← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس قال: "كنت مع رسول الله ﵇ عام الفتح، فمر برجل يحتجم في ثمان عشرة أو سبع عشرة في رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم". الثاني: عن إبراهيم بن محمَّد بن يونس بن مروان، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن زيد أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس قال: "مررت برسول الله ﵇ في ثمان عشرة خلت من رمضان، فأبصر رجلًا يحتجم، فقال رسول الله ﵇: أفطر الحاجم والمحجوم". وأخرجه أبو داود (٢): نا موسى بن إسماعيل، نا وهيب، قال: نا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس: "أن رسول الله ﵇ أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم". وروى هذا خالد الحذاء، عن أبي قلابة بإسناد أيوب، مثله (٣). وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤) نحو رواية أبي داود، ثم قال: سمعت محمَّد بن صالح يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة، وهذا الحديث صح بأسانيد، وبه نقول.

стр. 4342

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، (١) ثم قال: سمع أبو قلابة هذا الخبر عن أبي أسماء، عن ثوبان. وسمعه عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء، عن شداد. وهما طريقان محفوظان. وقد جمع شيبان بن عبد الرحمن بين الإسنادين عن يحيى، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. وعن أبي الأشعث، عن أبي أسماء، عن شداد بلفظ: "كنت أمشي مع النبي ﵇ في البقيع زمان الفتح". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن العطار، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "أفطر الحاجم والمستحجم". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "أفطر الحاجم والمحجوم". ش: هذان طريقان: الأول: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان شيخ الجماعة غير الترمذي، عن داود بن عبد الرحمن المكي أبي سليمان العطار روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: إن رسول الله ﵇ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".

стр. 4343

وأخرجه ابن ماجه (١) بغير هذا الإسناد: ثنا أيوب بن محمَّد الرقي، وداود بن رشيد، قالا: ثنا معاوية بن سليمان، نا عبد الله بن بشر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "أفطر الحاجم والمحجوم". وأخرجه البيهقي (٢): من حديث داود العطار، عن ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﵇: "أفطر الحاجم والمستحجم". ورواه النسائي (٣): من طريق النضر بن شميل وعبد الرزاق، عن ابن جريج موقوفًا. الثاني: عن ربيع بن سليمان (٤).

стр. 4344

[بسم الله الرحمن الرحيم] ص: كتاب مَنَاسِك الحَجِّ ش: أي هذا كتاب في بيان مناسك الحج، والمناسك جمع مَنْسَك بفتح السين وكسرها، وهو المتُعَبَّد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سُمِّيت أمور الحج كلها مناسك الحج. والمَنْسِك: المذبح، وقد نَسَكَ يَنْسُك نُسْكًا إذا ذبح. والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك. والنُّسك أيضًا الطاعة والعبادة وكل ما تُقُرِّبَ به إلى الله تعالى، والنُّسُك: ما أمرت به الشريعة، والورع: [ما] (١) نهت عنه، والناسِك العابد، وسُئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النَسِيكة وهي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفّى نفسه لله تعالى". وفي "المطالع": المناسك مواضع متعبدات الحج. والحج من حججت الشيء أحجه حجًّا، إذا قصدته. قال الزجاج في قوله تعالى،: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢): تقرأ بفتح الحاء وكسرها، والأصل الفتح. وقال الطبري: أكثر العرب يكسرون الحاء. وقال ابن السكيت: بفتح الحاء: القصد، وبالكسر: القوم الحجاج، والحَجّة: الفَعلة من الحج، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة.

стр. 4345

وقال الأزهري: وأصل الحج من قولك: حَجَجْتُ فلانًا أَحُجَّه حجًّا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى، فقيل: حج البيت؛ لأن الناس يأتونه كل سنةٍ، ومنه قول المخبل السَّعْدي: وأشهد من عوف حلولًا كثيرةً ... يَحُجُّون سِبَّ الزِّبرقان المزعفرا يقول: يأتوه مرة بعد أخرى لسُؤدَدِه، وسِبَّه: عمامته. وقال صاحب "العين": السِّبُّ: الثوب الرقيق، وقيل: الخمار، وقيل: غلالة رقيقة يمنية. وذكره في "الدستور" في باب: السنن المكسورة. والزبرقان: اسم القمر في الأصل، ولُقِّب به الحصين؛ لصفرة عمامته. وأما معنى الحج في الشرع: هو قصد إلى زيارة البيت الحرام بأفعال مخصوصة على وجه التعظيم، وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمر إلَّا مرةً واحدةً؛ لأن السبب غير متكرر. وذكر القرطبي أن الحج فُرِضَ سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة تسع، قال: وهو الصحيح. وذكر البيهقي أنه كان سَنة ست، وفي حديث ضمام بن ثعلبة ذِكْرُ الحج، وذَكَرَ محمَّد بن حبيب أن قدومه كان سَنة خمس من الهجرة. وقال الطرطوشي: وقد رُوي أن قدومه على النبي ﵇ كان في سنة تسع. وذكر الماوردي أنه فُرِض في سَنة ثمان. وقال (الطرطوشي وإمام الحرمين) (١): سنة تسع أو عشر، وقيل: قبل هجرته ﵇، وقيل: سنة سبع والله أعلم.

стр. 4346

وفي بعض النسخ ذكر عقيب كتاب الصوم كتاب الحج، وفي بعضها كتاب الجهاد والأول أصح؛ لأن المناسبة تقتضي ذكر الحج مع الصلاة والزكاة والصوم لأنه من الخمس الذي بنُي الإِسلام عليه، وأما تأخيره عن الثلاثة فلما قلنا إن الصلاة ثانية الإيمان والزكاة ثالثته في الكتاب والسُّنة، وإلَّا فالقياس كان يقتضي أن يتقدم الصوم على الزكاة؛ لأن كلًّا من الصلاة والصوم عبادة بدنية صرفًا، والزكاة عبادة مالية صرفًا، ولما فرغ عن العبادات الغير [مركبة] (١) شَرَعَ في بيان العبادة المركبة؛ لأن الحج عبادة بدنية ومالية.

стр. 4347

ص: باب: المرأة لا تجد محرمًا هل يجب عليها فرض الحج أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم المرأة التي لا تجد محرمًا هل يجب عليها أن تحج أم لا؟ والمَحْرَمُ: مَنْ لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم، والمراد من المحرم ذو المحرم، ويقال له: ذو الحرمة أيضًا، وفي الحديث: "إلَّا ومعها ذو محرم" (١) وفي رواية: "مع ذي حرمة منها" (١). والمحرم يكون مصدرًا ميميًا بمعنى الحرمة. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع أبا معبد مولى ابن عباس يقول: قال ابن عباس ﵄: "خطب رسول الله ﵇ الناس فقال: لا تسافر امرأة إلَّا ومعها ذو محرمٍ، ولا يدخل عليها رجل إلَّا ومعها ذو محرمٍ. فقام رجل فقال: يا رسول الله، إني قد اكتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا، وقد أردتُ أن أحج بامرأتي. فقال رسول الله ﵇: احجج مع امرأتك". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن جريج، عن عمرو ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّارًا القاضي، وأبو معبد اسمه نافذ، وابن جريج هو عبد الملك بن جريج، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن

стр. 4348

سفيان -قال أبو بكر: نا سفيان بن عيينة- قال: ثنا عمرو بن دينار، عن أبي مَعْبد، سمعت ابن عباس يقول: سمعت النبي ﵇ يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم. فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي حاجة وإني اكتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك". وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "لا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلَّا ومعها محرم. فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج. فقال: اخرج معها". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا هشام بن عمار، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار، أنه سمع أبا معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﵇ قال: إني اكتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة قال: فأرجع معها". وفيه فوائد: حرمة سفر المرأة بدون ذي محرم معها، وعموم اللفظ يتناول عموم السفر، فيقتضي أن يحرم سفرها بدون ذي محريم معها؛ سواء كان سفرها قليلًا أو كثيرًا، للحج أو لغيره، ويجيء الخلاف فيه عن قريب، وكذلك عموم اللفظ يتناول ذوي المحارم جميعها، إلَّا أن مالكًا كره سفرها مع ابن زوجها وإن كان ذا محرم منها؛ لفساد الناس، وأن المحرمية في هذا ليست في المراعاة كمحرمية النسب. وحرمة اختلاء المرأة مع الأجنبي، وهذا لا خلاف فيه.

