ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض فلا بأس بلبسه في الإِحرام، لأن الثوب الذي صبغ إنما نهي عن لبسه في الإِحرام؛ لما كان قد دخله مما هو حرام على المحرم، فإذا غسل فخرج ذلك منه ذهب المعنى الذي له كان النهي، وعاد الثوب إلى أصله الأول قبل أن يُصيبه ذلك الذي غسل منه، وقالوا هذا في الثوب الطاهر تصيبه النجاسة فينجس بذلك، فلا تجوز الصلاة فيه، فإذا غُسل حتى تخرج منه النجاسة طهر، وحلت الصلاة فيه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وطاوسًا وقتادة وإبراهيم النخعيّ وسفيان الثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحق وأبا يوسف ومحمدًا وأبا ثور؛ فإنهم أجازوا للمحرم لبس الثوب المصبوغ بالورس والزعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض.
وقوله: "لا ينفض" له تفسيران منقولان عن محمد بن الحسن:
أحدهما: لا يتناثر صبغه.
والآخر: لا يفوح ريحه.
والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه ولكن يفوح ريحه يمنع من ذلك؛ لأن ذلك دليل بقاء الطيب، إذ الطيب ما له رائحة طيبة.
وقال أبو يوسف في "الإِملاء": لا ينبغي للمحرم أن يتوسد ثوبًا مصبوغًا بالزعفران ولا الورس ولا ينام عليه؛ لأنه يصير مستعمِلًا للطيب فكان كاللبس.
قوله "هذا" أي قال الآخرون: هذا الثوب المصبوغ الذي لا ينفض .. إلى آخره هذا قياس صحيح، والجامع زوال [عين] (١) مما أصاب، فافهم.
ص: وقد روي عن النبي ﵇ في ذلك أنه استثنى مما حرمه على المحرم من ذلك فقال: "إلاَّ أن يكون غسيلًا".
стр. 4482
حدثنا بذلك فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: نا أبو معاوية (ح).
وحدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، قال: ثنا أبو معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ .. مثل الحديث الذي ذكرناه في أول الباب، وزاد: "إلاَّ أن يكون غسيلًا".
قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين وهو يتعجب من الحِمَّاني إذ يحدث بهذا الحديث، فقال له عبد الرحمن: هذا عندي، ثم وثب من فَوْره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره يحيى الحماني، فكتب عنه يحيى ابن معين.
فقد ثبت مما ذكرنا اسثثناء رسول الله ﵇ الغسيل مما قد مَسَّه ورس أو زعفران، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في لبس المحرم الثوب المصبوغ بورس أو زعفران أنه استثنى من ذلك ما كان منه غسيلاً، فقال: "إلاَّ أن يكون غسيلًا" حدث بذلك نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ فثبت بذلك أن الغسيل مستثنى من ذلك، فلا يحرم لبسه على المحرم.
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم -بالمعجمتين- عن عبيد الله بن عمر بن حفص عاصم ابن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرج أبو عمر (١): من حديث يحيى بن عبد الحميد، عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ هذا الحديث، فقال فيه: "لا تلبسوا ثوبًا مسه ورس أو [زعفران] (٢) إلاَّ أن يكون غسيلًا.
стр. 4483
الثاني: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي شيخ أبي زرعة وقال صدوق، عن أبي معاوية ... إلى آخره.
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث بهذه الزيادة؟ قلت: صحيح؛ لأن رجاله ثقات. وروى هذه الزيادة -أعني "إلاَّ أن يكون غسيلًا"- أبو معاوية الضرير وهو ثقة ثبت.
فإن قيل: قال ابن حزم: ولا نعلمه صحيحًا. وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث في أحاديث عبيد الله، ولم يجئ بهذا أحد غيره: "إلاَّ أن يكون غسيلًا".
قلت: هذا يحيى بن معين كان أولاً ينكر على يحيى بن عبد الحميد الحماني ويقول: كيف تحدث بهذا الحديث؟! ثم لما قال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي: هذا الحديث عندي وأخرج أصله عن أبي معاوية كما ذكره الحماني بهذه الزيادة، كتب عنه يحيى بن معين، وكفى لصحة هذا الحديث شهادة عبد الرحمن، وكتابة يحيى ابن معين، ورواية أبي معاوية.
وأما قول ابن حزم: ولا نعلمه صحيحًا. فهو نفي لعلمه بصحته، فهذا لا يستلزم نفي صحة الحديث في علم غيره (١).
ص: وقد روي ذلك عن نفر من المتقدمين.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن المسيب: "أنه أتاه رجل فقال له: إني أريد أحرم وليس له إلاَّ هذا الثوب، ثوب مصبوغ زعفران، فقال: الله ما تجد غيره؟ فحلف، فقال: اغسله وأحرم فيه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن ليث، عن طاوس قال: "إذا كان في الثوب زعفران أو ورس، يغسل ولا بأس أن يحرم فيه".
стр. 4484
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم: "في الثوب يكون فيه ورس أو زعفران فغسل: أنه لم ير بأسًا أن يحرم فيه".
ش: أي قد روي ما ذكرنا من جواز لبس المحرم الثوب المصبوغ بورس أو زعفران إذا كان غسيلًا لا ينفض، عن جماعة من التابعين، وهم سعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم النخعي.
أما أثر سعيد فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي إياس اليشكري، عن سعيد بن المسيب.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن أبي بشر قال: "كنت عند سعيد بن المسيب، فقال له رجل: إني أريد أن أحرم ومعي ثوب مصبوغ بالزعفران فغسلته حتى ذهب لونه، فقال له سعيد: أمعك ثوب غيره؟ قال: لا، قال: فأحرم فيه".
وأما أثر طاوس فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن ليث، عن طاوس، قال: "إذا غُسل الثوب المصبوغ فذهب ريحه، قال: لا بأس أن يحرم فيه".
وأما أثر إبراهيم النخعي فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن مرزوق .. إلى آخره، ومغيرة هو ابن مقسم الضبيّ.
стр. 4485
وأخرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: "في الثوب المصبوغ بالورس والزعفران، قال: إذا غُسِلَ [فذهب] (٢) ذلك منه، لم يره شيئًا أن يلبسه المحرم".
...
стр. 4486
ص: باب: الرجل يحرم وعليه قميص كيف ينبغي أن [يخلعه] (١)
ش: أي هذا باب في بيان من أحرم والحال أن عليه قميص، كيف ينبغي أن [يخلعه] (١) أينزعه نزعًا أم يشقه؟.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة، عن عبد الملك بن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: "كنت عند النبي ﷺ في المسجد، فقدّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى رسول الله ﵇ فقال: إني أمرت بِبُدْني التي بعثت بها أن تُقَلَّد اليوم، وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم كن لأُخرج قميصي من رأسي، وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة".
ش: رجاله ثقات، وحاتم بن إسماعيل المدني روى له جماعة، وعبد الرحمن بن عطاء وثقه ابن سعد، وقال أبو حاتم: شيخ، روى له أبو داود والترمذي.
