حدثني حميد الأعرج وعبد الله ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة، مثله. ش: قزعة فيه مقال. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن يحيى الأزدي، نا عاصم بن [مهجع] (١) نا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﵇" وليس فيه: "ثم يصلي فيه". ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا عيسى بن ميمون، قال: ثنا القاسم بن محمَّد، عن عائشة مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو الثاني والعشرون من الطرق التي رويت عن عائشة كما ذكرنا، وعيسى بن ميمون مولى القاسم، ضعيف وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٢): ثنا عباد بن منصور، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله ﵇ ولا يغسل مكانه".

стр. 457

ص: قالوا: ففي هذه الآثار أنها كانت تفرك المني من ثوب الصلاة، كما تفركه من ثوب النوم. قال أبو جعفر: وليس في هذا عندنا دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون كانت تفعل به هذا، فيطهر بذلك الثوب، والمني في نفسه نجس؛ كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى. حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله؛ فطهورهما التراب". قال أبو جعفر ﵀: فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روينا في المني، يحتمل أن يكون كان حكمه عندهم كذلك، يطهر الثوب بإزالتهم إياه عنه بالفرك، وهو في نفسه نجس، كما كان الأذى يطهر النعل بإزالتهم إياه عنها وهو في نفسه نجس. ش: أي قالت أهل المقالة الأولى: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث التي رواها علقمةُ والأسود وهمامٌ ومجاهدُ والقاسمُ بن محمَّد عن عائشة: "أنها كانت تفرك المَني من ثوب الصلاة كما كانت تفركه من ثوب النوم" فهذا يدل على طهارة المَني، وأجاب عن ذلك بقوله: "وليس في هذا" أي فيما قلتم ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "أن يكون كانت" أي عائشة ﵂ والضمير في "أن يكون" يرجع إلى الشأن أو الأمر المقدر، وهو اسمه. قلت: "كانت تفعل به" في محل النصب، خبره. قوله: "والمني نجس في نفسه" جملة إسمية وقعت حالا. ثم الحديث المذكور صحيح، ومحمد بن كثير الصنعاني وإن كانوا تكلموا فيه ولكن ابن حبان وثقه.

стр. 458

وروى الحديث في "صحيحه" (١): بغير هذا الإسناد عن أبي سعيد الخدري. والحاكم في "مستدركه" (٢): وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأبو داود (٣): رواه بهذا الإسناد حيث قال: ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب". وقال النووي في "الخلاصة": رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان: هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة. ورواه أبو داود (٤) أيضًا من حديث عائشة ﵂: ثنا محمود بن خالد، ثنا محمَّد يعني ابن عائذ، نا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن محمَّد بن الوليد، قال: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇ معناه، أبي معنى حديث أبي هريرة. وقال المنذري: حديث عائشة حديث حسن، غير أنه لم يذكر لفظه. قلت: رواه ابن عدي في "الكامل" (٥): عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي، عن سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول الله ﵇[عن] (٦) الرجل يطأ بنعليه في الأذى، قال: التراب لهما طهور". فإن قلت: قال الدارقطني: مدار الحديث علي ابن سمعان وهو ضعيف. قال ابن الجوزي: قال مالك: هو كذاب. وقال أحمد: متروك الحديث.

стр. 459

قلت: ذكر صاحب "الكمال": قال أبو زرعة، حدثني أحمد بن صالح، قال: قلت لابن وهب: ما كان يقول مالك في ابن سمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بعض. وروى له الترمذي مقرونا بيونس بن يزيد. ورواه أيضًا أبو داود (١): من حديث أبي سعيد الخدري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: "بينما رسول الله ﵇ يُصلي بأصحابه؛ إذ خَلَع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﵇ صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟! قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله ﵇: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرا. وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى، فلْيمسحه، وليصلي فيهما". وأخرجه ابن حبان (٢) أيضًا نحوه. قوله: "الأذى" أرادَ به النجاسة. و"النعل" الحذاء مؤنثة، وتصغيرها نعيلة. وقال ابن الأثير: وهي التي تلبس في المشي وتُسمى الآن تاسُومة. واستدلت أصحابنا بهذه الأحاديث أن الخف ونحوه إذا أصابته النجاسة التي لها جرم كالروث، والعذرة، والدم، والمني، فجفَّت، فدلكه بالأرض جاز؛ خلافا لمحمد، وكان الأوزاعي يستعمل هذه الأحاديث على ظاهرها، وقال: يجزئه أن يمسح القذر من نعله أو خفه بالتراب، ويصلي فيه. وروي مثله عن عروة بن الزبير، وكان النخعي يمسح النعل والخف يكون فيه السِّرقين عند باب المسجد ويصلي بالقوم، وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحا ولا أثرا: رجوت أن يجزئه.

стр. 460

وقال الشافعي: لا تطهر النجاسات إلَّا بالماء، سواء كانت في ثوب أو حذاء. وبه قال مالك وأحمد وزفر، والحديث حجة عليهم، ثم بإطلاق الحديث أَخذَ أبو يُوسف، حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح، سواء كان النجس رطبا أو يابسا. وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى: النجاسة العينية اليابسة؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشارا وتلوثا. فإن قيل: الحديث مطلق؛ فلِمَ قيده أبو حنيفة هذا القيد؟ قلت: التي لا جرم لها خرجت بالتعليل، وهو قوله: "فطهورهما التراب" في رواية أبي جعفر، وفي رواية أبي داود: "قال: الشراب طهور" أي يزيل نجاسته، ونحن نعلم يقينا أن النعل والخف إذا تشرب البول أو الخمر لا يزيله المسح، ولا يخرجه من أجزاء الجلد، فقال: إطلاق الحديث مصروف إلى الأذى الذي يقبل الإزالة بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمل أو الشراب فجف؛ فإنه يطهر أيضًا بالمسح -على ما قال شمس الأئمة؛ وهو الصحيح- فلا فرق أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها، هكذا ذكره الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإِمام أبو بكر محمد بن الفضل عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل ذلك؛ إلَّا أنه لم يشترط الخفاف. وذكر في "الجامع الصغير" في النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف والنعل وحَكّه أو حته بعد ما تبيّن؛ أنه يطهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر في الأصل: إذا مسحهما بالتراب تَطْهر. قال مشايخنا: لولا المذكور في "الجامع الصغير" لكنا نقول لا يطهران ما لم يمسحهما بالتراب؛ لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة، فالمذكور في "الجامع الصغير" أن الحك له أثر. وقال القدوري في شرحه: ومعنى قول أبي حنيفة في هذه المسألة: إن الخف والنعل يطهران في حق جواز الصلاة معه،