стр. 4349

وفيه دلالة على أن حج الرجل مع امرأته إذا أرادت حجة الإِسلام أولى من سفره إلى الغزاة؛ لقوله ﵇ لذلك الرجل: "احجج مع امرأتك" مع كونه قد كُتِبَ في الغزو. وفيه دلالة على اشتراط المَحْرَمِ في وجوب الحج على المرأة، ثم اختلفوا؛ هل هو شرط الوجوب أو شرط الأداء؟ وفيه خلاف سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، قال: ثنا ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "لا تسافر المرأة إلَّا ومعها ذو محرم". ش: إسناده صحيح. وروح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضًا. وحامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس، وشيخ أبي داود، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان. وابن عجلان المدني، روى له الجماعة البخاريُّ مستشهدًا. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا عمرو، نا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا -لا أدري كم- إلَّا ومعها ذو محرم". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن المرأة لا تسافر سفرًا قريبًا أو بعيدًا إلَّا مع ذي محرمٍ، واحتجوا في ذلك بهذه الأخبار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: النخعي والشعبي وطاوس بن كيسان والظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا يجوز للمرأة أن تسافر مطلقًا، سواء كان سفرًا قريبًا أو بعيدًا إلَّا ومعها ذو

стр. 4350

محرمٍ لها، وإحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة وذلك لعمومها واشتمالها على حكم السفر مطلقًا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل سفر هو دون البريد فلها أن تسافر بلا محرم، وكل سفر يكون بريدًا فصاعدًا فليس لها أن تسافر إلَّا بمحرم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء وسعيد بن كيسان وطائفة من الظاهرية؛ فإنهم قالوا بجواز سفر المرأة فيما دون البريد، فإذا كان بريدًا فصاعدًا فليس لها أن تسافر إلَّا بمحرم. "والبريد" فرسخان، وقيل: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف ذراع. وقال الجوهري: البريد اثني عشر ميلًا. وفي "المطالع": البَرِيدُ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والبريد أيضًا الرسول المستعمل، ودواب البريد دواب تُعدّ هؤلاء الرسل، يقال: أبرد إليه بريدًا، ومنه قوله ﵇: "إذا أبردتم إليّ بريدًا فاجعلوه حسن الوجه حَسن الاسم" (١) ومنه دار البريد، والبريد أيضًا الطريق، وهو عربي وافق لسان العجم، ومنه الحديث: "على بريد الرُّويثة" (٢) وبرَّد لنا بريدًا: أرسله لنا معجلًا، ومن هذا كله سميت الدواب والرسل والطرق المستعملة كذلك. انتهى. وقال الزمخشري: البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل، وأصلها بريدة دم: أي محذوف الذنَب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأعربت وخففت، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدًا، والمسافة التي بين السكتين

стр. 4351

بريدًا، والسكة موضع كان تسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وبُعد ما بين السكتين فرسخان، وقيل: أربعة (١). وقال النووي: الفرسخ اثني عشر ألف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعًا معترضة معتدلةً، والإصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، والميل ثلث الفرسخ. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، قال: ثنا سُهَيْل بن أبي صالح، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبَري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تسافر امرأة بريدًا إلَّا مع زوج أو ذي محرم". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا معلَّى بن راشد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل ... فذكر بإسناده مثله. قالوا: ففي توقيت النبي ﵇ البريد ما يدل على أن ما دونه بخلافه. ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة؛ فإن فيه توقيتا -أي تحديدًا- بالبريد، فدل أن ما دونه بخلافه، وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي عمر الضرير حفص بن عمر البصري شيخ أبي داود وابن ماجه؛ عن حماد بن سلمة، عن سُهيل بن أبي صالح ذكوان الزيات، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث حماد بن سلمة، عن سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تسافر امرأة بريدًا إلَّا مع ذي محرم".

стр. 4352

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن معلى بن أسد العَمي البصري شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن المختار الأنصاري الدباغ، عن سهيل بن أبي صالح، عن سعيد، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (١): عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن سهيل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ... نحوه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إذا كان سفر هو دون اليوم فلها أن تسافر بلا محرم، وكل سفرٍ يكون يومًا فصاعدًا فليس لها أن تسافر إلَّا بمحرم. ش: أي خالف الفريقين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والليث ومالكًا والشافعي؛ فإنهم قالوا: للمرأة أن تسافر فيما دون اليوم بلا محرم، وأما فيما زاد على ذلك فليس لها أن تسافر إلَّا بزوج أو محرم، ولكن مذهب مالك والشافعي أن المرأة تسافر للحج الفرض بلا زوج [أو] (٢) محرم وإن كان بينها وبين مكة سفر أو لم يكن؛ فإنهما خَصَّا النهيَ عن ذلك بالأسفار الغير واجبة. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا شيبان ابن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَعْدٍ، عن أبيه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لامرأة أن تسافر يومًا فما فوقه إلَّا ومعها ذو محرمٍ". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه لم يقل: "فما فوقه". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سعيد المقبري ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا ابن أبي ذئب (ح).

стр. 4353

وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. قالوا: ففي توقيت النبي ﵇ يومًا دليل أن ما هو أقل منه بخلافه. ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة؛ فإن فيه توقيتًا بيومٍ، وهذا دليل على أن ما دونه بخلافه. وأخرجه من خمس طرق صحاح: الأول: عن أبي أُميَّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن أبي نعيم الفضل ابن دكين، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي البصري المؤذن، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن أبي سَعْدٍ سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه أبي سعيد كيسان المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حسن، ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سعد، أن أباه أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لامرأة أن تسافر يومًا فما فوقه إلَّا ومعها ذو حرمة". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذؤيب المدني، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٢): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب قال: أنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلَّا مع ذي محرم". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.

стр. 4354

وأخرجه مالك في "موطأه" (١): عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلَّا مع ذي محرم منها". وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عبد الله بن مسلمة والنفيلي، عن مالك. ونا الحسن بن علي، قال: نا بشر بن عمر، قال: حدثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد -قال الحسن في حديثه: عن أبيه. ثم اتفقوا- عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يومًا وليلة ... " [فذكر معناه] (٣). قال أبو داود: لم يذكر النفيلي والقعنبي: "عن أبيه". وقال أبو عمر: رواه جماعة الرواة للموطأ عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بدون ذكر أبيه. ورواه بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، كذلك قال ابن معين وغيره. الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن سعيد المقبري، عن أبيه كيسان المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٤): نحوه وقد ذكرناه. الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبيه كيسان، عن أبي هريرة.