وأبو لبيبة بفتح اللام وكسر الباء الموحدة، وفي "التكميل": عبد الرحمن بن عطاء القرشي مولاهم أبو محمد ابن بنت أبي لبيبة الزارع المديني صاحب الشارع، وهي أرض عند المدينة بطرف منه.
وعبد الملك بن جابر بن عتيك الأنصاري المدني، قال أبو زرعة: ثقة. روى له أبو داود والترمذي.
وأخرجه عبد الرزاق: عن داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء، أنه سمع ابني جابر يحدثان، عن أبيهما قال: "بينما النبي ﵇ جالس مع أصحابه، شق قميصه حتى خرج منه، فقيل له فقال: واعدتهم يقلدون هديا اليوم، فنسيت".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن عبد الرزاق نحوه.
стр. 4487
قلت: أراد يا بني جابر عبد الرحمن ومحمد ابني جابر بن عبد الله.
قوله: "قدّ قميصه" أي قطعه وشقه والقدّ القطع طولًا كالشق.
وقوله: "من جيبه" أي زيقه وطوقه.
وقوله: "ببُدْني" البُدْن بضم الباء وسكون الدال جمع بدنة وهي من الإِبل والبقر، وأراد بها الإِبل.
قوله: "أن تقلد اليوم وتشعر" التقليد هو أن يجعل في عنق الهدي قلادة من نعل أو قطعة مزادة. والإِشعار أن يطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة وسيجيء الكلام فيها.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا ينبغي للمحرم أن يخلعه كما يخلع الحلال قميصه؛ لأنه إذا فعل الحلال ذلك غطى رأسه وذلك عليه حرام، فأمر بشقه لذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، ومغيرة بن مقسم، وحصن بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبيّ، ويونس بن عُبيد، وأبا قلابة عبد الله بن زيد، ومسروق بن الأجدع؛ فإنهم قالوا: من أحرم وعليه قميص، فإنه يشقه، ولا ينزعه كما ينزع الحلال، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي قتادة ﵄
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينزعه نزعًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: طاوسًا، وعطاء بن أبي رباح، وابن جريج، وسعيد بن المسيب، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وأبا يوسف، ومحمدًا وأحمد، فإنهم قالوا: بل ينزع القميص الذي عليه نزعًا ولا يشقه.
ص: واحتجوا في ذلك بحديث يعلى بن أمية في الذي أحرم وعليه جبّة فأتى رسول الله ﵇ فأمره أن ينزعها نزعًا، وقد ذكرنا ذلك في باب التطيب عند
стр. 4488
الإِحرام، فقد خالف ذلك حديث جابر ﵁ الذي ذكرنا، وإسناده أحسن من إسناده، فإن كانت هذه الأشياء تثبت بصحة الإِسناد فإن حديث يعلى معه من صحة الإِسناد ما ليس في حديث جابر -رضى الله عنه-.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث يعلى بن أمية وهو الذي يقال له: يعلى بن منية أيضًا الذي مضى ذكره في صدر باب التطيب عند الإِحرام، وهو الذي أخرجه من حديث عطاء، عن صفوان بن يعلى بن منية، عن أبيه: "أن رجلاً أتى النبي ﵇ بالجعرانة وعليه جبة وهو مُصَفّر لحيته ورأسه، فقال: يا رسول اللهَ، إني قد أحرمت وأنا كما ترى، فقال: انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة".
وجه الاستدلال: أنه ﵇ أمر الرجل بنزع الجبة ولم يأمره بشقها، فكذلك القميص.
فهذا وإن كان يعارضه حديث جابر المذكور ظاهرًا، ولكن لا يعتبر بتلك المعارضة لأن من شرطها مساواة الحديثين في الصحة وعدمها، وحديث جابر لا يعادل حديث يعلى؛ لأن حديث يعلى أصح إسنادًا، ورجاله رجال الصحيحين والأربعة: وأخرجه الجماعة أيضًا كما قد بينا في باب التطيب عند الإِحرام، وحديث جابر في سنده عبد الرحمن بن عطاء فهو وإن كان وثقه ابن سعد فقد ضعفه غيره، وقال البخاري: فيه نظر، وأدخله في "الضعفاء" وعبد الملك بن جابر لم يخرج له الشيخان شيئًا، والحديث ذكره عبد الحق الإِشبيلي في "أحكامه" وقال: عبد الرحمن ابن عطاء ضعيف.
ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا الذين كرهوا نزع القميص إنما كرهوا ذلك لأنه يغطي رأسه إذا نزع قميصه، فأردنا أن ننظر هل تكون تغطية الرأس في الإِحرام على كل الجهات منهيًا عنها أم لا؟ فرأينا المحرم نُهي عن لبس القلانس والعمامة والبرانس، فنهي أن يُلبِس رأسه شيئًا، كما نُهي أن يُلبس
стр. 4489
بدنه القميص، ورأينا المحرم لو حمل على رأسه ثيابًا وغيرها لم يكن بذلك بأس، ولم يدخل ذلك فيما قد نهي عن تغطية الرأس بالقلانس وما أشبهها؛ لأنه غير لابس، فكان النهي إنما وقع في ذلك على تغطية ما يلبسه الرأس لا غير ذلك مما غطي به، وكذلك الأبدان نُهي عن إلباسها القميص ولم ينه عن تجليلها بالأُزر، فلما كان ما وقع عليه النهي من هذا في الرأس إنما هو الإِلباس لا التغطية التي ليست بإلباس، وكان إذا نزع القميص فلاقى ذلك رأسه فليس ذلك بإلباس منه لرأسه شيئًا، إنما ذلك تغطية منه لرأسه، وقد ثبت مما ذكرنا أن النهي عن لبس القلانس لم يقع على تغطية الرأس، وإنما وقع على إلباس الرأس في حال الإِحرام ما يلبس في حال الإِحلال، فلما خرج بذلك ما أصاب الرأس من القميص المنزوع من حال تغطية الرأس المنهي عنها ثبت أنه لا بأس بذلك؛ قياسًا ونظرًا عل ما ذكرنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما وجه الحكم المذكور من طريق النظر والقياس: فإنا رأينا .. إلى آخره وجد ذلك ظاهر.
قوله: "ولم يُنه عن تجليلها بالأزر" التجليل بالجيم من جللت الفرس إذا ألبسته الجُلَّ، وتجلله إذا علاه.
"والأزُر" بضم الهمزة وسكون الزاي: جمع إزار.
ص: وقد اختلف المتقدمون في ذلك، حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا يونس عن الحسن.
وأخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي، أنهم قالوا: "إذا أحرم الرجل وعليه قميص فليخرقه حتى يخرج منه".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير .. مثله.
стр. 4490
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن [بن] (١) زياد قال: ثنا شعبة، عن المغيرة وحماد، عن إبراهيم قال: "إذا أحرم الرجل وعليه قميص قال أحدهما: يشقه، وقال الآخر: ينزعه من قبل رجليه".
حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء ابن أبي رباح: "أن رجلاً يقال له: يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره النبي ﵇ أن ينزعها، قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنا نرى أن يشقها، فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد".
حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن أبي مسلمة الأزدي، قال: "سمعت عكرمة وسئل عمن أحرم [وعليه] (٢) قباء قال: يخلعه".
فهذا عطاء وعكرمة قد خالفا إبراهيم والشعبي وسعيد بن جبير، وذهبا إلى ما ذهبنا إليه من حديث يعلى ﵁.
ش: أي وقد اختلف السلف من التابعين فيمن أحرم وعليه قميص، هل يخرقه أو ينزعه؟ فروي عن الحسن وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي وسعيد بن جبير ﵁: أنه يخرقه ليخرج منه.
وروي عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس: أنه ينزعه.
وقد خالفنا هؤلاء الأربعة وذهبنا إلى ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من حديث يعلى بن أُميَّة.
أما أثر الحسن وإبراهيم والشعبي فأخرجه بإسناد صحيح: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن البصري.
стр. 4491
وعن هشيم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي وعامر الشعبي ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم ويونس، عن الحسن، ومغيرة وحصين، عن الشعبي: "قالوا: يخرقه".
وأما أثر سعيد بن جبير فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن روح بن الفرج، عن يوسف بن عدي، عن شريك بن عبد الله، عن سالم بن أبي أمية القرشي المدني.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، وعن سعيد بن مسروق عن أبي صالح قال: "إذا أحرم وعليه قميص فليشقه".
وأخرج لإبراهيم من طريق آخر: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن المغيرة وحماد بن أبي سليمان، كلاهما عن إبراهيم النخعي.
قوله: "قال أحدهما" أراد به المغيرة أو حمادًا.
وأما أثر عطاء فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح .. إلى آخره.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣): عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن يعلى مرفوعًا: "أن [النبي ﷺ رأى] (٤) رجلاً عليه جبة عليها أثر خلوق أو صفرة، فقال: اخلعها عنك واجعل في عمرتك ما تجعل في حجك، قال قتادة: فقلت لعطاء: كنا نسمع أنه قال: شقها، قال: هذا فساد، والله لا يحب الفساد".
стр. 4492
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث الطيالسي.
وأما أثر عكرمة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن شعبة، عن أبي مسلمة الأزدي واسمه سعيد بن زيد البصري من رجال الصحيحين وغيرهما.
قوله: "وسئل" الواو فيه للحال.
...
стр. 4493
ص: باب: ما كان النبي ﵇ محرمًا في حجة الوداع
ش: أي هذا باب في بيان صفة إحرام النبي ﵇ في حجة الوداع؛ هل كان فيه مفردًا أو قارنًا أو متمتعًا؟ وهذا باب عظيم، وفيه أحاديث كثيرة، وللعلماء فيه أقاويل.
وكانت حجة الوداع سنة عشرٍ، ويقال لها: حجة البلاغ، وحجة الإِسلام.
وإنما سميت حجة الإِسلام؛ لأنه ﵇ لم يحج من المدينة غيرها، ولكنه حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها، وقد قيل: إن فريضة الحج نزلت عامئذ، وقيل: سنة تسع، وقيل: قبل الهجرة، وهو غريب.
وإنما سميت حجة الوداع؛ لأنه ﵇ ودع الناس فيها ولم يحج بعدها.
وسميت حجة البلاغ؛ لأنه ﵇ بلغ الناس شرع الله في الحج قولًا وفعلًا ولم يكن بقي من دعائم الإِسلام وقواعده إلاَّ وقد بيَّنه ﵇.
وكان ﵇ حج حجة واحدة واعتمر أربع عُمَر.
روي قتادة قال: "سألت أنس بن مالك قلت: كم حج رسول الله ﵇؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع مرات: عمرته في زمن الحديبية، وعمرته في ذي القعدة من المدينة، وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم غنيمة حنين، وعمرته مع حجته". رواه الشيخان (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) وأحمد (٤).
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ أفرد الحج".
стр. 4494
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد -هو ابن موسى- قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "خرجنا ولا نرى إلاَّ أنه الحج".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع، منا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله ﵇ بالحج، فأما من أهل بالعمرة فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحل حتى يوم النحر.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، قال: حدثنا علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ أمر الناس عام حجة الوداع فقال من أَحَبَّ أن يبدأ بالعمرة قبل الحج فليفعل، وإن رسول الله ﵇ أفرد الحج".
ش: هذه أربع طرق صحاح.
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مسلم (١): عن إسماعيل بن أبي أويس، حدثني خالي مالك بن أنس، وعن يحيى بن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
وأبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك.
والترمذي (٣): عن أبي مصعب، عن مالك.
والنسائي (٤): عن عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن، عن مالك.
стр. 4495
وابن ماجه (١): عن هشام بن عمار وأبي مصعب، كلاهما عن مالك.
الثاني: عن ربيع بن سليمان، عن أسد السنة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن منصور بن زاذان، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٢): بأتم منه، ثنا عثمان بن جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "خرجنا مع النبي ﵇ ولا نرى إلاَّ أنه الحج، فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي ﵇ من لم يكن ساق الهدي، [أن] (٣) يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن، قالت عائشة: فحضت فلم أطف، فلما كانت ليلة الحصبة، قلت: يا رسول الله رجع الناس بعمرة وحج وأرجع أنا بحجة؟! قال: وما طفت ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا، قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا. وقالت صفية: ما أراني إلاَّ حابستهم، قال: عَقْرَى حَلْقَى، أَوَ مَا طفت يوم النحر؟ قالت: قلت: بلى، قال: لا بأس انفري. قالت عائشة: فلقيني النبي ﵇ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها، أو [أنا مصعدة و] (٣) وهو منهبط منها".
قوله: "ولا نرى إلاَّ أنه الحج" قال ابن التين ضبطه بعضهم بفتح النون وبعضهم بضمها.
قال القرطبي: أي لا نظن، وكان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإِحرام وأنواعه، وقيل: يحتمل أن ذلك كان اعتقادها من قبل أن تهل، ثم أهلت بعمرة، ويحتمل أن تريد بقولها: "لا نرى" حكاية عن فعل غيرها من الصحابة، وهم كانوا لا يعرفون إلاَّ الحج، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره.
стр. 4496
وزعم القاضي عياض أنها كانت أحرمت بالحج، ثم أحرمت بالعمرة، ثم أحرمت بالحج.
ويدل على أن المراد بقولها: "لا نرى إلاَّ الحج" عن فعل غيرها.
قولها: "فلما قدمنا تطوفنا بالبيت" تعني بذلك النبي ﵇ والناس غيرها، لأنها لم تطف بالبيت ذلك؛ الوقت لأجل حيضها.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع ... " إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
والنسائي (٣) وابن ماجه (٤): كذلك نحوه.
وهذا الحديث مشتمل على أحكام:
الأول: فيه أن أقسام الحج ثلاثة: الإِفراد والتمتع والقران، أما الإِفراد في قولها ومنا من أهل بحج، وأما التمتع والقران فإن قولها ومنا من أهل بحج وعمرة وهو بعمومه يتناول التمتع والقران.
الثاني: استدلت به طائفة على أن الإِفراد بالحج هو الأفضل؛ لقولها: وأهل رسول الله ﵇ بالحج.