стр. 461

أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسا -على إحدى الروايتين- وأصل المسألة الأرض إذا ذهب أثر النجاسة عنها ثم أصابها الماء فإنه يعود حكم النجاسة على إحدى الروايتين. والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فالذي وقَفْنا عليه من هذه الآثار المروية في المنّي: هو أن الثوب يطهر مما أصابه من ذلك بالفرك إذا كان يابسا، ويُجزِئ ذلك من الغسل، وليس في شيء من هذا دليل على حكمه هو في نفسه؛ طاهر هو أم نجس؟ فذهب ذاهب إلى أنه قد روي عن عائشة ﵂ ما يدل على أنه كان عندها نجسا، فذكر في ذلك. ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها قالت في المني إذا أصاب الثوب: "إذا رأيته فاغسله، وإن لم تره فانضحه". ش: لما ذكر أن أحاديث الفرك لم تَدلّ قطعا على طهارة المني؛ لاحتمال أَنْ يَطهر الثوب بالفرك والمني في نفسه نجس، كما في مسألة النعل؛ فإنه يَطْهُر بالمسح والذي أصابه في نفسه نجس، وأن ذلك كان احتمالا، وبالاحتمال لا تقوم الحجة؛ أشار هنا إلى أن الذي يُوقفُ عليه من الآثار المذكورة: هو أن الثوب يَطهُر مما أصابه من المني بالفرك إذا كان يابسا، وليس فيه دليل يَدُل على حكم المَني في نفسه، هل هو طاهر أم نجس؟ يعني الدليل الصريح، وذكر أن طائفة من الأصحاب قالوا: إنه نجس في نفسه، واحتجوا على ذلك بحديث عائشة هذا؛ لأن قولها: "اغسله" يدل على أنه كان عندها نجسا؛ إذ لو لم يكن نجسا لما أمرَت بغسله عند الرؤية، وبالنضح عند عدمها، فرد الطحاوي هذا بقوله: قيل له ما في ذلك دليل على ما ذكرت على ما يأتي، ثم تبين أن نجاسته بطريق النظر والقياس على ما نحرره، إن شاء الله تعالى. وإسناد هذا الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود.

стр. 462

قوله: "فانضحه" أبي انضح عليه شيئا من الماء، والنضح: الرش بالحاء المهملة، وأما بالمعجمة فهو الأثر يبقى في الثوب وغيره، قال أبو زَيد: النضح بالحاء المهملة الرش مثل النضخ بالخاء المعجمة وهما سواء، وإنما أَمَرَت بالنضح عند عدم الرؤية؛ للاحتياط، وقطعا للوسوسة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: أنا أبو بكر بن حفص، قال: سمعت عمتي تُحدِّث، عن عائشة ﵂ مثله. ش: عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، أبو عبد الله، ثقة. وأبو بكر بن حفص بن عمر بن سَعْد بن أبي وقاص القرشي الزهري، واسمه عبد الله، روى له الجماعة. وعمته: الظاهر أنها عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وهي عمة أبيه فقال: عمتي تجوزا؛ لأنه لا يُعْرف في آل سَعْدٍ امرأة لها رواية غيرها، وقد أدركها أبو بكر بن حفص؛ لأنه روى عن جده عمر بن سَعْد؛ فبالضرورة يكون روى أيضًا عن أخت عمر التي هي عمة أبيه، وعائشةُ هذه روى لها البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. إسناد صحيح، وقد روي عن أبي هريرة وسالم نحوه.

стр. 463

قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي هريرة: "أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيت أثره فاغسله، وإن علمت أن قد أصابه ثم خفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككت فلم تدر أصاب الثوب أم لا فانضحه". ثنا (٢) محبوب القواريري، عن مالك بن حبيب، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: "سأله رجل فقال: إني احتلمت في ثوبي. قال: اغسله. قال: خفي عليَّ. قال: انضخه بالماء". ص: قال: فهذا قد دلّ على نجاسته عندها. قيل له: ما في ذلك دليل [على ما ذكرت] (٣) لأنه لو كان حكمه عندها حكم سائر النجاسات من الغائط والبول والدم؛ لأمرت بغسل الثوب كله إذا لم يعرف موضعه منه، ألا ترى أن ثوبا لو أصابه بول فجف مكانه، أنه لا يطهره النضح؛ فإنه لا بد من غسله كله حتى يعلم طهوره من النجاسة، فلما كان حكم المني عند عائشة إذا كان موضعه من الثوب غير معلوم النضح؛ ثبت بذلك أن حكمه كان عندها بخلاف سائر النجاسات. ش: أي قال هذا الذاهب المذكور عند قوله: "فذهب ذاهب إلى أنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه كان عندها نجسا، وأشار بقوله: "قيل له". أبي: لهذا الذاهب: ما فيما قلت دليل على ما ادّعيت، والباقي ظاهر. ص: قال أبو جعفر ﵀: وقد اختلف أصحاب النبي ﵇ في ذلك، فروي عنهم في ذلك: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا حُصَينٌ، عن مُصْعب بن سعد، عن أبيه: "أنه كان يفرك الجنابة عن ثوبه".

стр. 464

فهذا يحتمل أن يكون كان يَفُعل ذلك؛ لأنه عنده طاهر، ويحتمل أن يكون كان يَفعلُ ذلك كما يَفعلُ بالرَوث المحكوك من النعل؛ لا لأنه عنده طاهر. ش: "في ذلك". أبي في حكم المني هل هو طاهر أم نجس؟ فمن ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ "أنه كان يفرك الجنابة" فهذا يحتمل مثل احتمال ما في بعض أحاديث عائشة ﵂، فلم يدل على أنه طاهر عنده أو نجس. وإسناد حديثه صحيح على شرط الشيخين وسعيد: هو ابن سليمان الواسطي المعروف بسَعْدُويه. وحُصن -بضم الحاء- هو ابن عبدِ الرحمن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن هشيم، عن حصين، عن مصعب بن سَعد، عن سعد: "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" والجنابة: المني. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدّثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب ﵁ في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر- ﵁ عرس ببعض الطريق، قريبا من بعض المياه، فاحتلم عمر بن الخطاب، وقد كاد أن يصبح، فلم يجد ماءً في الركب، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك. فقال عمر ﵁: بل أغسل ما رأيت، وانضح ما لم أره". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ويونس شيخه. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أن عمر أصابته جنابة وهو في سفر، فلما أصبح، قال: أترونا ندرك الماء قبل طلوع الشمس؟ قالوا: نعم فأسرع المسير حتى أدرك، فاغتسل، وجعل يغسل ما رأى من الجنابة في