стр. 4355

وقد رأيت أن في ثلاث طرق في رواية الطحاوي: عن سعيد، عن أبيه، وفي طريقين: عن سعيد، عن أبي هريرة بدون ذكر أبيه، وقد ذكرنا الاختلاف فيه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل سفر هو دون الليلتين، فلها أن تسافر بغير محرم، وكل سفر يكون ليلتين فصاعدًا فليس لها أن تسافر بغير محرم. ش: أي خالف الفِرَق الثلاث المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم الحسن البصري والزهري وقتادة؛ فإنهم قالوا: يجوز للمرأة أن تسافر في أقل من يومين وليلتين بغير ذي محرم منها، وإذا كان السفر ليلتان ليس لها ذلك إلَّا بمحرم. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة مولى زياد، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلَّا مع زوج أو ذي محرم". حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك ... فذكر بإسناده مثله. قالوا: ففي توقيت رسول الله ﵇ في ذلك ليلتين دليل على أن حكم ما هو دونهما بخلاف حكمهما. ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي سعيد الخدري، فإن فيه التوقيت بليلتين، وما دونه غير داخل فيه. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير بن سُويد اللخمي الكوفي، عن قزعة بن يحيى البصري مولى زياد بن أبي سفيان، عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري.

стр. 4356

وأخرجه مسلم (١) بأتم منه: ثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جميعًا- عن جرير- قال قتيبة: ثنا جرير- عن عبد الملك -وهو ابن عمير- عن قزعة، عن أبي سعيد قال: "سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﵇؟ قال: فأقول على رسول الله ﵇ ما لم أسمع؟! قال: سمعته يقول: قال رسول الله ﵇: "لا تشدُّوا الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى". وسمعته يقول: "لا تسافر المرأة يوميْن من الدهر إلَّا ومعها ذي محرم منها أو زوجها". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الرقي، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه البخاري (٢): ثنا سليمان بن حَرْب، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد- وقد غزا مع النبي ﵇ ثنتي عشرة غزوة- قال: "أربع سمعتهن من رسول الله ﵇ فأعجبتني آنقنني: لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو رحم، ولا صوم يومين؛ الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى". ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل سفر يكون ثلاثة أيام فصاعدًا فليس لها أن تسافر إلَّا بمحرم، وكل سفر يكون دون ذلك، فلها أن تسافر بغير محرم.

стр. 4357

ش: أي خالف الفِرَق الأربع المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأعمش وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: إذا كان السفر مسافة ثلاثة أيام فصاعدًا ليس لها أن تسافر إلا بمحرم أو زوج، وإذا كان أقل من ذلك فلها أن تسافر بغير محرم. ويروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود ﵃. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدّد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله بن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلَّا مع محرم". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا ابن جريج، قال: ثنا عبد الكريم بن مالك، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلَّا مع رجل يحرم عليها نكاحه". حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا يحيى بن عيسى وعبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لا تسافر المرأة سفرًا ثلاثة أيام فصاعدَا إلَّا ومعها زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو محرم منها". غير أن ابن نمير قال في حديثه: "فوق ثلاث". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش ... فذكر بإسناده مثله، وقال: "سفرًا ثلاثة أيام".

стр. 4358

حدثنا فهدٌ، قال: ثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، قال: ثنا وُهَيب بن خالد، قال: ثنا سُهِيْل، عن أبيه وعن المغيرة، حدثاه عن أبي هريرة رفعه، قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إلَّا مع بعل أو ذي محرم". قالوا: ففي توقيت رسول الله ﵇ الثلاث في ذلك دليل على أن حكم ما دون الثلاث بخلاف ذلك، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد- ﵏. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بأحاديث عبد الله بن عمر، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، فإنهم قالوا في أحاديثهم: وقّت رسول الله ﵇ ثلاثة أيام، والتقييد به ينافي أن يكون حكم ما دونه مثل حكمه. أما حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب فأخرجه بإسنادٍ صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثني يحيى بن سعيدِ، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "لا تسافر المرأة ثلاثًا إلَّا ومعها ذو محرمٍ". وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن مكي بن إبراهيم البلخي شيخ البخاري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري أبي سعيد الحراني مولى عثمان بن عفان روى له الجماعة، عن عمرو بن شعيب ثقة، وحديثه حسن، عن أبيه شعيب بن محمَّد ذكره ابن حبان في "الثقات"، عن عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر البخاري وأبو داود وغير واحد أنه سمع من جده عبد الله ابن عمرو.

стр. 4359

والحديث أخرجه العدني في "مسنده" (١): ثنا هشام، عن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم بن مالك، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: "استند النبي ﵇ إلى البيت، فوعظ الناس وذكرهم، ثم قال: لا يصلين أحدٌ بعد العصر، ولا تسافر امرأة إلَّا مع ذي محرم مسيرة ثلاثة أيام، ولا تقدم المرأة على عمتها ولا على خالتها". وأما حديث أبي هريرة فأخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن المنهال ... إلى آخره، وإسناده صحيح، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو كامل الجحدري قال: نا بشر -يعني ابن المفضل- قال: ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثًا إلَّا ومعها ذو محرمٍ منها". الثاني: أيضًا صحيح عن فهد بن سليمان، عن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن وُهَيْب بن خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، وعن أبي سَعْد سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا بشر بن المفضل، نا سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوه. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن عمرو بن موسى، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الكوفي الجزار وثقه العجلي وغيره، وعبد الله بن نمير، كلاهما عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي سعيد.

стр. 4360

وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب جميعًا، عن أبي معاوية -قال أبو كريب: نا أبو معاوية- عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلَّا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق الكوفي النخعي القاضي، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي سعيد. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا عثمان بن أبي شيبة وهنَّاد، أن أبا معاوية ووكيعًا حدثاهم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام فصاعدًا؛ إلَّا ومعها أخوها أو أبوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرمٍ منها". ص: فقد اتفقت هذه الآثار كلها عن النبي ﵇ في تحريم السفر ثلاثة أيام على المرأة بغير ذي محرم، واختلف فيما دون الثلاث، فنظرنا في ذلك، فوجدنا النهي عن السفر بلا محرم مسيرة؛ ثلاثة أيام فصاعدًا ثابتًا بهذه الآثار كلها، وكان توقيته ثلاثة أيام في ذلك إباحة السَّفر دون الثلاث لها بغير محرم، ولولا ذلك لما كان لذكره الثلاث معنى، ولنَهَى نَهْيًا مطلقًا ولم يتكلم بكلام يكون فَضْلًا، ولكنه ذكر الثلاث ليكْلَمَ أن ما دونها بخلافها، وهكذا الحكيم يتكلم من الكلام بما يَدُلُّ على غيره ليُغْنيِه عن ذكر ما يدل كلامه ذلك عليه، ولا يتكلم بالكلام الذي لا يدلُّ على غيره وهو يقدر أن يتكلم بكلام يدل على غيره، وهذا تفضيل من الله لنبيه ﵇ بذلك، إذ آتاه جوامع الكلم الذي ليس في طبع غيره القوة عليه، ثم رجعنا إلى ما كنا فيه، فلما