стр. 4497
الثالث: فيه بيان أن من جمع بين الحج والعمرة الذي هو القارن، أو المتمتع الذي ساق هديه، لا يحل إلاَّ يوم النحر بعد الحلق وطواف الزيارة.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد من الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسمه عبد الله بن ذكوان، عن علقمة بن أبي علقمة بلال المدني مولى عائشة أم المؤمنين روى له الجماعة، عن أمه مرجانة، وثقها ابن حبان وروى لها أبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن علقمة، عن أمه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ أمر الناس عام حجة الوداع فقال: من أحب أن يبدأ منكم بعمرة قبل الحج فليفعل، فأفرد رسول الله ﵇ بالحج ولم يعتمر".
ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن أسماء قالت: "قدم رسول الله ﵇ وأصحابه مهلين بالحج".
ش: رجاله ثقات تكرر ذكرهم، والخصيب هو ابن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، ووهيب بن خالد البصري، وأم منصور هي صفية بنت شيبة بن الحاجب الصحابية، وقال الدارقطني: لا تصح لها رواية، وقال ابن الأثير: اختلف في صحبتها، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق ﵄.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يونس، نا عمران بن يزيد، عن منصور، عن أمه، عن أسماء قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ مهلين بالحج، فقالت: فقال لنا: من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحل".
стр. 4498
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله في حديثه الطويل: فقال: "وأهل رسول الله ﵇ بالتوحيد ولم يرد رسول الله ﵇ على الناس شيئًا، ولسنا ننوي إلاَّ الحج، ولا نعرف العمرة".
ش: إسناده صحيح، وحاتم بن إسماعيل المدني روى له الجماعة، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أبو عبد الله المدني الصادق، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. وأبوه محمد بن علي الباقر روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١) بطوله: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم، جميعًا عن حاتم -قال أبو بكر حاتم بن إسماعيل المدني- عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: " (دخلت) (٢) على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى، ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبًا بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته -وهو أعمى- وحضر وقت الصلاة، فقام في ساجة ملتحفًا بها، كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﵇ فقال بيده، فعقد تسعًا، فقال: إن رسول الله ﵇ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: إن رسول الله ﵇ حاج، فقدم المدينة بَشَرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﵇ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فَأَرْسَلَتْ إلى رسول الله ﵇ كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله ﵇ في المسجد
стр. 4499
ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﵇ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، [لبيك] (١) لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﵇ شيئاً منه، ولزم رسول الله ﵇ تلبيته، قال جابر ﵁: لسنا ننوي إلاَّ الحج، ولا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول -ولا أعمله ذكره إلاَّ عن النبي ﵇- كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٤) ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٥) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلاَّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى [إذا] (٦) انصبت قدماه في بطن الوادي [سعي] (٦) حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن كان
стр. 4500
منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، أَلِعَامِنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﵇ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا بل لأبد أبد. وقدم علي ﵁ من اليمن ببُدن النبي ﵇، فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله محرشًا على فاطمة للذي صنعت، مستفتيًا لرسول الله ﵇ فيما ذَكَرَت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: صدقت صدقت، ماذا قلت: حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ﵇، قال: فإن معي الهدي، فلا تحل، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي ﵁ من اليمن والذي أتى به النبي ﵇ مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصدوا إلاَّ النبي ﵇ ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﵇ فصلى بها [الظهر والعصر، والمغرب] (١) والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﵇ ولا تشك قريش إلاَّ أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﵇ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحِّلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلاَّ كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فَقَتَلَتْهُ هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. فاتقوا اللهَ في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن
стр. 4501
بكلمة الله، ولكم عليهن ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تُسْأَلون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد -ثلاث مرات- ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلي بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﵇ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله ﵇ وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة السكينة، وكلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﵇ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس -وكان رجلاً حسن المنظر أبيض وسيما- فلما دفع رسول الله ﵇ مرت به ظعنٌ يجرين وطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﵇ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﵇ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحَسِّرٍ فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها حصى الحذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة وأعطى عليًّا ﵁ فنحر ما غير وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبحت، وأكلا من لحمها
стр. 4502
وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله ﵇ فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوًا فشرب منه.
وأخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) بنحوه مطولاً، وأخرجه النسائي (٣) مختصرًا.
قال القاضي عياض: قد تكلم الناس على ما في هذا الحديث من الفقه وكثروا، وقد ألف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخَرَّجَ فيه من الفقه مائة نوع ونيفا وخمسين، ولو تُقُصِّيَ لزاد على هذا العدد قريب منه.
قوله: "فسأل عن القوم حتى انتهى إلي" وذلك لأن جابرًا ﵁ كان قد عمي حينئذ ففيه الاهتبال بالداخلين على الرجل والسؤال عنهم لينزل كل واحد منزله ويعرف لأهل الحق حقه.
قوله: "فنزع زري الأعلى" فيه إكرام الزائر بنزع رداءه وخلع خفيه.
وقوله: "وأنا يومئذ غلام شاب" فيه تنبيه على أن جابرًا إما فعل ذلك به تأنيسًا له لصغره ورقة عليه؛ إذْ لا يفعل هذا بالرجال الكبار، من إدخال اليد في جيوبهم إكبارًا لهم، وفيه أن مس الغلمان الأجانب على وجه الرقة ولغير التلذذ جائز، وإنما يحرم من لمس الغلمان والنظر إليهم ما كان من ذلك على وجه التلذذ.
وقوله: "فقام في ساجة" بسين مهملة وجيم، وهي ثوب كالطيلسان ونحوه، وهكذا هو في رواية الجمهور، وفي رواية نِساجة بالنون المكسورة والسين المهملة المفتوحة وبعد الألف جيم بعدها هاء، وكذا وقع في رواية أبي داود، وهي ضرب من الملاحف المنسوجة لأنها سميت بالمصدر، يقال: نسجت نسجًا ونساجة.
стр. 4503
قوله: "على المشجب" بكسر الميم وسكون الشين المعجمة والجيم، وهي أعواد توضع عليها الثياب.
قوله: "مكث رسول الله ﵇ تسع سنين لم يحج" يعني في المدينة، وقد روي أنه ﵇ حج بمكة حجتين.
قوله: "استثفري" أي اجعلي لنفسك كثفر الدابة ليمتنع ذلك الموضع من سيلان شيء من الدم، تنزيهًا للعبادة عن إظهار هذه النجاسة على صاحبها إذا لم تقدر على أكثر من ذلك.
قوله: "ثم ركب القصواء" بفتح القاف ممدود، ووقع عند العذري بضم القاف والقصر، وهو خطأ في هذا الموضع، والصواب الفتح ها هنا والمد، قال ابن قتيبة: كانت للنبي ﵇ نوق أصابها منها: القصواء والجدعاء والعضباء. قال أبو عُبيد: العضباء اسم ناقة للنبي ﵇ ولم تسم لشيء.
