وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن علي ابن الحسن بن علي، عن عائشة: "أن النبي ﵇ كان يقبل وهو صائم".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز أبي الحسن البصري، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه مسلم (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبيد بن إسماعيل، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يقبل بعض نسائه وهو صائم ثم تضحك".
ورواه أيضًا مالك (٣) عن هشام.
الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وهو أيضًا صحيح.
стр. 4307
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): أنا حجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يقبل وهو صائم".
السادس: أيضًا صحيح.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر، عن عبد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبلني وهو صائم، وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﵇ يملك إربه".
قوله: "لأملك لإربه" أي لحاجته، يعني أنه كان غالبا لهواه.
قال ابن الأثير: أكثر المحدثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء، وله تأويلان:
أحدهما: أنه الحاجة يقال فيها: الأَرَب والأَرْب والإِرْبة والمأْرُبَة.
والثاني: يراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة، وقال القاضي عياض: رويناه بكسر الهمزة والسكون عند أكثرهم ومعناه: وطره، قال الله : ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٣) الذين لا رغبة لهم ولا حاجة لهم في النساء، والإربة أيضًا العضو.
قال الخطابي: كذا رواه أكثرهم، وإنما هو "لأَرَبه" أي وطره.
السابع: أيضًا صحيح: عن إسماعيل بن يحيى بن المزني، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٤): أنا أبو إسحاق الفقيه، قال: أنا شافع بن
стр. 4308
محمَّد، قال: أنا أبو جعفر، قال: ثنا المزني قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان، قال: قلت لعبد الرحمن بن القاسم ... إلى آخره نحوه.
ورواه مسلم (١) في "الصحيح": عن علي بن حُجْر وغيره، عن سفيان.
الثامن: عن محمَّد بن عبد الله شيخ أبي داود أيضًا، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة ﵂.
وأخرجه مسلم (٢) نحوه، ولكن عن أبي سلمة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة ﵂.
التاسع: أيضًا صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة.
وأخرجه البيهقي (٣) نحوه.
العاشر: أيضًا صحيح: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله، عن عائشة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا حجاج، نا ليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله ﵇ قبلها وهو صائم.
стр. 4309
الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- بن الوليد الرقام شيخ البخاري.
عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
الثاني عشر: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن سعيد بن أسد المصري ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، نا يحيى بن حسان، نا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يقبل وهو صائم".
وهذا الحديث لا نعلم رواه من حديث يحيى عن عمرة إلا الليث، ولا عن الليث إلا يحيى بن حسان، ولم نسمعه إلا من الحسن وكان ثقة مأمونًا.
الثالث عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن طلحة بن عبيد الله، وهو طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي.
عن عائشة ﵂.
وهؤلاء كلهم رجال "الصحيح" ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن سعد بن
стр. 4310
إبراهيم، عن طلحة بن عبيد الله -يعني ابن عثمان القرشي- عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبلني وهو صائم وأنا صائمة".
الرابع عشر: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن عمر بن أبي زائدة زكرياء الهمداني الثقة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو عاصم، نا عمر بن أبي زائدة، حدثني أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله ﵇ يمتنع من وجهي وهو صائم، وما مات حتى كانت أكثر صلاته قاعدًا إلا الصلاة المكتوبة، وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه الإنسان وإن كان يسيرًا".
الخامس عشر: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري روى له الجماعة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي.
وأخرج البخاري (١): عن سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "كان النبي ﵇ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه".
وأبو داود (٢): نا مسدد، نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه".
وأخرج البيهقي (٣): من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، أن علقمة
стр. 4311
وشريحًا النخعي كانا عند عائشة فقال أحدهما لصاحبه: سلها عن القبلة للصائم، فقال: ما كنت لأرفث عند أم المؤمنين، فقالت: "كان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه".
وأخرجه النسائي (١) نحوه: عن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن شعبة ﵀ به.
قوله: "فسؤال عبد الله عائشة ﵂ ... إلى آخره" إشارة إلى الجواب عما روي عن ابن مسعود في القبلة للصائم من قوله: "يقضي يوما آخر" وقد تقدم في أول الباب في معرض احتجاج أهل المقالة الأولى، بيانه: أن عبد الله بن مسعود سأل عائشة ﵂ في هذا الحديث عن مباشرة الصائم، فدل ذلك على أنه لم يكن عنده علم من ذلك عن رسول الله ﵇ إذ لو كان له علم من ذلك لما سألها فدل ذلك على أن قوله في حديثه الذي تقدم: "يقضي يومًا آخر" كان متقدما على سؤاله هذا؛ إذ لو كان متأخرا لم يعد السؤال، فإذا كان متقدمًا وسؤاله متأخرًا دل على أنه قد ترك ذلك القول ورجع إلى ما أجابت به عائشة ﵂.
السادس عشر: عن إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا أبو عاصم، قال: سمعت ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: انطلقت أنا ومسروق إلى عائشة، فقلنا لها: "أكان رسول الله ﵇ يباشر وهو صائم؟ قالت: نعم، ولكنه كان أملككم لإربه- أو من أملككم لإربه، يشك أبو عاصم".
السابع عشر: عن أبي بشر الرقي عبد الملك بن مروان، عن شجاع بن الوليد السكوني، عن حُريث بن عمرو -وهو حريث بن أبي مطر- الفزاري أبي عمرو الحنَّاط -بالنون- الكوفي فيه مقال، فقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: متروك،
стр. 4312
وعنه: ليس بثقة. وقال ابن معين: لا شيء. استشهد به البخاري في الأضاحي، وروى له الترمذي وابن ماجه.
وهو يروي عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع.
وأخرجه البزار في "مسنده" مختصرًا: ثنا معمر بن سهل، نا عامر بن مدرك، نا إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة أن النبي ﵇ كان يقبل وهو صائم.
الثامن عشر: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن شيبان بن عبد الرحمن أبي معاوية النحوي روى له الجماعة، عن زياد بن علاقة بن مالك التغلبي أبي مالك الكوفي روى له الجماعة، عن عون بن ميمون الأودي أبي يحيى الكوفي روى له الجماعة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: نا أبو الأحوص، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن عائشة قالت: "كان النبي ﵇ يقبل في شهر الصوم".