стр. 4361

ذكر الثلاث، وثبت بذكره إياها إباحة ما هو دونها، ثم ما رُوي عنه في مَنْعها من السفر دون الثلاث من اليوم واليومين والبريد، فكل واحد من تلك الآثار ومن الأثر المروي في الثلاث متى كان بعد الذي خالفه نَسَخَه، إن كان النهي عن سفر اليوم بلا محرم بعد النهي عن سفر الثلاث بلا محرم، فهو ناسخ، وإن كان تخبر الثلاث هو المتأخر عنه فهو ناسخ، فقد ثبت أن أحد المعاني التي دون الثلاث ناسخة للثلاث أو الثلاث ناسخةٌ لها، فلم يَخْلُ تخبر الثلاث من أحد وجهين: إما أن يكون هو المتقدم، أو أن يكون هو المتأخر، فإن كان هو المتقدم فقد أباح السفر بأقل من ثلاث بلا محرم، ثم جاء بعده النهي عن سفر ما هو دون الثلاث بغير محرم، فحرَّم ما حرم الحديث الأول، وزاد عليه حرمةً أخرى وهي ما بينه وبين الثلاث، فوجب استعمال الثلاث على ما أَوْجَبه الأثر المذكور فيه وإن كان هو المتأخر وغيره المتقدم فهو ناسخٌ لما تقدمه والذي تقدمه غير واجب العملُ به، فحديثُ الثلاث واجبٌ استعماله على الأحوال كلها، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا يجب إن كان هو المتقدم، فالذي قد وجب علينا استعماله والأخذ به في كلا الوجهين أولى مما قد يجب استعماله في حال وتركه في حال، وفي ثبوت ما ذكرنا دليل على أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين الحج مسيرة ثلاثة أيام إلَّا مع محرم، فإذا عَدِمَت المحرم وكان بينها وبين مكة المسافة التي ذكرنا فهي غير واجدة للسبيل الذي يجب عليها الحج بوجوده. ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان وجوب العمل بالأحاديث التي فيها تعيين مدة الثلاث، والتوفيق بينها وبين الآثار التي فيها التعيين بيومٍ ويومين، بيانه ملخصًا: أن هذه الآثار كلها متفقة على حرمة السفر عليها بغير ذي محرم مسافة ثلاثة أيام، والاختلاف فيما دونها، والنهي عن السفر مسافة ثلاثة أيام فما فوقها ثابت بهذه الآثار كلها، ثم في تقييده بالثلاث إباحة لما دونها، إذ لو لم يكن كذلك لما كان لتعيين الثلاث فائدة، ولكان نهي مطلقًا، وكلام الحكيم مصون عما لا فائدة فيه وعن الحشو، ولا سيما رسول الله ﵇ الذي أُوتي جوامع

стр. 4362

الكلم، وهو الموجز من القول، وهو ما قلَّت ألفاظه واتسقت معانيه، وقد يقال: هو القرآن لإيجازه وإعجازه. ثم إذا ثبت بذكر الثلاث وتعيينه إباحة ما دونه نحتاج إلى التوفيق بينه وبين ما رُوي من اليوم واليومين والبريد، وهو أن نقول: لا يخلو إما أن يكون خبر الثلاث متقدمًا على هذه الآثار فيكون منسوخًا، أو متأخرًا عنها فيكون ناسخًا لها، ففي فرضنا له متقدمًا يكون مبيخا للسفر بأقل من ثلاث بلا محرم، ثم النهي الذي جاء بعده عن سفر ما دون الثلاث يكون محرِّمًا ما حرّم هذا، وهذا يكون زائدًا عليه بحرمة أخرى وهي ما بينه وبين الثلاث، فإذا كان كذلك يجب استعمال الثلاث على مقتضى رواية الثلاث. وفي فرضنا له متأخرًا يكون ناسخًا لما تقدمه ويبطل العمل بما تقدمه، وأما حديث الثلاث يكون واجب الاستعمال في الحالين كما ذكرنا، والعمل بما كان واجب الاستعمال في الحالين أولى من الذي يجب استعماله في حال ويجب تركه في حال؛ فافتح بصيرتك فيه فإنه موضع دقيق، هذا ما ذكره الطحاوي. وقال القاضي: وقوله في الرواية الواحدة عن أبي سعيد: "ثلاث ليال" وفي الأخرى: "يومين" وفي الأخرى: "أكثر من ثلاث" وفي حديث ابن عمر: "ثلاث" وفي حديث أبي هريرة: "مسيرة ليلة" وفي الأخرى عنه: "يوم وليلة" وفي الأخرى عنه: "ثلاث" وهذا كله ليس يتنافر ولا يختلف، فيكون ﵇ منع من ثلاث ومن يومين (ومن يوم أو يوم وليلة) (١) وهو أقلها، وقد يكون قوله ﵇ هذا في مواطن مختلفة ونوازل متفرقة فحدّث كل من سمعها بما بلغه منها وشاهده، وإن حدث بها واحد فحدّث مرات جمها على اختلاف ما سمعها. وقد يمكن أن يلفق بينها بأن اليوم المذكور مفردًا والليلة المذكورة مفردة بمعنى اليوم والليلة المجموعين؛ لأن اليوم من الليل والليل من اليوم، ويكون ذكره يومين

стр. 4363

مدة مضيها في هذا السفر في السير والرجوع، فأشار مرةً بمسافة السفر، ومرةً بمدة المغيب، وهكذا ذكر الثلاث فقد يكون اليوم الوسط بين السير والرجوع الذي تقضي حاجتها بحيث سافرت له فتتفق على هذا الأحاديث. وقد يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد للواحد، إذ الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أول الجمع، فكأنه أشار أن مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر فيه مع غير ذي محرمٍ، فكيف بما زاد، ولهذا قال في الحديث الآخر: "ثلاثة أيام فصاعدًا" وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف الفقهاء في تقصير المسافر وأقل السفر. انتهى. ولقائل أن يقول: لعل الثلاث كن أولًا، ثم رأى النبي ﵇ المصلحة في أقل من ذلك حسمًا للمادة، وسدًّا لباب الذريعة، لئلا يتطرقن إلى السفر وحدهن. فإن قيل: في هذا الباب رواية أبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس كما ذكرت، وكل رواياتهم مضطربة إلَّا رواية ابن عباس فإنها لم تضطرب. بيان ذلك أنه رُوي عن أبي سعيد: "لا تسافر ثلاثًا" ورُوي عنه: "لا تسافر فوق ثلاث" ورُوي عنه: "لا تسافر يومين". ورُوي عن أبي هريرة: "لا تسافر ثلاثًا" ورُوي عنه: "لا تسافر فوق ثلاث" ورُوي عنه: "لا تسافر يومًا وليلة" ورُوي عنه: "لا تسافر يومًا" ورُوي عنه: "لا تسافر بريدًا". ورُوي عن ابن عمر: "لا تسافر ثلاثًا" ورُوي عنه: "لا تسافر فوق ثلاث". فكان الأخذ برواية من رُوي عنه سالمًا من الاضطراب أولى من رواية من اضطربت الرواية عنه، فحيئذ الأخذ برواية ابن عباس أولى كما ذهب إليه النخعي والشعبي وطاوس والحسن وأهل الظاهر في منعها جملة إلَّا بزوج أو محرم. قلت: رواية غير ابن عباس زادت على رواية ابن عباس، فالأخذ بالزائد أولى، ولكن الزائد في نفسه يختلف؛ فرجح تخبر الثلاث لما ذكره الطحاوي أنه واجب

