← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

وقال ابن حزم: الجُحفة: ما بين الغرب والشمال من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلًا. قوله: "ولأهل نجد قرن" النجد في اللغة ما أشرف من الأرض واستوى، ويجمع على أنجد وأنجاد ونجود ونُجُد بضمتين. وقال القزاز: سمي نجد لعُلوه. وقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وكثرة حجارته وصعوبته، من قولهم: رجل نجد: إذا كان قويًّا شديدًا، وقيل: سمي نجدًا لفزع من يدخله من أجل استيحاشه واتصال فزع السالكين له من قولهم: رجل نَجَدٌ. إذا كان فزعًا، ونجدٌ مذكرٌ، قال الشاعر: ألم تر أن الليل يقصر طوله ... بنجد وتزداد النطاق به بردًا ولو أنثه أحد ورده على البلد لجاز له ذلك. والعرب تقول: نَجدٌ ونُجدٌ -بفتح النون وضمها لغتان- وقال الكلبي في "أسماء البلدان": النجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العُذيب إلى الطائف، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان. وقال أبو عمر: نجد ما بين جُرَش إلى سواد الكوفة، وحَدّه مما يلي الغرب: الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن، ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال ابن الأثير: نجدٌ ما بين العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة وإلى جبلي طيء وإلى وَجْدَة وإلى اليمن، والمدينة لا تهاميه ولا نجدية، فإنها فوق الغور، ودون نجد. وقال الحازمي: نجدٌ اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن والعراق والشام. وقال السكري: حد نجدٍ ذات عرق من ناحية الجبال كما تدور الجبال معها إلى جبال المدينة، وما وراء ذلك ذات عرق إلى تهامة.

стр. 4377

وقال القتيبي: ثنا الرياشي، عن الأصمعي قال: العرب تقول: إذا علوت نجدًا مصعدًا فقد نجدت ولا تزال منجدًا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت ذلك فقد أَتْهَمْتَ إلى البحر، فإذا عرض لك الحِرارُ وأنت تنجد فتلك الحجاز. وقال ياقوت: نجد تسعة مواضع، ونجد المشهورة فيها اختلاف كثير، والأكثر أنها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام. وقال الخطابي: نجد ناحية المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهلها. وذكر في "المنتهى": نجدٌ من بلاد العرب وهو خلاف الغور أعلى تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد. وقال أبو عُبيد البكري، عن الكلبي: نجدٌ ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب، والطائف من نجد، والمدينة من نجد. وقال في أوضع آخر: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال عمارة بن عقيل: ما سال من ذات عرق مقبلًا فهو نجدٌ، وحذاء نجدٍ أسافل الحجاز. قال: وسمعت الباهلي يقول: كل ما وراء الخندق -خندق كسرى الذي خندقه على سواد العراق- فهو نجد إلى أن يميل إلى الحرّة، فإذا أملت إلى الحرة فأنت في الحجاز حتى تغور. وعن الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرّمة فهو نجدٌ إلى ثنايا ذات عرق، والشَرفُ كبدُ نجدٍ، وكانت منازل الملوك من بني آكل المرار، وفيه اليوم حِمَى ضرية، وفيه الرَّبذَةُ وما كان منه إلى الشرق فهو نجد. وأما "قرن" فذكر ابن حزم أن من جاء على طريق نجد من جميع البلاد فميقاته قرن المنازل، وهو شرف مكة شرفها الله، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا.

стр. 4378

وقال ابن قرقول: هو قرن المنازل، وقرن الثعالب، وقرن غير مضاف، وهو على يومٍ وليلة من مكة. وقال القابسي: من قال قرْن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه فإنه موضع فيه طرق مفترقة. وقال ابن الأثير في "شرح المسند": وكثيرًا ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها وليس صحيح. وقال الجوهري: قرن موضع وهو ميقات أهل نجد ومنه أُوَيس القرني ﵁. والذي يقوله المؤرخون والنَّسابون أن قرنًا بسكون الراء، ونسب أُوَيس بفتح الراء اسم قبيلة لامكان. قوله: "يلملم" بياء آخر الحروف مفتوحة ولام، وقال عياض: ويقال: الملم وهو الأصل والياء بدل منه، على ميلين من مكة، وهو جبل من جبال تهامة. وقال ابن حزم: هو جنوب مكة ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا. وفي "شرح المهذب": يُصرف ولا يصرف. وفي "المحكم": يَلَمْلم والملمم: جبلٌ. وقال البكري: أهله كنانة، وتنحدر أوديته إلى البحر، وهو في طريق اليمن إلى مكة، وهو من كبار جبال تهامة. وقال الزمخشري: هو وادٍ به مسجد رسول الله ﵇ وبه عسكرت هوازن يوم حنين. فإن قيل: ما وزنه؟ قلت: فَعَيْعَل كَصَمَحْمَح، وليس هو من لملمت؛ لأن ذوات الأربع لا تلحقها الزيادة في أولها إلَّا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مُدَحرج.

стр. 4379

قلت: فعلى هذا الميم الأولى واللام الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الياء: يلم ثم قال: يلملم لغة في الملم، وهو ميقات أهل اليمن. قوله: "قيل له: فالعراق" اعلم أن العراق في اللغة هو الذي يجعل على ملتقى طرفي الجلد إذا خُرِز في أسفل القربة، وبه سُمي العراق لأنه بين البر والريف، وعن ابن دريد: زعموا أن العراق سميت عراقًا لتواشيح عروق الشجر والنخل فيها، كأنه أراد عرقًا ثم جمع عراقًا، وقال: بل سميت عراقًا لأن العجم سمته إيران شهر ومعناه كثيرة النخل والشجر فقيل: عراق. وقال الجواليقي: هذا اللفظ بعيد من لفظ العراق. وعن ابن الأنباري: العراق مذكر. وعن صاحب "العين": العراق شاطئ البحر على طوله، وبه سميت العراق عرافًا لأنه شاطئ دجلة والفرات حتى يتصل بالبحر. وعن أبي عمرو عن الخزاعي: عراق البحر، العراق: شاطئ الماء، وخص بعضهم به شاطئ البحر، والجمع أعرقة وعروق، والعراقان: الكوفة والبصرة. وقال الكلبي: أسفل كل أرض عراقها. وفي "الجامع": سمي بالعراق لانخفاضه عن البحر، وقيل: هو جمع عرق لضرب من الطير المصطف، وقيل: العراق الواحد منه عرق، وهي مواضع سُمّي هذا المكان بها. وقال الجوهري: العراق بلاد تُذكَّر وتؤنث، ويقال: هو فارسي معرب. وفي "البارع" لأبي علي القالي: العراق ما يحيط بالظهر من اللحم، مثل الخثار، يعني: وبه سمي العراق. وفي "الزاهر" لابن الأنباري عن قطرب: إنما سمي عراقًا لأنه دنى من البحر وفيه سباخ وشجر.

