← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

السكوني، روى له الجماعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن عائشة ﵃. وأخرجه مسلم (١): نا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: نا عبيد الله بن عمر، قال: سمعت القاسم، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﵇ لحله ولحرمه". العاشر: عن يونس بن عبد الأعلى، عبد الله بن وهب .. إلى آخره، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح، وأبو بكر بن حزم هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني يقال: اسمه كنيته، ويقال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد. الحادي عشر: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح. وأخرجه مسلم (٢) ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﵇ لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". الثاني عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني البصري شيخ الدارمي، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣). الثالث عشر: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن أفلح بن حميد بن نافع المدني، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة، عن رسول الله ﵇.

стр. 4447

وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﵇ بيديَّ هاتين عند الإِحرام". وأخرجه مسلم (١) أيضاً نحوه. الرابع عشر: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة. وأخرجه العدني أيضًا في "مسنده": ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنه سمعها تقول وبسطت يديها: "أنا طيبت رسول الله ﵇ بيديَّ هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت". الخامس عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني .. إلى آخره. وأخرجه العدني أيضًا، ثنا الثقفي، عن أيوب، عن القاسم عن عائشة قالت: "كنت أطيب رسول الله ﵇ لحله وحرمه". السادس عشر: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢). وأخرجه مسلم (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة. السابع عشر: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة.

стр. 4448

وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، ثنا طلحة، عن عطاء، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله لإِحرامه حين أحرم، ولإِحلاله قبل أن يزور". الثامن عشر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح .. إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج نحوه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فقد تواترت هذه الآثار عن رسول الله ﵇ بإباحته الطيب عند الإِحرام، وأنه قد كان يبقى في مفارقه بعد الإِحرام. ش: أبي بعد [أن] (١) تكاثرت هذه الأحاديث المروية عن عائشة ﵂ بإباحة استعمال الطيب عند الإِحرام، وقال ابن حزم: فلما اختلف العلماء من الصحابة والتابعين في الطيب عند الإِحرام؛ وجب الرجوع إلى ما افترض الله من الرجوع إليه من بيان رسول الله ﵇، ثم روى الحديث المذكور عن عائشة من طريق البخاري وغيره، ثم قال: فهذه آثار متواترة متظاهرة فلا يحل لأحد أن يخرج عنها، رواه عن أم المؤمنين أيضاً عروة والقاسم وسالم بن عبد الله وعبد الله بن عمر ومسروق وعلقمة والأسود، ورواه عن هؤلاء الناس الأعلام. ص: وقد روي ذلك عن ابن عباس فيما تقدم مما روينا في هذا الباب. ش: أي قد روي أيضًا ما ذكرنا في إباحة الطيب عند الإِحرام عن عبد الله بن عباس، وقد ذكره فيما مضى من قوله: "فأما أنا فأضمخ به رأسي". ص: وقد روي في ذلك أيضاً عن أصحاب رسول الله ﵇: حدثنا محمد بن عمرو بن تمام أبو الكروس، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا ميمون بن يحيى بن مسلم بن الأشج، عن ابن بكير، عن أبيه قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت عائشة بنت سعد تقول: "كنت أُشْبع رأس سعد بن أبي وقاص لحرمه بالطيب".

стр. 4449

حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا زيد بن أسلم، قال: حدثتني ذرة قالت: "كنت أغلف رأس عائشة ﵂ بالمسك والعنبر عند إحرامها". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرتني حكيمة -قال أبو عاصم: ابنة أبي حكيم- عن أمها ابنة أبي النجار: "أن أزواج النبي ﷺ كن يجعلن عصائب فيهن الورس والزعفران فيعصبن بها أسافل شعورهن على جباههن قبل أن يحرمن، ثم يحرمن كذلك". يزيد أحدهما على صاحبه في قصة الحديث. حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير: "أنه كان يتطيب بالغالية الجيدة عند الإِحرام". ش: أي وقد روي أيضًا فيما ذكرنا من إباحة استعمال الطيب عن أصحاب رسول الله ﵇، وأخرج في ذلك عن أربعة من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص وعائشة وأميمة وعبد الله بن الزبير ﵃ أما أثر سعد فأخرجه عن محمد بن عمرو بن تمام يكنى بأبي الكروس -بفتح الكاف والراء وتشديد الواو في آخره سين مهملة قاله ابن ماكولا- وهو في اللغة: عظيم الرأس، عن يحيى بن عبد الله بن بكير البصري شيخ البخاري. عن ميمون بن يحيى بن مسلم بن الأشج مولى بني زهرة يكنى أبا أمية، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه. عن مخرمة بن بكير عن عبد الله بن الأشج المدني قال أحمد: هو ثقة لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي عن كتاب أبيه. وعن يحيى: ضعيف. وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 4450

عن أبيه بكير بن عبد الله روى له الجماعة. عن أسامة بن زيد الليثي روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا. عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص الزهرية المدنية روى لها البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) ثنا [أبو] (٢) أسامة، عن هشام بن هاشم. عن عائشة بنت سعد قال: "كان سعد يتطيب عند الإِحرام بالذريرة". وأخرج ابن حزم (٣) من طريق سفيان، عن أيوب السختياني، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، قالت: "طيبت أبي بالمسك والذريرة لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يزور أو يطوف". انتهى. قلت: الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وأما أثر عائشة ﵂ فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بالفتح- بن هلال ... إلى آخره، وإسناده صحيح، وذرة -بالذال المعجمة- غير منسوبة، امرأة من الصحابيات، وذكرها ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وقال: ذرة روت عن عائشة، روى عنها زيد بن أسلم، سمعت أبي يقول ذلك. ولم يتعرض لها هل هي صحابية أم لا، ولم يذكر ابن ماكولا في باب درة بالدال المهملة المضمومة وذرة بالذال المعجمة المفتوحة إلاَّ أم ذرة بالمعجمة، وقال أم ذرة مولاة عائشة تروي عن عائشة وأم سلمة، وروى عنها محمد بن المنكدر وأبو اليمان كثير بن جريج. والأثر أخرجه ابن حزم (٤) من طريق حماد بن سلمة، عن زيد بن أسلم، قال: حدثتني ذرة: "أنهما كانت تغلف رأس عائشة أم المؤمنين بالمسك والعنبر عند الإِحرام".

стр. 4451

قوله: "أغلف" أي ألطخ رأس عائشة بالمسك، وأكثره يقال: غلّف بها لحيته غَلَفًا وغلفها تغليفًا. وأما أثر أميمة فأخرجه من طريقين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور، روى له الجماعة. عن عبد الملك بن جريج المكي. عن حكيمة بنت أبي حكيم -ويقال: بنت حكيم- ذكرها ابن حبان في "الثقات". عن أمها ابنة أبي النجار -بالنون المفتوحة وتشديد الجيم وفي آخره راء مهملة- هكذا هو في نسخ الطحاوي، واسمها أميمة وكذا قال ابن ماكولا في كتابه "الإِكمال": وأميمة بنت أبي النجار، قالت: "كن أزواج رسول الله ﵇ يتخذن العصائب ... " الحديث. روى ابن جريج عن حكيمة بنت أبي حكيم عنها. وفي "التكميل": أميمة بنت رقيقة التميمية، ورقيقة أمها، وهي رقيقة بنت عبد -ويقال: عبد الله- بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، لها صحبة، ويقال: أميمة بنت أبي النجار، ويقال: إنهما اثنتان، وأمهما رقيقة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى أخت خديجة بنت خويلد زوج النبي ﵇، ويقال: رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف أم مخرمة بنت نوفل صاحبة الرؤيا التي فيها استسقاء عبد المطلب مع النبي ﵇، روت عن النبي ﵇ وعن أزواجه، روى عنها محمد بن المنكدر، وابنتها حكيمة بنت أميمة .. انتهى. وقد عرفت من هذا أن اسم أم حكيمة بنت أبي حكيم: أميمة، بلا خلاف ولكن الخلاف في اسم أب أميمة، منهم من قال: أميمة بنت أبي النجار كما في كتاب الطحاوي، ومنهم من قال: أميمة بنت بجاد -بكسر الباء الموحدة وبالجيم المخففة وفي آخره دال مهملة- وقال في "الإِكمال" لابن ماكولا -في ما فيه اختلاف-: أميمة