стр. 4364

الاستعمال في الأحوال كلها، وغيره قد يجب استعماله إن كان هو المتأخر ولا يجب إن كان هو المتقدم، فالذي هو واجب الاستعمال في الأحوال كلها أولى بالعمل مما قد يجب استعماله في حالة دون أخرى، والله أعلم. قوله: "وفي ثبوت ما ذكرنا ... " إلى آخره حاصله أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام إلَّا مع زوج أو محرم؛ لما ثبت من الدليل الذي ذكرناه. فإن قيل: إنكم تقولون في امرأة لا تجد معاشًا أصلًا إلَّا على ثلاث فصاعدًا أنها تخرج بلا زوج ولا محرم، وكذلك من خشيت على نفسها غلبة الكفار أو المحاربين أو الفساق ولم تجد أمنًا إلَّا على ثلاث فصاعدًا، أنها تخرج من غير زوج ومن غير محرم، وطاعة الله واجبة في الحج عليها كوجوب خلاص روحها، فكيف لا تجوزون خروجها ها هنا من غير زوج أو محرم؟ قلت: جواز ذلك هناك لإحياء نفسها وتحصينها، وليس هذا المعنى بموجود ها هنا، ولأن الله تعالى شرط الاستطاعة في الحج؟ والزوج والمحرم من استطاعة السبيل؛ ولهذا قال أحمد: المحرم من السبيل. وذلك حين سأله أبو داود عن امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج. قال: لا، المحرم من السبيل. وقال ابن قدامة: وعنه أن المحرم ليس من شرائط لزوم السعي دون الوجوب. وعنه رواية أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب قال ابن قدامة: والمذهب الأول. وروى أبو الحسن البغدادي (١): عن ابن عمر -بسند فيه محمَّد بن أبي يعقوب الكرماني وهو مجهول- قال رسول الله ﵇ في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج قال: "ليس لها أن تنطلق إلَّا بإذن زوجها".

стр. 4365

ص: وقد قال قومٌ: لا بأس أن تسافر المرأة بغير محرم، واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عمرة، عن عائشة أنها سمعتها تقول في المرأة تحج وليس معها ذو محرم فقالت: "ما لكلهن ذو محرم". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، أن ابن شهاب حدثه، عن عمر، أن عائشة أُخبرت أن أبا سعيد الخدري يُفتي أن رسول الله ﵇ قال: "لا يصلح للمرأة أن تسافر إلَّا ومعها محرم. فقالت: ما لكلهن ذو محرم". فإن الحجة عليهم في ذلك ما قد تواترت به الآثار التي ذكرناها عن رسول الله ﵇ فهى حجة على من خالفها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وطائفة من أهل الحديث؛ فإنهم قالوا: لا بأس للمرأة السفر بغير محرم سواء كان لحج أو غيره. ويُروى عن طائفة غيرهم أنه لايجوز إلَّا لحج، وهم الأوزاعي وابن سيرين وقتادة والحكم بن عُتَيْبَة، وأبو سليمان، ومالك، والشافعي؛ فإنهم قالوا: لا بأس للمرأة أن تحج من غير محرمٍ، واحتجوا على ذلك بما أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة ﵂. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن يونس بن يزيد ... إلى آخره نحوه. وكذلك احتجوا بما أخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وفيه رواية صحابية عن صحابي. قوله: "فإن الحجة عليهم ... " إلى آخره جواب عما قاله هؤلاء القوم، وهو ظاهر.

стр. 4366

وأراد بقوله: "تواترت": تكاثرت بأسانيد صحاح، لا التواتر المصطلح عليه في الأصول. ص: فإن قال قائل: إن الحج لم يدخل في السفر الذي نهى عنه في تلك الآثار. فالحجة على ذلك القائل حديث ابن عباس الذي بدأنا بذكره في هذا الباب إذ يقول: "خطب رسول الله ﵇ فقال: لا تسافر امرأة إلَّا مع محرم. فقال له رجلٌ: إني أردت أن أُحِجَّ امرأتي، وقد اكتُتِبْتُ في غزوة كذا وكذا. فقال: اُحْجُجْ بأمرأتِكْ". فدل ذلك على أنها لا ينبغي لها أن تحج إلَّا به، ولولا ذلك لقال رسول الله ﵇: وما حاجتها إليك، لأنها تخرج مع المسلمين وأنت فامْضِ لوَجْهك فيما اكتُتِبْت. ففي ترك النبي ﵇ أن يأمره بذلك، وأمره أن يحج معها؛ دليل على أنها لا يصلح لها الحجُّ إلَّا به. ش: هذا السؤال من جهة هؤلاء القوم الذي قالوا: لا بأس أن تسافر المرأة بغير محرم، وتقريره أن يقال: إن الحج لم يدخل في النهي؛ لأنه محمول على الأسفار غير الواجبة، والحج فرض فلا يدخل في ذلك النهي. وقال القرطبي: قال أبو حنيفة وأصحابه: لا تحج المرأة إلَّا مع ذي رحمٍ أو زوج وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي ذلك عن إبراهيم والحسن وفقهاء أصحاب الحديث، وذلك أنهم حملوا النهي على العموم في كل سفر، وحمله مالك و [من] (١) معه كالأوزاعي والشافعي على الخصوص، وأن المراد بالنهي عن الأسفار غير الواجبة، وقالوا: تخرج المرأة في حجة الفرض مع جماعة النساء في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها محرم؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يحج معه نسوة من جيرانه، وهو قول عطاء وابن جبير وابن سيرين والحسن، وقال الحسن: المسلم محرم.

стр. 4367

قوله: "فالحجة على ذلك القائل ... " إلى آخره جواب عن السؤال المذكور، وهو ظاهر. وحديث ابن عباس ﵁ قد مر في أول الباب. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١): ثنا أحمد بن محمَّد الطلمنكي، نا ابن مفرّح، نا إبراهيم بن أحمد بن فراس، نا محمَّد بن علي بن زيد الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس، "أنه سمع رسول الله ﵇ وهو يخطب ... " الحديث كما مرّ، غير أن في لفظه: "إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا" عوض قوله: "إني قد اكتتبت في غزوة كذا وكذا". ثم قال: فلم يقل ﵇: لا تخرج إلى للحج إلَّا معك، ولا نهاها عن الحج، بل ألزم الزوج ترك نذره في الجهاد وألزمه الحج معها، فالفرض في ذلك على الزوج لا عليها. انتهى. قلت: إنما قال ذلك استدلالًا لما ذهب إليه من أن المرأة تحج من غير زوج ومحرم، فإن كان لها زوج يفرض عليه أن يحج معها، وليس كما فهمه؛ بل الحديث في نفس الأمر حجة عليه؛ لأنه لما قال له: "فأخرج معها" و [أمر] (٢) بالخروج معها، فدل على عدم جواز سفرها إلَّا به أو بمحرم، وإنما ألزمه بترك نذره لتعلق جواز سفرها به. فإن قيل: ظاهر الحديث يدل على أن الزوج أو المحرم إذا امتنع عن الخروج معها في الحج أنه يُجبر على ذلك، ومع هذا فأنتم تقولون: إذا امتنع الزوج أو المحرم عن الخروج لا يجبر عليه. قلت: فليكن ذلك، فلا يضرنا هذا، وإنما وجدنا إثبات شرطية الزوج أو المحرم مع المرأة إذا أرادت الحج على أن هذا الأمر ليس بأمر إلزام، وإنما نبّه بذلك على أن المرأة لا تسافر إلَّا بزوجها.