стр. 4380

وقال ابن حوقل في كتاب "البلدان": حدُّ العراق من تكريت إلى عبادان، وعرضه من القادسية على الكوفة وبغداد إلى حلوان، وعرضه بنواحي واسط من سواد واسط إلى قرية، الطيب، وبنواحي البصرة من البصرة إلى حدود طيء، والذي يطيف بحدوده من تكريت فيما يلي المشرق حتى يجوز بحدود شهرزور، ثم يمرّ علي حدود حلوان وحدود السيرون والصيمرة، والطيب والسوس حتى ينتهي إلى حدود طيء ثم إلى البحر فيكون في هذا الحد من تكريت إلى البحر تقويس، ويرجع على حد المغرب من وراء البصرة في البادية على سواد البصرة وبطاحها إلى واسط، ثم على سواد الكوفة وبطاحها إلى الكوفة، ثم على ظهر الفرات إلى الأنبار ثم من الأنبار إلى حد تكريت بين دجلة والفرات من هذا الحد من البحر على الأنبار إلى تكريت بتقويسٍ أيضًا فهذا المحيط بحدود عراق، وهو من تكريت إلى البحر ما يلي المشرق على تقويسة نحو شهر، ومن البحر راجعًا في حد المغرب على تقويسة إلى تكريت فنحو شهر أيضًا، وعرضه على بغداد من حلوان إلى القادسية إحدى عشرة مرحلة، وعلى قمئة سُرَّ مَنْ رأَى من دجلة إلى شهرزور، والجبل نحو خمس مراحل، والعرض بواسط إلى، نواحي خورستان نحو أربع مراحل. وأما ذات عرق فقال القرطبي: ذات عرق: ثنية أو هضبة بينها وبين مكة يومان وبعض يوم. وقال الكرماني: ذات عرق أول بلاد تهامة ودونها بميلين ونصف مسجد رسول الله ﵇ فإذا صوت عند الميل الثامن رأيت هناك بيوتا في الجبل خراب وهي للأعراب يمنة عن الطريق، ويقال: إنه هذا الموضع ذات عرق الجاهلية، وأهل ذات عرق يقولون: الجبل كله ذات عرق وبعض أهل العلم كان يقول: يُحْرِم من ذات عرق الجاهلية، وذات عرق لبني هلال بن عامر بن صعصعة، وبها بركة تعرف بقصر الوصيف، وبها من الآبار الكبار ثلاثة آبار، وآبار صغار كثيرة، ومن ذات عرق إلى الغمر تسعة أميال، وعلى ميلين من ذات عرق عين وآبار ونخل، وبقربه قبر أبي رغال، وبالقرب منها بستان منه إلى مكة ثمانية عشر ميلًا.

стр. 4381

وقال ياقوت: هو الحد بين نجد وتهامة. وقال الزمخشري: عرق: جبل مشرف على ذات عرق. وقال الجوهري: ذات عرق: موضع بالبادية. وعن يعقوب: ما بين ذات عرق إلى البحر غور وتهامة، وطرق تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج، وأولها من قبل نجد مدارج ذات عرق. فإن قيل: كيف وقّتَ النبي ﵇ هذه المواقيت وهذه المواضع وما وراءها كانت دار كفر؟ قلت: هذا لا يمشي إلَّا في ذات عرق، فإن الآثار اختلف فيمن وقت لأهل العراق ذات عرق؛ ففي بعضها أن عمر بن الخطاب هو الذي وقَّت ذلك، إذ العراق فتح في زمانه، والصحيح الذي عليه الأثبات: أن النبي ﵇ هو الذي وقته. وفي "صحيح البخاري" (١): أن عمر وقَّته، ورجحه بعض أهل العلم بما ذكرناه من أنها فتحت في زمانه وأنها كانت في حياة النبي ﵇[دار] (٢) كفر وهذا الاحتجاج باطل لأن الشام كانت حينئذٍ دار كفر أيضًا بإجماع النقلة، وإنما وقت النبي ﵇ هذه المواقيت على حسب ما علمه بالوحي من فتح المدائن والأقطار لأمته، وقد قال ﵇: "زويت له الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ... " الحديث. وسيجيء كلام الطحاوي فيه مستقصىً إن شاء الله تعالى. ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر البلدان، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: كذلك سائر الأحاديث الأُخر المروية عن النبي ﵇ في ذكر مواقيت الإحرام ليس في شيء منها للعراق ذكر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان وابن سيرين وجابر بن زيد؛ فإنهم قالوا: أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر البلدان، واستدلوا على ذلك بالحديث

стр. 4382

المذكور؛ لأنه لم يذكر ففيه العراق، وقالوا: أهل العراق يُهلُّون من الميقات الذي يأتون عليه من هذه المواقيت المذكورة. وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر حديث ابن عمر، واختلفوا فيما يفعل من مرَّ بذات عرق، فثبت أن عمر ﵁ وقّته لأهل العراق، ولا يثبت فيه عن النبي ﵇ سنة. انتهى. قلت: قد بيّنا عن قريب أن الصحيح هو الذي وقّته النبي ﵇، كذا ذكره في "مطامح الأفهام". ثم قال ابن المنذر: اختلفوا في المكان الذي يحرم [منه] (١) من أتى من العراق على ذات عرق؛ فقال أنس ﵁: "يحرم من العقيق" واستحسن ذلك الشافعي، وكان مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق. قال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق تحري، وهو من العقيق أحوط، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، ورُوي ذلك عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن. وقال أبو عمر في "التمهيد": اختلفوا في ميقات أهل العراق؛ فقال مالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابهم: ميقات أهل العراق وناحية المشرق كلها ذات عرق. وقال الثوري والشافعي: إن أهلوا من العقيق فهو أحب إلينا. ص: ثم ذكروا في ذلك ما حدثنا يونس وربيع المؤذن، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا وهيب بن خالد وحماد بن زيد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، ثم قال: فهي لهم ولكل من أتى عليهن من غيرهن، فمن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ حتى يأتي ذلك [على] (٢) أهل مكة".

стр. 4383

حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا كثير بن هشام، قال: ثنا جعفر بن برقان، قال: "سألت عمرو بن دينار عن أمرأةٍ حاجَّةٍ مرت بالمدينة فأتت ذا الحليفة وهي حائض، فقال لها كَرِيُّها: لو تقدمت إلى الجحفة فأحرمت منها فقال عمرو: نعم". حدثنا طاوس -ولا نحسبن فينا أحدًا أصدق لهجة من طاوس- قال: قال ابن عباس: "وقّت رسول الله ﵇ ... " ثم ذكر مثله إلَّا أنه لم يذكر من قوله: "فمن كان أهله ... " إلى آخر الحديث. قالوا: فكذلك أهل العراق ما أتوا عليه من هذه المواقيت فهو وقت لهم، وما سواها فليس بوقتٍ لهم. ش: أي ثم ذكر هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من أن أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر البلدان بما حدثنا ... إلى آخره. وأخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى وربيع بن سليمان المؤذن، كلاهما عن يحيى بن حسان .. إلى آخره، وهذا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (١): أنا ربيع بن سليمان صاحب الشافعي، قال: ثنا يحيى بن حسان ... إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه ... إلى آخره نحوه. والبخاري (٣): عن معلى بن أسد، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس .. إلى آخره نحوه. غير أن في لفظهما: "فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".