стр. 4452

بنت بجاد بن عمير بن الحارث، وأمها رقيقة بنت خويلد بن أسد، وقيل: أميمة بنت أبي النجار، روت عنها ابنتها حكيمة انتهي. وقيل: الصواب أميمة بنت عبد بن بجاد، قاله الزبير في نسب قريش ولم يذكر خلافًا. أخرجه الطبراني في "الكبر" (١): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرتني حكيمة عن أمها أميمة: "أن أزواج النبي ﵇ كن يجعلن عصائب فيهن الورس والزعفران فيعصبن بها أسفل شعورهن من جباههن قبل أن يحرمن، ثم يحرمن كذلك". الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج المكي ... إلى آخره. قوله: "عصائب" جمع عصابة، وهي كل ما عصبت به المرأة رأسها من مناديل أو خرقه. و"الورس" نَبْتٌ أصفر يصبغ به، وقد أورس المكان فهو وارس، والقياس مورس، وفي "المطالع" الورس: صبغ أصفر معروف. وأما أثر عبد الله بن الزبير فأخرجه بإسناد صحيح، عن نصر بن مرزوق، وقد تكرر رجاله. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبدة بن سليمان؛ عن هشام بن عروة: "أن ابن الزبير ﵄ كان يدهن عند إحرامه بالغالية الجيدة". ص: فهذا قد جاء في ذلك عمن ذكرناه في هذه الآثار من أصحاب رسول الله ﵇ ما يوافق ما قد روته عائشة ﵂ عن النبي ﵇ من تطيبه عند الإِحرام، وبهذا كان يقول أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله-.

стр. 4453

ش: أي فهذا الحكم الذي ذكرناه، وهو جواز استعمال الطيب عند الإِحرام قد جاء فيه عمن ذكرناه في هذه الآثار من أصحاب رسول الله ﵇-وهم الصحابة الأربع الذين ذكرناهم عن قريب- ما يوافق ما قد روته عائشة عن النبي ﵇، وهو الذي أخرجه من ثمانية عشر طريقًا، وكفى بذلك حجة، وروي في ذلك أيضاً عن عبد الله بن جعفر وأنس بن مالك والحسن بن علي وأبي ذرٍّ ﵃. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وروينا من طريق محمد بن قيس، عن الشعبي قال: "كان عبد الله بن جعفر يتطيب بالمسك عند إحرامه". ومن طريق ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن صالح بن حيان قال: "رأيت أنس بن مالك أصاب ثوبه من خلوق الكعبة وهو محرم فلم يغسله". ومن طريق وكيع، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين: "أن الحسن بن علي ﵄ أمر لأصحابه بالطيب عند الإِحرام". ومن طريق شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن مرة بن خالد الشيباني قال: "سألنا أبا ذر بالربذة، بأي شيء يدهن المحرم؟ قال: بالدهن". ص: وأما محمد بن الحسن ﵀: فإنه كان يذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وعثمان بن أبي العاص وابن عمر ﵃ من كراهته، وكان من الحجة له في ذلك: أن ما ذكر في حديث عائشة ﵂ من تطيب رسول الله ﵇ عند الإِحرام إنما فيه أنها كانت تطيبه إذا أراد أن يحرم، فقد يجوز أن يكون كانت تفعل به هذا ثم يغتسل إذا أراد أن يحرم فيذهب بغسله عنه ما كان على بدنه من طيب ويبقي فيه ريحه. ش: لما كان مذهب محمد بن الحسن كراهة التطيب عند الإِحرام لما روي عن هؤلاء الصحابة وذكر فيما مضى، وكان هذا اختياره على ما يقول في آخر الباب وبه يأخذ، ذكره ليجيب عن ما روي عن عائشة الذي احتجت به أهل المقالة الثانية الذين أبو حنيفة وأبو يوسف منهم نصرة لما قاله محمد الذي هو مختاره، وهو الذي

стр. 4454

أشار إليه بقوله: "وكان من الحجة له" أي لمحمد ﵀: "في ذلك" أي فيما ذهب إليه، وهو ظاهر. وقد أجاب بعضهم نصرة له بأن هذا كان مخصوصًا بالنبي ﵇، وفيه نظر؛ لأنه قد روى ابن حزم (١): من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "طيبته ﵇ بيدي" وروي أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ثم يحرمن ثم يعرقن، فيسيل على وجوههن، فيرى ذلك رسول الله ﵇ فلا ينكره. ص: فإن قال قائل: فقد قالت عائشة ﵂ في حديثها: "كنت أرى وبيص الطيب في مفارقه بعد ما أحرم" قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك وقد غسله كما ذكرنا، وهكذا الطيب ربما غسله الرجل عن وجهه أو عن بدنه فيذهب، ويبقى وبيصه، فلما احتمل ما روي عن عائشة ﵂ من ذلك ما ذكرنا؛ نظرنا هل فيما روي عنها شيء يدل على ذلك؟ فإذا فهد قد حدثنا قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: "سألت ابن عمر عن الطيب عند الإِحرام، فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا ينضخ مني ريح الطيب، فأرسل ابن عمر بعض بنيه إلى عائشة ﵂ ليسمع أباه ما قالت، قال: فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﵇ ثم طاف في نسائه فأصبح محرمًا، فسكت ابن عمر". قال أبو جعفر ﵀: فدل هذا الحديث على أنه قد كان بين إحرامه وبين تطييبها إياه غسل؛ لأنه لا يطوف عليهن إلاَّ اغتسل، فكأنها إنما أرادت بهذه الأحاديث الاحتجاج على من كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب، كما كره ذلك ابن عمر ﵄ فأما بقاء نفس الطيب على بدن المحرم بعد ما أحرم وإن كان تطيب قبل الإِحرام فلا، فَتَفَهَّم هذا الحديث فإن معناه معنى لطيف.

стр. 4455

ش: هذا السؤال وارد على قوله: "فقد يجوز أن يكون كانت تفعل به ... " إلى، آخره، تقريره أن يقال: كيف يجوز ما ذكرت من التأويل وقد قالت عائشة في حديثها: "كنت أرى وبيص الطيب -أي بريقه ولمعانه- في مفارقه بعد ما أحرم" وهذا ينافي ما ذكرتم من التأويل؟ فأجاب عنه بقوله: "قيل له: تقريره أن يقال: يجوز أن يكون بريقه موجودَّا وقد كان غسله، وهكذا شأن الطيب ربما يغسله الرجل عن بدنه أو عن وجهه أو عن عضو من أعضائه، فيذهب بالغسل ويبقى بريقه ولمعانه. قوله: "فلما احتمل ما روي عن عائشة ... " إلى آخره. هذا يمكن أن يكون جوابًا عما يقال: هل تجد دليل من الحديث يدل على صحة ما ذكرتم من التأويل؟ فقال: نعم، وهو ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أنا طيبت رسول الله ﵇ ثم طاف في نسائه، فأصبح محرمًا" فهذا يدل على أنه قد كان بين إحرامه ﵇ وبين تطييب عائشة ﵂ إياه غسل، لأنه ﵇ ما كان يطوف على نسائه إلاَّ وقد اغتسل، فدل أن الغسل كان متخللًا بين التطييب والإِحرام، ثم لا شك أن الطيب كان يزول بالغسل غير أنه قد كان يبقى ريحه ووبيصه، وفهم من هذا أن مراد عائشة بهذه الأحاديث التي روى عنها بطرق مختلفة الإِنكار على من قد كان كره أن يوجد من المحرم بعد إحرامه ريح الطيب، لا أنها قصدت بذلك إباحة الطيب عند الإِحرام، وهو معنى قوله: "فأمَّا بقاء نفس الطيب على بدن المحرم ... " إلى آخره. وقد اعترض ابن حزم (١) على الطحاوي في هذا المقام، فقال: كل من الرواة عن عائشة ممن لا يعدل محمد بن المنتشر بأحد منهم لو انفرد، فكيف إذا اجتمعوا من أنها قالت: إنها طيبته ﵇ عند إحرامه ولإِحلاله قبل أن يطوف بالبيت، وما رواه من رواه منهم من أنها رأت الطيب في مفارقه ﵇ بعد ثالثة من إحرامه أيضًا، فقد صح بيقين لا خلاف فيه أنه ﵇ إنما أحرم في تلك الحجة إثر صلاة الظهر، فصح أن