стр. 4368

ص: وقد قال قائلٌ: قد رويتم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ قال: "لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلَّا مع ذي محرم". وقد رُوي عنه من قوله بعد النبي ﵇ خلاف ذلك، فذكر ما حدثنا علي ابن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن نافعًا حدثه: "أنه كان يسافر مع ابن عمر مواليات له ليس معهن ذو محرم". قيل له: ما هذا بخلافٍ لما رويناه عنه، عن النبي ﵇؛ لأنا لم نرْو عنه عن النبي ﵇ نهيًا أن تسافر المرأة سفرًا -أي سفرٍ كان- إلَّا بمحرم. ولكنا روينا عنه عن النبي ﵇ أنه نهى أن تسافر المرأة سفرًا ثلاثة أيام إلَّا مع ذي محرمٍ، فكان ذلك ناهيًا لها عن السفر الذي مقدار مسافته الثلاث إلَّا بمحرم، ومبيحًا لما هو أقل منه مسافة بغير محرم، فقد يجوز أن يكون السفر الذي كان تسافر معه هؤلاء المُواليات بغير محرم هو السفر الذي لم يدخل فيما نهى عنه، ما رويناه عنه ﵇. ش: الظاهر أن المراد من هذا القائل هو الشافعي: فإنه أورد هذا على أصحابنا، وهو وجوابه ظاهران. والحديث أخرجه عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي المعروف بعلَّان شيخ أبي عوانة الإسفرايني أيضًا، عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي المدني نزيل مصر روى له الجماعة، عن نافع مولى ابن عمر. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (١) من طريق سعيد بن منصور، نا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه.

стр. 4369

قوله: "مواليات" بضم الميم أي نساء مواليات، من وإلى القوم موالاة، وعقد الموالاة أن يُسلم رجل على يد آخر ويواليه، فيقول له: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيتُ. فيقبل الآخر، فهذا عقد صحيح وكذا لو أسلم على يد رجل ووالى غيره. ص: واحتج آخرون في أباحة السفر للمرأة بغير محرم بما رُوي عن عائشة ﵂ أنها كانت تسافر بغير محرم. ش: أي احتج جماعة آخرون ممن يرون جواز سفر المرأة بغير محرم كالزهري والبصري بما رُوي عن عائشة زوج النبي ﵇ أنها كانت تسافر بغير محرم، ورُوي عن الحسن أن المسلم محرم. ص: فحدثني بعض أصحابنا، عن محمَّد بن مقاتل الرازي لا أعلمه إلَّا عَنْ حكَّام الرازي، قال: "سألت أبا حنيفة ﵁: هل تسافر المرأة بغير محرم؟ فقال: لا؛ نهى رسول ﷺ أن تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا إلَّا ومعها زوجها أو أبوها أو ذو محرم منها". قال حكَّام: فسألت العَرْزَمِي، فقال: لا بأس بذلك، حدثني عطاء: أن عائشة ﵂ كانت تسافر بلا محرم. فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته بذلك، فقال أبو حنيفة: لم يَدْر العرزمي ما رَوَى، كان الناس لعائشة محرمًا فمع أيهم سافرت فقد سافرت بمحرم، وليس الناس لغيرها من الناس كذلك". ش: هذا جواب عما احتج به هؤلاء الآخرون بما رُوي عن عائشة، فلله درّ أبي حنيفة ما أحسن جوابه في ذلك، ولقد صدق فيه؛ لأن أزواج النبي ﵇ كلهن أمهات للمؤمنين، وهم محارم لهن؛ لأن المحرم من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبي ﵇ إلى يوم القيامة.

стр. 4370

ومحمد بن مقاتل الرازي قاضي الري من أصحاب محمَّد بن الحسن الشيباني من طبقة سليمان بن شعيب الكيساني، قال الذهبي: تُكلم فيه ولم يترك. وحكَّام -بتشديد الكاف- بن سلم الكناني أبو عبد الرحمن الرازي وثقه يحيى وغيره، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا. والعرزمي هو محمَّد بن عبيد الله بن أبي سليمان الفزاري الكوفي، فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة. وعن أحمد: ليس بشيء، لا يُكتب حديثه. ويقال: نزل جبانة عَرْزم بالكوفة فنسب إليها. وقال ابن دريد: بنو عَرْزم قوم من البصرة، وهو بتقديم الراء المهملة على الزاي. ص: وكل اللي بينَّا في هذا الباب من منع المرأة من السفر مسيرة ثلاثة إلَّا مع محرم، ومن إباحة ما دون ذلك لها في السفر بغير محرم، ومن أن المرأة لا يجب عليها فرض الحج إلَّا بوجود المحرم مع وجود سائر السبيل الذي يجب بوجودها فرض الحج هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد- ﵏. ش: "وكل الذي" كلام إضافي مبتدأ، وخبره: قوله: "وهو قول أبي حنيفة .. ". و"بيَّنَّا" من التبين، وفي بعض النسخ: "ثبتنا" من التثبيت. قوله: "ومن أن المرأة لا يجب عليها فرض الحج .. " إلى آخره. فيه خلاف، فذكر في "مطامح الأفهام": وأما حج المرأة فلازم لها منعقد وجوبه عليها، واختلف العلماء هل من شرط وجوبه عليها الزوج أو ذو المحرم يطاوعها أم لا؟ فقال مالك والشافعي: ليس ذلك شرط في الوجوب، ولها أن تخرج إذا وجدت رفقة مأمونة، وقد وقع لمالك: أنها إذا كانت لا تجد سبيلًا إلَّا في البحر فلا يلزمها، جملة من غير تفصيل، قال: لأنها عورة.

стр. 4371

وقال ابن القاسم: إذا لم تجد ما تركبه وقدرت على المشي؛ لم يلزمها الحج إلَّا أن يكون الموضع قريبًا جدّا كأهل مكة ومن في عملهم. وقد قيل: إن الحج لازم لها إذا قدرت على المشي أو ركوب البحر مع أمان غالب. وقال طاوس والنخعي والشعبي والحسن البصري والحسن بن حي وأبو حنيفة وأحمد: وجود ذي المحرم ومطاوعته شرط في وجوب الحج عليها، ورأوا أنها لا تحج إلا مع زوج أو ذي محرم. وقال كثير من أهل العلم: إن كان لها زوج، يُفْرَض عليه أن يحج معها، فإن لم يفعل فهو عاص، وعليها الحج دونه. انتهى. قلت: وجود الزوج أو المحرم شرط، وليس عليها تحصيل الشرط، فإذا وجد وجب، وإذا عدم لا يجب، ثم نفقة المحرم عليها. وقال الطحاوي: لا يجب عليها شيء. والله أعلم.