стр. 4384

الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن كثير بن هشام الكلابي الرقي شيخ أحمد، عن جعفر بن برقان الكلابي الجزري، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. وهذا أيضًا صحيح. وأخرجه الطبراني (١) نحوه، عن فضيل الملطي، عن أبي نعيم، ثنا جَعْفر، ثنا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس رفعه، وفي روايته: "ولأهل الطائف قرنًا" انتهى وبقول عمرو بن دينار قالت جماعة من المالكية. قوله: "فهي لهم" أي الأماكن المذكورة مواقيت لأهل المدينة والشام والنجد واليمن حتى إذا جاوزوا هذه الأماكن من غير إحرام يجب عليهم الدم. وقال أبو عمر: اختلفوا في مَنْ جاوز الميقات وهو يريد الإحرام فأحرم ثم رجع إلى الميقات، فقال مالك: عليه دم ولا ينفعه رجوعه. وهو قول أبي حنيفة وعبد الله ابن المبارك، وقال الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد: إن رجع إلى الميقات فقد سقط عنه الدم. لبَّى أو لم يُلب. ورُوي عن أبي حنيفة أنه إن رجع إلى الميقات فلبى، سقط عنه الدم، وإن لم يُلب لم يسقط عنه الدم، وكلهم يقول: إن لم يرجع وتمادى فعليه دم. ورُوي عن عطاء والنخعي أنه لا شيء على من ترك الميقات، وعن سعيد بن جبير: إن لم يرجع حتى قضى حجه فلا حج له. وعن الحسن البصري: إن لم يرجع حتى حج وتم حجه، رجع إلى الميقات فأهل منه بعمرة. فهذه الأقاويل الثلاثة شذوذ ضعيفة عند فقهاء الأمصار؛ لأنها لا أصل لها في الآثار، ولا تصح في النظر، واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري

стр. 4385

وأبو ثور على أن مَنْ مرّ بالميقات لا يريد حجًّا ولا عمرةً ثم بدا له في الحج والعمرة: أنه يحرم من الموضع الذي بدا له منه الحج، ولا يرجع إلى الميقات، ولا شيء عليه. وقال أحمد وإسحاق: يرجع إلى الميقات ويحرم منه. وقال أيضًا: واختلف الفقهاء في الرجل المريد للحج والعمرة يجاوز ميقات بلده إلى ميقات آخر. فتحصيل مذهب مالك: أن من فعل ذلك فعليه دم، واختلف أصحاب مالك في ذلك؛ فمنهم من أوجب الدم فيه، ومنهم من أسقطه، وأصحاب الشافعي على إيجاب الدم في ذلك، وهو قول الثوري والليث. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لو أحرم المدني من ميقاته كان أحبّ إليهم، فإن لم يفعل وأحرم من الجحفة، فلا شيء عليه، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور، وكره أحمد وإسحاق مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة، ولم يوجبا الدم في ذلك. قوله: "ولكل من أتى عليهن" أي على الأماكن المذكورة، وفي بعض النسخ: "ولكل آتٍ أترل عليهن" كما في رواية غيره. وقال القرطبي: "هن" ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يُعاد على ما لا يعقل، وأكثر ذلك من العشرة فما دونها، فإذا جاوزها قالوه بهاء المؤنث كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (١). ثم قال: ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (١) أي من الإثنى عشر، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) أي في هذه الأربعة. وقد قيل: في الجميع. وهو ضعيف شاذ. قوله: "فمن كان أهله دون الميقات" أراد أنه إذا كان وطنه بين الميقات وبين مكة فميقاته للإحرام من حيث ينشئ الإحرام، أي من حيث يبتدئ ويشرع فيه.

стр. 4386

قال أبو عمر: أجمعوا كلهم على أن من كان أهله دون المواقيت أن ميقاته من أهله حتى يبلغ مكة. وفي هذه المسألة أيضًا قولان شاذان: أحدهما لأبي حنيفة: قال: يحرم من موضعه، فإن لم يفعل فلا يدخل الحرم إلا حرامًا، فإن دخل غير حرام فليخرج من الحرم، وليهل من حيثما شاء من الحل. والقول الآخر لمجاهد: قال: إذا كان الرجل منزله بين مكة والميقات أهلَّ من مكة. قوله: "قال لها كَرِيُّها" بفتح الكاف وكسر الراء وتشديد الياء، وهو المكتري. ص: وذكروا في ذلك أيضًا ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﵇ قال: ويُهل أهل اليمن من يلملم". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة. وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وقال سفيان: عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: "وقّت رسولُ الله ﵇ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ نحوه. ش: أي [ذكر] (١) هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر أيضًا.

стр. 4387

وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. وأخرجه البخاري (١)، عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن يونس ... وقد ذكرناه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه أحمد (٣) أيضًا، عن محمد بن عبد الله، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن نافع، عن ابن عمر ... نحوه. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١)، عن يحيى بن يحيى وآخرين، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره نحوه، وقد ذكرناه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ميقات أهل العراق ذات عرق، وَقَّت في ذلك لهم رسول الله ﵇ كما وقَّت سائر المواقيت لأهلها، وذكروا في ذلك ما حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: ثنا خالد بن يزيد، وهشام بن بهرام المدائني، قالا: ثنا المعاني بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة: "أن النبي ﵇ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم".

стр. 4388

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأصحابهم، وجمهور العلماء من التابعين ومَنْ بعدهم، فإنهم قالوا: ميقات أهل العراق ذات عرق، إلَّا أن الشافعي استحب أن يحرم العراقي من العقيق الذي بحذاء ذات عرق، وقد مر تفسير ذات العرق والعقيق مستقصىً، وذكروا في ذلك حديث عائشة وأخرجه بإسناد صحيح عن محمَّد بن علي بن محرز البغدادي وثقه ابن يونس، عن خالد ابن يزيد ويقال ابن أبي يزيد -وهو الصواب- أبي الهيثم المزرفي القرني القطربلي من قرية بين المَزْرفة وقطربل تسمى القرن، قال يحيى بن معين: ليس به بأس، وروى له ابن ماجه. وعن هشام بن بَهْرام المدائني أبي محمَّد شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان والخطيب، كلاهما [عن] (١) المعاني بن عمران الأزدي أبي مسعود الموصلي قال ابن معين والعجلي وابن سعد: ثقة، زاد ابن سعد: خيّر فاضل صاحب سنة. روى له البخاري وأبو داود. عن أفلح بن حميد بن نافع الأنصاري النجاري المدني، روى له الجماعة سوى الترمذي، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، روى له الجماعة، عن عائشة الصديقة ﵂. وأخرجه أبو داود (٢): قال: ثنا هشام بن بَهْرام المدائني، قال ثنا المُعَافى بن عمران ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "وقت لأهل العراق ذات عرق". وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن منصور، قال: ثنا هشام بن بهرام، قال: ثنا المعافي ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وفيه نصَّ على أن النبي ﵇ وقت لأهل العراق ذات عرق.

стр. 4389

وقال أبو عمر: وقّت رسول الله ﵇ لأهل العراق ذات عرق كما وقّت لأهل الشام الجحفة، والشام يومئذ كلها دار كفر كما كانت العراق كذلك وغيرهما من البلدان. وقال عياض: وفي حديث جابر: قال أبو الزبير: أحسبُه رفع إلى النبي ﵇ ... وذكر الحديث، وفيه: "مُهلّ أهل العراق ذات عرق". وقال الدارقطني: وفي حديث أبي الزبير: "ومُهلّ أهل العراق" نظر، ولم يخرجه البخاري ﵀: يعني هذا الحديث، ولم يكن العراق يومئذ يعني زمن النبي ﵇. قال القاضي: هذا مما لا يعل به الحديث؛ فقد أخبر النبي ﵇ عما لم يكن في زمانه مما كان وهذا يعد من معجزاته ﵇ فإنه أخبر أنه سيكون لهم مُهَلّ ويسلمون ويحجون. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عثمان بن الهيثم، قال: ثنا ابن جريج، قال: وأخبرني أبو الزبير، عن جابر، أنه سمعه يُسأل عن المهل، فقال: سمعت -ثم انتهى أراه يريد- النبى ﵇: "يُهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر من الجحفة، ويهل أهل العراق من ذات عرق، ويهل أهل نجد من قرن، ويهل أهل اليمن من يلملم". ش: إسناده صحيح، وعثمان بن الهيثم بن يهم أبو عمرو البصري شيخ البخاري، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي روى له الجماعة، وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره. وأخرجه مسلم (١): حدثني محمَّد بن حاتم وعبد بن حميد، كلاهما عن محمَّد بن بكر -قال عبدٌ: أنا محمَّد- قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المهل، فقال: أحسبه رفع إلى النبي ﵇ فقال: "مهل