وكذا أخرجه مسلم (٢) والترمذي (٣) وقال: حديث حسن صحيح.
التاسع عشر: أيضًا صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا حماد بن خالد الخياط، ثنا أبو بكر النهشلي، وأبو المنذر قال: حدثني أبو بكر، عن زياد بن علاقة، عن عمرو بن ميمون، عن
стр. 4313
عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ كان يقبل وهو صائم -ثم قال أبو المنذر- في رمضان".
وأخرجه ابن ماجه أيضًا (١).
العشرون: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن المقرئ شيخ البخاري، عن موسى بن عُلَيّ -بضم العين وفتح اللام- أبي عبد الرحمن المصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبيه عُلَيّ بن رباح اللخمي المصري روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثابت مولى عمرو بن العاص، روى له الجماعة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن عبد الرحمن بن مهدي، عن موسى -يعني ابن عُلَيّ- عن أبيه، عن أبي قيس قال: "أرسلني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة ... " إلى آخره نحوه.
قوله: "وقد تواترت" أي تكاثرت هذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب عن رسول الله ﵇ أنه كان يقبل والحال أنه صائم، فدل ذلك على أن التقبيل لا ينقض الصوم ولا يضر الصائم، وهذه حجة على مَن يخالف ذلك، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: كان ذلك مما خُص به رسول الله ﵇، ألا ترى إلى قول عائشة ﵂: "وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله ﵇".
قيل له: إن قول عائشة ﵂ هذا إنما هو على أنها لا تأمن عليهم ولا يأمنون على أنفسهم ما كان رسول الله ﵇ يأمنه على نفسه؛ لأنه كان محفوظًا.
والدليل على أن القبلة عندها لا تفطر الصائم ما قد روينا عنها أنها قالت: "فأما أنتم فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف"، أرادت بذلك أنه لا يخاف من إربه، فدل
стр. 4314
ذلك على أن مَن لم يخف من القبلة وهو صائم شيئًا أخر وأمن على نفسه؛ أنها له مباحة، وقد ذكرنا عنها في بعض هله الآثار أنها سئلت عن القبلة للصائم فقالت جوابًا لذلك السائل: "كان رسول الله ﵇ يقبل وهو صائم"، فلو كان حكم رسول الله ﵇ في ذلك عندها خلاف حكم غيره من الناس إذا لما كان ما علمته من فعل النبي ﵇ جوابًا لما سئلت عنه من فعل غيره، وقد سألها عبد الله بن عمر ﵄ لما جمع له أبوه أهله في شهر رمضان عن مثل ذلك فقالت: "كان رسول الله ﵇ يفعل ذلك"، وهذا عندنا لأنها كانت تأمن عليه، فدل ما ذكرنا على استواء حكم رسول الله ﵇ وسائر الناس عندها في حكم القبلة إذا لم يكن معها الخوف على ما بعدها مما تدعو إليه، وهو أيضًا في النظر كذلك؛ لأنا قد رأينا الجماع والطعام والشراب قد كان ذلك كله حرامًا على رسول الله ﵇ في صيامه كما هو حرام على سائر أمته في صيامهم، ثم هذه القبلة قد كانت لرسول الله ﵇ حلالًا في صيامه؛ فالنظر على ما ذكرنا أن تكون أيضًا حلالًا لسائر أمته في صيامهم أيضًا، ويستوي حكمه وحكمهم فيها كما يستوي في سائر ما ذكرنا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن القبلة في الصيام كانت مخصوصة للنبي ﵇، والدليل عليه قول عائشة: "وأيكم كان أملك لإربه من رسول الله ﵇" فلا تجوز لغيره حتى لو قبَّل وهو صائم ينقض صومه.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم دعوى الخصوصية، وقول عائشة ذلك لا يدل عليها، بل إنما قالت ذلك لأنها ما كانت تأمن عليهم لكونهم غير محفوظين، فلا يأمنون على أنفسهم، بخلاف رسول الله ﵇ فإنه كان محفوظًا.
والدليل على أن القبلة لا تفطر الصائم عندنا قولها: "أما أنتم فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف".
أرادت بهذا القيد أنه لا يخاف من إربه لضعف شهوته، فدل ذلك على أن كل من لم يخف من القبلة والحال أنه صائم شيئًا آخر مما يفسد صومه أنها له مباحة حتى إذا خاف شيئًا آخر من ذلك يكره له ذلك.
стр. 4315
وقال ابن حزم: وقال قوم: هي خصوص للنبي ﵇، فمن ادعى أنه خصوص له ﵇ فقد قال الباطل، ثم روى حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار الآتي ذكره عن قريب، وفيه: "إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده".
قال فهذا الخبر يكذب قول من ادعى في ذلك الخصوص له ﵇ لأنه أفتى بذلك ﵇ من استفتاه.
وقال أبو عمر: هذا دليل على أن الخصوص لا يجوز ادعاؤه عليه بوجه من الوجوه إلا بدليل مجتمع عليه، وقال ﵇: "إنما بعثت معلمًا مبشرًا، وبعثت رحمة مهداة" ﵇.
قوله: "وقد ذكرنا عنها" أي: عن عائشة ﵂ ... إلى آخره، وهو ظاهر.
وذكر هذا أيضًا لإبطال دعوى الخصوص، ولاستواء حكم رسول الله ﵇ وحكم سائر الناس عند عائشة في حكم القبلة إذا لم يكن ثمة خوف مما يفسد الصوم.
قوله: "وهو أيضًا في النظر كذلك" أي الاستواء المذكور أيضًا كذلك في القياس والنظر، وهو ظاهر أيضًا.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ ما يدل على استواء حكمه وحكم أمته في ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: "أن رجلًا قبَّل امرأته وهو صائم، فوجد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي ﵇ فذكرت ذلك لها، فاخبرتها أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﵇ كان يقبِّل وهو صائم، فرجعت فأخبرت بذلك زوجها، فزاده شَرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله ﵇ يُحل الله لرسوله ما شاء، ثم رجعت المرأة إلى أم سلمة، فوجدت رسول الله ﵇ عندها فقال رسول الله ﵇: ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أَخْبَرتِها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها
стр. 4316
فأخبرته فزاده شَرًّا وقال: يُحل الله لرسوله ما يشاء، فغضب رسول الله ﵇ وقال: "إني لأتقاكم لله ، وأعلمكم بحدوده".