стр. 4372

ص: باب: المواقيت التي لا ينبغي لمن أراد الإحرام أن يجاوزها إلا محرمًا ش: أي هذا باب في بيان المواقيت التي لا يجوز مجاوزتها إلَّا محرمًا لمن يريد الحج أو العمرة، وهو جمع ميقات، على وزن مفعال، وأصله: موقات، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، من وَقَّت الشيء يَقِتُه إذا بيّن حده، وكذا وَقَّتَهُ يُوَقِّته، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: "وقتَ رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، ولم أسمعه منه، قيل له: فالعراق؟ قال: لم يكن يومئذ عراق". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد؛ عن صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر ... فذكر مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري ... إلى آخره. وأخرجه أحمد (١): ثنا محمَّد بن عبد الله، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: "وقت رسول الله ﵇ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل الشام الجحفة، قال: هؤلاء الثلاث حفظتهن عن رسول الله ﵇، وحُدِّثت أن رسول الله ﵇ قال: ولأهل اليمن يلملم، فقيل له: العراق؟ قال: لم يكن يومئذ عراق". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد ... إلى آخره.

стр. 4373

وأخرجه الطبراني (١): ثنا الحسن بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر قال: "وقت رسول الله ﵇ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم". وأخرجه البزار نحوه. وأخرجه الجماعة أيضًا بأسانيد مختلفة، وألفاظ متباينة. فقال البخاري (٢): ثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، سمعت النبي ﵇ يقول: "مُهلّ أهل المدينة ذو الحليفة، ومُهلّ أهل الشام مهيعة وهي الجحفة، وأهل نجد قرن. قال ابن عمر: زعموا أن النبي ﵇ قال -ولم أسمعه-: ومُهل أهل اليمن يلملم". وقال مسلم (٣): نا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر- قال يحيى: أنا. وقال الآخرون: ثنا- إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر قال: "أمر رسول الله ﵇ أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، وقال عبد الله بن عمر: وأُخْبرت أنه قال: ويُهل أهل اليمن من يلملم". وقال أبو داود (٤): نا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، وثنا أحمد بن يونس قال: ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "وقت رسول الله ﵇ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، وبلغني أنه وقت لأهل اليمن يلملم".

стр. 4374

وقال الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا قال: من أين نُهلُّ يا رسول الله؟ قال: يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال: ويقولون: أهل اليمن من يلملم". وقال النسائى (٢): أنا قتيبة، عن مالك، عن نافع عن عبد الله ابن عمر أخبره، أن رسول الله ﵇ قال: "يُهلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﵇ قال: ويهل أهل اليمن من يلملم". وقال ابن ماجه (٣): ثنا أبو مصعب، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن. قال عبد الله: أما هذه الثلاثة فقد سمعتها من رسول الله ﵇ وبلغني أن رسول الله ﵇ قال: ويهل أهل اليمن من يلملم". قوله: "وقت" من التوقيت، وهو أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، وكذلك التأقيت، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات، وقد ذكرناه. قوله: "ذا الحليفه" ذو الحليفة: ماء لبني جشم. قال عياض: على سبعة أميال من المدينة. وقال ابن قرقول: ستة. وقال البكري: هي تصغير حلفة، وأما ذو الحليفة التي في حديث رافع بن خديج: "كنا مع النبي ﵇ بذي الحليفة من تهامة، فأصَبْنا نهب غنم" قال ياقوت: فهو موضع بين حاذة وذات عرق من تهامة، وليس بذي الحليفة التي قرب المدينة.

стр. 4375

وقال ابن حزم: لمن جاء من جميع البلاد على طريق المدينة، أو كان من أهل المدينة: ذو الحليفة وهو من المدينة على أربعة أميال، وهو من مكة على مائتي ميل غير ميلين. وقال الكرماني في "مناسكه": بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع، ومنها إلى مكة عشر مراحل. وفي موضع آخر: من مدينة رسول الله ﵇ إلى ذي الحليفة -وهي السمرة ومنها يحرم أهل المدينة- خمسة أميال ونصف، مكتوب على الميل الذي وراءها قريب من ستة أميال من البريد، ومن هذا البريد أهلَّ سيدنا رسول الله ﵇، وبذي الحليفة عدة آبار ومَسْجدان لرسول الله ﵇، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس. وقال ابن التين: هي أبعد المواقيت من مكة تعظيمًا لأجر النبي ﵇. قوله: "الجُحْفَة" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة قال أبو عُبيد: هي قرية جامعة بها منبر، بينها وبين البحر نحو ستة أميال وغديرخم على ثلاثة أميال منها وهي ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب، وهي على ثلاث مراحل من مكة أو أكثر، وعلى ثمانية مراحل من المدينة، سميت بذلك لأن السهول أجَحْفت بما حولها. وقال الكلبي: أخرجت العماليق بني عبيل -وهم أخوة عاد- من يثرب فنزلوا الجحفة وكان اسمها مَهْيعة، فجاءهم السَيْل فاجتحفهم فسميت الجحفة. وفي كتاب "أسماء البلدان": لأن سَيْل الجحاف نزل بها فذهب بكثير من الحاج وبأمتعة الناس ورحالهم، فمن ذلك سميت الجحفة. وقال أبو عُبيد: وقد سماها رسول الله ﵇ مَهْيعة، بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف والعين المهملة. وقال القرطبي: قال بعضهم: بكسر الهاء.

стр. 4376

وقال ابن حزم: الجُحفة: ما بين الغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. قوله: "ولأهل نجد قرن" النجد في اللغة ما أشرف من الأرض واستوى، ويجمع على أنجد وأنجاد ونجود ونُجُد بضمتين. وقال القزاز: سمي نجد لعُلوه. وقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وكثرة حجارته وصعوبته، من قولهم: رجل نجد: إذا كان قويًّا شديدًا، وقيل: سمي نجدًا لفزع من يدخله من أجل استيحاشه واتصال فزع السالكين له من قولهم: رجل نَجَدٌ. إذا كان فزعًا، ونجدٌ مذكرٌ، قال الشاعر: ألم تر أن الليل يقصر طوله ... بنجد وتزداد النطاق به بردًا ولو أنثه أحد ورده على البلد لجاز له ذلك. والعرب تقول: نَجدٌ ونُجدٌ -بفتح النون وضمها لغتان- وقال الكلبي في "أسماء البلدان": النجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العُذيب إلى الطائف، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان. وقال أبو عمر: نجد ما بين جُرَش إلى سواد الكوفة، وحَدّه مما يلي الغرب: الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن، ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال ابن الأثير: نجدٌ ما بين العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة وإلى جبلي طيء وإلى وَجْدَة وإلى اليمن، والمدينة لا تهاميه ولا نجدية، فإنها فوق الغور، ودون نجد. وقال الحازمي: نجدٌ اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن والعراق والشام. وقال السكري: حد نجدٍ ذات عرق من ناحية الجبال كما تدور الجبال معها إلى جبال المدينة، وما وراء ذلك ذات عرق إلى تهامة.