стр. 465

ثوبه، فقال له عمرو بن العاص: لو لبست ثوبا غير هذا وصليت؟ فقال له عمر: إن وجدت ثوبا وجده كل إنسان؟! إني لو فعلت لكان سُنة، ولكني أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر". قوله: "في رَكبْ" بفتح الراء، وهم أصحاب الإبل في السفر، دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والجمع أَرْكُبْ، والرَّكَبَةُ -بالتحريك-: أقل من الركب، والأركوب -بالضم-: أكثر من الركب، والركبان الجماعة منهم، والرُكَّاب: جمع راكب، يقال: هم رُكَّابُ السفينة. قوله: "عَرَّس" بتشديد الراء: من التعريس، وهو نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقفون وقفة للاستراحة، ويرتحلون، وأَعْرَسَ: لغة فيه قليلة، والموضع: مُعرِّسٌ ومُعْرَسٌ، والعِرِّيس: موضع الأسد. قوله: "إن وجدتُ وجده كل إنسان؟ " يعني إن وجدت أنا الثوب، فهل وجده كل إنسان؟!. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت، أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرَف، فنظر فإذا هو قد احتلم ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلَّا احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت، فاغتسل وغَسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم يَرَ". ش: هذا أيضًا إسناده صحيح، وزُيَيّد -بضم الزاي المعجمة وبيائين آخر الحروف، أولاهما مفتوحة، والأخرى ساكنة- ابن الصلت الكندي، وثقة ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة (١) مختصرا: عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زُييد بن الصلت: "أن عمر بن الخطاب ﵁ غسل ما رأى، ونضح ما لم ير، وأعاد بعد ما أضحى متمكنا".

стр. 466

قوله: "إلى الجُرف" بضم الجيم والراء: موضع قريب من المدينة، وهي في الأصل ما تجرفه السيول وأكلته من الأرض. قوله: "ما أراني" أي ما أرى نفسي. قوله: "وما شعرت" أي وما علمتْ. قوله: "ما رأى في ثوبه" أي من المني. ص: قال أبو جعفر ﵀: فأما ما رُوي عن يحيى بن عبد الرحمن، عن عمر، فهو يدل على أن عمر فعل ما لا بد له منه؛ لضيق وقت الصلاة ولم ينكر ذلك عليه أحد ممن كان معه، فدل ذلك على متابعتهم إياه على ما رأى من ذلك، وأما قوله: "وأنضح ما لم أر" فإن ذلك يحتمل أن يكون أراد به: وانضح ما لم أره مما أتوهم أنه أصابه ولا أتيقن ذلك؛ حتى يقطع ذلك (الشك عنه) (١) فيما يستأنف، ويقول: هذا البلل من الماء. ش: ملخص هذا الكلام: أن هذا من عمر ﵁ لا يدل على طهارة المني عنده، ولا على نجاسته، كما هو هكذا في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال في المني يصيب الثوب: "إَنْ رأيته فاغسله، وإلَّا فاغسل الثوب كله". قال أبو جعفر ﵀: فهذا يدل على أنه قد كان يراه نجسا. ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاري وغيره. والزهري: هو محمَّد بن مسلم.

стр. 467

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي هريرة، أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله، وإن علمت أن قد أصابه ثم خفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككت فلم [تدر] (٢) أصاب الثوبَ أم لا؟ فانضحه". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيان، عن حبيب -يعني ابن أبي ثابت- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "امسحه بإذخر". فهذا يدل على أنه قد كان يراه طاهرا. ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين. وسفيان هو الثوري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. قوله: "امسحه" أي المني، والدليل عليه في رواية ابن أبي شيبة عن ابن عباس في المني: "امسحه -ويُروى امسحوا- بإذخرة". ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، نحوه. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وعبد الرحمن: هو ابن زياد الرّصاصي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا هُشيم، أنا حجاج وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة، أَمِطْه عنك بخرقةٍ، أو بإذخرة".

стр. 468

قوله: "أَمِطْه" أي أزله، من أَمَاطَ يُمِيطُ. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن مِسْعر، عن جبلة بن سحيم: "قال: سألت ابن عمر عن المني يُصيبُ الثوب. قال: انضحه بالماء". قال أبو جعفر ﵀: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح: الغَسْل؛ لأن النضح قد يُسَمي غسلا، قال رسول الله ﵇: "إني لاعرف مدينة ينضح البحر بجانبها" يعني يضرب البحر بجانبها، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد غير ذلك. ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قوله: "لأن النضح قد يُسَمّي غَسْلا"، وفي "المطالع" قوله: ونضح الدمَ عن جبينه أي غسله ونزعه، والنضح الصَبُّ أيضًا، والنضخُ: الرَشّ، ومنه حديث بول الصبي: "فنضحه ويقال: غسله". وقوله: "وانضح فرْجَك بالماء" أي رُشَّه؛ مخافة الوسواس. وقيل: اغسله. وهو أظهر هنا، وفي حديث دم الحيض "تقرصه بالماء ثم لتنضَحْه" أي تغسله، فإن قلت: أصَل النضح الرشّ. يقال: نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه. قلت: قد يستعمل في معنى الغسل كما ذكرنا، وإذا أكثر الرش يكون غسْلا. واستدل الطحاوي على أن النضح قد يُسَمّي غَسْلا بحديث نضح البحر، أخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد، أنا جرير، أنا الزبير بن خِرّيت، عن أبي لبيد، قال: "خرج رجل من ضاحية مهاجرا، يقال له: بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﵇ فرآه عمر ﵁ فعلم أنه غريب، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من

стр. 469

أهل عُمان. قال: من أهل عمان؟! قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر ﵁ -فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعْت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم أرضا يَقال لها: عُمان، ينضحُ بناحيتها البحرُ بها [حي من العرب] (١) لو أتاهم رسولي ما رَمَوْهُ بسهم ولا حجر". وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" (٢). قوله: "ويحتمل أن يكون ابن عمر ﵄ أراد غير ذلك" كأن يريد من النضح الرش لا الغَسل، ويكون ذلك محمولا على ما إذا خفي مكانه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك ابن عمير، قال: سئل جابر بن سمرة، عن الرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله. قال: "صَلِّ فيه؛ إلَّا أن ترى فيه شيئًا فتغسله ولا تنضحه؛ فإن النضح لا يزيده إلَّا شرا". ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة: بكار. وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك. وأبو عوانة: الوضّاح اليشكري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣) مرفوعًا: عن عبد الله بن ميمون، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو- وعن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: "سمعت رجلًا يسأل النبي ﵇ قال: أُصلِّي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم؛ إلَّا أن ترى فيه شيئًا، فتغسله". وقال أبو عبد الرحمن: [قال أبي] (٤) هذا الحديث لا يُرْفَعُ عن عبد الملك.