стр. 4456

الطيب الذي روى ابن المنتشر هو طيب آخر كان قبل ذلك بليلة طاف فيها ﵇ على نسائه ثم أصبح كما في حديث ابن المنتشر. قلت: محمد بن المنتشر ممن روى له الجماعة، فإذن لا اعتبار لقوله: "ممن لا يعدل محمد بن المنتشر بأحد منهم" وقد قيل: إن الطيب الذي طيبت به عائشة رسول الله ﵇ كان من الذي لا يبقى له ريح، وقال القاضي: أو نقول: إنه أذهبه غسل الإِحرام. ويعضد هذا التأويل ما ذكر مسلم في الحديث: "طيبت رسول الله ﵇ عند إحرامه، ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا، فقد ظهرت علة تطييبه أنها إنما كانت لمباشرة نسائه، وأن غسله بعد ذلك منهن وغسله للإِحرام أذهبه، لا سيما وقد ذكر عنه أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل مواقعة الأخرى، فأي طيب يبقى بعد أغسال كثيرة؟! ثم قال: وقد ثبت أن الطيب الذي طيبته به ذريرة، وهي مما يذهبها الغسل ولا يبقى ريحها بعده. وقال البيهقي في كتاب "المعرفة" (١) وغيره: واحتج الطحاوي في وجوب غسله قبل الإِحرام حتى يذهب أثره بحديث محمد بن المنتشر، وليس في هذا الحديث أنه أصابهن حتى وجب عليه الغسل، وقد كان يطوف عليهن من غير أن يصيبهن، قالت عائشة ﵂: "قلّ يوم -أو ما كان يوم- إلاَّ ورسول الله ﵇ يطوف علينا جميعًا، فيقبل ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء [الذي هو] (٢) يومها يبت عندها" ثم إن كان في هذا الحديث دلالة على أنه اغتسل بعد ما تطيب أو اغتسل للإِحرام كما روي في بعض الأخبار؛ ففي حديث إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت: "كأني انظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﵇ وهو محرم" وفي حديث عطاء بن السائب، عن إبراهيم بعد ثلاث، وفي هذا دلالة على بقاء عينه وأثره عليه بعد الإِحرام؛ لأن وبيص المسك: بريقه ولمعانه ولا يكون لرائحة الطيب بريق إنما البريق لعينه الباقية عليه.

стр. 4457

قلت: قول عائشة ﵂ في حديث محمد بن المنتشر: "فأصبح محرمًا" قرينة على أن المراد من قولها: "فطاف في نسائه" هو الوقاع على سبيل الكفاية لا التقبيل ولا اللمس، وهذا ظاهر لا يدفع؛ لأن المحرم ممنوع من الجماع، وربما يمكث الرجل في إحرامه مدة طويلة من الزمن، فلا يطوف من يريد الإِحرام على نسائه إلاَّ لأجل الوقاع، بخلاف قولها: "قل يوم -أو ما كان يوم- إلاَّ ورسول الله ﵇ يطوف علينا" فإن هذا لا يشابه ما نحن فيه، فافهم. وقوله: "وفي هذا دلالة على بقاء عينه ... إلى آخره" قد ذكرنا أن الثابت عن الطيب الذي طيبته به عائشة ﵂ هو الذريرة وأن ذلك مما يذهبها الغسل فيحتمل أن يذهب ذلك عن بدنه ويبقى وبيضها، وكذلك المسك يحتمل أن يكون مخلوطًا بشيء آخر بحيث أنه قد تلبس بالبدن، فذهب عينه بالغسل وبقي وبيصه، وهذا يعرف بالمس لأن الوبيص يكون من دهنه وقد بين ذلك في حديث آخر: "ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك". ثم إسناد حديث ابن المنتشر صحيح، وأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر وثقه ابن حبان، عن أبيه محمد بن المنتشر روى له الجماعة، عن عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه مسلم (١): ثنا سعيد بن منصور وأبو كامل جميعًا، عن أبي عوانة -قال سعيد: أنا أبو عوانة- عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: "سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرمًا، فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا، لأَن أُطْلَى بقطران أحب إليّ من أن أفعل ذلك، فدخلت على عائشة، فأخبرتها أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا، لأن أطلي بقطران أحب إليَّ من أن أفعل ذلك، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﵇ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا".

стр. 4458

وأخرجه البخاري (١) والنسائي (٢) أيضًا. قوله: "ينضخ مني" أي يفور ومنه ﴿عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ (٣) وقال ابن الأثير: النضخ بالخاء المعجمة قريب من النضح بالمهملة، وقد اختلف فيهما أيهما أكثر، والأكثر أنه بالمعجمة أقل من المهملة، وقيل: هو بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه، وقيل: هو بالمعجمة ما فعل تعمُدًا، وبالمهملة من غير تعمد، وقال: في حديث الإِحرام: "ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا" أي يفوح، فذكره في الحاء المهملة، ثم قال: والنَّضوح -بالفتح- ضرب من الطيب تفوح رائحته، وأصل النضح الرشح فشبه كثرة ما يفوح من طيبه بالرشح، وفي "المطالع" النضخ بالخاء المعجمة كاللطخ يبقى له أثر، قال ابن قتيبة: وهو أكثر من النضح بالمهملة، ولا يقال فيه: نضحت، وقد يكون معنى الحديث على هذا: يقطر ويسيل منه الطيب كما جاء في حديث محمد بن عروة: "وقد لطخ بالغالية، وجعل أبوه يقول: قطرت قطرت" وقيل: بالمعجمة فيما ثخن كالطيب، وبالمهملة فيما رق كالماء، وقيل: كلاهما سواء. قوله: "ثم طاف في نسائه" أي على نسائه وكلمة "في" تجيء بمعنى "علي" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٤) أي على جذوع النخل. ص: فقد بينا وجوه هذه الآثار، فاحتجنا بعد ذلك أن نعلم كيف وجه ما نحن فيه من الاختلاف من طريق النظر، فاعتبرنا ذلك، فرأينا الإِحرام يمنع من لبس القميص والسراويلات والخفاف والعمائم، ويمنع من الطيب وقتل الصيد وإمساكه، ثم رأينا الرجل إذا لبس قميصًا أو سراويل قبل أن يحرم ثم أحرم وهو عليه أن يؤمر بنزعه، وإن لم ينزعه وتركه عليه كان كمن لبسه بعد الإِحرام لبسًا

