← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

جميل، فقال: إن أباك كان ينهى عن ذلك، فقال: ويلك، فإن كان أبي قد نهى عن ذلك وقد فعله رسول الله ﵇ أمر به، فبقول أبي تأخذ أم بقول رسول الله ﵇؟! قال: بأمر رسول الله ﵇ قال: (قم) (١) عني". ش: إسناده صحيح، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق المدني والزهري هو محمد بن مسلم المدني. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن أحمد بن شعيب، نا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم قال: "كنت عند ابن عمر، فجاءه رجل فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: حسن لا بأس، فقال: إن أباك كان ينهى عنها، فغضب ابن عمر ﵄، وقال: بأمر رسول الله ﵇ نأخذ. قوله: "حسنٌ" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي التمتع، أي فعلُه حسنٌ جميلٌ. ص: حدثنا يزيد بن سنان وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عُقيل، عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: "تمتع رسول الله ﵇ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﵇ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله ﵇ بالعمرة إلى الحج". ش: إسناده صحيح، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي روى له الجماعة. وأخرجه البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، قال: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: "تمتع رسول الله ﵇ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ

стр. 4517

رسول الله ﵇ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﵇ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﵇ مكة، قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء [حرم] (١) منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فطاف رسول الله ﵇ حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خبَّ ثلاثة أطواف، ومشى أربعة، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حلَّ من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله ﵇ .. ". وأخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) أيضًا. وهذا الحديث مشتمل على بيان لصفة المتمتع الذي ساق الهدي فإنه لا يحل إذا فرغ من أفعال العمرة، وهذا حجة لأبي حنيفة حيث قال: المتمتع الذي قد ساق هديه لا يحل إلاَّ يوم النحر. وقال الشافعي: يحل، وسوق الهدي لا يمنع التحلل، وهذا حجة عليه، وأما المتمتع الذي لا يسوق الهدي فإنه يحل إذا فرغ من أفعال العمرة بلا خلاف. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عروة: "أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﵇ في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه مثل الذي أخبرني به سالم، عن عبد الله، عن رسول الله ﵇".

стр. 4518

ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيحين ما خلا ابن أبي داود. وأخرجه مسلم (١): حدثني عبد الملك بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير: "أن عائشة ﵂ زوج النبي ﵇ أخبرته عن رسول الله ﵇ في تمتعه بالعمرة وتمتع الناس معه مثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله، عن رسول الله ﵇". وأخرجه البخاري (٢) نحوه. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٣): أيضًا من حديث الليث، عن عقيل ... إلى آخره نحوه. ثم قال: وقد روينا عن عائشة وابن عمر ما يعارض هذا، وهو الإِفراد حيث لم يتحلل من إحرامه إلى آخر شيء؛ دلالة على أنه لم يكن متمتعًا. قلت: هذا لا يرد على فقهاء الكوفة؛ فعندهم المتمتع إذا أهدى لا يتحلل حتى يفرغ من حجه، وهذا الحديث أيضًا ينفي كونه مفردًا؛ لأن الهدي لا يمنع المفرد من الإِحلال، فهو حجة على البيهقي وفي "الاستذكار": لا يصح عندنا أن يكون متمتعًا إلاَّ تمتع قران؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه ﵇ لم يحل في عمرته وأقام محرمًا من أجل هديه إلى يوم النحر، وهذا حكم القارن لا المتمتع والله أعلم. ص: فإن قال قائل: فقد رويتم عن عائشة ﵂ في أول هذا الباب خلاف هذا، فرويتم عن القاسم، عن عائشة: أن رسول الله ﵇ أفرد الحج، ورويتم عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله ﵇ بالحج" ورويتم عن أم علقمة، عن عائشة: "أن

стр. 4519

رسول الله ﵇ عام حجة الوداع أفرد بالحج ولم يعتمر" قيل له: يجوز أن يكون هذا على معنى لا يخالف معنى ما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة، وذلك أنه قد يجوز أن يكون الإِفراد الذي ذكره القاسم عن عائشة إنما أرادت به إفراد الحج في وقت ما أحرم به، وإن كان قد أحرم بعد خروجه منه بعمرة، فأرادت أنه لم يخلطه في وقت إحرامه به بإحرام بعمرة كما فعل غيره ممن كان معه، وأما حديث محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة فإنها أخبرت أن منهم من أهل بعمرة لا حجة معها، ومنهم من أهل بحجة وعمرة تعني مقرونين، ومنهم من أهل بالحج ولم تذكر في ذلك التمتع، فقد يجوز أن يكون الذين قد كانوا أحرموا بالعمرة أحرموا بعدها بحجة، ليس حديثها هذا ينفي من ذلك شيئًا، وأنها قالت: وأهل رسول الله ﵇ بالحج مفردًا فقد يجوز أن يكون ذلك الحج المفرد بعد عمرة قد كانت تقدمت منه مفردة، فيكون أحرم بعمرة مفردة على ما في حديث القاسم ومحمد بن عبد الرحمن عن عروة، ثم أحرم بعد ذلك بحجة على ما في حديث الزهري عن عروة، حتى تتفق هذه الآثار ولا تتضاد، فأما معنى ما روت أم علقمة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵇ أفرد الحج ولم يعتمر، فقد يجوز أن تكون تريد بذلك أنه لم يعتمر في وقت إحرامه بالحج كما فعل من كان معه، ولكنه اعتمر بعد ذلك. ش: لما كانت أحاديث عائشة -رضى الله عنها- في هذا الباب متعارضة ظاهرًا، وجه ذلك ظاهر فيما ذكره يتأتى فيها سؤال من كل واحد من أهل المقالتين على الآخر، فلذلك ذكره بصورة السؤال والجواب وهما ظاهران، وقال أبو عمر: الاضطراب عن عائشة في حديثها هذا في الحج عظيم، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه، ودفع بعضهم بعضها ببعض ولم يستطيعوا الجمع بينها، ورام قوم الجمع في بعض معانيها، روى محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة قال: ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم؟ قال القاسم: أهلت عائشة بالحج وقال عروة: أهلت بالعمرة. وذكر الحارث بن مسلمة، عن يوسف بن عمرو، عن ابن وهب، عن مالك أنه قال في حديث عروة عن عائشة في الحج: ليس عليه العمل

стр. 4520

قديمًا ولا حديثًا، قال أبو عمرو: يريد مالك أنه ليس عليه العمل في رفض العمرة لأن العمل عليه عنده في أسباب كثيرة منها: أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة، ومنها أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وغير ذلك. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): حديث عروة عن عائشة منكر وخطأ عند أهل العلم بالحديث. حدثنا أحمد بن عمر بن أنس، نا عبد الله بن الحسين بن عقال، نا عبيد الله بن محمد السقطي، نا أحمد بن جعفر بن مسلم الختلي، نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهري السداني، نا أحمد بن محمد الأثرم، نا أحمد بن حنبل ... فذكر حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع .. " الحديث، فقال أحمد: أيش في هذا الحديث من العجب؟ هذا خطأ، قال الأثرم: فقلت له: الزهري، عن عروة، عن عائشة بخلافه. قال أحمد: نعم، وهشام بن عروة. انتهى. وفي "التمهيد": دفع الأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن عُلَيّة حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط لم يتابع عروة على ذلك أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل ابن إسحاق: قد أجمع هؤلاء يعني القاسم والأسود وعروة على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط، وقال عياض اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت به اختلافًا كثيرًا، ففي رواية: أحللنا بعمرة، وفي أخرى: فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ولم أهل إلاَّ بعمرة، وفي أخرى: خرجنا لا نريد إلاَّ الحج، وفي أخرج: لبينا بالحج، وفي أخرى: مهلين بالحج، والكل صحيح، وفي رواية: وكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي وقال بعضهم: نرجح أنها كانت محرمة بحج، لأنها رواية عمرة والأسود والقاسم، وعلّلوا رواية عروة في العمرة، ورجحوا رواية غيره على روايته، لأن عروة قال في

стр. 4521

رواية حماد بن سلمة، عن هشام عنه: حدثني غير واحد: "أن النبي ﵇ قال لها: دعي عمرتك" فدل أنه لم يسمع الحديث منها. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، أن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ حدثه: "أنه سمع أسماء لما مرت بالحجون تقول: صلى الله على رسول الله ﵇ لقد نزلنا معه هَا هنا ونحن خفاف الحقائب، قليل ظهورنا، قليلة أزوادنا، فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا، ثم أهللنا من العشي بالحج". فهذه أسماء تخبر أن من كان حينئذ ابتدأ بعمرة فقد أحرم بعمرة فصار بها متمتعًا. ش: هذا الإِسناد عن عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، ولكن الحديث صحيح أخرجه الشيخان، وأبو الأسود اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني. فقال البخاري (١): ثنا أحمد بن عيسى، نا ابن وهب، نا عمرو، عن أبي الأسود، أن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر حدثه: "أنه كان يسمع أسماء تقول كلما مرت بالحجون: صلى الله على محمد، لقد نزلنا من هَا هنا ونحن يومئذ خفاف، قليل ظهرنا .. " إلى آخره سواء. وقال مسلم (٢): حدثني هارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى، قالا: نا ابن وهب .. إلي آخره نحو رواية البخاري. قوله: "بالحَجُون" على وزن فَعُول بفتح الفاء، وهو موضع بمكة عند المحصب وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجزارين إلي ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف، وهو مقبرة أهل مكة، وذكر بعضهم الحجون مكان في البيت على ميل ونصف. وقال الجوهري الحجون بفتح الحاء جبل بمكة وهي مقبرة.