стр. 470

قوله: "فَتَغْسِلَهُ" بالنصب؛ عطفا على قوله: "أن ترى". وكذا قوله: "ولا تَنْضَحَه" بالنصب عطفا عليه، ويجوز الجزم فيه؛ على النهي. قوله: "إلَّا شَرا" أراد به الأقذار. كما في رواية ابن أبي شيبة (١): عن ابن عليه، عن أيوب، عن الحكَم -في الجنابة في الثوب- قال: "إن رأيته فاغسله، وإن لم تره فدعْه، ولا تنضحه بالماء؛ فإن النضح لا يزيده إلَّا قذرا". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا السريٌّ بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، قال: سْئِل أنس بن مالك عن قطيفة أصابتها جنابة لا ندْري أين موضعها؟ قال: اغسِلْها". ش: هذا إسناد صحيح بصريُّ. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن السري بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، عن أنس: "في رجل أجنب في نومه لم يَرَ أثره- قال: يغسله كله". فهذا يدل على أن أنسا كان يراه نجسا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فلما اختلف فيه هذا الاختلاف؛ ولم يكن فيما روينا عن رسول الله ﵇ دليل على حكمه كيف هو؟ اعتبرنا ذلك من طريق النظر، فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث؛ لأنه يُوجبُ أكبر الطهارات، فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث، كيف حكمها في نفسها؟ فرأينا الغائطَ والبولَ خروجهما حدثٌ، وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث، وهما نجسان في أنفسهما، ودمُ العروق كذلك في النظر، فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما كان خروجه حدثا فهو نجسٌ في نفسه، وقد ثبت أن خروج المني حدث،

стр. 471

ثبت أيضًا أنه في نفسه نجسٌ، فهذا هو النظر فيه، غير أنَّا اتَّبَعْنَا في إباحة حكه إذا كان يابسا ما روي في ذلك عن النبي ﵇ وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: ملخصه: لَمَّا لم يدل دليل قطعا من الأحاديث المذكورة والآثار المروِّية على نجاسة المني ولا على طهارته؛ لكثرة الاختلاف فيها؛ رجعنا إلى بيان حكمه بالنظر والقياس، فنقى: المني حدث؛ لأنه خارج من سبيل، وكل خارج من سبيل نجس؛ فالمني نجس. قوله: "غير أنا اتبعنا ... " إلى آخره. جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا ثبت كون المني نجسا كان الواجب غسله مطلقا، رطبا كان أو يابسا كسائر النجاسات. فأجاب عنه: بأن القياس كان يقتضي ما ذكرتم، ولكنا تركناه بالأحاديث الواردة بالفرك في يابسه. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أي: كون المني نجسا، قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول مالك أيضًا كما ذكرنا، وفي "الجواهر" للمالكية: المني نجس، وأصله دم، وهو يمر في ممر البول، فاختلف في سبب التنجيس هل هو رَدُّه إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وعلى تحقيقه يخرج حكم طهارة مني ما يؤكل من الحيوان. والله أعلم.

стр. 472

ص: باب: الرجل الذي يجامع ولا ينزل ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل يجامع ولا يُنْزِل من المني، كيف يكون حكمه؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفي. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجُهني: "أنه سأل عثمان ﵁ عن الرجل يجامع فلا ينزل، قال: ليس عليه إلَّا الطهور، ثم قال: سمعته من النبي ﵇ -قال: وسألت علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب ﵃ فقالوا ذلك". قال: وأخبرني أبو سلمة، قال حدثني عروة، أنه سأل أبا أيوب فقال ذلك". ش: إسناده صحيح، ورجالُه رجال الصحيحين ما خلا يزيد، وهو أيضًا ثقة، وروى عنه النسائي. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو نُعَيم، قال: ثنا عبد الوارث، عن الحسين المعلم، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسَار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان فقال: "أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ فقال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. وقال عثمان ﵁ سمعته من رسول الله ﵇ فسألت [عن] (٢) ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك" وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﵇.

стр. 473

وأخرجه مسلم (١): عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن الحسن ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه: "قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره". قوله: "ليس عليه إلَّا الطهور" أراد به: الوضوء، كما جاء مفسرا في رواية الشيخين. ص: حدثنا يزيدُ، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الوارث ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر عليّا، ولا سؤال عروة أبا أيوب. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن يزيد بن سنان، عن موسى بن إسماعيل التَبُوذكي البصري، شيخ البخاري. وأخرجه البزار في "سننه" (٢) وقال: ثنا محمَّد بن عثمان بن كرامة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني: "أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا يُنْزِل، فقال: ليس عليه إلَّا الوضوء. وقال عثمان أشْهَدُ أني سمعتُ ذلك من رسول الله ﵇". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الوارث، عن حُسَين المعلم، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يَسار، عن زيد بن خالد، قال: "سألت عثمان عن الرجل يُجامعُ أهله ثم يكسل، قال: ليْس عليه غُسْل. فأتيتُ الزبير بن العوام وأبي بن كعب، فقالا مثل ذلك، عن النبي ﵇". ش: هذا طريق آخر عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني ... إلى آخره.

стр. 474

وأخرجه البيهقي (١) من حديث حسين المعلم، عن يحيى، أن أبا سلمة حدثه، أن عطاء بن يسَار حدثه، أن زيد بن خالد الجهني حدثه: "أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقال: ليس عليه غسل، ثم قال: سمعته من رسول الله ﵇ فسألت بعد ذلك عليَّا والزبيرَ وطلحةَ وأُبَيّا، فقالوا مثل ذلك، عن النبي ﵇". قوله: "يكسل" من الإكسال؛ يُقال: أكسل الرجل في الجماع، إذا خالط أهله ولم يُنْزل، وأصله من الكَسَلِ، وهو التثاقلُ عن الأمْر، وقد كَسِلَ -بالكسر- فهو كسلان، وقوم كسالى، وإن شئت كسرت اللام. ص: حدثنا يزيد، قال ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة. قال: وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب الأنصاري، عن أُبي بن كعب ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس في الإكسال إلَّا الطُهُور". ش: هذان طريقان صحيحان من حديث أبي بن كعب ﵁ الأول: عن يزيد بن سنان، عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا سُوَيْد بن عَمْرو، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه سواء. الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن هشام بن عروة، ونا أبو كريب -واللفظ له - قال ثنا: أبو معاوية، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن

стр. 475

أبي أيوب، عن أبي بن كعب، قال: "سألت رسول الله ﵇ عن الرجل يُصيب من المرأة ثم يكْسل، فقال: يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصل". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم، قال: أنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري، عن أبي بن كعب، قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع فيكسل، قال: يغسل ما أصابه، ويتوضأ وضوءه للصلاة". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ونعيم هو ابن حماد الأعْوَر، نزيل مصر، روى له البخاريّ. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن سعيد، أنا هشام بن عروة، أخبرني أَبي، أخبرني أبو أيوب، أن أُبَيّا حدّثه قال: "سألت رسول الله ﷺ ، قلت: الرجل يجامع أهله فلا ينزل. قال: يَغْسل ما مسّ المرأة منه، ويتوضأ ويصلي". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بَشّار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن عُروة بن عياض، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "قلت لإخواني من الأنصار: اتركوا الأمر كما تقولون: الماء من الماء؛ أرأيتم إن أَغْتَسِلُ؟ فقالوا: لا والله، حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله". ش: إسناده صحيح، وعروة بن عياض بن عمرو بن عبد القاري، روى له مسلم. وأبو سعيد الخدري: اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته. وأخرجه أبو العباس السراج في "مسنده": ثنا روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن ابن عياض أخبره، أن أبا سعيد كان ينزل في دارهم، وأن أبا سعيد أخبره: "أنه كان يقول لأصحابه: أرأيتم لو اغتسلتُ وأنا