стр. 4390

أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم". وأخرجه ابن ماجه (١) من غير شك، قال: ثنا علي بن محمَّد، ثنا وكيع، ثنا إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "خطبنا رسول الله ﵇ فقال: مُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ومهل أهل الشام من الجحفة، ومهل أهل اليمن من يلملم، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل المشرق من ذات عرق، ثم أقبل بوجهه للأفق ثم قال: اللهم أقبل بقلوبهم". قلت: إبراهيم بن يزيد الخوزي فيه كلام. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده": عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عنه قال: سمعت النبي ﵇ يقول ... الحديث. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال ثنا حفص -هو ابن غياث- عن الحجاج، عن عطاء، عن جابر قال: "وقّت رسول الله ﵇ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق". ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن فهد، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء بن أبي رباح .. إلى آخره. وأخرجه الدارقطني (٢): ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا حفص، ونا يوسف بن يَعْقوب الأزرق، نا حميد بن الربيع، نا حفص بن غياث، عن الحجاج، عن عطاء، عن جابر قال: "وقّت رسول الله ﵇ لأهل العراق ذات عرق". ص: حدثنا (٣) يحيى بن عثمان وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا سعيد بن

стр. 4391

أبي مريم، قال: أخبرني إبراهيم بن سُويد، قال: حدثني هلال بن زيد، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أنه سمع رسول الله ﵇ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل البصرة ذات العرق، ولأهل المدائن العقيق". ش: يحيى بن عثمان بن صالح أبو زكرياء المصري شيخ ابن ماجه والطبراني. وسعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، وإبراهيم بن سويد بن الحيان المديني روى له البخاري وأبو داود. وهلال بن زيد بن يسار بن بولا البصري أبو عقال مولى النبي ﵇، ويقال: مولى أنس بن مالك، قال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، روى له ابن ماجه. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١) ثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا إبراهيم بن سُويَد، حدثني هلال بن زيد بن يسار، نا أنس بن مالك: "أنه سمع رسول الله ﵇ وقت لأهل المدائن العقيق، ولأهل البصرة ذات عرق، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة". قوله: "ولأهل المدائن (٢) العقيق" المدائن على دجلة من شرقيها تحت بغداد على مرحلة منها، وهي في الأصل جمع مدينة، وكان اسمها بالفارسية طَيْسَفُون، وفيها إيوان كسرى، كانت وَسَعتُها من ركن إلى ركن خمسة وتسعون ذراعًا، والمراد بالعقيق: الذي بحذاء ذات عرق، وقد استقصَيْنا الكلام فيه في باب: الرجل يصبح في شهر رمضان جنبًا هل يصوم أم لا؟ ص: فقد ثبت عن رسول الله ﵇ بهذه الآثار مَنْ وَقَّتَ أهل العراق كما ثبت من وَقَّت مَنْ سواهم بالآثار التي قبلها.

стр. 4392

ش: أشار بهذه الآثار إلى ما رواه عن عائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك. ص: وهذا عبد الله بن عمر ﵄ فقد روى عن النبى ﵇ من توقيت ما قد ذكرناه عنه في الفصل الذي قبل هذا، ثم قال عبد الله بن عمر من بَعْد النبي ﵇ في ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ وَقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل الطائف قرن". قال ابن عمر: وقال الناس: لأهل المشرق ذات عرق". فهذا ابن عمر ﵄ يخبر أن الناس قد قالوا ذلك، ولا يُريد ابن عمر من الناس إلَّا أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحالٌ أن يكونوا قد قالوا ذلك بآرائهم؛ لأن هذا ليس مما يقال من جهة الرأي، ولكنهم قالوا بما وقفهم عليه رسول الله ﵇. ش: ذكر هذا تأييدًا للآثار المذكورة، وذلك لأن ابن عمر قد روى عن النبي ﵇ أنه وقت لأهل المدينة، ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، قال: ولم أسمعه منه. قيل له: فالعراق. قال: لم يكن يومئذ عراق، ثم قال: بعد وفاة النبي ﵇، قال الناس: لأهل المشرق ذات عرق، وأخبر أن الناس قد قالوا بذلك، وما الناس عنده إلَّا أهل الحجة وأهل العلم بسنة النبي ﵇، ومن المستحيل أن يقولوا هذا القول بآرائهم؛ لأن هذا الباب لا يدخله الرأي ولا للعقل فيه مدخل، وإنما قالوا ذلك بالتوقيف من جهة النبي ﵇. ثم إنه أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة، شيخ البخاري في أفعال العباد، وابن ماجه، عن يحيى: ثقة، وعن أبي حاتم: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: كان صدوقًا في الحديث، وقال البخاري: لم نر إلَّا خيرًا وهو في الأصل صدوق، وهو يروي عن وكيع.

стр. 4393

عن جعفر بن برقان ثقة. عن ميمون بن مهران الأسدي الجزري، روى له مسلم والأربعة. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١): عن فضل الملطي، ثنا أبو نعيم، نا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر ... إلى آخره نحوه. واعلم أنه أخرج في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق حديث عائشة وجابر وأنس وعبد الله بن عمر ﵃ في الباب عن ابن عباس والحارث بن عمرو السهمي، وعمرو بن العاص. أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي (٢): ثنا أبو كريب، نا وكيع، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمَّد بن علي، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ وقّت لأهل المشرق العقيق" وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه البيهقي (٣) وقال: تفرد به يزيد بن أبي زياد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤) وفي روايته: "ولأهل العراق ذات عرق". وأخرجه الحارث بن أبي أسامة أيضًا في "مسنده" عن يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عنه فذكر الطائف والعراق. وأما حديث الحارث بن عمرو فأخرجه أبو داود (٥)، ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عتبة بن عبد الملك، قال: حدثني زرارة بن كريم، أن الحارث بن عمرو السهمي حدَّثه، قال: "أتيتُ النبي ﵇ وهو بمنى -أو بعرفات- وقد أطاف به الناس، قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق لأهل العراق".

стр. 4394

وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): ثنا الحسين ابن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد الله بن نمير، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇: "أنه وقّت لأهل العراق ذات عرق". وأخرجه الطبراني أيضًا (٢). ص: فقال قائل: وكيف يجوز أن يكون النبي ﵇ وقت لأهل العراق يومئذٍ ما وقت، والعراق إنما كانت بعده ﵇؟! قيل له: كما وقّت لأهل الشام ما وقت والشام إنما افتتحت بعده ﵇، فإن كان يريد بما وقت لأهل الشام مَنْ كان في الناحية التي افتتحت حينئذٍ من قبل الشام، فكذلك يريد بما وقت لأهل العراق من كان في الناحية التي افتتحت حينئذٍ من قبل العراق مثل جبلي طيء ونواحيها، وإن كان ما وقّت لأهل الشام إنما هو لما علم بالوحي أن الشام ستكون دار إسلام، فكذلك ما وقّت لأهل العراق إنما هو لما علم بالوحي أن العراق ستكون دار إسلام، فإنه قد كان ﷺ ذكر ما سيفعله أهل العراق في زكاتهم مع ذكره ما سيفعله أهل الشام في زكاتهم. حدثنا علي بن عبد العزيز البغدادي، قال: ثنا أحمد بن يونس. وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوحاظى. وحدثنا فهدٌ قال: ثنا أبو غسان، قالوا: ثنا زهير بن معاوية، عن سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ]، (٣): "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مُدَّيها ودينارها، ومنعت مصر