стр. 4522

قوله: "خفاف الحقائب" جمع حقيبة وهو كل ما حمل في مؤخر الرحل والقتب ومنه احتقب فلان كذا. قوله: "فلما مسحنا البيت" أي فلما طفنا بالبيت، لأن الطائف يمسح الركن فعبر عن الطواف ببعض ما يفعل فيه، ومنه قول ابن أبي ربيعة: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومَسَّح بالأركان من هو ما مسح فكني بالمسح عن الطواف، قال عياض: وليس هذا اللفظ على عمومه، والمراد به ما عدا عائشة ﵂ لأنها كانت حاضت فلم تتمسح بالبيت ولم تطف ولا تحللت، بذلك من عمرتها، وإنما قصدت هنا الإِخبار عن حجهم مع النبي ﵇ على الصفة التي ذكرت ولم تتعرض لخبر عائشة وعذرها وخصوصها من بينهم، وقيل: لعل أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلت بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن، وأما قول من قال: لعلها أرادت في غير حجتهم مع النبي ﵇ فخطأ لأن في الحديث النص أن ذلك كان في حجهم مع النبي ﵇، فإن قيل: لم تذكر أسماء في حديثها هذا السعي بين الصفا والمروة فدل أن ذلك ليس بواجب. قلت: قال القاضي عياض: لا حجة في ذلك لمن لم يوجب السعي؛ لأن هذا الحديث إنما هو إخبار عما فعلوا مع النبي ﵇ في حجة الوداع، والذي جاء فيه مفسرًا أنهم طافوا معه وسعوا، فيحمل ما أُجمل وأشكل على ما فُسِّر وبُيِّن، فافهم. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن مطرف، عن عمران ﵁ قال: "تمتعنا مع رسول الله ﵇ ونزل فيها القرآن فلم ينهنا رسول الله ﵇ ولم ينسخها شيء، ثم قال رجل برأيه ما شاء. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: "تمتعنا على عهد رسول الله ﵇ متعة الحج، فلم ينهنا عنها ولم ينزل الله فيها نهيًا". ش: هذان طريقان صحيحان:

стр. 4523

الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين. وأخرجه البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، نا همام، نا قتادة، قال: حدثني مطرف، عن عمران قال: "تمتعنا على عهد النبي ﵇ ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء". وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: حدثنا محمد مثنى، قال: حدثني عبد الصمد، قال: نا همام، قال: ثنا قتادة، عن مطرف، عن عمران بن حصين قال: "تمتعنا مع رسول الله ﵇ ولم ينزل فيه القرآن، قال رجل فيها برأيه ما شاء". وفي رواية له (٢): عن أبي رجاء قال: قال عمران بن حصين: "نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج -وأمرنا بها رسول الله ﵇ ثم لم تنزل آية تنسخ متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله ﵇ حتى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. قوله: "رجل" يريد به عمر ﵁ لأنه كان ينهى عنها ويأمر بالإِفراد، قاله عياض، وقال ابن الجوزي: كأنه يريد به عثمان، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون أراد أبا بكر أو عمر أو عثمان، وقال النووي والقرطبي: يعني عمر بن الخطاب ﵁. الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن البصري، عن عمران بن حصين.

стр. 4524

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا عفان، نا حماد، أنا حميد، عن الحسن، عن عمران بن الحصين قال: "تمتعنا على عهد رسول الله ﵇ فلم ينهنا عنها، ولم ينزل فيها نهى". ص: حدثنا سليمان، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "تمتعنا مع رسول الله ﵇ فلما ولى عمر ﵁ خطب الناس، فقال: إن القرآن هو القرآن وإن الرسول هو الرسول وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﵇: متعة الحج فافصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم، والأخرى متعة النساء، فأنهى عنها وأعاقب عليها. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، عن عاصم، عن أبي نضرة، عن جابر قال: "متعتان فعلناهما على عهد رسول الله ﵇ نهانا عنهما عمر ﵁ فلم نعد إليهما". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن سليمان بن شعيب، عن الخصيب بن ناصح، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي نضرة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي ثم العوقي البصري، والعوقة بطن من قيس. وأخرجه مسلم (٢): نا محمد بن المثنى وابن بشار قال ابن مثنى: نا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة قال: "كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهي عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: [على يدي دار الحديث] (٣) تمتعنا مع رسول الله ﵇، فلما قام

стр. 4525

عمر ﵁ قال: إن الله تعالى كان يحل لرسوله ما شاء [بما شاء] (٢) وأن القرآن قد نزل منَازِله فأتموا الحج والعمرةٍ [الله] (٢) كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاَّ رجمته بالحجارة". وحدثنيه زهير بن حرب، قال: ثنا عفان، قال: نا همام عن قتادة ... بهذا الإِسناد وقال في الحديث: "فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم". انتهى. قوله: "وإنهما كانتا متمتعان" أبي أن المتعتين المعهودتين إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء. ولا يقال: إنه إضمار قبل الذكر؛ لأن ذلك كان معهودًا بينهم فصار كالملفوظ. وقوله: "كانتا" بمعنى وجدتا أو وقعتا فكان هنا تامة فلذلك لم تحتج إلى خبر. قوله: "متعتان" مرفوع لأنه خبر إنَّ في قوله: "إنهما"، والمعنى إنهما متعتان كانتا على زمن النبي ﵇. قوله: "متعة الحج" خبر مبتدأ محذوف أي إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء وهي التي يكون العقد فيها إلى أجل معين نحو عشر أيام أو شهر، وسيجيء تحقيق ذلك في بابه إن شاء الله. قوله: "فافصلوا بين حجكم وعمرتكم" إشارة إلى معنى التمتع؛ لأن عمر ﵁ لم يكن يرى بذلك كما ذكرناه، وقال الإِمام: اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج فقيل: هي فسخ الحج في العمرة وقيل: بل هي العمرة في أشهر الحج والحج بعدها ويكون نهيه عن ذلك على جهة الترغيب فيما هو الأفضل الذي هو الإِفراد وليكثر تردد الناس إلى البيت. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة عن عاصم بن سليمان الأحول عن أبي نضرة المنذر بن مالك.

стр. 4526

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الصمد، نا حماد، عن عاصم، عن أبي نضرة، عن جابر قال: "متعتان كانتا على عهد النبي ﵇ فنهانا عنهما عمر ﵁ فانتهينا". ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ من قوله ما يدل على أنه كان كذلك أيضًا. حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن نافع عن ابن عمر عن حفصة: "أنها قالت لرسول الله ﵇: ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر". فدل هذا الحدث أنه كان متمتعًا. لأن الهدي المقلد لا يمنع من الإِحلال إلاَّ في المتعة خاصة هذا إن كان ذلك القول من بعد طوافه للعمرة وقد يحتمل أيضًا أن يكون هذا القول كان منه قبل أن يحرم بالحج وقبل أن يطوف للعمرة، فكان ذلك حكمه - لولا سياقه الهدي- يحل كما يحل الناس بعد أن يطوف، فلم يطف حتى أحرم بالحج فصار قارنًا، فليس يخلو حديث حفصة الذي ذكرنا من أحد هذين التأويلين وعلى أيهما كان في الحقيقة فإنه قد نفى قول من قال: إنه مفردًا بحجة لم يتقدمها عمرة ولم يكن معها عمرة. ش: أي روي عن النبي ﵇ أيضًا ما يدل على أنه كان جمع بين الحج والعمرة في عام حجة الوداع ولم يكن مفردًا وهو حديث حفصة، وهو حديث صحيح أخرجه الجماعة غير الترمذي. فالبخاري (٢): عن إسماعيل، عن مالك. ومسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.