قال القاضي: جاء ها هنا أنه ركب القصواء وفي آخر الحديث أنه خطب على القصواء، وفي غير "مسلم" أنه خطب على ناقته الجدعاء وفي حديث آخر على ناقة خرماء وفي آخر مخضرمة وفي حديث: "أنه كانت له ناقة لا تسبق تسمى القصواء" وفي حديث آخر تسمى العضباء، فدليل هذا كله أنها ناقة واحدة خلاف ما قال ابن قتيبة، وأن ذلك كان اسمها ووصفها لهذا الذي بها، خلاف ما قال أبو عُبيد، ولكن يأتي في كتاب النذور ما يدل على أن العضباء غير القصواء.
وقال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة مثله في الأذن.
قال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه، وقال الأصمعي: في القصواء مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع فإن جاوز الربع فهي عضباء والمخضرم المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا فهي صلماء، وقال أبو عُبيدة: القصواء المقطوعة الأذنين عرضًا، والمخضرمة المستأصلة، والعضباء النصف فما فوقه، قال الحربي: فالحديث يدل على أنه اسمها، وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها.
стр. 4504
وقال الخليل: الخضرمة قطع الواحدة، والعضباء المشقوقة الأذن.
قوله: "فأهل بالتوحيد" إشارة إلى قوله: "لا شريك لك" ومخالفة لقول المشركين في تلبيتهم.
وقوله: "فرقي عليه" بكسر القاف وهي اللغة الغالبة.
قوله: "محرشًا" من التحريش، وهو الإِغراء بين القوم والبهائم وتهييج بعضهم على بعض، وهو ها هنا ذكر لما يوجب عتابه لها.
قوله: "فضربت بِنَمِرة" بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم يمينك إذا خرجت من عرفة تريد الموقف.
قوله: "فأجاز رسول الله ﵇" أجاز لغة في جاز فجاز وأجاز بمعنىً، وقيل: جاز الموضع سلكه وسار فيه، وأجازه خلَّفه وقطعه. قال الأصمعي: جاز: مشى فيه، وأجازه: قطعه.
قوله: "وينكتها" بالتاء المثناة من فوق هكذا الرواية وفيه بعد، ويروي "ينكبها" بالباء الموحدة وهو الصواب. أي يميلها.
قوله: "وجعل حبل المشاة" بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها لام، معناه: صفهم ومجتمعهم في مشيهم، وقيل: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل.
قوله: "مورك رحله" المورك والموركة بكسر الراء هي المرفقة التي تكون عند قادمة الرحل يضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله في الركاب وهي شبه الحلقة الصغيرة.
قوله: "كلما أتى جبلًا من الجبال" الجبل المستطيل من الرمال وقيل: الضخم منه.
قوله: "وسيما" أي حسن الوجه، من الوسامة وهي الحسن.
قوله: "مرت ظعن" بضم الظاء، والمعنى جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج.
قوله: "فنحر ما غبر" أي ما بقي.
стр. 4505
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث وابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر-﵁ قال: "أقبلنا مع رسول الله ﵇ مهلين بالحج مفردًا".
ش: هذا طريق أخر بإسناد صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا عبد الله بن لهيعة، فهو وإن كان فيه مقال ولكنه ذكر متابعة، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
وأخرجه أبو داود (١) مطولاً: ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "أقبلنا مهلين مع رسول الله ﵇ بالحج مفردًا، وأقبلت عائشة مهلة بعمرة، حتى إذا كانت بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة وبالصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﵇ أن يحل منا من لم يكن معه هدي قال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلاَّ أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول الله ﵇ على عائشة فوجدها تبكي، فقال: ما شأنك؟! قالت: شأني أني حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج، ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا، قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت قال: فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وذلك ليلة الحصبة".
وأخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣).
وقوله: (عَرَكَت) بعين وراء مهملتين مفتوحتين أي حاضت، والعارك: الحائض.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب إلى هذا قوم، فقالوا: الإِفراد أفضل من التمتع والقران، وقالوا: به كان إحرام رسول الله ﵇ في حجة الوداع.
стр. 4506
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد العزيز بن أبي سلمة وعبيد الله بن الحسن ومجاهدًا وإبراهيم النخعي والشعبي والأوزاعي ومالكًا والشافعي -في رواية- فإنهم قالوا: الإِفراد أفضل من التمتع والقران، وقالوا: به أي بالإِفراد كان إحرام رسول الله ﵇ في حجة الوداع.
قال أبو عمر: روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وجابر وعائشة ﵃
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: التمتع بالعمرة إلى الحج أفضل من الإِفراد والقران، وقالوا: هو الذي كان رسول الله ﵇ فعله في حجة الوداع.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد وسالمًا والقاسم بن محمد وعكرمة وأحمد والشافعي -في قول- فإنهم قالوا: التمتع أفضل من القران والإِفراد، وإليه ذهب أهل الظاهر، قال أبو عمر: وهو مذهب عبد اللهَ بن عمر وعبد اللهَ بن عباس وابن الزبير وعائشة أيضًا ﵃ وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد أقوال الشافعي، وقال ابن قدامة: ذهب أحمد بن حنبل إلى اختيار التمتع، وبه قالت جماعة من الصحابة ﵃
ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن المسيب، قال: "اجتمع علي وعثمان ﵄ بعسفان وعثمان ينهى عن المتعة، فقال له علي ﵁: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﵇ تنهى عنه؟ فقال: دعنا منك. فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، ثم أهل علي بن طالب بهما جميعًا".
ش: أي ذكر هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أن التمتع أفضل ما رواه سعيد بن المسيب، وأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حجاج بن محمد الأعور، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب قال: "اختلف علي وعثمان وهما
стр. 4507
بعسفان في المتعة، فقال علي ﵁: ما تريد إلاَّ أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﵇، فلما رأى ذلك علي منه أهل بهما جميعًا".
قوله: "بعُسْفان" أي في عسفان، والباء للظرفية و"عسفان" بضم العين وسكون السين المهملتين: قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثين ميلًا من مكة شرفها الله وقد مر الكلام فيه في كتاب الصوم.
قوله: "ثم أهل علي بهما جميعًا" أي ثم أحرم علي بالعمرة والحج جميعًا، وهذا هو عين القران، وذلك لأن من وجوه التمتع أن يتمتع الرجل بالعمرة إلى الحج، وهو أن يجمع بينهما فيهل بهما في أشهر الحج أو غيرها، يقول: لبيك بعمرة وحجة معًا وهذا هو القران، وإنما جعل القران من باب التمتع لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى ويتمتع بجمعهما ولم يحرم لكل واحدة من مكانه، وضم الحج إلى العمرة يدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين أهل العلم في جوازه، وأهل المدينة لا يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلاَّ بسياق الهدي وهو عندهم بدنة لا يجوز دونها، ومما يدل على أن القران تمتع: قول عمر ﵁: "إنما جعل القران لأهل الآفاق، وتلا قول الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) " فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع.
وقال أبو عمر: التمتع بالعمرة إلى الحج على أربعة أوجه، منها وجه واحد مجتمع عليه، والأوجه الثلاثة مختلف فيها.