فدل ذلك على ما ذكرنا.
فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: قد روي عن النبي ﵇ ما يدل على أن حكمه ﵇ وحكم أمته متساويان في حكم القبلة في الصوم؛ لأن فعل الرسول ﵇ كله يَحْسُنُ التأسي به فيه على كل حال؛ إلا أن يخبر أن ذلك له خاصة، أو ينطق القرآن بذلك وإلا فالاقتداء به أقل أحواله أن يكون مندوبًا إليه في جميع أفعاله، ومن أهل العلم من رأى أن أفعاله واجب الاقتداء فيها كوجوب أوامره.
وأخرجه بإسناد صحيح ولكنه مرسل.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره نحوه.
وقال أبو عمر: هذا الحديث مرسل عند جميع رواة "الموطأ" عن مالك، وهذا المعنى أن رسول الله ﵇ كان يقبل وهو صائم صحيح من حديث عائشة وأم سلمة وحفصة ﵅: يروى عنهن كلهن، وعن غيرهن، عن النبي ﵇ من وجوه ثابتة.
ومما يستفاد منه: جواز القبلة للصائم في رمضان وغيره؛ شابًّا كان أو شيخًا على عموم الحديث وظاهره؛ لأنه ﵇ لم يقل للمرأة: هل زوجك شيخ أو شاب؟ وهو المبُيِّنُ عن الله مراده من عباده.
стр. 4317
وفيه: إيجاب العمل بخبر الواحد الثقة ذكرًا كان أو أنثى، وعلى ذلك جماعة أهل الفقه والحديث.
قال أبو عمر: ومن خالف ذلك فهو عند الجميع مبتدع، والله أعلم.
ص: وقد روي عن المتقدمين في ذلك:
ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، عن سعد بن أبي وقاص، وسأله رجل: "أتباشر وأنت صائم؟ فقال: نعم".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: "أن عبد الله بن عباس سئل عن القُبلة للصائم، فرخص فيها للشيخ، وكرهها للشاب".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي النضر، أن عائشة بنت طلحة أخبرته: "أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﵇ فدخل عليها زوجها عبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ وهو صائم، فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ فقالت له عائشة: نعم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب، قال: ثنا الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبي مرة مولى عقيل، عن حكيم بن عقال أنه قال: "سألت عائشة ﵂ ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها".
فهذه عائشة تقول فيما يحرم على الصائم من امرأته وما يحل له منها ما قد ذكرنا، فدل ذلك على أن القبلة كانت مباحة عندها للصائم الذي يأمن على نفسه ومكروهة لغيره، ليس لأنها حرام عليه، ولكنه لا يأمن إذا فعلها منْ أن تغلبه شهوته حتى يقع فيما يحرم عليه.
ش: أيْ: قد روي عن الصحابة والتابعين في حكم القبلة للصائم.
стр. 4318
وأخرج في ذلك عن ثلاثة من الصحابة وهم: سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس وعائشة ﵃ في أن حكمها الإباحة، وأخرج عن ثعلبة بن صعير وعلي بن أبي طالب في أن حكمها [....] (١).
أما أثر سعد بن أبي وقاص فأخرجه بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التنيسي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن سالم بن عبد الله النصري -بالنون والصاد المهملة- وهو سالم سَبَلان، وهو سالم الدوسي، وهو سالم مولى المهري، وهو سالم مولى دوس، وهو سالم مولى النصريين، وهو سالم مولى، مالك بن أوس بن الحدثان النصري، قال أبو حاتم: شيخ. روى له مسلم والأربعة غير الترمذي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي: "قال رجل لسعد: يا أبا إسحاق، أتباشر وأنت صائم؟ قال: نعم، وآخذ بجهازها".
وأخرجه ابن حزم (٣)، وفي لفظه: قال: نعم، وأقبض على متاعها.
وأما أثر ابن عباس فكذلك أخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٤).
وقال أبو عمر في "شرحه": وكره مالك القبلة للصائم في رمضان للشيخ والشاب، ولم يذهب فيها إلى ما رواه عن زيد بن أسلم هذا.
وفي "شرح المهذب": عن مالك إباحة القبلة في النفل دون الفرض، ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا أن ينزل بالقبلة.
стр. 4319
وأما أثر عائشة ﵂ فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك عن أبي النضر -واسمه سالم- بن أبي أمية القرشي التيمي روى له الجماعة، عن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله القرشية المدنية- وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁ وكانت من أجمل نساء قريش، أصدقها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم، وذلك بعد أن مات زوجها ابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق روى لها الجماعة.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن مالك ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبي مرة -اسمه يزيد- مولى عقيل بن أبي طالب روى له الجماعة، عن حكيم بن عقال العجلي البصري وثقه ابن حبان.
وبنحو ذلك أخرج ابن حزم في "المحلى" (٢): من طريق معمر، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن مسروق قال: "سألت عائشة أم المؤمنين: ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ فقالت: كل شيء إلا الجماع".
ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أن أبي مريم، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن صعير العذري -هكذا قال ابن أن أبي مريم، وكان رسول الله ﵇ قد مسح وجهه- أنه أخبره: "أنه سمع أصحاب رسول الله ﵇ ينَهون الصائم عن القُبلة، ويقولون: إنها تجر إلى ما هو أكثر منها".
فقد بيَّن في هذا الحديث المعنى الذي من أجله كرهها مَن كرهها للصائم، وأنه إنما هو خوفهم عليه منها أن تجره إلى ما هو أكثر منها. فذلك دليل على أنه إذا ارتفع ذلك المعنى الذي من أجله منعوه منها؛ أنها له مباحة.