стр. 4527

وأبو داود (١): عن القعنبي، عن مالك. والنسائي (٢): عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك. وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن حفصة زوج النبي ﵇ قالت: يا رسول الله ما شأن الناس .. " إلى آخره نحوه. قوله: "ما شأن الناس" أي ما لهم وما حالهم. قوله: "إني لبدت رأسي" من التلبيد وهو أن يضفره ويجعل فيه شيئًا من صمغ وشبهه ليجتمع ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يحصل منه قمل، وإنما يُلبد من يطول مكثه في الإِحرام. ونص الشافعي وأصحابه على استحبابه للرفق. وقال أبو عمر: زعم بعض الناس أنه لم يقل أحد في هذا الحديث عن نافع: "ولم تحل أنت من عمرتك" إلاَّ مالك وحده قال: وهذه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة منهم: عبيد الله بن عمر وأيوب بن أبي تميمة وهما ومالك حفاظ أصحاب نافع. انتهى. وقال السفاقسي في قولها: "ما شأن الناس حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك": يحتمل أن تريد من حجك؛ لأن معناهما متقارب، يقال: حجَّ الرجل البيت إذا قصده واعتمره إذا قصده، فعبرت بأحدهما عن الآخر وإن كان يقع كل واحد منهما على نوع مخصوص من القصد والنسك. وقيل: إنها لما سمعته يأمر الناس بسرف بفسخ الحج في العمرة ظنت أنه فسخ الحج فيها وقيل: اعتقدت أنه كان معتمرًا.

стр. 4528

وقال القرطبي: معنى قولها وقول ابن عباس: "من عمرتك" أي بعمرتك كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) أي بأمر الله، عبر بالإِحرام بالعمرة عن القران لأنها السابقة في إحرام القارن قولاً ونية ولا سيما على ما ظهر من حديث ابن عمر ﵄ أنه ﵇ كان مضروًا، وقال القاضي عياض: وفي تسميتها إياه عمرة يحتج به من قال: أن النبي ﵇ كان قارنًا بحج وعمرة، قوله (فدل هذا الحديث) أبي حديث حفصة، أن النبي ﵇ كان متمتعا؛ لأن الهدي المقلَّد -بتشديد اللام المفتوحة- لا يمنع من إحلال المحرم إلاَّ في المتعة خاصة وباقي الكلام ظاهر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل القران في ذلك بين العمرة والحجة أفضل من إفراد الحج ومن التمتع بالعمرة إلى الحج وقالوا: كللك فعل رسول الله ﵇ في حجة الوداع. ش: أي خالف الفريقين الأولين جماعة آخرون وأراد بهم: شقيق بن سلمة والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وإسحاق والمزني من أصحاب الشافعي فإنهم قالوا: القران أفضل من الإِفراد والتمتع وإليه ذهب ابن المنذر وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي وعن أحمد: يخير بين القران والإِفراد والتمتع، وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل وإلا فالتمتع. قلت: قول أبي حنيفة في هذا هو قول علي بن أبي طالب ﵁. قوله: "وقالوا" أي قال هؤلاء الآخرون. "كللك فعل رسول الله ﵇" أرادوا أنه ﵇ كان قارنًا في حجة الوداع. وفي "المجرد": وأما حجة النبي ﵇ فاختلف فيها بحسب المذاهب والأظهر قول أحمد: لا أشك أنه كان قارنًا والمتعة أحب إليّ. ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا يونس قال: ثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي، قال: حدثني عبدة بن أبي لبابة قال: حدثني شقيق بن سلمة قال: حدثني رجل من

стр. 4529

تغلب يقال: له أبي معبد قال: "أهللت بالحج والعمرة جميعًا فلما قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ ذكرت له إهلالي فقال: هديت لسنة [نبيكم] (١) أو لسنة النبي ﵇". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد قال: ثنا شريك عن منصور والأعمش عن أبي وائل مثله. حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة قال: ثنا منصور قال: سمعت أبا وائل يحدث أن الصبي ... فذكر مثله. حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد قال: ثنا سلمة بن كهيل عن أبي وائل ... مثله. حدثنا ابن خزيمة قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل ... مثله. حدثنا ابن خزيمة قال: ثنا عبد الله بن رجاء قال: ثنا شعبة عن الحكم، قال: سمعت أبا وائل ... فذكر مثله. حدثنا فهد قال: ثنا الحسن بن ربيع قال: ثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال الصُّبي بن معبد ... فذكر مثله. ش: أبي ذكر هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أفضلية القران [إلى] (٢) حديث صُبَي -بضم الصاد- بن معبد التغلبي الكوفي وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه وأخرج حديثه من سبع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا عن بشر بن بكر التنيسي أحد مشايخ الشافعي روى له البخاري [و] (٣) الأربعة غير الترمذي، عن عبد الرحمن

стр. 4530

ابن عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة الأسدي أبي القاسم البزار الكوفي نزيل دمشق روى له الجماعة، عن شقيق بن سلمة الأسدي روى له الجماعة، عن صُبَي ابن معبد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق بن سلمة، عن الصبي بن معبد عن عمر ... مثله. قال البيهقي: فيه دليل على جواز القران. قلت: فيه دليل على الجواز وعلى أنه أفضل من غيره؛ لقول عمر ﵁ "هديت لسُنّه نبيكم ﵇". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن منصور بن زاذان وسليمان الأعمش كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن الصبي بن معبد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى، عن الأعمش، حدثني شقيق، حدثني الصبي بن معبد -وكان رجلاً من بني تغلب- قال: "كنت نصرانيًّا فأسلمت واجتهدت فلم آل، فأهللت بحجة وعمرة، فمررت بالعذيب على سلمان بن ربيعة ويزيد بن صوحان، فقال أحدهما: أبهما جميعًا؟ فقال له صاحبه: دعه؛ فإنه أضل من بعيره، فكأنما بعيري على عنقي، فأتيت عمر ﵁ فذكرت ذلك له، فقال لي عمر: إنهما لم يقولا شيئًا؛ هديت لسنة نبيك ﵇". الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٣).

стр. 4531

الرابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة .. إلى آخره. الخامس: مثله غير أن موضع سلمة بن كهيل: عاصم بن بهدلة وهو عاصم بن أبي النجود المدني. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: "خرجنا حجاجًا ومعنا الصبي بن معبد، قال: فأحرم بالحج والعمرة، قال: فقدمنا على عمر ﵁ فذكر ذلك له، فقال: هديت لسُنَّة نبيك ﵇". السادس: عن محمد بن خزيمة أيضًا، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري عن شعبة بن الحجاج عن الحكم بن عتيبة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن الصبي بن معبد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عفان، نا شعبة، عن الحكم، عن أبي وائل، عن صُبَي بن معبد: "أنه كان نصرانيًّا تغلبيًّا فأسلم، فسأل أيَّ العمل أفضل؟ فقيل له: الجهاد في سبيل الله، فأراد أن يجاهد، فقيل له: أحججت؟ قال: لا، فقيل: حج واعتمر ثم جاهد، فأهلَّ بهما جميعًا، فوافق زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة، فقالا: هو أضل من ناقته -أو ما هو بأهدى من جمله- فانطلق إلى عمر ﵁ فأخبره بقولهما، فقال: هديت لسُنَّة نبيك أو لسُنَّة رسول الله ﵇". السابع: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن ربيع القسري شيخ الجماعة غير الترمذي، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن الصبي بن معبد.