فأما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج وهي شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل: ذو الحجة كله. فإذا أحرم أحد
стр. 4508
بعمرة في أشهر الحج وكان مسكنه من وراء الميقات من أهل الآفاق، ولم يكن من حاضري المسجد الحرام ثم أقام حلالًا بمكة إلى أن الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده، أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته فهو متمتع بالعمرة إلى الحج، وعليه ما أوجب الله على من تمتع بالعمرة إلى الحج، وذلك ما استيسر من الهدي، وقد قيل: إن هذا الوجه هو الذي روي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود كراهيته، أو قال أحدهما: يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيًّا؟!.
وقد أجمع المسلمون على جواز هذا، وقد قال جماعة من العلماء: إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين: مرة للحج، ومرة للعمرة، ورأى الإِفراد أفضل، فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابًا، ولذلك قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم.
وأما الوجه الثاني: فهو القران، وهو الذي ذكرناه آنفا، وذلك لأن القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني، فالقران والتمتع يتفقان في هذا المعنى ويتفقان عند أكثر العلماء في الهدي، والصيام لمن لم يجد.
وأما الوجه الثالث: فهو فسخ الحج في عمرة، وجمهور العلماء يكرهونه وسيأتي الكلام فيه.
وأما الوجه الرابع: فهو ما قاله ابن الزبير وهو يخطب: أيها الناس، إنه والله ليس المتمتع بالحج إلى العمرة ما تصنعون، ولكن المتمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج الرجل حاجًّا فيحبسه عدوٌّ أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت فيطوف ويسعى ويحل ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل ثم يحج ويهدي.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: "حج عثمان ﵁ فقال له علي ﵁: ألم تسمع رسول الله ﵇ تمتع؟ فقال: بلى".
ش: إسناده صحيح.
стр. 4509
وأخرجه النسائي (١) بأتم منه: أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عبد الرحمن بن حرملة، قال: سمعت سعيد بن المسيب قال: "حج علي وعثمان ﵄ فلما، كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع، فقال: إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا، فَلَبَّى علي وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال علي: ألم أُخْبَر أنك تنهى عن التمتع؟ قال: بلى، قال له علي ﵁: ألم تسمع رسول الله ﵇: تمتع؟ قال: بلى".
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد اللهَ بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، أنه حدثه: "أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حجة معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلاَّ من جهل أمر الله تعالى، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب ﵁ نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﵇ فصنعاها معه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك ... فذكره بإسناد مثله.
ش: هذا طريقان رجالهما رجال الصحيح كلهم ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه النسائي (٢) والترمذي (٣): كلاهما عن قتيبة عن مالك نحوه.
قوله: "لا يصنع ذلك" أي التمتع إلاَّ من لم يدر أمر اللهَ تعالى.
قوله: "فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك" أي عن التمتع، زعم جماعة من العلماء أن المتعة التي نهى عنها عمر ﵁ وضرب عليها هي فسخ الحج إلى العمرة، فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا.
стр. 4510
وزعم آخرون أنه إنما نهى عمر عنها لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام، وقال آخرون: إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته، فخشى أن يضيع الإِفراد والقران، وهما سُنتان للنبي ﵇، وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها، فقيل له: إنك لتخالف أباك، فقال ابن عمر: لم يقل الذي تقولون، إنما قال: أفردوا الحج والعمرة، فإنه أتم للعمرة. أي أن العمرة لا تتم في شهور الحج إلاَّ بهدي، وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله، وعمل بها رسول الله ﵇، فإذا أكثروا عليه [قال:] (١) كتاب الله بيني وبينكم، كتاب الله أحق أن يتبع أم عمر ﵁؟!
قوله: "قد صنعها رسول الله ﵇" أي قد صنع رسول الله المتعة بالعمرة إلى الحج، واستدلت به أهل المقالة الثانية على أن التمتع أفضل من الإِفراد والقران، وقال أبو عمر: أما قول سعد: "قد صنعها رسول الله ﵇ فصنعناها معه" فليس فيه دليل على أن رسول الله ﵇ تمتع، لأن رسول الله ﵇ أفرد الحج، ويحتمل أن يكون قوله: (صنعناها مع) (٢) رسول الله ﵇ يعني أذن بها وأباحها وإذا أمر الرئيس بالشيء جاز أن يضاف ذلك إليه، كما يقال: رجم رسول الله ﵇ في الزنا، وقطع في السرقة ونحو هذا، ومن هذا المعنى قوله: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ (٣) أي أمر فنودي فافهم.
وفي "شرح الموطأ" لأبي حسن الأشبيلي: ولا يصح عندي أن يكون ﵇ متمتعًا إلاَّ تمتع قران، لأنه لا خلاف أنه ﵇ لم يحل من عمرته حتى أمر أصحابه أن يحلوا ويفسخوا حجهم في عمرة، وأنه قد أقام محرمًا من أجل هديه إلى يوم النحر، وهذا حكم القارن لا المتمتع، ثم إن فسخ الحج في العمرة خُصَّ به أصحاب رسول اللهَ ﵇ فلا يجوز اليوم أن يُفعل ذلك عند أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم، لقوله
стр. 4511
تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ (١) يعني لمن دخل فيه، وما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلاَّ ابن عباس وتابعه أحمد وداود دون سائر الفقهاء ولكنهم على أن فسخ الحج في العمرة خص به أصحاب رسول الله ﵇.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سليمان التيميّ، عن غنيم بن قيس قال: "سألت سعد بن مالك عن متعة الحج، فقال: فعلناها وهو يومئذ مشرك بالعُرش -يعني معاوية يعني عروش بيوت مكة".
ش: إسناده صحيح، وابن المبارك هو عبد الله بن المبارك الزاهد المشهور، وسليمان التيمي هو ابن طرخان، وغنيم بن قيس المازني الكعبي البصري أدرك النبي ﵇، ولم يره، روى له الجماعة سوى البخاري.
وسعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا سعيد بن منصور وابن أبي عمر جميعًا، عن الفزاري -قال سعيد: نا مروان بن معاوية- قال: أنا سليمان التيمي، عن غنيم بن قيس قال: "سألت سعد بن مالك [أبي] (٣) وقاص عن المتعة، فقال: قد فعلناها، وهذا يومئذ كافر بالعُرُش يعني بيوت مكة".
وله في رواية: "يعني معاوية" وفي أخرى: "المتعة في الحج".
قوله: "وهو يومئذ" أي معاوية بن أبي سفيان.
"يومئذ مشرك" أراد أنه لم يسلم بعد.