стр. 4320
ش: أخرج هذا ليعلم أن من منع الصائم عن القبلة من الصحابة والتابعين لم يكن منعهم على الإطلاق، وإنما كان ذلك إذا كانت يخاف منها شيء آخر مما يفسد الصوم، ألا ترى أن ثعلبة بن صعير قد أخبر أنه سمع أصحاب رسول الله ﵇ ينهون الصائم عن القبلة ويقولون: إنها -أي إن القبلة- تجر ما هو أكثر منها وهو الجماع؟.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عُقَيْل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن ثعلبة بن صُعَيْر -بضم الصاد وفتح العين المهملتين- ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن صعير ويقال: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعير وعداده، في الصحابة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، قال: "رأيت أصحاب رسول الله ﵇ وهم ينهون عن القبلة للصائم".
ص: وقد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي العطار، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه قال: "سأل عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب ﵄ عن قبلة الصائم، فقال علي ﵁: يتقي الله ولا يعود، فقال عمر ﵁: إن كانت هذه لقريبة من هذه".
فقول علي ﵁: "يتقى الله ولا يعود"، يحتمل: ولا يعود لها ثانية أي: لأنها مكروهة من أجل صومه، ويحتمل: "ولا يعود" أي: لا يقبل مرة بعد مرة فيكثر ذلك منه، فتتحرك له شهوته، فيخاف عليه من ذلك مواقعة ما حرم الله عليه.
стр. 4321
وقول عمر ﵁: "هذه قريبة من هذه" أي: أن هذه التي كرهتها له قريبة من التي أبحتها له، وأن هذه التي أبحتها له قريبة من التي كرهتها له، فلا دلالة في هذا الحديث، ولكن الدلالات فيما تقدمه مما قد ذكرناه قبله.
ش: أخرج هذا ليبين تأويل ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ من قوله في الذي قبَّل في الصوم: يتقي الله ولا يعود، وهو ظاهر.
وأخرجه بإسناد صحيح: محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن هشام بن إسماعيل بن يحيى الحنفي أبي عبد الملك الدمشقي العطار شيخ البخاري في غير "الصحيح"، وثقه النسائي والعجلي، وروى له من الأربعة غير ابن ماجه.
عن مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري الكوفي روى له الجماعة، عن أبي حيَّان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، روى له الجماعة، عن أبيه سعيد بن حيان التيمي الكوفي وثقه ابن حبان، روى له الترمذي حديثًا، وأبو داود آخر.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) نحوه عن شريح القاضي: ثنا حفص، عن عاصم وجرير ووكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين عن شريح، قال: "سئل عن القبلة للصائم، فقال: يتقي الله ولا يعود".
стр. 4322
ص: باب: الصائم يقيء
ش: أي هذا باب في بيان أحكام الصائم الذي يَسْتفرغ.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان بن طلحة، عن أبي الدرداء: "أن النبي ﵇ قاء فأفطر، قال: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء أخبرني أن رسول الله ﵇ قاء فأفطر، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن معدان بن طلحة، عن أبي الدرداء ... ثم ذكر مثله.
قال ابن أبي داود: قال أبو معمر: هكذا قال عبد الوارث: عبد الله بن عمرو.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو الجودي، عن بَلْج -رجل من مهرة- عن أبي شيبة المَهَري، قال: قلت لثوبان: حَدِّثْنَا عن رسول الله ﵇، قال: "رأيت رسول الله ﵇ قاء فأفطر".
ش: هذه ثلاثة أوجه:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث التميمي العنبري أبي سهل البصري روى له الجماعة، عن أبيه عبد الوارث بن سعيد أبي عبيدة البصري روى له الجماعة، عن حسين بن ذكوان المعلم البصري روى له الجماعة، عن يحيى بن أبي كثير روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي روى له الجماعة، عن يعيش بن الوليد بن هشام بن معاوية الأموي الدمشقي وثقه العجلي والنسائي وابن حبان، وروى له من الأربعة غير ابن ماجه.
стр. 4323
عن أبيه الوليد بن هشام -عامل عمر بن عبد العزيز على قنسرين- وثقه هؤلاء، وروى له الجماعة سوى البخاري.
عن معدان بن طلحة -ويقال: ابن أبي طلحة- اليعمري الكناني الشامي، وثقه العجلي وابن حبان، وروى له الجماعة سوى البخاري، عن أبي الدرداء عويمر بن مالك ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الصمد، نا أبي، عن الحسين ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "فلقيت ثوبان" هو مولى النبي ﵇، والسائل عنه هو معدان بن طلحة.
قوله: "وَضوءه" بفتح الواو، وهو الماء الذي يُتَوضأ به.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا الحسين، عن يحيى، قال: نا عبد الله بن عمرو الأوزاعي -قال أبو داود: صوابه عبد الرحمن- عن يعيش بن الوليد بن هشام، أن أباه حدثه، قال: حدثني معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء حدثه: "أن رسول الله ﵇ قاء فأفطر، قال: فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﵇ في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله ﵇ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وَضُوءه".
قوله: "قال ابن أبي داود" أي قال: إبراهيم بن أبي داود: "قال أبو معمر"، وهو شيخه "هكذا قال عبد الوارث في روايته عبد الله بن عمرو الأوزاعي"، وقد ذكرنا أن أبا داود قال: "صوابه: عبد الرحمن" يعني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.
стр. 4324
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن أبي الجودي- واسمه الحارث بن عمير الأسدي الشامي، نزيل واسط، وثقه يحيى، وقال أبو حاتم: صالح. روى له أبو داود.
عن بَلْج -بالباء الموحدة المفتوحة وسكون اللام وبالجيم- ابن عبد الله المهري، ذكره ابن حبان في الثقات.
عن أبي شيبة المهري وثقه ابن حبان، والمَهَري نسبة إلى مَهَرة بن حَيْدان بن الحاذ بن قضاعة، قبيلة كبيرة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شبابة بن سوار، عن شعبة، عن أبي الجودي، عن بَلْج المهري، عن أبي شيبة المهري قال: قيل لثوبان: حَدِّثْنا عن رسول الله ﵇، قال: "رأيت رسول الله ﵇ قاء فأفطر".
وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (٢) من حديث شعبة نحوه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الصائم إذا قاء فقد أفطر، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء والأوزاعي وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: إن الصائم إذا قاء فقد أفطر. واحتجوا في ذلك بظاهر هذا الحديث.
ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: إن استقاء أفطر، وإن ذرعه القيء لم يفطر.
ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: القاسم بن محمَّد والحسن البصري وابن سيرين وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والشعبي وعلقمة والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: إن الصائم إذا استقاء عامدًا أفطر، وإذا ذرعه القيء -أي: سبقه وغلبه- لم يفطر.
стр. 4325
ويروى ذلك عن علي وابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃.
ص: وقالوا: قد يجوز أن يكون قوله: "فأفطر" أيْ: قد ضعف فأفطر، ويجوز هذا في اللغة.
ش: أي: قال هؤلاء الآخرون في جواب الحديث المذكور: يجوز أن يكون هذا الحديث مُأَوَّلًا، ويكون تقديره: قاء؛ فضعف بسبب القيء، فأفطر لذلك، ويجوز هذا التقدير في اللغة، يضمر مثل ذلك لعلم السامع به، كما في حديث فضالة: "ولكني قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت".
وليس فيه أن القيء كان مفطرًا.
وقال الترمذي: معنى هذا الحديث: أن النبي ﵇ أصبح صائمًا متطوعًا فقاء فضعف فأفطر لذلك، هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا.
وها هنا جواب آخر، وهو ما ذكره البيهقي وقال: هذا الحديث يختلف في إسناده، فإن صح فمحمول على العامد، وكأنه ﵇ كان متطوعًا بصومه.
وقال أبو عمر: الحديث في "قاء فأفطر" ليس بالقوي.
ص: واحتج الأولون لقولهم أيضًا بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، قال: ثنا أبو مرزوق، عن حنش، عن فضالة بن عبيد قال: "دعى رسول الله ﵇ بشراب فقال له بعضنا: ألم تصبح صائمًا يا رسول الله؟ قال: بلى، ولكني قئت".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا رَوْح. (ح)
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج. (ح)
وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يحيى بن حسان، قالوا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش، عن فضالة، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 4326
قيل لهم: هذا أيضًا مثل الأول يجوز: ولكني قئت فضعفت عن الصيام فأفطرت.
وليس في هذين الحديثين دليل على أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك.
ش: أي: احتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما روي عن فضالة بن عبيد، وأجاب عنه بقوله: "فقيل لهم ... " إلى آخره، وهذا ظاهر.
وأخرج حديث فضالة من أربع طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي مرزوق التجيبي -واسمه حبيب بن الهيد، وقيل: زمعة بن سليم- قال العجلي: مصري تابعي ثقة. وروى له أبو داود وابن ماجه.
عن حنش بن عبد الله الصنعاني -صنعاء دمشق- روى له الجماعة غير البخاري، عن فضالة بن عبيد الأوسي الأنصاري الصحابي ﵁.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش بن عبد الله، عن فضالة بن عبيد قال: "أصبح رسول الله ﵇ صائمًا فقاء فأفطر. فسئل عن ذلك فقال: إني قئت".
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره.
وهو طريق صحيح.
стр. 4327
وأخرجه الطبراني (١): ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا أبو الوليد الطيالسي وابن عائشة، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن فضالة بن عبيد: "أن رسول الله ﵇ قاء فأفطر" انتهى.
وهذا قد أسقط في روايته حنشًا بين أبي مرزوق وبين فضالة كما ترى، وقال الذهبي: كذلك رواه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق، عن يزيد، فأسقط منه حنشًا، وأثبته مفضل بن فضالة ويحيى بن أيوب وابن لهيعة.
قلت: وقد أخرجه الدارقطني (٢): من طريق المفضل بن فضالة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش، عن فضالة بن عبيد نحوه.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق.
الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره.
ص: وقد روي في حكم الصائم إذا قاء أو استقاء عن النبي ﵇ مفسرًا: ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "مَن ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقضى".
فبيَّن هذا الحديث كيف حكم الصائم إذا ذرعه القيء أو استقاء، وأولى الأشياء بنا أن نحمل الآثار على ما فيه اتفاقها وتصحيحها لا على ما فيه تنافيها وتضادها، فيكون معنى الحديثين الأولين على ما وصفنا حتى لا يضاد معناهما معنى هذا الحديث. فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.
стр. 4328
ش: أشار بهذا إلى أن حديث أبي هريرة قد فسر فيه ما كان مجملًا في حديث ثوبان وفضالة بن عبيد؛ لأنه بيَّن فيه حكم الصائم إذا قاء كيف يكون، وإذا استقاء كيف يكون؟ فبيَّن أن القيء لا ينقض الصوم وليس عليه شيء، وأن الاستقاء ينقضه وعليه القضاء، فدل ذلك على أن معنى الحدثيين الأولين هو ما حملناه عليه.
وهذا هو أولى الأشياء أن تحمل الآثار على الاتفاق دون التضاد والاختلاف؛ لأن في هذا إعمال الآثار كلها على ما لا يخفى.
ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة بإسناد حسن: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد، عن عيسى بن يونس ... إلى آخره.
وكلهم رجال الصحيح ما خلا أحمد.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: نا عيسى بن يونس ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه الترمذى (٢): ثنا علي بن حجر، قال: أنا عيسى بن يونس ... إلى آخره.
وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمَّد -يعني البخاري-: لا أراه محفوظًا.
قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ ولا يصح إسناده.
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ.
وقال الذهبي: يريد رفعه.
стр. 4329
وقال البيهقي: سمعه حفص بن غياث، عن هشام، تفرد به هشام وبعض الحفاظ، ألا يراه محفوظًا.
وقال ابن بطال: تفرد به عيسى وهو ثقة إلا أن أهل الحديث أنكروه عليه، ووهم عندهم فيه.
وقال أبو علي الطوسي: هو حديث غريب.
وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات.
وقد رواه الحكم (١): من حديث حفص بن غياث متابعًا لعيسى عن هشام، وصححه فقال: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي، ثنا أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا حفص بن غياث، ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا استقاء الصائم أفطر، وإذا ذرعه القيء لم يفطر".
تابعه عيسى بن يونس، عن هشام، أبنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أبو المثنى، نا مسدد.
وثنا أبو الوليد الفقيه، نا الحسن بن سفيان وجعفر بن أحمد بن نصر، قالا: ثنا علي بن حجر، قال: نا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "مَن ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض".