стр. 4532

ص: فقال الذين أنكروا القران: إنما قول عمر ﵁ "هديت لسنة نبيك" على الدعاء منه له لا على تصويبه إياه في فعله وكان من الحجة عليهم في ذلك مما يدل على أن ذلك لم يكن من عمر ﵁ على جهة الدعاء: أن فهدًا حدثنا قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي قال: ثنا الأعمش قال: حدثنا شقيق قال: ثنا الصبي بن معبد قال: "كنت حديث عهد بنصرانية فلما أسلمت لم ألُ أن أجتهد فأهللت بعمرة وحجة جميعًا فمررت بالعذيب بسلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان فسمعاني وأنا أهلُّ بهما جميعًا فقال أحدهما لصاحبه: أبهما جميعًا؟ وقال الآخر: دعه فإنه أضل من بعيره؛ قال: فانطلقت وكأن بعيري على عنقي فقدمت المدينة فلقيت عمر بن الخطاب ﵁ فقصصت عليه فقال: إنهما لم يقولا شيئًا، هديت لسنة نبيك ﵇". حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش عن شقيق عن الصُبَي بن معبد قال: "أهللت بهما جميعًا فمررت بسلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان فعابا ذلك علي فلما قدمت [على] (١) عمر ﵁ ذكرت ذلك له فقال: لم يقولا شيئًا هديت لسنة نبيك ﵇. فدل قوله: "هديت لسنة نبيك" بعد قوله: "إنهما لم يقولا شيئًا" أن ذلك كان منه على التصويب منه لا على الدعاء. ش: الذين أنكروا القران هم الطائفة الذين ذكروا في الفريقين الأولين، فإنهم قالوا: لما استدلت أهل المقالة الثالثة بما رُوي عن صبي بن معبد على أفضلية القران: لا دلالة لذلك على القرآن ولا على أفضليته لأن قول عمر ﵁ "هديت لسُنَّة نبيك" دعاء منه له على أن يهديه [الله] (٢) لسُنَّة نبيه ﵇ حيث ترك السنة في فعله ذلك ولم يدل ذلك على أنه صوّب فعله ذلك، أعني جمعه العمرة والحج

стр. 4533

في إهلاله فأجاب عن ذلك بقوله: فكان من الحجة عليهم في ذلك، على الذين أنكروا القران بيانه: أن قول عمر ﵁: "هديت لسنة نبيك" بعد قوله: "إنهما لم يقولا شيئًا" يدل على أنه رأى ذلك من الصبي صوابًا وأن ذلك هو سنة النبي ﵇، وليس ذلك منه دعاء له إذ لو كان ذلك على وجه الدعاء لما قال: "إنهما لم يقولا شيئًا" فإنكاره عليهما قولهما دل على أن المراد من قوله: "هديت لسنة نبيك" هو الإِخبار على معنى أنك أتيت بما هو سنة نبيك ﵇ وليس المراد منه هو الدعاء الذي هو الإِنشاء. ثم إنه أخرج الحديث الذي يدل على ذلك من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان .. إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن يحيى عن الأعمش ... بمثله، وقد ذكرناه عن قريب. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن إسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن راهويه شيخ الجماعة غير ابن ماجة. وأخرجه في "مسنده". وأخرجه أبو داود (٢) أيضًا: ثنا محمد بن قدامة بن أعين وعثمان بن أبي شيبة -المعنى- قالا: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن أبي وائل، قال: قال الصبي بن معبد: "كنت رجلاً أعرابيًّا نصرانيًّا فأسلمت، فأتيت رجلاً من عشيرتي يقال له: هذيم بن ثرملة، فقلت له: يا هنا، إني حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ فكيف لي بأن أجمعهما؟ فقال: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، فأهللت بهما معًا جميعًا، فلما أتيت العذيب لقيت سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أُهِلُّ بهما معًا، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيره، قال: فكأنما ألقي علي جبل، حتى أتيت عمر بن الخطاب ﵁،

стр. 4534

فقلت له: يا أمير المؤمنين إني كنت رجلاً أعرابيًّا نصرانيًّا، وإني أسلمت، وأنا حريص على الجهاد، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فأتيت رجلاً من قومي فقال لي: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدي، وإني أهللت بهما معًا، فقال عمر ﵁: "ذهبت لسنة نبيك ﵇". وأخرجه النسائي (١) وابن ماجه (٢) أيضًا. قوله: "لم آل أن أجتهد" أبي لم أقصر في الاجتهاد و"أن" مصدرية قال الجوهري: "ألا يألو" أبي قصر وفلان لا يألوك نصحا فهو آلٍ والمرأة: آلية وجمعها: أو الٍ. قوله: "بالعذيب" بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة: ماء لبني تيم إذا خرجت عن القادسية تريد مكة والعذيب أول البادية قاله ياقوت في المشترك. قوله: "سلمان بن ربيعة" وهو الذي يقال له: سلمان الخيل سمي به لأنه كان يلي الخيول في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بالكوفة، يقال: إن له صحبة وذكره ابن حبان في الثقات التابعين، وكان رجلاً يأتي الحج كل سنة، وهو أول قاض استقضي بالكوفة، مكث أربعين يومًا لا يأتيه خصم وكان قد استقضاه عمر بن الخطاب يومئذ، قتل [ببلنجر] (٣) سنة خمس وعشرين وقيل: تسع وعشرين وقيل: ثلاثين وقيل: إحدى وثلاثين. وزيد بن صوحان -بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبالحاء المهملة- صحابي قال أبو عمر: لا أعلم له صحبة ولكنه ممن أدرك النبي ﵇ مسلمًا قتل يوم الجمل سنة ستة وثلاثين وكانت معه راية عبد القيس يومئذ. و"هذيم" بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف.

стр. 4535

ص: وقد رُوي عن ابن عباس عن عمر ﵃ ما يدل على ذلك أيضًا، حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: ثنا الأوزاعي قال: ثنا يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي سفيان عن عمر قال: سمعت النبي ﵇ وهو بالعقيق يقول: "أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا هارون بن إسماعيل قال: ثنا علي بن المبارك قال: ثنا يحيى بن أبي كثير ... فذكر بإسناده مثله. فأخبر عمر ﵁ في هذا الحديث عن رسول الله ﵇ أنه آتاه أتٍ من ربه فقال له: قل: عمرة في حجة فلما كان رسول الله ﵇ قد كان أمر أن يجعل عمرة في حجة استحال أن يكون ما فعل خلافًا لما أمر به. ش: قد روي عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ما يدل على وجود القران وعلى أفضليته وعلى أن النبي ﵇ كان قارنًا في حجة الوداع وهذا ظاهر لأنه ﵇ أُمر أن يقول: عمرة في حجة فيكون مأمورًا بأن يجمع بينهما في الميقات وهذا هو عين القران فإذا كان مأمورًا به استحال أن يكون حجه بخلاف ما أمر به، فإن قيل: لا نسلم ذلك ولا يدل ذلك على أفضلية القران ولا على كون النبي ﵇ قارنًا؛ لأنه جاء في رواية أخرى: "قل عمرة وحجة" ففصل بينهما فحينئذ يحتمل أن يريد أن يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله فكأنه قال: إذا حججت فقل: لبيك بعمرة وتكون في حجتك التي حججت أو يكون محمولًا على معنى تحصيلهما معًا. قلت: رواية البخاري وغيره: "قل عمرة في حجة" وهذه هي الصحيحة وهي تدل على أنه ﵇ أمر أن يجعل العمرة في الحجة وهي صفة القران وكذلك الرواية التي فيها واو العطف تدل على ما ذكرنا؛ لأن الواو لمطلق الجمع والجمع بين الحج والعمرة هو القران وما ذكروه من الاحتمال بعيد وصرف اللفظ إلى غير مدلوله فافهم.

стр. 4536

ثم إنه أخرج الحديث من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن عبد الله بن ميمون السكري الإِسكندراني شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا الحميدي، نا الوليد وبشر بن بكر التنيسي، قالا: ثنا الأوزاعي: ثنا يحيى، قال: حدثني عكرمة، أنه سمع ابن عباس يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: "سمعت النبي ﵇ بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقيل: عمرة في حجة". وأخرجه أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز البصري، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير .. إلى آخره. وأخرجه الييهقي في "سننه" (٤): من حديث أبي زيد الهروي، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى، حدثني عكرمة، حدثني ابن عباس، عن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "آتاني جبريل وأنا بالعقيق فقال صَلِّ في هذا الوادي المبارك ركعتين وقيل: عمرة في حجة فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". ثم قال البيهقي: كذا قال علي بن المبارك: عن يحيى، وخالفه الأوزاعي في أكثر الروايات عنه، فقال: وقال عمرة في حجة. ثم أخرجه كذلك (٥): من حديث الوليد بن مسلم وبشر بن بكر، عن الأوزاعي، ثم قال: وكذا قال شعيب بن إسحاق ومسكين بن بكير، عن الأوزاعي، فيكون ذلك إذنا في إدخال العمرة على الحج؛ لا أنه أمر النبي ﵇ بذلك في نفسه.