стр. 4395

أردبها ودينارها، (وعدتم كما بدأتم، وعدتم كما بدأتم) (١) شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه". يريد بعضهم على بعض في قصة الحديث، فهذا رسول الله ﵇ قد ذكر ما سيفعله أهل العراق من منع الزكاة قبل أن يكون عراق، وذكر مثل ذلك في الشام وأهل مصر قبل أن يكون الشام ومصر، لما أعلمه الله تعالى من كونهما بعده، فكذلك ما ذكره من التوقيت لأهل العراق مع ذكره التوقيت لغيرهم المذكورين، هو لما أخبره الله أنه سيكون من بعده، وهذا الذي ذكرناه من تثبيت هذه المواقيت التي وصفنا لأهل العراق ولمَنْ ذكرنا معهم هو قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا السؤال وجوابه ظاهران، وقد ذكرنا نبذة عنه في هذا الباب. قوله: "والشام إنما افتتحت" الواو فيه للحال، وفتحت الشام في سنة اثنتي عشرة من الهجرة. قوله: "فإن كان يريد" أي هذا القائل. قوله: "مثل جبلي طئ" أحد الجبلين سُمّي أَجَأَ على وزن فَعَلَ بالتحريك، والآخر يُسمى سلمى، وأما طيء فقد قال الجوهري: هو أبو قبيلة من اليمن، وهو طيء بن أدد بن كهلان بن سبأ بن حمير، والنسبة إليه طائي على غير قياس، وأصله طيئي مثال طبيعي، فقلبوا الياء ألِفًا وحذفوا الثانية، وقال: الطاءة مثل الطاعة: الإبعاد في المرعى، يقال: فرس بعيد الطاءة، قالوا: ومنه أخذ طَئِّ مثال سيد. وقال الرشاطي في الأنساب": الطائي في كهلان ينسب إلى طيء واسمه جلهمة ابن أدد، وحكى ابن دريد عن الخليل بن أحمد قال: أصل طيء من طاوي وواو وياء، فقلبوا الواو ياء فصارت ياء ثقيلة، وكان ابن الكلبي يقول: سُمي طيئًا لأنه أول من طوى المناهل، وقال قطرب: هو فيعل بهمزة لاجتماع الياءان.

стр. 4396

وقال السيرافي: ذكر بعض النحويين أن طيئًا من الطاءة وهو الذهاب في الأرض وفي المرعى، وإلى هذا القول ذهب أبو الحسن بن سيده، وقال: ليس هذا القول بشيء لأن طوى طيًّا لا أصل له من الهمزة. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن علي بن عبد العزيز البغدادي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد بن يعيش، وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لعبيد- ثنا يحيى بن آدم بن سليمان مولى خالد بن خلاد، قال: ثنا زهير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر أردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية .. إلى آخره. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النَهْدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية .... إلى آخره. قوله: "منعت العراق درهمها وقفيزها" قيل: معناه أنهم يُسلمون فيسقط عنهم الخراج، وقيل: معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا قال: "وعدتم من حيث بدأتم" أي ورجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك.

стр. 4397

كما ثبت في "صحيح مسلم" (١): "إن الإِسلام بدأ غريبا وسيعود غريبًا، فطوبي للغرباء". ورجح البيهقي المعنى الأول. وقيل: معناه أنه إخبار عن حالها حينئذ؛ لأن خراجها ومنافعها لم تصل إليه. وقيل: إن أهلها اقتصروا على أنفسهم ومنعوا الميرة. و"القفيز" مكيال يتواضع الناس عليه، وهو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك، والمكوك المد، وقيل: الصالح، ويقال: المكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلد. و"المد" ربع الصاع، وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق، وقد مرّ الكلام فيه في باب: صدقة الفطر. و"الأردب" مكيال لأهل مصر يسع أربعةً وعشرين صاعًا، والهمزة فيه زائدة، قاله ابن الأثير. وقال الجوهري: الأردب مكيال ضخم لأهل مصر، وذكره صاحب "دستور اللغة" في باب الهمزة المكسورة، وذكر غيره أيضًا أن الأردب بكسر الهمزة، وفي لسان العامة بفتحها، وهي ست وقيات، والوقية ست عشر قدحًا، فتكون الجملة ستة وتسعين قدحًا، والقدح مكيال معروف عند أهل مصر. وفيه من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر ﵁ على أرض العراق من الدراهم والقفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك، فإن هذه البلاد لم تفتح إلَّا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ أما العراق فإن أبا بكر ﵁ بعث خالد بن الوليد في سنة ثنتي عشرة من الهجرة إلى العراق، ففتح الأبلة ثم الأنبار، ثم ولى عمر بن الخطاب ﵁ حين آلت إليه الخلافة

стр. 4398

سعد بن أبي وقاص ﵁ أميرًا على العراق، ففتح المدائن وغيرها في سنة ست عشرة، وفتحت مصر في سنة عشرين. قاله ابن إسحاق والواقدي. وقال الواقدي: وكذا فتحت إسكندرية في سنة عشرين. وقال أبو معشر: فتحت مصر في سنة عشرين، وإسكندرية في سنة خمس وعشرين. وقال سيف: فتحت مصر وإسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها.

стр. 4399

ص: باب: الإهلال من أين ينبغي أن يكون ؟ ش: أي هذا باب في بيان مكان الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية، وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب الجنازة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وَهْب، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﵇ صلى بذي الحليفة، ثم أُتي براحلته فركبها، فلما استوت به البَيْداء أهلّ". ش: إسئاده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو حسان الأجرد ويقال الأعرج البصري، واسمه مسلم بن عبد الله، روي له الجماعة البخاري مستشهدًا. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا بهز، قال: ثنا شعبة، قال: قتادة أخبرني، قال: سمعت أبا حسان يحدث، عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله ﵇ الظهر بذي الحليفة ثم أُتي ببدنة فأشعر صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، ثم قلدها نعلين، ثم أُتي براحلته، فلما قعد عليها واستوت به البيداء أهلّ بالحج". قوله: "براحلته" والراحلةُ من البعيرِ القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورَحْله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت. و"البيداء" في اللغة: المفازة لا شيء بها. وقال ابن الأثير: البيداء ها هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما تَرِدُ ويُرادُ بها هذه. وقال الكرماني: البيداء ها هنا فوق علمي ذي الحليفة إذا صعدت من الوادي، وفي أول البيداء بئرُ ماء.