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قوله: "من ذرعه القيء" أي: سبقه وغلبه في الخروج، والمعنى أنه قاء من غير اختياره، وذكره في "الدستور" في باب فَعَلَ يَفْعَلُ بالفتح فيهما.
قوله: "ومن استقاء" أراد أنه طلب القيء وقاء باختياره.
стр. 4330
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه.
ثم القيء لا يشترط فيه أن يقدَّر بحد، بل هو لا ينقض الصوم سواء كان ملء الفم أو أقل منه؛ لأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه، بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه، فأشبه الناسي.
وأجمعوا على إبطال صوم مَن استقاء عامدًا، وسواء في ذلك ملء الفم وأقل منه؛ لإطلاق قوله: "ومن استقاء فليقض".
ص: وأما حكمه من طريق النظر: فإنا رأينا القيء حدثًا في قول بعض الناس، وغير حدث في قول الآخرين، ورأينا خروج الدم كذلك، وكُلّ قد أجمع أن الصائم إذا فَصَدَ عرقًا أنه لا يكون بذلك مفطرًا، وكذلك لو كانت به علة فانفجرت عليه دمًا من موضع من بدنه فكان خروج الدم من حيث ذكرنا من بدنه واستخراجه إياه سواءً فيما ذكرنا، وكذلك هما في الطهارة، وكان خروج القيء من غير استخراج من صاحبه إياه لا ينقض الصوم، فالنظر على ما ذكرنا أن يكون خروجه باستخراج صاحبه إياه كذلك لا ينقص الصوم، فلما كان القيء لا يفطره كان ما ذرعه من القيء أحرى أن يكون كذلك، فهذا حكم هذا الباب أيضًا من طريق النظر، ولكن اتباع ما روى عن رسول الله ﵇ أولى.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وعامة العلماء ﵏.
ش: أي: وأما حكم هذا الباب من طريق القياس، تقرير وجه النظر: أن القيء حدث في قول بعض الناس وهم: أبو حنيفة وأصحابه، وغير حدث في قول الآخرين وهم: الشافعي ومالك وأحمد.
وكذلك خروج الدم من بدن المتوضئ على هذا الخلاف، وكلهم قد أجمعوا أن الصائم إذا خرج من بدنه دمًا أنه لا يفطر بذلك، وكذلك لو كانت ببدنه جراحة أو قرحة فانفجرت عليه وخرج منها دم لا ينقض صومه، فاستوى فيه الخروج بنفسه والاستخراج بعلاجه؛ فالنظر على ذلك ينبغي أن يكون حكم القيء كذلك؛ لأن
стр. 4331
خروجه لا ينقض فكذلك استخراجه ينبغي أن لا ينقض، ولكن تركنا القياس في ذلك واتبعنا الحديث.
وقال "صاحب البدائع": إن الأصل أن لا يفسد الصوم بالقيء سواء ذرعه أو تقيّأ؛ لأن فساد الصوم متعلق بالدخول شرعًا، قال النبي ﵇: "الفطر مما يدخل والوضوء مما يخرج" (١).
ولكن الفساد بالاستقاء قد عرفناه بنص آخر، وهو قوله ﵇: "ومن استقاء فعليه القضاء". فبقي الحكم في الذرع على الأصل. انتهى.
قلت: قال البخاري: قال ابن عباس وعكرمة: "الفطر مما دخل وليس مما خرج".
وقد أسند ذلك ابن أبي "شيبة" (٢) قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس في الحجامة للصائم فقال: "الفطر مما يدخل وليس مما يخرج".
وثنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة به.
ص: وقد روي ذلك عن جماعة من المتقدمين:
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا مالك وصخر بن جويرة، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعبي، قال: ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر مثله.
стр. 4332
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد -يعني ابن سلمة- عن حماد، عن إبراهيم مثله.
حدثنا محمَّد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن مثله.
حدثنا محمَّد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حبان السلمي، عن القاسم بن محمَّد مثله.
ش: أي: قد روي ما ذكرنا -من أن القيء لا يفطر، وأن الاستقاء يفطر- عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وأخرج في ذلك عن عبد الله بن عمر من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار، عن رَوْح بن عبادة، عن مالك بن أنس وصخر بن جويرية البصري، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مالك (١) في "موطإه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (٢): أنا أبو بكر وأبو زكرياء وأبو سعيد، قالوا: أنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومَن ذرعه القيء فليس عليه القضاء".
وأخرج من التابعين عن إبراهيم النخعي والحسن البصري والقاسم بن محمَّد.
أما أثر إبراهيم فأخرجه بإسناد صحيح: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن إبراهيم.
стр. 4333
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "إذا ذرعه القيء فلا إعادة عليه، وإن تهوع فعليه الإعادة".
وأما أثر الحسن البصري فأخرجه كذلك بإسناد صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أزهر السمان، عن ابن عون، عن الحسن وابن سيرين، قالا: "إذا ذرع الصائم القيء لم يفطر، وإذا تقيَّأ أفطر".
وأما أثر القاسم بن محمَّد فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حِبَّان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- ابن جَزء السلمي وثقه ابن حبان ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حبان السلمي، عن القاسم بن محمَّد قال: "الصائم إذا ذرعه القيء فليس عليه قضاء، وإن قاء متعمدًا فعليه القضاء".
стр. 4334
ص: باب: الصائم يحتجم
ش: أي: هذا باب في بيان حكم الحجامة للصائم.
قوله: "يحتجم" جملة وقعت حالا من الصائم، فافهم.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد، عن مطر الوراق، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع قال: "دخلت على أبي موسى ﵁ وهو يحتجم ليلًا، فقلت: لولا كان هذا نهارًا! فقال: أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم؟! وقد سمعت رسول الله ﵇ يقول: أفطر الحاجم والمحجوم".
ش: سعيد هو ابن أبي عروبة، روى له الجماعة.
ومطر بن طهمان الوراق أبو رجاء الخراساني، قال النسائي: ليس بالقوي. وعن يحيى ضعيف في حديث عطاء بن أبي رباح. وعنه: صالح. وروى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، وذكره في باب "التجارة" في كتاب "الصحيح".
وبكر بن عبد الله المزني البصري، روى له الجماعة.
وأبو رافع الصائغ المدني واسمه نفيع روى له الجماعة.
وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (١): من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق ... إلى آخره نحوه.
ثم قال: كذا رواه رَوْح عنه، ورواه عبد الأعلى عنه فقال: عن بعض أصحابه، عن ابن بريدة، عن أبي موسى مرفوعًا.
ورواه شعبة عن مطر بإسناده موقوفًا. انتهى.
стр. 4335
وقال ابن المديني: قد صح حديث أبي رافع عن النبي ﵇: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (١): ثنا أحمد بن كامل القاضي، نا أحمد بن سعد العوفي، عن رَوْح بن عبادة (ح).
وثنا علي بن عيسى، نا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب.
ونا أبو الوليد الفقيه، نا الحسين بن سفيان.
وأخبرني أبو علي الحافظ، أنا أبو يعلى.
قالوا: ثنا زهير بن حرب، ثنا رَوْح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، قال: "دخلنا على أبي موسى وهو يحتجم بعد المغرب، فقلت: ألا احتجمت نهارًا؟ فقال: تأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم؟! سمعت رسول الله ﵇ يقول: أفطر الحاجم والمحجوم".
سمعت أبا علي الحافظ يقول: قلت لعبدان الأهوازي: يصح أن النبي ﵇ احتجم وهو صائم؟ فقال: سمعت عباس العنبري، يقول: سمعت علي بن المديني، يقول: قد صح حديث أبي رافع، عن أبي موسى، أن النبي ﵇ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهى.
وقال النسائي: هذا خطأ وقد روي موقوفًا وفيه اختلاف، ووقفه حفص، عن سعيد، عن مطر ولم يرفعه وتردد أبو زرعة في وقفه ورفعه، وقضى أبو حاتم بوقفه.
وأخرجه البخاري تعليقًا (٢) قال: واحتجم أبو موسى ليلًا.
стр. 4336
وروى هذا التعليق أبو بكر بن أبي شيبة (١): عن محمَّد بن أبي عدي، عن حميد، عن بُكير، عن أبي العالية قال: "دخلت على أبي موسى وهو أمير البصرة ممسيًا، فوجدته يأكل تمرًا وكامخًا، وقد احتجم، فقلت له: ألا تحتجم بنهار؟ قال: أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم؟! ".
قوله: "أتأمرني" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "أن أهريق" أصله: أريق، من الإراقة، والهاء زائدة.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
ش: أخرجه أبو عمر وضعفه بعبد الله بن لهيعة المصري، وباقي رجاله ثقات، وقد تكرر ذكرهم.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حميد وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب قال: "شهد عندي نفر من أهل البصرة منهم الحسن بن أبي الحسن، عن معقل الأشجعي أنه قال: مرّ علي رسول الله ﵇ وأنا أحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم".
ش: أحمد بن حميد الطريثيثي أبو الحسن الكوفي شيخ البخاري.
وابن فضيل هو محمَّد بن فضيل بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي روى له الجماعة.
ومعقل الأشجعي هو معقل بن سنان أبو محمَّد ويقال: أبو عبد الرحمن الأشجعي، له صحبة، شهد فتح مكة مع النبي ﵇.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن محمَّد بن فضيل نحوه.
стр. 4337
ص: حدثنا محمَّد بن خريمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن ثوبان مولى رسول الله ﵇، أن رسول الله ﵇ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
ش: إسناده صحيح، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري الشامي مختلف في صحبته، فعن الليث وابن لهيعة: له صحبة. وعن العجلي وابن حبان: ثقة من كبار التابعين.
وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣).
وأخرجه بهذا الإسناد البزار في "مسنده": ثنا وهب بن يحيى، نا محمَّد بن سواء، قال: نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن ثوبان، عن النبي ﵇ نحوه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا يحيى بن عبد الله، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: ثنا أبو قلابة، قال: ثنا أبو أسماء الرحبي، عن ثوبان: "أن رسول الله ﵇ خرج في رمضان في ثماني عشرة، فمر برجل يحتجم، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم".
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى، قال: ثنا أبو قلابة، أن أبا أسماء حدثه، أن ثوبان مولى رسول الله ﵇ حدثه ... ثم ذكر مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى في الحديث المذكور.
стр. 4338
الأول: صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي البصري، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ... فذكر الحديث المذكور بإسناده نحوه.
وأخرجه أحمد (١) نحوه.
الثاني: طريق حسن لا بأس به: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بابُلْت البابُلْتي أبي سعيد الحراني، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي أسماء عمرو بن مرثد الرحبي الشامي الدمشقي، عن ثوبان ﵁.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢): ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، ثنا العباس بن الوليد بن مرثد البيروتي، ثنا أبي، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، حدثني أبو أسماء، حدثني ثوبان قال: "خرجت مع رسول الله ﵇ لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فلما كان بالبقيع نظر رسول الله ﵇ إلى رجل يحتجم، فقال رسول الله ﵇: أفطر الحاجم والمحجوم" انتهى.
فإن قيل: كيف تقول: هذا الإسناد حسن وقد قال يحيى بن معين: يحيى بن عبد الله البابُلتي لم يسمع -والله- من الأوزاعي شيئًا؟!.
قلت: قال ابن عدي: وليحيى البابلتي عن الأوزاعي أحاديث صالحة.
فبهذا المقدار ثبت الحسن لإسناد حديثه (٣)، على أن الحديث في نفس الأمر صحيح.
стр. 4339
وقال الترمذي في "العلل الكبير": قال محمَّد: ليس في الباب شيء أصح من حديث شداد وثوبان.
قلت له: كيف بما فيهما من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي الأشعث عن شداد، روى الحديثين جميعًا.
الثالث: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن الأوزاعي ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن هشام.
ونا أحمد بن حنبل، قال: ثنا الحسن بن موسى، قال: ثنا شيبان، جميعًا عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن النبي ﵇ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) نحوه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو الأحوص، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "أفطر الحاجم والمحجوم".
ش: إسناده صحيح، والحسن بن الربيع بن سليمان القسري الكوفي، شيخ الجماعة غير الترمذي.
وأبو الأحوص سلام بن سليم، روى له الجماعة.
стр. 4340
وليث هو ابن أبي سليم ثقة.