стр. 476

أعرف أنه كما تقولون؟ قالوا: لا حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله، في الرجل يأتي امرأته ولا يُنزل". قوله: "اتركوا الأمر كما تقولون: الماء من الماء" أي: اتركوا العمل بهذا القول، أو اتركوا أمركم للناس، بألَّا تغتسلوا إلَّا من الإنزال. قوله: "أرأيتم" معناه أخبروني. قوله: "إن أَغْتسل" خبر إن محذوف، يعني: إن أغتسل أنا من الاكسال، ماذا يترتب عليَّ؟ فقالوا- أي الأنصار: لا، والله ما نترك قولنا بهذا، ولا نأمرك بالاغتسال، حتى لا يكون في نفسك حرج -أي ضيق- مما قضى الله ورسوله- أي مما حكم الله ورسوله. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ مرَّ على رجل من الأنصار، فدعاه؛ فخرج إليه ورأسه يقطرُ ماء، فقال: لعلَّنَا أعجلناك؟ قال: نعم. قال: فإذا أُعجلت أو قُحِطْتَ فعليك الوضوء". ش: إسناده صحيح، والحكم: هو ابن عُتَيْبَة. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا غُنْدر، عن شعبة. ونا محمَّد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ مرّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر ماء، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: إذا أُعْجلْت أو (قُحِطت) (٢) فلا غسل عليك، وعليك الوضوء".

стр. 477

وأخرجه البخاري (١): عن إسحاق بن منصور، عن النضر، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. قوله: "ورأسه يقطر" جملة إسمية وقعت حالا. قوله: "فإذا أُعْجلْت" بضم الهمزة وكسر الجيم، يقال: أعجله وتَعَجَّله وعَجَّله، تعجيلا: إذا استحثَّه. قوله: "أو قُحِطْتَ" بدون الألف، وكذا في رواية الشيخين؛ قاله ابن بطال، ويقال بالألف، وذكر صاحب "الأفعال": أنه يقال: أُقْحِط الرجل: إذا أَكْسَلَ في الجماع عن الإنزال، ولم يذكر قُحِطَ. وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قَحِطْتَ بفتح القاف. وقال عبد الله بن أحمد النحوي: أصحابي يقولون: بضم القاف. وفي "المطالع": ورُوي "أُقحطت" بضم الهمزة، يقال: قَحَطَ وقُحِطَ، كل ذلك إذا لم ينزل، وقَحِطت السماء، وقُحِطَت وقَحَطَت إذا لم تمطر. وقال أبو علي: قَحِط المطرُ وقُحِط الناسُ والأرض، وأُقْحِطوا وقُحِطوا وأَقْحَطوا. انتهى. ومعنى الإقحاط: عدم الإنزال، وهو استعارة من قحوط المطر: وهو انحباسُه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب أخبره، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، [أن] (٢) رسول الله ﵇ قال: "الماء من الماء". ش: إسناده صحيح، وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم، وأبو سلمة: عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف.

стр. 478

وأخرجه مسلم (١) وقال: ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه. قوله: "الماء من الماء" يعني وجوب الغسل من إنزال المني، وقد استدل أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة بهذا الحديث أن التخصيص باسم العَلَم يوجب نفي الحكم عما عداه؛ وذلك لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالإكسال -وهو أن يفتر الذكر بعد الإيلاج قبل الإنزال- من قوله - علية السلام -: "الماء من الماء" أي الاغتسال واجب من المني، فالماء الأول هو المُطَهر، والثاني هو المني، "ومن" للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب، وقد فهموا التخصيص منه، حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالأكسال؛ لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجبا للنفي عما عداه؛ لما صح استدلالهم على ذلك، والجواب عن ذلك: أنه ليس ذلك من دلالة التنصيص على التخصيص، بل إنما هو من اللام المعرّفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، ونحن نقول هذا الكلام للاستغراق والانحصار كما فهمها الأنصار، لكن لما دل الدليل -وهو الإجماع- على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس، أيضًا نفي الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمَني، وصار المعنى: جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني تنحصر فيه لا تثبت لغيره. فإن قيل: فعل هذا ينبغي ألَّا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء. قلت: الماء فيه ثابت تقديرا؛ لأنه تارة يثبت عيانا كما في حقيقة الإنزال، ومرة دلالة كما في التقاء الختانين؛ فإنه سبب لنزول الماء، فأقيم مقامه؛ لكونه أمرا خفيّا كالنوم أقيم مقام الحدث، لتعذر الوقوف عليه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال ثنا سفيان بن عُيينة، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن السائب، عن عبد الرحمن بن سُعاد، عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﵇ مثله.

стр. 479

ش: رجاله ثقات وعبد الرحمن بن السائب، ويقال: ابن السائبة، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي (١) وابن ماجه هذا الحديث. وأبو أيوب الأنصاري: اسمه خالد بن يزيد. وأخرجه ابن ماجه (٢)، عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن ابن السائب، عن عبد الرحمن بن سعاد، عن أبي أيوب قال: قال النبي ﵇: "الماء من الماء". ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا العلاء بن محمد بن سنان، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "بعث رسول الله ﵇ إلى رجل من الأنصار، فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت أصيب من أهلي فلما جاء رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئًا. فقال رسول الله ﵇: الماء من الماء، والغسل على من أنزله. ش: العلاء بن سنان المازني ضعفه يحيى وغيره. ومحمد بن يحيى بن علقمة فيه مقال. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. وقد رأيت أن الطحاوي أخرج حديث: "الماء من الماء" عن ثلاثة من الصحابة وهم: أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة. وفي الباب عن: عتبان الأنصاري، وحديثه عند أحمد (٣): رواه بإسناده عن عتبان أو ابن عتبان الأنصاري قال: "قلت: يا نبي الله؛ إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك، أقلعتُ، فاغتسلت. فقال رسول الله ﵇: الماء من الماء".