стр. 4537

قلت: أخرجه البخاري (١): في الحج من حديث بشر بن بكر والوليد بن مسلم. وفي كتاب الملاعنة (٢): من حديث شعيب بن إسحاق كلهم عن الأوزاعي ولفظه: "وقل عمرة في حجة". وأخرجه أبو داود (٣): كذلك من حديث مسكين بن بكير. وابن ماجه (٤): كذلك من حديث محمد بن مصعب والوليد بن مسلم كلهم عن الأوزاعي. وهذا أولى من رواية من قال: "وقال: عمرة في حجة" لأن الملك لا يلبي وإنما يعلم التلبية، ولو صحت تلك الرواية نوفق بينهما ونقول: المراد: "قال: قل" فاختصره الراوي. قوله: "آتاني الليلة آتٍ" أعم من جبريل وغيره، ولكن في رواية البيهقي: "آتاني جبريل وأنا بالعقيق". وقوله: "الليلة" نصب على الظرف "آتٍ" اسم فاعل كقاضٍ، فاعل لقوله "آتاني". ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن ينقل هذا عن عمر ﵁ وقد نهى عن المتعة؟ وقد ذكرتم ذلك عنه في حديث مالك عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل وذكر في ذلك أيضًا ما حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا مكي بن إبراهيم قال: ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁: "متعتان كانتا على عهد رسول الله ﵇ أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج". حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون قال: ثنا داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهي عن متعة النساء ومتعة

стр. 4538

الحج". قالوا: فكيف يجوز أن يعاقب أحدًا على أمر قد علم أن الله قد أمر به رسوله ﵇؟ قيل: ليست هذه المتعة التي في هذا الحديث هي المتعة التيم استحبها أهل المقالة التيم ذكرناها في الفصل الذي قبل هذا، ولكن هذه المتعة عندنا -واللهَ أعلم- هي الإِحرام الذي كان أصحاب رسول الله ﵇ أحرموه بحجة ثم طافوا لها وسعوا قبل عرفة وحلقوا وحلوا فتلك متعة قد كانت تفعل على عهد رسول الله ﵇ ثم نسخت وسنذكرها وما روي فيها وفي نسخها في غير هذا الموضع في كتابنا هذا إن شاء الله. فهذه المتعة التي نهى عنها عمر ﵁ وتواعد من فعلها بالعقوبة، فأما متعة قد ذكرها الله في كتابه بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وفعلها رسول الله ﵇ وأصحابه فمحال أن ينهى عنها عمر ﵁ بل قد روينا عن عمر أنه استحبها وحض عليها. حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس قال: "يقولون: أن عمر نهى عن المتعة قال عمر ﵁: لو اعتمرت في عام مرتين ثم حججت لجعلتها مع حجتي". حدثنا حسين بن نصر قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان عن سلمة عن طاوس عن ابن عباس قال: قال عمر ﵁ ... فذكر مثله. فهذا ابن عباس قد أنكر أن يكون عمر نهى عن التمتع وذكر عنه أنه استحب القران فدل ذلك أن المتعة التي تواعد عمر من فعلها بالعقوبة هي المتعة الأخرى. ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف يجوز أن يروى الحديث المذكور الذي رواه ابن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃ عن النبي ﵇ أن قيل له: "قل عمرة في حجة" والحال أن عمر ﵁ قد نهى عن المتعة فكيف ينهي عن شيء ثم ينقل ذلك عن النبي ﵇.

стр. 4539

قوله: "قد ذكرتم ذلك عنه" أي قد ذكرتم نهى عن المتعة، عن عمر ﵁ من حديث مالك عن محمد بن مسلم الزهري وقد مضى ذكره في هذا الباب. قوله: "وذكر في ذلك أيضًا" أي وذكر هذا القائل أيضًا ما حدثنا يزيد بن سنان ... إلى آخره. وإسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه مالك في "موطإه" (١). وقوله: "حدثنا علي بن شيبة" طريق آخر وهو أيضًا صحيح وسيأتي الكلام فيه. قوله: "قالوا فكيف يجوز" أي قال القوم الذين ينكرون القران: كيف يجوز أن يعاقب عمر أحدًا على إتيان أمر قد علم عمر أن الله قد أمر به رسول الله ﵇ وهذا محال في حقه؟ ". وتقرير الجواب هو ما أشار إليه بقوله: "قيل له" أي لهذا القائل: ليست هذه المتعة التي في هذا الحديث الذي فيه النهي والوعيد بالعقاب هي المتعة التي ذكرها أهل المقالة الثانية وهي التي يفعلها المسلمون الآن والباقي ظاهر. وقال ابن حزم أما نهي عمر فإنه عن متعة النساء بلا شك لأنه عند الرجوع إلى القول بها في الحج وقال أبو عمر إنما نهى عمر عند أكثر العلماء عن فسخ الحج في العمرة هذه هي التي نهى عنها. قوله: "فمحال" مرفوع على أنه خبر مقدم والمبتدأ هو: "قوله أن ينهي عنها عمر" و"أن" مصدرية، والتقدير: نهى عمر عنها محال. قوله: "أن استحبها" أي المتعة "وحض عليها" أي رغّب الناس فيها وبين ذلك بقوله حدثنا سليمان إلى آخره. وأخرجه من طريقين صحيحين:

стр. 4540

الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي عن شعبة عن سلمة بن كهيل ... إلى آخره. وأخرجه ابن حزم (١): من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: "لو اعتمرت في سنتي مرتين ثم حججت لجعلت مع حجتي عمرة". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل. وأخرجه ابن حزم (٢) أيضاً: من طريق سفيان عن سلمة ... إلى آخره. قوله: "هي المتعة الأخرى" يعني المتعة المنسوخة. ص: فإن قال قائل: فقد رُوي عن عمر ﵁ أنه أمر بإفراد الحج وذكر في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى قال: سمعت سويدًا يقول: سمعت عمر ﵁ يقول: "أفردوا بالحج". قيل له: ليس ذلك عندنا على كراهته لما سوى الإِفراد من التمتع والقران ولكنه لإِرادته معنى سوى ذلك قد بيَّنه عبد الله بن عمر حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا بشر بن عمر قال: ثنا مالك. وحدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب أن مالك أخبره عن نافع عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قلت لسالم: "لِمَ نهى عمر عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله ﵇ وفعلها الناس معه؟ فقال: أخبرني عبد الله بن عمر أن عمر ﵁

стр. 4541

قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج، والحج أشهر معلومات فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور". قال: فأراد عمر بذلك تمام العمرة، لقول الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها بالحج لا تتم إلاَّ بأن يهدي صاحبها هديًّا أو يصوم إن لم يجد هديًّا ومن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صيام، فأراد عمر ﵁ أن يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتموا البيت إلاَّ مرة واحدة في السنة فأخبر ابن عمر عن عمر في هذا الحديث أنه إنما أمر بإفراد العمرة من الحج لئلَّا يلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلاَّ مرة واحدة في السنة لا لكراهية التمتع؛ لأنه ليس من السنة، فأما قوله: "إنه أتم لعمرة أحدكم وحجته أن يفرد كل واحدة من صاحبتها" فإن ما روينا عن ابن عباس عنه يدل على خلاف ذلك. ش: السؤال ظاهر وتقدير الجواب أن يقال: لا نسلم أن قول عمر "أفردوا بالحج" يدل على أنه يكره التمتع والقران لعدم استلزام كلامه ذلك وإنما أراد بهذا الكلام معنى بينه ابنه عبد الله بن عمر فيما روى عن عمر أنه قال: "افصلوا بين حجكم وعمرتكم" فإنه أراد بذلك: أن نفرد أشهر الحج للإِحرام بالحج ونحرم للعمرة في سائر الشهور؛ لتقع زيارة البيت مرتين كل عام. وقال أبو عمر: هذا الكلام من عمر ﵁ إفراط في استحسان الإِفراد بالحج ولا أعلم أحدًا من أهل العلم كره العمرة في أشهر الحج غير عمر ﵁، وقد ثبت عن النبي ﵇ لم تكن عمرته إلاَّ في شوال وقيل: في ذي القعدة وهما جميعًا من أشهر الحج، وقال أيضًا: ولا خلاف بين العلماء أن للمحرم بالعمرة إدخال الحج عليها ما لم يبتدئ بالطواف بالبيت لعمرته هذا إذا كان ذلك في أشهر الحج على أن جماعة منهم وهم أكثر أهل الحجاز يستحبون أنه لا يدخل المحرم الحج على العمرة حتى يفرغ