стр. 4459

مستقلًا، فيجب عليه في ذلك ما يجب عليه فيه لو استأنف لبسه بعد إحرامه، وكذلك لو صاد صيدًا في الحل وهو حلال فأمسكه في يده أمر بتخليته، وإن لم يخله كان إمساكه له بعد ما أحرم بصيده إياه المتقدم إلى كإمساكه إياه بعد إحرامه بصيد كان منه بعد إحرامه، فلما كان ما ذكرنا كذلك، وكان الطيب محرمًا على المحرم بعد إحرامه كحرمة هذه الأشياء، كان ثبوت الطيب عليه بعد إحرامه وإن كان قد تطيب به قبل إحرامه كتطيبه به بعد إحرامه؛ قياسًا ونظرًا على ما بينا، فهذا هو النظر في هذا الباب، وبه نأخذ، وهو قول محمد بن الحسن ﵀. ش: لما بين وجوه الأحاديث الواردة في هذا الباب، ورجح ما ذهب إليه محمد بن الحسن واختاره؛ أشار إلى أن وجه النظر والقياس أيضًا يقتضي ما ذهب إليه محمد بن الحسن ﵀. بيانه: أن الإِحرام يمنع المحرم من لبس المخيط وتغطية الرأس واستعمال الطيب وقتل الصيد وإمساكه، حتى لو أحرم وهو متلبس بشيء من هذه الأشياء يؤمر بخلعه، فإن لم يطع واستمر عليه كان حكمه كحكم من أنشأ ذلك في إحرامه في وجوب الجزاء، فإذا كان الأمر كذلك، وكان الطيب محرمًا عليه بعد إحرامه، كان بقاؤه عليه بعد إحرامه وإن كان قد استعمله وهو حلال كاستعماله وهو محرم؛ قياسًا على ذلك ونظرًا عليه، والجامع: الارتفاق وهو محرم. فإن قيل: بقاؤه ليس كابتدائه، والذي عليه أثر الطيب الذي تطيب به قبل الإِحرام لا يسمى متطيبًا، ولأن النهي [عن] (١) التطيب بعد الإِحرام، ولم يوجد. قلت: قد ورد في الآثار: "أن الحاج هو الأذفر الأغبر" رواه ابن أبي شيبة (٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ وبقاء الطيب عليه ينافي ذلك، وأيضًا يكون مرتفقًا به، والمحرم ممنوع عن ذلك، فاستوت فيه الحالتان.

стр. 4460

ثم المحرم إذا دام عليه الطيب الذي قد كان تطيب به قبل الإِحرام هل تجب عليه الفدية؟ فعلى الخلاف المذكور، وقد قال عطاء والثوري: لا فدية على المحرم المتضمخ، ولا على اللائس، وإليه ذهب الشافعي وإسحاق وداود وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنه: عليه الفدية، وعن مالك: تلزمه الفدية إذا انتفع بذلك أو طال لبثه عليه. والله أعلم. ***

стр. 4461

ص: باب: ما يلبس المحرم من الثياب ش: أي هذا باب في بيان ما يجوز لبسه للمحرم من الثياب وما لا يجوز. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد وسليمان بن حرب (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قالوا: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس ﵁ يقول: سمعت النبي ﵇ بعرفة يقول: "من لم يجد إزارًا لبس سراويل، ومن لم يجد نعلين لبس خفين". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله، ولم يذكر: "عرفة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا عمرو بن دينار ... فدكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "سمعت النبي ﵇ وهو يخطب ... " فذكر مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ... فذكر مثله، غير أنه لم يقل: "وهو يخطب". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، قال: ثنا ابن عباس: "أنه سمع النبي ﵇ يخطب .. " فذكر نحوه، قلت: ولم يقل: "يقطعهما؟ قال: لا".

стр. 4462

ش: هذه سبع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاري وأبي داود وعن سليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء الجوفي -بالجيم- ورى له الجماعة. وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو الوليد، نا شعبة، قال: حدثني عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد، سمعت ابن العباس يقول: "سمعت النبي ﵇ يخطب بعرفات: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم". الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن شعبة .. إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر. وحدثني أبو غسان الرازي، قال: نا بهز، قالا جميعًا: نا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣) أيضًا: ثنا أبو كريب، قال: نا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشر ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٤) أيضًا: ثنا يحيى بن يحيى، قال أنا هشيم، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره.

стр. 4463

الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود أيضاً، عن سعيد بن منصور أيضًا، عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "السراويل لمن لا يجد الإزار، والخف لمن لا يجد النعلين". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا هشام بن عمار ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﵇ يخطب -قال هشام: على المنبر- فقال: "من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" قال هشام في حديثه: "فليلبس سراويل إلاَّ أن يفقد". السادس: عن أبي بكرة بكار، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﵇: إذا لم يجد المحرم الإزار لبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين لبس الخفين". السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره، وأبو الشعثاء كنية جابر بن زيد. وأخرجه الدارمي في "سننه" (٣): أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار، عن أبي الشعثاء، قال: أخبرني ابن عباس، أنه سمع النبي ﵇ قال:

стр. 4464

"من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين، قال: قلت -أو قيل-: أيقطعهما؟ قال: لا". وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي أيضًا. فالترمذي (١): عن أحمد بن عبدة الضبي، عن يزيد بن زريع، عن أيوب، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. والنسائي (٢): عن قتيبة، عن حماد، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. قوله: "إزارًا" وهو معروف، يُذَكَّر ويُؤَنَّث، والإزارة مثله، كما قالوا للوساد: وسادة. وموضع الإزار من الحقوين، ويجمع على آزرة في القلة، وأُزر في الكثرة مثل: حمار وأحمرة وحمر. قوله: "سراويل" هكذا هو بالتنوين لأنها مصروفة في النكرة، قال الجوهري: السراويل معروف يُذَكَّر ويُؤَنَّث والجمع السراويلات. وقال سيبويه: سراويل واحدة، وهي أعجمية أعربت فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة، قال وإن سميت بها رجلاً لم تصرفها، ومن النحويين من لا يصرفه أيضًا في النكرة، ويزعم أنه جمع سروال وسروالة وينشد: [عليه] (٣) من اللؤم سراولة. ويحتج في ترك صرفه بقول ابن الرومي: فتى فارسي في سراويل رامح، والعمل على القول الأول، والثاني أقوى، وسرولته ألبسته السراويل، فتسرول. ص: حدثنا الحسين بن الحكم الحبري الكوفي، قال: ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل".

стр. 4465

ش: إسناده صحيح، وقد ذكرنا مرة أن الحبري نسبة إلى بيع الحِبَر -بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة- وهو جمع حِبْرة كعنبة وهي البرد اليماني. وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس. وأخرجه مسلم (١): نا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: نا أبو الزبير، عن جابر .. إلى آخره نحوه سواء. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: من لم يجد إزارًا وهو محرم لبس سراويل ولا شيء عليه، ومن لم يجد نعلين لبس خفين ولا شيء عليه. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وداود؛ فإنهم قالوا: من لم يجد إزارًا وهو محرم لبس سراويل ولا فدية عليه، وكذا من لم يجد نعلين لبس خفين ولا شيء عليه، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة عن ابن عباس وجابر ابن عبد الله ﵃ وفي "شرح الموطأ": واختلفوا إذا لم يجد إزارًا هل له أن يلبس السراويل؟ فكرهه مالك وأبو حنيفة، وجعلا فيه الفدية إلاَّ أن يشقه ويأتزر به، وأجازه الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وداود. واختلفوا إذا لم يجد النعلين هل يلبس الخفين ولا يقطعهما؟ فأجازه أحمد وطائفة من أهل العلم، قال عطاء: في قطعهما فساد والله لا يحب الفساد، ومنع ذلك أكثر أهل العلم حتى يقطعهما أسفل من الكعبين، وبه قال مالك والشافعى وأبو حنيفة والثوري وإسحاق وجماعة من التابعين. وقال ابن حزم: ومن وجد خفين ولم يجد نعلين فقد قال قوم: يلبسهما كما هما ولا يقطعهما، وقال قوم: يشق السراويل فيأتزر بها، واحتج من أجاز له لباس السراويل والخفين بحديث ابن عباس، وقال بعضهم: قطع الخفين إفساد للمال.