قوله: "بالعُرش" بضم العين والراء جمع عريش وأراد عُرُش مكة وهي بيوتها، وقال أبو عبيد: وسميت بيوت مكة عُرشًا لأنها عيدان تنصب وتظل عليها، ويقال
стр. 4512
لها عروش، فمن قال: عروش فواحدها عرش، ومن قال: عُرش فواحدها عريش، مثل قليب وقلب، وقال بعضهم: "كافر بالعَرش" بفتح العين وسكون الراء وتأوله، وهو تصحيف، ثم إنه أراد بهذا الكلام أنهم تمتعوا قبل إسلام معاوية، وقيل: أراد بقوله كافرٌ الاختفاء والتغطي، يعني أنه كان مختفيًا في بيوت مكة، والأول أشهر لأنه صرح في الرواية الأخرى: "وهو يومئذ مشرك" وقد قالوا: إن المراد بقوله: فعلنا متعة الحج وهو يومئذ مشرك هو إحدى العمرتين المتقدمتين: إما الحديبية، وإما عمرة القضاء، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية معه وقد أسلم لأنها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر، وهذا ظاهر، وقال القاضي: المراد بالمتعة المذكورة: الاعتمار في أشهر الحج والإِشارة بذلك إلى عمرة القضاء لأنها كانت في ذي القعدة، وقد قيل: إن في هذا الوقت كان إسلام معاوية، والأظهر أنه من مسلمة الفتح. وأما غير هذه من عمرة الجعرانة وإن كانت أيضًا في ذي القعدة، فمعاوية كان أسلم ولم يكن مقيمًا بمكة، وكان في عسكر النبي ﵇ إلى هوازن في جملة أهل مكة، وكذلك في حجة الوداع لم يكن معاوية ممن تخلف عن الحج مع النبي ﵇ ولا تخلف عنه غيره، إلاَّ أن يكون أراد فسخ الحج في العمرة التي صنعها من قدم مع النبي ﵇، فمعاوية أيضاً لا يثبت أنه كان مقيمًا بمكة حينئذٍ، وكيف وقد استكتبه النبي ﵇ وكان معه بالمدينة، فلم يكن حينئذٍ مقيمًا بمكة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن مسلم -وهو القُرِّي- قال: سمعت ابن عباس يقول: "أهلّ أصحاب رسول الله ﵇ بالحج، وأهل هو بالعمرة، فمن كان معه هدي فلم يحل، ومن لم يكن معه هدي حلّ، وكان رسول الله ﵇ وطلحة ممن معهما هدي فلم يحلا".
ش: إسناده صحيح، وأبو داود سليمان الطيالسي، ومسلم هو ابن المخراق العبدي القُرشي مولى بني قرّة حي من عبد القيس، روى له مسلم وأبو داود والنسائي.
стр. 4513
وأخرجه مسلم (١): نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي، قال: نا شعبة، قال: نا مسلم القرِّي، سمع ابن عباس يقول: "أهل النبي ﵇ بعمرة، وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي ﵇ ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم، فكان طلحة بن عبيد اللهَ فيمن ساق الهدى فلم يحل".
ص: حدثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي، قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا أبو حمزة، عن ليث -هو ابن أبي سُليم- وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "تمتع رسول الله ﵇ حتى مات، وأبو بكر ﵁ حتى مات، وعمر ﵁ حتى مات، وعثمان ﵁ حتى مات، وقال سليمان في حديثه وأول من تخلى عنها معاوية".
ش: هذان طريقان حسنان
الأول: عن أحمد بن عبد المؤمن الخرساني المروزي، عن علي بن الحسن بن شقيق ابن دينار المروزي شيخ البخاري وأحمد، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة- محمد بن ميمون السكري المروزي، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس اليماني، عن عبد الله ابن عباس.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "تمتع رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، وأول من نهى عنها معاوية" وقال حديث حسن.
وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: هذا حديث منكر، والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا لا يريان التمتع ولا القران.
стр. 4514
وقال أبو عمر في "التمهيد" حديث ليث هذا منكر، وهو ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع، وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها: فسخ الحج في العمرة، فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا.
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروزي، عن سفيان الثوري، عن ليث ... إلى آخره.
وأخرجه الكجي في "سننه": من حديث ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس. نحوه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن عبد الله ابن شريك، قال: "تمتعت، فسألت ابن عمر وابن عباس وابن الزبير ﵃ فقالوا: هديت لسنة نبيك تقدم فتطوف ثم تحل".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك ... فذكر بإسناده نحوه غير أنه قال أبو غسان أظنه قال: لسنة نبيك افعل كذا ثم أحرم يوم التروية وافعل كذا وافعل كذا.
ش: هذان طريقان كلاهما عن فهد بن سليمان.
الأول: عنه، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني وثقه يحيى، عن شريك بن عبد الله النخعي عن عبد الله بن شريك العامري الكوفي وثقه ابن حبان. وقال الجوزجاني: كان مختاريًّا كذابًا.
وفي "التكميل": قال الإِمام أحمد وابن معين وأبو زرعة: ثقة. وقال النسائي: ليس بقوي، وقال النسائي مرة: ليس به بأس.
الثاني: عنه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله ... إلى آخره.
стр. 4515
قوله: "افعل كذا" أراد بهذا بيان صورة التمتع، وهي أنه إذا قدم مكة وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة حل، ثم أحرم بالحج يوم التروية وفعل ما يفعله المفرد بالحج، ثم يذبح دم التمتع والله أعلم.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، ثنا شعبة، عن أبي جمرة قال: "تمتعت فنهاني ناس عنها، فسألت ابن عباس فأمرني بها، فتمتعت فنمت فأتاتي آتٍ في المنام فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور، فأتيت ابن عباس فأخبرته، فقال: الله أكبر سُنَّه أبي القاسم أو سُنَّة رسول الله ﵇.
ش: إسناده صحيح، وأبو جمرة -بالجيم والراء المهملة- اسمه نصر بن عمران ابن عاصم الضبعي.
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، نا شعبة، نا أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي قال: "تمتعت فنهاني ناس، فسألت ابن عباس فأمرني، فرأيت في المنام كأن رجلاً يقول لي: حج مبرور وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس، فقال: سنة النبي ﵇، فقال لي: أقم عندي وأجعل لك سهمًا من مالي. قال: شعبة فقلت: لِمَ؟ فقال: للرؤيا التي رأيت".
وأخرجه مسلم (٢): نا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، قال: سمعت أبا جمرة الضبعي قال: "تمتعت فنهاني ناس عن ذلك، فأتيت ابن عباس فسألته عن ذلك، فأمرني بها، قال: ثم انطلقت إلى البيت فنمت، فأتاني آتٍ في منامي، فقال: عمرة متقبلة وحج مبرور، قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته بالذي رأيت، فقال: الله أكبر، الله أكبر، سنة أبي القاسم ﷺ ".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي -هو أحمد بن خالد- قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن سالم قال: "إني لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حسنٌ
стр. 4516
جميل، فقال: إن أباك كان ينهى عن ذلك، فقال: ويلك، فإن كان أبي قد نهى عن ذلك وقد فعله رسول الله ﵇ أمر به، فبقول أبي تأخذ أم بقول رسول الله ﵇؟! قال: بأمر رسول الله ﵇ قال: (قم) (١) عني".
ش: إسناده صحيح، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق المدني والزهري هو محمد بن مسلم المدني.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن أحمد بن شعيب، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم قال: "كنت عند ابن عمر، فجاءه رجل فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: حسن لا بأس، فقال: إن أباك كان ينهى عنها، فغضب ابن عمر ﵄، وقال: بأمر رسول الله ﵇ نأخذ.