стр. 4542

من عملها ويفصل بينه وبين العمرة ولهذا استحبوا العمرة في غير أشهر الحج، ولهذا قال عمر ﵁: "افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم [لحج أحدكم] (١) وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج". قوله: "فأما قوله إن أتم لعمرة .. " إلي آخره. أشار بهذا إلى أن قول عمر هذا يعارضه ما رواه عنه ابن عباس من قوله: "سمعت رسول الله ﵇ وهو بالعقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي، فقال صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة" فإن هذا الحديث يخالف ما رواه عنه عبد الله بن عمر وهو ظاهر. ثم إنه أخرج حديث السائل: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الكوفي، روى له الجماعة، عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي وثقه أحمد وروى له مسلم والأربعة، عن سويد بن غفلة الجعفي الكوفي أدرك الجاهلية ورُوي عنه أنه قال: أنا لِدة رسول الله ﵇ ولدت عام الفيل، قدم المدينة حين نُفضت الأيدي من دفن رسول الله ﵇، روى له الجماعة. وحديث عبد الله بن عمر أخرجه من [ثلاث] (٢) طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن بشر بن عمر الزهراني البصري، عن مالك، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٣). الثاني: عن موسى بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر.

стр. 4543

وأخرجه البيهقي (١): بأتم منه من حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇: "في تمتعه بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه مثل الذي أخبرني سالم عن أبيه عن رسول الله، فقلت لسالم: فلم تنه عن التمتع وقد فعل ذلك رسول الله ﵇ والناس معه؟ قال أخبرني ابن عمر ﵁ قال إن أتم العمرة أن تفردوها في أشهر الحج ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) شوال وذو القعدة وذو الحجة، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور". قوله: "إن أتم العمرة أن تفردوها في أشهر الحج" أراد أن إتمام العمرة أن يؤتى بها وحدها في غير أشهر الحج، وذلك لأنها في غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صيام بخلاف ما إذا كانت في أشهر الحج، فإن الرجل إذا أراد أن يتمتع فيها بالحج لا يتم إلاَّ بأن يهدي هديًا فإن لم يجد هديًا يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. قوله: "والحج أشهر معلومات" فيه حذف، أي وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ويقال: تقديره: الحج في أشهر معلومات، وقال الفراء في كتاب معاني القرآن، في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ معناه وقت الحج هذه الأشهر فهي وإن كانت تصلح كلمة "في" فيها فلا يقال إلاَّ بالرفع، وكذلك كلام العرب، يقولون: البرد شهران والحر شهران لا ينصبون لأنه مقدار الحج ولو كانت الأشهر والشهر معرفة على هذا المعنى لصلح فيه النصب ووجه الكلام الرفع، وقال الزمخشري والأشهر المعلومات شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وعند أبي حنيفة وعند الشافعي تسع ذي الحجة وليلة يوم النحر، وعند مالك ذو الحجة كله.

стр. 4544

فإن قلت: ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر؟ قلت: فائدته أن شيئًا من أفعال الحج لا يصلح إلاَّ فيها والإِحرام بالحج لا ينعقد عند الشافعي في غيرها وينعقد عند أبي حنيفة إلاَّ أنه يكره فإن قلت: كيف كان الشهران وبعض الثالث أشهرًا؟ قلت: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، بدليل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١) فلا سؤال فيه إذن وإنما يكون موضع السؤال لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات وقيل: نُزِّل بعض الشهر منزلة كله كما يقال رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر وإنما رآه في ساعة فيها. قوله: "فأخلصوا فيهن الحج" أي في أشهر الحج وأراد بإخلاص الحج فيها: ألَّا يخلطه بالعمرة والدليل عليه قوله: "اعتمروا فيما سواهن من الشهور". ص: وقد روينا عن ابن عمر من رأيه خلافًا لذلك أيضًا. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: ثنا شعبة قال: ثنا صدقة بن يسار وأبو يعفور سمعا ابن عمر يقول: "لأن أعتمر في العشر الأول من ذي الحجة أحب إليَّ من أن أعتمر في العشر البواقي". حدثنا يونس قال: ثنا سفيان قال: ثنا صدقة بن يسار سمع ابن عمر يقول: "عمرة في العشر الأول من ذي الحجة أحب إليَّ من أن أعتمر في العشر البواقي. فحدثت به نافعًا فقال: نعم عمرة فيها هدي أو صيام أحب إليه من عمرة ليس فيها هدي ولا صيام". حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان قال: "حججنا وفينا رجل أعجمي فلبى بالعمرة والحج فعبنا ذلك عليه فسألنا ابن عمر، فقلنا: إن رجلاً منا لبى بالعمرة والحج فما كفارته؟ قال: يرجع بأجرين وترجعون أنتم بأجر واحد".

стр. 4545

حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن صدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: "والله لأن أعتمر قبل الحج وأهدي أحب إليَّ من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة". فهذا عبد الله بن عمر أيضًا فضل العمرة التي في أشهر الحج على العمرة التي في غير أشهر الحج فدل ذلك على صحة ما روى ابن عباس عن عمر ﵃ لأن ابن عمر لو كان سمع ذلك من عمر كما في حديث عقيل عن الزهري إذًا لما قال بخلاف ذلك؛ لأنه قد سمع أباه قاله بحضرة أصحاب النبي ﵇ لا ينكره عليه منكر ولا يدفعه عنه دافع وهو أيضًا فلا يدفعه عنه ولا يقول له أن رسول الله ﵇ قد كان فعل هذا ولكن المحكي في ذلك عن عمر ﵁ هو إرادة عمر أن يُزار البيت وباقي الكلام بعد ذلك، فكلام سالم خلطه الزهري بروايته فلم يتميزا. ش: أي قد روينا عن عبد الله بن عمر من رأي نفسه واجتهاده خلافًا لما رُوي عن عمر، من كون إتمام العمرة في غير أشهر الحج، فإن ابن عمر قال: "لأن أعتمر في العشر الأول من ذي الحجة أحب إليَّ من أن أعتمر في العشر البواقي" لأنه يكون بذلك متمتعًا ويكون فيه هدي أو صيام إن لم يوجد الهدي والدليل عليه قول نافع: عمرة فيها هدي أو صيام أحب إليه -أي إلى ابن عمر- من عمرة ليس فيها هدي ولا صيام، ولأنه جمع بين نسكين وفيه أجران والدليل عليه قول ابن عمر لما سئل عن رجل لبى بالعمرة والحج: "يرجع بأجرين وترجعون أنتم بأجر واحد" فهذا عبد الله بن عمر فضل العمرة التي تكون في أشهر الحج على العمرة التي تكون في غيرها فدل ذلك على صحة ما روى عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب: "سمعت النبي ﵇ وهو بالعقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة" (١) وذلك لأن ابن عمر لو كان سمع ذلك من أبيه عمر بن الخطاب كما في حديث عقيل بن خالد عن محمد بن مسلم

стр. 4546

الزهري قال: قلت لسالم: لِمَ نهى عمر عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله ﵇ وفعلها الناس معه؟ فقال: أخبرني عبد الله بن عمر، أن عمر قال: إن أتم العمرة أن تفردوها في أشهر الحج ... " الحديث. لما قال ابن عمر بخلاف ذلك لأنه على هذا التقدير قد يكون سمع أباه قال ذلك بحضرة أصحاب النبي ﵇ من غير إنكار منكر عليه ولا رد راد وعبد الله أيضًا لم يكن له أن يدفعه ولكن المحكي في هذا عن عمر بن الخطاب هو إرادته أن يزار البيت مرتين في سنة واحدة، وباقي الكلام من كلام سالم بن عبد الله قد خلطه الزهري بروايته بحيث لم يتميز كلام عمر عن كلام سالم وهو معنى قوله: "فلم يتميزا" بضمير التثنية. ثم إنه أخرج ما رُوي عن ابن عمر من رأيه من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد البصري، روى له الجماعة، عن شعبة، عن صدقة بن يسار الجزري وثقه يحيى وأبو داود وروى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وعن أبي يعفور العبدي الكوفي واسمه وقدان وهو أبو يعفور الكبير روى له الجماعة فكلاهما سمعا عبد الله بن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر يقول: "العمرة في العشر أحب إليَّ من العمرة بعد الحج". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن صدقة بن يسار ... إلى آخره. الثالث: عن محمد بن خزيمة عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي روى له البخاري متابعة