стр. 4400

وقال عياض: البيداء ها هنا هي الشرف الذي أمام ذي الحليفة، وهي أقرب إلى مكة من ذي الحليفة، وكل مفازة بيداء وجمعها بَيَدٌ. وفي كتاب "الأنوار" شرح الموطأ: ولدت أسماءُ بنت عميسٍ محمدَ بن أبي بكر بالبيداء فَذُكر ذلك لرسول الله ﵇ فقال: مُرْها فلتغتسل ثم لتهل". وفي رواية: "ولدت بذي الحليفة". ثم قال: هذا ليس بخلاف؛ لأن البيداء صحراء متصلة بذي الحليفة، ولعل أبا بكر ﵁ قصد النزول بها للانفراد لحاجة أهله إلى الولادة، وأضاف ذلك في رواية إلى ذي الحليفة لأنها المقصودة، ولا يكون الإهلال إلَّا بذي الحليفة. انتهى. وانتصاب "البيداء" ها هنا على الظرفية، أي على البيداء أو فيها. قوله: "أَهَلَّ" أي رفع صوته بالتلبية. ص: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، قال: ثنا أبو عمرو -وهو الأوزاعي- عن عطاء -هو ابن أبي رباح: "أنه سمعه يُحدث، عن جابر يعني يخبر عن إهلال رسول الله ﵇ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته". ش: إسناده صحيح، ورجاله قد ذُكروا غير مرة، والوليد هو ابن مسلم الدمشقي، واسم الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، وأبو عمرو كنيته. والحديث أخرجه البخاري (١): ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا الوليد، عن الأوزاعي، سمع عطاء يحدث عن جابر بن عبد الله: "أن إهلال رسول الله ﵇ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته". وأخرجه أبو داود أيضًا نحوه (٢).

стр. 4401

ص: قال أبو جعفر ﵀ فذهب قوم إلى هذا، فاستحبوا الإِحرام من الييداء لإِحرام النبي ﵇ منها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي وعطاء وقتادة؛ فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث، فاستحبوا الإِحرام من البيداء، وذلك لأنه ﵇ أحرم منها. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد يجوز أن يكون النبي ﵇ أحرم منها لا لأنه قصد أن يكون إحرامه منها خاصة لفضل الإِحرام منها على الإِحرام مما سواها، وقد رأيناه فعل أشياء في حجته في مواضع لا لفضل قصده في تلك المواضع مما تفضل به غيرها من سائر المواضع، من ذلك نزوله بالمحصب من مِنَى، فلم يكن ذلك لأنه سنة؛ ولكن لمعنى آخر قد اختلف الناس فيه، ما هو؟ فرُوي عن عائشة ﵂ في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت له: "إنما كان منزلًا نزله رسول الله ﵇ لأنه كان أسمح للخروج" ولم يكن عروة يحصب ولا أسماء بنت أبي بكر ﵁. ورُوي عن أبي رافع أنه قال: "إنما أمرني رسول الله ﵇ أن أضرب له الخيمة، ولم يأمرني بمكانٍ بعينه، فضربتها بالمحصب". حدثنا بذلك ابن أبي عمران، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع. ورُوي عن ابن عباس ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن شعبة -يعني مولى ابن عباس- أن ابن عباس قال: "إنما كان المحصب لأن العرب كانت تخاف بعضها بعضًا، فيرتادون فيخرجون، فجرى الناس عليها". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا ابن أي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس .. مثله، غير أنه قال: "كانت تميم وربيعة يخاف بعضها بعضًا".

стр. 4402

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ قال: "ليس المحصب بشيء؛ إنما هو منزلٌ نزله رسول الله ﵇. فلما كان رسول الله ﵇ قد حصب ولم يكن ذلك لأنه سنة، فكذلك يجوز أن يكون أحرم حين صار على البيداء لا لأن ذلك سنة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأئمة الأربعة وكثر أصحابهم، فإنهم قالوا: سنة الإِحرام أن يكون من ذي الحليفة. وفي "شرح الموطأ": استحب مالك وأكثر الفقهاء أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة. واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقيب الصلاة إذا سَلَّم منها. وقال الشافعي: يهل إذا أخذت ناقته في المشي ومن كان يركب راحلته قائمةً كما يفعله [كثير] (١) من الحاج اليوم، فيهل على مذهب مالك إذا استوى عليها راكبًا. وقال عياض: جاء في رواية: "أَهَلَّ رسول الله ﵇ إذا استوت الناقة" وفي رواية أخرى: "حتى استوت به راحلته" وفي أخرى: "حتى تنبعث به ناقته" وكل ذلك متفق لأن قيامها به انبعاثها، ولا تستوي به حتى تنبعث به، ولا يفهم منه أخذها في المشي. وقال: قال مالك وأكثر أصحابه: يستحب أن يهل إذا استوت به إن كان راكبًا ويتوجه بأثر ذلك، وإن كان راحلًا فحين يأخذ في المشي. وقال الشافعي: إن كان راكبًا فكذلك. وقال أبو حنيفة: إذا سلم من الصلاة. قلت: الانبعاث: أخذها في القيام، والاستواء: كمال القيام.

стр. 4403

قوله: "فقالوا قد يجوز .. " إلى آخره جواب عما قاله أهل المقالة الأولى من استحباب الإِحرام من البيداء لكون النبي ﵇ أحرم منها. بيانه أن يقال: لا نسلم أن إهلال النبي ﵇ من البيداء يدل على استحباب الإِحرام منها، وأنه فضيلة اختارها رسول الله ﵇؛ لأنه يجوز أن يكون قد كان فعل ذلك لا لقصد أنه للإِحرام منها فضيلة على الإِحرام من غيرها، وقد رأيناه. أي النبي ﵇ فعل أشياء في حجه في مواضع لا لأجل فضلٍ قصدُه على أنه لا يوجد في غيرها من المواضع، فمن ذلك نزوله بالمحصب، فإن ذلك لم يكن لأنه سُنة وإنما كان لأجل معنى اختلفوا فيه، ما هو؟ فذكر فيه أربعة معان: الأول: ما أشار إليه بقوله: "فرُوي عن عائشة ﵁ أنها قالت: إنما كان -أي المحصب- منزلًا نزله رسول الله ﵇ لأنه كان أسمح للخروج" أي أسهل وأقرب لخروجه ﵇ إلى المدينة، وليجتمع إليه من معه مدة مقامه فيه بقية يومه؛ ليرحلوا برحيله. أخرجه بإسناد صحيح عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن أنس بن عياض ابن ضمرة المدني روى له الجماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة ﵃. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: "إنما نزل رسول الله ﵇ الأبطح لأنه أسمح لخروجه، وأنه ليس بسُنة". وأخرجه مسلم (٢) عن ابن أبي شيبة.

стр. 4404

وأخرجه البخاري (١) وأبو داود أيضاً. ولفظ أبي داود (٢): "ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله" (٣). قوله: "ولم يكن عروة يحصب" أي لم يكن ينزل بالمحصب لأنه ليس بسنة. وقال ابن أبي شيبة (٤): ثنا عبدة، عن هشام بن عروة: "أن أباه كان لا يحصب". قوله: "ولا أسماء بنت أبي بكر ﵂" أي ولم تكن أسماء تحصب أيضاً. قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن فاطمة: "أن أسماء كانت لا تحصب". قلت: وهو مذهب عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير. قال ابن أبي شيبة (٦): ثنا إسماعيل بن عياش، عن ليث: "أن عطاء وطاوسًا ومجاهدًا وسعيد بن جبير كانوا لا يحصبون". ثنا وكيع (٧)، عن عمر بن ذر، عن مجاهد: "أنه كان يكره التحصيب". ثنا وكيع (٨) عن سفيان [عن الليث] (٩) عن طاوس قال: "إنما الحصبة في السماء" انتهى.