стр. 4466

وقد نهي عنه، قال عليّ: حديث رسول الله ﵇ لا يحل خلافه، فيلبس السراويل كما هي ولا شيء في ذلك، وأما الخفان فحديث ابن عمر فيه زيادة القطع -حتى يكونا أسفل من الكعبين- على حديث ابن عباس، فلا يحل خلافه ولا ترك الزيادة. وعن سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي أنه قال: في المحرم لا يجد نعليه قال: "يلبس الخفين ويقطعهما حتى يكونا مثل النعلين" وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأبي سليمان، وبه نأخذ. وروينا عن عائشة أم المؤمنين والمسور بن مخرمة إباحة لبس الخفين بلا ضرورة للمحرم من الرجال، وقال أبو حنيفة إن لم يجد إزارًا لبس سراويل، فإن لبسها يومًا إلى الليل فعليه دم، وإن لبسهما أقل من ذلك فعليه صدقة، وإن لبس خفين لعدم النعلين يوما إلى الليل فعليه دم، وإن لبسهما أقل من ذلك فصدقة، وقال مالك: من لم يجد إزارًا لبس سراويل وافتدى، وإن لم يجد النعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما ولا شيء عليه، وقال محمد بن الحسن: يشق السراويل ولا شيء عليه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الليث بن سعد وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا، فإن عندهم المحرم إذا لم يجد إزارًا يلبس سراويل، وإذا لم يجد نعلين يلبس خفين، ولكن يجب عليه الفدية. وفي "البدائع": المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر به فتقه فإن لبسه ولم يفتقه فعليه دم في قول أصحابنا، وقال الشافعي: يلبسه ولا شيء عليه، وإن لم يجد رداء وله قميص فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به لأنه لما شقه صار بمنزلة الرداء، وكذا إذا لم يجد إزارًا فلا بأس أن يفتق سراويله خلا موضع التكة ويأتزر به، لأنه إذا فتقه صار بمنزلة الإزار، وكذا إذا لم يجد النعلن وله خفاف فلا بأس أن يقطعهما أسفل من الكعبين فيلبسهما. انتهى.

стр. 4467

وقال أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد": وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل، واختلفوا فيه إذا لم يجد إزارًا هل يلبس السراويل؟ وإن لبسهما على ذلك هل عليه فدية أم لا؟ فكان مالك وأبو حنيفة يريان على من لبس السراويل وهو محرم الفدية، وسواء عند مالك وجد الإزار أو لم يجد، وقال عطاء بن أبي رباح والشافعي وأصحابه والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود: إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس السراويل ولا شيء عليه، وروى ابن وهب عن مالك والليث: من لبس خفين مقطوعين أو غير مقطوعين إذا كان واجدًا للنعلين فعليه الفدية، وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه إذا لبسهما مقطوعين أو غير مقطوعين وهو واجد للنعلين، واختلف قول الشافعي فيمن لبس الخفين مقطوعين وهو واجد للنعلين، فمرة قال: عليه الفدية، ومرة قال: لا شيء عليه. ص: فقالوا: أما ما ذكر نحوه من لبس المحرم الخف والسراويل على حال الضرورة فنحن نقول بذلك ونبيح له لبسه للضرورة التي هي به، ولكنا نوجب عليه مع ذلك الكفارة، وليس فيما رويتموه نفي لوجوب الكفارة، ولا فيه ولا في قولنا خلاف لشيء من ذلك، لأنا لم نقل: لا يلبس الخفين إذا لم يجد نعلين ولا السراويل إذا لم يجد إزارًا ولو قلنا ذلك لكنا مخالفين لهذا الحديث، ولكنا قد أبحنا له اللباس كما أباح له النبى ﵇، ثم أوجبنا عليه مع ذلك الكفارة بالدلائل القائمة الموجبة لذلك. ش: أي فقال هؤلاء الآخرون، وهذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من حديث ابن عباس وجابر، بيانه أن يقال: إن حديثهما ليس بحجة علينا ولا نحن خالفناه، ولا تركنا العمل به، فإنا أيضًا نقول به، ونجوز لبسه للضرورة كما جوزتم أنتم، ولكنا نحن نقيد الجواز بالكفارة، فإذا لبس وجب عليه الكفارة، لأنه ليس في الحديث ما يدل على نفي وجوب الكفارة، غاية ما في الباب الذي يدل عليه الحديث جواز لبس الخفين عند عدم النعلين وجواز لبس السراويل عند عدم الإزار، ولو نفينا هذا لكان منا خلاف للحديث، ولم ننف ذلك، بل قد جوزناه، كما جوزه النبي ﵇ ثم أوجبنا الكفارة لدلائل أخرى دلت عليه.

стр. 4468

ص: وقد يحتمل أيضًا قوله ﵇ من لم يجد نعلين فليلبس خفين على أن يقطعهما من تحت الكعبين، فيلبسهما كما يلبس النعلين، وقوله: "ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل على أن يشق السراويل فيلبسه كما يلبس الإِزار، فإن كان هذا الحديث أريد به هذا المعنى فلسنا نخالف شيئًا من ذلك، ونحن نقول بذلك ونثبته، وإنما وقع الخلاف بيننا وبينكم في التأويل لا في نفس الحديث، لأنا قد صرفنا الحديث إلى وجه يحتمله، فاعرفوا موضع خلاف التأويل من موضع خلاف الحديث فإنهما مختلفان، ولا توجبوا على من خالف تأويلكم الحديث خلافًا لذلك الحديث. ش: هذا جواب آخر، بيانه أن يقال: إن معنى قوله: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين بعد قعطهما من تحت الكعبين، ومعنى قوله: "ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل بعد شقها، فإن كان معنى الحديث هذا فليس فيه خلاف منا أصلًا بل نحن نقول به ونثبته، فحينئذ يكون الخلاف بيننا وبينكم في إثبات هذا الحديث، ولا يقال: صرف الحديث إلى هذا المعنى بعيد، لأنا نقول إنما صرفناه إلى وجه يحتمله، لأن المحرم ممنوع عن لبس المخيط على أن عبد الله بن عمر ﵄ روى حديثًا يبين هذا ويدل على أن معناه هو المعنى الذي صرفنا الحديث إليه على ما يأتي الآن -إن شاء الله تعالى- ولما لم يميز الخصم موضع خلاف التأويل من موضع خلاف الحديث نبه عليه بقوله فاعرفوا موضع خلاف التأويل ... إلى آخره. ص: وقد بين عبد الله بن عمر عن النبي ﵇ بعض ذلك. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: "أن رجلاً سأل النبي ﵇ ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ فقال: لا تلبس السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الخفاف إلاَّ أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس خفين أسفل من الكعبين". حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أسباط بن محمد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ مثله.