стр. 4547

حديثًا واحدًا والأربعة، عن كثير بن جُمهان السُلمي أبي جعفر الكوفي وثقه ابن حبان وروى له الأربعة حديثًا واحدًا في المشي بين الصفا والمروة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثثا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن كثير بن جمهان، قال: "خرجنا حجاجًا ومعنا رجل من أهل الجبل لم يحج قط، فأهل بحجة وعمرة، فعاب ذلك عليه أصحابنا، قال: فنزلنا قريبًا من ابن عمر، قال: فقلنا له: إن معنا رجلاً من أهل الجبل لم يحج قط، فأهلَّ بحجة وعمرة، فعاب ذلك عليه أصحابنا فما كفارته؟ قال: كفارته أن يرجع بأجرين وترجعون بواحد". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢) والبيهقي في "سننه" (٣): من حديث مالك ... إلى آخره. وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: قوله: "قبل الحج " يريد أشهر الحج ويُهدي، لأنه يكون متمتعًا فرأى أن النقض يدخل على الحج والعمرة بفعل العمرة في أشهر الحج، فرأى فعلها قبل الحج أفضل، لأنه يخبر بذلك الخبر أن المشروع فيه بالهدي لا يخبره إذا فعلها بعد الحج، وهذا يقتضي أن جميع ذي الحجة عنده من أشهر الحج، فقلت: لا نسلم أنه يقتضي ذلك لأنه كان يفضل العمرة التي في أشهر الحج على العمرة التي في غير أشهر الحج والعمرة إذا كانت بعد الحج تكون في غير أيام الحج؛ لأن الحج يفرغ منه يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة، فبخروج العاشر من ذي الحجة تخرج أيام الحج والله أعلم.

стр. 4548

ص: فأما قوله: "إن العمرة في أشهر الحج لا تتم إلاَّ بالهدي لمن يجد الهدي أو بالصيام لمن لم يجد الهدي" فثبت بذلك تمام العمرة في غير أشهر الحج إذا كان ذلك غير واجب فيها وأوجب النقصان في العمرة التي في أشهر الحج إذا كان واجبًا فيها وهذا كله إذا كان الحج يتلوها، فإن الحجة على من ذهب إلى ذلك عندنا -والله أعلم-: أنا رأينا الهدي الذي يجب في المتعة والقران يؤكل منه باتفاق المتقدمين جميعًا، ورأينا الهدي الذي يجب لنقصان في العمرة أو في الحجة لا يؤكل منه باتفاقهم جميعًا، فلما كان الهدي الواجب في المتعة والقران يؤكل منه، ثبت أنه غير واجب لنقصان في العمرة أو في الحجة التي بعدها؛ لأنه لو كان لنقصان لكان من أشكال الدماء الواجبة للنقصان ولكان لا يؤكل منه كما لا يؤكل منها ولكنه دم فضل وإصابة خير. ش: أي وأما قول سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ فإنه ذكر فيما روى عنه الزهري أن العمرة في أشهر الحج لا تتم إلاَّ بالهدي أو بالصوم عند عدمه، فدل ذلك على نقصانها في أشهر الحج لوجوب الدم أو بدله، وفي غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صوم فدل ذلك على تمامها في غير أشهر الحج فلذلك ذهبت طائفة إلى هذا وقالوا: من أراد تمام العمرة فليعتمر في غير أشهر الحج فأجاب عن ذلك بقوله: فإن الحجة على من ذهب إلى ذلك عندنا والله أعلم إلى آخره. بيانه أن يقال: إن الهدي الذي يجب في المتعة والقران يؤكل منه بالاتفاق والهدي الذي يجب لنقصان في العمرة أو الحج لا يؤكل منه باتفاق فجواز أكل الهدي في المتعة والقران، يدل على أنه غير واجب لأجل نقصان في العمرة أو الحج بعدها لأنه لو كان كذلك لكان من أشكال الدماء أي من أمثال الدماء ونظائرها التي تجب لأجل النقصان ولكان لا يؤكل منه كما لا يؤكل منها فدل على أنه غير دم لجبر النقصان بل هو دم فضل وإصابة فضل وخير والله أعلم. قوله: "يتلوها" من تلا الشيء إذا تبعه.

стр. 4549

ص: وقد حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: حدثنا وكيع (ح). وحدثنا فهد قال: ثنا الخضر بن محمد الحراني قال: ثنا عيسى بن يونس وأبو أسامة قالوا جميعًا: عن الأعمش عن مسلم البطين عن علي بن حسين عن مروان بن الحكم قال: "كنا نسير مع عثمان بن عفان ﵁ فإذا رجل يلبي بالحج والعمرة فقال عثمان: من هذا؟ فقالوا: علي ﵁، فأتاه عثمان فقال: ألم تعلم أني نهيت عن هذا؟ فقال: بلى ولكني لم أكن لأدع قول النبي ﵇ لقولك". حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا خلاد بن يحيى قال: ثنا سفيان الثوري عن بكير بن عطاء قال: ثنا حريث بن سليم العذري عن علي ﵁: "أنه لبى بهما جميعًا فنهاه عثمان ﵁ فقال: أما إنك قد رأيت؟! فقال علي: أما إنك قد رأيت". فهذا علي ﵁ قد أخبر عن رسول الله ﵇ بخلاف النهي عن قران العمرة والحج، وفعل في ذلك خلاف ما أمر به عثمان وأنكر على عثمان ما أمر به في ذلك فدل هذا من علي أنه قد كان عنده تفضيل للقران على الإِفراد عن النبي ﵇ ولولا ذلك لما أنكر على عثمان ما رأى ولا فضل رأيه على رأي عثمان في ذلك إذ كانا كلاهما أنما أمرا [بما أمرا] (١) به من ذلك عن شيء واحد وهو الرأي ولكن خلافُه عُثمانَ في ذلك دليل عندنا على أنه قد علم فضل القران على ما سواه من رسول الله ﷺ . ش: هذه ثلاث طرق عن علي بن أبي طالب ﵁ أخبر فيها عن النبي ﵇ أنه قد كان قارنًا في حجته وأن القران هو الأفضل، لفعله ﵇ ولاختيار عليٍّ إياه وإنكاره على عثمان في نهيه عنه ولعلمه فضيلة ذلك عن النبي ﵇. الأول: عن أحمد بن داود المكي عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة شيخ ابن ماجه والبخاري في "أفعال العباد" عن وكيع عن سليمان الأعمش عن مسلم بن عمران البطين الكوفي عن علي بن حسين بن علي بن

стр. 4550

أبي طالب ﵁[أبي] (١) المدني زيد العابدين عن مروان بن الحكم ... إلى آخره. وهذا إسناد حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن مسلم البطين عن علي بن حسين بن علي عن مروان بن الحكم قال: "كنا نسير مع عثمان، فسمع رجلاً يلبي بهما جميعًا، فقال عثمان: من هذا الرجل؟ فقالوا: عليَّ، قال: فأتاه عثمان فقال: ألم تعلم أني نهيت عن هذا، قال: بلى ولكن لم أدع فعل رسول الله ﵇ لقولك". الثاني: عن فهد بن سليمان عن الخضر بن محمد بن شجاع الجزري الحراني الثقة عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أحد أصحاب أبي حنيفة وعن أبي أسامة حماد بن أسامة كلاهما عن سليمان الأعمش ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (٣): أخبرني عمران بن يزيد قال: ثنا عيسى -وهو ابن يونس- قال: ثنا الأعمش عن مسلم البطين عن علي بن حسين عن مروان ابن الحكم قال: "كنت جالسًا عند عثمان فسمع عليًّا يلبي بعمرة وحجة فقال: ألم نكن ننهي عن هذا؟ قال: بلى ولكني سمعت رسول الله ﵇ يلبي بهما جميعًا فلم أدع قول رسول الله ﵇ لقولك". الثالث: عن علي بن شيبة عن خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي الكوفي شيخ البخاري عن سفيان الثوري عن بكير بن عطاء الليثي الكوفي وثقه يحيى والنسائي وروى له الأربعة عن حريث بن سليم العذري من بني عذرة وفي "التكميل": حريث رجل من بني عذرة يقال: ابن سليم ويقال: ابن سليمان