стр. 4405

وقال ابن الأثير: المحصب: هو الشِّعب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مكة ومنى، سُمي بذلك للحصى الذي فيه، وكذلك سُمِّي موضع الجمار بمنى محصبًا، وهو في اللغة من التحصيب، وهو أن يُلقى في الأرض الحصباء وهو الحصى الصغار. الثاني: ما أشار إليه بقوله: "ورُوي عن أبي رافع" وهو مولى النبي ﵇، يقال: اسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، فإنه قال: "أمرني رسول الله ﵇ أن أضرب له الخيمة ولم يأمرني بمكان بعينه، فضربتها بالمحصب". فهذا يدل على أنه ﵇ ما قصد إلاَّ النزول في أي أرضٍ كانت، ولم يقصد به النزول في موضع معين لفضله على النزول في غيره، واتفق أن أبا رافع ضرب خيمة النبي ﵇ بالمحصب. وأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن إسحاق بن إبراهيم الطالقاني شيخ أبي داود، عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، عنه. وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة -قال زهير: نا سفيان بن عيينة- عن صالح بن كيسان، عن سليمان بن يسار، قال: قال أبو رافع: "لم يأمرني رسول الله ﵇ أن أنزل الأبطح حين خرج من مِنَى، ولكني جئت فضربت قبته، فجاء فنزل". الثالث: ما أشار إليه بقوله: "ورُوي عن ابن عباس ما حدثنا ربيع المؤذن .. " إلى آخره. فإنه قال: "إنما كانت المحصب لأن العرب كانت تخاف بعضها بعضًا فيرتادون" من الارتياد وهو طلب المكان للنزول فيه، يقال: رادَ، وارتادَ، واسترادَ. "فيخرجون جميعًا فجرى الناس عليها" أي على هذه الفعلة.

стр. 4406

فأخبر ابن عباس أن النزول في المحصب لم يكن لكونه سنة وإنما كان للعلة التي ذكرها. وأخرجه من طريقين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني وثقه يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، عن شعبة بن دينار مولى ابن عباس، فيه مقال. الثاني: وهو صحيح، عن ربيع أيضًا، عن خالد بن عبد الرحمن أيضاً، عن محمد بن أبي ذئب أيضًا. عن صالح بن نبهان مولى التوأمة -عن يحيى: ثقة حجة. وعن أحمد: هو صالح الحديث ما أعلم به بأسًا. الرابع: ما أشار إليه بقوله: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، وهو أسد بن موسى، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس. وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) نحوه من حديث عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: "ليس [التحصيب] (٣) بشيء؛ إنما هو منزل نزله رسول الله ﵇". فهذا ابن عباس يخبر أن المحصب لا سنة ولا فضيلة، وإنما نزل النبي ﵇ فيه كما كان ينزل في سائر المنازل، وقد عرفت أن مذهب جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وعائشة وأبو رافع وابن مسعود، أن التحصيب ليس بسنة، وإليه ذهب جماعة من التابعين كما ذكرناهم.

стр. 4407

وقال ابن عمر: "النزول بالمحصب سنة، أناخ به رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء". وقال مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا صخر بن جويرية، عن نافع: "أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة"، قال نافع: "قد حصب رسول الله ﵇ والخلفاء بعده". وفي "شرح الموطأ": ورُوي عن ابن المواز، عن مالك: استحب النزول بالمحصب إذا فرغ الإِمام من أيام الرمي وصَدَرَ، وإن لم يفعل فلا بأس. قال ابن وهب عنه: ذلك حسن للرجال والنساء وليس بواجب. وقال أيضًا: قال مالك: استحب للأئمة ومن يفتَدى به ألَّا يتجاوزوه حتى ينزلوا به، ويتعين إحياء سنة النبي ﵇ لئلَّا تترك جملةً. وروى ابن حبيب عن مالك: هو لمن لم يتعجل، فأما من تعجل في يومين فلا أرى له التحصيب. ص: وقد أنكر قومٌ أن يكون رسول الله ﵇ أحرم من البيداء، وقالوا: ما أحرم إلاَّ من عند المسجد، ورووا ذلك عن ابن عمر. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه أنه قال: "بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله ﵇ فيها، ما أهلَّ رسول الله ﵇ إلاَّ من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن موسى ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 4408

حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وُهيب بن خالد، عن موسى .. فذكر بإسناده مثله. ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمد بن مسلم الزهري، وعبد الملك بن جريج، وعبد الله بن وهب؛ فإنهم قالوا: ما أحرم رسول الله ﵇ إلاَّ من عند المسجد، ورووا ذلك عن عبد الله بن عمر، وأرادوا بالمسجد مسجد ذي الحليفة. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى ابن عقبة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٣)، وابن وهب في "مسنده". الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، عن وهيب بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر. وأخرجه الترمذى (٤): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر قال: "البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﵇ والله ما أهَلَّ رسول الله ﵇ إلاَّ من عند المسجد من عند الشجرة".

стр. 4409

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "بيداؤكم هذه ... " إلى آخره محمول على أنه أراد أن ذلك وقع منهم على جهة السهو ولا نظن به أنه كان ينسب الصحابة إلى الكذب الذي لا يحل، وقد يجيء بمعنى أخطأ وسُمي الخطأ كذبا لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وافترقا من حيث النية والقصد، لأن الكاذب يعلم أن الذي يقوله كذب والمخطىء لا يعلم. قوله: "ما أهل رسول الله ﵇" قد ذكرنا أن أصل الإِهلال في اللغة رفع الصوت، وكل رافع صوته فهو مهل، ومنه قيل للطفل إذا سقط من بطن أمه فصاح: قد استهل صارخًا، والاستهلال والإِهلال سواء، وأما الإِهلال في الشريعة هو الإِحرام بالحج وهو التلبية بالحج أو العمرة وينوي ما شاء منها. ص: قالوا وإنما كان ذلك بعد ما ركب راحلته، وذكروا في ذلك ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني صالح، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ أهل حين استوت به راحلته قائمة، وقال وكان ابن عمر يفعله". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مكي، قال: ثنا ابن جريج، قال: ثنا محمد بن المنكدر، عن أنس بن مالك قال: "بات رسول الله ﵇ بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته، واستوت به أهّل". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم الأزرق، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، قال: ثنا ابن شهاب، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. ش: أي قال هؤلاء القوم: إنما كان إهلاله ﵇ بعد أن ركب راحلته، والدليل على ذلك حديث ابن عمر وأنس بن مالك ﵃-

стр. 4410

أما حديث ابن عمر فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مكي بن إبراهيم البلخي شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج روى له الجماعة، عن صالح بن كيسان المدني روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): حدثني هارون بن عبد الله، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يخبر: "أن النبي ﵇ أهّل حين استوت به ناقته قائمة". وأما حديث أنس فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): ثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام بن يوسف، أنا بن جريج، قال: حدثني ابن المنكدر، عن أنس بن مالك قال: "صلى النبي ﵇ بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهّل". الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن .... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) مقتصرًا على ذكر المبيت. ص: قالوا: وينبغي أن يكون ذلك بعد ما تنبعث به ناقته، وذكروا في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سعيد المقبري، عن عُبيد بن جريج، عن ابن عمر قال: "لم أر رسول الله ﵇ يهل حتى تنبعث به راحلته".

стр. 4411

حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﵇ إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهّلَّ من ذي الحليفة". ش: أي قال هؤلاء القوم المذكورون: ينبغي أن يكون الإِهلال بعد انبعاث الناقة، وهو أخذها في القيام، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمر. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن سعيد المقبري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١) مطولًا ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج، أنه قال لعبد الله بن عمر: "يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها، قال: ما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلاَّ اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلل أنت حتى يكون يوم التروية، فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان فإني لم أر رسول الله ﵇ يمس إلاَّ اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله ﵇ يلبس النعال التي ليس فيها شعر ويتوضأ فيها، فإني أحب أن ألبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﵇ يصبغ بها فإني أحب أن أصبغ بها، وأما الإِهلال فإني لم أر رسول الله ﵇ يهل حتى تنبعث به راحلته". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع. وأخرجه مسلم (٢) أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة ... إلى آخره نحوه.