стр. 4469

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، قال: ثنا سفيان -هو ابن عيينة- عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبى ﵇ مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم (ح). وحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، قالا جميعًا: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عبد الله بن دينار، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: عن النبي ﵇ أنه قال: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، وليشقهما من عند الكعبين". فهذا ابن عمر ﵄ يخبر عن النبي ﵇ بلبس الخفين الذي أباحه للمحرم كيف هو، وأنه بخلاف ما يلبس الحلال، ولم يبين ابن عباس في حديثه من ذلك شيئًا، فحديث ابن عمر أولاهما وإذا كان ما أباح للمحرم من لبس الخفين هو بخلاف ما يلبس الحلال فكذلك ما أباح له من لبس السراويل هو خلاف ما يلبس الحلال، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. ش: أي وقد بين عبد الله بن عمر فيما رواه عن النبي ﵇ بعض ذلك، وأشار به إلى ما ذكره من التأويل في قوله: "وقد يحتمل أيضًا قوله ﵇ ... إلى آخره" بيانه أن عبد الله بن عمر أخبر عن النبي ﵇ بكيفية لبس المحرم الخفين، كيف يكون حيث قال: فليلبس خفين أسفل من الكعبين، وقال: وليشقها من عند الكعبين، ولم يبين

стр. 4470

كذلك ابن عباس في حديثه، فيكون حديث ابن عمر أولى بالعمل؛ لأن فيه زيادة على ذلك. وقال ابن حزم: حديث ابن عمر فيه زيادة لا يحل خلافها. وقال أبو عمر: قال الشافعي: ابن عمر ﵄ قد زاد على ابن عباس شيئًا نقص ابن عباس وحفظه ابن عمر، وذلك قوله: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" والمصير إلى رواية ابن عمر أولى، ويقال: حديث ابن عباس مطلق وليس فيه القطع، وحديث ابن عمر مقيد فيحمل ذلك المطلق على المقيد لأن الزيادة من الثقة مقبولة. فإن قيل: قد ذكر أن قوله: "فليقطعهما" من كلام نافع. وكذا في أمالي أبي القاسم بن [بشران] (١) بسند صحيح: أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: "وليقطع الخفين أسفل الكعبين" وذكر ابن العربي وابن التين: أن جعفر بن برقان قال في روايته: قال نافع: "ويقطع الخفاف أسفل من الكعبين"، وقال ابن قدامة: ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، قال عمرو بن دينار روى الحديثين جميعًا وقال: انظروا أيهما كان قبل، وقال الدراقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل، لأنه قد جاء في بعض الروايات: "نادى رجل رسول الله ﵇ في المسجد" يعني في المدينة، فكأنه كان قبل الإِحرام، وحديث ابن عباس يقول: "سمعته يخطب بعرفات" الحديث، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر ﵄ فيكون ناسخًا له؛ لأنه لو كان واجبًا لبينه للناس، إذْ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر، وحديث ابن عباس سالمٌ من الوقف مع ما عضده من حديث جابر ﵁ وقد أخذ بحديثنا عمر وعلي وسعد وابن عباس وعائشة ﵃ ثم إنا نحمل قوله: "وليقطعهما" على الجواز من غير كراهة لأجل الإِحرام ونهى عن ذلك

стр. 4471

في غير الإِحرام لما فيه من الفساد، فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكعب مع وجود النعل، فعندنا أنه لا يجوز، ويجب عليه الفداء خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. قلت: قال أبو عمر: قد اتفق الحفاظ من أصحاب مالك على لفظة: "وليقطعهما" أنها من لفظ الحديث، وأما جعفر بن برقان فوهم فيه في موضعين: الأول: جعله هذا من قول نافع أنه قال فيه: "من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" وليس هذا حديث ابن عمر. الثاني: جعله هذا موقوف، وقد روى أحمد بن حنبل حديث ابن عمر مرفوعًا وفيه ذكر القطع، وقال: ليس نجد أحدًا يرفعه غير زهير، قال: وكان زهير من معادن الصدق، ذكره عنه الميموني. وفي بعض نسخ "المجتبى" (١): لأبي عبد الرحمن النسائي في حديث ابن عباس من رواية عمرو بن دينار زيادة: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" كحديث ابن عمر، لكن يعكر عليه ما ذكره أحمد في "مسنده" عن عمرو، أن أبا الشعثاء أخبره، عن ابن عباس بالحديث، وفيه قال: "فقلت له: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال لا". وكذا أخرجه الدارمي في "سننه" (٢) والطحاوي في هذا الباب وقد ذكرناه، وأما قولهم: "حديث ابن عباس بعرفات، وحديث ابن عمر بالمدينة، وأن المتأخر ينسخ المتقدم". فيفسده ما ذكره ابن خزيمة في "صحيحه" (٣): عن ابن عباس سمعت رسول الله ﵇ وهو يخطب ويقول: "السراويل لمن لم يجد الإزار".

стр. 4472

ونا أحمد بن المقدام، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلاً سأل النبي ﵇ وهو بذاك المكان، فقال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم؟ ... " الحديث كأنه يشير بذاك المكان إلى عرفات، فإذا كان كذلك فليس فيه دلالة على ما ذكروه وادعوه من النسخ، والله أعلم. ثم إنه أخرج حديث ابن عمر من تسع طرق صحاح: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز ... إلى آخره، والكل رجال الصحيح ما خلا يزيد بن سنان. وأخرجه النسائي (١): أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وعمرو بن علي، قالا: ثنا يزيد -وهو ابن هارون- قال: أنا يحيى -وهو ابن سعيد الأنصاري- عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: "أن رجلاً سأل رسول الله ﵇ ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ قال: لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الخفاف إلاَّ أن يكون أحد ليس له نعلان فليلبس الخفين أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه ورس ولا زعفران". الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أسباط بن محمد بن عبد الرحمن الكوفي روى له الجماعة، عن سعيد بن أبي عروبة مهران البصري، روى له الجماعة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه البيهقى في "سننه" (٢): من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "نادى رجل، يا رسول الله، وهو يخطب وهو بذلك المكان -وأشار نافع إلى مقدم المسجد- فقال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا يلبس السراويل ولا القميص ولا العمامة ولا الخفين إلاَّ أحد لا يجد نعلين فليقطعهما فليلبسهما أسفل من الكعبين، ولا شيئًا من الثياب مسه ورس وزعفران ولا البرنس".

стр. 4473

وأخرجه البخاري مختصرًا (١). الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد ابن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢): من حديث حماد، عن أيوب، عن نافع ... إلى آخره. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح. وأخرجه مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلاً سأل النبي ﵇ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﵇: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلاَّ أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس". وأخرجه أبو داود (٤): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك نحوه. وابن ماجه (٥): عن أبي مصعب، عن مالك نحوه. الخامس: عن عيسى بن إبراهيم بن عيسى الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي أيضاً، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٦): نا أحمد بن حنبل ومسدد، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "سأل رجل رسول الله ﵇ ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال:

стр. 4474

لا يلبس القميص ولا البرنس ولا السراويل ولا العمامة ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلاَّ أن لا يجد النعلين، فمن لم يجد النعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين". السادس: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروذي، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) نحوه. السابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن منهال، عن عبد العزيز ابن مسلم القسملي المروذي ثم البصري، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه أحمد (٢) أيضًا: ثنا عفان، نا عبد العزيز بن مسلم، نا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﵇: "نهى أن يلبس المحرم ثوبًا صبغ بورس أو زعفران، وقال رسول الله ﵇: من لم يكن له نعلان فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين". الثامن: عن يونس بن عبد الأعلى المصري عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطأه" (٣): عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغًا بزعفران أو ورس، وقال: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين". التاسع: عن محمد بن خزيمة ... إلى آخره.

стр. 4475

وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١): ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار سمع ابن عمر يقول: "إن رسول الله ﵇ قال: من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين، قلت: للمحرم، قال: للمحرم". قوله: "السراويلات" جمع سراويل، وقد مر الكلام فيه عن قريب. و"العمائم" جمع عمامة، يقال: اعتم بالعمامة، وتعمم بها. و"البرانس" جمع برنس، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دُرَّاعة، أو جبةٍ، أو مِمْطَرٍ أو غيره. وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإِسلام، وهو من البِرْس -بكسر الباء- وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي. وقال ابن حزم: كل ماجُبَّ فيه موضع لإِخراج الرأس منه فهو جبة في لغة العرب، وكل ما خيط أو نسج في طرفيه ليتمسك على اللابس فهو برنس كالغفارة ونحوها. قوله: "أسفل من الكعبين" والكعب هو العظم الناتئ عند مفصل الساق والقدم عند الجنب، ولكن هذا المعنى هذا المراد في باب الوضوء، والكعب الذي في باب الحج هو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. فإن قيل: هذا الحديث فيه نوع إشكال؛ لأن فيه: أن رجلاً سأل النبي ﵇: ما يلبس من الثياب؟ فهذا سؤال عما يلبس المحرم، فأجاب ﵇ عنه بشيء آخر لم يسأل عنه حيث قال: "لا تلبسوا السراويلات ... " إلى آخره، فهذا عدول عن محل السؤال، أو يوجب أن يكون إثبات الحكم في المذكور دليلاً على أن الحكم في غيره بخلافه وهذا خلاف المذهب.