стр. 4551

ويقال: ابن عمار. روى له أبو داود وابن ماجه وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه. وأخرجه ابن أبي شيية في "مصنفه" (١): نا ابن مهدي عن سفيان عن بكير بن عطاء عن حريث بن سليم قال: "سمعت عليًّا ﵁ لبى بالحج والعمرة فبدأ بالعمرة، فقال عثمان: إنك ممن ينظر إليه. فقال علي: وأنت ممن ينظر إليه". ص: وقد روى عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵇ كان قرن في حجة الوداع. حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا يحيى بن يحيى قال: ثنا داود بن عبد الرحمن عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله ﵇ أربع عُمَر: عمرة الحديبية وعمرته من العام القابل وعمرته في الجعرانة وعمرته مع حجته وحج حجة واحدة". ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيحين ما خلا ابن شيبة ويحيى بن يحيى شيخ الشيخين. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا النفيلي وقتيبة قالا: ثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله ﵇ أربع عُمَر: عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤا على عمرة قابل-قال قتيبة: هي عمرة القضاء في ذي القعدة- والثالثة من الجعرانة والرابعة التي قرن مع حجته". والترمذي (٣): ثنا قتيبة ثنا داود ... إلى آخره "عمرة الحديبية والعمرة الثانية من قابل، وعمرة القضاء في ذي القعدة، والعمرة الثالثة في الجعرانة، والعمرة الرابعة التي مع حجته". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب.

стр. 4552

وابن ماجه (١): ثنا أبو إسحاق الشافعي إبراهيم بن محمد نا داود بن عبد الرحمن ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. وذكر الترمذي أنه روي مرسلاً، فقال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي ﵇ فذكر نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس. قوله: "أربع عمر" بضم الميم وفتح الميم جمع عمرة. قوله: "عمرة الحديبية" أي إحداها عمرة الحديبية وهي بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وكسر الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره هاء وهي موضع بعضه في الحل وبعضه الآخر في الحرم وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت وهو الموضع الذي صدّ فيه المشركون رسول الله ﵇ عن زيارة البيت، وفي "المطالع": "الحديبية" بتخفيف الياء ضبطاها على المتقنين، وعامة الفقهاء والمحدثين يشددونها وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وبين الحديبية وبين المدينة تسع مراحل ومرحلة إلى مكة، وقد جاء في الحديث وهي بئر قال مالك: وهي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها من الحل، وكانت غزوة الحديبية سنة ست بلا خلاف. قوله "وعمرته في العام القابل" أي الثانية عمرته ﵇ في السنة القابلة وهي سنة سبع من الهجرة وهي التي تسمى عمرة القضاء ويقال: [لها] (٢) القصاص ورجحه السهيلي، ويقال: عمرة القضية، وقال ابن إسحاق: لما رجع رسول الله ﵇ من حنين إلى المدينة أقام شهر ربيع وجمادين ورجب وشعبان ورمضان وشوال يبعث فيما بين ذلك سراياه، ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صَدَّه فيه المشركون معتمرًا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها وأنزل الله في ذلك:

стр. 4553

﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (١). وروي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ ساق في عمرة القضاء ستين بدنة. وقوله: "وعمرته في الجعرانة" وكانت في سَنة ثمان من الهجرة بعد فراغه من قسمة غنائم هوازن، والجعرانة بكسر الجيم وسكون العين قد مرّ تفسيرها مستوفى. قوله: "وعمرته مع حجته" أي العمرة الرابعة عمرته ﵇ مع حجة الوداع وهذا يدل على أنه ﵇ كان قارنًا في حجة الوداع، ويدل على أن القران أفضل من الإِفراد والتمتع ثم إن عُمره ﵇ كان جميعها في أشهر الحج إلاَّ ما جاء من رواية ابن عمر أن واحدة منها كانت في رجب، وأنكرت ذلك عليه عائشة -رضى الله عنها- فسكت ولم يراجعها، وذلك دليل على إثبات قول عائشة وصحة روايتها، إذ لو كان ابن عمر على بصيرة مما قال لراجعها في ذلك. وعن قتادة قال: "سألت أنس بن مالك، قلت: كم حج رسول الله ﵇؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرته في زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته". رواه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥). فإن قيل: ما تقول فيما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "اعتمر رسول الله ﵇ ثلاث عمر وكل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الحجر". رواه الإِمام أحمد (٦)؟

стр. 4554

قلت: قالوا: هذا غريب، وهذه الثلاث العُمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فإنها وقعت في ذي الحجة مع حجته، وإن أراد ابتداء الإِحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية؛ لأنه ﵇ صُدَّ عنها ولم يفعلها، وكان نافع ومولاه ابن عمر ينكران كون رسول الله ﵇ اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما رواه البخاري (١) ومسلم قال نافع: "ولم يعتمر رسول الله ﵇ من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله". وروى مسلم (٢) عن نافع: "ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﵇ من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها" وهذا غريب جدًّا عن ابن عمر ومولاه نافع إنكارهما عمرة الجعرانة، وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم، وهذا أيضًا كما ثبت في "الصحيحين" (٣): عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله: إن رسول الله ﵇ اعتمر في رجب، فقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﵇ إلاَّ وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط". ص: فإن قال قائل: فكيف تقبلون هذا عن ابن عباس وقد رويتم عنه في الفصل الأول أن رسول الله ﵇ تمتع؟ قيل له: قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ أحرم في بدء أمره بعمرة فمضى فيها متمتعًا بها؟ ثم أحرم بحجة قبل طوافه فكان في بدء أمره متمتعًا وفي آخره قارنًا، فأخبر ابن عباس في الحديث الأول بتمتع رسول الله ﵇ لينفي قول من كره المتعة، وأخبر في هذا الحديث الثاني بقرانه على ما كان صار إليه أمره بعد إحرامه بالحجة، فثبت بذلك أن رسول الله ﵇ قد كان في حجة الوداع متمتعًا بعد إحرامه بالعمرة إلى أن أحرم بالحجة فصار بذلك قارنًا.

стр. 4555

ش: تقرير السؤال أن يكون: كيف تقبلون هذا الحديث وهو قوله: "اعتمر رسول الله ... " إلى آخره. والحال أنكم قد رويتم عنه أي عن ابن عباس في الفصل الأول أنه ﵇ تمتع وبين الروايتين منافاة؟ والجواب ظاهر وفهم من كلامه، أن من أحرم بعمرة لأجل التمتع إذا أحرم قبل طوافه للعمرة وأن ذلك يجوز، وإذا أحرم بحجة بعد طوافه للعمرة لا يكون قارنًا بل يكون متمتعًا وظهر من هذا أيضًا أن من ذهب إلى أن النبي ﵇ كان متمتعًا في حجته كان معناه بالنظر إلى بداية أمره ومن ذهب إلى أنه كان قارنًا كان معناه بالنظر إلى نهاية أمره؛ لأنه ﵇ لما أحرم بالحجة بعد إحرامه للعمرة قبل الطواف صار قارنًا لما قلنا، والاعتبار لخاتمة الأعمال، فلذلك ذهب الكوفيون أنه ﵇ كان قارنًا في حجته حتى قال أحمد بن حنبل: لا شك أنه ﵇ كان قارنًا والمتعة أحب إليَّ، فقال ابن جرير الطبري: إن جملة الحال له أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، ولا كان مفردًا لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال وذلك لا يكون إلاَّ للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قرنهما جميعًا، فكان من زاد أولى، ووجه الاختلاف: أن النبي ﵇ لما كان عند الإِحرام جعل يلبي تارة بالحج وتارة بالعمرة وتارة بهما جميعًا ثم إن الذين رووا الإِفراد اختلف عنهم ومن روى القران لم يختلف عليه فالأخذ بقول من لم يختلف عليه أولى، ولأن معه زيادة وهي مقبولة من الثقة والله أعلم. ص: وقد حدثنا فهد قال: ثنا النفيلي قال: ثنا زهير بن معاوية قال: ثنا أبو إسحاق عن مجاهد قال: "سئل ابن عمر ﵄: كم اعتمر رسول الله ﵇؟ فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﵇ قد اعتمر ثلاثًا سوى عمرته التي قرنها بحجته". ش: إسناده صحيح والنفيلي هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل أبو جعفر الحراني شيخ البخاري وأبي داود وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وذكره لدلالته أن رسول الله ﵇ كان قارنًا في حجته وذلك لأن قول عائشة: "سوى عمرته التي قرنها بحجته" نص صريح على أنه ﵇ كان قارنًا.
следующие страницы →