стр. 4412

قوله: "في الغَرزْ" أي الركاب، وقال ابن الأثير: الغرز ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكور مطلقًا مثل الركاب للسرج. قلت: هو بغين معجمة مفتوحة وراء مهملة ساكنة، وفي آخره زاي. و"قائمة" نصب على الحال من الراحلة، ومن فوائد حديث مسلم: إباحة لبس النعال السبتية وجواز الوضوء فيها وهي النعال السود التي لا شعر عليها، كذا فسره ابن وهب عن مالك، وقال الخليل: السبت: الجلد المدبوغ بالقرظ، وقال أبو عمرو بن العلاء: هو كل جلد مدبوغ، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر خاصة مدبوغة كانت أو غير مدبوغة، لا يقال لغيرها: سبت، وجمعها سبوت، وقال غيره: السبت نوع من الدباغ بقلع الشعر، والنعال السبتية من لباس وجوه الناس وأشراف العرب، وهي معروفة عندهم، وقد مر الكلام فيه مستقصى في كتاب الجنائز. وفيه إباحة صبغ اللحية بالصفرة، قال أبو عمر: اختلف العلماء في قوله: "ورأيتك تصبغ بالصفر" فقال قوم: أراد خضاب اللحية بالصفرة، واحتجوا بما روى ابن جريج قال: "رأيت ابن عمر يصفر لحيته، فقلت: أراك تصفر لحيتك، قال: رأيت النبي ﵇ يصفر لحيته"، وقال آخرون: إنما أراد كان يصفر ثيابه ويلبس ثيابًا صفراء، وأما الخضاب فلم يكن رسول الله ﵇ يخضب، وقال: فَضَّلَ جماعة من العلماء: الخضب بالصفرة والحمرة على بياض الشيب وعلى الخضاب بالسواد، وجاء عن جماعة كثيرة منهم أنهم لم يخضبوا وكل ذلك واسع. ورُوي عن علي وأنس ﵄ أنهما كان يصفران لحاهما، والصحيح عن علي ﵁ أنه كانت لحيته بيضاء، وقد ملأت ما بين منكبيه، وذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: "رأيت علي بن أبي طالب ﵁ أبيض الرأس واللحية، قد ملأت ما بين منكبيه"، وقال أبو إسحاق السبيعي: "رأيت عليًّا أصلع أبيض الرأس واللحية"، وكان السائب بن يزيد وجابر بن زيد ومجاهد

стр. 4413

وسعيد بن جبير لا يخضبون، وذكر الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي يخضب لحيته حمراء قانية، وقال يحيى بن يحيى الأندلسي: رأيت الليث بن سعد يخضب بالحناء، قال: ورأيت مالكًا يغير الشيب وكان نقي البشرة ناصع بياض الشيب حسن اللحية لا يأخذ منها من غير أن يدعها تطول، قال: ورأيت عثمان بن كنانة ومحمد بن إبراهيم وعبد الله بن نافع وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن وهب وأشهب بن عبد العزيز لا يغيرون الشيب، وذكر الليث بن سعد عن أبي عشانة وقال: "رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد، ورُوي عن الحسن والحسن ومحمد ابن الحنفية أنهم كانوا يخضبون بالوسمة، ورُوي عن موسى بن طلحة وأبي أسامة ونافع بن جبير أنهم خضبوا بالسواد وكان إبراهيم والحسن وابن سيرين لا يرون به بأسًا. وكره الخضاب بالسواد عطاء ومجاهد ومكحول والشعبي وسعيد بن جبير، ثم قال أبو عمر: ومما يدل على أن الصبغ بالصفرة المذكورة في هذا الحديث هو صبغ الثياب لا صبغ اللحية ما ذكره مالك، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان يلبس الثوب المصبوغ بالمشق والمصبوغ بالزعفران". وذكر في كتاب "الأنوار" في "شرح الموطأ": والذي رُوي عن ابن عمر أنه كان يصفر لحيته أكثر وأصح، ولا يمتنع أن يكون النبي ﵇ كان يصبغ ثيابة بالصفرة فيقتدي به ابن عمر ويستحبها من أجله، ويصبغ بها ثيابه ولحيته، وقد روى أبو داود (١) عن ابن عمر: "كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ قال: إني رأيت رسول الله ﵇ يصبغ بها. ولم يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته".

стр. 4414

ص: فلما اختلفوا في ذلك أردنا أن ننظر من أين جاء اختلافهم؟ فإذا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي حدثنا -إملاءً- قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: "قيل لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي ﵇ فقالت طائفةٌ: أَهَلَّ في مصلاه، وقالت طائفة: حيث استوت به راحلته، وقالت طائفة: حين علا البيداء؟ فقال: سأخبركم [عن] (١) ذلك، إن رسول الله ﵇ أهل في مصلاه، فشهده قومٌ فأخبروا بذلك، فلما استوت به راحلته أهل، فشهده قومٌ لم يشهدوه، وفي المرة الأولى فقالوا: أهل رسول الله ﵇ الساعة، فاخبروا بذلك، فلما علا البيداء أهل فشهده قومٌ لم [يشهدوه]، (٢) في المرتين الأولتين فقالوا: أهّلَّ رسول الله ﵇ الساعة فاخبروا بذلك، وإنما كان أهّلَّ النبي ﵇ في مصلاه". فبَيَّنَ عبد الله بن عباس الوجه الذي منه جاء اختلافهم، وأن إهلال النبي ﵇ الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ. وينبغي للرجل إذا أراد الِإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دُبرهما كما فعل رسول الله ﵇ وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمدٍ ﵏. ش: أي فلما اختلف الفرق الثلاث المذكورون فيما مضى في إهلال النبي ﵇ لاختلاف ألفاظ الحديث أردنا أن ننظر من أين جاء هذا الاختلاف؟ فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديث ابن عباس يخبر عن وجه الاختلاف ما هو؟ ويبين أن إهلال النبي ﵇ الذي ابتدأ به الحج، ودخل به في الحج كان في مصلاه، فاخترنا ذلك، وقلنا: ينبغي للرجل إذا أراد الإِحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم عقبهما، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه، وهذا أقرب إلى الاقتداء بفعل النبي ﵇، وأشبه به من الإِهلال حين استوت به راحلته كما ذهب إليه مالك، ومن الإِهلال حين تأخذ ناقته

стр. 4415

في المشي كما ذهب إليه الشافعي، ومن الإِهلال حين استوت به راحلته على البيداء كما ذهبت إليه طائفة من أهل العلم. ثم إسناد حديث ابن عباس صحيح ورجاله ثقات، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين شيخ البخاري، وخُصيف -بالفاء في آخره- ابن عبد الرحمن الجزري، وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي، وعن أحمد: ضعيف الحديث. وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن منصور، قال: ثنا يعقوب -يعني ابن إبراهيم- قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني خُصيف بن عبد الرحمن الجزري، عن سعيد بن جبير، قال: "قلت لابن عباس: يا أبا العباس، عجبتُ لاختلاف أصحاب رسول الله ﵇ في إهلال رسول الله ﵇ حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله ﵇ حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول الله ﵇ حاجًّا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوامٌ فحفظته عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله ﵇ حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﵇، فلما علا على شرف البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا شرف البيداء، وايم الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهّل حين علا شرف البيداء. قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه". وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢): أنا أحمد بن جعفر القطيعي، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن
следующие страницы →