стр. 480

وعن رافع بن خديج، وحديثه عند الطبراني (١) وأحمد (٢) عنه، قال: "ناداني رسول الله ﵇ وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أُنْزِل، فاغتسلت، فأخبرته: إنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم (أُمْنِ) (٣) فاغتسلت. فقال رسول الله ﵇: لا عليك، الماء من الماء" (٤). وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وحديثه عند أبي يعلي (٥) بإسناده عنه قال: "انطلق رسول الله ﵇ في طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله ﵇ ما لرأسك؟ قال: دعوتني وأنا مع أهلي، فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت، فقمت وَصَبَبتُ عليَّ الماء، ثم خرجت. فقال: هل كنتَ أنزلتَ؟ قال: لا. قال: إذا فعلت ذلك فلا تغتسلن؛ اغسل ما مسّ المرأة منك، وتوضأ وضؤك للصلاة، فإن الماء من الماء" وأخرجه البزار أيضًا. وعن عبد الله بن عباس، وحديثه عند البزار: بإسناده عنه قال: "أرسل رسول الله ﵇ إلى رجل من الأنصار، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ قال: كنتُ حين أتاني رسولك على المرأة، فقمت، فاغتسلت. فقال: وما كان عليك ألَّا تغتسل ما لم تنزل؟ قال: فكان الأنصار يفعلون ذلك". وأخرجه أبو يعلى (٦) أيضًا وفي إسناده أبو سعيد وهو ضعيف. وعن عبد الله بن عبد الله بن عقيل وحديثه عند معمر بن راشد في "جامعه" (٧): عنه قال: "سلم النبي ﵇ على سَعد بن عبادة ثلاثا فلم يأذن له؛ كان على حاجته،

стр. 481

فرجع النبي ﵇، فقام سَعد سريعا، فاغتسل، ثم تبعه فقال: يا رسول الله، إني كنت على حاجة، فقمت فاغتسلت. فقال ﷺ : "الماء من الماء". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن من وطئ في الفرج ولم يُنزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وأبا سلمة وهشام بن عروة وسليمان الأعمش وداود. وفي "المحلى": وممن رأى ألَّا غسل في الإيلاج في الفرج إن لم يكن إنزال عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشر، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصار ﵃ وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظاهر. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي في عدم وجوب الغسل بالايلاج بلا إنزال. ص: وخالفهم ذلك آخرون، فقالوا: عليه الغسل وإن لم يُنزل. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وبعض أصحاب الظاهر. وقال ابن حزم (١): ورُوي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، والمهاجرين ﵃. وقال أيضًا: الأشياء الموجبة غسل البدن كله إيلاج الحشفة، أو إيلاج مقدارها من الذكر الذاهب الحشفة أو الذاهب أكثر الحشفة في فرج امرأة الذي هو مخرج الولد منها بحرام أو حلال، إذا كان بعمد، أنزل أو لم ينزل، فإن عمدت هي أيضًا كذلك

стр. 482

فكذلك، أنزلت أو لم تُنزل، فإن كان أحدهما مجنونا، أو سكرانا، أو نائما أو مغمي عليه، أو مكرها، فليس على من هذه صفته منهما إلَّا الوضوء فقط إذا أفاق أو استيقظ، إلَّا أَنْ يُنزل، فإن كان أحدهما غير بالغ فلا غسل عليه ولا وضوء، فإذا بَلَغَ؛ لزمه الغسل فيما يحدث لا فيما سلف له من ذلك والوضوء. وفي "المغني" (١) لابن قدامة: تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل، سواء كانا مُخْتَتَنَيْن أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه ختانها أو لم يُصبه، ولو ألصق الختان بالختان من غير إيلاج فلا غسل بالاتفاق. ويجب الغسل سواء كان الفرج قبلا أو دبرا، من كل حيوان آدمي أو بهيم حيّا أو ميتا، طائعا أو مُكْرَها، نائما أو مستيقظا، وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء البهيمة والميتة. وقال أيضًا: فإن أولج بعض الحشفة، أو وطئ دون الفَرْج أو في السرة، لم يجب الغسل؛ لأنه لم يوجد إلتقاء الختانين، فإن انقطعت الحشفة فكان الباقي من ذكره قدر الحشفة فأولج؛ وجب الغسل، وتعلقت به أحكام الوطء من المهر وغيره. فإن أولج في قبل خنثى مشكل، أو أولج الخنثى ذكره في فرج، أو وطئ أحدهما الآخر في قبله فلا غسل على واحد منهما؛ لأنه يحتمل أن تكون خلقة زائدة، فلا نزول عن يقين الطهارة بالشك. وإذا كان الواطيء صغيرا، أو الموطوءة صغيرة، فقال أحمد: يجب عليهما الغسل. وقال: إذا (أتى) (٢) على الصبية تسع سنين ومثلها يوطأ، وجب عليها الغسل. وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ، فجامع المرأة يكون عليهما جميعًا الغسل؟ قال: نعم. قيل له: أنزل أو لم يُنزل؟ قال: نعم.

стр. 483

وحَمَل القاضي كلام أحمد على الاستحباب، وهو قول أصحاب الرأي وأبي ثور. انتهى. وقال أصحابنا: والتقاء الختانين يوجب الغسل، أي مع تواري الحشفة فإن نفس ملاقاة الفرج، الفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، ولكن يوجب الوضوء عندهما، خلافا لمحمد، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى. وفي "المحيط": ولو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت، فعليهما الغسل؛ لوجود الإنزال؛ لأنه لا حَبَل بدونه. ص: واحتجوا في ذلك بما: حدثنا محمَّد بن الحجّاج وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا بشْر بن بكر، قال: نا الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أنها سُئلتْ عن الرجل يجامع فلا يُنْزل. فقالت: فعلته أنا ورسول الله ﵇ فاغتسلنا منه جميعًا". ش: إسناده صحيح، والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو. وأخرجه الترمذي (١): عن محمَّد بن المثنى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "إذا جاوز الختان الختان؛ وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله ﵇، فاغتسلنا". وقال (٢): هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٣): عن علي بن محمَّد وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ... إلى آخره نحو رواية الترمذي.

стр. 484

واحتج به جماعة المهاجرين على وجوب الغسل بالإيلاج وإن لم يُنزل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، وهم الذين ذكرناهم، ثم انعقد الإجماع على الوجوب مطلقا، وكان ما ذكروه في أى الإسلام رخصة لقلة ثياب الناس، ثم نسخ ذلك وأمر بالغسل بالإكسال، ولكن بقي على المذهب الأول جماعة من الصحابة؛ لم يبلغهم خبر التقاء الختانين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد ابن خالد الجهني. وقد خالف بعض الظاهرية لداود ووافق الجماعة. ومستند داود: "إنما الماء من الماء" (١). وقد جاء في الحديث: "إنما كان الماء من الماء رخصة في أى الإسلام ثم نسخ" (٢). رواه الترمذي (٣) وصححه، فزال ما استندوا إليه. وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه ليس منسوخ، بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم يُنزل. وقال ابن العربي: وقد روى جماعة من الصحابة المنع ثم رجعوا، حتى روي عن عمر ﵁ أنه قال: "مَنْ خالف في ذلك جعلته نكالا"، وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يُعبأ بخلاف داود في ذلك؛ فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد حكماء الدين، والعجب منه أنه يُساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بإلتقاء الختانين، وبين حديث عثمان وأبي في نفيه إلَّا بإنزال، وحديث عثمان ضعيف وكذلك حديث أُبَيّ؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما كان أقوى منه، وقد

стр. 485

قيل: يحتمل قول البخاري: "الغسل أحوط" يعني في الدين وهو باب مشهور في الأصول، وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه. وروى مالك (١)، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة أم المؤمنين، كانوا يقولون: "إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل". وقال ابن بطال: وقد رُوي عن عثمان وعلي وأبي بأسانيد حسان أنهم أفتوا بخلافه، والله أعلم. ص: حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال ثنا حماد بن سلمة (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ إذا التقى الختانان اغتسل". ش: هذان طريقان آخران، رجالهما ثقات. الأول: عن محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي أبي بكر البزّاز، عن سليمان بن حرب البصري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن عبد الله بن رباح - بالباء الموحدة - عن عبد العزيز بن النعمان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن عفان، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره، نحوه سواء. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد، عن ثابت ... إلى آخره (٣).