وعطاء ابن أبي رباح.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن علي بن راشد، أنا خالد بن عبد الله، عن ليث -يعني ابن أبي سليم- عن عطاء، عن عائشة عن النبي ﵇ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" ثم قال: وقد رواه أبو الأحوص وشيبان بن عبد الرحمن فتابعا خالدًا على هذه الرواية.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) موقوفًا: ثنا الحسن بن موسى، عن شيبان، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة قالت: "أفطر الحاجم والمحجوم".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن خالد ومنصور، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس: "أن النبي ﵇ مرَّ في رمضان على رجل يحتجم فقال: أفطر الحاجم والمحجوم".
حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن يونس، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عامر، عن ابن أبي قلابة ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري، عن هشيم بن بشير، عن خالد الحذاء ومنصور بن زاذان، كلاهما عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي الأشعث الصنعاني، اسمه شراحيل بن آدة، عن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري النجاري.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا محمَّد بن أبان الأصفهاني، نا أبو أمية عبد الله بن خلاد الواسطي، ثنا عمرو بن عون، أنا هشيم، عن منصور بن زاذان وخالد، عن
стр. 4341
أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس قال: "كنت مع رسول الله ﵇ عام الفتح، فمر برجل يحتجم في ثمان عشرة أو سبع عشرة في رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم".
الثاني: عن إبراهيم بن محمَّد بن يونس بن مروان، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن زيد أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس قال: "مررت برسول الله ﵇ في ثمان عشرة خلت من رمضان، فأبصر رجلًا يحتجم، فقال رسول الله ﵇: أفطر الحاجم والمحجوم".
وأخرجه أبو داود (٢): نا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، قال: نا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس: "أن رسول الله ﵇ أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم".
وروى هذا خالد الحذاء، عن أبي قلابة بإسناد أيوب، مثله (٣).
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤) نحو رواية أبي داود، ثم قال: سمعت محمَّد بن صالح يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة، وهذا الحديث صح بأسانيد، وبه نقول.
стр. 4342
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، (١) ثم قال: سمع أبو قلابة هذا الخبر عن أبي أسماء، عن ثوبان.
وسمعه عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء، عن شداد.
وهما طريقان محفوظان.
وقد جمع شيبان بن عبد الرحمن بين الإسنادين عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.
وعن أبي الأشعث، عن أبي أسماء، عن شداد بلفظ: "كنت أمشي مع النبي ﵇ في البقيع زمان الفتح".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "أفطر الحاجم والمستحجم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
ش: هذان طريقان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان شيخ الجماعة غير الترمذي، عن داود بن عبد الرحمن المكي أبي سليمان العطار روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: إن رسول الله ﵇ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".
стр. 4343
وأخرجه ابن ماجه (١) بغير هذا الإسناد: ثنا أيوب بن محمَّد الرقي، وداود بن رشيد، قالا: ثنا معاوية بن سليمان، نا عبد الله بن بشر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "أفطر الحاجم والمحجوم".
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث داود العطار، عن ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﵇: "أفطر الحاجم والمستحجم".
ورواه النسائي (٣): من طريق النضر بن شميل وعبد الرزاق، عن ابن جريج موقوفًا.
الثاني: عن ربيع بن سليمان (٤).
стр. 4344
[بسم الله الرحمن الرحيم]
ص: كتاب مَنَاسِك الحَجِّ
ش: أي هذا كتاب في بيان مناسك الحج، والمناسك جمع مَنْسَك بفتح السين وكسرها، وهو المتُعَبَّد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سُمِّيت أمور الحج كلها مناسك الحج.
والمَنْسِك: المذبح، وقد نَسَكَ يَنْسُك نُسْكًا إذا ذبح.
والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك.
والنُّسك أيضًا الطاعة والعبادة وكل ما تُقُرِّبَ به إلى الله تعالى، والنُّسُك: ما أمرت به الشريعة، والورع: [ما] (١) نهت عنه، والناسِك العابد، وسُئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النَسِيكة وهي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفّى نفسه لله تعالى".
وفي "المطالع": المناسك مواضع متعبدات الحج.
والحج من حججت الشيء أحجه حجًّا، إذا قصدته.
قال الزجاج في قوله تعالى،: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢): تقرأ بفتح الحاء وكسرها، والأصل الفتح.
وقال الطبري: أكثر العرب يكسرون الحاء.
وقال ابن السكيت: بفتح الحاء: القصد، وبالكسر: القوم الحجاج، والحَجّة: الفَعلة من الحج، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة.
стр. 4345
وقال الأزهري: وأصل الحج من قولك: حَجَجْتُ فلانًا أَحُجَّه حجًّا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى، فقيل: حج البيت؛ لأن الناس يأتونه كل سنةٍ، ومنه قول المخبل السَّعْدي:
وأشهد من عوف حلولًا كثيرةً ... يَحُجُّون سِبَّ الزِّبرقان المزعفرا
يقول: يأتوه مرة بعد أخرى لسُؤدَدِه، وسِبَّه: عمامته.
وقال صاحب "العين": السِّبُّ: الثوب الرقيق، وقيل: الخمار، وقيل: غلالة رقيقة يمنية.
وذكره في "الدستور" في باب: السنن المكسورة.
والزبرقان: اسم القمر في الأصل، ولُقِّب به الحصين؛ لصفرة عمامته.
وأما معنى الحج في الشرع: هو قصد إلى زيارة البيت الحرام بأفعال مخصوصة على وجه التعظيم، وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمر إلَّا مرةً واحدةً؛ لأن السبب غير متكرر.
وذكر القرطبي أن الحج فُرِضَ سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة تسع، قال: وهو الصحيح.
وذكر البيهقي أنه كان سَنة ست، وفي حديث ضمام بن ثعلبة ذِكْرُ الحج، وذَكَرَ محمَّد بن حبيب أن قدومه كان سَنة خمس من الهجرة.
وقال الطرطوشي: وقد رُوي أن قدومه على النبي ﵇ كان في سنة تسع.
وذكر الماوردي أنه فُرِض في سَنة ثمان.
وقال (الطرطوشي وإمام الحرمين) (١): سنة تسع أو عشر، وقيل: قبل هجرته ﵇، وقيل: سنة سبع والله أعلم.