стр. 4476

قلت: قد قيل: إنه يحتمل أن يكون السؤال عما لا يلبسه، وأضمر كلمة "لا" في محل السؤال، لأن كلمة "لا" قد تراد في الكلام وقد تحذف منه، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١) أي أن لا تضلوا، فحينئذ يكون الجواب مطابقًا للسؤال. وقيل: يحتمل أن ﵇ علم غرض السائل ومراده أنه طلب منه بيان ما لا يلبسه المحرم بعد إحرامه، إما بقرينة جالية أو بدليل آخر أو بالوحي، فأجاب عما في ضميره وغرضه ومقصوده. ويقال: إنه لما خص المخيط بأنه لا يلبس المحرم بعد تقدم السؤال عما يلبسه دل أن الحكم في غير المخيط بخلافه والتنصيص على حكم في مذكور، إنما يدل على تخصيص ذلك الحكم به بشرائط ثلاثة: أحدهما: أن لا يكون فيه حَيْدٌ عن الجواب لمن لا يجوز عليه الحيد، فأما إذا كان؛ فإنه يدل عليه صيانة لمنصب النبي ﵇ عن الحيد عن الجواب عن السؤال. والثاني: من المحتمل أن يكون حكم غير المذكور خلاف حكم المذكور، وهنا لا يحتمل؛ لأنه يقتضي أن لا يلبس المحرم أصلاً، وفيه تعريضه للهلاك بالحر أو بالبرد والعقل يمنع من ذلك، فكان المنع من أحد النوعين في مثله إطلاقًا للنوع الآخر. والثالث: أن يكون ذلك في غير الأمر والنهي، فأما في الأمر والنهي فيدل عليه، قد صح من مذهب أصحابنا أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده، والتنصيص ها هنا في محل النهي فكان ذلك دليلًا على أن الحكم في غير المخيط بخلافه والله أعلم. ص: وأمَّا النظر في ذلك فإنا قد رأيناهم لم يختلفوا فيمن وجد إزارًا أن لبس السراويل له غير مباح لأن الإِحرام قد منعه من ذلك، وكذلك من وجد نعلين فحرام عليه لبس الخفين من غير ضرورة.

стр. 4477

فأردنا أن ننظر في لبس ذلك من طريق الضرورة كيف هو؟ وهل يوجب كفارة أو لا يوجبها؟ فاعتبرنا ذلك، فرأينا الإِحرام ينهى عن أشياء قد كانت مباحة قبله، منها لبس القميص والعمائم والخفاف والسراويلات والبرانس، وكان من اضطر فوجد الحرَّ فغطى رأسه، أو وجد البرد فلبس ثيابه أنه قد فعل ما هو مباح له فعله، وعليه الكفارة مع ذلك، وحرم عليه الإِحرام أيضًا حلق الرأس إلا من ضرورة، وكان من حلق رأسه من ضرورة فقد فعل ما هو مباح له والكفارة عليه واجبة، فكان حلق الرأس للمحرم في غير حال الضرورة إذا أبيح لم تكن إباحته تسقط الكفارة، بل الكفارة في ذلك كله واجبة في حال الضرورة كهي في غير حال الضرورة، وكذلك لبس القميص الذي حرم عليه في غير حال الضرورة، فإذا كانت الضرورة فأبيح ذلك له لم يسقط بذلك الضمان، فكانت الكفارة واجبة عليه في ذلك كله فلم تكن الضرورة في شيء مما ذكرنا تسقط كفارة كانت تجب في شيء في غير حال الضرورة، وإنما تسقط الأثام خاصة، فكذلك الضرورات في لبس الخفاف والسراويلات لا توجب سقوط الكفارات التي كانت تجب لو لم تكن تلك الضرورات، ولكنها ترفع الأثام خاصة. فهذا هو النظر في هذا [الباب أيضًا] (١) وهو قول أبي حنيفة، وأبى يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وأما وجه النظر والقياس في الحكم المذكور المختلف فيه، فإنَّا رأيناهم، أي الأخصام كلهم ... إلى آخره. وهو ظاهر غني عن زيادة بيان. قوله: "وكان من اضطر" أي الذي اضطر إلى اللبس. قوله: "لم يسقط بذلك الضمان" وفي كثير من النسخ الكفارة، وهو الأقرب. قوله: "فهذا هو النظر" أي فهذا الذي ذكرنا هو وجه النظر والقياس في هذا الباب.

стр. 4478

ص: باب: لبس الثوب الذي قد مسه ورس أو زعفران فى الإِحرام ش: أي هذا باب في بيان لبس الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران للمحرم في حالة الإِحرام كيف يكون حكمه وما يجب عليه؟ و"الوَرْسُ" بفتح الواو وسكون الراء وفي آخره سين مهملة. قال أبو حنيفة الدينوري: الورس يزرع باليمن زرعًا ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون منه شيء بريًّا، ونباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق، فينفض منه الورس، ويزرع سنة فيجلس عشر سنين، أي يقيم في الأرض ينبت ويثمر، ومنه جنس يسمى الحَبَشي، وفيه سواد، وهو أكبر الورس، وللعرعر ورس، وللريث ورس، وقال أبو حنيفة: لست أعرفه بغير أرض العرب، ولا في أرض العرب بغير بلاد اليمن. وقال الأصمعي: ثلاثة أشياء لا تكون إلاَّ باليمن وقد ملأت الأرض: الورس، واللبان، والعصب. وأخبرني ابن بنت عبد الرزاق قال: الورس عندنا باليمن، بحفاش، وملحان، وطمام، وسحبان والوقعة، وجرار وهوزن وجبال ابن أبي جعفر كلها. ويقال له: الحُصُّ. وقال الجوهري: الورس نبت أصفر يكون باليمن، تتخذ منه الغُمرة للوجه. تقول منه: أورس المكان، ووَرَّست الثوب توريسًا: صبغته بالورس، وملحفة وريسة، صبغت بالورس. وقال ابن البيطار في "جامعه": يؤتي بالورس من الصين واليمن والهند، وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم، وهو يشبه زهر العصفر، ومنه شيء يشبه نشارة البابونج، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه. و"الزعفران": اسم أعجمي، وقد صرفته العرب؛ فقالوا: ثوبٌ مزعفرٌ. وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً. ويُجمع على زعافر.