стр. 486

ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: "ذكر أصحاب رسول الله ﷺ : إذا ألتقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وَتَبِعْتُه حتى أَتَى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين، إني أُريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحي أن أسألك. قالت: فإنما أنا أمك. قال: إذا ألتقى الختانان أيجب الغسلُ؟ فقالت: كان رسول الله ﵇ إذا التقى الختانان اغتسل". ش: إسناده صحيح، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (١): أنا أبو عبد الله، وأبو زكريا، وأبو بكر، قالوا: أنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: "أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين فقال: لقد شق عليّ اختلاف أصحاب رسول الله ﵇ في أمر إني لأُعظم أن أستقبلك به. فقالت: ما هو؟ ما كنت سائلا عنه أمك فَسَلْني عنه. فقال لها: الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا يُنزل. قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: لا أسأل أحدا عن هذا بعدكِ أبدا". قال الإِمام أحمد (٢): هذا إسناد صحيح إلَّا أنه موقوف على عائشة. وقال أبو عُمر (٣): هذا الحديث موقوف في "الموطأ" (٤) عند جماعة من رواته. وروى موسى بن طارق وأبو قرة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد

стр. 487

ابن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة أن النبي ﵇ قال: "إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل". ولم يتابع على رفعه عن مالك. قوله: "فنهض" أي أبو موسى، أي قام، يقال: نهض ينهض نهضا ونهوضا إذا قام، وأَنْهَضته أنا فانتهَضَ. قوله: "أستحي" بياء واحدة، ويجوز فيه: "استحيي" بيائين. قوله: "سَلْ" أمر، من سأل يسأل، وأصله: اسأل، فخففت الهمزة بالحذف بعد أن أعطيت حركتها للسين، واستغني عن همزة الوصل فحذفت، فصار: سَلْ، على وزن فَلْ؛ لأن المحذوف منه: عين الفعل. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: "كان أصحاب رسول الله ﵇ يختلفون في الرجل يطأ امرأته، ثم ينصرف عنها قبل أن يُنزل، فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة فقال: لقد شق عليّ اختلاف أصحاب النبي ﵇ في أمر، إني لأعظمك أن أستقبلك به. قالت: ما هو [مرارا] (٢) فقال: الرجل يصيب أهله، ثم ينصرف ولم ينزل، قال: فقالت لي: إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا أحدا بعدك أبدا". ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله القرشي وابن لهيعة، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد اللهَ، قال: أخبرتني أم كلثوم، عن عائشة ﵂: "أن رجلًا سأل رسول الله ﵇ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه من غسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله ﵇ إني لافْعلُ ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل".

стр. 488

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ولا يضره عبد الله بن لهيعة؛ لأنه متَابَع، وأبو الزُبير اسمه محمَّد بن مسلم بن تَدْرس المكي، وأم كلثوم: بنت أبي بكر الصديق ﵁ وهي تابعية، روى لها مسلم. وأخرجه مسلم (١): عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي، كلاهما عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "وعائشة جالسة" جملة وقعت حالا. قوله: "وهذه" إشارة إلى عائشة، وهو عطف على الضمير الذي في "لأَفعل". وقال القاضي عياض: وفيه غاية في البيان للسائل، بإخباره عن فعل نفسه، وأنه مما لا يرخص فيه. وفيه حجة على أن أفعاله - علية السلام - على الوجوب، ولولا ذلك لم يكن فيه حجة ولا بيان للسائل، وفيه أن ذكر مثل هذا على جهة الفائدة غير منكر من القول، وإنما ينكر عنه الإخبار عنه بصورة الفعل، وكشف ما يُستر به من ذلك ويحتشم من ذكره. ص: قالوا: فهذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ﵇ أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم يُنزل، فقيل لهم: هذه الآثار إنما تُخبر عن فعل رسول الله ﵇ وقد يجوز أن يَفْعَل ما ليس عليه، والآثار الأول تُخْبُر عما يجبُ وما لا يجب؛ فهي أولى، فكان من الحجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأول أن الآثار التي رويناها في الفصل الأول من هذا الباب على ضربين: فضرب منهما "الماء من الماء" لا غير. وضرب منهما: أن رسول الله ﵇ قال: "لا غسل على من أكسل حتى يُنْزِل" فأما ما كان من ذلك فيه ذكر "الماء من الماء" فإن ابن عباس ﵄ قد روي عنه في ذلك: أن مراد رسول الله ﵇[به قد] (٢) كان غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى.

стр. 489

حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسّان، قال: ثنا شريك، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: "الماء من الماء؛ إنما ذلك في الاحتلام إذا رأى أنه يجامع ثم لم ينزل؛ فلا غسل عليه". فهذا ابن عباس قد أخْبر أن وجهه غير الوجه الذي حمله عليه أهل المقالة الأولى؛ فضاد قوله قولهم. وأما ما روي فيما بيّن فيه الأمر (١)، وأخْبَر فيه بالقصد وأنه لا غُسل [عليه] (٢) في ذلك حتى يكون الماء، فإنه قد روي عن النبي ﵇ خلاف ذلك. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا قعدَ بين شُعَبها الأربع ثم اجتهد، فقد وجب الغسل". ش: أي قالت الآخرون القائلون بوجوب الغسل بالايلاج مطلقا. "فهذه الآثار" أرادَ بها التي رُويت عن عائشة ﵂ تخبر صريحا عن رسول الله ﵇ أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، فثبت أن بمجرد الإيلاج يجب الغسل. قوله: "فقيل لهم ... " إلى آخره، اعتراض على أهل المقالة الثانية، تحريره أن يقال: ما ذكرتم من الآثار إنما تخبر عن فعل رسول الله ﵇ وقد يجوز أن يكون ﵇ إنما كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب، فلا يتم الاستدلال بها على ما ادعيتم، وأما الآثار الأولى فإنها تخبر صريحا عما يجب وعما لا يجب، فتكون هذه أولى.