قوله: "حسنٌ" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي التمتع، أي فعلُه حسنٌ جميلٌ.
ص: حدثنا يزيد بن سنان وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عُقيل، عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: "تمتع رسول الله ﵇ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﵇ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله ﵇ بالعمرة إلى الحج".
ش: إسناده صحيح، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، قال: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: "تمتع رسول الله ﵇ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ
стр. 4517
رسول الله ﵇ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﵇ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﵇ مكة، قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء [حرم] (١) منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فطاف رسول الله ﵇ حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خبَّ ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله ﵇ .. ".
وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) أيضًا.
وهذا الحديث مشتمل على بيان لصفة المتمتع الذي ساق الهدي فإنه لا يحل إذا فرغ من أفعال العمرة، وهذا حجة لأبي حنيفة حيث قال: المتمتع الذي قد ساق هديه لا يحل إلاَّ يوم النحر. وقال الشافعي: يحل، وسوق الهدي لا يمنع التحلل، وهذا حجة عليه، وأما المتمتع الذي لا يسوق الهدي فإنه يحل إذا فرغ من أفعال العمرة بلا خلاف.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عروة: "أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﵇ في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه مثل الذي أخبرني به سالم، عن عبد الله، عن رسول الله ﵇".
стр. 4518
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيحين ما خلا ابن أبي داود.
وأخرجه مسلم (١): حدثني عبد الملك بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: "أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ أخبرته عن رسول الله ﵇ في تمتعه بالعمرة وتمتع الناس معه مثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله، عن رسول الله ﵇".
وأخرجه البخاري (٢) نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٣): أيضًا من حديث الليث، عن عقيل ... إلى آخره نحوه.
ثم قال: وقد روينا عن عائشة وابن عمر ما يعارض هذا، وهو الإِفراد حيث لم يتحلل من إحرامه إلى آخر شيء؛ دلالة على أنه لم يكن متمتعًا.
قلت: هذا لا يرد على فقهاء الكوفة؛ فعندهم المتمتع إذا أهدى لا يتحلل حتى يفرغ من حجه، وهذا الحديث أيضًا ينفي كونه مفردًا؛ لأن الهدي لا يمنع المفرد من الإِحلال، فهو حجة على البيهقي وفي "الاستذكار": لا يصح عندنا أن يكون متمتعًا إلاَّ تمتع قران؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه ﵇ لم يحل في عمرته وأقام محرمًا من أجل هديه إلى يوم النحر، وهذا حكم القارن لا المتمتع والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: فقد رويتم عن عائشة ﵂ في أول هذا الباب خلاف هذا، فرويتم عن القاسم، عن عائشة: أن رسول الله ﵇ أفرد الحج، ورويتم عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله ﵇ بالحج" ورويتم عن أم علقمة، عن عائشة: "أن
стр. 4519
رسول الله ﵇ عام حجة الوداع أفرد بالحج ولم يعتمر" قيل له: يجوز أن يكون هذا على معنى لا يخالف معنى ما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة، وذلك أنه قد يجوز أن يكون الإِفراد الذي ذكره القاسم عن عائشة إنما أرادت به إفراد الحج في وقت ما أحرم به، وإن كان قد أحرم بعد خروجه منه بعمرة، فأرادت أنه لم يخلطه في وقت إحرامه به بإحرام بعمرة كما فعل غيره ممن كان معه، وأما حديث محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة فإنها أخبرت أن منهم من أهل بعمرة لا حجة معها، ومنهم من أهل بحجة وعمرة تعني مقرونين، ومنهم من أهل بالحج ولم تذكر في ذلك التمتع، فقد يجوز أن يكون الذين قد كانوا أحرموا بالعمرة أحرموا بعدها بحجة، ليس حديثها هذا ينفي من ذلك شيئًا، وأنها قالت: وأهل رسول الله ﵇ بالحج مفردًا فقد يجوز أن يكون ذلك الحج المفرد بعد عمرة قد كانت تقدمت منه مفردة، فيكون أحرم بعمرة مفردة على ما في حديث القاسم ومحمد بن عبد الرحمن عن عروة، ثم أحرم بعد ذلك بحجة على ما في حديث الزهري عن عروة، حتى تتفق هذه الآثار ولا تتضاد، فأما معنى ما روت أم علقمة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵇ أفرد الحج ولم يعتمر، فقد يجوز أن تكون تريد بذلك أنه لم يعتمر في وقت إحرامه بالحج كما فعل من كان معه، ولكنه اعتمر بعد ذلك.
ش: لما كانت أحاديث عائشة -رضى الله عنها- في هذا الباب متعارضة ظاهرًا، وجه ذلك ظاهر فيما ذكره يتأتى فيها سؤال من كل واحد من أهل المقالتين على الآخر، فلذلك ذكره بصورة السؤال والجواب وهما ظاهران، وقال أبو عمر: الاضطراب عن عائشة في حديثها هذا في الحج عظيم، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه، ودفع بعضهم بعضها ببعض ولم يستطيعوا الجمع بينها، ورام قوم الجمع في بعض معانيها، روى محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة قال: ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم؟ قال القاسم: أهلت عائشة بالحج وقال عروة: أهلت بالعمرة. وذكر الحارث بن مسلمة، عن يوسف بن عمرو، عن ابن وهب، عن مالك أنه قال في حديث عروة عن عائشة في الحج: ليس عليه العمل
стр. 4520
قديمًا ولا حديثًا، قال أبو عمرو: يريد مالك أنه ليس عليه العمل في رفض العمرة لأن العمل عليه عنده في أسباب كثيرة منها: أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة، ومنها أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وغير ذلك.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): حديث عروة عن عائشة منكر وخطأ عند أهل العلم بالحديث.
حدثنا أحمد بن عمر بن أنس، نا عبد الله بن الحسين بن عقال، نا عبيد الله بن محمد السقطي، نا أحمد بن جعفر بن مسلم الختلي، نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهري السداني، نا أحمد بن محمد الأثرم، نا أحمد بن حنبل ... فذكر حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع .. " الحديث، فقال أحمد: أيش في هذا الحديث من العجب؟ هذا خطأ، قال الأثرم: فقلت له: الزهري، عن عروة، عن عائشة بخلافه. قال أحمد: نعم، وهشام بن عروة. انتهى.
وفي "التمهيد": دفع الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن عُلَيّة حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط لم يتابع عروة على ذلك أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل ابن إسحاق: قد أجمع هؤلاء يعني القاسم والأسود وعروة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط، وقال عياض اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا، ففي رواية: أحللنا بعمرة، وفي أخرى: فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ولم أهل إلاَّ بعمرة، وفي أخرى: خرجنا لا نريد إلاَّ الحج، وفي أخرج: لبينا بالحج، وفي أخرى: مهلين بالحج، والكل صحيح، وفي رواية: وكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي وقال بعضهم: نرجح أنها كانت محرمة بحج، لأنها رواية عمرة والأسود والقاسم، وعلّلوا رواية عروة في العمرة، ورجحوا رواية غيره على روايته، لأن عروة قال في