стр. 4377

وقال القتيبي: ثنا الرياشي، عن الأصمعي قال: العرب تقول: إذا علوت نجدًا مصعدًا فقد نجدت ولا تزال منجدًا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت ذلك فقد أَتْهَمْتَ إلى البحر، فإذا عرض لك الحِرارُ وأنت تنجد فتلك الحجاز. وقال ياقوت: نجد تسعة مواضع، ونجد المشهورة فيها اختلاف كثير، والأكثر أنها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام. وقال الخطابي: نجد ناحية المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهلها. وذكر في "المنتهى": نجدٌ من بلاد العرب وهو خلاف الغور أعلى تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. وقال أبو عُبيد البكري، عن الكلبي: نجدٌ ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب، والطائف من نجد، والمدينة من نجد. وقال في أوضع آخر: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال عمارة بن عقيل: ما سال من ذات عرق مقبلًا فهو نجدٌ، وحذاء نجدٍ أسافل الحجاز. قال: وسمعت الباهلي يقول: كل ما وراء الخندق -خندق كسرى الذي خندقه على سواد العراق- فهو نجد إلى أن يميل إلى الحرّة، فإذا أملت إلى الحرة فأنت في الحجاز حتى تغور. وعن الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرّمة فهو نجدٌ إلى ثنايا ذات عرق، والشَرفُ كبدُ نجدٍ، وكانت منازل الملوك من بني آكل المرار، وفيه اليوم حِمَى ضرية، وفيه الرَّبذَةُ وما كان منه إلى الشرق فهو نجد. وأما "قرن" فذكر ابن حزم أن من جاء على طريق نجد من جميع البلاد فميقاته قرن المنازل، وهو شرف مكة شرفها الله، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا.

стр. 4378

وقال ابن قرقول: هو قرن المنازل، وقرن الثعالب، وقرن غير مضاف، وهو على يومٍ وليلة من مكة. وقال القابسي: من قال قرْن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه فإنه موضع فيه طرق مفترقة. وقال ابن الأثير في "شرح المسند": وكثيرًا ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها وليس صحيح. وقال الجوهري: قرن موضع وهو ميقات أهل نجد ومنه أُوَيس القرني ﵁. والذي يقوله المؤرخون والنَّسابون أن قرنًا بسكون الراء، ونسب أُوَيس بفتح الراء اسم قبيلة لامكان. قوله: "يلملم" بياء آخر الحروف مفتوحة ولام، وقال عياض: ويقال: الملم وهو الأصل والياء بدل منه، على ميلين من مكة، وهو جبل من جبال تهامة. وقال ابن حزم: هو جنوب مكة ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا. وفي "شرح المهذب": يُصرف ولا يصرف. وفي "المحكم": يَلَمْلم والملمم: جبلٌ. وقال البكري: أهله كنانة، وتنحدر أوديته إلى البحر، وهو في طريق اليمن إلى مكة، وهو من كبار جبال تهامة. وقال الزمخشري: هو وادٍ به مسجد رسول الله ﵇ وبه عسكرت هوازن يوم حنين. فإن قيل: ما وزنه؟ قلت: فَعَيْعَل كَصَمَحْمَح، وليس هو من لملمت؛ لأن ذوات الأربع لا تلحقها الزيادة في أولها إلَّا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مُدَحرج.

стр. 4379

قلت: فعلى هذا الميم الأولى واللام الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الياء: يلم ثم قال: يلملم لغة في الملم، وهو ميقات أهل اليمن. قوله: "قيل له: فالعراق" اعلم أن العراق في اللغة هو الذي يجعل على ملتقى طرفي الجلد إذا خُرِز في أسفل القربة، وبه سُمي العراق لأنه بين البر والريف، وعن ابن دريد: زعموا أن العراق سميت عراقًا لتواشيح عروق الشجر والنخل فيها، كأنه أراد عرقًا ثم جمع عراقًا، وقال: بل سميت عراقًا لأن العجم سمته إيران شهر ومعناه كثيرة النخل والشجر فقيل: عراق. وقال الجواليقي: هذا اللفظ بعيد من لفظ العراق. وعن ابن الأنباري: العراق مذكر. وعن صاحب "العين": العراق شاطئ البحر على طوله، وبه سميت العراق عرافًا لأنه شاطئ دجلة والفرات حتى يتصل بالبحر. وعن أبي عمرو عن الخزاعي: عراق البحر، العراق: شاطئ الماء، وخص بعضهم به شاطئ البحر، والجمع أعرقة وعروق، والعراقان: الكوفة والبصرة. وقال الكلبي: أسفل كل أرض عراقها. وفي "الجامع": سمي بالعراق لانخفاضه عن البحر، وقيل: هو جمع عرق لضرب من الطير المصطف، وقيل: العراق الواحد منه عرق، وهي مواضع سُمّي هذا المكان بها. وقال الجوهري: العراق بلاد تُذكَّر وتؤنث، ويقال: هو فارسي معرب. وفي "البارع" لأبي علي القالي: العراق ما يحيط بالظهر من اللحم، مثل الخثار، يعني: وبه سمي العراق. وفي "الزاهر" لابن الأنباري عن قطرب: إنما سمي عراقًا لأنه دنى من البحر وفيه سباخ وشجر.

стр. 4380

وقال ابن حوقل في كتاب "البلدان": حدُّ العراق من تكريت إلى عبادان، وعرضه من القادسية على الكوفة وبغداد إلى حلوان، وعرضه بنواحي واسط من سواد واسط إلى قرية، الطيب، وبنواحي البصرة من البصرة إلى حدود طيء، والذي يطيف بحدوده من تكريت فيما يلي المشرق حتى يجوز بحدود شهرزور، ثم يمرّ علي حدود حلوان وحدود السيرون والصيمرة، والطيب والسوس حتى ينتهي إلى حدود طيء ثم إلى البحر فيكون في هذا الحد من تكريت إلى البحر تقويس، ويرجع على حد المغرب من وراء البصرة في البادية على سواد البصرة وبطاحها إلى واسط، ثم على سواد الكوفة وبطاحها إلى الكوفة، ثم على ظهر الفرات إلى الأنبار ثم من الأنبار إلى حد تكريت بين دجلة والفرات من هذا الحد من البحر على الأنبار إلى تكريت بتقويسٍ أيضًا فهذا المحيط بحدود عراق، وهو من تكريت إلى البحر ما يلي المشرق على تقويسة نحو شهر، ومن البحر راجعًا في حد المغرب على تقويسة إلى تكريت فنحو شهر أيضًا، وعرضه على بغداد من حلوان إلى القادسية إحدى عشرة مرحلة، وعلى قمئة سُرَّ مَنْ رأَى من دجلة إلى شهرزور، والجبل نحو خمس مراحل، والعرض بواسط إلى، نواحي خورستان نحو أربع مراحل. وأما ذات عرق فقال القرطبي: ذات عرق: ثنية أو هضبة بينها وبين مكة يومان وبعض يوم. وقال الكرماني: ذات عرق أول بلاد تهامة ودونها بميلين ونصف مسجد رسول الله ﵇ فإذا صوت عند الميل الثامن رأيت هناك بيوتا في الجبل خراب وهي للأعراب يمنة عن الطريق، ويقال: إنه هذا الموضع ذات عرق الجاهلية، وأهل ذات عرق يقولون: الجبل كله ذات عرق وبعض أهل العلم كان يقول: يُحْرِم من ذات عرق الجاهلية، وذات عرق لبني هلال بن عامر بن صعصعة، وبها بركة تعرف بقصر الوصيف، وبها من الآبار الكبار ثلاثة آبار، وآبار صغار كثيرة، ومن ذات عرق إلى الغمر تسعة أميال، وعلى ميلين من ذات عرق عين وآبار ونخل، وبقربه قبر أبي رغال، وبالقرب منها بستان منه إلى مكة ثمانية عشر ميلًا.
следующие страницы →