стр. 490

قوله: "فكان من الحجة" ... إلى آخره، جواب عن الاعتراض المذكور، ملخصه: أن آثاركم على قسمين: أحدهما: المذكور فيه: "الماء من الماء" فهذا ابن عباس ﵄ قد روي عنه أن مراد رسول الله ﵇ من هذا هو أن يكون في الاحتلام، فهذا القول منه يُضادّ قولهم فلا تبقى لهم حجة. والآخر: ما بُيِّن فيه الأمر، وأنه لا يجب الغسل في ذلك إلا بالإنزال، فهذا أيضًا يخالفه ما روي عن النبي ﵇ من قوله: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وجهدها؛ فقد وجب الغسل". فلا تبقى لهم حجة، فالقسم الأول ليس فيه النسخ، والثاني فيه النسخ، ومنهم من أثبت النسخ في القسمين جميعًا. ثم إسناد الحديث الأول جيّد حسن؛ لأن رجاله ثقات. وأبو غسّان اسمه مالك بن إسماعيل الكوفي، شيخ البخاري. وداود هو ابن أبي عوف أبو الجحّاف، وثقه ابن معين. وأخرجه الترمذي (١): عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "إنما الماء من الماء في الاحتلام". وإسناد الحديث الثاني صحيح، وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ. وأخرجه النسائي (٢): عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف، عن عيسى بن يونس، عن أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه البخاري (٣): عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن،

стр. 491

عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهّدها؛ فقد وجب الغسل". وأخرجه مسلم (١): عن زهير بن حرب (وآخرين) (٢) عن معاذ بن هشْام، عن أبيه، عن قتادة إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام وشعبة، عن قتادة ... إلى آخره، ولفظه: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل". وأخرجه ابن ماجه (٤): عن ابن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي، عن قتادة ... إلى آخره نحوه. قوله: "بين شُعَبها" بضم الشين: النواحي، جمع شعبة، ويروى أشعبها جمع شعب. وقال ابن الأثير: الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه. واختلفوا في المراد بالشُعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان. وقيل: الرجلان والفخذان. وقيل: الرجلان والشفران. واختار القاضي عياض أن المراد: شعب الفرج الأربع، أي نواحيه الأربع، وكأنه يحوم على طلبه الحقيقة الموجبة للغسل. والأقرب أن يكون المراد: اليدين والرجلن، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنَّيا عنه بذلك، يكتفي بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينها، والضمير يرجع إلى المرأة وإن لم يمض ذكرها لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٥).

стр. 492

قوله: "ثم جَهَدها" بفتح الهاء، أي بلغ جهده فيها. وقيل: بلغ مشقتها. وقيل: كدها بحركته. قوله: "وألزق الختان" أي: موضع الختان؛ لأن الختان اسم للفعل، أي ألزق موضع الختان بموضع الختان منها. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام وأبان، عن قتادة، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا همام وأبان، قالا: ثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "إذا جلس بين شعبها الأربع وأجْهد نفسه؛ فقد وجب الغسل أَنْزَلَ أو لم يُنزِلْ". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا طريق آخر أيضًا، وهو أيضًا صحيح. عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): حدثني عمرو بن الهيثم أبو قطن، ثنا هشام، عن قتادة [عن الحسن] (٣) عن أبي رافع، عن أبي هريرة -قال أبو قطن: في الكتاب مرفوع-: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جَهَدها؛ فقد وجب الغسل".

стр. 493

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم ألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل". ش: إسناده حسَن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن إسماعيل بن عُلَيّةَ، عن علي بن زيد بن جدعان ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن حبان بن واسع، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل". ش: أحمد بن عبد الرحمن: المعروف ببَحْشَل، وعمّه: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، وحَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- وقد روي هذا الحديث عن عائشة من وجوه كثيرة. ص: قال أبو جعفر: فهذه الآثار تُضَاد الآثار الأول، وليس في شيء من ذلك دليل على: الناسخ في ذلك ما هو؟ فنظرنا في ذلك؛ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا الحِماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب قال: "إنما كان الماء من الماء في أول الإِسلام، فلما أحكم الله الأمور نهي عنه". ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رُويت عن أبي هريرة وعائشة المذكورة آنفا، ومضاددتها الآثار الأول ظاهرة؛ لأن فيها عدم الغُسل بلا إنزال، وها هنا وجوبه مطلقا، ولكن ليس في هذه الآثار شيء صريح يدل على النسخ؛ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ فنظرنا، فوجدنا حديث أبي بن كعب يصرح بانتساخ أحاديث "الماء من الماء" وهو الذي رواه الطحاوي عن علي بن شيبة،

стр. 494

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد الصحابي ﵁. وأخرجه الترمذي (١): عن أحمد بن منيع، عن عبد الله بن المبارك ... إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث صحيح (٢). ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال أخبرني عمرو بن الحارث، قال: قال ابن شهاب: حدثني بعض مَنْ أرضى، عن سهل بن سعد، أن أبي بن كعب الأنصاري أخبره: "أن رسول الله ﵇ جعل الماء من الماء رخْصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمر بالغسل". ش: عمه هو عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث روى له الجماعة، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. قلت: "بعض من أرضى" مجهول، والظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج. لأن البيهقي روى هذا الحديث (٣) ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم. ورواه معمر عن الزهري موقوفا على سهل، والحديث محفوظ عن سهل، عن أبي بن كعب. أخرجه أبو داود في كتاب "السنن" انتهى كلامه. وقال بعض شراح البخاري: فهذا كما ترى ابن شهاب قد صرح بعدم سماعه من سهل، وإن كان معروفا بالسماع منه. وقال البَيهقي: وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من سعد.

стр. 495

وقال الحازمي: وقفه بعضهم على سهل، وروي بإسناد آخر موصى عن أبي حازم عن سهل. ولم يجر فيه الحازمي على الاصطلاح الحديثي، فإن قول سَهْل: "كان القول في الماء من الماء رخصة" داخل في المرفوع، وقول الزهري: "من أرضى"، ليس تعديلا للمحدث المبهم عند الجُمهور، ولسنا من تقليد الزهري في إيراد ولا صدر، الفهم إذا بَيَّين اسمه وعَدَّله. وقال: ابن حزم: هذا الرجل الذي لم يسمّه عمرو بن الحارث يُشبه أن يكون سلمة بن دينارة لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسّان محمدْ بن طريف، عن أبي حازم عن سهل. وقال ابن حبان في "صحيحه" (١) يشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سَهْلٍ -كما قاله غُنْدُر- وسمعه عن بعض منْ يَرْضاه عن سهل، فرواه مرة عن سهل ومرة عن الذي رضيه عنه، وقد تتبّعتُ طرق هذا الحديث على أن أَجد أحدا رواه عن سهل؛ فلم أجد أحدا في الدنيا رواه إلَّا أبا حَازم، فيُشْبه أن يكون المُبْهَم هُو، والله أعلم. وقال موسى بن هارون (٢): وقد روى أبو حازم هذا الخبر عن سَهْل، وأظن ابن شهاب سمعه منه؛ لأنه لم يسمعه من سهل، وقد سمع من سهل أحاديث، فإن سمعه من أبي حازم؛ فإنه رَضِيٌّ كما قال. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٣): إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له. وأخرجه أبو داود (٤): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عَمرو-
следующие страницы →