стр. 4479

قال الجوهري: كترجمان وتراجم. وقال أبو حنيفة: لا أعلمه ينبت بشيء من أرض العرب، وقد أكثر مجيئه في كلامهم وأشعارهم. وفي كتاب "الطيب" للمفضل بن سلمة، يقال: إن الكركم عروق الزعفران. وقال مؤرج: يقال لورق الزعفران: الفَيْد. ومنه سمي أبا فَيْد. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو داود وأبو صالح كاتب الليث، قالا: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "لا تلبسوا ثوبًا مسه ورس أو زعفران" يعني في الإِحرام. حدثنا عليُّ بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵊ نحوه. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبي صالح عبد الله بن صالح وراق الليث بن سعد وشيخ البخاري، كلاهما عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني نزيل بغداد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب. وأخرجه البخارى (١) مطولاً:

стр. 4480

ثنا أحمد بن يونس، نا إبراهيم بن سعد، نا ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله: "سئل رسول الله ﵇ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس المحرم القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس ولا ثوبًا مسه زعفران ولا ورسٌ، وإن لم يجد نعليه فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين". الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يلبس المحرم ثوبًا مسّه ورسٌ أو زعفران. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى .. إلى آخره، بعينه قد ذكر في الباب السابق. الرابع: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر، وهذا أيضًا بعينه قد ذكر في الباب السابق. ص: قال أبو حنيفة ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران فلا يحل لبسه في الإِحرام، وإن غُسل؛ لأن النبي ﵇ لم يبين في هذه الآثار ما غُسل من ذلك مما لم يغسل، فنهيه على ذلك كله. ش: أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا، وهشام بن عروة، وعروة بن الزبير، ومالكًا في رواية ابن القاسم عنه؛ فإنهم قالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران لا يجوز لبسه للمحرم، سواء كان مغسولًا أو لم يكن؛ لإِطلاق الأحاديث المذكورة. وإليه ذهب ابن حزم، وقال في "المحلى": الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا غُسل حتى لا يبقى منه أثر يجوز لبسه عند قوم، ورووا فيه أثرًا، فإن صح وجب الوقوف عنده، ولا نعلمه صحيحًا، ولا يجوز لباسه أصلاً؛ لأنه قد مسَّه الورس والزعفران. انتهى. قلت: أراد بالأثر ما يجيء ذكره في آخر الحديث المذكور: "إلاَّ أن يكون غسيلًا" وعن قريب يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 4481

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض فلا بأس بلبسه في الإِحرام، لأن الثوب الذي صبغ إنما نهي عن لبسه في الإِحرام؛ لما كان قد دخله مما هو حرام على المحرم، فإذا غسل فخرج ذلك منه ذهب المعنى الذي له كان النهي، وعاد الثوب إلى أصله الأول قبل أن يُصيبه ذلك الذي غسل منه، وقالوا هذا في الثوب الطاهر تصيبه النجاسة فينجس بذلك، فلا تجوز الصلاة فيه، فإذا غُسل حتى تخرج منه النجاسة طهر، وحلت الصلاة فيه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وطاوسًا وقتادة وإبراهيم النخعيّ وسفيان الثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحق وأبا يوسف ومحمدًا وأبا ثور؛ فإنهم أجازوا للمحرم لبس الثوب المصبوغ بالورس والزعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض. وقوله: "لا ينفض" له تفسيران منقولان عن محمد بن الحسن: أحدهما: لا يتناثر صبغه. والآخر: لا يفوح ريحه. والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه ولكن يفوح ريحه يمنع من ذلك؛ لأن ذلك دليل بقاء الطيب، إذ الطيب ما له رائحة طيبة. وقال أبو يوسف في "الإِملاء": لا ينبغي للمحرم أن يتوسد ثوبًا مصبوغًا بالزعفران ولا الورس ولا ينام عليه؛ لأنه يصير مستعمِلًا للطيب فكان كاللبس. قوله "هذا" أي قال الآخرون: هذا الثوب المصبوغ الذي لا ينفض .. إلى آخره هذا قياس صحيح، والجامع زوال [عين] (١) مما أصاب، فافهم. ص: وقد روي عن النبي ﵇ في ذلك أنه استثنى مما حرمه على المحرم من ذلك فقال: "إلاَّ أن يكون غسيلًا".

стр. 4482

حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: نا أبو معاوية (ح). وحدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا أبو معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ .. مثل الحديث الذي ذكرناه في أول الباب، وزاد: "إلاَّ أن يكون غسيلًا". قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين وهو يتعجب من الحِمَّاني إذ يحدث بهذا الحديث، فقال له عبد الرحمن: هذا عندي، ثم وثب من فَوْره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره يحيى الحماني، فكتب عنه يحيى ابن معين. فقد ثبت مما ذكرنا اسثثناء رسول الله ﵇ الغسيل مما قد مَسَّه ورس أو زعفران، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في لبس المحرم الثوب المصبوغ بورس أو زعفران أنه استثنى من ذلك ما كان منه غسيلاً، فقال: "إلاَّ أن يكون غسيلًا" حدث بذلك نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ فثبت بذلك أن الغسيل مستثنى من ذلك، فلا يحرم لبسه على المحرم. وأخرجه من طريقين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم -بالمعجمتين- عن عبيد الله بن عمر بن حفص عاصم ابن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وأخرج أبو عمر (١): من حديث يحيى بن عبد الحميد، عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ هذا الحديث، فقال فيه: "لا تلبسوا ثوبًا مسه ورس أو [زعفران] (٢) إلاَّ أن يكون غسيلًا.

стр. 4483

الثاني: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي شيخ أبي زرعة وقال صدوق، عن أبي معاوية ... إلى آخره. فإن قيل: ما حكم هذا الحديث بهذه الزيادة؟ قلت: صحيح؛ لأن رجاله ثقات. وروى هذه الزيادة -أعني "إلاَّ أن يكون غسيلًا"- أبو معاوية الضرير وهو ثقة ثبت. فإن قيل: قال ابن حزم: ولا نعلمه صحيحًا. وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يجئ بهذا أحد غيره: "إلاَّ أن يكون غسيلًا". قلت: هذا يحيى بن معين كان أولاً ينكر على يحيى بن عبد الحميد الحماني ويقول: كيف تحدث بهذا الحديث؟! ثم لما قال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي: هذا الحديث عندي وأخرج أصله عن أبي معاوية كما ذكره الحماني بهذه الزيادة، كتب عنه يحيى بن معين، وكفى لصحة هذا الحديث شهادة عبد الرحمن، وكتابة يحيى ابن معين، ورواية أبي معاوية. وأما قول ابن حزم: ولا نعلمه صحيحًا. فهو نفي لعلمه بصحته، فهذا لا يستلزم نفي صحة الحديث في علم غيره (١). ص: وقد روي ذلك عن نفر من المتقدمين. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن المسيب: "أنه أتاه رجل فقال له: إني أريد أحرم وليس له إلاَّ هذا الثوب، ثوب مصبوغ زعفران، فقال: الله ما تجد غيره؟ فحلف، فقال: اغسله وأحرم فيه". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن ليث، عن طاوس قال: "إذا كان في الثوب زعفران أو ورس، يغسل ولا بأس أن يحرم فيه".

стр. 4484

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم: "في الثوب يكون فيه ورس أو زعفران فغسل: أنه لم ير بأسًا أن يحرم فيه". ش: أي قد روي ما ذكرنا من جواز لبس المحرم الثوب المصبوغ بورس أو زعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض، عن جماعة من التابعين، وهم سعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم النخعي. أما أثر سعيد فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي إياس اليشكري، عن سعيد بن المسيب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن أبي بشر قال: "كنت عند سعيد بن المسيب، فقال له رجل: إني أريد أن أحرم ومعي ثوب مصبوغ بالزعفران فغسلته حتى ذهب لونه، فقال له سعيد: أمعك ثوب غيره؟ قال: لا، قال: فأحرم فيه". وأما أثر طاوس فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن ليث، عن طاوس، قال: "إذا غُسل الثوب المصبوغ فذهب ريحه، قال: لا بأس أن يحرم فيه". وأما أثر إبراهيم النخعي فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن مرزوق .. إلى آخره، ومغيرة هو ابن مقسم الضبيّ.

стр. 4485

وأخرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: "في الثوب المصبوغ بالورس والزعفران، قال: إذا غُسِلَ [فذهب] (٢) ذلك منه، لم يره شيئًا أن يلبسه المحرم". ...
следующие страницы →